تفسير سورة البقرة الآيات ١٢٢-١٢٤ عند الماوردي

الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 2 البقرة > الآيات ١٢٢-١٢٤

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٢٢ وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ١٢٣ ۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٢٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذا ابْتَلى يَعْنِي اخْتَبَرَ، وإبْراهِيمُ بِالسُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، وفي الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها، ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ابْتَلى اللَّهُ أحَدًا بِهِنَّ، فَقامَ بِها كُلِّها، غَيْرَ إبْراهِيمَ، ابْتُلِيَ بِالإسْلامِ فَأتَمَّهُ، فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ البَراءَةَ فَقالَ: ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى  ﴾ قالَ: وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشَرَةٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ  ﴾ .

وَعَشَرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا  ﴾ .

وعَشَرَةٌ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ .

وفي سُورَةِ (سَألَ سائِلٌ) مِن: ﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ  ﴾ ، إلى: ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ  ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّها خِصالٌ مِن سُنَنِ الإسْلامِ، خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ، فَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ في الرَّأْسِ: قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ.

وَفي الجَسَدِ تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ أثَرِ البَوْلِ والغائِطِ بِالماءِ.

وَهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّها عَشْرُ خِصالٍ، سِتٌّ في الإنْسانِ وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ، فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.

والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ، والسَّعْيُ بَيْنالصَّفا والمَرْوَةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.

رَوى ذَلِكَ الحَسَنُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ يا إبْراهِيمُ، قالَ: تَجْعَلُنِي لِلنّاسِ إمامًا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي؟

قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ، قالَ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأمْنًا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُنا مُسْلِمِينَ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَرْزُقُ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ؟

قالَ: نَعَمْ، فَهَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ بِها إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّها الخِلالُ السِّتُّ: الكَواكِبُ، والقَمَرُ، والشَّمْسُ، والنّارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والقَوْلُ السّابِعُ: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أُمِّهِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ  يَقُولُ: (ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى؟

لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ)» .

والقَوْلُ الثّامِنُ: ما رَواهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما وفّى؟

قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في النَّهارِ.

» ﴿ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ أيْ مَقْصُودًا مَتْبُوعًا، ومِنهُ إمامُ المُصَلِّينَ، وهو المَتْبُوعُ في الصَّلاةِ.

﴿ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمِعَ في الإمامَةِ لِذُرِّيَّتِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِخْبارًا عَنْ حالِهِمْ، هَلْ يَكُونُونَ أهْلَ طاعَةٍ فَيَصِيرُوا أئِمَّةً؟

فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ عاصِيًا وظالِمًا، لا يَسْتَحِقُّ الإمامَةَ، فَقالَ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ وفي هَذا العَهْدِ، سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الإمامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الجَزاءُ والثَّوابُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنَّهُ تُطِيعُهُ في ظُلْمِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

*** ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَجْمَعًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ.

والثّانِي: مَرْجِعًا مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ ثابَتِ العِلَّةُ إذا رَجَعَتْ.

وَقالَ الشّاعِرُ: مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تُحِبُّ إلَيْها اليَعْمُلاتُ الذَّوامِلُ وَفِي رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ.

والثّانِي: أنَّهم في كُلِّ واحِدٍ مِن نُسُكَيِ الحَجِّ والعُمْرَةِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ مِن حِلٍّ إلى حَرَمٍ; لِأنَّ الجَمْعَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ.

قالَ تَعالى: ﴿ وَأمْنًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأمْنِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن مَغازِي العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ  ﴾ .

والثّانِي: لِأمْنِ الجُناةِ فِيهِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا مِنهُ.

﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ رَوى حَمّادٌ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ » بِكَسْرِ الخاءِ مِن قَوْلِهِ: واتَّخِذُوا عَلى وجْهِ الأمْرِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ: ( واتَّخَذُوا ) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى وجْهِ الخَبَرِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا المَقامِ، الَّذِي أُمِرُوا بِاتِّخاذِهِ مُصَلًّى، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: الحَجُّ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي في المَسْجِدِ، وهو مَقامُهُ المَعْرُوفُ، وهَذا أصَحُّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُصَلًّى ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَدْعًى يُدْعى فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُصَلًّى يُصَلّى عِنْدَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وهو أظْهَرُ التَّأْوِيلَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله