الآية ٢٣٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٣ من سورة البقرة

۞ وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌۭ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍۢ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍۢ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٢٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 296 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات : أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة ، وهي سنتان ، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك ; ولهذا قال : ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين ، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم .

قال الترمذي : " باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين " : حدثنا قتيبة ، حدثنا أبو عوانة ، عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي ، وكان قبل الفطام " .

وقال : هذا حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم : أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين ، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئا .

وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام ، وهي امرأة هشام بن عروة .

قلت : تفرد الترمذي برواية هذا الحديث ، ورجاله على شرط الصحيحين ، ومعنى قوله : إلا ما كان في الثدي ، أي : في محل الرضاعة قبل الحولين ، كما جاء في الحديث ، الذي رواه أحمد ، عن وكيع وغندر ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب قال : لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن له مرضعا في الجنة " .

وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة وإنما قال ، عليه السلام ، ذلك ; لأن ابنه إبراهيم ، عليه السلام ، مات وله سنة وعشرة أشهر ، فقال : " إن له مرضعا في الجنة " يعني : تكمل رضاعه ، ويؤيده ما رواه الدارقطني ، من طريق الهيثم بن جميل ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " ، ثم قال : لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل ، وهو ثقة حافظ .

قلت : وقد رواه الإمام مالك في الموطأ ، عن ثور بن زيد ، عن ابن عباس موقوفا .

ورواه الدراوردي عن ثور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس وزاد : " وما كان بعد الحولين فليس بشيء " ، وهذا أصح .

وقال أبو داود الطيالسي ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا رضاع بعد فصال ، ولا يتم بعد احتلام " ، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله : ( وفصاله في عامين ) [ لقمان : 14 ] .

وقال : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) [ الأحقاف : 15 ] .

والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين مروي عن علي ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وجابر ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وأم سلمة ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، والجمهور .

وهو مذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والثوري ، وأبي يوسف ، ومحمد ، ومالك في رواية ، وعنه : أن مدته سنتان وشهران ، وفي رواية : وثلاثة أشهر .

وقال أبو حنيفة : سنتان وستة أشهر ، وقال زفر بن الهذيل : ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين ، وهذا رواية عن الأوزاعي .

قال مالك : ولو فطم الصبي دون الحولين فأرضعته امرأة بعد فصاله لم يحرم ; لأنه قد صار بمنزلة الطعام ، وهو رواية عن الأوزاعي ، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا : لا رضاع بعد فصال ، فيحتمل أنهما أرادا الحولين كقول الجمهور ، سواء فطم أو لم يفطم ، ويحتمل أنهما أرادا الفعل ، كقول مالك ، والله أعلم .

وقد روي في الصحيح عن عائشة ، رضي الله عنها : أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ، والليث بن سعد ، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها فترضعه ، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة أن ترضعه ، وكان كبيرا ، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة ، وأبى ذلك سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأين ذلك من الخصائص ، وهو قول الجمهور .

وحجة الجمهور منهم الأئمة الأربعة ، والفقهاء السبعة ، والأكابر من الصحابة ، وسائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى عائشة ما ثبت في الصحيحين ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " انظرن من إخوانكن ، فإنما الرضاعة من المجاعة " .

وسيأتي الكلام على مسائل الرضاع ، وفيما يتعلق برضاع الكبير ، عند قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) [ النساء : 23 ] وقوله : ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) أي : وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف ، أي : بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار ، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره ، كما قال تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) [ الطلاق : 7 ] .

قال الضحاك : إذا طلق [ الرجل ] زوجته وله منها ولد ، فأرضعت له ولده ، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف .

وقوله : ( لا تضار والدة بولدها ) أي : لا تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته ، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبأ الذي لا يعيش بدون تناوله غالبا ، ثم بعد هذا لها رفعه عنها إذا شاءت ، ولكن إن كانت مضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك ، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها .

ولهذا قال : ( ولا مولود له بولده ) أي : بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارا بها ، قاله مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، والزهري ، والسدي ، والثوري ، وابن زيد ، وغيرهم .

وقوله : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) قيل : في عدم الضرار لقريبه قاله مجاهد ، والشعبي ، والضحاك .

وقيل : عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل ، والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها ، وهو قول الجمهور .

وقد استقصى ذلك ابن جرير في تفسيره .

وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ، وجمهور السلف ، ويرشح ذلك بحديث الحسن ، عن سمرة مرفوعا : من ملك ذا رحم محرم عتق عليه .

وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو عقله ، وقد قال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة : أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين .

فقال : لا ترضعيه .

وقوله : ( فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) أي : فإن اتفقا والدا الطفل على فطامه قبل الحولين ، ورأيا في ذلك مصلحة له ، وتشاورا في ذلك ، وأجمعا عليه ، فلا جناح عليهما في ذلك ، فيؤخذ منه : أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي ، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر ، قاله الثوري وغيره ، وهذا فيه احتياط للطفل ، وإلزام للنظر في أمره ، وهو من رحمة الله بعباده ، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما وأرشدهما إلى ما يصلحه ويصلحهما كما قال في سورة الطلاق : ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) [ الطلاق : 6 ] .

وقوله : ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ) أي : إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد إما لعذر منها ، أو عذر له ، فلا جناح عليهما في بذله ، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن ، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف .

قاله غير واحد .

وقوله : ( واتقوا الله ) أي : في جميع أحوالكم ( واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) أي : فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة القول في تأويل قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } يعني تعالى ذكره بذلك : والنساء اللواتي بن من أزواجهن ولهن أولاد قد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق أو ولدنهم منهم بعد فراقهم إياهن من وطء كان منهم لهن قبل البينونة يرضعن أولادهن , يعني بذلك أنهن أحق برضاعهم من غيرهن وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم , إذا كان المولود له والدا حيا موسرا ; لأن الله تعالى ذكره قال في سورة النساء القصرى : { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } 65 6 وأخبر تعالى أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها , أن أخرى سواها ترضعه , فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها , فكان معلوما بذلك أن قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الولدان في رضاع المولود بعدها , جعل حدا يفصل به بينهما , لا دلالة على أن فرضا على الوالدات رضاع أولادهن وأما قوله { حولين } فإنه يعني به سنتين , كما : 3907 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } سنتين * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله وأصل الحول من قول القائل : حال هذا الشيء : إذا انتقل , ومنه قيل : تحول فلان من مكان كذا : إذا انتقل عنه فإن قال لنا قائل : وما معنى ذكر كاملين في قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } بعد قوله { يرضعن حولين } وفي ذكر الحولين مستغنى عن ذكر الكاملين ؟

إذ كان غير مشكل على سامع سمع قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } ما يراد به , فما الوجه الذي من أجله زيد ذكر كاملين ؟

قيل : إن العرب قد تقول : أقام فلان بمكان كذا حولين أو يومين أو شهرين , وإنما أقام به يوما وبعض آخر أو شهرا وبعض آخر , أو حولا وبعض آخر فقيل حولين كاملين ليعرف سامع ذلك أن الذي أريد به حولان تامان , لا حول وبعض آخر , وذلك كما قال الله تعالى ذكره : { واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } 2 203 ومعلوم أن المتعجل إنما يتعجل في يوم ونصف , فكذلك ذلك في اليوم الثالث من أيام التشريق , وأنه ليس منه شيء تام , ولكن العرب تفعل ذلك في الأوقات خاصة , فتقول : اليوم يومان منذ لم أره , وإنما تعني بذلك يوما وبعض آخر , وقد توقع الفعل الذي تفعله في الساعة أو اللحظة على العام والزمان واليوم , فتقول زرته عام كذا , وقتل فلان فلانا زمان صفين , وإنما تفعل ذلك لأنها لا تقصد بذلك الخبر عن عدد الأيام والسنين , وإنما تعني بذلك الأخبار عن الوقت الذي كان فيه المخبر عنه , فجاز أن ينطق بالحولين واليومين على ما وصفت قبل , لأن معنى الكلام في ذلك : فعلته إذ ذاك , وفي ذلك الوقت فكذلك قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } لما جاز الرضاع في الحولين وليسا بالحولين , فكان الكلام لو أطلق في ذلك بغير تضمين الحولين بالكمال , وقيل : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } محتملا أن يكون معنيا به حول وبعض آخر نفي اللبس عن سامعيه بقوله : { كاملين } أن يكون مرادا به حول وبعض آخر , وأبين بقوله : { كاملين } عن وقت تمام حد الرضاع , وأنه تمام الحولين بانقضائهما دون انقضاء أحدهما وبعض الآخر ثم اختلف أهل التأويل في الذي دلت عليه هذه الآية من مبلغ غاية رضاع المولودين , أهو حد لكل مولود , أو هو حد لبعض دون بعض ؟

فقال بعضهم : هو حد لبعض دون بعض ذكر من قال ذلك : 3908 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في التي تضع لستة أشهر : أنها ترضع حولين كاملين , وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين لتمام ثلاثين شهرا , وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرا 3909 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عكرمة بمثله , ولم يرفعه إلى ابن عباس 3910 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري عن أبي عبيد قال : رفع إلى عثمان امرأة ولدت لستة أشهر , فقال : إنها رفعت لا أراها إلا قد جاءت بشر أو نحو هذا ولدت لستة أشهر , فقال ابن عباس : إذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر قال : وتلا ابن عباس : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } 46 15 , فإذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر فخلى عثمان سبيلها وقال آخرون : بل ذلك حد رضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه , فأراد أحدهما البلوغ إليه , والآخر التقصير عنه ذكر من قال ذلك : 3911 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } فجعل الله سبحانه الرضاع حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة , ثم قال : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده 3912 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } قال : إن أرادت أمه أن تقصر عن حولين كان عليها حقا أن تبلغه لا أن تزيد عليه إلا أن يشاء 3913 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثني علي بن سهل , قال : ثنا زيد بن أبي الزرقاء جميعا , عن الثوري في قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } والتمام : الحولان , قال : فإذا أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض المرأة فليس له ذلك , وإذا قالت المرأة أنا أفطمه قبل الحولين وقال الأب لا فليس لها أن تفطمه حتى يرضى الأب حتى يجتمعا , فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه , وإذا اختلفا لم يفطماه قبل الحولين , وذلك قوله : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } .

وقال آخرون : بل دل الله تعالى ذكره بقوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } على أن لا رضاع بعد الحولين , فإن الرضاع إنما هو كان في الحولين ذكر من قال ذلك : 3914 - حدثني المثنى , قال : ثنا آدم , قال : أخبرنا ابن أبي ذئب , قال : ثنا الزهري , عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا : إن الله تعالى ذكره يقول : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ولا نرى رضاعا بعد الحولين يحرم شيئا * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن يونس بن يزيد , عن الزهري , قال : كان ابن عمر وابن عباس يقولان : لا رضاع بعد الحولين 3915 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا حفص , عن الشيباني , عن أبي الضحى , عن أبي عبد الرحمن , عن عبد الله قال : ما كان من رضاع بعد سنتين أو في الحولين بعد الفطام فلا رضاع 3916 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن , قالا : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن إبراهيم عن علقمة : أنه رأى امرأة ترضع بعد حولين , فقال لا ترضعيه 3917 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الشيباني , قال : سمعت الشعبي , يقول : ما كان من وجور أو سعوط أو رضاع في الحولين فإنه يحرم , وما كان بعد الحولين لم يحرم شيئا 3918 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم أنه كان يحدث عن عبد الله أنه قال : لا رضاع بعد فصال أو بعد حولين 3919 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا حسن بن عطية , قال : ثنا إسرائيل , عن عبد الأعلى , عن سعيد بن جبير عن ابن عباس , قال : ليس يحرم من الرضاع بعد التمام , إنما يحرم ما أنبت اللحم وأنشأ العظم 3920 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن عمرو بن دينار , أن ابن عباس قال : لا رضاع بعد فصال السنتين * حدثنا هلال بن العلاء الرقي , قال : ثنا أبي , قال : ثنا عبيد الله , عن زيد , عن عمرو بن مرة , عن أبي الضحى , قال : سمعت ابن عباس يقول : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } قال : لا رضاع إلا في هذين الحولين وقال آخرون : بل كان قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } دلالة من الله تعالى ذكره عباده على أن فرضا على والدات المولودين أن يرضعنهم حولين كاملين , ثم خفف تعالى ذكره ذلك بقوله : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين , وإن أرادوا قبل ذلك فطم المولود كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود ذكر من قال ذلك : 3921 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ثم أنزل الله اليسر والتخفيف بعد ذلك فقال تعالى ذكره : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } 3922 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } يعني المطلقات يرضعن أولادهن حولين كاملين , ثم أنزل الرخصة والتخفيف بعد ذلك , فقال : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ذكر من قال : إن الوالدات اللواتي ذكرهن الله في هذا الموضع البائنات من أزواجهن على ما وصفنا قبل : 3923 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قال : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } إلى : { إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف } أما الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فالرجل يطلق امرأته وله منها ولد , وأنها ترضع له ولده بما يرضع له غيرها 3924 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر عن الضحاك في قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } قال : إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا * حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك , بنحوه وأولى الأقوال بالصواب في قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } القول الذي رواه علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , ووافقه على القول به عطاء والثوري , والقول الذي روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر , وهو أنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في الرضاع المولود إذا اختلف والده , وأن لا رضاع بعد الحولين يحرم شيئا , وأنه معني به كل مولود لستة أشهر كان ولاده , أو لسبعة أو لتسعة فأما قولنا : إنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه ; فلأن الله تعالى ذكره لما حد في ذلك حدا , كان غير جائز أن يكون ما وراء حده موافقا في الحكم ما دونه , لأن ذلك لو كان كذلك , لم يكن للحد معنى معقول وإذا كان ذلك كذلك , فلا شك أن الذي هو دون الحولين من الأجل لما كان وقت رضاع , كان ما وراءه غير وقت له , وأنه وقت لترك الرضاع , وأن تمام الرضاع لما كان تمام الحولين , وكان التام من الأشياء لا معنى إلى الزيادة فيه , كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين , وأن ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرما , كان ما وراءه غير محرم وإنما قلنا هو دلالة على أنه معني به كل مولود لأي وقت كان ولاده , لستة أشهر , أو سبعة , أو تسعة , لأن الله تعالى ذكره عم بقوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ولم يخصص به بعض المولودين دون بعض وقد دللنا على فساد القول بالخصوص بغير بيان الله تعالى ذكره ذلك في كتابه , أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأحكام " بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع فإن قال لنا قائل : فإن الله تعالى ذكره قد بين ذلك بقوله : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } فجعل ذلك حدا للمعنيين كليهما , فغير جائز أن يكون حمل ورضاع أكثر من الحد الذي حده الله تعالى ذكره , فما نقص من مدة الحمل عن تسعة أشهر , فهو مزيد في مدة الرضاع وما زيد في مدة الحمل نقص من مدة الرضاع , وغير جائز أن يجاوز بهما كليهما مدة ثلاثين شهرا , كما حده الله تعالى ذكره ؟

قيل له : فقد يجب أن يكون مدة الحمل على هذه المقالة إن بلغت حولين كاملين , ألا يرضع المولود إلا ستة أشهر , وإن بلغت أربع سنين أن يبطل الرضاع فلا ترضع , لأن الحمل قد استغرق الثلاثين شهرا وجاوز غايته أو يزعم قائل هذه المقالة أن مدة الحمل لن تجاوز تسعة أشهر , فيخرج من قول جميع الحجة , ويكابر الموجود والمشاهد , وكفى بهما حجة على خطأ دعواه إن ادعى ذلك , فإلى أي الأمرين لجأ قائل هذه المقالة وضح لذوي الفهم فساد قوله فإن قال لنا قائل : فما معنى قوله إن كان الأمر على ما وصفت : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } 46 15 وقد ذكرت آنفا أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله تعالى ذكره نظير ما دون حده في الحكم , وقد قلت : إن الحمل والفصال قد يجاوزان ثلاثين شهرا ؟

قيل : إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } حدا لتعبد عباده بأن لا يجاوزه كما جعل قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } حدا لرضاع المولود التام الرضاع , وتعبد العباد بحمل والديه عليه عند اختلافهما فيه , وإرادة أحدهما الضرار به وذلك أن الأمر من الله تعالى ذكره إنما يكون فيما يكون للعباد السبيل إلى طاعته بفعله والمعصية بتركه , فأما ما لم يكن لهم إلى فعله , ولا إلى تركه سبيل فذلك مما لا يجوز الأمر به ولا النهي عنه , ولا التعبد به فإذ كان ذلك كذلك , وكان الحمل مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته , ولا إلى إطالتها فيضعنه متى شئن ويتركن وضعه إذا شئن , كان معلوما أن قوله : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } 46 15 إنما هو خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خلفه من حملته وولدته وفصلته في ثلاثين شهرا , لا أمر بأن لا يتجاوز في مدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا لما وصفنا , وكذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه : { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } 46 15 فإن ظن ذو غباء , أن الله تعالى ذكره إذ وصف أن من خلقه من حملته أمه ووضعته وفصلته في ثلاثين شهرا , فواجب أن يكون جميع خلقه ذلك صفتهم , وأن ذلك دلالة على أن حمل كل عباده وفصاله ثلاثون شهرا ; فقد يجب أن يكون كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشدهم وبلغوا أربعين سنة { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه } على ما وصف الله به الذي وصف في هذه الآية وفي وجودنا من يستحكم كفره بالله وكفرانه نعم ربه عليه , وجرأته على والديه بالقتل والشتم وضروب المكاره عند استكماله الأربعين من سنيه وبلوغه أشده ما يعلم أنه لم يعن الله بهذه الآية صفة جميع عباده , بل يعلم أنه إنما وصف بها بعضا منهم دون بعض , وذلك ما لا ينكره ولا يدفعه أحد ; لأن من يولد من الناس لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لأربع سنين ولسنتين , كما أن من يولد لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لستة أشهر ولسبعة أشهر واختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأ عامة أهل المدينة والعراق والشام : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } بالياء في " يتم " ونصب " الرضاعة " بمعنى : لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده , وقرأه بعض أهل الحجاز " لمن أراد أن تتم الرضاعة " بالتاء في " تتم " , ورفع " الرضاعة " بصفتها والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ بالياء في " يتم " ونصب " الرضاعة " , لأن الله تعالى ذكره قال { والوالدات يرضعن أولادهن } فكذلك هن يتممها إذا أردن هن والمولود له إتمامها وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة دون القراءة الأخرى وقد حكي في الرضاعة سماعا من العرب كسر الراء التي فيها , وإن تكن صحيحة فهي نظيرة الوكالة والوكالة والدلالة والدلالة , ومهرت الشيء مهارة ومهارة , فيجوز حينئذ الرضاع والرضاع , كما قيل الحصاد والحصاد وأما القراءة فبالفتح لا غير .وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف القول في تأويل قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } يعني تعالى ذكره بقوله : { وعلى المولود له } وعلى آباء الصبيان للمراضع رزقهن , يعني رزق والدتهن ويعني بالرزق ما يقوتهن من طعام , وما لا بد لهن من غذاء ومطعم وكسوتهن , ويعني بالكسوة الملبس ويعني بقوله : { بالمعروف } بما يجب لمثلها على مثله إذ كان الله تعالى ذكره قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر , وأن منهم الموسع والمقتر وبين ذلك , فأمر كلا أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته , كما قال تعالى ذكره : { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } 65 7 وكما : 3925 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } قال : إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا , فتراضيا على أن ترضع حولين كاملين , فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة , لا تكلف نفسا إلا وسعها 3926 - حدثني علي بن سهل الرملي , قال : ثنا زيد , وحدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن سفيان قوله : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } والتمام : الحولان { وعلى المولود له } على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف 3927 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } قال : على الأبلا تكلف نفس إلا وسعها القول في تأويل قوله تعالى : { لا تكلف نفس إلا وسعها } يعني تعالى ذكره بذلك : لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك : لا يوجب الله على الرجال من نفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات منهم إلا ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل , كما قال تعالى ذكره : { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } 65 7 كما 3928 - حدثنا ابن حميد , قال ثنا مهران , وحدثني علي قال : ثنا زيد جميعا , عن سفيان : { لا تكلف نفس إلا وسعها } إلا ما أطاقت والوسع : الفعل من قول القائل : وسعني هذا الأمر , فهو يسعني سعة , ويقال : هذا الذي أعطيتك وسعي , أي ما يتسع لي أن أعطيك فلا يضيق علي إعطاؤكه وأعطيتك من جهدي إذا أعطيته ما يجهدك فيضيق عليك إعطاؤه فمعنى قوله { لا تكلف نفس إلا وسعها } هو ما وصفت من أنها لا تكلف إلا ما يتسع لها بذل ما كلفت بذله , فلا يضيق عليها , ولا يجهدها , لا ما ظنه جهلة أهل القدر من أن معناه : لا تكلف نفس إلا ما قد أعطيت عليه القدرة من الطاعات , لأن ذلك لو كان كما زعمت لكان قوله تعالى ذكره : { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } 17 48 إذا كان دالا على أنهم غير مستطيعي السبيل إلى ما كلفوه واجبا أن يكون القوم في حال واحدة قد أعطوا الاستطاعة على ما منعوها عليه وذلك من قائله إن قاله إحالة في كلامه , ودعوى باطل لا يخيل بطوله وإذا كان بينا فساد هذا القول , فمعلوم أن الذي أخبر تعالى ذكره أنه كلف النفوس من وسعها غير الذي أخبر أنه كلفها مما لا تستطيع إليه السبيل .لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده القول في تأويل قوله تعالى : { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأ عامة قراء أهل الحجاز والكوفة والشام : { لا تضار والدة بولدها } بفتح الراء بتأويل لا تضارر على وجه النهي وموضعه إذا قرئ كذلك جزم , غير أنه حرك , إذ ترك التضعيف بأخف الحركات وهو الفتح , ولو حرك إلى الكسر كان جائزا إتباعا لحركة لام الفعل حركة عينه , وإن شئت فلأن الجزم إذا حرك حرك إلى الكسر وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض أهل البصرة : " لا تضار والدة بولدها " رفع ومن قرأه كذلك لم يحتمل قراءته معنى النهي , ولكنها تكون بالخبر عطفا بقوله { لا تضار } على قوله : { لا تكلف نفس إلا وسعها } وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى من رفع لا تضار والدة بولدها هكذا في الحكم , أنه لا تضار والدة بولدها , أي ما ينبغي أن تضار , فلما حذفت " ينبغي " وصار " تضار " في وضعه صار على لفظه , واستشهد لذلك بقول الشاعر : على الحكم المأتي يوما إذا قضى قضيته أن لا يجور ويقصد فزعم أنه رفع يقصد بمعنى ينبغي والمحكي عن العرب سماعا غير الذي قال ; وذلك أنه روي عنهم سماعا فتصنع ماذا , إذا أرادوا أن يقولوا : فتريد أن تصنع ماذا , فينصبونه بنية " أن " ; وإذا لم ينووا " أن " ولم يريدوها , قالوا : فتريد ماذا , فيرفعون تريد , لأن لا جالب ل " أن " قبله , كما كان له جالب قبل تصنع , فلو كان معنى قوله لا تضار إذا قرئ رفعا بمعنى : ينبغي أن لا تضار , أما ما ينبغي أن تضار ثم حذف ينبغي وأن , وأقيم تضار مقام ينبغي لكان الواجب أن يقرأ إذا قرئ بذلك المعنى نصبا لا رفعا , ليعلم بنصبه المتروك قبله المعني بالمراد , كما فعل بقوله فتصنع ماذا , ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على لا تكلف ليست تكلف نفس إلا وسعها , وليست تضار والدة بولدها , يعني بذلك أنه ليس ذلك في دين الله وحكمه وأخلاق المسلمين وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بالنصب , لأنه نهي من الله تعالى ذكره كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه له حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين , فلو كان ذلك خبرا لكان حراما عليهما ضرارهما به كذلك وبما قلنا في ذلك من أن ذلك بمعنى النهي تأوله أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 3929 - حدثنا محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لا تضار والدة بولدها } لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه ولا يضار الوالد بولده , فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله 3930 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } قال : نهى الله تعالى عن الضرار وقدم فيه , فنهى الله أن يضار الوالد فينتزع الولد من أمه إذا كانت راضية بما كان مسترضعا به غيرها , ونهيت الوالدة أن تقذف الولد إلى أبيه ضرارا * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لا تضار والدة بولدها } ترمي به إلى أبيه ضرارا ; { ولا مولود له بولده } يقول : ولا الولد فينتزعه منها ضرارا إذا رضيت من أجر الرضاع ما رضي به غيرها , فهي أحق به إذا رضيت بذلك 3931 - حدثت عن عمار , قال : حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن يونس , عن الحسن : { لا تضار والدة بولدها } قال : ذلك إذا طلقها , فليس له أن يضارها , فينتزع الولد منها إذا رضيت منه بمثل ما يرضى به غيرها , وليس لها أن تضاره فتكلفه ما لا يطيق إذا كان إنسانا مسكينا فتقذف إليه ولده 3932 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { لا تضار والدة بولدها } لا تضار أم بولدها , ولا أب بولده يقول : لا تضار أم بولدها فتقذفه إليه إذا كان الأب حيا أو إلى عصبته إذا كان الأب ميتا , ولا يضار الأب المرأة إذا أحبت أن ترضع ولدها ولا ينتزعه 3933 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { لا تضار والدة بولدها } يقول لا ينزع الرجل ولده من امرأته فيعطيه غيرها بمثل الأجر الذي تقبله هي به , ولا تضار والدة بولدها فتطرح الأم إليه ولده تقول لا أليه ساعة تضعه , ولكن عليها من الحق أن ترضعه حتى يطلب مرضعا 3934 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني عقيل , عن ابن شهاب , وسئل عن قول الله تعالى ذكره : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } إلى { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } قال ابن شهاب : والوالدات أحق برضاع أولادهن ما قبلن رضاعهن بما يعطى غيرهن من الأجر وليس للوالدة أن تضار بولدها فتأبى رضاعه مضارة وهي تعطى عليه ما يعطى غيرها من الأجر , وليس للمولود له أن ينزع ولده من والدته مضارا لها وهي تقبل من الأجر ما يعطاه غيرها 3935 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثني علي , قال ثنا زيد جميعا , عن سفيان في قوله : { لا تضار والدة بولدها } لا ترم بولدها إلى الأب إذا فارقها تضاره بذلك , { ولا مولود له بولده } ولا ينزع الأب منها ولدها , يضارها بذلك 3936 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } قال : لا ينزعه منها وهي تحب أن ترضعه فيضارها ولا تطرحه عليه وهو لا يجد من ترضعه ولا يجد ما يسترضعه به 3937 - حدثنا عمرو بن علي الباهلي , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثني ابن جريج , عن عطاء في قوله : { لا تضار والدة بولدها } قال : لا تدعنه ورضاعه من شنآنها مضارة لأبيه , ولا يمنعها الذي عنده مضارة لها وقال بعضهم : الوالدة التي نهى الرجل عن مضارتها : ظئر الصبي ذكر من قال ذلك : 3938 - حدثني المثنى , قال : ثنا مسلم بن إبراهيم , قال : ثنا هارون النحوي , قال : ثنا الزبير بن الحارث عن عكرمة في قوله : { لا تضار والدة بولدها } قال : هي الظئر فمعنى الكلام : لا يضارر والد مولود والدته بمولوده منها , ولا والدة مولود والده بمولودها منه , ثم ترك ذكر الفاعل في يضار , فقيل : لا تضار والدة بولدها , ولا مولود له بولده , كما يقال إذا نهي عن إكرام رجل بعينه فيما لم يسم فاعله ولم يقصد بالنهي عن إكرامه قصد شخص بعينه : لا يكرم عمرو ولا يجلس إلى أخيه , ثم ترك التضعيف فقيل : لا يضار , فحركت الراء الثانية التي كانت مجزومة لو أظهر التضعيف بحركة الراء الأولى وقد زعم بعض أهل العربية أنها إنما حركت إلى الفتح في هذا الموضع لأنه أحد الحركات وليس للذي قال من ذلك معنى , لأن ذلك إنما كان جائزا أن يكون كذلك لو كان معنى الكلام : لا تضارون والدة بولدها , وكان المنهي عن الضرار هي الوالدة على أن معنى الكلام لو كان كذلك لكان الكسر في تضار أفصح من الفتح , والقراءة به كانت أصوب من القراءة بالفتح , كما أن مد بالثوب أفصح من مد به وفي إجماع القراء على قراءة : { لا تضار } بالفتح دون الكسر دليل واضح على إغفال من حكيت قوله من أهل العربية في ذلك فإن قال قائل ذلك قاله توهما منه أنه معنى ذلك : لا تضارر والدة , وأن الوالدة مرفوعة بفعلها , وأن الراء الأولى حظها الكسر ; فقد أغفل تأويل الكلام , وخالف قول جميع من حكينا قوله من أهل التأويل وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى كل واحد من أبوي المولود بالنهي عن ضرار صاحبه بمولودهما , لا أنه نهى كل واحد منهما عن أن يضار المولود , وكيف يجوز أن ينهاه عن مضارة الصبي , والصبي في حال ما هو رضيع غير جائز أن يكون منه ضرار لأحد , فلو كان ذلك معناه , لكل التنزيل : لا تضر والدة بولدها وقد زعم آخرون من أهل العربية أن الكسر في " تضار " جائز , والكسر في ذلك عندي غير جائز في هذا الموضع , لأنه إذا كسر تغير معناه عن معنى " لا تضارر " الذي هو في مذهب ما لم يسم فاعله , إلى معنى " لا تضارر " الذي هو في مذهب ما قد سمي فاعله فإذا كان الله تعالى ذكره قد نهى كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه بسبب ولدهما , فحق على إمام المسلمين إذا أراد الرجل نزع ولده من أمه بعد بينونتها منه , وهي تحضنه وتكلفه وترضعه بما يحضنه به غيرها ويكلفه به ويرضعه من الأجرة , أن يأخذ الوالد بتسليم ولدها ما دام محتاجا الصبي إليها في ذلك بالأجرة التي يعطاها غيرها وحق إذا كان الصبي لا يقبل ثدي غير والدته , أو كان المولود له لا يجد من يرضع ولده , وإن كان يقبل ثدي غير أمه , أو كان معدما لا يجد ما يستأجر به مرضعا ولا يجد ما يتبرع عليه برضاع مولوده , أن يأخذ والدته البائنة من والده برضاعه وحضانته ; لأن الله تعالى ذكره حرم على كل واحد من أبويه ضرار صاحبه بسببه , فالإضرار به أحرى أن يكون محرما مع ما في الإضرار به من مضارة صاحبه .وعلى الوارث مثل ذلك القول في تأويل قوله تعالى : { وعلى الوارث مثل ذلك } اختلف أهل التأويل في الوارث الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } وأي وارث هو ؟

ووارث من هو ؟

فقال بعضهم : هو وارث الصبي ; وقالوا : معنى الآية : وعلى وارث الصبي إذا كان [ أبوه ] ميتا الذي كان على أبيه في حياته ذكر من قال ذلك : 3939 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قالا : ثنا سعيد , عن قتادة : { وعلى الوارث مثل ذلك } على وارث الولد 3940 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وعلى الوارث مثل ذلك } على وارث الولد * - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن معمر , عن قتادة : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : وعلى وارث الصبي مثل ما على أبيه ثم اختلف قائلو هذه المقالة في وارث المولود الذي ألزمه الله تعالى مثل الذي وصف , فقال بعضهم : هم وارث الصبي من قبل أبيه من عصبته كائنا من كان أخا كان أو عما أو ابن عم أو ابن أخ ذكر من قال ذلك : 3941 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره أن سعيد بن المسيب أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : حبس بني عم على منفوس كلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة 3942 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة أن الحسن كان يقول : { وعلى الوارث مثل ذلك } على العصبة * حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عبد الله بن إدريس وأبو عاصم , قالا : ثنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب , عن سعيد بن المسيب قال : وقف عمر ابن عم على منفوس كلالة برضاعه 3943 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن يونس أن الحسن كان يقول : إذا توفي الرجل وامرأته حامل , فنفقتها من نصيبها , ونفقة ولدها من نصيبه من ماله إن كان له , فإن لم يكن له مال فنفقته على عصبته قال : وكان يتأول قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } على الرجال * حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن , قال : على العصبة الرجال دون النساء 3944 - حدثنا أبو كريب وعمرو بن علي قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا هشام عن ابن سيرين أنه أتي عبد الله بن عتبة مع اليتيم وليه , ومع اليتيم من يتكلم في نفقته , فقال لولي اليتيم : لو لم يكن له مال لقضيت عليك بنفقته , لأن الله تعالى يقول : { وعلى الوارث مثل ذلك } * حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا أيوب , عن محمد بن سيرين , قال : أتي عبد الله بن عتبة في رضاع صبي , فجعل رضاعه في ماله , وقال لوليه : لو لم يكن له مال جعلنا رضاعه في مالك , ألا تراه يقول : { وعلى الوارث مثل ذلك } 3945 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : على الوارث ما على الأب إذا لم يكن للصبي مال , وإذا كان له ابن عم أو عصبة ترثه فعليه النفقة 3946 - حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : الولي من كان * حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن أبي بشر ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله 3947 - حدثنا عبد الله بن محمد الحنفي , قال : ثنا عبد الله بن عثمان , قال : أخبرنا ابن المبارك قال : أخبرنا يعقوب , يعني ابن القاسم , عن عطاء وقتادة في يتيم ليس له شيء : أتجبر أولياؤه على نفقته ؟

قالا : نعم , ينفق عليه حتى يدرك 3948 - حدثت عن يعلى بن عبيد , عن جويبر , عن الضحاك قال : إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال , وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة , فإن لم يكن للعصبة مال أجبرت عليه أمه وقال آخرون منهم : بل ذلك على وارث المولود من كان من الرجال والنساء ذكر من قال ذلك : 3949 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد عن قتادة أنه كان يقول : { وعلى الوارث مثل ذلك } على وارث المولود ما كان على الوالد من أجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له على الرجال والنساء على قدر ما يرثون 3950 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغرم ثلاثة كلهم يرث الصبي أجر رضاعه 3951 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن ابن سيرين : أن عبد الله بن عتبة جعل نفقة صبي من ماله , وقال لوارثه : أما إنه لو لم يكن له مال أخذناك بنفقته , ألا ترى أنه يقول : { وعلى الوارث مثل ذلك } وقال آخرون منهم : هو من ورثته من كان منهم ذا رحم محرم للمولود , فأما من كان ذا رحم منه وليس بمحرم كابن العم والمولى ومن أشبههما فليس من عناه الله بقوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } والذين قالوا هذه المقالة : أبو حنيفة , وأبو يوسف , ومحمد وقالت فرقة أخرى : بل الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } المولود نفسه ذكر من قال ذلك : 3952 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري , قال : ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد , قال : أخبرنا حيوة بن شريح , قال : أخبرنا جعفر بن ربيعة أن بشر بن نصر المزني - وكان قاضيا قبل ابن حجيرة في زمان عبد العزيز كان يقول : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : الوارث : هو الصبي 3953 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ , قال : أخبرنا حيوة : قال : أخبرنا جعفر بن ربيعة , عن قبيصة بن ذؤيب : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : هو الصبي * حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن حيوة بن شريح , قال : أخبرني جعفر بن ربيعة , أن قبيصة بن ذؤيب كان يقول : الوارث : هو الصبي , يعني قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } 3954 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : يعني بالوارث : الولد الذي يرضع قال أبو جعفر : وتأويل ذلك على ما تأوله هؤلاء : وعلى الوارث المولود مثل ما كان على المولود له وقال آخرون : بل هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما ذكر من قال ذلك : 3955 - حدثني عبد الله بن محمد الحنفي قال : أخبرنا عبد الله بن عثمان , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول في صبي له عم وأم وهي ترضعه , قال : لكون رضاعه بينهما , ويرفع عن العم بقدر ما ترث الأم , لأن الأم تجبر على النفقة على ولدها القول في تأويل قوله تعالى : { مثل ذلك } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { مثل ذلك } فقال بعضهم : تأويله : وعلى الوارث للصبي بعد وفاة أبويه مثل الذي كان على والده من أجر رضاعه ونفقته إذا لم يكن للمولود مال ذكر من قال ذلك : 3956 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : على الوارث رضاع الصبي * حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا أبو عوانة , عن منصور , عن إبراهيم : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : أجر الرضاع * حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن المغيرة , عن إبراهيم : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : الرضاع * حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا أبو عوانة , عن المغيرة , عن إبراهيم في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : أجر الرضاع 3957 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن أيوب , عن محمد بن سيرين , عن عبد الله بن عتبة : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : الرضاع 3958 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن أيوب , عن محمد , عن عبد الله بن عتبة في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : النفقة بالمعروف * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : على الوارث ما على الأب من الرضاع إذا لم يكن للصبي مال * حدثنا سفيان , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الرضاع والنفقة * حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن إبراهيم : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : الرضاع 3959 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا أبو عوانة , عن عطاء بن السائب , عن الشعبي , قال : الرضاع * حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا أبو عوانة عن مطرف , عن الشعبي : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : أجر الرضاع * حدثنا عمرو , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا أبو عوانة , عن مغيرة , عن إبراهيم , والشعبي مثله 3960 - حدثنا أبو كريب وعمرو بن علي , قالا : حدثنا عبد الله بن إدريس , قال سمعت هشاما عن الحسن في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : الرضاع * - حدثني أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , عن هشام وأشعث , عن الحسن , مثله 3961 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن يونس , عن الحسن : { وعلى الوارث مثل ذلك } يقول في النفقة على الوارث إذا لم يكن له مال 3962 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن قيس بن سعد , عن مجاهد مثله 3963 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن قيس بن سعد , عن مجاهد : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : النفقة بالمعروف 3964 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { وعلى الوارث مثل ذلك } على الولي كفله ورضاعه إن لم يكن للمولود مال * حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني الحجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : وعلى الوارث من كان مثل ما وصف من الرضاع قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد مثل ذلك في الرضاعة , قال : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : وعلى الوارث أيضا كفله ورضاعه إن لم يكن له مال , وأن لا يضار أمه 3965 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني الحجاج , عن ابن جريج , عن عطاء الخراساني عن ابن عباس : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : نفقته حتى يفطم إن كان أبوه لم يترك له مالا 3966 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : وعلى وارث الولد ما كان على الولد من أجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له * حدثني عبد الله بن محمد الحنفي , قال : ثنا عبد الله بن عثمان , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن معمر , عن قتادة : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : على وارث الصبي مثل ما على أبيه , إذا كان قد هلك أبوه ولم يكن له مال , فإن على الوارث أجر الرضاع * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : إذا مات وليس له مال كان على الوارث رضاع الصبي وقال آخرون : بل تأويل ذلك : وعلى الوارث مثل ذلك أن لا يضار ذكر من قال ذلك : 3967 - حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار , قالا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا حماد بن زيد , عن علي بن الحكم , عن الضحاك بن مزاحم : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : أن لا يضار 3968 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم الأحول , عن الشعبي في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : لا يضار , ولا غرم عليه 3969 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن جابر , عن مجاهد في قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } أن لا يضار 3970 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثنا الليث , قال : ثني عقيل عن ابن شهاب : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } قال : الوالدات أحق برضاع أولادهن ما قبلن رضاعهن بما يعطى غيرهن من الأجر وليس لوالدة أن تضار بولدها فتأبى رضاعه مضارة , وهي تعطى عليه ما يعطى غيرها وليس للمولود له أن ينزع ولده من والدته ضرارا لها , وهي تقبل من الأجر ما يعطى غيرها ; { وعلى الوارث مثل ذلك } مثل الذي على الوالد في ذلك 3971 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثنا علي , قال : ثنا زيد , عن سفيان : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : أن لا يضار وعليه مثل ما على الأب من النفقة والكسوة وقال آخرون : بل تأويل ذلك : وعلى وارث المولود مثل الذي كان على المولود له من رزق والدته وكسوتها بالمعروف ذكر من قال ذلك : 3972 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : على الوارث عند الموت , مثل ما على الأب للمرضع من النفقة والكسوة , قال : ويعني بالوارث : الولد الذي يرضع أن يؤخذ من ماله إن كان له مال أجر ما أرضعته أمه , فإن لم يكن للمولود مال ولا لعصبته فليس لأمه أجر , وتجبر على أن ترضع ولدها بغير أجر 3973 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : على وارث الولد مثل ما على الوالد من النفقة والكسوة وقال آخرون : معنى ذلك : وعلى الوارث مثل ما ذكره الله تعالى ذكره ذكر من قال ذلك : 3974 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : قوله تعالى ذكره : { وعلى الوارث مثل ذلك } قال : مثل ما ذكره الله تعالى ذكره قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في تأويل قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } أن يكون المعنى بالوارث ما قاله قبيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم ومن ذكرنا قوله آنفا من أنه معني بالوارث المولود , وفي قوله : { مثل ذلك } أن يكون معنيا به مثل الذي كان على والده من رزق والدته وكسوتها بالمعروف إن كانت من أهل الحاجة , وهي ذات زمانة وعاهة , ومن لا احتراف فيها ولا زوج لها تستغني به , وإن كانت من أهل الغنى والصحة فمثل الذي كان على والده لها من أجر رضاعه وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب مما عداه من سائر التأويلات التي ذكرناها , لأنه غير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله تعالى ذكره قول إلا بحجة واضحة على ما قد بينا في أول كتابنا هذا وإذ كان ذلك كذلك , وكان قوله : { وعلى الوارث مثل ذلك } محتملا ظاهره : وعلى وارث الصبي المولود مثل الذي كان على المولود له , ومحتملا وعلى وارث المولود له مثل الذي كان عليه في حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة المولود , وغير ذلك من التأويلات على نحو ما قد قدمنا ذكره , وكان الجميع من الحجة قد أجمعوا على أن من ورثة المولود من لا شيء عليه من نفقته وأجر رضاعه , وصح بذلك من الدلالة على أن سائر ورثته غير آبائه وأمهاته وأجداده وجداته من قبل أبيه أو أمه في حكمه , في أنهم لا يلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع , إذ كان مولى النعمة من ورثته , وهو ممن لا يلزمه له نفقة ولا أجر رضاع فوجب بإجماعهم على ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثني حكمه وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا من أنه معني به ورثة المولود , فبطول القول الآخر وهو أنه معني به ورثة المولود له سوى المولود أحرى , لأن الذي هو أقرب بالمولود قرابة ممن هو أبعد منه إذا لم يصح وجوب نفقته وأجر رضاعه عليه , فالذي هو أبعد منه قرابة أحرى أن لا يصح وجوب ذلك عليه وأما الذي قلنا من وجوب رزق الوالدة وكسوتها بالمعروف على ولدها إذا كانت الوالدة بالصفة التي وصفنا على مثل الذي كان يجب لها من ذلك على المولود له , فما لا خلاف فيه من أهل العلم جميعا , فصح ما قلنا في الآية من التأويل بالنقل المستفيض وراثة عمن لا يجوز خلافه , وما عدا ذلك من التأويلات فمتنازع فيه , وقد دللنا على فسادهفإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما القول في تأويل قوله تعالى : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } يعني تعالى ذكره بقوله : { فإن أرادا } إن أراد والد المولود ووالدته فصالا , يعني فصال ولدهما من اللبن ويعني بالفصال : الفطام , وهو مصدر من قول القائل : فاصلت فلانا أفاصله مفاصلة وفصالا : إذا فارقه من خلطة كانت بينهما , فكذلك فصال الفطيم , إنما هو منعه اللبن وقطعه شربه , وفراقه ثدي أمه إلا الاغتذاء بالأقوات التي يغتذي بها البالغ من الرجال وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : 3975 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { فإن أرادا فصالا } يقول إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين 3976 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثنا معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { فإن أرادا فصالا } فإن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده 3977 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما } قال : الفطام وأما قوله : { عن تراض منهما وتشاور } فإنه يعني بذلك : عن تراض من والدي المولود وتشاور منهما ثم اختلف أهل التأويل في الوقت الذي أسقط الله الجناح عنهما إن فطماه عن تراض منهما وتشاور , وأي الأوقات الذي عناه الله تعالى ذكره بقوله : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } فقال بعضهم : عنى بذلك : فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور , فلا جناح عليهما ذكر من قال ذلك : 3978 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } يقول : إذا أرادا أن يفطماه قبل الحولين فتراضيا بذلك , فليفطماه 3979 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : إذا أرادت الوالدة أن تفصل ولدها قبل الحولين , فكان ذلك عن تراض منهما وتشاور , فلا بأس به 3980 - حدثنا سفيان , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ليث , عن مجاهد : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } قال : التشاور فيما دون الحولين ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى , وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى * حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : التشاور : ما دون الحولين , فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور دون الحولين , فلا جناح عليهما , فإن لم يجتمعا فليس لها أن تفطمه دون الحولين * حدثني المثنى قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان عن ليث , عن مجاهد , قال : التشاور : ما دون الحولين , ليس لها حتى يجتمعا 3981 - حدثني المثنى , , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني الليث , قال : أخبرنا عقيل , عن ابن شه

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصيرفيه ثمان عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : والوالدات ابتداء .

يرضعن أولادهن في موضع الخبر .

حولين كاملين ظرف زمان .

ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد ؛ لأن الزوجين قد يفترقان وثم ولد ، فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن ، قاله السدي والضحاك وغيرهما ، أي هن أحق برضاع أولادهن من الأجنبيات لأنهن أحنى وأرق ، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها ، وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها ، وإنما تكون أحق بالحضانة إذا لم تتزوج على ما يأتي .

وعلى هذا يشكل قوله : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لأن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية بل تستحق الأجرة إلا أن يحمل على مكارم الأخلاق فيقال : الأولى ألا تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها .

وقيل : الآية عامة في المطلقات اللواتي لهن أولاد وفي الزوجات .

والأظهر أنها في الزوجات في حال بقاء النكاح ؛ لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة ، والزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع ، والنفقة والكسوة مقابلة التمكين ، فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين ، فقد يتوهم أن النفقة تسقط فأزال ذلك الوهم بقوله تعالى : وعلى المولود له أي الزوج رزقهن وكسوتهن في حال الرضاع [ ص: 148 ] لأنه اشتغال في مصالح الزوج ، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط .الثانية : قوله تعالى : ( يرضعن ) خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات ، وعلى جهة الندب لبعضهن على ما يأتي .

وقيل : هو خبر عن المشروعية كما تقدم .الثالثة : واختلف الناس في الرضاع هل هو حق للأم أو هو حق عليها ، واللفظ محتمل ؛ لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال : وعلى الوالدات رضاع أولادهن كما قال تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ولكن هو عليها في حال الزوجية ، وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط ، إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها ألا ترضع وذلك كالشرط .

وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب .

وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به .

فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة .

وفي كتاب ابن الجلاب : رضاعه في بيت المال .

وقال عبد الوهاب : هو فقير من فقراء المسلمين .

وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها ، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي ، فهي أحق بأجرة المثل ، هذا مع يسر الزوج فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع .

وكل من يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب .

وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي أن الرضاع على الأم ، فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها .

قال الشافعي : لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا ، وسيأتي ما للعلماء في هذا عند قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك .

يقال : رضع يرضع رضاعة ورضاعا ، ورضع يرضع رضاعا ورضاعة ( بكسر الراء في الأول وفتحها في الثاني ) واسم الفاعل راضع فيهما .

والرضاعة : اللؤم ( مفتوح الراء لا غير ) .الرابعة : قوله تعالى : ( حولين ) أي سنتين ، من حال الشيء إذا انقلب ، فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني .

وقيل : سمي العام حولا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب .

( كاملين ) قيد بالكمال لأن القائل قد يقول : أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولا وبعض حول آخر ، قال الله تعالى : فمن تعجل في يومين وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني .وقوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما فإنه يجوز الفطام قبل الحولين ، ولكنه تحديد لقطع التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع ، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين .

وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك .

والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون عند عدم الإضرار بالمولود وعند [ ص: 149 ] رضا الوالدين .

وقرأ مجاهد وابن محيصن " لمن أراد أن تتم الرضاعة " بفتح التاء ورفع " الرضاعة " على إسناد الفعل إليها .

وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من " الرضاعة " وهي لغة كالحضارة والحضارة .

وروي عن مجاهد أنه قرأ " الرضعة " على وزن الفعلة .

وروي عن ابن عباس أنه قرأ " أن يكمل الرضاعة " .

النحاس : لا يعرف البصريون " الرضاعة " إلا بفتح الراء ، ولا " الرضاع " إلا بكسر الراء ، مثل القتال .

وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحها بغير هاء .الخامسة : انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين ؛ لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة ، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة .

هذا قوله في موطئه ، وهي رواية محمد بن عبد الحكم عنه ، وهو قول عمر وابن عباس ، وروي عن ابن مسعود ، وبه قال الزهري وقتادة والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور .

وروى ابن عبد الحكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة .

عبد الملك : كالشهر ونحوه .

وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال : الرضاع الحولين والشهرين بعد الحولين ، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين ، وما كان بعد ذلك فهو عبث .

وحكي عن النعمان أنه قال : وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع ، والصحيح الأول لقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين .

وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا رضاع إلا ما كان في الحولين .

قال الدارقطني : لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل ، وهو ثقة حافظ .قلت : وهذا الخبر مع الآية والمعنى ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له .

وقد روي عن عائشة القول به .

وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء .

وروي عن أبي موسى الأشعري أنه [ ص: 150 ] كان يرى رضاع الكبير .

وروي عنه الرجوع عنه .

وسيأتي في سورة ( النساء ) مبينا إن شاء الله تعالى .السادسة : قال جمهور المفسرين : إن هذين الحولين لكل ولد .

وروي عن ابن عباس أنه قال : هي في الولد يمكث في البطن ستة أشهر ، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرا ، فإن مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا ، لقوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا .

وعلى هذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر .السابعة : قوله تعالى : وعلى المولود له أي وعلى الأب .

ويجوز في العربية " وعلى المولود لهم " كقوله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك ؛ لأن المعنى وعلى الذي ولد له و " الذي " يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدم .الثامنة : رزقهن وكسوتهن الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي ، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه .

وسماه الله سبحانه للأم ؛ لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع كما قال : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ؛ لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها .أجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم .

وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك جناح ؟

فقال : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف .

والكسوة : اللباس .

وقوله : ( بالمعروف ) : أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط .

ثم بين تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها من غير تقدير مد ولا غيره بقوله تعالى : لا تكلف نفس إلا وسعها على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى .

وقيل المعنى : أي لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة ، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعي القصد .التاسعة : في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم ، فهي في الغلام إلى البلوغ ، [ ص: 151 ] وفي الجارية إلى النكاح ، وذلك حق لها ، وبه قال أبو حنيفة .

وقال الشافعي : إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز ، خير بين أبويه ، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات ، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية .

وروى النسائي وغيره عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هذا أبوك وهذه أمك فخذ أيهما شئت فأخذ بيد أمه .

وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأنا قاعد عنده - فقالت : يا رسول الله ، إن زوجي يريد أن يذهب بابني ، وقد سقاني من بئر أبي عنبة ، وقد نفعني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( استهما عليه ) فقال زوجها : من يحاقني في ولدي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أحدهما شئت ) فأخذ بيد أمه فانطلقت به .

ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأوزاعي قال : حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن ابني هذا كان بطني له وعاء ، وثديي له سقاء ، وحجري له حواء ، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت أحق به ما لم تنكحي .

قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به ما لم تنكح .

وكذا قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لا يميز شيئا إذا كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج .ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأمه وفيمن هو أولى به ، قال ابن المنذر : وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ابنة حمزة للخالة من غير تخيير .

روى أبو داود عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة ، فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحق بها ، ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أم .

فقال علي : أنا أحق بها ، ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي أحق بها .

فقال زيد : أنا أحق بها ، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها .

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال : وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم .[ ص: 152 ] العاشرة : قال ابن المنذر : وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا حق للأم في الولد إذا تزوجت .قلت : كذا قال في كتاب الأشراف له .

وذكر القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة له عن الحسن أنه لا يسقط حقها من الحضانة بالتزوج .

وأجمع مالك والشافعي والنعمان وأبو ثور على أن الجدة أم الأم أحق بحضانة الولد .

واختلفوا إذا لم يكن لها أم وكان لها جدة هي أم الأب ، فقال مالك : أم الأب أحق إذا لم يكن للصبي خالة .

وقال ابن القاسم : قال مالك : وبلغني ذلك عنه أنه قال : الخالة أولى من الجدة أم الأب .

وفي قول الشافعي والنعمان : أم الأب أحق من الخالة .

وقد قيل : إن الأب أولى بابنه من الجدة أم الأب - قال أبو عمر : وهذا عندي إذا لم يكن له زوجة أجنبية - ثم الأخت بعد الأب ثم العمة .

وهذا إذا كان كل واحد من هؤلاء مأمونا على الولد ، وكان عنده في حرز وكفاية ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن له حق في الحضانة ، وإنما ينظر في ذلك إلى من يحوط الصبي ومن يحسن إليه في حفظه وتعلمه الخير .

وهذا على قول من قال إن الحضانة حق الولد ، وقد روي ذلك عن مالك وقال به طائفة من أصحابه ، وكذلك لا يرون حضانة لفاجرة ولا لضعيفة عاجزة عن القيام بحق الصبي لمرض أو زمانة .

وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك أن الحضانة للأم ثم الجدة للأم ثم الخالة ثم الجدة للأب ثم أخت الصبي ثم عمة الصبي ثم ابنة أخي الصبي ثم الأب .

والجدة للأب أولى من الأخت والأخت أولى من العمة والعمة أولى ممن بعدها ، وأولى من جميع الرجال الأولياء .

وليس لابنة الخالة ولا لابنة العمة ولا لبنات أخوات الصبي من حضانته شيء .

فإذا كان الحاضن لا يخاف منه على الطفل تضييع أو دخول فساد كان حاضنا له أبدا حتى يبلغ الحلم .

وقد قيل : حتى يثغر ، وحتى تتزوج الجارية ، إلا أن يريد الأب نقلة سفر وإيطان فيكون حينئذ أحق بولده من أمه وغيرها إن لم ترد الانتقال .

وإن أراد الخروج لتجارة لم يكن له ذلك .

وكذلك أولياء الصبي الذين يكون مآله إليهم إذا انتقلوا للاستيطان .

وليس للأم أن تنقل ولدها عن موضع سكنى الأب إلا فيما يقرب نحو المسافة التي لا تقصر فيها الصلاة .

ولو شرط عليها في حين انتقاله عن بلدها أنه لا يترك ولده عندها إلا أن تلتزم نفقته ومئونته سنين معلومة فإن التزمت ذلك لزمها : فإن ماتت لم تتبع بذلك ورثتها في تركتها .

وقد قيل : ذلك دين يؤخذ من تركتها ، والأول أصح إن شاء الله تعالى ، كما لو مات الوالد أو كما لو صالحها على نفقة الحمل والرضاع فأسقطت لم تتبع بشيء من ذلك .[ ص: 153 ] الحادية عشرة : إذا تزوجت الأم لم ينزع منها ولدها حتى يدخل بها زوجها عند مالك .

وقال الشافعي : إذا نكحت فقد انقطع حقها .

فإن طلقها لم يكن لها الرجوع فيه عند مالك في الأشهر عندنا من مذهبه .

وقد ذكر القاضي إسماعيل وذكره ابن خويزمنداد أيضا عن مالك أنه اختلف قوله في ذلك ، فقال مرة : يرد إليها ، وقال مرة : لا يرد .

قال ابن المنذر : فإذا خرجت الأم عن البلد الذي به ولدها ثم رجعت إليه فهي أحق بولدها في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي .

وكذلك لو تزوجت ثم طلقت أو توفي عنها زوجها رجعت في حقها من الولد .قلت وكذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ، فإن طلقها الزوج أو مات عنها كان لها أخذه لزوال العذر الذي جاز له تركه .الثانية عشرة : فإن تركت المرأة حضانة ولدها ولم ترد أخذه وهي فارغة غير مشغولة بزوج ثم أرادت بعد ذلك أخذه نظر لها ، فإن كان تركها له من عذر كان لها أخذه ، وإن كانت تركته رفضا له ومقتا لم يكن لها بعد ذلك أخذه .الثالثة عشرة : واختلفوا في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية ، فقالت طائفة : لا فرق بين الذمية والمسلمة وهي أحق بولدها ، هذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي وابن القاسم صاحب مالك .

قال ابن المنذر : وقد روينا حديثا مرفوعا موافقا لهذا القول ، وفي إسناده مقال .

وفيه قول ثان : إن الولد مع المسلم منهما ، هذا قول مالك وسوار وعبد الله بن الحسن ، وحكي ذلك عن الشافعي .

وكذلك اختلفوا في الزوجين يفترقان ، أحدهما حر والآخر مملوك ، فقالت طائفة : الحر أولى ، هذا قول عطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي .

وقال مالك : في الأب إذا كان حرا وله ولد حر والأم مملوكة : إن الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الأب أحق به .الرابعة عشرة : قوله تعالى : لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده المعنى : لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه أو تطلب أكثر من أجر مثلها ، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في الإرضاع ، هذا قول جمهور المفسرين .

وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي ( تضار ) بفتح الراء المشددة وموضعه جزم على النهي ، وأصله لا تضارر على الأصل ، فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين ، وهكذا يفعل في المضاعف إذا كان قبله فتح أو ألف ، تقول : عض يا رجل ، وضار فلانا يا رجل .

أي لا ينزع الولد منها إذا رضيت بالإرضاع وألفها الصبي .

وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان بن عاصم وجماعة " تضار " بالرفع عطفا على قوله : تكلف نفس وهو خبر والمراد به الأمر .

وروى يونس عن الحسن [ ص: 154 ] قال : يقول : لا تضار زوجها تقول : لا أرضعه ، ولا يضارها فينزعه منها وهي تقول : أنا أرضعه .

ويحتمل أن يكون الأصل " تضارر " بكسر الراء الأولى ، ورواها أبان عن عاصم ، وهي لغة أهل الحجاز .

ف ( والدة ) فاعله ، ويحتمل أن يكون " تضارر " ف ( والدة ) مفعول ما لم يسم فاعله .

وروي عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قرأ " لا تضارر " براءين الأولى مفتوحة .

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " تضار " بإسكان الراء وتخفيفها .

وكذلك " لا يضار كاتب " وهذا بعيد لأن المثلين إذا اجتمعا وهما أصليان لم يجز حذف أحدهما للتخفيف ، فإما الإدغام وإما الإظهار .

وروي عنه الإسكان والتشديد .

وروي عن ابن عباس والحسن " لا تضارر " بكسر الراء الأولى .الخامسة عشرة : : قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك هو معطوف على قوله : وعلى المولود واختلفوا في تأويل قوله : وعلى الوارث مثل ذلك فقال قتادة والسدي والحسن وعمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو وارث الصبي أن لو مات .

قال بعضهم : وارثه من الرجال خاصة يلزمه الإرضاع ، كما كان يلزم أبا الصبي لو كان حيا ، وقاله مجاهد وعطاء .

وقال قتادة وغيره : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء ، ويلزمهم إرضاعه على قدر مواريثهم منه ، وبه قال أحمد وإسحاق .

وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق في كتاب " معاني القرآن " له : فأما أبو حنيفة فإنه قال : تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم ، مثل أن يكون رجل له ابن أخت صغير محتاج وابن عم صغير محتاج وهو وارثه ، فإن النفقة تجب على الخال لابن أخته الذي لا يرثه ، وتسقط عن ابن العم لابن عمه الوارث .

قال أبو إسحاق : فقالوا قولا ليس في كتاب الله ولا نعلم أحدا قاله .

وحكى الطبري عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا : الوارث الذي يلزمه الإرضاع هو وارثه إذا كان ذا رحم محرما منه ، فإن كان ابن عم وغيره ليس بذي رحم محرم فلا يلزمه شيء .

وقيل : المراد عصبة الأب عليهم النفقة والكسوة .

قال الضحاك : إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال ، وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة ، وإن لم يكن للعصبة مال أجبرت الأم على إرضاعه .

وقال قبيصة بن ذؤيب والضحاك وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز : الوارث هو الصبي نفسه ، وتأولوا قوله : وعلى الوارث المولود ، مثل ما على المولود له ، أي عليه في ماله إذا ورث أباه إرضاع نفسه .

وقال سفيان : الوارث هنا هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما فإن مات الأب فعلى الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال ، ويشاركها العاصب في إرضاع المولود على قدر حظه من الميراث .

وقال ابن خويزمنداد : ولو كان اليتيم فقيرا لا مال له ، وجب على الإمام القيام به من بيت المال ، فإن لم يفعل الإمام وجب ذلك على [ ص: 155 ] المسلمين ، الأخص به فالأخص ، والأم أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به ، ولا ترجع عليه ولا على أحد .

والرضاع واجب والنفقة استحباب : ووجه الاستحباب قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين وواجب على الأزواج القيام بهن ، فإذا تعذر استيفاء الحق لهن بموت الزوج أو إعساره لم يسقط الحق عنهن ، ألا ترى أن العدة واجبة عليهن والنفقة والسكنى على أزواجهن ، وإذا تعذرت النفقة لهن لم تسقط العدة عنهن .

وروى عبد الرحمن بن القاسم في الأسدية عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال : لا يلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه .

قال : وقول الله عز وجل : وعلى الوارث مثل ذلك هو منسوخ .

قال النحاس : هذا لفظ مالك ، ولم يبين ما الناسخ لها ولا عبد الرحمن بن القاسم ، ولا علمت أن أحدا من أصحابهم بين ذلك ، والذي يشبه أن يكون الناسخ لها عنده والله أعلم ، أنه لما أوجب الله تعالى للمتوفى عنها زوجها من مال المتوفى نفقة حول والسكنى ثم نسخ ذلك ورفعه نسخ ذلك أيضا عن الوارث .قلت : فعلى هذا تكون النفقة على الصبي نفسه من ماله ، لا يكون على الوارث منها شيء على ما يأتي .

قال ابن العربي : قوله وعلى الوارث مثل ذلك قال ابن القاسم عن مالك هي منسوخة ، وهذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين ، وتحتار فيه ألباب الشاذين ، والأمر فيه قريب ، وذلك أن العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخا ؛ لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم مسامحة ، وجرى ذلك في ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم ، وتحقيق القول فيه : أن قوله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك إشارة إلى ما تقدم ، فمن الناس من رده إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار ، منهم أبو حنيفة من الفقهاء ، ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر وقالت طائفة من العلماء : إن معنى قوله تعالى : وعلى الوارث مثل ذلك لا يرجع إلى جميع ما تقدم وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار ، والمعنى : وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأم ما على الأب ، وهذا هو الأصل ، فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل .قلت : قوله : " وهذا هو الأصل " ، يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور ، وهو صحيح ، إذ لو أراد الجميع الذي هو الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال : وعلى الوارث مثل هؤلاء ، فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة ، وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب ، وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضار ولدها في أن الأب إذا بذل لها أجرة المثل ألا ترضعه ، ولا مولود له بولده في أن الأم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها [ ص: 156 ] ذلك ؛ لأن الأم أرفق وأحن عليه ، ولبنها خير له من لبن الأجنبية .

قال ابن عطية : وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبي أيضا والزهري والضحاك وجماعة من العلماء : المراد بقوله ( مثل ذلك ) ألا تضار ، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه .

وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث ، ثم نسخ ذلك بالإجماع من الأمة في ألا يضار الوارث ، والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا ؟

وقرأ يحيى بن يعمر " وعلى الورثة " بالجمع ، وذلك يقتضي العموم ، فإن استدلوا بقوله عليه السلام : لا يقبل الله صدقة وذو رحم محتاج قيل لهم الرحم عموم في كل ذي رحم ، محرما كان أو غير محرم ، ولا خلاف أن صرف الصدقة إلى ذي الرحم أولى لقوله عليه السلام : اجعلها في الأقربين فحمل الحديث على هذا ، ولا حجة فيه على ما راموه ، والله أعلم .

وقال النحاس : وأما قول من قال وعلى الوارث مثل ذلك ألا يضار فقوله حسن ؛ لأن أموال الناس محظورة فلا يخرج شيء منها إلا بدليل قاطع .

وأما قول من قال على ورثة الأب فالحجة أن النفقة كانت على الأب ، فورثته أولى من ورثة الابن وأما حجة من قال على ورثة الابن فيقول : كما يرثونه يقومون به .

قال النحاس : وكان محمد بن جرير يختار قول من قال : الوارث هنا الابن ، وهو - وإن كان قولا غريبا - فالاستدلال به صحيح والحجة به ظاهرة ؛ لأن ماله أولى به .

وقد أجمع الفقهاء إلا من شذ منهم أن رجلا لو كان له ولد طفل وللولد مال ، والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة ولا رضاع ، وأن ذلك من مال الصبي .

فإن قيل : قد قال الله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف قيل : هذا الضمير للمؤنث ، ومع هذا فإن الإجماع حد للآية مبين لها ، لا يسع مسلما الخروج عنه .

وأما من قال : ذلك على من بقي من الأبوين ، فحجته أنه لا يجوز للأم تضييع ولدها ، وقد مات من كان ينفق عليه وعليها .

وقد ترجم البخاري على رد هذا القول ( باب - وعلى الوارث مثل ذلك ، وهل على المرأة منه شيء ) وساق حديث أم سلمة وهند .

والمعنى فيه : أن أم سلمة كان لها أبناء من أبي سلمة ولم يكن لهم مال ، فسألت [ ص: 157 ] النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها أن لها في ذلك أجرا .

فدل هذا الحديث على أن نفقة بنيها لا تجب عليها ، ولو وجبت عليها لم تقل للنبي صلى الله عليه وسلم : ولست بتاركتهم .

وأما حديث هند فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقها على أخذ نفقتها ونفقة بنيها من مال الأب ، ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب .

فاستدل البخاري من هذا على أنه لما لم يلزم الأمهات نفقات الأبناء في حياة الآباء فكذلك لا يلزمهن بموت الآباء .

وأما قول من قال إن النفقة والكسوة على كل ذي رحم محرم فحجته أن على الرجل أن ينفق على كل ذي رحم محرم إذا كان فقيرا .

قال النحاس : وقد عورض هذا القول بأنه لم يؤخذ من كتاب الله تعالى ولا من إجماع ولا من سنة صحيحة ، بل لا يعرف من قول سوى ما ذكرناه .

فأما القرآن فقد قال الله عز وجل : وعلى الوارث مثل ذلك فإن كان على الوارث النفقة والكسوة فقد خالفوا ذلك فقالوا : إذا ترك خاله وابن عمه فالنفقة على خاله وليس على ابن عمه شيء ، فهذا مخالف نص القرآن ؛ لأن الخال لا يرث مع ابن العم في قول أحد ، ولا يرث وحده في قول كثير من العلماء ، والذي احتجوا به من النفقة على كل ذي رحم محرم أكثر أهل العلم على خلافه .السادسة عشرة : قوله تعالى : فإن أرادا فصالا الضمير في ( أرادا ) للوالدين .

و ( فصالا ) معناه فطاما عن الرضاع ، أي عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات .

والفصال والفصل : الفطام ، وأصله التفريق ، فهو تفريق بين الصبي والثدي ، ومنه سمي الفصيل ؛ لأنه مفصول عن أمه .

عن تراض منهما أي قبل الحولين .

فلا جناح عليهما أي في فصله ، وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة الرضاع حولين بين أن فطامهما هو الفطام ، وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه منزع ، إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك العدد من غير مضارة بالولد ، فذلك جائز بهذا البيان .

وقال قتادة : كان الرضاع واجبا في الحولين وكان يحرم الفطام قبله ، ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من الحولين بقوله : فإن أرادا فصالا الآية .

وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح الصغير ، وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين ، والتشاور : استخراج الرأي ، وكذلك المشاورة ، والمشورة كالمعونة ، وشرت العسل : استخرجته ، وشرت الدابة وشورتها أي أجريتها لاستخراج جريها ، والشوار : متاع البيت ؛ لأنه يظهر للناظر .

والشارة : هيئة الرجل ، والإشارة : إخراج ما في نفسك وإظهاره .السابعة عشرة : قوله تعالى : وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم أي لأولادكم غير الوالدة ، قاله الزجاج .

قال النحاس : التقدير في العربية أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم ، مثل [ ص: 158 ] كالوهم أو وزنوهم ؛ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم ، وحذفت اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف ، وأنشد سيبويه :أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نسبولا يجوز : دعوت زيدا ، أي دعوت لزيد ؛ لأنه يؤدي إلى التلبيس ، فيعتبر في هذا النوع السماع .قلت : وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز اتخاذ الظئر إذا اتفق الآباء والأمهات على ذلك .

وقد قال عكرمة في قوله تعالى : لا تضار والدة معناه الظئر ، حكاه ابن عطية .

والأصل أن كل أم يلزمها رضاع ولدها كما أخبر الله عز وجل ، فأمر الزوجات بإرضاع أولادهن ، وأوجب لهن على الأزواج النفقة والكسوة - والزوجية قائمة - فلو كان الرضاع على الأب لذكره مع ما ذكره من رزقهن وكسوتهن ، إلا أن مالكا رحمه الله دون فقهاء الأمصار استثنى الحسيبة فقال : لا يلزمها رضاعة .

فأخرجها من الآية وخصصها بأصل من أصول الفقه وهو العمل بالعادة .

وهذا أصل لم يتفطن له إلا مالك .

والأصل البديع فيه أن هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب وجاء الإسلام فلم يغيره ، وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء للمراضع إلى زمانه فقال به ، وإلى زماننا فتحققناه شرعا .الثامنة عشرة : قوله تعالى : إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف يعني الآباء ، أي سلمتم الأجرة إلى المرضعة الظئر ، قاله سفيان .

مجاهد : سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع .

وقرأ الستة من السبعة ( ما آتيتم ) بمعنى ما أعطيتم .

وقرأ ابن كثير " أتيتم " بمعنى ما جئتم وفعلتم ، كما قال زهير :وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبلقال قتادة والزهري : المعنى سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع ، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي ، وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر .

وعلى هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب " سلمتم " الرجال والنساء ، وعلى القولين المتقدمين الخطاب للرجال .

قال أبو علي : المعنى إذا سلمتم ما آتيتم نقده أو إعطاءه ، فحذف المضاف وأقيم [ ص: 159 ] الضمير مقامه ، فكان التقدير : ما آتيتموه ، ثم حذف الضمير من الصلة ، وعلى هذا التأويل فالخطاب للرجال ؛ لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع .

قال أبو علي : ويحتمل أن تكون " ما " مصدرية ، أي إذا سلمتم الإتيان ، والمعنى كالأول ، لكن يستغني عن الصفة من حذف المضاف ثم حذف الضمير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا خبر بمعنى الأمر, تنزيلا له منزلة المتقرر, الذي لا يحتاج إلى أمر بأن { يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ } ولما كان الحول, يطلق على الكامل, وعلى معظم الحول قال: { كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فإذا تم للرضيع حولان, فقد تم رضاعه وصار اللبن بعد ذلك, بمنزلة سائر الأغذية, فلهذا كان الرضاع بعد الحولين, غير معتبر, لا يحرم.

ويؤخذ من هذا النص, ومن قوله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } أن أقل مدة الحمل ستة أشهر, وأنه يمكن وجود الولد بها.

{ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ } أي: الأب { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة, فإنَّ على الأب رزقها, أي: نفقتها وكسوتها, وهي الأجرة للرضاع.

ودل هذا, على أنها إذا كانت في حباله, لا يجب لها أجرة, غير النفقة والكسوة, وكل بحسب حاله, فلهذا قال: { لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا } فلا يكلف الفقير أن ينفق نفقة الغني, ولا من لم يجد شيئا بالنفقة حتى يجد، { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } أي: لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها, إما أن تمنع من إرضاعه, أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة, والكسوة أو الأجرة، { وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة له, أو تطلب زيادة عن الواجب, ونحو ذلك من أنواع الضرر.

ودل قوله: { مَوْلُودٌ لَهُ } أن الولد لأبيه, لأنه موهوب له, ولأنه من كسبه، فلذلك جاز له الأخذ من ماله, رضي أو لم يرض, بخلاف الأم.

وقوله: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } أي: على وارث الطفل إذا عدم الأب, وكان الطفل ليس له مال, مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة، فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين, على القريب الوارث الموسر، { فَإِنْ أَرَادَا } أي: الأبوان { فِصَالًا } أي: فطام الصبي قبل الحولين، { عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا } بأن يكونا راضيين { وَتَشَاوُرٍ } فيما بينهما, هل هو مصلحة للصبي أم لا؟

فإن كان مصلحة ورضيا { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في فطامه قبل الحولين، فدلت الآية بمفهومها, على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر, أو لم يكن مصلحة للطفل, أنه لا يجوز فطامه.

وقوله: { وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ } أي: تطلبوا لهم المراضع غير أمهاتهم على غير وجه المضارة { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: للمرضعات, { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فمجازيكم على ذلك بالخير والشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن ) يعني : المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن خبر بمعنى الأمر وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد لقوله تعالى في سورة الطلاق : " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " ( - الطلاق ) فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها ( حولين كاملين ) أي سنتين وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى : " تلك عشرة كاملة " ( 196 - البقرة ) وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا وبعض الشهر شهرا كما قال الله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) ( 197 - البقرة ) وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) ( 203 - البقرة ) وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم ويقال أقام فلان بموضع كذا حولين وإنما أقام به حولا وبعض آخر فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان أربعة وعشرون شهرا واختلف أهل العلم في هذا الحد فمنهم من قال : هو حد لبعض المولودين فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهرا وإن وضعت لتسعة أشهر فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهرا وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهرا كل ذلك تمام ثلاثين شهرا لقوله تعالى : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ( 15 - الأحقاف ) .

وقال قوم : هو حد لكل مولود بأي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلا باتفاق الأبوين فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن يجتمعا عليه لقوله تعالى : ( فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ) وهذا قول ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقيل : المراد من الآية : بيان أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين فلا يحرم ما يكون بعد الحولين قال قتادة : فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال : ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) أي هذا منتهى الرضاعة وليس فيها دون ذلك حد محدود وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به ( وعلى المولود له ) يعني الأب ) ( رزقهن ) طعامهن ) ( وكسوتهن ) لباسهن ) ( بالمعروف ) أي على قدر الميسرة ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) أي طاقتها ( لا تضار والدة بولدها ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة برفع الراء نسقا على قوله ) ( لا تكلف ) وأصله تضارر فأدغمت الراء في الراء وقرأ الآخرون تضار بنصب الراء وقالوا : لما أدغمت الراء في الراء حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ومعنى الآية ( لا تضار والدة بولدها ) فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه ( ولا مولود له بولده ) أي لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها تضاره بذلك وقيل معناه ( لا تضار والدة ) فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه وقبل الصبي من غيرها لأن ذلك ليس بواجب عليها ( ولا مولود له بولده ) فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما يجب لها إذا لم يرتضع من غيرها .

فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على الفعل المجهول والوالدة والمولود له مفعولان ويحتمل أن يكون الفعل لهما وتكون تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل والمعنى ( لا تضار والدة ) فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على أبيه ( ولا مولود له ) أي لا يضار الأب أم الصبي فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار إلى الوالدين يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد ويجوز أن يكون الضرار راجعا إلى الصبي أي لا يضار كل واحد منهما الصبي فلا ترضعه الأم حتى يموت أو لا ينفق الأب أو ينتزعه من الأم حتى يضر بالصبي فعلى هذا تكون الباء زائدة ومعناه ( لا تضار والدة بولدها ) ولا أب بولده وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين .

قوله تعالى : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) اختلفوا في هذا الوارث فقال قوم : هو وارث الصبي معناه : وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته ثم اختلفوا في أي وارث هو من ورثته فقال بعضهم : هو عصبة الصبي من الرجال مثل : الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وبه قال إبراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا : إذا لم يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه وقيل : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء : وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا : يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه عصبة كانوا أو غيرهم .

وقال بعضهم هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود فمن ليس بمحرم مثل ابن العم والمولى فغير مراد بالآية وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى تكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله فإن لم يكن له مال فعلى الأم ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله وقيل هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة .

وقيل : ليس المراد منه النفقة بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة وبه قال الشعبي والزهري ( فإن أرادا ) يعني الوالدين ) ( فصالا ) فطاما قبل الحولين ( عن تراض منهما ) أي اتفاق الوالدين ) ( وتشاور ) أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد والمشاورة استخراج الرأي ( فلا جناح عليهما ) أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ) أي لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن أي : انقطاع لبن أو أردن النكاح ( فلا جناح عليكم إذا سلمتم ) إلى أمهاتهم ( ما آتيتم ) ما سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن وقيل إذا سلمتم أجور المراضع إليهن بالمعروف قرأ ابن كثير ( ما آتيتم ) وفي الروم " وما أتيتم من ربا " ( 39 - الروم ) بقصر الألف ومعناه ما فعلتم يقال : أتيت جميلا إذا فعلته فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد لا بمعنى تسليم الأجرة يعني إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه وقيل إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار ( واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والوالدات يرضعن» أي ليرضعن «أولادهن حولين» عامين «كاملين» صفة مؤكدة، ذلك «لمن أراد أن يتم الرضاعة» ولا زيادة عليه «وعلى المولود له» أي الأب «رزقهن» إطعام الوالدات «وكسوتهن» على الإرضاع إذا كن مطلقات «بالمعروف» بقدر طاقته «لا تُكلَّفُ نفس إلا وسعها» طاقتها «لا تضار والدة بولدها» أي بسببه بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت «ولا» يضار «مولود له بولده» أي بسببه بأن يكلف فوق طاقته وإضافة الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف «وعلى الوارث» أي وارث الأب وهو الصبي أي على وليه في ماله «مثل ذلك» الذي على الأب للوالدة من الرزق و الكسوة «فأن أرادا» أي الوالدان «فصالا» فطاما له قبل الحولين صادرا «عن تراض» اتفاق «منهما وتشاور» بينهما لتظهر مصلحة الصبي فيه «فلا جناح عليهما» في ذلك «وإن أردتم» خطاب للآباء «أن تسترضعوا أولادكم» مراضع غير الوالدات «فلا جناح عليكم» فيه «إذا سلّمتم» إليهن «ما آتيتم» أي أردتم إيتاءه لهن من الأجرة «بالمعروف» بالجميل كطيب النفس «واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير» لا يخفى عليه شيء منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وعلى الوالدات إرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين لمن أراد إتمام الرضاعة، ويجب على الآباء أن يكفُلوا للمرضعات المطلقات طعامهن وكسوتهن، على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا قدر طاقتها، ولا يحل للوالدين أن يجعلوا المولود وسيلة للمضارة بينهما، ويجب على الوارث عند موت الوالد مثل ما يجب على الوالد قبل موته من النفقة والكسوة.

فإن أراد الوالدان فطام المولود قبل انتهاء السنتين فلا حرج عليهما إذا تراضيا وتشاورا في ذلك؛ ليصلا إلى ما فيه مصلحة المولود.

وإن اتفق الوالدان على إرضاع المولود من مرضعة أخرى غير والدته فلا حرج عليهما، إذا سلَّم الوالد للأم حقَّها، وسلَّم للمرضعة أجرها بما يتعارفه الناس.

وخافوا الله في جميع أحوالكم، واعلموا أن الله بما تعملون بصير، وسيجازيكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - حقوق الزوجيين في حالتي اجتماعهما واقترافهما ، أردف ذلك ببيان حقوق الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج .

فقال تعالى :( والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ .

.

.

)المراد بالوالدات الأمهات سواء أكن في عصمة أزواجهن أم مطلقات لأن اللفظ عام في الكل ولا يوجد ما يقتضي تخصيصه بنوع من الأمهات .

ويرى بعض المفسرين أن المراد بالوالدات هنا خصوص المطلقات لأن سياق الآيات قبل ذلك في أحكام الطلاق ، ولأن المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه .وحولين أي عامين .

وأصل الحول - كما يقول الرغاب - تغير الشيء وانفصاله عن غيره .والحول : السنة اعتباراً بانقلابها ودروان الشمس في مطالقعها ومغاربها .

قال - تعالى - : ( والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) ومنه حالت السنة تحول وحالت الدار تغيرت ، وأحال فلان بمكان كذا أي أقام به حولا " .وعبر عن الأمهات بالوالدات ، للإِشارة إلى أنهن اللائي ولدن أولادهن ، وأنهن الوعاء الذيب خرجوا منه إلى الحياة ، ومنهن يكون الغذاء الطبيعي المناسب لهذا المولود الذي جاء عن طريقهن .وقوله : ( يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ) جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى ، إذ التقدير ليرضعن .

أي : عليهن إرضاع أولادهن .وعبر عن الطلب بصيغة الخبر ، للإِشعار بأن إرضاع الأم لطفلها عمل توجبه الفطرة ، وتنادي به طبيعة الأمومة .قال الجمل : وهذا الأمر للندب وللوجوب ، فهو يكون للندب عند استجماع شروط ثلاثة ، قدرة الأب على استئجار المرضع ، ووجود من يرضعه غير الأم ، وقبول الولد للبن الغير .

ويكون للوجوب عند فقد أحد هذه الشروط .وليس التحديد بالحولين للوجوب ، لأنه يجوز الفطام قبل ذلك ، بدليل قوله : ( لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ) وإنما المقصود بهذا التحديث قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع ، فإذا اتفق الأب والأم على أن يفطما ولدهما قبل تمام الحولين كان لهما ذلك إذا لم يتضرر الولد بهذا الفطام ، وإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم أو العكس لم يكن لأحدهما ذلك .قال القرطبي ما ملخصه : وقد انتزع مالك - رحمه الله - ومن تابه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين ، لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة ، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة .

.

لقوله - تعالى - : ( والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) فهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين .

وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا رضاع إلا ما كان في الحولين " وهذا الخبر مع الآية ينفى رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له .

وقد روى عن عائشة القول به ، وروى عن ابن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع كبير .

وروى عنه الرجوع عنه .

وسيأتي تحقيق هذه المسألة في سورة النساء .وفي وصف الحولين بكاملين : تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثاني ، لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان على بعض المدلول إطلاق شائع عند العرب .فيقولون : هو ابن سنتين ، ويريدون سنة وبعض الثانية .وفي هذه الجملة الكريمة ( والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) بيان لمظهر من مظاهر رعاية الله - تعالى - للإِنسان منذ ولادته ، بل منذ تكوينه في بطن أمه جنبناً ، فقد أمر لطفلها في هذه الفترة ، وأسلم وسيلة لضمان صحته ونموه ، ولصيانته من الأمراض النفسية والعقلية ، فقد أثبت الأطباء الثقاة أن الطفل كثيراً ما يصاب بأمراض جسمية ونفسية وعقلية نتيجة رضاعته من غير أمه ، كما أثبتوا أن عناية الأم بطفلها في هذه الفترة عن طريق إرضاعه ورعايته ، تؤدي إلى تحسن أحواله .

.

.وقوله : ( لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ) بيان لمن توجه إليه الحكم .

أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع ، فإذا أراد الأبوان أن ينقصا مدة الرضاع عن الحولين كان لهما ذلك .

فالجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم مدة الرضاعة .وقوله : ( وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف ) بيان لما يجب على الآباء .أي : وعلى الآباء أن يقدموا إلى الوالدات ما يلزمهنم من نفقة وكسوة بالمعروف أي بالطريقة التي تعارف عليها العقلاء بدون إسراف أو تقتير .قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم قيل ( المولود لَهُ ) دون الوالد؟

قلت : ليلعم أن الوالدات إنما ولدن لهم ، لأن الأولاد للآباء ، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات ، كما قال المأمون بن الرشيد :فإنما أمهات الناس أوعية ...

مستودعات وللآباء أبناءفكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظار ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله - تعالى - : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً .

.

.

) وقوله : ( لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ) تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف .

أو تفسير للمعروف ولهذا فصلت هذه الجملة عن سابقتها ، وقوله ( وُسْعَهَا ) منصوب على أنه مفعول ثان لتكلف ، والاستثناء قبله مفرغ أي أن الولد لا يكلف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا بالقدر الذي تتسع له مقدرته بدون إرهاق أو مشقة .وتلك هي سنة الإِسلام في جميع تكاليفه ، فالله - تعالى - ما كلف عباده إلا بما يستطيعونه ويطيقونه بدون عسر أو عنت قال - تعالى - : ( لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ) وقال - تعالى - : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) وقوله : ( لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ) تعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الأب والأم ، والتي أساسها رعاية حق هذا الوليد الذي أتى عن طريقهما .والمضارة مفاعلة من الضرر ، والمعنى : لا ينبغي أن يقع ضرر على الأم بسبب ولدها ، بأن يستغل الأب حنوها على وليدها فيمنعها شيئاً من نفقتها ، أو يأخذ منها طفلها وهي تريد إرضاعه ، أو يكلفها بما ليس في مقدروها أو ما يخالف وظيفتها ، ولا ينبغي كذلك أن يقع ضرر على الأب بسبب ولده ، بأن تكلفه الأم بما لا تتسع له قدرته مستغلة محبته لولده وعنايته بتنشئته تنشئة حسنة .قال الجمل : ( لاَ ) في قوله : ( لاَ تُضَآرَّ ) يحتمل أن تكون نافية فيكون الفعل مرفوعاً ، ويحتمل أن تكون ناهية فيكون الفعل مجزوماً ، وقد قرئبهما في السبع ، وعلى كل يحتمل أن يكون الفعل مبنياً للفاعل وللمفعول " .والمعنى على الاحتمالين واحد وهو أنه لا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه أو يُضر من صاحبه بسبب حنوه على ولده واهتمامه بشأنه .وأضاف الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف ، وللتنبيه على أن هذا الولد الذي رزقهما الله إياه جدير بأن يتفقا على رعايته وحمايته من كل ما يؤذيه ، ولا يجوز مطلقاً أن يكون مصدر قلق لأي واحد منهما .وقدمت الأم في الجملة الكريمة ، لأن الشأن فيها أن يكون حنوها أشد ، وعاطفتها أرق ، ولأن مظنة إنزال العنف والأذى بها أقرب لضفعها عن الأب .فالجملة الكريمة توجبه سديد ، وإرشاد حكيم ، للآباء والأمهات إلى أن يقوم كل فريق منهم بواجبه نحو صاحبه ونحو الأولاد الذين هم ثمار لهم .وقوله : ( وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك ) معطوف على قوله ( وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ ) الخ .وما بينهما تعليل أو تفسير معترض .أي : وعلى وارث الأب أو وارث الصبي - أي من سيرثه بعد موته - عليه مثل ما على الأب من النفقة وترك الإِضرار .

فهذه الحملة الكريمة سيقت لبيان من تجب عليه نفقة الصبي إذا فقد أباه ، أو كان أبوه موجوداً ولكنه عاجز عن الإِنفاق عليه .قال الآلوسي ما ملخصه : والمراد بالوارث وارث الولد فإنه يجب عليه مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة بالمعروف إن لم يكن للولد مال .

وهو التفسير المأثور عن عمر وابن عباس وقتادة .

.

وخلق كثير .

وخص الإِمام أبو حنيفة هذا الوارث بمن كان ذا رحم محرم من الصبي .

.

.

وقال الشافعي وقال الشافعي المراد وارث الأب - يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب - وقيل المراد بالوارث الباقي من الأبوين ، وقد جاء الوارث بمعنى الباقي كما في قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني " وعلى أية حال فالجملة الكريمة تغرس معاني الإِخاء والتراحم والتكافل بين أبناء الأسرة الواحدة ، فالقادر ينفق على العاجز ، والغين يمد الفقير بحاجته ، وبذلك تسعد الأسرة ، وتسودها روح المحبة والمودة .وقوله : ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) معطوف على قوله ( يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) لأنه متفرع عنه .والضمير في قوله ( فَإِنْ أَرَادَا ) يعود على الوالدين .قال القرطبي : والفصال والفصل .

الفطام وأصله التفريق ، فهو تفريق بين الصبي والثدي .ومنه سمي الفصيل - لولد الضأن - لأنه مفصول عن أمه .

والتشاور : استخراج الرأي - بما فيه المصلحة - وكذلك المشاورة .

من الشور وهو اجتناء العسل .

يقال شرت العسل - إذا استخرجته من مواضعه - والشوار : متاع البيت لأنه يظهر للناظر .

والشارة هيئة الرجل .

والإِشارة : إخراج ما في نفسك وإظهاره .والمعنى : فإن أراد الأبوان فطاماً لولدهما قبل الحولين ، وكان هذه الإرادة عن تراض منهما وتشاور في شأن الصبي وتفحص لأحواله ، ورأيا أن هذا الفطام قبل بلوغه الحولين لن يضره فلا إثم عليهما في ذلك .وقال بعضهم : وأيضاً لا إثم عليهما إذا فطماه بعد الحولين متى رأيا المصلحة في ذلك ، وقد قيد - سبحانه - هذا الفطام للصبي بكونه عن تراض من الأبوين وتشاور منهما ، رعاية لمصلحة هذا الصبي ، لأن رضا أحدهما فقد قد يضره ، بأن تمل الأم الإِرضاع أو يبخل الأب بالإِنفاق .

ولأن إقدام أحدهما على الفطام بدون التشاور مع صاحبه قد يؤثر في صحة الصبي تأثيرا سيئاً .لذا أوجب - سبحانه - التراضي والتشاور فيما بينهما من أجل مصلحة صبيهما .ثم قال - تعالى - : ( وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بالمعروف ) .أي : وإن أردتم - أيها الآباء - أن تسترضعوا مراضع لأولادكم ، ورضى الأمهات بذلك ، فلا إثم عليكم فيما تفعلون ما دمتم تقصدون مصلحة أولادكم ، وعليكم أن تسلموا هؤلاء المراضع أجرهن بالطريقة التي يقرها الشرع ، وتستحسنها العقول السليمة ، والأخلاق القويمة .واسترضع - كما يقول الزمخشري - منقول من أرضع .

يقال : أرضعت المرأة الصبي ، واسترضعتها الصبي فهي متعدية إلى معفولين ، والمعنى : أن تسترضعوا المراضع أولادكم .

فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه .وقوله ( مَّآ آتَيْتُم ) حذف مفعولاه أي آتيتموهن إياه .

( بالمعروف ) متعلق بسلمتم أي بالقول الجميل ، وبالوجه المتعارف المستحسن شرعاً .

ويجوز أن يتعلق بآتيتم .

وأن يكون حالا من فاعل سلمتم أو آتيتم والعامل فيه محذوف أي متلبسين بالمعروف .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .أي : اتقوا الله في كل شئونكم والتزموا ما بينه لكم من أحكام ، واعلموا أن الله - تعالى - لا تخفى عليه أعمالكم ، فهو محصيها عليكم ، وسيجزي المسحن إحساناً والمسيء سوءاً .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثاني عشر: في الرضاع: قوله تعالى: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حلين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ﴾ .

اعلم أن في قوله تعالى: ﴿ والوالدات ﴾ ثلاثة أقوال الأول: أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات، سواء كن مزوجات أو مطلقات، والدليل عليه أن اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه.

والقول الثاني: المراد منه: الوالدات المطلقات، قالوا: والذي يدل على أن المراد ذلك وجهان أحدها: أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهراً، وسبب التعليق بين هذه الآية وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي، وذلك يحمل المرأة على إيذاء الولد من وجهين: أحدهما: أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء الزوج المطلق والثاني: أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر، وذلك يقتضي إقدامها على إهمال أمر الطفل فلما كان هذا الاحتمال قائماً لا جرم ندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم، فقال: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن ﴾ والمراد المطلقات.

الحجة الثانية لهم: ما ذكره السدي، قال: المراد بالوالدات المطلقات، لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع، واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل بنفسه، فلم يجب تعلقها بما قبلها، وعن الحجة الثانية لا يبعد أن تستحق المرأة قدراً من المال لمكان الزوجية وقدراً آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة بين الأمرين.

القول الثالث: قال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة.

فإن قيل: إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع.

قلنا: النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين، فإذا أشغلت بالحضانة والإرضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بإجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله.

أما قوله تعالى: ﴿ يُرْضِعْنَ أولادهن ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبراً إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين: الأول: تقدير الآية: والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه والثاني: أن يكون معنى يرضعن: ليرضعن، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام.

المسألة الثانية: هذا الأمر ليس أمر إيجاب، ويدل عليه وجهان الأول: قوله تعالى: ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن  ﴾ ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني: أنه تعالى قال بعد ذلك: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى  ﴾ وهذا نص صريح، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى: ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع، فلو كان الإرضاع واجباً عليها لما وجب ذلك، وفيه البحث الذي قدمناه، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم، أو لا يرضع الطفل إلا منها، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام.

أما قوله تعالى: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين، وإنما أقام حولاً وبعض الآخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يوماً وبعض اليوم الآخر.

المسألة الثانية: اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول: أنه تعالى قال بعد ذلك: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار، بل فيه وجوه: الأول: وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك.

الوجه الثاني: في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكماً خاصاً في الشريعة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان، لا يفيد هذا الحكم، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: مدة الرضاع ثلاثون شهراً.

حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه: الحجة الأولى: أنه ليس المقصود من قوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة.

الحجة الثانية: روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا رضاع بعد فصال» وقال تعالى: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ  ﴾ .

الحجة الثالثة: ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين».

والوجه الثالث: في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين، فإن وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهراً، وقال آخرون: الحولان هذا الحد في رضاع كل مولود، وحجة ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى قال: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً  ﴾ دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا القدر من الزمان، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة الأخرى.

المسألة الثالثة: روي أن رجلاً جاء إلى علي رضي الله عنه فقال: تزوجت جارية بكراً وما رأيت بها ريبة، ثم ولدت لستة أشهر، فقال علي رضي الله عنه قال الله: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً ﴾ وقال تعالى: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ فالحمل ستة أشهر الولد ولدك، وعن عمر أنه جئ بامرأة وضعت لستة أشهر، فشاور في رجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة أشهر.

أما قوله تعالى: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ أن يكمل الرضاعة ﴾ وقرئ ﴿ الرضاعة ﴾ بكسر الراء.

المسألة الثانية: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان الأول: أن تقدير الآية: هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة، وعن قتادة أنزل الله حولين كاملين، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية والثاني: أن اللام متعلقة بقوله: ﴿ يُرْضِعْنَ ﴾ كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الإرضاع من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم لما بيناه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ المولود لَهُ ﴾ هو الوالد، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد للمأمون بن الرشيد: وإنما أمهات الناس أوعية *** مستودعات وللآباء أبناء الثاني: أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه على ما قال صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش» فكأنه قال: إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه، وجب عليه رعاية مصالحه، فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر الثالث: أنه قيل في تفسير قوله: ﴿ قَالَ ابن أُمَّ  ﴾ أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد، فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة، فكذا هاهنا ذكر الوالد بلفظ المولود له تنبيهاً على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب، فكان نقصه عائداً إليه، ورعاية مصالحه لازمة له، كما قيل: كلمة لك، وكلمة عليك.

المسألة الثانية: أنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف، والمعرَّف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها، فقد استغنى عن تقدير الأجرة، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعري، فضررها يتعدى إلى الولد.

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولاً، ثم وصى الأب برعايته ثانياً، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة ألبتة، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة، فإنه يستأجر المرأة على إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة، وذلك يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة، ثم قال تعالى: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التكليف: الإلزام، يقال: كلفه الأمر فتكلف وكلف، وقيل: إن أصله من الكلف، وهو الأثر على الوجه من السواد، فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره، والوسع ما يسع الإنسان فيطيقه أخذه، من سعة الملك أي العرض، ولو ضاق لعجز عنه، والسعة بمنزلة القدرة، فلهذا قيل: الوسع فوق الطاقة.

المسألة الثانية: المراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه، إلا ما تتسع له قدرته، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة، ولا يبلغ استغراقها، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك، وهو نظير قوله في سورة الطلاق: ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ﴾ ثم قال: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى ﴾ ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُو۟لَٰتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُۥٓ أُخْرَىٰ  لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِۦ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا  ﴾ .

المسألة الثالثة: المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يكلف العباد إلا ما يقدرون عليه، لأنه أخبر أنه لا يكلف أحداً إلا ما تتسع له قدرته، والوسع فوق الطاقة، فإذا لم يكلفه الله تعالى ما لا تتسع له قدرته، فبأن لا يكلفه ما لا قدرة له عليه أولى.

ثم قال: ﴿ لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي ﴿ لاَ تُضَارَّ ﴾ بالرفع والباقون بالفتح، أما الرفع فقال الكسائي والفراء إنه نسق على قوله: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ قال علي بن عيسى: هذا غلط لأن النسق بلا إنما هو إخراج الثاني مما دخل فيه الأول نحو: ضربت زيداً لا عمراً فأما أن يقال: يقوم زيد لا يقعد عمرو، فهو غير جائز على النسق، بل الصواب أنه مرفوع على الاستئناف في النهي كما يقال: لا يضرب زيد لا تقتل عمراً وأما النصب فعلى النهي، والأصل لا تضار فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، يقال: يضارر رجل زيداً، وذلك لأن أصل الكلمة التضعيف، فأدغمت إحدى الراءين في الأخرى، فصار لا تضار، كما تقول: لا تردد ثم تدغم فتقول: لا ترد بالفتح قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ  ﴾ وقرأ الحسن: ﴿ لاَ تُضَارَّ ﴾ بالكسر وهو جائز في اللغة، وقرأ أبان عن عاصم ﴿ لاَ تُضَارر ﴾ مطهرة الراء مكسورة على أن الفعل لها.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ لاَ تُضَارَّ ﴾ يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة، وإنما احتمل الوجهين نظراً لحال الإدغام الواقع في تضار أحدهما: أن يكون أصله لا تضار بكسر الراء الأولى، وعلى هذا الوجه تكون المرأة هي الفاعلة للضرار والثاني: أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي المفعولة بها الضرار، وعلى الوجه الأول يكون المعنى: لا تفعل الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد، وذلك بأن تمتنع المرأة من إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة، فتلقى الولد عليه، وعلى الوجه الثاني معناه: لا تضارر، أي لا يفعل الأب الضرار بالأم فينزع الولد منها مع رغبتها في إمساكها وشدة محبتها له، وقوله: ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾ أي: ولا تفعل الأم الضرار بالأب بأن تلقي الولد عليه، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد.

فإن قيل: لم قال: ﴿ تُضَارَّ ﴾ والفعل لواحد؟.

قلنا لوجوه: أحدها: أن معناه المبالغة، فإن إيذاء من يؤذيك أقوى من إيذاء من لا يؤذيك والثاني: لا يضار الأم والأب بأن لا ترضع الأم أو يمنعها الأب وينزعه منها والثالث: أن المقصود لكل واحد منهما بإضرار الولد إضرار الآخر، فكان ذلك في الحقيقة مضارة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا ﴾ وإن كان خبراً في الظاهر، لكن المراد منه النهي، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع، وترك التعهد والحفظ.

وقوله: ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾ يتناول كل المضار، وذلك بأن يمنع الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو بأن يسيء العشرة فيحملها ذلك على إضرارها بالولد، فكل ذلك داخل في هذا النهي والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك ﴾ فاعلم أنه لما تقدم ذكر الولد وذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى واحد من هؤلاء، والعلماء لم يدعوا وجهاً يمكن القول به إلا وقال به بعضهم.

فالقول الأول: وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد وارث الأب، وذلك لأن قوله: ﴿ وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف ﴾ وما بينهما اعتراض لبيان المعروف، والمعنى أن المولود له إن مات فعلى وارثه مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، يعني إن مات المولود له لزم وارثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور، وهو رعاية المعروف وتجنب الضرار، قال أبو مسلم الأصفهاني هذا القول ضعيف، لأنا إذا حملنا اللفظ على وارث الولد والولد أيضاً وارثه، أدى إلى وجوب نفقته على غيره، حال ماله مال ينفق منه وإن هذا غير جائز، ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي إذا ورث من أبيه مالاً فإنه يحتاج إلى من يقوم بتعهده وينفق ذلك المال عليه بالمعروف، ويدفع الضرار عنه، وهذه الأشياء يمكن إيجابها على وارث الأب.

القول الثاني: أن المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه أي وارث هو؟

فقيل: هو العصبات دون الأم، والأخوة من الأم، وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى، قالوا: النفقة على قدر الميراث، وقيل: الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واعلم أن ظاهر الكلام يقتضي أن لا فضل بين وارث ووارث، لأنه تعالى أطلق اللفظ فغير ذي الرحم بمنزلة ذي الرحم، كما أن البعيد كالقريب، والنساء كالرجال، ولولا أن الأم خرجت من ذلك من حيث مر ذكرها بإيجاب الحق لها، لصح أيضاً دخولها تحت الكلام، لأنها قد تكون وارث كغيرها.

القول الثالث: المراد من الوارث الباقي من الأبوين، وجاء في الدعاء المشهور: واجعله الوارث منا، أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة.

القول الرابع: أراد بالوارث الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى فإنه إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على إرضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي.

أما قوله تعالى: ﴿ مِثْلُ ذلك ﴾ فقيل من النفقة والكسوة عن إبراهيم، وقيل: من ترك الإضرار عن الشعبي والزهري والضحاك، وقيل: منهما عن أكثر أهل العلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ فاعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الفصال قولان الأول: أنه الفطام لقوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثَلاَثُونَ شَهْراً  ﴾ وإنما سمي الفطام بالفصال لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات قال المبرد: يقال فصل الولد عن الأم فصلاً وفصالاً، وقرئ بهما في قوله: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ﴾ والفصال أحسن، لأنه إذا انفصل من أمه فقد انفصلت منه، فبينهما فصال نحو القتال والضراب، وسمي الفصيل فصيلاً لأنه مفصول عن أمه، ويقال: فصل من البلد إذا خرج عنه وفارقه قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود  ﴾ واعلم أن حمل الفصال هاهنا على الفطام هو قول أكثر المفسرين.

واعلم أنه تعالى لما بين أن الحولين الكاملين هو تمام مدة الرضاع وجب حمل هذه الآية على غير ذلك حتى لا يلزم التكرار، ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد من هذه الآية أن الفطام قبل الحولين جائز ومنهم من قال: إنها تدل على أن الفطام قبل الحولين جائز، وبعده أيضاً جائز وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

حجة القول الأول أن ما قبل الآية لما دل على جواز الفطام عند تمام الحولين كان أيضاً دليلاً على جواز الزيادة على الحولين وإذا كان كذلك بقيت هذه الآية دالة على جواز الفطام قبل تمام الحولين فقط.

وحجة القول الثاني أن الولد قد يكون ضعيفاً فيحتاج إلى الرضاع ويضر به فطمه كما يضر ذلك قبل الحولين، وأجاب الأولون أن حصول المضرة في الفطام بعد الحولين نادر وحمل الكلام على المعهود واجب، والله أعلم.

القول الثاني: في تفسير الفصال، وهو أن أبا مسلم لما ذكر القول الأول قال: ويحتمل معنى آخر، وهو أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الأم والولد إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك ولم يرجع بسبب ذلك ضرر إلى الولد.

المسألة الثانية: التشاور في اللغة: استجماع الرأي، وكذلك المشورة والمشورة مفعلة منه كالمعونة، وشرت العسل استخرجته، وقال أبو زيد: شرت الدابة وأشرتها أي أجريتها لاستخراج جريها، والشوار متاع البيت، لأنه يظهر للناظر، وقالوا: شورته فتشور، أي خجلته، والشارة هيئة الرجل، لأنه ما يظهر من زيه ويبدو من زينته، والإشارة إخراج ما في نفسك، وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب وذلك لأن الأم قد تمل من الرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع، فقد يحاول الفطام دفعاً لذلك، لكنهما قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة مع غيرهما، وعند ذلك يبعد أن تحصل موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، فعند اتفاق الكل يدل على أن الفطام قبل الحولين لا يضره البتة فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغير كم شرط في جواز إفطامه من الشرائط دفعاً للمضار عنه، ثم عند اجتماع كل هذه الشرائط لم يصرح بالإذن بل قال: ﴿ لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أكثر ضعفاً كانت رحمة الله معه أكثر وعنايته به أشد.

قوله تعالى: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعلمون بصير ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع، بين أنه يجوز العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: استرضع منقول من أرضع، يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعها الصبي، فتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة واستنجحته الحاجة والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن آخرهما عبارة عن الأول، وقال الواحدي: ﴿ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم ﴾ أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاءً بدلالة الاسترضاع، لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز دعوت زيداً وأنت تريد لزيد، لأنه تلبيس هاهنا بخلاف ما قلنا في الاسترضاع، ونظير حذف اللام قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ  ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.

المسألة الثانية: اعلم أنا قد بينا أن الأم أحق بالإرضاع، فأما إذا حصل مانع عن ذلك فقد يجوز العدول عنها إلى غيرها، منها ما إذا تزوجت آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الرضاع، ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الرضاع حتى يتزوج بها زوج آخر، ومنها أن تأتي المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق وإيحاشاً له، ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها، فعند أحد هذه الوجوه إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى، أو وجدناها ولكن الطفل لا يقبل لبنها فهاهنا الإرضاع واجب على الأم.

أما قوله تعالى: ﴿ إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحده ﴿ مَّا ءَاتَيْتُم ﴾ مقصورة الألف، والباقون ﴿ مَّا ءَاتَيْتُم ﴾ ممدودة الألف، أما المد فتقديره: ما آتيتموه المرأة أي أردتم إيتاءه وأما القصر فتقديره: ما آتيتم به، فحذف المفعولان في الأول وحذف لفظة بِه في الثاني لحصول العلم بذلك، وروى شيبان عن عاصم ﴿ مَا أُوتِيتُمْ ﴾ أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  ﴾ .

المسألة الثانية: ليس التسليم شرطاً للجواز والصحة، وإنما هو ندب إلى الأولى والمقصود منه أن تسليم الأجرة إلى المرضعة يداً بيد حتى تكون طيبة النفس راضية فيصير ذلك سبباً لصلاح حال الصبي، والاحتياط في مصالحه، ثم إنه تعالى ختم الآية بالتحذير، فقال: ﴿ واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُرْضِعْنَ ﴾ مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد ﴿ كَامِلَيْنِ ﴾ توكيد كقوله ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: 196] لأنه مما يتسامح فيه فتقول: أقمت عند فلان حولين، ولم تستكملهما.

وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ أن يكمل الرضاعة ﴾ : وقرئ: ﴿ الرِّضاعة ﴾ .

بكسر الراء.

﴿ والرضعة ﴾ .

﴿ وأن تتم الرضاعة ﴾ و ﴿ أن يتم الرضاعة ﴾ ، برفع الفعل تشبيهاً ل (إن) ب (ما) لتأخيهما في التأويل.

فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ ﴾ بما قبله؟

قلت: هو بيان لمن توجه إليه الحكم، كقوله تعالى: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ [يوسف: 23] لك بيان للمهيت به، أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع.

وعن قتادة: حولين كاملين، ثم أنزل الله اليسر والتخفيف فقال: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ أراد أنه يجوز النقصان، وعن الحسن: ليس ذلك بوقت لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر.

وقيل: اللام متعلقة بيرضعن، كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة من الآباء، لأنّ الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه، وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه.

ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة رحمه الله ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح.

وعند الشافعي يجوز.

فإذا انقضت عدّتها جاز بالاتفاق.

فإن قلت: فما بال الوالدات مأمورات بأن يرضعن أولادهنّ؟

قلت: إما أن يكون أمراً على وجه الندب، وإما على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار.

وقيل: أراد الوالدات المطلقات.

وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرنَفْسٌ إِلاَّ وضاع ﴿ وَعلَى المولود لَهُ ﴾ وعلى الذي يولد له وهو الوالد.

و ﴿ لَهُ ﴾ في محل الرفع على الفاعلية، نحو ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ في ﴿ المغضوب عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] فإن قلت لم قيل ﴿ المولود ﴾ له دون الوالد.

قلت: ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات.

وأنشد للمأمون بن الرشيد: فَإنمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أوْعِيَة ** مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلآبَاءِ أبْنَاءُ فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم، كالأظآر.

ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى، وهو قوله تعالى: ﴿ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ [لقمان: 33] ، ﴿ بالمعروف ﴾ تفسيره ما يعقبه، وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارّا.

وقرئ ﴿ لا تكلف ﴾ بفتح التاء؛ و(لا نكلف) بالنون.

وقرئ: ﴿ لا تضارُّ ﴾ بالرفع على الإخبار، وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول، وأن يكون الأصل: تضارر بكسر الراء، وتضارر بفتحها.

وقرأ ﴿ لاَ تُضآرَّ ﴾ بالفتح أكثر القراء.

وقرأ الحسن بالكسر على النهي، وهو محتمل للبناءين أيضاً.

ويبين ذلك أنه قرئ ﴿ لا تضارَرْ ﴾ ، ولا ﴿ تضارِرْ ﴾ ، بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها.

وقرأ أبو جعفر: لا ﴿ تضارْ ﴾ ، بالسكون مع التشديد على نية الوقف.

وعن الأعرج ﴿ لا تضارْ ﴾ بالسكون والتخفيف، وهو من ضاره يضيره.

ونوى الوقف كما نواه أبو جعفر، أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونا.

وعن كاتب عمر بن الخطاب: ﴿ لا تضرر ﴾ .

والمعنى: لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئرًا، وما أشبه ذلك؛ ولا يضارّ مولود له امرأته بسبب ولده، بأن يمنعها شيئًا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها؛ ولا يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، ولا يكرهها على الإرضاع.

وكذلك إذا كان مبنياً للمفعول فهو نهي عن أي يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وعن أن يلحق بها الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد، ويجوز أن يكون ﴿ تُضَارَّ ﴾ بمعنى تضر، وأن تكون الباء من صلته، أي لا تضرّ والدة بولدها، فلا تسيء غذاءه وتعهده، ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها.

ولا يضرّ الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد.

فإن قلت: كيف قيل بولدها وبولده؟

قلت: لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبيّ منها.

فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد ﴿ وَعَلَى الوارث ﴾ عطف على قوله: ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ ، وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.

فكان المعنى: وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، أي إن مات المولود لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشريطة التي ذكرت من المعروف وتجنب الضرار.

وقيل: هو وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه.

واختلفوا، فعند ابن أبي ليلى كل من ورثه، وعند أبي حنيفة من كان ذا رحم محرم منه.

وعند الشافعي: لا نفقة فيما عدا الولاد.

وقيل من ورثه من عصبته مثل الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العمّ.

وقيل: المراد وارث الأب وهو الصبي نفسه، وأنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه.

وقيل (على الوارث) على الباقي من الأبوين من قوله: ﴿ واجعله الوارث منا ﴾ ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً ﴾ صادراً ﴿ عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ في ذلك، زادا على الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد.

وقيل: هو في غاية الحولين لا يتجاوز، وإنما اعتبر تراضيهما في الفصال وتشاورهما: أمّا الأب فلا كلام فيه، وأمّا الأمّ فلأنها أحق بالتربية وهي أعلم بحال الصبي.

وقرئ: ﴿ فإن أراد ﴾ .

استرضع: منقول من أرضع.

يقال: أرضعت المرأة الصبي، واسترضعتها الصبي، لتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة، واستنجحته الحاجة والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأوّل ﴿ إِذَا سَلَّمْتُم ﴾ إلى المراضع ﴿ مَّا ءاتَيْتُم ﴾ ما أردتم إيتاءه، كقوله تعالى: ﴿ إِذَا قمتم إلى الصلاة ﴾ [المائدة: 6] وقرئ: ﴿ ما أتيتم ﴾ ، من أتى إليه إحساناً إذا فعله.

ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ [مريم: 61] أي مفعولاً.

وروى شيبان عن عاصم: ﴿ ما أوتيتم ﴾ ، أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، ونحوه ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ [الحديد: 7] وليس التسليم بشرط للجواز والصحة، وإنما هو ندب إلى الأولى.

ويجوز أن يكون بعثاً على أن يكون الشيء الذي تعطاه المرضع من أهنى ما يكون، لتكون طيبة النفس راضية، فيعود ذلك إصلاحاً لشأن الصبي واحتياطاً في أمره، فأمرنا بإيتائه ناجزاً يداً بيد، كأنه قيل: إذا أدّيتم إليهن يداً بيد ما أعطيتموهن ﴿ بالمعروف ﴾ متعلق بسلمتم، أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه.

ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن، حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ أمْرٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِالخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ ومَعْناهُ النَّدْبُ، أوِ الوُجُوبُ فَيُخَصُّ بِما إذا لَمْ يَرْتَضِعُ الصَّبِيُّ إلّا مِن أُمِّهِ أوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ ظِئْرٌ، أوْ عَجَزَ الوالِدُ عَنِ الِاسْتِئْجارِ.

والوالِداتُ يَعُمُّ المُطَلَّقاتِ وغَيْرَهُنَّ.

وقِيلَ يُخْتَصُّ بِهِنَّ إذِ الكَلامُ فِيهِنَّ.

﴿ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ﴾ أكَّدَهُ بِصِفَةِ الكَمالِ لِأنَّهُ مِمّا يَتَسامَحُ فِيهِ.

﴿ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ بَيانٌ لِلْمُتَوَجِّهِ إلَيْهِ الحُكْمُ أيْ ذَلِكَ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيُرْضِعْنَ فَإنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإرْضاعُ كالنَّفَقَةِ، والأُمُّ تُرْضِعُ لَهُ.

وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقْصى مُدَّةِ الإرْضاعِ حَوْلانِ ولا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَهُما وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقُصَ عَنْهُ.

﴿ وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ ﴾ أيِ الَّذِي يُولَدُ لَهُ يَعْنِي الوالِدَ، فَإنَّ الوَلَدَ يُولَدُ لَهُ ويُنْسَبُ إلَيْهِ.

وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلْإشارَةِ إلى المَعْنى المُقْتَضى لِوُجُوبِ الإرْضاعِ ومُؤَنِ المُرْضِعَةِ عَلَيْهِ.

﴿ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ ﴾ أُجْرَةً لَهُنَّ، واخْتُلِفَ في اسْتِئْجارِ الأُمِّ، فَجَوَّزَهُ الشّافِعِيُّ، ومَنَعَهُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ما دامَتْ زَوْجَةً أوْ مُعْتَدَّةِ نِكاحٍ.

﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ حَسَبَ ما يَراهُ الحاكِمُ ويَفِي بِهِ وُسْعُهُ.

﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها ﴾ تَعْلِيلٌ لِإيجابِ المُؤْمِنِ والتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُكَلِّفُ العَبْدَ بِما لا يُطِيقُهُ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ إمْكانَهُ.

﴿ لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ تَفْصِيلٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ، أيْ لا يُكَلِّفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ، ولا يُضارُّهُ بِسَبَبِ الوَلَدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ﴿ لا تُضارَّ ﴾ بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿ لا تُكَلَّفُ ﴾ ، وأصْلُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ تُضارِرْ بِالكَسْرِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أوِ الفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَضُرُّ والباءُ مِن صِلَتِهِ أيْ لا يَضُرُّ الوالِدانِ بِالوَلَدِ فَيُفَرِّطُ في تَعَهُّدِهِ ويُقَصِّرُ فِيما يَنْبَغِي لَهُ.

وقُرِئَ « لا تُضارّْ» بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ وبِهِ مَعَ التَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مِن ضارَّهِ يُضِيرُهُ، وإضافَةُ الوَلَدِ إلَيْها تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى اسْتِعْطافٌ لَهُما عَلَيْهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَّفِقا عَلى اسْتِصْلاحِهِ والإشْفاقِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَضُرّا بِهِ، أوْ أنْ يَتَضارّا بِسَبَبِهِ.

﴿ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ ﴾ ، وما بَيْنَهُما تَعْلِيلٌ مُعْتَرِضٌ.

والمُرادُ بِالوارِثِ وارِثُ الأبِ وهو الصَّبِيُّ أيْ مُؤَنُ المُرْضِعَةِ مِن مالِهِ إذا ماتَ الأبُ.

وقِيلَ الباقِي مِنَ الأبَوَيْنِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا»، وكِلا القَوْلَيْنِ يُوافِقُ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إذْ لا نَفَقَةَ عِنْدَهُ فِيما عَدا الوِلادَةَ.

وقِيلَ وارِثُ الطِّفْلِ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى.

وقِيلَ وارِثُهُ المَحْرَمُ مِنهُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.

وقِيلَ عَصَباتُهُ وبِهِ قالَ أبُو زَيْدٍ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما وجَبَ عَلى الأبِ مِنَ الرِّزْقِ والكُسْوَةِ.

﴿ فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ ﴾ أيْ فِصالًا صادِرًا عَنِ التَّراضِي مِنهُما والتَّشاوُرِ بَيْنَهُما قَبْلَ الحَوْلَيْنِ، والتَّشاوُرُ والمُشاوَرَةُ والمَشُورَةُ والمَشْوَرَةِ اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ، مِن شُرْتُ العَسَلَ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ في ذَلِكَ وإنَّما اعْتَبَرَ تَراضِيَهُما مُراعاةً لِصَلاحِ الطِّفْلِ، وحَذَرًا أنْ يُقْدِمَ أحَدُهُما عَلى ما يَضُرُّ بِهِ لِغَرَضٍ أوْ غَيْرِهِ.

﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ ﴾ أيْ تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ لِأوْلادِكُمْ، يُقالُ أرْضَعْتُ المَرْأةَ الطِّفْلَ واسْتَرْضَعْتُها إيّاهُ، كَقَوْلِكَ أنْجَحَ اللَّهُ حاجَتِي واسْتَنْجَحْتُهُ إيّاها، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ وإطْلاقُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ الوَلَدَ ويَمْنَعَ الزَّوْجَةَ مِنَ الإرْضاعِ.

﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ﴾ إلى المَراضِعِ.

﴿ ما آتَيْتُمْ ﴾ ما أرَدْتُمْ إيتاءَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ « ما أتَيْتُمْ»، مِن أتى إحْسانًا إذا فَعَلَهُ.

وقُرِئَ « أُوتِيتُمْ» أيْ ما آتاكُمُ اللَّهُ وأقْدَرَكم عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ.

﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ صِلَةُ سَلَّمْتُمْ، أيْ بِالوَجْهِ المُتَعارَفِ المُسْتَحْسَنِ شَرْعًا.

وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ اشْتِراطُ التَّسْلِيمِ لِجَوازِ الِاسْتِرْضاعِ بَلْ لِسُلُوكِ ما هو الأوْلى والأصْلَحُ لِلطِّفْلِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ مُبالَغَةٌ في المُحافَظَةِ عَلى ما شَرَعَ في أمْرِ الأطْفالِ والمَراضِعِ.

﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ حَثٌّ وتَهْدِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن} خبر في معنى الأمر المؤكد كيتربصن وهذا الأمر على وجه الندب أو على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدى امه أو لم توجد له ظئرا وكان الأب عاجزاً عن الاستئجار أو أراد الوالدات المطلقات وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع {حَوْلَيْنِ} ظرف {كَامِلَيْنِ} تأمين وهو تأكيد لأنه مما يتسامح فيه فإنك تقول أقمت عند فلان حولين ولم تستكملهما {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} بيان لمن توجه إليه الحكم أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة والحاصل أن الأب يجب عليه إرضاع ولده دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه ولا يجوز استئجار الأم ما دامت زوجة أو معتدة {وَعلَى المولود له} الهاء يعود إلى اللام بمعنى الذي والتقدير وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في محل الرفع على الفاعلية كعليهم في المغضوب عليهم وإنما قيل على المولود له دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدن لهم إذ الأولاد للآباء والنسب إليهم لا إليهن فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظار ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى وهو قوله {واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف} بلا إسراف ولا تقتير وتفسيره ما يعقبه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارا {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} وجدها أو قدر إمكانها ولتكليف إلزام ما يؤثره في الكلفة وانتصاب وسعها على أنه مفعول ثان لتكلف لاعلى الاستثناء ودخلت إلا بين المفعولين {لاَ تُضَارَّ} مكي وبصري بالرفع على الإخبار ومعناه النهي وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول وأن يكون الأصل تضار بكسر الراء أو

تضار بفتحها الباقون لا تضار على النهي والأصل تضار أسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية فالتقى الساكنان ففتحت الثانية لالتقاء الساكنين {والدة بِوَلَدِهَا} أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد وأن تقول بعد ما ألفها الصبى اطلب له ظئرا وما أشبه ذلك {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} أي ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيء مما وجب عليه من رزقها وكسوتها أو يأخذه منها وهي

تريد إرضاعه وإذا كان مبنياً للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج وعن أن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد أو تضار بمعنى تضر والباء من صلته أى لا تضر والدة ولدها فلا تسئ غذاءه

البقرة (٢٣٣ _ ٢٤٣)

وتعهده ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر فى حقها فتقصرهى فى حق الولد وإنما قيل بولدها وبولده لأنه لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافا لها عليه وكذلك الوالد {وَعَلَى الوارث} عطف على قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه أي وعلى وارث الصبي عند عدم الأب {مثل ذلك} أي مثل الذي كان على أبيه في حياته من الرزق والكسوة واختلف فيه فعند ابن أبي ليلى كل من ورثه وعندنا من كان ذا رحم محرم منه لقراءة ابن مسعود رضى الله عنه وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك وعند الشافعى رحمه الله لا نفقة فيما عدا الولاد {فَإِنْ أَرَادَا} يعني الأبوين {فِصَالاً} فطاماً صادراً {عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} بينهما {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} في ذلك زاد على الحولين أو نقصا وهذه توسعة بعد التحديد والتشاور استخراج الرأي من شرت العسل إذا استخرجته وذكره ليكون التراض عن تفكر فلا يضر الرضيع فسبحان الذي

أدب الكبير ولم يهمل الصغير واعتبر اتفاقهما لأن للأب النسبة والولاية وللأم الشفقة والعناية {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم} أي لأولادكم عن الزجاج وقيل استرضع منقول من أرضع يقال أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي معدّى إلى مفعولين أي أن تسترضعوا المراضع أولادكم فحذف أحد المفعلولين يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم} إلى المراضع {ما آتيتم} ما أردتم إيتاءه من الأجرة أتيتم مكي من أتى إليه إحسنانا إذا فعله ومنه قوله كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً أي مفعولاً والتسليم ندب لا شرط للجواز {بالمعروف} متعلق بسلمتم أي سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور {واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا تخفى عليه أعمالكم فهو يجازيكم عليها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ أمْرٌ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ مُبالَغَةً، ومَعْناهُ النَّدْبُ أوِ الوُجُوبُ إنْ خُصَّ بِما إذا لَمْ يَرْتَضِعِ الصَّبِيُّ إلّا مِن أُمِّهِ أوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ ظِئْرٌ أوْ عَجَزَ الوالِدُ عَنْ الِاسْتِئْجارِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ بِالعُنْوانِ المَذْكُورِ لِاسْتِعْطافِهِنَّ نَحْوَ أوْلادِهِنَّ، والحُكْمُ عامٌّ لِلْمُطَلَّقاتِ وغَيْرِهِنَّ كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالوالِداتِ المُطَلَّقاتِ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عُقَيْبَ آياتِ الطَّلاقِ، فَكانَتْ مِن تَتِمَّتِها، وإنَّما أتَمَّها بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا حَصَلَتِ الفُرْقَةُ رُبَّما يَحْصُلُ التَّعادِي والتَّباغُضُ، وهو يَحْمِلُ المَرْأةَ غالِبًا عَلى إيذاءِ الوَلَدِ نِكايَةً بِالمُطَلِّقِ وإيذاءً لَهُ، ورُبَّما رَغِبَتْ في التَّزَوُّجِ بِآخَرَ، وهو كَثِيرًا ما يَسْتَدْعِي إهْمالَ أمْرِ الطِّفْلِ وعَدَمَ مُراعاتِهِ، فَلا جَرَمَ أمْرُهُنَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِرِعايَةِ جانِبِهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، والثّانِي أنَّ إيجابَ الرِّزْقِ والكِسْوَةَ فِيما بَعْدُ لِلْمُرْضِعاتِ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ؛ إذْ لَوْ كانَتِ الزَّوْجِيَّةُ باقِيَةً لَوَجَبَ عَلى الزَّوْجِ ذَلِكَ بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ لا الرِّضاعِ، وقالَ الواحِدِيُّ: الأوْلى أنْ يُخَصَّ بِالوالِداتِ حالَ بَقاءِ النِّكاحِ؛ لِأنَّ المُطَلَّقَةَ لا تَسْتَحِقُّ الكِسْوَةَ، وإنَّما تَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ، ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى العُمُومِ أوْلى، ولا يَفُوتُ الغَرَضُ مِنَ التَّعْقِيبِ، وإيجابُ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ لِلْمُرْضِعاتِ لا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ؛ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ البَعْضِ عَلى أنَّهُ عَلى ما قِيلَ: لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلرِّضاعِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَهُ جَعَلَ ذَلِكَ أُجْرَةً لَهُنَّ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِها وعَبَّرَ بِمَصْرِفِها الغالِبِ حَثًّا عَلى إعْطائِها نَفْسِها لِذَلِكَ أوْ إعْطاءِ ما تَصْرِفُ لِأجْلِهِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ حَوْلَيْنِ ﴾ أيْ: عامَيْنِ، والتَّرْكِيبُ يَدُورُ عَلى الِانْقِلابِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، و ﴿ كامِلَيْنِ ﴾ صِفَتُهُ، ووُصِفَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِبَيانِ أنَّ التَّقْدِيرَ تَحْقِيقِيٌّ لا تَقْرِيبِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى المُسامَحَةِ المُعْتادَةِ ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ بَيانٌ لِلْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهِ الحُكْمُ، والجارُّ في مَثَلِهِ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: ذَلِكَ لِمَن أرادَ إتْمامَ الرَّضاعَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ يُرْضِعْنَ فَإنَّ الأبَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإرْضاعُ كالنَّفَقَةِ لِلْأُمِّ والأُمُّ تُرْضِعُ لَهُ، وكَوْنُ الرَّضاعِ واجِبًا عَلى الأبِ لا يُنافِي أمْرَهُنَّ؛ لِأنَّهُ لِلنَّدْبِ، أوْ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ أيْضًا في الصُّوَرِ السّابِقَةِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أقْصى مُدَّةِ الإرْضاعِ حَوْلانِ، ولا يُعْتَدُّ بِهِ بَعْدَهُما، فَلا يُعْطى حُكْمُهُ، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْقُصَ عَنْهُما، وقُرِئَ ( أنْ يُتِمَّ ) بِالرَّفْعِ، واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِهِ، فَقِيلَ: حُمِلَتْ (أنِ) المَصْدَرِيَّةُ عَلى ما أُخْتِها في الإهْمالِ، كَما حُمِلَتْ أُخْتُها عَلَيْها في الإعْمالِ في قَوْلِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكُمْ» عَلى رَأْيٍ، وقِيلَ: أنْ يُتِمُّوا بِضَمِيرِ الجَمْعِ، بِاعْتِبارِ مَعْنى (مِن)، وسَقَطَتِ الواوُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَتَبِعَها الرَّسْمُ.

﴿ وعَلى المَوْلُودِ لَهُ ﴾ أيِ: الوالِدِ، فَإنَّ الوَلَدَ يُولَدُ لَهُ ويُنْسَبُ إلَيْهِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ لِلدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ الوُجُوبِ، بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِانْتِسابِ المُشِيرَةِ إلَيْهِ اللّامُ، وتُسَمّى هَذِهِ الإشارَةُ إدْماجًا عِنْدَ أهْلِ البَدِيعِ وإشارَةَ النَّصِّ عِنْدَنا، وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الوالِدَ قَدْ لا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، وإنَّما تَلْزَمُ المَوْلُودُ لَهُ، كَما إذا كانَتْ تَحْتَهُ أمَةٌ فَأتَتْ بِوَلَدٍ، فَإنَّ نَفَقَتَهُ عَلى مالِكِ الأُمِّ؛ لِأنَّهُ المَوْلُودُ لَهُ دُونَ الوالِدِ، وفِيهِ بَعْدٌ؛ لِأنَّ المَوْلُودَ لَهُ لا يَتَناوَلُ الوالِدَ والسَّيِّدَ تَناوُلًا واحِدًا، وحُكْمُ العَبِيدِ دَخِيلٌ في البَيِّنِ.

﴿ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ ﴾ أيْ: إيصالِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ؛ أيِ: الوالِداتِ أُجْرَةً لَهُنَّ، واسْتِئْجارُ الأُمِّ جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعِنْدَنا لا يَجُوزُ ما دامَتْ في النِّكاحِ أوِ العِدَّةِ بِالمَعْرُوفِ أيْ: بِلا إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، أوْ حَسْبَ ما يَراهُ الحاكِمُ ويَفِي بِهِ وِسْعُهُ.

﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها ﴾ تَعْلِيلٌ لِإيجابِ المُؤْمِنِ بِالمَعْرُوفِ أوْ تَفْسِيرٌ لِلْمَعْرُوفِ، ولِهَذا فَصْلٌ، وهو نَصَّ عَلى أنَّهُ - تَعالى - لا يُكَلِّفُ العَبْدَ بِما لا يُطِيقُهُ، ولا يَنْفِي الجَوازَ والإمْكانَ الذّاتِيَّ، فَلا يَنْتَهِضُ حُجَّةً لِلْمُعْتَزِلَةِ، ونَصْبُ وُسْعَها عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لــ تُكَلَّفُ، وقُرِئَ: (ولا تَكَلَّفُ) بِفَتْحِ التّاءِ، و(لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ.

﴿ لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ تَفْصِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن سابِقِهِ وتَقْرِيبٌ لَهُ إلى الفَهْمِ، وهو الدّاعِي لِلْفَصْلِ، والمُضارَّةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الضَّرَرِ، والمُفاعَلَةُ إمّا مَقْصُودَةٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: تُضارَّ والِدَةٌ زَوْجَها بِسَبَبِ ولَدِها، وهو أنْ تُعَنِّفَ بِهِ، وتَطْلُبَ ما لَيْسَ بِعَدْلٍ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ، وأنْ تُشْغِلَ قَلْبَهُ بِالتَّفْرِيطِ في شَأْنِ الوَلَدِ، وأنْ تَقُولَ بَعْدَ أنْ ألِفَها الصَّبِيُّ اطْلُبْ لَهُ ظِئْرًا مَثَلًا، ولا يُضارُّ مَوْلُودٌ لَهُ امْرَأتَهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ؛ بِأنْ يَمْنَعَها شَيْئًا مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِن رِزْقِها وكِسْوَتِها، أوْ يَأْخُذُ الصَّبِيَّ مِنها وهي تُرِيدُ إرْضاعَهُ أوْ يُكْرِهُها عَلى الإرْضاعِ، وإمّا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، والمَعْنى لا يَضُرُّ واحِدٌ مِنهُما الآخَرَ بِسَبَبِ الوَلَدِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: (لا تُضارُّ) بِالرَّفْعِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِمّا قَبْلَها، وقَرَأ الحَسَنُ: (تُضارِّ) بِالكَسْرِ، وأصْلُهُ تُضارِّ مَكْسُورُ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجَوَّزَ فَتْحَها مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ: (ولا تُضارَرْ)، (ولا تُضارِرْ) بِالجَزْمِ وفَتْحِ الرّاءِ الأُولى وكَسْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ يَكُونُ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَلْحَقَ بِها الضِّرارُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، وأنْ يَلْحَقَ الضِّرارُ بِالزَّوْجِ مِن قِبَلِها بِسَبَبِ الوَلَدِ، والباءُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ سَبَبِيَّةٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (فاعَلَ) بِمَعْنى (فَعَلَ) والباءُ سَيْفٌ خَطِيبٌ، ويَكُونُ المَعْنى: لا تَضُرُّ والِدَةٌ ولَدَها بِأنْ تُسِيءَ غِذاءَهُ وتَعَهُّدَهُ وتُفَرِّطَ فِيما يَنْبَغِي لَهُ وتَدْفَعُهُ إلى الأبِ بَعْدَما ألِفَها، ولا يَضُرُّ الوالِدُ ولَدَهُ بِأنْ يَنْزِعَهُ مِن يَدِها أوْ يُقَصِّرَ في حَقِّها فَتُقَصِّرَ هي في حَقِّهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ: (لا تُضارْ) بِالسُّكُونِ مَعَ التَّشْدِيدِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ، وعَنِ الأعْرَجِ: (لا تُضارْ) بِالسُّكُونِ والتَّخْفِيفِ، وهو مِن ضارَّ يُضِيرُ، ونَوى الوَقْفَ كَما نَواهُ الأوَّلُ، وإلّا لَكانَ القِياسُ حَذْفَ الألِفِ، وعَنْ كاتِبِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ-: (لا تُضْرِرِ)، والتَّعْبِيرُ بِالوَلَدِ في المَوْضِعَيْنِ، وإضافَتُهُ إلَيْها تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى لِلِاسْتِعْطافِ، والإشارَةُ إلى ما هو كالعِلَّةِ في النَّهْيِ، ولِذا أقامَ المُظْهَرَ مَقامَ المُضْمَرِ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ ما رَواهُ الإمامِيَّةُ عَنِ السَّيِّدَيْنِ الصّادِقِ والباقِرِ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: أنَّ المَعْنى (لا تُضارَّ) والِدَةٌ بِتَرْكِ جِماعِها خَوْفَ الحَمْلِ لِأجْلِ ولَدِها الرَّضِيعِ، (ولا يُضارَّ) مَوْلُودٌ لَهُ بِمَنعِهِ عَنِ الجِماعِ كَذَلِكَ لِأجْلِ ولَدِهِ، وحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الفِعْلانِ مَبْنِيَّيْنِ لِلْمَفْعُولِ، ولا يَظْهَرُ وجْهٌ لَطِيفٌ لِلتَّعْبِيرِ بِالوَلَدِ في المَوْضِعَيْنِ، وتَخْرُجُ الآيَةُ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، وبَعِيدٌ عَنِ الباقِرِ والصّادِقِ الإقْدامُ عَلى ما زَعَمَهُ هَذا الرّاوِي الكاذِبُ.

﴿ وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَلى المَوْلُودِ لَهُ ﴾ إلَخْ وما بَيْنَهُما تَعْلِيلٌ أوْ تَفْسِيرٌ مُعْتَرِضٌ، والمُرادُ بِالوارِثِ وارِثُ الوَلَدِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ ما وجَبَ عَلى الأبِ مِنَ الرِّزْقِ والكِسْوَةِ بِالمَعْرُوفِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ مالٌ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ والشَّعْبِيِّ وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ وخَلْقٍ كَثِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ (ألْ) كالعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الضَّمِيرِ ورُجُوعَ الضَّمِيرِ لِأقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، وخَصَّ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ هَذا الوارِثَ بِمَن كانَ ذا رَحِمِ مُحَرَّمٍ مِنَ الصَّبِيِّ، وبِهِ قالَ حَمّادٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وعَلى الوارِثِ ذِي الرَّحِمِ المُحَرَّمِ مِثْلُ ذَلِكَ)، وقِيلَ: عَصَباتُهُ، وبِهِ قالَ أبُو زَيْدٍ، ويُرَوى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: المُرادُ وارِثُ الأبِ، وهو الصَّبِيُّ؛ أيْ: مُؤَنِ الصَّبِيِّ مِن مالِهِ إذا ماتَ الأبُ، واعْتُرِضُ أنَّ هَذا الحَمْلَ يَأْباهُ أنَّهُ لا يَخُصُّ كَوْنَ المُؤْنَةِ في مالِهِ إذا ماتَ الأبُ، بَلْ إذا كانَ لَهُ مالٌ لَمْ يَجِبْ عَلى الأبِ أُجْرَةُ الإرْضاعِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ عَلى الصَّبِيِّ وأُجْرَةُ الإرْضاعِ مِن مالِ الصَّبِيِّ بِحُكْمِ الوِلايَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: المُرادُ الباقِي مِنَ الأبَوَيْنِ، وقَدْ جاءَ الوارِثُ بِمَعْنى الباقِي كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي وبَصْرِي، واجْعَلْهُما الوارِثَ مِنِّي“،» قِيلَ: وهَذا يُوافِقُ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ؛ إذْ لا نَفَقَةَ عِنْدَهُ فِيما عَدا الوِلادِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البَحْثِ؛ لِأنَّ (مِن) إنْ كانَتْ لِلْبَيانِ لَزِمَ التَّكْرارُ أوِ الرَّكاكَةُ أوِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ، وإنْ كانَتْ لِلِابْتِداءِ كانَ المَعْنى الباقِي غَيْرَ الأبَوَيْنِ، وهو يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ العَصَباتِ أوْ ذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ لَيْسَتْ قَرابَتُهم قَرابَةَ الوِلادِ، وكَوْنُ ذَلِكَ مُوافِقًا لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ إنَّما يَتَأتّى إذا تَعَيَّنَ كَوْنُ الباقِي ذَوِي قَرابَةِ الوِلادِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يُفِيدُهُ كَما لا يَخْفى.

﴿ فَإنْ أرادا ﴾ أيِ: الوالِدانِ ﴿ فِصالا ﴾ أيْ: فِطامًا لِلْوَلَدِ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأهْلِ البَيْتِ، وقِيلَ: قَبْلَهُما أوْ بَعْدَهُما، وهو مُرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا تَفْصِيلًا لِفائِدَةِ ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ ﴾ وبَيانًا لِحُكْمِ إرادَةِ عَدَمِ الإتْمامِ، والتَّنْكِيرُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ (فِصالٌ) غَيْرُ مُعْتادٍ، وعَلى الثّانِي تَوْسِعَةً في الزِّيادَةِ والتَّقْلِيلِ في مُدَّةِ الرَّضاعَةِ بَعْدَ التَّحْدِيدِ والتَّنْكِيرِ لِلتَّعْمِيمِ، ويَجُوزُ عَلى القَوْلَيْنِ أنْ يَكُونَ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِهِ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ لِما فِيهِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ ﴿ عَنْ تَراضٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وإنْ كانَ كَوْنًا خاصًّا؛ أيْ صادِرًا ﴿ عَنْ تَراضٍ ﴾ وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ أرادَ مِنهُما؛ أيِ: الوالِدَيْنِ، لا مِن أحَدِهِما فَقَطْ لِاحْتِمالِ إقْدامِهِ عَلى ما يَضُرُّ الوَلَدَ، بِأنْ تَمَلَّ الأُمُّ أوْ يَبْخَلَ الأبُ ﴿ وتَشاوُرٍ ﴾ في شَأْنِ الوَلَدِ وتَفَحُّصِ أحْوالِهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّوْرِ، وهو اجْتِناءُ العَسَلِ، وكَذا المُشاوَرَةُ والمَشُورَةُ، والمُرادُ مِن ذَلِكَ اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ في ذَلِكَ، وإنَّما اعْتَبَرَ رِضا المَرْأةِ، مَعَ أنَّ ولِيَّ الوَلَدِ هو الأبُ، وصَلاحُهُ مَنُوطٌ بِنَظَرِهِ مُراعاةً لِصَلاحِ الطِّفْلِ؛ لِأنَّ الوالِدَةَ لِكَمالِ شَفَقَتِها عَلى الصَّبِيِّ رُبَّما تَرى ما فِيهِ المَصْلَحَةُ لَهُ ﴿ وإنْ أرَدْتُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْآباءِ هَزًّا لَهم لِلِامْتِثالِ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الِاتِّفاقِ عَلى عَدَمِ الفِطامِ ﴿ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ ﴾ بِحَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ اسْتِغْناءً عَنْهُ؛ أيْ: تَسْتَرْضِعُوا المَراضِعَ أوْلادَكُمْ، مِن أرْضَعَتِ المَرْأةُ طِفْلًا واسْتَرْضَعْتُها إيّاهُ؛ كَقَوْلِكَ: أنْجَحَ اللَّهُ - تَعالى - حاجَتِي واسْتَنْجَحْتُها إيّاهُ، وقَدْ صَرَّحَ الإمامُ الكِرْمانِيُّ بِأنَّ الِاسْتِفْعالَ قَدْ جاءَ لِطَلَبِ المَزِيدِ كالِاسْتِنْجاءِ لِطَلَبِ الإنْجاءِ والِاسْتِعْتابِ لِطَلَبِ الإعْتابِ، وصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أيْضًا، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِن رَضَعَ بِمَعْنى أرْضَعَ، ولَمْ يَجْعَلْ مِنَ الأوَّلِ أوَّلَ الأمْرِ لِعَدَمِ وُجُودِهِ في كَلامِهِمْ، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، وقِيلَ: إنَّ (اسْتَرْضَعَ) إنَّما يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: (اسْتَرْضَعَتِ) المَرْأةُ لِلصَّبِيِّ، والمُرادُ أنْ (تَسْتَرْضِعُوا) المَراضِعَ (لِأوْلادِكُمْ) فَحُذِفَ الجارُّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا كالُوهُمْ ﴾ أيْ: كالُوا لَهم ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: في ذَلِكَ، واسْتَدَلَّ بِالإطْلاقِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِلْوَلَدِ ويَمْنَعَ الزَّوْجَةَ مِنَ الإرْضاعِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ، وعِنْدَنا أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بِرَضاعِ ولَدِها، وأنَّهُ لَيْسَ لِلْأبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها إذا رَضِيَتْ أنْ تُرْضِعَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ وبِهِ يُخَصَّصُ هَذا الإطْلاقُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ شِهابٍ ﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ﴾ إلى المَراضِعِ ﴿ ما آتَيْتُمْ ﴾ أيْ: ضَمِنتُمْ والتَزَمْتُمْ أوْ أرَدْتُّمْ إتْيانَهُ؛ لِئَلّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (أتَيْتُمْ) مِن أتى إلَيْهِ إحْسانًا إذا فَعَلَهُ، وشَيْبانُ عَنْ عاصِمٍ: (أُوتِيتُمْ) أيْ: ما آتاكُمُ اللَّهُ - تَعالى - وأقْدَرَكم عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ سَلَّمْتُمْ؛ أيْ بِالوَجْهِ المُتَعارَفِ المُسْتَحْسَنِ شَرْعًا، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ آتَيْتُمْ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أوْ فاعِلِ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ، ولَيْسَ التَّسْلِيمُ شَرْطًا لِرَفْعِ الإثْمِ، بَلْ هو الأوْلى والأصْلَحُ لِلطِّفْلِ، فَشَبَّهَ ما هو مِن شَرائِطِ الأوَّلِيَّةِ بِما هو مِن شَرائِطِ الصِّحَّةِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ عِبارَتُهُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا؛ لِأنَّ نَفْيَ الإثْمِ بِتَسْلِيمِ الأُجْرَةِ مُطْلَقًا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِتَقْدِيمِها عَلَيْهِ؛ يَعْنِي: لا جُناحَ عَلَيْكم في الِاسْتِرْضاعِ لَوْ لَمْ تَأْثَمُوا بِالتَّعَدِّي في الأُجْرَةِ وتَظْلِمُوا الأجِيرَ، وفِيهِ تَأمُّلٌ؛ لَأنَّ الإثْمَ إذا لَمْ يُسَلَّمُ بَعْدُ إنَّما هو بِالتَّعَدِّي، والِاسْتِرْضاعُ كانَ قَبْلُ خالِيًا عَمّا يُوجِبُ الإثْمَ، ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في شَأْنِ مُراعاةِ الأحْكامِ، ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 233﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم فَيُجازِيكم عَلَيْها، وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ، وفي الآيَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، يعني سنتين كاملتين، لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، يعني أن يكمل الرضاعة.

فإن قيل: لما ذكر الحولين، فما الحاجة إلى الكاملين؟

قيل له: هذا للتأكيد، لأن بعض الحولين يسمى حولين، كما قال في آية أخرى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة: 197] ، وإنما هي شهران وعشرة أيام.

فهاهنا لما ذكر الحولين الكاملين، علم أنه أراد الحولين بغير نقصان.

ثم قال تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ، أي على الأب أجر الرضاع ونفقة الأم وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أي على قدر طاقته.

لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، يعني لا يجب على الأب من النفقة والكسوة إلا مقدار طاقته.

لاَ تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها يقول: لا ينزع الولد من الأم لكونها أحق بولدها من غيرها.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ولا تضارّ بضم الراء على معنى الخبر تبعاً لقوله: لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، ولفظه لفظ الخبر والمراد به النهي، وقرأ الباقون: بالنصب على صريح النهي.

وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، يعني الأب لا يضار بالولد، فتطرح الأم الولد إليه بعد ما عرفت أنه لا يقبل ثدي غيرها، فلا يجوز لها أن تفعل ذلك.

ويقال: وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يعني إذا كان الأب يجد ظئراً أرخص من الأم والأم أبت أن ترضع إلا بأجر كثير، فإن الأب لا يجبر على ذلك، وله أن يدفع إلى ظئر أخرى.

قال تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ، يعني إذا مات الأب وله وارث سوى الأب، فعلى وارث الصبي مثل ما على الأب.

ويقال: على وارث الأب لا يضارها ولا تضاره.

ويقال مثل ذلك، يعني الكسوة الرزق في رضاع الصبي ونفقته.

فَإِنْ أَرادا فِصالًا، أي فطاماً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ، يعني الأب والأم دون الحولين.

ويقال: بعد الحولين.

فَلا جُناحَ عَلَيْهِما إن لم يرضعاه سنتين، أي لا حرج عَلَيْهِمَا.

وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ، يعني أن تأخذوا ظئراً لأولادكم، إذا أرادت الأم النكاح فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما أتيتم بالمعروف، يعني لا إثم عليكم إذا أعطيتم الظئر ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ، ما أعطيتم بما تعرفونه.

ويقال: أعطيتم ما شرطتم لهن.

ثم خوفهما في الإضرار، فقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ، يعني الأبوين فلا يضار واحد منهما لصاحبه.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ من الإضرار فيجازيكم به.

قرأ ابن كثير: «مَا أَتَيْتُمْ» بغير مد، يعني ما جئتم وفعلتم وقرأ الباقون بالمد، يعني ما أعطيتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هم الذين كُنَّ في عصمتهم.

«وَالعَضْل» : المَنْع وهو من معنى التضْييقِ والتعسيرِ كما يقال: أعْضَلَتِ الدجاجَةُ، إِذا عَسُر بيضُها، والدَّاء العُضَال: العسيرُ البرءِ، وقيل: نزلَتْ هذه الآيةُ في مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ «١» ، وأخته، لما طلَّقها زوجها، وتمَّتْ عدَّتُها، أراد ارتجاعها، فمنعَهُ وليُّ المرأة «٢» ، وقيل: نزلَتْ في جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وأختِهِ «٣» .

وهذه الآيةُ تقتضي ثبوتَ حَقِّ الولي في إِنكاح وليَّته، وقوله: بِالْمَعْرُوفِ: معناه:

المهر، والإِشهاد.

وقوله تعالى: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلم ثم رجُوعٌ إِلى خطابِ الجَمَاعة، والإِشارة في ذلِكُمْ أَزْكى إلى ترك العضل، وأَزْكى ...

وَأَطْهَرُ: معناه: أطيبُ للنفْسِ، وأطهر للعِرْضِ والدِّين بسبب العلاقاتِ التي تكونُ بين الأزواجِ، وربَّما لم يعلمها الوليُّ، فيؤدِّي العَضْلُ إِلى الفسادِ، والمخالطةِ على ما لا ينبغِي، واللَّه تعالى يعلَمُ من ذلك ما لا يعلَمُ البَشَر.

قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ

يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ: خبر معناه الأمرُ على الوجوب لبَعْضِ الوالداتِ، وعلى الندْبِ لبعضهنَّ، فيجب على الأمِّ الإِرضاع، إِن كانَتْ تحت أبيه، أو رجعيَّةً، ولا مانع من عُلُوِّ قدْرٍ بغير أجر، وكذلك إِن كان الأبُ عديماً، أو لم يقبلِ الولَدُ غيرها.

وهذه الآياتُ في المطلَّقات جعَلَها اللَّه حدًّا عند اختلاف الزوجَيْن في مدَّة الرَّضَاع، فمَنْ دعا منهما إِلى إِكمالِ الحَوْلَيْنِ، فذلك له.

وقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ مبنيٌّ على أن الحولَيْن ليسا بفَرْض، لا يُتَجَاوَزُ، وانتزع مالِكٌ- رحمه اللَّه- وجماعةٌ من العلماء من هذه الآيةِ أنَّ الرضاعةَ المحرِّمة الجاريةَ مَجْرى النَّسَبِ، إِنما هي ما كان في الحولَيْن «١» لأنَّ بانقضاء الحولَيْنِ، تمَّتِ الرَّضَاعة، فلا رضَاعَة.

ت: فلو كان رضاعُه بعد الحولَيْن بمدَّة قريبة، وهو مستمرُّ الرضاعِ، أو بعد يومَيْن من فِصَالِهِ- اعتبر، إِذ ما قارب الشيْءَ فله حكمه.

انتهى.

وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ...

الآية: المولود له: اسم جنس،

وصنْفٌ من الرجال، والرِّزْقُ في هذا الحكم: الطعامُ الكافِي.

وقوله: بِالْمَعْرُوفِ يجمع حُسْن القَدْر في الطاعم، وجَوْدَةَ الأداء له، وحُسْنَ الاقتضاء من المرأةِ.

ثم بيَّن سبحانه أنَّ الإِنفاق على قدر غِنَى الزوْجِ بقوله: لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، وقرأ «١» أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ، وأبانُ «٢» عن عاصمٍ «٣» : «لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ» بضم الراء، وهو خبر، معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصلُ: لاَ تُضَارِرُ بكسر الراءِ الأولى، ف «وَالِدَةٌ» فاعلةٌ، ويحتمل بفَتْح الرَّاء الأولى، ف «وَالِدَةٌ» : مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، ويعطف «مولود له» على هذا الحدِّ في الاحتمالين، وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والْكسَائِيُّ، وعاصمٌ: لاَ تُضَارَّ بفتح الراء، وهذا على النهْيِ، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كلِّ قراءة: النهْيُ عن الإِضرار، ووجوهُ الضَّرَرِ لا تنحصرُ، وكل ما ذُكِرَ منْها في التفاسير، / ٥٨ ب فهو مثالٌ.

ت: وفي الحديثِ: «لاَ ضَرَرَ، وَلاَ ضِرَارَ» ، رواه مالكٌ في «الموطإ» مرسلاً «٤» .

قال النوويُّ في «الحِلْية» : ورويناه في «سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ» وغيره من طرقٍ متصلاً، وهو حسن انتهى.

وقوله تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ قال مالك، وجميع أصحابه، والشّعبيّ،

والزُّهْرِيُّ، وجماعةٌ من العلماء: المرادُ بقوله: مِثْلُ ذلِكَ: أَلاَّ يُضَارَّ، وأمَّا الرزقُ، والكُسْوة، فلا شيء علَيْه منه «١» ، قال ع «٢» : فالإِجماع من الأُمَّة في ألاَّ يُضَارَّ الوارثُ، وإِنَّما الخلافُ، هل عليه رزقٌ وكُسْوَة أم لا؟

وقوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا ...

الآية، أي: فإِن أراد الوالَدانِ، وفِصَالاً:

معناه: فِطَاماً عن الرَّضَاع.

وتحرير القول في هذا: أن فَصْله قَبْل الحولَيْن لا يصحُّ إلا بتراضيهما وألاَّ يكونَ على المولودِ ضَرَرٌ، وأمَّا بعد تمامهما، فمن دعا إِلى الفَصْل، فذلك له إِلاَّ أن يكون في ذلك على الصبيّ ضرر.

وقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مخاطبة لجميعِ النَّاسِ، يجمع الآباءَ والأمهاتِ، أي: لهم اتخاذُ الظِّئْر «١» ، مع الاتفاقِ على ذلك، وأما قوله: إِذا سَلَّمْتُمْ، فمخاطبةٌ للرجال خاصَّة إِلا عَلَى أحد التأويلَيْن في قراءة مَنْ «٢» قرأ: «أُوتِيتُمْ» ، وقرأ السِّتَّة من السبعةِ: «آتَيْتُمْ» بالمدِّ بمعنى أَعْطَيْتم، وقرأ ابن كثير: «أَتَيْتُمْ» بمعنى:

فعلتم «٣» كما قال زُهَيْرٌ: [الطويل]

وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا ...

تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبائِهِمْ قَبْلُ

«٤» فأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول، والتأويل الثَّاني لقتادَةَ، وهو إِذا سلَّمتم ما آتيتم من إِرادة الاِسترضاع «٥» ، أيْ: سلم كلُّ واحدٍ من الأبوين، ورضي، وكان ذلك عَلَى اتفاقٍ منهما، وقَصْدِ خَيْرٍ، وإِرادةِ مَعْروفٍ، وعلى هذا الاِحتمال يدخلُ النساءُ في الخطاب.

ت: وفي هذا التأويل تكلُّف.

وقال سفيانُ: المعنى: إِذا سلَّمتم إِلى المستَرْضعة، وهي الظِّئْر أَجْرَها بالمَعْروف «٦» .

وباقي الآية أمْرٌ بالتقْوَى، وتوقيفٌ على أن اللَّه تعالى بصيرٌ بكلِّ عمل، وفي هذا وعيدٌ وتحذيرٌ، أي: فهو مُجازٍ بحسب عملكم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ  ﴾ وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا الأمْرُ انْصَرَفَ إلى الآَباءِ، لِأنَّ عَلَيْهِمُ الِاسْتِرْضاعَ، لا إلى الوالِداتِ، بِدَلِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ﴾ و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ فَلَوْ كانَ مُتَحَتِّمًا عَلى الوالِدَةِ، لَمْ تَسْتَحِقَّ الأُجُرْةَ.

وهَلْ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ الوالِداتِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خاصٌّ في المُطَلَّقاتِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ عامُّ في الزَّوْجاتِ والمُطْلَّقاتِ، ولِهَذا نَقُولُ: لَها أنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَها لِرَضاعِ ولَدِها، سَواءٌ كانَتْ مَعَ الزَّوْجِ، أوْ مُطَلَّقَةً، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.

والحَوْلُ: السَّنَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ كامِلَيْنِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ دَخَلَ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا جازَ أنْ يَقُولَ: "حَوْلَيْنِ" ويُرِيدُ أقَلَّ مِنهُما، كَما قالَ: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ يَتَعَجَّلُ في يَوْمٍ، وبَعْضٍ آَخَرَ.

وتَقُولُ العَرَبُ، لَمْ أرَ فُلانًا مُنْذُ يَوْمَيْنِ، وإنَّما يُرِيدُونَ: يَوْمًا وبَعْضَ آَخَرَ، قالَ: كامِلَيْنِ لِتَبْيِينِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنْقِصَ مِنهُما، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، والفَرّاءِ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذا القَدْرِ مِنَ الآَيَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُحْكَمٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ مُدَّةِ الرَّضاعِ، ويَتَعَلَّقُ بِهِ أحْكامٌ، مِنها أنَّهُ كَمالُ الرَّضاعِ، ومِنها أنَّهُ يُلْزِمُ الأبَ نَفَقَةَ الرَّضاعِ مُدَّةَ الحَوْلَيْنِ، ويُجْبِرُهُ الحاكِمُ عَلى ذَلِكَ، ومِنها أنَّهُ يَثْتُبُ تَحْرِيمُ الرَّضاعِ في مُدَّةِ الحَوْلَيْنِ، ولا يَثْبُتُ فِيما زادَ، ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في آَخَرِينَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما ﴾ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في أوَّلِها: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ فَلَمّا قالَ في الثّانِي: ﴿ فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما ﴾ خُيِّرَ بَيْنَ الإرادَتَيْنِ، وذَلِكَ لا يُعارِ ضُ المُدَّةَ المُقَدَّرَةَ في التَّمامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ أيْ: هَذا التَّقْدِيرُ بِالحَوْلَيْنِ لِمُرِيدِي إتْمامَ الرَّضاعَةِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ بِتاءَيْنِ "أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ" وبِالرَّفْعِ، وهي رِوايَةُ الحَلَبِيِّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ.

وقَدْ نَبَّهَ ذِكْرَ التَّمامِ عَلى نَفْيِ حُكْمِ الرَّضاعِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ راءِ "الرَّضاعَةِ" وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو رَجاءٍ، بِكَسْرِها، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: الرَّضاعَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِها، والفَتْحُ أكْثَرُ ويُقالُ: ما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللُّؤْمُ والرَّضاعَةُ بِالفَتْحِ هاهُنا لا غَيْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ ﴾ يَعْنِي: الأبَ.

﴿ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ ﴾ يَعْنِي: المُرْضِعاتِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى قَدْرِ حالِ الرَّجُلِ في إعْسارِهِ ويَسارِهِ، إذْ لَيْسَ مِنَ المَعْرُوفِ إلْزامُ المُعْسِرِ مالًا يُطِيقُهُ، ولا المُوسِرِ النَّزْرِ الطَّفِيفِ.

وفي الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَسْوِيغِ اجْتِهادِ الرَّأْيِ في أحْكامِ الحَوادِثِ، إذْ لا يَتَوَصَّلُ إلى تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ بِالمَعْرُوفِ إلّا مِن جِهَةِ غالِبِ الظَّنِّ، إذْ هو مُعْتَبَرٌ بِالعادَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها ﴾ أيْ: إلّا ما تُطِيقُهُ، ﴿ لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (لا تُضارُّ) بِرَفْعِ الرّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِنَصْبِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن رَفَعَ، فَلِأجَلِ المَرْفُوعِ قَبْلَهُ، وهو "لا تُكَلِّفُ" فَأتْبَعَهُ بِما قَبْلَهُ لِيَقَعَ تَشابُهُ اللَّفْظِ، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ أمْرًا، وفَتَحَ الرّاءَ لِتَكُونَ حَرَكَتُهُ مُوافِقَةً لِما قَبْلَها وهو الألِفُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: لا تُضارِرَ، فَأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يَحْمِلَنَّ المُطَلَّقَةَ مُضارَّةُ الزَّوْجِ أنْ تُلْقِيَ إلَيْهِ ولَدَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لا تَأْبى أنْ تُرْضِعَهُ ضِرارًا بِأبِيهِ، ولا يُضارُّ الوالِدُ بِوَلَدِهِ، فَيَمْنَعُ أُمَّهُ أنْ تُرْضِعَهُ، لِيُحْزِنَها بِذَلِكَ.

وقالَ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، وسُفْيانُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ: إذا رَضِيَتْ بِما يَرْضى بِهِ غَيْرُها، فَهي أحَقُّ بِهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "لا تُضارُ" بِتَخْفِيفِها وإسْكانِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى الوارِثِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ وارِثُ المَوْلُودِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ أبِي لَيْلى، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، ومُقاتِلٍ في آَخَرِينَ.

واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو وارِثُ المَوْلُودِ مِن عَصَبَتِهِ، كائِنًا مَن كانَ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ، وسُفْيانَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هو وارِثُ المَوْلُودِ عَلى الإطْلاقِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى، وقَتادَةَ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وإسْحاقَ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وقالَ آَخَرُونَ: هُوَ مَن كانَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِن ورَثَةِ المَوْلُودِ، رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالوارِثِ هاهُنا، وارِثُ الوالِدِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالوارِثِ الباقِي مِن والِدِي الوَلَدِ بَعْدَ وفاةِ الآَخَرِ، رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أُرِيدَ بِالوارِثِ الصَّبِيَّ نَفْسَهُ، والنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، فِعَلى عُصْبَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وقُبَيْصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ.

قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: وهَذا القَوْلُ لا يُنافِي قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ بِالوارِثِ وارِثُ الصَّبِيِّ، لِأنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلْمَوْرُوثِ عَلى الوارِثِ إذا ثَبَتَ إعْسارُ المُنْفِقِ عَلَيْهِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الإشارَةُ إلى أُجْرَةِ الرَّضاعِ والنَّفَقَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ الإشارَةَ بِذَلِكَ إلى النَّهْيِ عَنِ الضِّرارِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ.

واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

ويَشْهَدُ لِهَذا أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ عَلى المَوْلُودِ لَهُ النَّفَقَةُ والكُسْوَةُ، وأنْ لا يُضارَّ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ مُشِيرًا إلى جَمِيعِ ما عَلى المَوْلُودِ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ ﴾ الفِصالُ: الفِطامُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: فَصَلَتِ الصَّبِيَّ أُمُّهُ: إذا فَطَمَتْهُ.

ومِنهُ قِيلَ لِلْحُوارِ إذا قُطِعَ عَنِ الرَّضاعِ: فَصِيلٌ، لِأنَّهُ فَصْلٌ عَنْ أُمِّهِ، وأصْلُ الفَصْلِ: التَّفْرِيقُ.

قالَ مُجاهِدٌ: التَّشاوُرُ فِيما دُونَ الحَوْلَيْنِ إنْ أرادَتْ أنْ تَفْطِمَ وأبى، فَلَيْسَ لَها، وإنْ أرادَ هو، ولَمْ تُرِدْ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَتّى يَقَعَ ذَلِكَ عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ، يَقُولُ: غَيْرُ مُسِيئِينَ إلى أنْفُسِهِما وإلى صَبِيِّهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لِأوْلادِكم.

قالَ مُقاتِلٌ: إذا لَمْ تَرْضَ الأُمُّ بِما يَرْضى بِهِ غَيْرُها، فَلا حَرَجَ عَلى الأبِ أنْ سَتُرْضِعَ لِوَلَدِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا سَلَّمْتُمْ أيُّها الآَباءُ إلى أُمَّهاتِ الأوْلادِ أُجُورَ ما أرْضَعْنَ قَبْلَ امْتِناعِهِنَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: إذا سَلَّمْتُمْ إلى الظِّئْرِ أجْرَها بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (ما أتَيْتُمْ) بِالقَصْرِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُهُ أنْ يُقَدِّرَ فِيهِ: ما أتَيْتُمْ نَقَدَهُ أوْ سَوْقَهُ، فَحَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضاَفَ إلَيْهِ مَقامَهُ [فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ ما آَتَيْتُمُوهُ ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ مِنَ الصِّلَةِ ] كَما تَقُولُ: أتَيْتُ جَمِيلًا، أيْ: فَعَلْتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَةَ ﴾ ﴿ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ ﴾ خَبَرٌ مَعْناهُ الأمْرُ عَلى الوُجُوبِ لِبَعْضِ الوالِداتِ، والأمْرُ عَلى جِهَةِ النَدْبِ والتَخْيِيرِ لِبَعْضِهِنَّ، فَأمّا المَرْأةُ الَّتِي في العِصْمَةِ فَعَلَيْها الإرْضاعُ وهو عُرْفٌ يَلْزَمُ، إذْ قَدْ صارَ كالشَرْطِ، إلّا أنْ تَكُونَ شَرِيفَةً ذاتَ تَرَفُّهٍ فَعُرْفُها ألّا تُرْضِعَ، وذَلِكَ كالشَرْطِ، فَإنْ ماتَ الأبُ ولا مالَ لِلصَّبِيِّ فَمَذْهَبُ مالِكٍ في المُدَوَّنَةِ أنَّ الرَضاعَ لازِمٌ لِلْأُمِّ بِخِلافِ النَفَقَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ الجَلّابِ: رَضاعُهُ في بَيْتِ المالِ.

وقالَ عَبْدُ الوَهّابِ: هو مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وأمّا المُطَلَّقَةُ طَلاقَ بَيْنُونَةٍ فَلا رَضاعَ عَلَيْها، والرَضاعُ عَلى الزَوْجِ إلّا أنْ تَشاءَ هِيَ، فَهي أحَقُّ بِهِ بِأُجْرَةِ المِثْلِ، هَذا مَعَ يُسْرِ الزَوْجِ، فَإنْ كانَ مُعْدَمًا لَمْ يَلْزَمْها الرَضاعُ إلّا أنْ يَكُونَ المَوْلُودُ لا يَقْبَلُ غَيْرَها فَتُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلى الإرْضاعِ، ولَها أجْرُ مِثْلِها في يُسْرِ الزَوْجِ، وكُلُّ ما يَلْزَمُها الإرْضاعُ فَإنْ أصابَها عُذْرٌ يَمْنَعُها مِنهُ عادَ الإرْضاعُ عَلى الأبِ.

ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ الأبَ إذا كانَ مُعْدَمًا ولا مالَ لِلصَّبِيِّ فَإنَّ الرَضاعَ عَلى الأُمِّ، فَإنْ كانَ بِها عُذْرٌ ولَها مالٌ فالإرْضاعُ عَلَيْها في مالِها.

وهَذِهِ الآيَةُ هي في المُطَلَّقاتِ، قالَهُ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُما، جَعَلَها اللهُ حَدًّا عِنْدَ اخْتِلافِ الزَوْجَيْنِ في مُدَّةِ الرَضاعِ، فَمَن دَعا مِنهُما إلى إكْمالِ الحَوْلَيْنِ فَذَلِكَ لَهُ: وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذَيْنَ الحَوْلَيْنِ لِكُلِّ ولَدٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي في الوَلَدِ الَّذِي يَمْكُثُ في البَطْنِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فَإنْ مَكَثَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ فَرَضاعُهُ ثَلاثَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، فَإنْ مَكَثَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ فَرَضاعُهُ اثْنانِ وَعِشْرُونَ شَهْرًا، فَإنْ مَكَثَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ فَرَضاعُهُ أحَدٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا القَوْلَ انْبَنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا  ﴾ إلّا أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ عَلى الإنْسانِ عُمُومًا.

وسُمِّيَ العامُ حَوْلًا لِاسْتِحالَةِ الأُمُورِ فِيهِ في الأغْلَبِ.

ووَصْفُهُما بِـ "كامِلَيْنِ" إذْ مِمّا قَدِ اعْتِيدَ تَجَوُّزًا أنْ يُقالَ: في حَوْلٍ وبَعْضٍ آخَرَ حَوْلَيْنِ، وفي يَوْمٍ وبَعْضٍ آخَرَ مَشَيْتُ يَوْمَيْنِ، وصَبَرْتُ عَلَيْكَ في دَيْنِي يَوْمَيْنِ وشَهْرَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَضاعَةَ ﴾ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الحَوْلَيْنِ لَيْسا بِفَرْضٍ لا يُتَجاوَزُ.

وقَرَأ السَبْعَةُ: "أنْ يُتِمَّ الرَضاعَةَ" بِضَمِّ الياءِ ونَصْبِ الرَضاعَةِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "تَتِمُّ الرَضاعَةُ" بِفَتْحِ التاءِ الأُولى ورَفْعِ الرَضاعَةِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الراءَ مِنَ "الرَضاعَةِ"، وهي لُغَةٌ كالحَضارَةِ والحِضارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ: "الرَضْعَةُ" عَلى وزْنِ الفَعْلَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "أنْ يُكْمِلَ الرَضاعَةَ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وانْتَزَعَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الرَضاعَةَ المُحَرَّمَةَ الجارِيَةَ مَجْرى النَسَبِ إنَّما هي ما كانَ في الحَوْلَيْنِ لِأنَّ بِانْقِضاءِ الحَوْلَيْنِ تَمَّتِ الرَضاعَةُ، فَلا رَضاعَةَ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ فَرْضَ الإرْضاعِ عَلى الوالِداتِ، ثُمَّ يُسِّرَ ذَلِكَ وخُفِّفَ بِالتَخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ لِمَن أرادَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ولا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ "المَوْلُودِ": اسْمُ جِنْسٍ وصِنْفٌ مِنَ الرِجالِ، والرِزْقُ في هَذا الحُكْمِ: الطَعامُ الكافِي.

وقَوْلُهُ: "بِالمَعْرُوفِ:" يَجْمَعُ حُسْنُ القَدْرِ في الطَعامِ وجَوْدَةُ الأداءِ لَهُ، وحُسْنُ الِاقْتِضاءِ مِنَ المَرْأةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإنْفاقَ عَلى قَدْرِ غِنى الزَوْجِ ومَنصِبِها بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَها ﴾ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَلَّفُ" بِضَمِّ التاءِ، "نَفْسٌ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "تَكَلَّفُ" بِفَتْحِ التاءِ بِمَعْنى تَتَكَلَّفُ "نَفْسٌ" فاعِلُهُ.

ورَوى عنهُ أبُو الأشْهَبِ: "لا نُكَلِّفُ" بِالنُونِ "نَفْسًا" بِالنَصْبِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبانُ، عن عاصِمٍ: "لا تُضارُّ والِدَةٌ" بِالرَفْعِ في الراءِ وهو خَبَرٌ مَعْناهُ الأمْرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ "لا تُضارِرْ" بِكَسْرِ الراءِ الأُولى، فَـ "والِدَةٌ" مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويُعْطَفْ "مَوْلُودٌ" لَهُ عَلى هَذا الحَدِّ في الِاحْتِمالَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ "لا تُضارَ" بِفَتْحِ الراءِ المُشَدَّدَةِ وهَذا عَلى النَهْيِ، ويُحْتَمَلُ أصْلُهُ ما ذَكَرْنا في الأُولى.

ومَعْنى الآيَةِ -فِي كُلِّ قِراءَةٍ- النَهْيُ عن أنْ تُضارَّ الوالِدَةُ زَوْجَها المُطَلِّقَ بِسَبَبِ ولَدِها، وأنْ يُضارَّها هو بِسَبَبِ الوَلَدِ أو يُضارَّ الظِئْرَ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ نَهْيِهِ تَعُمُّ الظِئْرَ، وقَدْ قالَ عِكْرِمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ لا تُضارَّ والِدَةٌ ﴾ مَعْناهُ: الظِئْرُ.

ووُجُوُهُ الضَرَرِ لا تَنْحَصِرُ وكُلُّ ما ذُكِرَ مِنها في التَفاسِيرِ فَهو مِثالٌ.

وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ.

"لا تُضارِرْ" بَرّاءَيْنِ الأُولى مَفْتُوحَةٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "لا تُضارْرُ" بِإسْكانِ الراءِ الأُولى.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ فَقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والحَسَنَ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرُهُمْ: هو وارِثُ الصَبِيِّ إنْ لَوْ ماتَ.

قالَ بَعْضُهُمْ: وارِثُهُ مِنَ الرِجالِ خاصَّةً يَلْزَمُهُ الإرْضاعُ كَما كانَ يَلْزَمُ أبا الصَبِيِّ لَوْ كانَ حَيًّا، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ.

وقالَ قَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُ: هو وارِثُ الصَبِيِّ مَن كانَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ، ويَلْزَمُهم إرْضاعُهُ عَلى قَدْرِ مَوارِيثِهِمْ مِنهُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي حَنِيفَةَ، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهم قالُوا: الوارِثُ الَّذِي يَلْزَمُهُ إرْضاعُ المَوْلُودِ هو ولِيُّهُ ووارِثُهُ إذا كانَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنهُ، فَإنْ كانَ ابْنَ عَمٍّ وغَيْرِهِ ولَيْسَ بِذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ.

وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، والضَحّاكُ، وبَشِيرُ بْنُ نَصْرٍ قاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: الوارِثُ هو الصَبِيُّ نَفْسُهُ، أيْ عَلَيْهِ في مالِهِ إذا ورِثَ أباهُ إرْضاعُ نَفْسِهِ.

وقالَ سُفْيانُ رَحِمَهُ اللهُ: الوارِثُ هو الباقِي مِن والِدَيِ المَوْلُودِ بَعْدَ وفاةِ الآخَرِ مِنهُما، ويَرى مَعَ ذَلِكَ إنْ كانَتِ الوالِدَةُ هي الباقِيَةُ- أنْ يُشارِكَها العاصِبُ في إرْضاعِ المَوْلُودِ عَلى قَدْرِ حَظِّهِ مِنَ المِيراثِ.

ونَصَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذْكِرَتْ أقْوالُهم عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ الرِزْقُ والكُسْوَةُ، وذَكَرَ ذَلِكَ أيْضًا مِنَ العُلَماءِ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، والشَعْبِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهم.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في "المُدَوَّنَةِ"، وجَمِيعُ أصْحابِهِ، والشَعْبِيُّ أيْضًا، والزُهْرِيُّ، والضَحّاكُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَلِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ ألّا يُضارَّ، وأمّا الرِزْقُ والكُسْوَةُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنهُ.

ورَوى ابْنُ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ أنَّ الرِزْقَ والكُسْوَةَ عَلى الوارِثِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالإجْماعُ مِنَ الأُمَّةِ في ألّا يُضارَّ الوارِثُ، والخِلافُ هَلْ عَلَيْهِ رِزْقٌ وكُسْوَةٌ أمْ لا؟

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَعَلى الوَرَثَةِ مِثْلُ ذَلِكَ" بِالجَمْعِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ أرادا فِصالا عن تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أولادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنْ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ الضَمِيرُ في "أرادا" لِلْوالِدَيْنِ، و"فِصالًا" مَعْناهُ: فِطامًا عَنِ الرَضاعِ، ولا يَقَعُ التَشاوُرُ ولا يَجُوزُ التَراضِي إلّا بِما لا ضَرَرَ فِيهِ عَلى المَوْلُودِ، فَإذا ظَهَرَ مِن حالِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللَبَنِ قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ فَلا جُناحَ عَلى الأبَوَيْنِ في فَصْلِهِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ.

وقالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وسُفْيانُ وغَيْرُهم وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا جُناحَ مَعَ التَراضِي في فَصْلِهِ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ وبَعْدَهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْرِيرُ القَوْلِ في هَذا أنَّ فَصْلَهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ إلّا بِتَراضِيهِما، وألّا يَكُونَ عَلى المَوْلُودِ ضَرَرٌ، وأمّا بَعْدَ تَمامِهِما فَمَن دَعا إلى الفَصْلِ فَذَلِكَ لَهُ، إلّا أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ عَلى الصَبِيِّ ضَرَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا ﴾ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ، تَجْمَعُ الآباءَ والأُمَّهاتِ، أيْ لَهُمُ اتِّخاذُ الظِئْرِ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ﴾ فَمُخاطَبَةٌ لِلرِّجالِ خاصَّةً إلّا -عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ- في قِراءَةِ مَن قَرَأ "أتَيْتُمْ" وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ السَبْعَةِ: "آتَيْتُمْ" بِالمَدِّ.

المَعْنى: أُعْطِيتُمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "أتَيْتُمْ" بِمَعْنى ما جِئْتُمْ وفَعَلْتُمْ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:.

وما كانَ مِن خَيْرٍ أتَوْهُ فَإنَّما تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: إذا سَلَّمْتُمْ ما أتَيْتُمْ نَقْدَهُ أو إعْطاءَهُ أو سُوقَهُ، فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ الضَمِيرُ مَقامَهُ، فَكانَ التَقْدِيرُ: ما أتَيْتُمُوهُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَمِيرُ مِنَ الصِلَةِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَعْنًى آخَرَ -قالَهُ قَتادَةُ - وهُوَ: إذا سَلَّمْتُمْ ما أتَيْتُمْ مِن إرادَةِ الِاسْتِرْضاعِ، أيْ سِلْمِ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأبَوَيْنِ ورَضِيَ، وكانَ ذَلِكَ عَنِ اتِّفاقٍ مِنهُما وقَصْدِ خَيْرٍ وإرادَةِ مَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ.

وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فَيَدْخُلُ في الخِطابِ بـِ "سَلَّمْتُمُ" الرِجالُ والنِساءُ، وعَلى التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ فالخِطابُ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ أجْرَ الرَضاعِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، أيْ إذا سَلَّمْتُمُ الإتْيانَ، والمَعْنى كالأوَّلِ، لَكِنْ يُسْتَغْنى عَنِ الصَنْعَةِ مِن حَذْفِ المُضافِ، ثُمَّ حَذْفِ الضَمِيرِ.

قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: إذا سَلَّمْتُمْ إلى الأُمَّهاتِ أجْرَهُنَّ، بِحِسابِ ما أرْضَعْنَ إلى وَقْتِ إرادَةِ الِاسْتِرْضاعِ.

وقالَ سُفْيانُ: المَعْنى: إذا سَلَّمْتُمْ إلى المُسْتَرْضِعَةِ وهي الظِئْرُ أجْرَها بِالمَعْرُوفِ.

وباقِي الآيَةِ أمْرٌ بِالتَقْوى، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى بَصِيرٌ بِكُلِّ عَمَلٍ، وفي هَذا وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ، أيْ فَهو مَجازٌ بِحَسَبَ عَمَلِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من أحكام الطلاق والبينونة؛ فإنه لما نهى عن العضل، وكانت بعض المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات؛ لأن ذلك قد يضر بالأولاد، ويقلل رغبة الأزواج فيهن، كانت تلك الحالة مثار خلاف بين الآباء والأمهات، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك، فإن أمر الإرضاع مهم، لأن به حياة النسل، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة.

وأعلم أن استخلاص معاني هذه الآية من أعقد ما عرض للمفسرين.

فجملة ﴿ والوالدات يرضعن ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ﴾ [البقرة: 232] والمناسبة غير خفية.

والوالدت عام لأنه جمع معرف باللام، وهو هنا مراد به خصوص الوالدات من المطلقات بقرينة سياق الآي التي قبلها من قوله: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228] ولذلك وصلت هذه الجملة بالعطف للدلالة على اتحاد السياق، فقوله: ﴿ والوالدات ﴾ معناه: والوالدات منهن، أي من المطلقات المتقدم الإخبار عنهن في الآي الماضية، أي المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة.

وجملة ﴿ يرضعن ﴾ خبر مراد به التشريع، وإثبات حق الاستحقاق، وليس بمعنى الأمر للوالدات والإيجاب عليهن؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام المطلقات، ولأنه عقب بقوله ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا ﴾ فإن الضمير شامل للآباء والأمهات على وجه التغليب كما يأتي، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه، ولكن تدل على أن ذلك حق لها، وقد صرح بذلك في سورة الطلاق بقوله ﴿ وإن تعاسرتم فسترضع له أُخرى ﴾ [الطلاق: 6] ولأنه عقب بقوله: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ وذلك أجر الرضاعة، والزوجة في العصمة ليس لها نفقة وكسوة لأجل الرضاعة، بل لأجل العصمة.

وقوله: ﴿ أولادهن ﴾ صرح بالمفعول مع كونه معلوماً، إيماء إلى أحقية الوالدات بذلك وإلى ترغيبهن فيه؛ لأن في قوله: ﴿ أولادهن ﴾ تذكيراً لهن بداعي الحنان والشفقة، فعلى هذا التفسير وهو الظاهر من الآية والذي عليه جمهور السلف ليست الآية واردة إلاّ لبيان إرضاع المطلقات أولادهن، فإذا رامت المطلقة إرضاع ولدها فهي أولى به، سواء كانت بغير أجر أم طلبت أجر مثلها، ولذلك كان المشهور عن مالك: أن الأب إذا وجد من ترضع له غير الأم بدون أجر وبأقل من أجر المثل، لم يُجب إلى ذلك، كما سنبينه.

ومن العلماء من تأول الوالدات على العموم، سواء كن في العصمة أو بعد الطلاق كما في القرطبي والبيضاوي، ويظهر من كلام ابن الفرس في «أحكام القرآن» أنّ هذا قول مالك.

وقال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: إن قوله تعالى: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن ﴾ ومحمول على عمومه في ذات الزوج وفي المطلقة مع عسر الأب، ولم ينسبه إلى مالك، ولذلك قال ابن عطية: قوله: ﴿ يرضعن ﴾ خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على الندب والتخيير لبعضهن وتبعه البيضاوي، وفي هذا استعمال صيغة الأمر في القدر المشترك وهو مطلق الطلب ولا داعي إليه.

والظاهر أن حكم إرضاع الأم ولدها في العصمة يستدل له بغير هذه الآية، ومما يدل على أنه ليس المراد الوالدات اللائي في العصمة قوله تعالى: ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ الآية، فإن اللائي في العصمة لهن النفقة والكسوة بالأصالة.

والحول في كلام العرب: العام، وهو مشتق من تحول دورة القمر أو الشمس في فلكه من مبدأ مصطلح عليه، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه، فتلك المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولاً.

وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام.

ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولاً وبعض الثاني؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان، على بعض المدلول، إطلاق شائع عند العرب، فيقولون: هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية، كما مر في قوله: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ [البقرة: 197].

وقوله: ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ ، قال في «الكشاف»: «بيان لمن توجه إليه الحكم كقوله: ﴿ هيت لك ﴾ [يوسف: 23]، فلك بيان للمُهَيَّت له أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع» أي فهو خبر مبتدأ محذوف، كما أشار إليه، بتقدير هذا الحكمُ لمِن أراد.

قال التفتازاني: «وقد يصرح بهذا المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى: ﴿ ذلك لمن خشى العنت منكم ﴾ [النساء: 25] ومَا صْدَقُ (مَنْ) هنا من يهمه ذلك: وهو الأب والأم ومن يقوم مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه.

والمعنى: أن هذا الحكم يستحقه من أراد إتمام الرضاعة، وأباه الآخر، فإن أرادا معاً عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم من قوله: ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ الآية.

وقد جعل الله الرضاع حولين رعياً لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ما يصلح له الرضاع بعدُ، ولما كان خلاف الأبوين في مدة الرضاع لا ينشأ إلاّ عن اختلاف النظر في حاجة مزاج الطفل إلى زيادة الرضاع، جعل الله القول لمن دعا إلى الزيادة، احتياطاً لحفظ الطفل.

وقد كانت الأمم في عصور قلة التجربة وانعدام الأطباء، لا يهتدون إلى ما يقوم للطفل مقام الرضاع؛ لأنهم كانوا إذا فطموه أعطوه الطعام، فكانت أمزجة بعض الأطفال بحاجة إلى تطويل الرضاع، لعدم القدرة على هضم الطعام وهذه عوارض تختلف.

وفي عصرنا أصبح الأطباء يعتاضون لبعض الصبيان بالإرضاع الصناعي، وهم مع ذلك مجمعون على أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه، ما لم تكن بها عاهة أو كان اللبن غير مستوف الأجزاء التي بها تمام تغذية أجزاء بدن الطفل، ولأن الإرضاع الصناعي يحتاج إلى فرط حذر في سلامة اللبن من العفونة: في قوامه وإنائه.

وبلاد العرب شديدة الحرارة في غالب السنة؛ ولم يكونوا يحسنون حفظ أطعمتهم من التعفن بالمكث، فربما كان فطام الأبناء في العام أو ما يقرب منه يجر مضار للرضعاء، وللأمزجة في ذلك تأثير أيضاً.

وعن ابن عباس أن التقدير بالحولين للولد الذي يمكث في بطن أمه ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر، فرضاعه ثلاثة وعشرون شهراً، وهكذا بزيادة كل شهر في البطن ينقص شهر من مدة الرضاعة حتى يكون لمدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً؛ لقوله تعالى: ﴿ وحمله وفصله ثلاثون شهراً ﴾ [الأحقاف: 15]، وفي هذا القول منزع إلى تحكيم أحوال الأمزجة؛ لأنه بمقدار ما تنقص مدة مكثه في البطن، تنقص مدة نضج مزاجه.

والجمهور على خلاف هذا وأن الحولين غاية لإرضاع كل مولود.

وأخذوا من الآية أن الرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين، وأن ما بعدهما لا حاجة إليه، فلذلك لا يجاب إليه طالبه.

وعبر عن الوالد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم؛ لأن منافع الولد منجرة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها.

والرزق: النفقة، والكسوة: اللباس، والمعروف: ما تعارفه أمثالهم وما لا يجحف بالأب.

والمراد بالرزق والكسوة هنا ما تأخذه المرضع أجراً عن إرضاعها، من طعام ولباس لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة، وكذلك غالب إجاراتهم؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة، بل كانوا يتعاملون بالأشياء، وكان الأجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم، وهي الطعام والكسوة، ولذلك أحال الله تقديرهما على المعروف عندهم من مراتب الناس وسعتهم، وعقبه بقوله: ﴿ لا تكلف نفس إلا وسعها ﴾ .

وجمل: ﴿ لا تكلف نفس إلا وسعها ﴾ إلى قول: ﴿ ولا مولود له بولده ﴾ معترضات بين جملة ﴿ وعلى المولود ﴾ وجملة ﴿ وعلى الوارث ﴾ فموقع جملة لا تكلف نفس إلا وسعها تعليل لقوله ﴿ بالمعروف ﴾ ، وموقع جملة ﴿ لا تضار وَالدة ﴾ إلى آخرها موقع التعليل أيضاً، وهو اعتراض يفيد أصولاً عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع.

والتكليف تفعيل بمعنى جعله ذا كلفة، والكلفة: المشقة، والتكلف: التعرض لما فيه مشقة، ويطلق التكليف على الأمر بفعل فيه كلفة، وهو اصطلاح شرعي جديد.

والوسع، بتثليث الواو: الطاقة، وأصله من وسع الإناء الشيء إذا حواه ولم يبق منه شيء، وهو ضد ضاق عنه، والوسع هو ما يسعه الشيء فهو بمعنى المفعول، وأصله استعارة؛ لأن الزمخشري في «الأساس» ذكر هذا المعنى في المجاز، فكأنهم شبهوا تحمل النفس عملاً ذا مشقة باتساع الظرف للمحوي، لأنهم ما احتاجوا لإفادة ذلك إلاّ عند ما يتوهم الناظر أنه لا يسعه، فمن هنا استعير للشاق البالغ حد الطاقة.

فالوسع إن كان بكسر الواو فهو فعل بمعنى مفعول كذبح، وإن كان بضمها فهو مصدر كالصلح والبرء صار بمعنى المفعول، وإن كان بفتحها فهو مصدر كذلك بمعنى المفعول كالخلق والدرس والتكليف بما فوق الطاقة منفي في الشريعة.

وبني فعل تكلف للنائب ليحذف الفاعل، فيفيد حذفه عموم الفاعلين، كما يفيد وقوع نفس، وهو نكرة في سياق النفس، عموم المفعول الأول لفعل تكلف: وهو الأنفس المكلفة، وكما يفيد حذف المستثنى في قوله: ﴿ إلا وسعها ﴾ عموم المفعول الثاني لفعل تكلف، وهو الأحكام المكلف بها، أي لا يكلف أحد نفساً إلاّ وسعها، وذلك تشريع من الله للأمة بأن ليس لأحد أن يكلف أحداً إلاّ بما يستطيعه، وذلك أيضاً وعد من الله بأنه لا يكلف في التشريع الإسلامي إلاّ بما يستطاع: في العامة والخاصة، فقد قال في آيات ختام هذه السورة ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ [البقرة: 286].

والآية تدل على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في شريعة الإسلام، وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿ لا يكلفو الله نفساً إلا وسعها ﴾ في آخر السورة.

وجملة ﴿ لا تضار والدة بولدها ﴾ اعتراض ثان، ولم تعطف على التي قبلها تنبيهاً على أنها مقصودة لذاتها، فإنها تشريع مستقل، وليس فيها معنى التعليل الذي في الجملة قبلها بل هي كالتفريع على جملة ﴿ لا تكلف نفس إلا وسعها ﴾ ؛ لأن إدخال الضر على أحد بسبب ما هو بضعة منه، يكاد يخرج عن طاقة الإنسان؛ لأن الضرار تضيق عنه الطاقة، وكونه بسبب من يترقب منه أن يكون سبب نفع أشد ألماً على النفس، فكان ضره أشد.

ولذلك اختير لفظ الوالدة هنا دون الأم كما تقدم في قوله: ﴿ يرضعن أولادهن ﴾ وكذلك القول في ﴿ ولا مولود له بولده ﴾ وهذا الحكم عام في جميع الأحوال من فراق أو دوام عصمة، فهو كالتذييل، وهو نهي لهما عن أن يكلف أحدهما الآخر ما هو فوق طاقته، ويستغل ما يعلمه من شفقة الآخر على ولده فيفترص ذلك لإحراجه، والإشفاق عليه.

وفي «المدونة»: عن ابن وهب عن الليث عن خالد بن يزيد عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿ لا تضار والدة بولدها ﴾ الآية «يقول ليس لها أن تلقي ولدها عليه ولا يجد من يرضعه، وليس له أن ينتزع منها ولدها، وهي تحب أن ترضعه» وهو يؤيد ما ذكرناه.

وقيل: الباء في قوله: ﴿ بولدها وبولده ﴾ باء الإلصاق وهي لتعدية ﴿ تضار ﴾ فيكون مدخول الباء مفعولاً في المعنى لفعل ﴿ تضار ﴾ وهو مسلوب المفاعلة مراد منه أصل الضر، فيصير المعنى: لا تضر الوالدة ولدها ولا المولود له ولده أي لا يكن أحد الأبويين بتعنته وتحريجه سبباً في إلحاق الضر بولده أي سبباً في إلجاء الآخر إلى الامتناع مما يعين على إرضاع الأم ولدها فيكون في استرضاع غير الأم تعريض المولود إلى الضر ونحو هذا من أنواع التفريط.

وقرأ الجمهور: (لا تضار) بفتح الراء مشددة على أن (لا) حرف نهي و(تضار) مجزوم بلا الناهية والفتحة للتخلص من التقاء الساكنين الذي نشأ عن تسكين الراء الأولى ليتأتى الإدغام وتسكين الراء الثانية للجزم وحرك بالفتحة لأنها أخف الحركات.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الراء على أن (لا) حرف نفي والكلام خبر في معنى النهي، وكلتا القراءتين يجوز أن تكون على نية بناء الفعل للفاعل بتقدير: لا (تضارر) بكسر الراء الأولى وبنائه للنائب بتقدير فتح الراء الأولى، وقرأه أبو جعفر بسكون الراء مخففة مع إشباع المد كذا نقل عنه في كتاب «القراءات» والظاهر أنه جعله من ضار يضير لا من ضار المضاعف.

ووقع في «الكشاف» أنه قرأ بالسكون مع التشديد على نية الوقف أي إجراء للوصل مجرى الوقف ولذلك اغتفر التقاء الساكنين.

وقوله: ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وليس معطوفاً على جملة ﴿ لا تضار والدة ﴾ لأن جملة ﴿ لا تضار ﴾ معترضة، فإنها جاءت على الأسلوب الذي جاءت عليه جملة ﴿ لا تكلف نفس إلا وسعها ﴾ التي هي معترضة بين الأحكام لا محالة لوقوعها موقع الاستئناف من قوله ﴿ بالمعروف ﴾ ، ولما جاءت جملة ﴿ لا تضار ﴾ بدون عطف علمنا أنها استئناف ثان مما قبله ثم وقع الرجوع إلى بيان الأحكام بطريق العطف، ولو كان المراد العطف على المستأنفات المعترضات لجيء بالجملة الثالثة بطريق الاستئناف.

وحقيقة الوارث هو من يصير إليه مال الميت بعد الموت بحق الإرث.

والإشارة بقوله ﴿ ذلك ﴾ إلى الحكم المتقدم وهو الرزق والكسوة بقرينة دخول على عليه الدالة على أنه عديل لقوله: ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى النهي عن الإضرار المستفاد من قوله: ﴿ لا تضار والدة بولدها ﴾ كما سيأتي، وهو بعيد عن الاستعمال؛ لأنه لما كان الفاعل محذوفاً وحكم الفعل في سياق النهي كما هو في سياق النفي علم أن جميع الإضرار منهي عنه أياً ما كان فاعله، على أن الإضرار منهي عنه فلا يحسن التعبير عنه بلفظ على الذي هو من صيغ الإلزام والإيجاب، على أن ظاهر المِثل إنما ينصرف لمماثلة الذوات وهي النفقة والكسوة لا لمماثلة الحكم وهو التحريم.

وقد علم من تسمية المفروض عليه الإنفاق والكسوة وارثاً أن الذي كان ذلك عليه مات، وهذا إيجاز.

والمعنى: فإن مات المولود له فعلى وارثه مثل ما كان عليه فإن على الواقعة بعد حرف العطف هنا ظاهرة في أنها مثل على التي في المعطوف عليه.

فالظاهر أن المراد وارث الأب وتكون أل عوضاً عن المضاف إليه كما هو الشأن في دخول أل على اسم غير معهود ولا مقصود جنسه وكان ذلك الاسم مذكوراً بعد اسم يصلح لأن يضاف إليه كما قال تعالى: ﴿ لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ﴾ [العلق: 15] وكما قال: ﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 40 41] أي نهى نفسه؛ فإن الجنة هي مأواه، وقول إحدى نساء حديث أم زرع: «زوجي المَسُّ مَسُّ أَرْنَب والرِّيح رِيح زَرْنَب» وما سماه الله تعالى وارثاً إلاّ لأنه وارث بالفعل لا من يصلح لأن يكون وارثاً على تقدير موت غيره؛ لأن اسم الفاعل إنما يطلق على الحال ما لم تقم قرينة على خلافه فما قال: ﴿ وعلى الوارث ﴾ إلاّ لأن الكلام على الحق تعليق بهذا الشخص في تركة الميت وإلاّ لقال: وعلى الأقارب أو الأولياء مثل ذلك على أنه يكون كلاماً تأكيداً حينئذٍ؛ لأن تحريم الإضرار المذكور قبله لم يذكر له متعلق خاص؛ فإن فاعل ﴿ تضار ﴾ محذوف.

والنهي دال على منع كل إضرار يحصل للوالدة فما فائدة إعادة تحريم ذلك على الوارث كما قدمناه آنفاً.

واتفق علماء الإسلام على أن ظاهر الآية غير مراد؛ إذ لا قائل بوجوب نفقة المرضع على وارث الأب، سواء كان إيجابها على الوارث في المال الموروث بأن تكون مبدأة على المواريث للإجماع على أنه لا يبدأ إلاّ بالتجهيز ثم الدين ثم الوصية، ولأن الرضيع له حظه في المال المرورث وهو إذا صار ذا مال لم تجب نفقته على غيره أم كان إيجابها على الوارث لو لم يسعها المال الموروث فيكمِّل من يده، ولذلك طرقوا في هذا باب التأويل إما تأويل معنى الوارث وإما تأويل مرجع الإشارة وإما كليهما.

فقال الجمهور: المراد وارث الطفل أي من لو مات الطفل لورثه هو، روي عن عمر بن الخطاب وقتادة والسدي والحسن ومجاهد وعطاء وإسحاق وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل فيتقرر بالآية، أن النفقة واجبة على قرابة الرضيع وهم بالضرورة قرابة أبيه أي إذا مات أبوه ولم يترك مالاً: تجب نفقة الرضيع على الأقارب.

على حسب قربهم في الإرث ويجري ذلك على الخلاف في توريث ذي الرحم المَحْرَم فهؤلاء يرون حقاً على القرابة إنفاق العاجز في مالهم كما أنهم يرثونه إذا ترك مالاً فهو من المواساة الواجبة مثل الدية.

وقال الضحاك وقبيصة بن ذؤيب وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز: المراد وارث الأب وأريد به نفس الرضيع.

فالمعنى: أنه إذا مات أبوه وترك مالاً فنفقته من إرثه.

ويتجه على هذا أن يقال: ما وجه العدول عن التعبير بالولد إلى التعبير بالوارث؟

فتجيب بأنه للإيماء إلى أن الأب إنما وجبت عليه نفقة الرضيع لعدم مال للرضيع، فلهذا لما اكتسب مالاً وجب عليه في ماله؛ لأن غالب أحوال الصغار ألا تكون لهم أموال مكتسبة سوى الميراث، وهذا تأويل بعيد؛ لأن الآية تكون قد تركت حكم من لا مال له.

وقيل: أريد بالوارث المعنى المجازي وهو الذي يبقى بعد انعدام غيره كما في قوله تعالى: ﴿ ونحن الوارثون ﴾ [الحجر: 23] يعني به أم الرضيع قاله سفيان فتكون النفقة على الأم قال التفتازاني في «شرح الكشاف» «وهذا قَلق في هذا المقام إذ ليس لقولنا: فالنفقة على الأب وعلى من بقي من الأب والأم معنى يعتد به» يعني أن إرادة الباقي تشمل صورة ما إذا كان الباقي الأب ولا معنى لِعطفه على نفسه بهذا الاعتبار.

وفي «المدونة» عن زيد بن أسلم وربيعة أن الوارث هو ولي الرضيع عليه مثل ما على الأب من عدم المضارة.

هذا كله على أن الآية محكمة لا منسوخة وأن المشار إليه بقوله: ﴿ مثل ذلك ﴾ هو الرزق والكسوة.

وقال جماعة: الإشارة بقوله: ﴿ مثل ذلك ﴾ راجعة إلى النهي عن المشارة.

قال ابن عطية: وهو لمالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك اه.

وفي «المدونة» في ترجمة ما جاء فيمن تلزم النفقة من كتاب إرخاء الستور عن ابن القاسم قال مالك ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ أي ألا يضار.

واختاره ابن العربي بأنه الأصل فقال القرطبي: يعني في الرجوع إلى أقرب مذكور، ورجحه ابن عطية بأن الأمة أجمعت على ألا يضار الوارث.

واختلفوا: هل عليه رزق وكسوة اه يعني مورد الآية بما هو مجمع على حكمه ويترك ما فيه الخلاف.

وهنالك تأويل بأنها منسوخة، رواه أسد بن الفرات عن ابن القاسم عن مالك قال: «وقول الله عز وجل: ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ هو منسوخ فقال النحاس: «ما علمت أحداً من أصحاب مالك بين ما الناسخ، والذي يبينه أن يكون الناسخ لها عند مالك أنه لما أوجب الله للمتوفى عنها زوجها نفقةَ حول، والسكنى من مال المتوفى، ثم نسخ ذلك نسخ أيضاً عن الوارث» يريد أن الله لما نسخ وجوب ذلك في تركة الميت نسخ كل حق في التركة بعد الميراث، فيكون الناسخ هو الميراث، فإنه نسخ كل حق في المال على أولياء الميت.

وعندي أن التأويل الذي في «مدونة سحنون» بعيد لما تقدم آنفاً، وأن ما نحاه مالك في رواية أسد بن الفرات عن ابن القاسم هو التأويل الصحيح، وأن النسخ على ظاهر المراد منه، والناسخ لهذا الحكم هو إجماع الأمة على أنه لاحق في مال الميت، بعد جهازه وقضاء دينه، وتنفيذ وصيته، إلاّ الميراث فنُسخ بذلك كل ما كان مأموراً به أن يدفع من مال الميت مثل الوصية في قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين ﴾ [البقرة: 180] الآية، ومثل الوصية بسكنى الزوجة وإنفاقها في قوله تعالى: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 240] ونسخ منه حكم هذه الآية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» هذا إذا حمل الوارث في الآية على وارث الميت أي إن ذلك حق على جميع الورثة أيّاً كانوا بمعنى أنه مبدأ المواريث.

وإذا حمل الوارث على من هو بحيث يرث الميت لو ترك الميت مالاً، أعني قريبه، بمعنى أن عليه إنفاق ابن قريبه، فذلك منسوخ بوضع بيت المال وذلك أن هذه الآية شرعت هذا الحكم في وقت ضعف المسلمين، لإقامة أود نظامهم بتربية أطفال فقرائهم، وكان أولى المسلمين بذلك أقربهم من الطفل فكما كان يرث قريبه، لو ترك مالاً ولم يترك ولداً فكذلك عليه أن يقام ببينة، كما كان حكم القبيلة في الجاهلية في ضم أيتامهم ودفع دياتهم، فلما اعتز الإسلام صار لجامعة المسلمين مال، كان حقاً على جماعة المسلمين القيام بتربية أبناء فقرائهم، وفي الحديث الصحيح «من ترك كَّلاً، أو ضياعاً، فعليَّ، ومن ترك مالاً فلوارثه» ولا فرق بين إطعام الفقير وبين إرضاعه، وما هو إلاّ نفقة، ولمثله وضع بيت المال.

وقوله: ﴿ فإنأراد فصالاً ﴾ عطف على قوله ﴿ يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ لأنه متفرع عنه، والضمير عائد على الوالدة والمولود له الواقعين في الجمل قبْل هذه.

والفصال: الفطام عن الإرضاع، لأنه فصل عن ثدي مرضعه.

وعن في قوله: ﴿ عن تراض ﴾ متعلقة بأرادا أي إرادة ناشئة عن التراضي، إذ قد تكون إرادتهما صورية أو يكون أحدهما في نفس الأمر مرغماً على الإرادة، بخوف أو اضطرار.

وقوله: ﴿ وتشاور ﴾ هو مصدر شاور إذا طلب المشورة.

والمشورة قيل مشتقة من الإشارة لأن كل واحد من المتشاورين يشير بما يراه نافعاً فلذلك يقول المستشير لمن يستشيره: بماذا تشير عليَّ كأنَّ أصله أنه يشير للأمر الذي فيه النفع، مشتق من الإشارة باليد، لأن الناصح المدبر كالذي يشير إلى الصواب ويعينه له من لم يهتد إليه، ثم عدي بعلى لما ضمن معنى التدبير، وقال الراغب: إنها مشتقة من شار العسل إذا استخرجه، وأياً ما كان اشتقاقها فمعناها إبداء الرأي في عمل يريد أن يعمله من يشاور وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30] وسيجيء الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ في سورة آل عمران (159)، وعطف التشاور على التراضي تعليماً للزوجين شؤون تدبير العائلة، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي.

وأفاد بقوله: فلا جناح عليهما} أن ذلك مباح، وأن حق إرضاع الحولين مراعى فيه حق الأبوين وحق الرضيع، ولما كان ذلك يختلف باختلاف أمزجة الرضعاء جعل اختلاف الأبوين دليلاً على توقع حاجة الطفل إلى زيادة الرضاع، فأعمل قول طالب الزيادة منهما، كما تقدم، فإذا تشاور الأبوان وتراضيا بعد ذلك على الفصال كان تراضيهما دليلاً على أنهما رأيا من حال الرضيع ما يغنيه عن الزيادة، إذ لا يظن بهما التمالؤ على ضر الولد، ولا يظن إخفاء المصلحة عليهما بعد تشاورهما، إذ لا يخفى عليهما حال ولدهما.

وقوله: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم ﴾ انتقال إلى حالة إرضاع الطفل غيرَ والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه، لمرضها، أو تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء، كما تقدم في الآية السابقة، أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم في ذلك.

والمخاطب بأردتم: الأبوان باعتبار تعدد الأبوين في الأمة وليس المخاطب خصوص الرجال، لقوله تعالى فيما سبق ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن ﴾ فعلم السامع أن هذا الحكم خاص بحالة تراضي الأبوين على ذلك لعذر الأم، وبحالة فقد الأم.

وقد علم من قوله: ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أن حالة التراضي هي المقصودة أولاً، لأن نفي الجناح مؤذن بتوقعه، وإنما يتوقع ذلك إذا كانت الأم موجودة وأريد صرف الابن عنها إلى مرضع أخرى، لسبب مصطلح عليه، وهما لا يريدان ذلك إلاّ حيث يتحقق عدم الضر للابن، فلو علم ضر الولد لم يجز، وقد كانت العرب تسترضع لأولادها، لا سيما أهل الشرف.

وفي الحديث " واسْتُرضِعْت في بني سعد ".

والاسترضاع أصله طلب إرضاع الطفل، أي طلب أن ترضع الطفل غير أمه، فالسين والتاء في (تسترضعوا) للطلب ومفعوله محذوف، وأصله أن تسترضعوا مراضع لأولادكم، لأن الفعل يعدَّى بالسين والتاء الدالين على الطلب إلى المفعول المطلوب منه الفعل فلا يتعدى إلاّ إلى مفعول واحد، وما بعده يعدى إليه بالحرف وقد يحذف الحرف لكثرة الاستعمال، كما حذف في استرضع واستنجح، فعدي الفعل إلى المجرور على الحذف والإيصال، وفي الحديث " واسترضعت في بني سعد " ووقع في «الكشاف» ما يقتضي أن السين والتاء دخلتا على الفعل المهموز المتعدي إلى واحد فزادتاه تعدية لثان، وأصله أرضعت المرأة الولد، فإذا قلت: استرضعتُها صار متعدياً إلى مفعولين، وكأنَّ وجهه أننا ننظر إلى الحدث المراد طلبه، فإن كان حدثاً قاصراً، فدخلت عليه السين والتاء، عدي إلى مفعول واحد، نحو استنهضته فنهض، وإن كان متعدياً فدخلت عليه السين والتاء عدي إلى مفعولين، نحو استرضعتها فأرضعت، والتعويل على القرينة، إذ لا يطلب أصل الرضاع لا من الولد ولا من الأم، وكذا: استنجحت الله سعيي، إذ لا يطلب من الله إلاّ إنجاح السعي، ولا معنى لطلب نجاح الله، فبقطع النظر عن كون الفعل تعدى إلى مفعولين، أو إلى الثاني بحذف الحرف، نرى أنه لا معنى لتسلط الطلب على الفعل هنا أصلاً، على أنه لولا هذا الاعتبار، لتعذر طلب وقوع الفعل المتعدي بالسين والتاء، وهو قد يطلب حصوله فما أوردوه على «الكشاف»: من أن حروف الزيادة إنما تدخل على المجرد لا المزيد مدفوع بأن حروف الزيادة إذا تكررت، وكانت لمعان مختلفة جاز اعتبار بعضها داخلاً بعد بعض، وإن كان مدخولها كلِّها هو الفعل المجرد.

وقد دل قوله: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم ﴾ على أنه ليس المراد بقوله ﴿ يرضعن ﴾ تشريع وجوب الإرضاع على الأمهات، بل المقصود تحديد مدة الإرضاع وواجبات المرضع على الأب، وأما إرضاع الأمهات فموكول إلى ما تعارفه الناس، فالمرأة التي في العصمة، إذا كان مثلها يُرضع، يعتبر إرضاعها أولادها من حقوق الزوج عليها في العصمة، إذ العرف كالشرط، والمرأة المطلقة لا حق لزوجها عليها، فلا ترضع له إلاّ باختيارها.

ما لم يعرض في الحالين مانع أو موجب، مثل عجز المرأة في العصمة عن الإرضاع لمرض، ومثل امتناع الصبي من رضاع غيرها، إذا كانت مطلقة بحيث يخشى عليه، والمرأة التي لا يرضع مثلها وهي ذات القدر، قد علم الزوج حينما تزوجها أن مثلها لا يرضع، فلم يكن له عليها حق الإرضاع.

هذا قول مالك، إذ العرف كالشرط، وقد كان ذلك عرفاً من قبل الإسلام وتقرر في الإسلام، وقد جرى في كلام المالكية في كتب الأصول: أن مالكاً خصص عموم الوالدات بغير ذوات القدر، وأن المخصص هو العرف، وكنا نتابعهم على ذلك ولكني الآن لا أرى ذلك متجهاً ولا أرى مالكاً عمد إلى التخصيص أصلاً، لأن الآية غير مسوقة لإيجاب الإرضاع، كما تقدم.

وقوله: ﴿ إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ﴾ أي إذا سلمتم إلى المراضع أجورهن.

فالمراد بما آتيتم: الأجر، ومعنى آتى في الأصل دفع؛ لأنه معدى أتى بمعنى وصل، ولما كان أصل إذا أن يكون ظرفاً للمستقبل مضمناً معنى الشرط، لم يلتئم أن يكون مع فعل ﴿ آتيتم ﴾ الماضي.

وتأول في «الكشاف» ﴿ آتيتم ﴾ بمعنى: أردتم إيتاءه، كقوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ [المائدة: 6] تبعاً لقوله: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ﴾ ، والمعنى: إذا سلمتم أجور المراضع بالمعروف، دون إجحاف ولا مطل.

وقرأ ابن كثير ﴿ أتيتم ﴾ بترك همزة التعدية.

فالمعنى عليه: إذا سلمتم ما جئتم، أي ما قصدتم، فالإتيان حينئذٍ مجاز عن القصد، كقوله تعالى: ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ [الصافات: 84] وقال زهير: وما كان من خير أَتوه فإنما *** توارثَه آباءُ آبائِهم قَبْلُ وقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ تذييل للتخويف، والحث على مراقبة ما شرع الله، من غير محاولة ولا مكابدة، وقوله: ﴿ واعلموا أن الله ﴾ تذكير لهم بذلك، وإلاّ فقد علموه.

وقد تقدم نظيره آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ﴾ والحَوْلُ السَّنَةُ، وفي أصْلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: حالَ الشَّيْءُ إذا انْقَلَبَ عَنِ الوَقْتِ الأوَّلِ، ومِنهُ اسْتِحالَةُ الكَلامِ لِانْقِلابِهِ عَنِ الصَّوابِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحَوُّلِ عَنِ المَكانِ، وهو الِانْتِقالُ مِنهُ إلى المَكانِ الأوَّلِ.

وَإنَّما قالَ: حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أقامَ فُلانٌ بِمَكانِ كَذا حَوْلَيْنِ وإنَّما أقامَ حَوْلًا وبَعْضَ آخَرَ، وأقامَ يَوْمَيْنِ وإنَّما أقامَ يَوْمًا وبَعْضَ آخَرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعَجُّلَ في يَوْمٍ وبَعْضِ يَوْمٍ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ فِيما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن رَضاعِ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، عَلى تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ في الَّتِي تَضَعُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَإنْ وضَعَتْ لِتِسْعَةِ أشْهُرٍ أرْضَعَتْ واحِدًا وعِشْرِينَ شَهْرًا، اسْتِكْمالًا لِثَلاثِينَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا  ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ بِرَضاعِ كُلِّ مَوْلُودٍ اخْتَلَفَ والِداهُ في رَضاعِهِ أنْ يُرْضَعَ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ والثَّوْرِيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ يُرِيدُ بِالمَوْلُودِ لَهُ الأبَ عَلَيْهِ في ولَدِهِ لِلْمُرْضِعَةِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ في الأُمِّ المُطَلَّقَةِ إذا أرْضَعَتْ ولَدَها فَلَها رِزْقُها مِنَ الغِذاءِ، وكِسَوْتُها مِنَ اللِّباسِ.

وَمَعْنى بِالمَعْرُوفِ أُجْرَةُ المِثْلِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَعْنِي بِهِ الأُمَّ ذاتَ النِّكاحِ، لَها نَفَقَتُها وكِسْوَتُها بِالمَعْرُوفِ في مِثْلِها، عَلى مِثْلِهِ مِن يَسارٍ، وإعْسارٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها ﴾ أيْ لا تَمْتَنِعُ الأُمُّ مِن إرْضاعِهِ إضْرارًا بِالأبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: هي الظِّئْرُ المُرْضِعَةُ دُونَ الأُمِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ وهو الأبُ في قَوْلِ جَمِيعِهِمْ، لا يَنْزِعُ الوَلَدَ مِن أُمِّهِ إضْرارًا بِها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الوارِثَ هو المَوْلُودُ نَفْسُهُ، وهَذا قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الباقِي مِن والِدَيِ الوَلَدِ بَعْدَ وفاةِ الآخَرِ مِنهُما، وهو قَوْلُ سُفْيانَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ وارِثُ الوَلَدِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ وارِثُ الوَلَدِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وارِثُهُ مِن عَصَبَتِهِ إذا كانَ أبُوهُ مَيِّتًا سَواءٌ كانَ عَمًّا أوْ أخًا أوِ ابْنَ أخٍ أوِ ابْنَ عَمٍّ دُونَ النِّساءِ مِنَ الوَرَثَةِ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: ورَثَتُهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: هم مِن ورَثَتِهِ مَن كانَ مِنهم ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الأجْدادُ ثُمَّ الأُمَّهاتُ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَلى الوارِثِ مِثْلَ ما كانَ عَلى والِدِهِ مِن أُجْرَةِ رَضاعَتِهِ ونَفَقَتِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وإبْراهِيمَ.

والثّانِي: أنَّ عَلى الوارِثِ مِثْلَ ذَلِكَ في ألّا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والزُّهْرِيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ والفِصالُ: الفِصامُ، سُمِّيَ فِصالًا لِانْفِصالِ المَوْلُودِ عَنْ ثَدْيِ أُمِّهِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ فاصَلَ فُلانٌ فُلانًا إذا فارَقَهُ مِن خُلْطَةٍ كانَتْ بَيْنَهُما.

والتَّشاوُرُ: اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ بِالمُشاوَرَةِ.

وَفي زَمانِ هَذا الفِصالِ عَنْ تَراضٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ إذا تَراضى الوالِدانِ بِفِطامِ المَوْلُودِ فِيهِ جازَ، وإنْ رَضِيَ أحَدُهُما وأبى الآخَرُ لَمْ يَجُزْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ، والسُّدِّيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ وبَعْدَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ ﴾ يَعْنِي لِأوْلادِكم، فَحَذَفَ اللّامَ اكْتِفاءً بِأنَّ الِاسْتِرْضاعَ لا يَكُونُ لِلْأوْلادِ، وهَذا عِنْدَ امْتِناعِ الأُمِّ مِن إرْضاعِهِ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لَهُ غَيْرَها ظِئْرًا.

﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إذا سَلَّمْتُمْ أيُّها الآباءُ إلى الأُمَّهاتِ أُجُورَ ما أرْضَعْنَ قَبْلَ امْتِناعِهِنَّ، وهَذا قَوْلُمُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: إذا سَلَّمْتُمُ الأوْلادَ عَنْ مَشُورَةِ أُمَّهاتِهِمْ إلى مَن يَتَراضى بِهِ الوالِدانِ في إرْضاعِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ.

والثّالِثُ: إذا سَلَّمْتُمْ إلى المُرْضِعَةِ الَّتِي تُسْتَأْجَرُ أجْرَها بِالمَعْرُوفِ، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع وسفيان وعبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن ﴾ قال: المطلقات ﴿ حولين ﴾ قال: سنتين ﴿ لا تضار والدة بولدها ﴾ يقول: لا تأبى أن ترضعه ضراراً لتشق على أبيه ﴿ ولا مولود له بولده ﴾ يقول: ولا يضار الوالد بولده فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك ﴿ وعلى الوارث ﴾ قال: يعني الولي من كان مثل ذلك قال: النفقة بالمعروف، وكفله، ورضاعه، إن لم يكن للمولود مال، وأن لا تضار أمه ﴿ فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور ﴾ قال: غير مسببين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما ﴿ فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ﴾ قال: خيفة الضيعة على الصبي ﴿ فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ﴾ قال: حساب ما أرضع به الصبي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ قال: هو الرجل يطلق امرأته وله منها ولد فهي أحق بولدها من غيرها فهن يرضعن أولادهن ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ يعني يكمل الرضاعة ﴿ وعلى المولود له ﴾ يعني الأب الذي له ولد ﴿ رزقهن ﴾ يعني رزق الأم ﴿ لا تكلف نفس إلا وسعها ﴾ يقول: لا يكلف الله نفساً في نفقة المراضع إلا ما أطاقت ﴿ لا تضار والدة بولدها ﴾ يقول: لا يحمل الرجل امرأته أن يضارها فينزع ولدها منها وهي لا تريد ذلك ﴿ ولا مولود له بولده ﴾ يعني الرجل يقول: لا يحملن المرأة إذا طلقها زوجها أن تضاره فتلقي إليه ولده مضارة له ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ يعني الأبوين أن يفصلا الولد عن اللبن دون الحولين ﴿ عن تراض منهما ﴾ يقول: اتفقا على ذلك ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم ﴾ يعني لا حرج على الإِنسان أن يسترضع لولده ظئراً، ويسلم لها أجرها ﴿ إذا سلمتم ﴾ لأمر الله يعني في أجر المراضع ﴿ ما آتيتم بالمعروف ﴾ يقول: ما أعطيتم الظئر من فضل على أجرها ﴿ واتقوا الله ﴾ يعني لا تعصوه، ثم حذرهم فقال: ﴿ واعلموا أن الله بما تعملون بصير ﴾ أي بما ذكر عليم.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أمامة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثم انطلق بي فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات.

فقلت: ما بال هؤلاء؟

فقيل لي: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن» .

وأخرج أبو داود في ناسخه عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن ﴾ قال: إنها المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس.

في التي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين، وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين لتمام ثلاثين شهراً، وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت احداً وعشرين شهراً، ثم تلا: ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ [ الأحقاف: 15] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ فجعل الله الرضاع حولين كاملين ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ ثم قال: ﴿ فإن أرادا فصالاً عن تراض ﴾ فلا حرج إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي الأسود الديلي أن عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها، فبلغ ذلك علياً فقال: ليس عليها رجم، قال الله تعالى ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ وستة أشهر فذلك ثلاثون شهراً.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن فايد بن عباس قال: أتي عثمان بامرأة ولدت في ستة أشهر فأمر برجمها، فقال ابن عباس: إنها إن تخاصمك بكتاب الله تخصمك، يقول الله: ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ ويقول الله في آية آخرى ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ﴾ [ الأحقاف: 15] فقد حملته ستة أشهر فهي ترضعه لكم حولين كاملين، فدعا بها عثمان فخلى سبيلها.

وأخرج ابن جرير من وجه آخر من طريق الزهري.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال: سئل ابن عمر وابن عباس عن الرضاع بعد الحولين فقرأ ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ ولا نرى رضاعاً بعد الحولين يحرم شيئاً.

وأخرج ابن جرير من طريق أبي الضحى قال: سمعت ابن عباس يقول ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ قال: لا رضاع إلا في هذين الحولين.

وأخرج الترمذي وصححه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» .

وأخرج ابن عدي والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين» .

وأخرج الطيالسي والبيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن عدي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فصال، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا نفقة في معصية، ولا يمين في قطيعة رحم، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين لزوجة مع زوج، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيده، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك» .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله ﴿ لمن أرادت أن يكمل الرضاعة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ قال: على قدر الميسرة.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ﴾ يقول: ليس لها أن تلقي ولدها عليه، ولا يجد من يرضعه، وليس له أن يضارها فينزع منها ولدها وتحب أن ترضعه ﴿ وعلى الوارث ﴾ قال: هو ولي الميت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء وإبراهيم والشعبي ﴿ وعلى الوارث ﴾ قالوا: وارث الصبي ينفق عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ قال: كان يلزم الوارث النفقة.

وفي لفظ: نفقة الصبي إذا لم يكن له مال على وارثه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ يقول: على وارث المولود إذا كان المولود لا مال له، مثل الذي على والده من أجر الرضاع.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما قوله: ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ ؟

قال: وارث المولود مثل ما ذكر الله.

قلت: أيحبس وارث المولود إن لم يكن للمولود مال بأجر مرضعته وإن كره الوارث؟

قال: أفيدعه يموت؟

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن سيرين.

أن امرأة جاءت تخاصم في نفقة ولدها وإرث ولدها إلى عبد الله بن عتبة بن مسعود، فقضى بالنفقة من مال الصبي، وقال لوارثه: ألا ترى ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ ولو لم يكن له مال لقضيت بالنفقة عليك.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: يجبر الرجل إذا كان موسراً على نفقة أخيه إذا كان معسراً.

وأخرج عبد بن حميد عن حماد قال: يجبر على كل ذي رحم محرم.

وأخرج سفيان وعبد الرزاق وأبو عبيد في الأموال وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب حبس بني عم علي منفوس كلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة.

وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد في قوله: ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ قال: على وارث الصبي أن يسترضع له مثل ما على أبيه.

وأخرج ابن جرير والنحاس عن قبيصة بن ذؤيب في قوله: ﴿ وعلى الوارث ﴾ قال: هو الصبي.

وأخرج وكيع عن عبد الله بن مغفل قال: رضاع الصبي من نصيبه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ قال: نفقته حتى يفطم، إن كان أبوه لم يترك له مالاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق مجاهد والشعبي عن ابن عباس ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ قال: أن لا يضار.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ فإذا أرادا فصالاً ﴾ قال: الفطام.

وأخرج وكيع وسفيان وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عطاء ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ﴾ قال: أمه أو غيرها ﴿ فلا جناح عليكم إذا سلمتم ﴾ قال: إذا سلمت لها أجرها ﴿ ما آتيتم ﴾ قال: ما أعطيتم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم ﴾ إذا كان ذلك عن طيب نفس من الوالد والوالدة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾ الآية.

قال المفسرون: أراد المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن.

وقال بعضهم: بل هي على العموم، لأنه قال: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنّ ﴾ والمطلقة (١) (٢) فإنْ قيل: إذا كانت الزوجية باقية فهي تستحق الرزق والكسوة بسبب النكاح، سواء أرضعت له ولده أو امتنعت، فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع؟

قلنا: النفقة والكسوة في مقابلة التمكين، وإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة ربما لا تمكن من كمال التمكين، فيتوهم متوهم أن نفقتهما وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في التمكين، فقطع الله ذلك التوهم بإيجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، ولهذا قلنا: إذا أشخصها زوجها إلى سفر لحاجته وتجارته فنفقة سفرها عليه؛ لأنها مشغولة بشغله، وإذا كان كذلك فالرزق والكسوة هاهنا لا يكون أجرة الرضاع، وأجرة الرضاع تجب على الزوج بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ وفائدة ذكر الرزق والكسوة في هذه الآية ما بينا (٣) وقوله تعالى: ﴿ يُرْضِعْنَ ﴾ لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، كما تقول: حسبك درهم، معناه اكتف به، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، يريد: أنهن أحقُّ بالإرضاع من غيرهن إذا أردن ذلك، ولو وجب عليها الإرضاع لما استحقَّت الأجرةُ، وقد أوجب الله الأجرة لهن في سورة الطلاق (٤) وقوله تعالى: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ أي: سنتين.

أصل الحول من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني (٥) (٦) ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ ، ومعلوم أنه يتعجل في يوم وبعض الثانى (٧) وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب؛ لأنه قد قال بعد هذا: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ ولكنه تحديدٌ لقطع التنازع بين الزوجين إذا اشتجرا في مدة الرضاع، فجُعِل الحولان ميقاتًا لهما يرجعان إليه عند الاختلاف، فإن أراد الأَبُ أن يَفْطِمَه قبل الحولين ولم ترض الأم، لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا.

فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه (٨) هذا هو الصحيح، وهو قول ابن عباس (٩) (١٠) (١١) وقال آخرون: المراد بهذه الآية: الدلالة على أن الرضاع ما كان في الحولين، وأن ما بعد الحولين من الرضاع لا يُحرِّم، وهو قول علي (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وعند أبي حنيفة: تتقدَّر (٢٠) (٢١) والآية حجة للشافعي على قول هؤلاء، لأن الله تعالى علق (٢٢) وقال عكرمة عن ابن عباس: إذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرًا اعتبارا بقوله: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا  ﴾ (٢٣) فجعل مدتيهما (٢٤) وأما قوله: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ﴾ الآية [الأحقاف: 15] فإنها في تعظيم شأن الوالدة، وتعريف الأولاد ما لزم الوالدة من التعب والمشقة في أول هذه المدة من حملها وإرضاعها وفي آخرها، لقوله: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا  ﴾ ، فلا تعتبر هذه الآية بتلك إذ الأصلان مختلفان في المعنى الذي نزلت الآيتان فيه (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ يقال: رَضِعَ المولودُ يرضَعُ رِضاعةً ورَضاعًا، هذا هو الأفصح، ويقال أيضًا: رَضَعَ يرضِعُ رضَاعَةً ورِضاعًا بالكسر في المصدر (٢٦) (٢٧) ﴿ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى  ﴾ ، يعنى أن هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك وقت محدود (٢٨) وقال قتادة (٢٩) (٣٠) ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾ يعنى: الأب.

﴿ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ الكِسوة والكُسوة: اللباس، يقال: كسوت فلانًا أكسوه كسوة، إذا ألبسته (٣١) (٣٢) والأكثرون من المفسرين قالوا في هذا: معناه (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بما يعرفون أنه عدل على قدر الإمكان (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ التكليفُ: الإلزام، يقال: كلفته الأمر فَتَكَلَّفْ وكَلِفَ (٣٧) قيل (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) والوُسْع، ما يَسَعُ الإنسانَ فيطيقه، أُخِذَ مِن سَعَةِ المَسْلَك إلى الغَرَضِ، ولو ضاق لعجز عنه، فالسَّعَةُ فيه بمنزلة القُدْرَة، فلذلك قيل: الوُسْعُ بمعنى (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ الاختيار فتح الراء (٤٤) (٤٥) (٤٦) والمعنى: لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقيل معناه: لا تضارَّ والدة فتكره على إرضاع الصبي إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها، ﴿ وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ ﴾ يكلف (٥٠) (٥١) (٥٢) ويحتمل أن يكون الفعل لهما، ولكون تضارّ على مذهب ما قد سُمي فاعله، وكان في الأصل: لا تضارر، فأدغمت (٥٣) والمعنى: (لا تُضارَّ والدة) فتأبى أن ترضع ولدها لتشق على أبيه، (ولا مولود له) أي: ولا يضارَّ الأب أمّ الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها، والضرار يرجع إلى الوالدين، يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد (٥٤) (٥٥) (٥٦) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (لا تضارُّ) برفع الراء على الخبر منسوقًا على قوله: (لا تكلف) وأتبع ما قَبْلَه ليكونَ أحسنَ في تشابه اللفظ.

فإن قلت: إن ذلك خبر، وهذا أمر؟

قيل: والأمر يجيء على لفظ الخبر، كقوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ ، وقد سبق نظائره (٥٧) وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ هذا منسوق على قوله: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ يعني: على وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه، مثل الذي كان على أبيه في حياته، وأراد بالوارث من كان من عصبته كائنًا من كان من الرجال (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقال بعضهم: هو وارث الصبي كائنًا من كان من الرجال والنساء، وهو قول قتادة (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) وعند أبي حنيفة: يجبر على نفقة الصبي مِن ورثته مَن كان محرمًا، ومن لم يكن محرما مثل ابن العم والمولى فليسوا ممن عناهم الله بقوله: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ عند أبي حنفية وأصحابه (٧١) وقال آخرون: أراد بالوارث، الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، عليه أجر (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) وقال كثير من أهل العلم: أراد بالوارث الباقي من الوالدين بعد الآخر، عليه مثل ما كان على الأب من أجر (٧٨) (٧٩) وقال الشعبي (٨٠) (٨١) (٨٢) ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ يعنى: ألا يضارَّ (٨٣) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا ﴾ يعنى: الوالدين ﴿ فِصَالًا ﴾ فطامًا، لانفصال المولود عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.

قال المبرد: يقال: فَصَلَ الولدُ عن أمِّه فِصَالًا وفَصْلًا، وقد قُرئ بهما (٨٤) (٨٥) ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ  ﴾ ، والفِصالُ أحسن؛ لأنه إذا انفصل من أمِّهِ فقد انْفَصَلَتْ منه أُمُّهُ، فبينهما فِصَالٌ، نحو: القِتال والضِّرَاب.

ويقال: فَصَلْتُه فَصْلًا وفِصَالًا كالكِتَاِب والضِّرَاب (٨٦) (٨٧) ﴿ عَنْ تَرَاضٍ ﴾ منهما، يعني: قبلَ الحولين، لأن بعد الحولين لا يجب على واحد منهما اتِّبَاعُ الآخر.

وقوله تعالى: ﴿ وَتَشَاوُرٍ ﴾ معنى التَّشَاوُر في اللغة: استخراج (٨٨) (٨٩) وشُرتُ العسلَ: استخرجته، وأنشد أبو زيد لحاتم: وليس على ناري حِجَابٌ أكفُّها ...

لمُسْتَقْبِسٍ لَيلًا ولكِنْ أَشيْرُها (٩٠) قال أبو حاتم والرياشي: أشيرُها: أرفعها.

وهذا يعود إلى ما ذكرنا، لأنه أراد أنه يوقدها في البراز والتِّلاع دون (٩١) وقال أبوزيد: شِرتُ الدابةَ، وشَوَّرْتُها أَجْرَيْتُها لاستخراج جَرْيها.

والشَّوَار: متاعُ البيت؛ لأنه يَظْهَر للناظِر، وقولهم: تَشَوَّرَ وشَوَّرْتُه، قيل: إن أصله أَنّ رجلًا بَدَتْ عورته وظهرت (٩٢) (٩٣) (٩٤) والشارة: هيئة الرجل؛ لأنه ما يظهر (٩٥) والإشارة: إخراجُ ما في نفسك وإظهاره للمخاطب بالنطق وبغيره (٩٦) والمعنى: أنهما إن تشاورا وتراضيا على الفطام قبل الحولين فلا بأس إذا كان الولد قويًا، وليس لهما ذلك مع ضعفه (٩٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾ أي: لأولادكم، وحذفت اللام اجتزاء بدلالة الاسترضاع؛ لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز: دعوت زيدًا، وأنت تريد لزيد؛ لأنه يلتبس هاهنا، بخلاف ما قلنا في الاسترضاع (٩٨) والمعنى: إن أردتم أن تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدة فلا إثم عليكم (٩٩) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ .

قال مجاهد (١٠٠) (١٠١) وقال سفيان (١٠٢) وقرأ ابن كثير: (ما أتيتم) بقصر الألف (١٠٣) وحجته: ما روي عن الزهري في هذه الآية، أنه قال: التسليم هاهنا بمعنى: الطاعة والانقياد (١٠٤) (١٠٥) وكذلك قال ابن عباس في رواية عطاء، قال (١٠٦) (١٠٧) ومعنى: أتيتم هاهنا فعلتم، يعني: إذا سلمتم ما أتيتموه من الإنفاق، كما تقول: أتيت جميلًا، أي: فعلته.

قال زهير: وما يَكُ من خَيْرٍ أتَوْه فإنمَّا ...

تَوَارَثَه آباءُ آبائِهِم قَبْلُ (١٠٨) يعني: فعلوه وقصدوه.

والباء في (بالمعروف) يجوز أن تتعلق بـ سلمتم، كأنه: إذا سلمتم بالمعروف، ويجوز أن تتعلق (١٠٩) (١١٠) ثم عطف على جميع (١١١) ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

(١) في (ش): (فالمطلقة).

(٢) ينظر "البحر المحيط" 2/ 212.

(٣) "التفسير الكبير" 6/ 116 - 117.

(٤) كذا قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 312، "تفسير الثعلبي" 2/ 1134 - 1135.

(٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1135، وينظر: "المفردات" 142 قال الراغب: والحول: السنة اعتبارا بانقلابها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها.

وينظر "اللسان" 2/ 1054، "تفسير الطبري" 2/ 490.

(٦) في (ي): (حولان) وهو خطأ.

(٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1135، "تفسير الطبري" 2/ 490، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 312، و"تفسير البغوي" 1/ 177، "البحر المحيط" 2/ 212.

(٨) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1136 - 1137.

(٩) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 491، وعزاه في "الدر" 1/ 515 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1137.

(١٠) رواه عنه الطبري 2/ 492.

(١١) ذكره الثعلبي 2/ 1137، وعنه البغوي 1/ 277، وروى ابن جريج عن عطاء نحوه == رواه الطبري 2/ 492، "ابن أبي حاتم" 2/ 429.

(١٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 464، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 290.

(١٣) رواه أبو داود 2059 كتاب: النكاح باب في رضاعة الكبير، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 463، والطبري في "تفسيره" 2/ 492.

(١٤) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 602، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 464، والطبري في "تفسيره" 2/ 492.

(١٥) رواه مالك في الموطأ 2/ 602، وعبد الرزاق في "المصنف" 7/ 465، والطبري 2/ 492.

(١٦) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 291، والطبري في "تفسيره" 2/ 492.

(١٧) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 463، وسعيد بن منصور 1/ 278، والطبري 2/ 492.

(١٨) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 465.

(١٩) ينظر: "السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 462، وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 303: وهو مذهب الشافعي وأحمد واسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية.

(٢٠) في (ي) و (ش) (يتقدر).

(٢١) تنظر المراجع السابقة.

(٢٢) ساقطة من (م).

(٢٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 491، والحاكم في "تفسيره" 2/ 308، وصححه، والبيهقي في "تفسيره" 7/ 462، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1136.

(٢٤) في (ي) (مدتهما).

(٢٥) تنظر المراجع في القول السابق.

(٢٦) في (ش) (أجرها).

(٢٧) كذا بنحوه في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 302، "تهذيب اللغة" 2/ 1419 مادة (رضع)، "المفردات" ص 202، "اللسان" 3/ 1660 مادة: رضع، وفيهما رضُع == الرجل يرضُعُ رضاعة، بمعنى اللؤم، وأصله: من رضع اللؤمَ من ثدي أمه، يريد أنه وُلد في اللؤم.

(٢٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1140.

(٢٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 493، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 429.

(٣٠) انظر المصدر السابق.

(٣١) في (ي) و (ش): (ومن).

(٣٢) ينظر في كسا: "تهذيب اللغة" 4/ 3139، "المفردات" ص 432 - 433، "اللسان" مادة: كسا 7/ 3879.

(٣٣) في (م): (قالوا لي معنى هذا).

(٣٤) في (ي): (على).

(٣٥) يرويه بنحوه الطبري في "تفسيره" 2/ 495 - 496 عن الضحاك بن مزاحم، والنص المذكور من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313.

(٣٦) كذا في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1142، "تفسير القرطبي" 3/ 163.

(٣٧) ساقطة من (م).

(٣٨) في (م): (وقيل).

(٣٩) في (ي) (أن بين).

(٤٠) في (م) (فلا يظهر)، وفي (أ) لعلها (فما يظهر).

(٤١) ينظر في كلف: "تهذيب اللغة" 4/ 3175، "المفردات" ص 441، "اللسان" مادة: (كلف) 7/ 3917.

قال الراغب: وتكلُّف الشيء ما يفعله الإنسان بإظهار كلَفٍ مع مشقة تناوله في تعاطيه، وصارت الكُلْفة في التعارف اسما للمشقة، والتكلُّف: اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع.

(٤٢) في (ي) (بمنزلة).

(٤٣) ينظر في وسع: "تهذيب اللغة" 4/ 3889، "تفسير الثعلبي" 2/ 1142، "المفردات" ص 538، "اللسان" 8/ 4835 مادة: وسع، "البحر المحيط" 2/ 214، وذكر الراغب أن السعة تقال في الأمكنة وفي الحال كقوله تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ  ﴾ == من سعته، والوُسع من القدرة ما يفضل عن قدر المكلف، قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  ﴾ ، تنبيها أنه يكلف عبده دُوَيْن ما ينوء به قدرته، وقيل: يكلفه ما يثمر له السعة، وهي الجنة.

(٤٤) كذا قرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: (لا تضارَّ)، وقرأ الباقون من السبعة: (تضارُّ).

ينظر: "السبعة لابن مجاهد" ص 183، و"النشر" 1/ 227.

(٤٥) في (ي): (زيد).

(٤٦) كذا نقله من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313.

(٤٧) في (م): (وأصابك وألفها).

(٤٨) في (ش) (أمه).

(٤٩) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 150، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، "تفسير الثعلبي" 2/ 1146، "البحر المحيط" 2/ 215.

(٥٠) في (ي): (فكلف)، في (ش): (فيكلف).

(٥١) في (ش): (إذ).

(٥٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1146 - 1147.

(٥٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1147، "البحر المحيط" 2/ 215.

(٥٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1147، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، "تفسير القرطبي" 3/ 167.

(٥٥) من قوله: أي لا يضار ..

ساقط من (ي).

(٥٦) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1148، وأورده أيضًا البغوي في "تفسيره" 1/ 278، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 496، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 313، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 430 - 432.

(٥٧) نقله من "الحجة" لأبي علي 2/ 333 بمعناه.

(٥٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1148، والبغوي في "تفسيره" 1/ 278.

(٥٩) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 59، وسعيد بن منصور 2/ 144، والطبري في "تفسيره" 2/ 500، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 432.

(٦٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 501، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433.

(٦١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 247، وأبو عبيد في "الأموال" ص 305، والطبري في "تفسيره" 2/ 500.

(٦٢) تفسير مجاهد 1/ 109، وأخرجه الطبري 2/ 501، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433.

(٦٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 501، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433.

(٦٤) روى عنه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 61 ما يوافق القول الثاني، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 433.

(٦٥) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 61، والطبري في "تفسيره" 2/ 501.

(٦٦) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1150، والمروزي في "اختلاف العلماء" ص 156، والحسن بن صالح اسمه: حيان الثوري الهمداني، ثقة فقيه عابد، رمي بالتشيع توفي سنة 169.

ينظر "حلية الأولياء" 7/ 327، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 361.

(٦٧) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1150، والمروزي في " اختلاف العلماء" 156.

(٦٨) "المغني" 11/ 381، و"زاد المعاد" 5/ 548.

(٦٩) "اختلاف العلماء" للمروزي ص 156، "تفسير الثعلبي" 2/ 1151.

(٧٠) قوله كائناً من كان ..

ساقط من (ش).

(٧١) ينظر "مختصر الطحاوي" ص 224، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 407.

(٧٢) في (ي): (المتوفى آخر).

(٧٣) في (ش): (رضاعة).

(٧٤) في (ي) و (ش): (فإن لم).

(٧٥) في (م) و (ي): (أجبر).

(٧٦) ينظر "اختلاف العلماء" للمروزي ص 156، و"الإيضاح" لمكي ص 180.

(٧٧) ينظر: "الأم" 5/ 97، و"أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 271.

(٧٨) في (ي): (آخر).

(٧٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 502، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 433، "تفسير الثعلبي" 2/ 1152، "والنكت والعيون" 1/ 300، و"تفسير البغوي" 1/ 278.

(٨٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 504، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 433، وروى عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 244 أن المراد بقوله: (مثل ذلك)، رضاع الصبي.

(٨١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 504.

(٨٢) "معاني القرآن" 1/ 313.

(٨٣) ذكره إيضًا البغوي 1/ 278.

(٨٤) في (ش): (بها)، وفي (ي): (منها).

(٨٥) قرأ يعقوب من العشرة بفتح الفاء وإسكان الصاد (وفصْله) وكذا روي عن الحسن، وقرأ الباقون بكسر الفاء وفتح الصاد وألف بعدها (وفِصاله).

ينظر "النشر" 2/ 373، و"البدور الزاهرة" ص 63، و"القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب" للقاضي ص 81.

(٨٦) زيادة من (م).

(٨٧) ما ينظر في فصل: "تهذيب اللغة" 3/ 2795، "المفردات" ص 382 - 383،"لسان العرب" 6/ 2423.

(٨٨) في (ش): استخراج المشورة، وعند الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1153: استخراج الرأي.

(٨٩) ساقطة من (ش).

(٩٠) البيت في ديوانه ص 232.

(٩١) ساقطة من (ي).

(٩٢) في (م): (فظهرت)، وفي (ش) ساقطة.

(٩٣) في (ي): (شور).

(٩٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 11/ 405.

(٩٥) في (ش): (لأنه يظهر).

(٩٦) ينظر في شور: "تهذيب اللغة" 2/ 1803، "المفردات" ص 273، "اللسان" 4/ 2356.

قال الراغب: والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، في قولهم: شِرت العسل، إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه.

(٩٧) بنحو معناه ذكر البغوي في "تفسيره" 1/ 279، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 313.

(٩٨) ينظر: "التبيان" ص 139، "البحر المحيط" 2/ 218، في تفصيل الاسترضاع وتعديه بحرف أو دون حرف.

(٩٩) كذا في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 314، وينظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 317، "تفسير الثعلبي" 2/ 1153.

(١٠٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 509، "ابن أبي حاتم" 2/ 237.

(١٠١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 509، "ابن أبي حاتم" 2/ 435.

(١٠٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 509.

(١٠٣) ينظر: "السبعة لابن مجاهد" 183.

(١٠٤) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 435، وينظر "تفسير البغوي" 1/ 279.

(١٠٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1154، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 279 على أنه قول آخر غير التسليم الذي بمعنى الطاعة والانقياد.

(١٠٦) ساقطة من (ي).

(١٠٧) فقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة من المقدمة.

(١٠٨) ورد البيت هكذا: وما يك من خير أتوه فإنما ...

توارثهم آباء آبائهم قبل والبيت في ديوانه ص 58.

"البحر المحيط" 2/ 218.

(١٠٩) في (ش): (يتعلق).

(١١٠) من قوله: ومعنى أتيتم، ...

من كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 336 == بنحوه، وينظر "البحر المحيط" 2/ 218.

(١١١) في (ش) (جمع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن ﴾ خبر بمعنى الأمر، وتقتضي الآية حكمين: الحكم الأول: مات وليس للولد مال: لزمها رضاعه في المشهور، وقيل: أجرة رضاعه على بيت المال، وإن مات وليس للولد مال: لزمها رضاعة في المشهور، وقيل: أجرة رضاعه على بيت المال، وإن كانت مطلقة طلاقاً بائناً: لم يلزمها رضاعه، لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 6] إلا أن تشاء هي فهي أحق به بأجرة المثل، فإن لم يقبل الطفل غيرها وجب عليها إرضاعه، وقال أبو ثور: يلزمها على الإطلاق لظاهر الآية وحملها على الوجوب، الحكم الثاني: مدة الرضاع، وقد ذكرها في قوله: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ وإنما وصفهما بكاملين؛ لأنه يجوز أن يقال في حول وبعض آخر: حولين، فرفع ذلك الاحتمال، وأباح الفطام قبل تمام الحولين بقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ واشترط أن يكون الفطام عن تراضي الأبوين بقوله: ﴿ فِصَالاً ﴾ الآية، فإن لم يكن على الولد ضرر في الفطام فلا جناح عليهما، ومن دعا منهما إلى تمام الحولين: فذلك له، وأما بعد الحولين فمن دعا منهما إلى الفطام فذلك له، وقال ابن العباس: إنما يرضع حولين من مكث في البطن ستة أشهر، فمن مكث بسعة فرضاعة ثلاثة وعشرون شهراً، وإن مكث تسعة فرضاعه إحدى وعشرون، لقوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وفصاله ثلاثون شَهْراً ﴾ [الأحقاف: 15] ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ في هذه النفقة والكسوة: قولان: أحدهما: أنها أجرة رضاع الولد، أوجبها الله للأم على الوالد، وهو قول الزمخشري وابن العربي، الثاني: أنها نفقة الزوجات على الإطلاق، وقال منذر بن سعيد البلوطي: هذه الآية نص في وجوب نفقة الرجل على زوجته، وعلى هذا حملها ابن الفرس ﴿ بالمعروف ﴾ أي: على قدر حال الزوج في ماله، والزوجة في منصبها، وقد بين ذلك بقوله: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [الأنعام: 152] ﴿ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ قرئ بفتح الراء التقاء الساكنين على النهي، وبرفعهما على الخبر، ومعناها النهي، ويحتمل على كل واحد من الوجهين أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل، فيكون ما قبل الآخر مكسوراً قبل الإدغام، أو يكون مسنداً إلى المفعول، فيكون مفتوحاً، والمعنى على الوجهين: النهي عن إضرار أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد، ويدخل في عموم النهي: وجوه الضرر كلها والباء في قوله بولدها وبولده: سببية، والمراد بقوله: ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ ﴾ الولد، وإنما ذكره بهذا اللفظ إعلاماً بأنّ الولد ينسب له لا للأم ﴿ وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك ﴾ اختلف في الوارث فقيل: وارث المولود له، وقيل: وارث الصبي لو مات، وقيل: هو الصبي نفسه، وقيل: من بقي من أبويه، واختلف في المراد بقوله: ﴿ مِثْلُ ذلك ﴾ فقال مالك وأصحابه: عدم المضارة، وذلك يجري مع كل قول في الوارث لأن ترك الضرر واجب على كل أحد وقيل المراد أجرة الرضاع في النفقة والكسوة ويختلف هذا القول بحسب الاختلاف في الوارث، فأما على القول بأن الوارث هو الصبي فلا إشكال؛ لأن أجرة رضاعه في ماله، وأما على سائر الأقوال، فقيل: إن الآية منسوخة فلا تجب أجرة الرضاع على أحد غير الوالد، وقيل: إنها محكمة فتجب أجرة الرضاع على وارث الصبي لو مات، أو على وارث الوالد، وهو قول قتادة والحسن البصري ﴿ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا ﴾ إباحة لاتخاذ الغير ﴿ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بالمعروف ﴾ أي دفعتم أجرة الرضاع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تضار ﴾ بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.

الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله ﴿ ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد  ﴾ بالفتح ﴿ ما أتيتم ﴾ مقصوراً: ابن كثير.

الباقون بالمد ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء وما بعده: المفضل.

الباقون بضم الياء ﴿ النساء أو ﴾ بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ النساء ﴾ وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ النساء أو ﴾ .

﴿ تماسوهن ﴾ حيث وقعت: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ تمسوهن ﴾ ﴿ قدره ﴾ بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالإسكان.

الوقوف: ﴿ الرضاعة ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ وسعها ﴾ ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى ﴿ مثل ذلك ﴾ ج ﴿ عليهما ﴾ ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ هـ ﴿ وعشراً ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ هـ ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ط ﴿ أجله ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ فاحذروه ﴾ ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا كررت كلمة "واعلموا" تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق ﴿ حليم ﴾ هـ ﴿ فريضة ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ ومتعوهن ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة الثانية لتقدير المأمور في الأولى ﴿ قدره ﴾ الثاني ج لأن "متاعاً" مصدر "متعوهن" والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين ﴿ بالمعروف ﴾ ج لأن "حقاً" يصلح نعتاً للمتاع أي متاعاً حقاً، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقاً.

﴿ المحسنين ﴾ ط ﴿ النكاح ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ هـ ﴿ بصير ﴾ هـ.

التفسير: الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات.

قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ظاهر اللفظ مشعر بالعموم.

وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق.

وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب الله  الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم.

وأيضاً إنه  قال في الآية: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي.

وقال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهماً يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله  ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن  ﴾ ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة.

وإنما كان ندباً من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق.

وقد يفضي الأمر إلى الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار.

﴿ حولين ﴾ أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب.

فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، و ﴿ كاملين ﴾ توكيد كقوله ﴿ تلك عشرة كاملة  ﴾ فقد يقال: أقمت عند فلان حولين.

وإنما أقام حولاً وبعض الآخر.

وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب لقوله  بعد ذلك ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه.

ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك.

أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام الحولين فلهما ذلك.

وأيضاً فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو قوله  "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري.

وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً.

وقرئ ﴿ أن يتم الرضاعة ﴾ برفع الفعل تشبيهاً لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن كلمة "ما" ستارة تقع مصدرية فلا تنصب.

وقرئ ﴿ الرضاعة ﴾ بكسر الراء.

﴿ وعلى المولود له ﴾ وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم.

وإنما قيل: ﴿ المولود له ﴾ دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات.

وفيه تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه ما قال  : "الولد للفراش" وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: كله لك فكله عليك.

فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله ﴿ واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً  ﴾ ﴿ بالمعروف ﴾ تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضار.

وأيضاً المعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد.

وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة.

والتكليف: الإلزام.

قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه.

فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره.

وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره.

والوسع ما يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة.

من قرأ ﴿ لا تضار ﴾ بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها.

ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحاً، ويحتمل البناءين أيضاً.

وتبيين ذلك أنه قرئ ﴿ لا تضارر ﴾ و ﴿ لا تضارر ﴾ بالجزم وكسر الراء الأولى وفتحها.

ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الزرق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً ونحو ذلك ﴿ ولا يضار مولودٌ له ﴾ امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع.

وهكذا إذا كان مبنياً للمفعول كان نهياً عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر بالزوج من قبلها بسبب الولد.

ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرّط فيما ينبغي له ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد.

وإنما قيل: ﴿ بولدها ﴾ و ﴿ بولده ﴾ لأن المرأة لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد.

قوله  ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى كل واحد من هؤلاء.

فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله ﴿ وعلى الوارث ﴾ عطف على قوله ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف.

فالمعنى وعلى وارث المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار.

وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي.

ثم اختلفوا في أنه أيّ وارث هو؟

فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم.

وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة وابن أبي ليلى.

وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه.

وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا الولاد أي الأب والابن.

وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه.

وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما في الدعاء المروي "واجعله الوارث منا" أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ أي فطاماً وليس من باب المفاعلة وإنما هو ثلاثي على "فعال" كالعثار والإباق.

وذلك أن الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.

وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادراً ﴿ عن تراضٍ منهما وتشاور ﴾ مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ في ذلك زادا على الحولين لضعف في تركيب الصبي، أو نقصاً.

وهذه أيضاً توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل إعطاء الأجرة على الإرضاع فيطلب الفطام دفعاً لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذٍ يبعد موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل رفع الحرج فقط.

ولما بيّن حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بيّن أنه يجوز العدول في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا ﴾ أي المراضع أولادكم ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة السين مفعولاً ثانياً كما تقول: أنجا لحاجة واستنجته إياها.

فحذف أحد المفعولين للعلم به.

وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام للعلم به مثل ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.

ومن موانع الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوجٍ آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الإرضاع.

ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج آخر.

ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق.

ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها.

فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم.

﴿ إذا سلمتم ﴾ إلى المراضع ﴿ ما آتيتم ﴾ ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ قرأ ﴿ ما أتيتم ﴾ بالقصر فهو من أتى إليه إحساناً إذا فعله كقوله  ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ أي مفعولاً.

وروى شيبّان عن عاصم ﴿ ما أوتيتم ﴾ أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وليس التسليم شرطاً للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى.

وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يداً بيد حتى يكون أهنأ وأطيب لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذٍ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعاً لمعاذيرهن.

ثم أكد الجميع بأن ختم الآية بنوع من التحذير فقال: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ﴾ .

الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة ﴿ والذين يتوفون ﴾ ومعناه يموتون ويقبضون قال: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ وأصل التوفي أخذ الشيء كاملاً وافياً.

ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه وعليه قراءة علي رضي الله عنه ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء.

والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي - بكسر الفاء -؟

فقال: الله.

وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ  على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو.

فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم يكن بليغاً وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على متعارف الأوساط ﴿ ويذرون ﴾ يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما بتصاريف ترك.

والأزواج ههنا النساء ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ﴾ مثل قوله ﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  ﴾ وقد مر.

﴿ وعشراً ﴾ أي يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.

وإنما قيل: ﴿ عشراً ﴾ ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها.

قال في الكشاف: ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.

وقيل في سبب التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني.

وأيضاً هذه الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد عشر مدد كل منها يوم بليلته.

وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية أنه  إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة.

قلت: ولعل هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك.

وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء.

وعن الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكاً بظاهر عموم الآية، وقياساً على وضع الحمل وإلا إذا كانت المرأة حاملاً فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة لقوله  ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ﴾ .

ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها النبي  : "حللت فانكحي من شئت" .

وعن علي  أنها تتربص أبعد الأجلين.

ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها والمدخول بها وغيرها.

وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول.

ورد بعموم الآية، ولهذا أيضاً لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادتها أو لا تراه خلافاً لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها.

فإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده وتحسب أربعة أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس.

واختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟

فعن بعضهم - ويوافقه جديد قول الشافعي - أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما روي أن النبي  قال: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه" وأيضاً فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين.

وقال الأكثرون: السبب هو الموت.

فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه المدة.

ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه.

ولا منع منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول الحمام وإزالة الأوساخ.

والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنّها تعصي لما روي أن رسول الله  قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" وعن الحسن والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه لكنه  قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل" والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر.

وقد يحتج بقوله ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص الخطاب في ﴿ منكم ﴾ بالمؤمنين.

والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العاملون بذلك كقوله  ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ مع أنه منذر للكل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً  ﴾ ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ إذا انقضت عدتهن ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول.

وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلاً وشرعاً.

وقد يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل ههنا على التزويج فيستدلونه به على جواز النكاح بلا ولي.

بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند إلى المسبب مثل "بنى الأمير داراً" وقد تقدم في قوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن  ﴾ ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: ﴿ والله بما يعملون خبير ﴾ .

الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله  ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم.

ومنه قول الشاعر: وحسبك بالتسليم مني تقاضياً *** وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ولهذا قيل: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وهو قسم من أقسام الكناية.

والخطبة أصلها من الخطب وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمراً وشأناً في نفسها.

وكذا في الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأناً.

ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل قوله  "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافاً لمالك.

وثانيها: ما لا يجوز خطبتها تعريضاً ولا تصريحاً وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت راغباً فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان.

وثالثها: ما يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ.

وسبب ا لتحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة الزوج.

وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب.

قال الشافعي: والتعريض كثير كقوله "رب راغب فيك" أو "من يجد مثلك" أو "لست بأيم" و "إذا حللت فأعلميني".

وعد آخرون من ألفاظ التعريض أو يقول لها: "إنك لجميلة" أو "صالحة" و "من غرضي أن أتزوج" و "عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة" ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه.

والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك.

وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله  وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام.

فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟

فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من نبي الله.

قد دخل رسول الله  على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده.

فما كانت تلك خطبة ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرحين.

أباح التعريض في الحال أولاً ثم أباح أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض فقال: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبئ عن ذلك فأسقط الله  عنه الحرج.

ثم قال: ﴿ ولكن ﴾ أي فاذكروهن ولكن ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه مما يسر.

ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.

والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكداً لذلك التعريض.

فالمواعدة المنهي عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعاً من التصريح، وإما المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة.

وعن ابن عباس أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك.

عن الحسن أو يكون ذلك نهياً عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهياً أن يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه.

ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سراً إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وهو التعريض.

وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه.

والعزم عقد القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى.

وقيل: معنى العزم القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه قوله  "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" وروي "لم يبيت الصيام" وقيل: لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا.

وأصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقوداً تشبيهاً بالحبل الموثق بالعقد ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته.

وباقي الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم.

الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز من قائل ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور.

فإن كان مذكوراً فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية التالية، وإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياساً على الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح.

وقد يستنبط حكمها من قوله  ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن  ﴾ ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها وللمفروض لها غير الممسوسة.

وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال القرآن على أحكام جميع الأقسام.

فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.

قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، أو لعل "ما" بمعنى "التي" لا للمدة.

والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.

ولا يلزم منه وجود الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة إذا مالت بثقلها.

ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدوداً إلى غاية هي إما المسيس أو الفرض.

والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر.

وأيضاً إن تطليق النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده.

وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في القسم الأول مقابل المثبت في الثاني.

واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم.

والفرض في اللغة التقدير أي تقدروا مقدراً من المهر.

ومعنى "أو" ههنا أن رفع الجناح منوط بعدم المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا الحكم.

وقيل: إنها بمعنى الواو.

وقيل: بمعنى "إلا أن" وقيل: بمعنى "حتى" والكل تعسف.

ثم إنه  لما بيّن أنها لا مهر لها قبل المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: ﴿ ومتعوهن ﴾ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة نظراً إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهراً وهو قول شريح والشعبي والزهري.

وعن مالك: ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه  قال في آخر الآية: ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ فجعلها من باب الإحسان.

ورد بأن لفظ "على" منبئ عن الوجوب.

وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً منقضياً ولهذا قيل: الدنيا متاع.

ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة.

﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ أوسع الرجل إذا كان في سعة من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده.

وقدره أي قدراً مكانه وطاقته فحذف المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به.

والقدر والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله  للزوجات وبيّن أن الموسع يخالف المقتر.

قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة.

وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى العادة.

وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها.

ثم لما لم يجب زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى.

﴿ متاعاً ﴾ تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسناً فهذا شأنه وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله  .

الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله  ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ الآية.

واعلم أن مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر.

وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي.

فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً.

والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق فرضاً كان أو نفلاً.

وقوله ﴿ وقد فرضتم ﴾ في موضع الحال.

ومعنى قوله ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت ﴿ لا أن يعفون ﴾ أي المطلقات على أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً؟

والفرق بين قولك "النساء يعفون" وبين "الرجال يعفون" هو أن الواو في الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة الذكور واللام محذوف ووزنه "يعفون" والنون علامة الرفع، فقوله ﴿ أو يعفو ﴾ عطف على محل ﴿ أن يعفون ﴾ والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن الحسن ومجاهد وعلقمة.

وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب.

وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة.

وأيضاً الذي بيد الولي هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.

حجة الأولين أن الصادر عن الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفواً اللهم إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.

أو يقال: سماه عفواً على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل.

فعفو الرجل هو أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.

حجة أخرى لو كان المراد به الزوج وقد قال أولاً: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ناسب أن يقال: ﴿ إلا أن يعفون ﴾ أو تعفو على سبيل الخطاب أيضاً، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على المعنى الذي لأجله يرغب في العفو.

والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.

ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن النكاح لا ينعقد بدون الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم ﴿ بيده ﴾ على ﴿ عقدة النكاح ﴾ فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ قيل: اللام بمعنى "إلى" والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى.

والخطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفواً لبعض عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقرباً إلى ربه فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى العقاب واحترز عنه ﴿ ولا تنسوا الفضل ﴾ لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، وليس نهياً عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك.

وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه.

وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله  كلاً منهما إلى تطييب قلب الآخر ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف.

عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها.

فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كملاً فقيل له: لم تزوجتها؟

فقال: عرضها علي فكرهت رده.

قيل: فلم بعثت بالصداق؟

قال: فأين الفضل؟

ثم إنه  ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ﴾ ، هن المطلقات، يرضعن أولادهن، وهو كقوله  : ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ، ذكر هاهنا الأجر، وذكر هناك الرزق والكسوة، وهما واحد.

وقال آخرون: لا، ولكن قوله: ﴿ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ﴾ هن المنكوحات، وقوله: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ هن المطلقات.

دليل ذلك: ذكر الأجر في أحدهما، والرزق والكسوة في الأخرى، على أن المنكوحة إذا استؤجرت على رضاع ولدها منه لم يستوجب الأجر، ويستوجب قبل الزوج الرزق والكسوة؛ فدل هذا على أن ذكر الأجر في المطلقات، وذكر الرزق والكسوة في المنكوحات.

