الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ﴾ والحَوْلُ السَّنَةُ، وفي أصْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: حالَ الشَّيْءُ إذا انْقَلَبَ عَنِ الوَقْتِ الأوَّلِ، ومِنهُ اسْتِحالَةُ الكَلامِ لِانْقِلابِهِ عَنِ الصَّوابِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحَوُّلِ عَنِ المَكانِ، وهو الِانْتِقالُ مِنهُ إلى المَكانِ الأوَّلِ.
وَإنَّما قالَ: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أقامَ فُلانٌ بِمَكانِ كَذا حَوْلَيْنِ وإنَّما أقامَ حَوْلًا وبَعْضَ آخَرَ، وأقامَ يَوْمَيْنِ وإنَّما أقامَ يَوْمًا وبَعْضَ آخَرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعَجُّلَ في يَوْمٍ وبَعْضِ يَوْمٍ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ فِيما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن رَضاعِ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، عَلى تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ في الَّتِي تَضَعُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَإنْ وضَعَتْ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ أرْضَعَتْ واحِدًا وعِشْرِينَ شَهْرًا، اسْتِكْمالًا لِثَلاثِينَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ بِرَضاعِ كُلِّ مَوْلُودٍ اخْتَلَفَ والِداهُ في رَضاعِهِ أنْ يُرْضَعَ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ والثَّوْرِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ يُرِيدُ بِالمَوْلُودِ لَهُ الأبَ عَلَيْهِ في ولَدِهِ لِلْمُرْضِعَةِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ في الأُمِّ المُطَلَّقَةِ إذا أرْضَعَتْ ولَدَها فَلَها رِزْقُها مِنَ الغِذاءِ، وكِسَوْتُها مِنَ اللِّباسِ.
وَمَعْنى بِالمَعْرُوفِ أُجْرَةُ المِثْلِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّهُ يَعْنِي بِهِ الأُمَّ ذاتَ النِّكاحِ، لَها نَفَقَتُها وكِسْوَتُها بِالمَعْرُوفِ في مِثْلِها، عَلى مِثْلِهِ مِن يَسارٍ، وإعْسارٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ﴾ أيْ لا تَمْتَنِعُ الأُمُّ مِن إرْضاعِهِ إضْرارًا بِالأبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وَقالَ عِكْرِمَةُ: هي الظِّئْرُ المُرْضِعَةُ دُونَ الأُمِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ وهو الأبُ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ، لا يَنْزِعُ الوَلَدَ مِن أُمِّهِ إضْرارًا بِها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الوارِثَ هو المَوْلُودُ نَفْسُهُ، وهَذا قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الباقِي مِن والِدَيِ الوَلَدِ بَعْدَ وفاةِ الآخَرِ مِنهُما، وهو قَوْلُ سُفْيانَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ وارِثُ الوَلَدِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ وارِثُ الوَلَدِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وارِثُهُ مِن عَصَبَتِهِ إذا كانَ أبُوهُ مَيِّتًا سَواءٌ كانَ عَمًّا أوْ أخًا أوِ ابْنَ أخٍ أوِ ابْنَ عَمٍّ دُونَ النِّساءِ مِنَ الوَرَثَةِ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: ورَثَتُهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: هم مِن ورَثَتِهِ مَن كانَ مِنهم ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأجْدادُ ثُمَّ الأُمَّهاتُ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَلى الوارِثِ مِثْلَ ما كانَ عَلى والِدِهِ مِن أُجْرَةِ رَضاعَتِهِ ونَفَقَتِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وإبْراهِيمَ.
والثّانِي: أنَّ عَلى الوارِثِ مِثْلَ ذَلِكَ في ألّا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والزُّهْرِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ والفِصالُ: الفِصامُ، سُمِّيَ فِصالًا لِانْفِصالِ المَوْلُودِ عَنْ ثَدْيِ أُمِّهِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ فاصَلَ فُلانٌ فُلانًا إذا فارَقَهُ مِن خُلْطَةٍ كانَتْ بَيْنَهُما.
والتَّشاوُرُ: اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ بِالمُشاوَرَةِ.
وَفي زَمانِ هَذا الفِصالِ عَنْ تَراضٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ إذا تَراضى الوالِدانِ بِفِطامِ المَوْلُودِ فِيهِ جازَ، وإنْ رَضِيَ أحَدُهُما وأبى الآخَرُ لَمْ يَجُزْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، والسُّدِّيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ وبَعْدَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ ﴾ يَعْنِي لِأوْلادِكم، فَحَذَفَ اللّامَ اكْتِفاءً بِأنَّ الِاسْتِرْضاعَ لا يَكُونُ لِلْأوْلادِ، وهَذا عِنْدَ امْتِناعِ الأُمِّ مِن إرْضاعِهِ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لَهُ غَيْرَها ظِئْرًا.
﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا سَلَّمْتُمْ أيُّها الآباءُ إلى الأُمَّهاتِ أُجُورَ ما أرْضَعْنَ قَبْلَ امْتِناعِهِنَّ، وهَذا قَوْلُمُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: إذا سَلَّمْتُمُ الأوْلادَ عَنْ مَشُورَةِ أُمَّهاتِهِمْ إلى مَن يَتَراضى بِهِ الوالِدانِ في إرْضاعِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ.
والثّالِثُ: إذا سَلَّمْتُمْ إلى المُرْضِعَةِ الَّتِي تُسْتَأْجَرُ أجْرَها بِالمَعْرُوفِ، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.
<div class="verse-tafsir"