الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 2 البقرة > الآيات ١٢٢-١٢٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذا ابْتَلى يَعْنِي اخْتَبَرَ، وإبْراهِيمُ بِالسُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، وفي الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها، ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ابْتَلى اللَّهُ أحَدًا بِهِنَّ، فَقامَ بِها كُلِّها، غَيْرَ إبْراهِيمَ، ابْتُلِيَ بِالإسْلامِ فَأتَمَّهُ، فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ البَراءَةَ فَقالَ: ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ قالَ: وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشَرَةٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ ﴾ .
وَعَشَرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ .
وعَشَرَةٌ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ .
وفي سُورَةِ (سَألَ سائِلٌ) مِن: ﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ ، إلى: ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّها خِصالٌ مِن سُنَنِ الإسْلامِ، خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ، فَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ في الرَّأْسِ: قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ.
وَفي الجَسَدِ تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ أثَرِ البَوْلِ والغائِطِ بِالماءِ.
وَهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّها عَشْرُ خِصالٍ، سِتٌّ في الإنْسانِ وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ، فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ، والسَّعْيُ بَيْنالصَّفا والمَرْوَةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.
رَوى ذَلِكَ الحَسَنُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ يا إبْراهِيمُ، قالَ: تَجْعَلُنِي لِلنّاسِ إمامًا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي؟
قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ، قالَ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأمْنًا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُنا مُسْلِمِينَ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَرْزُقُ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ؟
قالَ: نَعَمْ، فَهَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ بِها إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّها الخِلالُ السِّتُّ: الكَواكِبُ، والقَمَرُ، والشَّمْسُ، والنّارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والقَوْلُ السّابِعُ: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أُمِّهِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: (ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى؟
لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ)» .
والقَوْلُ الثّامِنُ: ما رَواهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما وفّى؟
قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في النَّهارِ.
» ﴿ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ أيْ مَقْصُودًا مَتْبُوعًا، ومِنهُ إمامُ المُصَلِّينَ، وهو المَتْبُوعُ في الصَّلاةِ.
﴿ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمِعَ في الإمامَةِ لِذُرِّيَّتِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ لَهم.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِخْبارًا عَنْ حالِهِمْ، هَلْ يَكُونُونَ أهْلَ طاعَةٍ فَيَصِيرُوا أئِمَّةً؟
فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ عاصِيًا وظالِمًا، لا يَسْتَحِقُّ الإمامَةَ، فَقالَ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ وفي هَذا العَهْدِ، سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ الإمامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الجَزاءُ والثَّوابُ.
والسّابِعُ: أنَّهُ لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنَّهُ تُطِيعُهُ في ظُلْمِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
*** ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَجْمَعًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ.
والثّانِي: مَرْجِعًا مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ ثابَتِ العِلَّةُ إذا رَجَعَتْ.
وَقالَ الشّاعِرُ: مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تُحِبُّ إلَيْها اليَعْمُلاتُ الذَّوامِلُ وَفِي رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ.
والثّانِي: أنَّهم في كُلِّ واحِدٍ مِن نُسُكَيِ الحَجِّ والعُمْرَةِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ مِن حِلٍّ إلى حَرَمٍ; لِأنَّ الجَمْعَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ.
قالَ تَعالى: ﴿ وَأمْنًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأمْنِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن مَغازِي العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ .
والثّانِي: لِأمْنِ الجُناةِ فِيهِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا مِنهُ.
﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ رَوى حَمّادٌ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ » بِكَسْرِ الخاءِ مِن قَوْلِهِ: واتَّخِذُوا عَلى وجْهِ الأمْرِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ: ( واتَّخَذُوا ) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى وجْهِ الخَبَرِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا المَقامِ، الَّذِي أُمِرُوا بِاتِّخاذِهِ مُصَلًّى، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: الحَجُّ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي في المَسْجِدِ، وهو مَقامُهُ المَعْرُوفُ، وهَذا أصَحُّ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُصَلًّى ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَدْعًى يُدْعى فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مُصَلًّى يُصَلّى عِنْدَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وهو أظْهَرُ التَّأْوِيلَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"