فإن قيل: ما فائدة ذكر الرزق والكسوة في المنكوحة في الرضاع، وقد يستوجب ذلك في غير الرضاع؟

قيل: فائدة ذكر الرزق والكسوة فيه - والله أعلم - لأنها تحتاج إلى فضل طعام وفضل كسوة لمكان الرضاع؛ ألا ترى أن لها أن تفطر لذلك؟!

فثبت أن لها فضل حاجة في حال الرضاع ما لا يقع لها تلك الحاجة في غير حال الرضاع؛ فخرج ذكر الرزق والكسوة فيه - والله أعلم - ذكر تلك الزيادة والفضل، والله أعلم.

وفي القرآن دليل أن مؤنة الرضاع على الأب من أوجه: أحدها: قوله  : ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ  ﴾ .

والثاني: قوله عز وجل: ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

والثالث: قوله  : ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ﴾ .

فثبت أنه حق على الوالد إلى أن ذكر فيه إيتاء الأجر.

وفيه دلالة على أن شرط الطعام والكسوة للظئر يجوز بقوله  : ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ ، غير أن الكسوة لا تجوز إلا بإعلام الجنس، والطعام يجوز؛ لأن الظئرة تكسي كسوة الأهل وتطعم طعامهم.

فلا بد في الكسوة من إعلام جنسه، إذ لا يجوز أن تكون كسوة واحدة لها وللأهل، ويجوز في الطعام ذلك؛ لأن الكسوة ليست بذي غاية تعرف، فاحتيج إلى ذكر الجنس ليقع في حد قرب المعرفة والعلم، وأما الطعام فهو ذو غاية عند الناس غير متفاوت ولا متفاضل عندهم؛ لذلك جاز هذا، ولم يجز الآخر إلا أن يعلم الجنس، فإذا علم الجنس فحينئذ يصير عندهم كالطعام.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  - فدل على جوازه قوله  : ﴿ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ ﴾ ، أي - والله أعلم - مثل ما على المولود له، ويكون ذلك بعد موته؛ لذلك يجوز شرط الكسوة والطعام في الرضاع.

وقوله: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ﴾ ، ليس فيه جعل الحولين شرطا في الرضاع لوجوه: أحدها: قوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ﴾ ، فلو لم يحتمل الزيادة والنقصان لم يكن لقوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ ﴾ معنى.

والثاني: الإرادة والقدرة ربما تذكر على غير إرادة وقدرة في الحقيقة، ولكن على إرادة حقيقة الفعل.

دليله قوله  : "من أراد الحج فليفعل كذا، ومن استطاع أن يفعل كذا فليفعل" ، ليس ذلك على حقيقة القدرة والإرادة، ولكن هذا - والله أعلم - على معنى: "من فعل كذا فليفعل كذا"؛ فكذلك الأول ليس على حقيقة الإرادة، ولكن تذكر ذلك لما لم يكن الفعل إلا بقدرة وإرادة.

والله أعلم.

والثالث: لا يخلو "الحولين" من أن يقدر بالأهلة فقد ينتقص عن سنتين، أو أن يقدر بالأيام فقد يزداد على المعروف من الوقت؛ فثبت أنه بحيث الاحتمال لما ذكرنا؛ إذ يحتمل ﴿ لِمَنْ أَرَادَ ﴾ أن يزيد حتى يتم؛ أو ﴿ لِمَنْ أَرَادَ ﴾ أن يقتصر على التمام، على أن الآية ليست في حق الحرمة، لكنها في حق الفعل؛ إذ قد يجب الحرمة لا بحولين.

وروي عن ابن عباس، رضي الله  عنهما، في تأويل قوله: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ  ﴾ ، قال: إن كان الحمل ستة أشهر، ففصاله في عامين، وإن كان الحمل تسعة أشهر، فيقدر الباقي؛ فدل هذا على أن (الحولين) ليسا بشرط في الفطام، ولا وقت له، لا يجوز الزيادة عليه ولا النقصان.

والله أعلم.

وقد ذكرنا أن قوله: ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، يحتمل وجهين: قيل: إنه في المطلقة، وقيل: إنه في المنكوحة.

وقد دللنا على أنه في المنكوحة.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .

قال قوم: قوله: ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، إلا ما يسع ويحل.

لكن هذا لو كان على ما ذكر لكان بالأمر يحل ويسع، فكان كأنه قال: لا نكلف إلا ما نكلف.

وذلك لا يكون.

وقال قوم: ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، يعني: طاقتها وقدرتها.

وهذا أشبه، ومعناه: لا يكلف الزوج بالإنفاق عليهما والكسوة إلا ما يحتمل ملكه وإن كانت حاجاتها تفضل عما يحتمله ملكه، لم يفرض عليه إلا ما احتمله ملكه - والله أعلم - كقوله: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا  ﴾ .

ثم اختلف في تحريم الرضاع في حال الكبير: قال قوم: يحرم.

ورووا في ذلك أحاديث.

وقال أصحابنا - رحمه الله  -: لا يحرم.

وذهبوا في ذلك إلى الآثار رويت عن رسول الله  ، أنه  سئل عن الرضاع، فقال: "ما أنبت اللحم وأنشز العظم" .

وفي بعضها عنه: "لا رضاع بعد حلم، ولا رضاع بعد فصال" .

وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس، رضي الله  عنهم، أنهما قالا: لا رضاع بعد الحولين.

وعن علي وابن مسعود، رضي الله  عنهما، أنهما قالا: لا رضاع بعد الفطام أو الفصال، الشك منا.

وروي عن رسول الله  فى بعض الأخبار: "أنه دخل على عائشة، رضي الله  عنها، فرأى معها رجلاً، فرأت عائشة، رضي الله  عنها، الكراهة في وجهه، فقالت: إنه أخي من الرضاعة أو عمي، فقال لها رسول الله  : انظرن من أخوانكن، ما الرضاعة؟

إنما الرضاعة من المجاعة" وروي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله  عنه -: أن رجلاً قال له: إن امرأتي أرضعتني، أتحرم علي؟

فقال: نعم.

فبلغ ذلك ابن مسعود، رضي الله  عنه، فأتاه، فقال له: أأنت تفتي بكذا؟

فقال: نعم، فقال: كذبت، أو كلام نحو هذا؛ إنما الرضاعة من المجاعة.

إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا، رحمهم الله  ، في نفي تحريم الرضاع بعد الفطام وبعد الكبر.

وأصله: أن ينظر: فإن كان غذاؤه باللبن أو أغلب غذائه فهو يحرم، وإذا كان بالطعام أو غالب غذائبه [به] فهو لا يحرم.

وأصله: ما ذكر في الخبر: "ما أنبت اللحم وأنشز العظم، فهو يحرم" ، فإذا كان غذاؤه بالطعام سوى اللبن، فالطعام هو الذي ينبت اللحم وينشز العظم، فلم يحرم.

ثم الأصل: بأن كل مذكور على الكمال والتمام لا يمتنع عن احتمال الزيادة والنقصان.

دليله قوله  : "من أدرك عرفة بليل وصلى معنا بجمع فقد تم حجه" ، وقوله  : "إذا فعلت هذا فقد تمت حجتك" ، وقوله: "إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" .

وصفهما بالتمام والحرمة باقية.

ثم قدر أبو حنيفة - رضي الله  عنه -، الزيادة بستة أشهر، ذهب في ذلك إلى أن الفطام ربما يعترض ويعتري في حال - وهو حال الحر والبرد - ما لو منع الرضاع منه لأورث هلاك الصبي وتلفه، لما لم يعود بغيره من الطعام، ففيه خوف هلاكه، فإذا كان فيه خوف هلاكه، لما ذكرنا، استحسن أبو حنيفة، رضي الله  عنه، إبقاءها بعد الحولين لستة أشهر، إذ على هذين الحالين تدور السنة.

والله أعلم.

وقال زفر: بزيادة سنة، ذهب في ذلك إلى أنه لما جاز أن يزاد بالاجتهاد على حولين بستة أشهر، جاز أن يزاد بالاجتهاد على الحولين بسنة.

قال الشيخ - رحمه الله  -: وعلى ما زيد على المذكور من الحبل مثل أقل وقت الرضاع، يزاد على المذكور من الرضاع مثل أقل الحبل، أو لما احتمل الأقل الانتقال إلى الوسط يحتمل الوسط الانتقال إلى الأكثر، وذلك في قوله: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ ، يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ ، في ترك الإنفاق عليهما.

ويحتمل: ﴿ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ في انتزاع الولد منها، وهي تريد إمساكه.

وقوله  : ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾ ، كذلك يحتمل وجهين: [ويحتمل: لا يضار الوالد بولده في ردها الولد عليه ورميه إليه بعد ما] ألف الولد الأم.

ويحتمل: لا يضار الوالد في تحميل فضل النفقة عليه وملكه لا يحتمل ذلك، بل إنما يحمل عليه ما احتمله ملكه.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾ ، دليل أنه إنما يسمي (الوالد) على المجاز، ليس على التحقيق؛ لأنه لم يلد هو، إنما ولد له؛ فثبت أن الرجل يستحق اسم الفعل بفعل غيره، وكل معمول له يستحق اسم الفاعل وإن لم يعمل هو، نحو ما سمى (والداً)، وإن لم يلد هو، وإنما ولد له.

ففيه دلالة أن من حلف: (لا يعتق)، و(لا يطلق) فأمر غيره، ففعل، حنث وجعل كأنه هو الفاعل.

والله أعلم.

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ ﴾ .

قال بعضهم: هو معطوف على قوله: ﴿ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ معناه: ألا يضار الوارث أيضاً باليتيم.

وقال آخرون: هو معطوف على الكل: على النفقة، والكسوة، والمضارة.

وقال غيرهم: هو راجع إلى النفقة والكسوة دون المضارة.

وهو قولنا؛ لوجهين: أحدهما: أن نسق الكلام إنما هو على قوله: ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، فنسقه على حرف (على) أولى من نسقه على حرف (لا)، [ليصح، إذ] لو حمل على قوله: ﴿ لاَ تُضَآرَّ ﴾ لكان ما يوازيه من الكلام، إنما هو: الوارث مثل ذلك.

والثاني: أنه لو حمل على إضرار من الوارث بالولد في الميراث لقال: وعلى المورث بحق الميراث، فلا ضرر يقع فيه، بل يقع الإنفاق؛ فثبت أن حمله عليه أحق.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ ﴾ : قال بعضهم: أراد (بالوارث) الوالد، والأم، والجد، ولا يدخل ذو الرحم المحرم فيه.

ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال ذلك.

وأما أصحابنا، رحمهم الله  ، ذهبوا إلى ما روي عن عمر، رضي الله  عنه، أنه أوجب النفقة على العم، وقال: لو لم يبق من العشيرة إلا واحد لأوجبْتُ عليه النفقة.

وروي أيضاً عن زيد بن ثابت، رضي الله  عنه أنه قال في قوله  : ﴿ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ ﴾ : النفقة على كل ذي الرحم والمحرم على قدر مواريثهم.

فاتبعنا الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، في ذلك، وفي الكتاب دليل وجوب النفقة على المحارم، قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً  ﴾ ، فإنما يأكل بحق، لا بالرضاء.

ألا ترى أنه يأكل من بيت الأجنبي إذا بذل ورضي، فلو لم يكن أكله من بيت هؤلاء بحق لم يكن للتخصيص فائدة.

فإن عورض (بالصديق)، أنه لا يفرض عليه [قيل: لما أنه لو فرض عليه] لا نقطعت الصداقة بينهما.

ثم لقائل أن يقول: كيف لا أوجبت النفقة على كل وارث على ظاهر الآية؟

قيل: الآية مخصوصة بالإنفاق؛ لأن المرأة وارثة، ولا تفرض عليها نفقة الزوج؛ دل أنه أراد وارثا دون وارث، وهو الوارث من الرحم المحرم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ .

قيل: فإن أراد الأبوان فصال الصبي وفطامه بدون الحولين ليس لهما إلا بتراضيهما جميعاً واتفاقهما على ذلك، وأما بعد تمام الحولين فإنه إذا أراد أحدهما [الفصال دون الآخر يفصل وأصله واحد بأن الفصال بعد الحولين فصال على التمام والكمال فجاز أن يفصل مَا أراد أحدهما].

وأما الفصال قبل الحولين فصال عن غير تمام ذكره الكتاب، فلا يفصل إلا باجتماعهما واتفاقهما على ذلك.

وأما ما بعد الحولين هو على تمام النص، فجاز ذلك لرأي واحد منهما، وما قبله لا يجوز إلا لرأيهما جميعاً.

وأصله: أنه بالحولين قد ظهر التمام والكفاية، ثم بالنص، وما دونه يعلم بالاجتهاد، وعند التنازع يزول موضع بيان الصواب فيرد إلى الحد المذكور، مع ما في القرآن للتمام ذكر إرادة الفرد، وللفصل التشاور.

والله أعلم.

ثم إن الزوجين يحكمان عن أنفسهما برضاع ولدهما لذلك يحتج إلى نظير غيرهما، ولا إلى رأي آخر، لما لا يجوز أن يعدم شفقتهما جميعاً عن ولدهما.

وأما إذا كان الحكم لغيرهما أو على غيرهما فلا بد من أن يحكم غيره، دليله: قوله  : ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ  ﴾ ، فهذا الحكم على غيرهما؛ ولذلك احتيج إلى غيرهما؛ وذلك الزوجان يحكمان على أنفسهما وينظران لولدهما؛ لذلك افترقا.

والله أعلم.

و(الجناح) و(الحرج) واحد: وهو الضيق، ومعناه: أي لا ضيق ولا تبعة عليهما، ولا إثم إذا أرادا فطامه بدون الحولين.

وقوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

فيه دلالة جواز الرضاع بعد الحولين وحرمته؛ لأنه ذكر في قوله: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً ﴾ بتراضيهما بدون الحولين.

[ثم قوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ ﴾ يصير استرضاعا بعد الحولين] إذ ذكر الرضاع في الحولين بقوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ﴾ ، وذكر الفصال بدون الحولين بقوله: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ﴾ فحصل قوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ ﴾ بعد الحولين.

وهذا يدل لقول أبي حنيفة، رضي الله  عنه، ويقوي مذهبه.

ويحتمل: أن تكون الآية في جواز استرضاع غير الأمهات إذا أبت الأم رضاعه؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ إِذَا سَلَّمْتُم ﴾ ، يعني إذا سلمتم الأمر لله  ، ﴿ مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي قبلتم، ليس هو على الإيتاء، ولكن على القبول، دليل ذلك قوله  : ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ [ليس هو الإيتاء نفسه، ولكنه على القبول كأنه قال: فإن تابوا وقبلوا إقامة الصلاة وعهدوا إيتاء الزكاة فخلوا سبيلهم،] فعلى ذلك الأول.

و ﴿ آتَيْتُم ﴾ أي قبلتم إيتاء ما عهدوا وهو الأجر.

وقد يكون ﴿ مَّآ آتَيْتُم ﴾ ، أي: عقدتم عقد الإيتاء؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والعطية عقدتم التسليم عليه.

وذلك دليل لقول من يفرق بين قوله: أعطيتني كذا، فلم أقبضه.

[وسلمتني فلا أقبضه] والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

أي: فيما أمركم من الإنفاق، والكسوة، ونهاكم من إضرار أحدهما صاحبه.

وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

وهو وعيد على ما سبق من الأمر والنهي.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والوالدات يرضعن أولادهن سنتين كاملتين , ذلك التحديد بسنتين لمن قصد إكمال مدة الرضاعة، وعلى والد الطفل نفقة الوالدات المرضعات المطلقات ولباسهن، بحسب ما تعارف عليه الناس مما لا يخالف الشرع، لا يكلف الله نفسًا أكثر من سعتها وقدرتها، ولا يحل لأحد الأبوين أن يتخذ الولد وسيلة إضرار للآخر، وعلى وارث الطفل إذا عُدِمَ الأب، وكان الطفل ليس له مال مثل ما على الأب من الحقوق.

فإن أراد الأبوان فطام الولد قبل تمام السنتين فلا إثم عليهما في ذلك، إذا كان بعد تشاورهما وتراضيهما على ما فيه مصلحة المولود، وإن أردتم أن تطلبوا لأولادكم مرضعات غير الأمهات؛ فلا إثم عليكم إذا سلمتم ما اتفقتم عليه مع المرضعة من أجرة بالمعروف بلا نقص أو مماطلة، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله بما تعملون بصير، فلا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على ما قدمتم من أعمال.

من فوائد الآيات نهي الرجال عن ظلم النساء سواء كان بِعَضْلِ مَوْلِيَّتِه عن الزواج، أو إجبارها على ما لا تريد.

حَفِظَ الشرع للأم حق الرضاع، وإن كانت مطلقة من زوجها، وعليه أن ينفق عليها ما دامت ترضع ولده.

نهى الله تعالى الزوجين عن اتخاذ الأولاد وسيلة يقصد بها أحدهما الإضرار بالآخر.

الحث على أن تكون كل الشؤون المتعلقة بالحياة الزوجية مبنية على التشاور والتراضي بين الزوجين.

<div class="verse-tafsir" id="91.6J0pX"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا انتقال من أحكام الطلاق إلى أحكام الرضاعة، وكلاهما من أحكام البيوت الهادية إلى كيفية التعامل بين الأزواج من المعاشرة بالمعروف وتربية الأطفال، فمن ثم عطف على ما قبله.

وللمفسرين في قوله ﴿ وَالْوَالِدَاتُ  ﴾ ثلاثة أقوال: (القول الأول):أنه خاص بالمطلقات لوجوه: (أحدها):إن الكلام السابق في أحكامهن وهذا من تتمته.

(وثانيها): إيجاب رزقهن وكسوتهن على الوالد ولو كن أزواجًا لما كان هناك حاجة إلى هذا الإيجاب لأن النفقة على الزوج التي في العصمة واجبة للزوجية لا للرضاع.

(ثالثها):إن المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه لأنه يحول دون زواجها في الغالب ولما فيه من النكاية بالرجل ولا سيما الذي لم يتيسر له استئجار ظئر( ) تقوم مقام الوالدة.

وهنا وجه (رابع): لترجيح هذا القول ظهر لي الآن وهو تعليل الحكم بالنهي عن المضارة بالولد وإنما تضار بذلك المطلقة دون التي في العصمة فبين أن للمطلقة الحق في إرضاع ولدها كسائر الوالدات وأنه ليس للمطلق منعها منه وهو عرضة لهذا المنع.

(القول الثاني): إنه خاص بالوالدات مع بقاء الزوجية.

قال الواحدي في هذا القول: هو الأولى لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة.

(القول الثالث): إنه عام في جميع المطلقات، وقال كثيرون إنه أولى عملًا بظاهر اللفظ فهو عام ولا دليل على تخصيصه، ويكون الرزق والكسوة أي النفقة خاصًا ببعض أفراد العام وهن الوالدات المطلقات.

وقال بعضهم إن استئجار الأم للإرضاع صحيح، وعبر عن الأجرة بالرزق والكسوة، وقيل إنه ليس في الآية ما يدل على أن الرزق والكسوة لأجل الرضاع وأنت ترى أن هذا خلاف المتبادر من الآية، ونحن لا نستفيد من جعل الآية عامة، زيادة عما نستفيد بجعلها خاصة، إلا أنه يجب على غير المطلقة من إرضاع الولد مطلقًا أو بشرط، ما يجب على المطلقة بالنص، وأنه من حقوقها أيضًا، وهذا يؤخذ من الآية إذا حملت على التخصيص بالطريق الأولى، على أن القائلين بالعموم لم يقولوا بهذا الوجوب مطلقًا كما يأتي.

قوله تعالى ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ  ﴾ أمر جاء بصيغة الخبر للمبالغة في تقريره على نحو ما تقدم في قوله ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ وزعم بعضهم أنه خبر على بابه أي أن شأن الوالدات ذلك، وأنت ترى أنه لا فائدة في الإخبار عن الواقع المعلوم للناس في مقام بيان الأحكام، وكأن صاحب هذا القول أراد أن يقوي به قول الفقهاء الذين يرون أنه لا يجب على الوالدة إرضاع ولدها إذا تعينت مرضعًا بأن كان لا يقبل غير ثديها كما يعهد من بعض الأطفال، أو كان الوالد عاجزًا عن استئجار ظئر ترضعه، أو قدر ولم يجد الظئر، على أن هؤلاء الفقهاء لم يروا جعل الخبر بمعنى الأمر مانعًا من حكمهم هذا فقد حملوه على الندب في حال الاختيار، قالوا لأن لبن الأم أنفع للولد من لبن الظئر، وخاصة إذا لم يكن ولد الظئر في سنه، والظاهر أن الأمر للوجوب مطلقًا فالأصل أنه يجب على الأم إرضاع ولدها، يعني إن لم يكن هناك عذر مانع من مرض ونحوه، ولا يمنع الوجوب جواز استنابة الظئر عنها مع أمن الضرر، لأن هذا الوجوب للمصلحة لا للتعبد، فهو كالنفقة على القريب بشرطها، فإذا اتفق الوالدان على استئجار ظئر ورأيا أنها تقوم مقام الوالدة فلا بأس كما في مسألة الفصال الآتية.

وكما يجب على الأم إرضاع ولدها يجب لها ذلك بمعنى أنه ليس للوالد أن يمنعها منه.

ولأن يمنع الرجل مطلقته من إرضاع ولدها منه إن أبيح له ذلك أقرب من أن تمتنع هي عن إرضاعه، وكأن الذي يتبادر إلى فهمي أن المقصود من الجملة أولًا وبالذات هو أن من حقوق الوالدات أن يرضعن أولادهن، وما المطلقات إِلا والدات فيجب تمكينهن من إرضاع أولادهن المدة التامة للرضاع وهي كما حددها فيرضعنهم ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  ﴾ والحول العام والسنة، وهو في الأصل مصدر حال يحول إذا مضى وإذا تغير وتحول فالعام والحول يطلقان على صيفة وشتوة كاملتين، وأما السنة فهي تبتدئ من أي يوم عددته من العام إلى مثله.

وقد حددت مدة الرضاعة التامة بسنتين كاملتين مراعاة للفطرة وبالنسبة إلى ضعف الأطفال في أقل البيوت أو البيئات استعدادًا للعناية بالتربية، واللبن هذا الغذاء الموافق لكل طفل في هذه المدة وهذه المدة هي التي تثبت بها حرمة الرضاعة في النكاح، ومن العجب أن ترى الفقهاء اختلفوا في مدة الرضاعة بعد تحديد الله سبحانه لها فقال بعضهم هي ثلاثون شهرًا، وقال بعضهم ثلاث سنين، ولكن الجماهير على أن مدتها التامة لا تزيد على حولين كاملين وقد تنقص إذا رأى الوالدان ذلك لأن قوله تعالى ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ  ﴾ ، أجاز الاقتصار على ما دون الحولين ولم يحدد أقل المدة، بل وكله إلى اجتهاد الوالدين الذي تراعى فيه صحة الطفل، فمن الأطفال السريع النمو الذي يستغني عن اللبن بالطعام اللطيف قبل تمام الحولين بعدة أشهر، ومنهم القميء البطيء النمو الذي لا يستغني عن ذلك، وقد استنبطوا من قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا  ﴾ أقل مدة الحمل بناء على أن الحولين أكثر مدة الرضاعة، فإن ما يبقى بعد طرح شهور الحولين من ثلاثين شهرًا هو ستة أشهر وهي أقل مدة الحمل.

روي هذا عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وقالوا لعل الحكمة في تحديد المدتين -أكثر الرضاعة وأقل الحمل- هي انضباطهما دون ما يقابلهما، وقد يقال إننا نطرح مدة الحمل الغالبة وهي تسعة أشهر من مجموع مدة الحمل والفصال وهي ثلاثون شهرًا، فالباقي وهو واحد وعشرون شهرًا ينبغي أن يكون أقل مدة الرضاعة، والظاهر أن معنى قوله ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ  ﴾ ذلك لمن أراد إتمامها، ولذلك قلنا إن الأمر موكول إلى اجتهاد الوالدين فاللام متعلق بمحذوف، وقيل إنه متعلق بقوله ﴿ يُرْضِعْنَ  ﴾ أي أنهن يرضعن هذه المدة لمن أراد إتمامها من المولود لهم وهم الآباء، فيكون الأمر لهم في ذلك خاصة، وسيأتي ترجيح الأول في قوله ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا  ﴾ .

﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ المولود له هو الأب ووجه اختيار هذا التعبير على لفظ الوالد والأب هو الإشعار بأن الأولاد لآبائهم، لهم يدعون وإليهم ينسبون، وأن الأمهات أوعية مستودعه لهم كما قال المأمون: وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء وهذا الذي قاله المأمون لا يصح إلا على العرف الجاهلي، وهداية الإسلام أن الولد لوالديه يتقاسمان تربيته بحسب فطرة كل منهما وحقوق الزوجية التي تقدم بيان حظ كل منهما فيها، فالتعبير بالمولود له مقابل التعبير بالوالدات واختير للتنبيه على علة وجوب النفقة كأنه يقول إن هؤلاء الوالدات قد حملن وولدن لك أيها الرجل، وهذا الولد الذي يرضعنه ينسب إليك، ويحفظ سلسلة نسبك من دونهن، فعليك أن تنفق عليهن ما يكفيهن حاجات المعاش من الطعام واللباس ليقمن بذلك حق القيام، فاختيار لفظ ﴿ الْمَوْلُودِ لَهُ  ﴾ هنا على لفظ الأب والوالد هو الذي تقضي به البلاغة قضاء مبرمًا، وبه يستفاد ما لا يستفاد بهما، وأين تجد هذه الدقة في غير القرآن العزيز؟

والمراد بكون هذه النفقة بالمعروف أن تكون كافية لائقة بحال المرأة في قومها وصنفها.

لا تلحقها غضاضة في نوعها ولا في كيفية أدائها إليها، وقد عبر عن النفقة هنا بالرزق والكسوة الواجبين للمرأة بمقتضى الزوجية دون الأجرة حتى لا يتوهم أن كل والدة تجب لها الأجرة على إرضاع ولدها، لأن الكلام بدئ بلفظ "الوالدات" وأما في سورة الطلاق فقد عبر بلفظ الأجرة إذ قال: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ لأن الكلام هناك في المطلقات لا يحتمل غيره، فلا إبهام في اختيار اللفظ الأخصر.

ولو توجه الذهن إلى فهم الآية غير مثقل بأقوال الفقهاء لما فهم غير هذا منها، ومن فهمها مجردة غير محمولة على مذهب معين لا يحتاج إلى الكلام في جواز استئجار الأم للرضاع مطلقًا وعدمه وهي في النكاح أو العدة إذ المتبادر من الآية أن الأم يجب عليها إرضاع ولدها عند عدم المانع الشرعي، ويجب لها ذلك أيضًا كما تقدم آنفًا، وأن المطلقات إذا كن والدات يجب أن ينفق عليهن مدة الإرضاع لما تقدم، وهن في هذه المدة إما بائنات ولعله الأكثر لندرة طلاق أم الطفل -ولا خلاف في جواز استئجارهن حينئذ- وإما معتدات تجب لهن النفقة لعدم خروجهن من عصمة النكاح وقد استشكلوا استحقاق هؤلاء الأجرة على الإرضاع، ولا إشكال في وجوب الشيء بسببين، ولا تكرار في نصي الوجوب، لأن كل واحد منهما جاء في موضعه، وله صورة ينفرد بها، إذ المعتدة قد تكون والدة وغير والدة، والمرضع تكون بائنة ومعتدة، وكل منهما مشغولة بمصلحة الرجل المطلق شغلًا يمنعها من زواج يغنيها عن نفقته، لأن المرضع قلما يرغب فيها وقلما ترغب هي في الزواج، ثم إنها لا تستحق ولدها إذا تزوجت.

ولما كان المكلفون من الرجال يتفاوتون في الإعسار والإيسار بالنفقة فمنهم من لا يقدر على اللائق بالمرأة في عرف الناس ومنهم من يقدر على أكثر من ذلك عقب تعالى هذا الأمر بقوله ﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ فسر بعضهم الوسع بالطاقة وهو غلط لأن الوسع ضد الضيق وهو ما تتسع له القدرة ولا يبلغ استغراقها، وأما الطاقة فهي آخر درجات القدرة فليس بعدها إلا العجز المطلق كأنها آخر طاقة -أي فتلة من الطاقات التي يتألف منها الحبل- والمعنى أن المطلوب التوسع في النفقة من السعة أي بحيث لا ينتهي إلى الضيق.

وقد بسط هذا الإيجاز في سورة الطلاق بقوله تعالى في هذا المقام: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا  ﴾ .

﴿ لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ  ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب "لا تضار" بالضم تبعًا لقوله ﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ  ﴾ والباقون بالفتح وكلاهما جائز في اللغة، وهو نهي عن المضارة صريح، والأول نهي في المعنى خبر في اللفظ، وقالوا إن الكلام تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم.

والصواب أنه يفيد مع تعليل الأحكام السابقة حكمًا جديدًا عامًا، فمنع الرجل المرأة من إرضاع ولدها وهي له أرأم، وبه أرأف، وعليه أحنى وأعطف، إضرار بها بسبب ولدها، والتضييق عليها في النفقة مع الإرضاع إضرار بها بسبب ولدها، وامتناعها هي من إرضاعه تعجيزًا للوالد بالتماس الظئر أو تكليفه من النفقة فوق وسعه إضرار به بسبب ولده فالعلة في الأحكام السابقة منع الضرار من الجانبين بإعطاء كل ذي حق حقه بالمعروف، وهو يتناول تحريم كل ما يأتي من أحد الوالدين للإضرار بالآخر، كأن تقصر هي في تربية الولد البدنية أو النفسية لتغيظ الرجل، وكأن يمنعه هو من أمه ولو بعد مدة الرضاع أو الحضانة، فالعبارة نهي عام عن المضارة بسبب الولد لا يقيد ولا يخصص بوقت دون وقت أو حال دون حال أو شخص دون شخص.

وكلمة ﴿ تُضَارَّ  ﴾ تحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول وهي للمشاركة وإنما أسندت إلى كل واحد من الوالدين للإيذان بأن إضراره بالآخر بسبب الولد إضرار بنفسه ومنه أنه يتضمن ضر الولد أو يستلزمه، وكيف تحسن تربية ولد بين أبوين هَمُّ كل واحد منهما إيذاء الخر وضرره به.

أما قوله في ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ  ﴾ فمعطوف على قوله ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ وما بينهما معترض للتعليل أو التفسير لما قبله من كون ذلك بالمعروف وإن أفاد حكمًا جديدًا.

وقد اختلفوا في الوارث هل هو وارث المولود له أي الأب لأن الكلام فيه؟

أو وارث الولد لأنه وليه تجب عليه نفقته؟

واختلف القائلون بأن المراد وارث الأب هل هو عام أو خاص بعصبته، أو بالولد نفسه؟

أي أن نفقة إرضاعه تكون من ماله إن كان له مال وإلا فهي على عصبته.

وقال بعضهم إن المراد بالوارث وارث الصبي من الوالدين أي وإذا مات أحد الوالدين فيجب على الآخر ما كان يجب عليه من إرضاعه والنفقة عليه.

وكل يحتمله اللفظ ولعل الحكمة في هذا التعبير أن يتناول كل ما يصح تناوله إياه.

﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا  ﴾ الفصال الفطام لأنه يفصل الولد عن أمه ويفصلها عنه فيكون مستقلًا في غذائه دونها، والمراد أنه لما كان ما ذكر من تحديد مدة الرضاعة وكون الحق فيها للوالدة، وكونها تستحق الأجرة عليها إذا كانت مطلقة، كل ذلك لدفع الضرار وتقرير المصلحة لا للتعبد، كان للوالدين صاحبي الحق المشترك في الولد والغيرة الصحيحة عليه أن يفطماه قبل هذه المدة أو بعدها إذا اتفق رأيهما على ذلك بعد التشاور فيه، بحيث يكونان راضيين غير مضارين به.

وأقول إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبد في الأمة كلها؟!، وأمر تربيتها وإقامة العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك دون رحمة الوالدين بالولد وأنقص؟

وقال أبو مسلم يحتمل الفصال معنى آخر وهو إيقاع المفاصلة بين الأم والوالد أي بأن ترضى هي بضمه إلى أبيه يستأجر له ظئرًا ترضعه ويرضى هو بذلك لا يضار به أحدهما الآخر، وبهذه المناسبة مناسبة الحكم بأن الحقوق والواجبات المتعلقة بالولد مشتركة بين والديه ولهما الخيار في تقرير ما فيه المصلحة بالتراضي مع انتفاء الضرر، أو مناسبة جواز فصل الطفل عن أمه برضاها، ذكر حكم المسترضعات وهن الأظآر اللواتي يرضعن بالأجرة فقال : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ  ﴾ يقال استرضعت المرأة الطفل إذا اتخذتها مرضعًا له، ويحذفون أحد المفعولين للعلم به فيقولون استرضعت الطفل كما يقولون استنجحت الحاجة من غير ذكر من استنجح، والمعنى إن أردتم أن تسترضعوا أولادكم المراضع الأجنبيات ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ المراد به إِعطاء الأجرة المتعارفة وهي ما يسميه الفقهاء أجر المثل، وفي هذا الشرط مصلحة المرضع ومصلحة الولد والوالد، لأن المرضع إذا لم تعامل المعاملة الحسنة المرضية بأخذ أجرها تامًا لا تهتم بمراعاة الطفل ولا تعنى بإرضاعه في المواقيت المطلوبة وبنظافته وسائر شأنه، وإذا أوذيت يتغير لبنها فيكون ضارًا بالطفل: والقول الأول مؤيد وموافق لما علم من كون الأم أحق بإرضاع ولدها كما تقدم، والثاني لا يعارضه لأن الخطاب فيه يصح أيضًا أن يكون للآباء والأمهات جميعًا، والسكوت عن التصريح بالتراضي والتشاور بين الوالدين للعلم به، وهو يشمل ما إذا كان هناك مانع منع الأم من الإرضاع كمرض أو حبل وقرأ ابن كثير وحده "أوتيتم" مقصورة الألف من أتى إليه إحسانًا إذا فعله، وروى شيبان عن عاصم ﴿ آتَيْتُمْ  ﴾ أي آتاكم الله من الخير والمراد الأجرة، كذا قالوا، والأقرب أن معناه إذا سلمتم المراضع ما أوتيتم من الولد بالمعروف، بأن يتفق الوالدان أو أحدهما إن استقل بالولد مع المرضع على أن تأخذ الولد لإرضاعه بطريقة معروفة شرعًا وعادةً مرضية لهما ولها.

ثم ختم الآية بما يبعث على التزام أحكامها والمحافظة عليها فقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ أي التزموا ما ذكر من الأحكام مع توخي حكمة كل منها، واتقوا الله في ذلك فلا تفرطوا في شيء منها، واعلموا علم اليقين أن الله بصير بما تعملون في هذا كله وغيره، فهو يحصي لكم عملكم ويجازيكم عليه، فإذا قمتم بحقوق الأطفال بالتراضي والتشاور واجتناب المضارة جعلهم قرة أعين لكم في الدنيا وسببًا للمثوبة في الآخرة، وإن اتبعتم أهواءكم وعمد الوالد إلى مضارة الوالدة به وعمدت هي إلى ذلك، كان الولد بلاء وفتنة لهما في الدنيا، وكانا بعملهما السيء في أنفسهما وولدهما مستحقين لعذاب الآخرة.

جاء الأمر الإلهي بإرضاع الأمهات أولادهن على مقتضى الفطرة، فأفضل اللبن للولد لبن أمه باتفاق الأطباء: أي لأنه قد تكون من دمها في أحشائها فلما برز إلى الوجود تحول اللبن الذي كان يتغذى منه في الرحم إلى لبن يتغذى منه في خارجه، فهو اللبن الذي يلائمه ويناسبه، وقد قضت الحكمة بأن تكون حالة لبن الأم في التغذية ملائمة لحال الطفل بحسب درجات سنه، ولذلك كان مما ينبغي أن يراعى في الظئر أن تكون سن ولدها كسن الطفل التي تتخذ مرضعًا له.

وإن لبن المرضع يؤثر في جسم الطفل وفي أخلاقه وسجاياه، ولذلك يحتاط في انتقاء المراضع ويجتنب استرضاع المريضة والفاسدة الأخلاق والآداب، ولكن لا يخشى من لبن الأم وإن كان بها علة في بدنها أو في أخلاقها لأن ما يأخذه من طبيعتها فإنما يأخذه وهو في الرحم، فاللبن لا يزيده شيئًا.

اللبن يخرج من دم المرضع ويمتصه فيكون دمًا له ينمو به اللحم، وينشز العظم، فهو يشرب منها كل شيء من حسن وقبيح، وقد لوحظ أن من يرضع من لبن الآتان يغلظ قلبه، وكذلك لبن كل حيوان يؤثر على حسب حاله، ولكن حياة الإنسان نفسية عقلية أكثر مما هي بدنية، فجسمه مسخر لشعوره وعقله لذلك كان تأثير الانفعالات والصفات النفسية من المرضع في الرضيع أشد من تأثير الصفات البدنية، وقد لاحظنا أن صوت المرضع قد ظهر في الولد الذي كانت ترضعه فكيف بآثار عقلها وشعورها وملكاتها النفسية.

وقد نبه الفقهاء على هذا المعنى وحكاية إمام الحرمين فيه معروفة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله