الآية ٢٣٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٤ من سورة البقرة

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًۭا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَعَشْرًۭا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ٢٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 214 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن : أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع ، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة ، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي : أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات ولم يدخل بها ، ولم يفرض لها ؟

فترددوا إليه مرارا في ذلك فقال : أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه : [ أرى ] لها الصداق كاملا .

وفي لفظ : لها صداق مثلها ، لا وكس ، ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث .

فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق .

ففرح عبد الله بذلك فرحا شديدا .

وفي رواية : فقام رجال من أشجع ، فقالوا : نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق .

ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها ، وهي حامل ، فإن عدتها بوضع الحمل ، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة ; لعموم قوله : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) [ الطلاق : 4 ] .

وكان ابن عباس يرى : أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع ، أو أربعة أشهر وعشر ، للجمع بين الآيتين ، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي ، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية ، المخرج في الصحيحين من غير وجه : أنه توفي عنها زوجها سعد بن خولة ، وهي حامل ، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته ، وفي رواية : فوضعت حملها بعده بليال ، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب ، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك ، فقال لها : ما لي أراك متجملة ؟

لعلك ترجين النكاح .

والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرا .

قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألته عن ذلك ، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت ، وأمرني بالتزويج إن بدا لي .

قال أبو عمر بن عبد البر : وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة ، يعني لما احتج عليه به .

قال : ويصحح ذلك عنه : أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة ، كما هو قول أهل العلم قاطبة .

وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة ، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة ، شهران وخمس ليال ، على قول الجمهور ; لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد ، فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة .

ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام ; لعموم الآية ، ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة .

وقد ذكر سعيد بن المسيب ، وأبو العالية وغيرهما : أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا ; لاحتمال اشتمال الرحم على حمل ، فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودا ، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما : " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح " .

فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر ، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور ، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه ، والله أعلم .

قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : سألت سعيد بن المسيب : ما بال العشرة ؟

قال : فيه ينفخ الروح .

وقال الربيع بن أنس : قلت لأبي العالية : لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة ؟

قال : لأنه ينفخ فيها الروح .

رواهما ابن جرير .

ومن هاهنا ذهب الإمام أحمد ، في رواية عنه ، إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة هاهنا ; لأنها صارت فراشا كالحرائر ، وللحديث الذي رواه الإمام أحمد ، عن يزيد بن هارون ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن رجاء بن حيوة ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن عمرو بن العاص أنه قال : لا تلبسوا علينا سنة نبينا ، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر ورواه أبو داود ، عن قتيبة ، عن غندر وعن ابن المثنى ، عن عبد الأعلى .

وابن ماجه ، عن علي بن محمد ، عن وكيع ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة ، عن مطر الوراق ، عن رجاء بن حيوة ، عن قبيصة ، عن عمرو بن العاص ، فذكره .

وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث ، وقيل : إن قبيصة لم يسمع عمرا ، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف ، منهم : سعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وابن سيرين ، وأبو عياض ، والزهري ، وعمر بن عبد العزيز .

وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وهو أمير المؤمنين .

وبه يقول الأوزاعي ، وإسحاق ابن راهويه ، وأحمد بن حنبل ، في رواية عنه .

وقال طاوس وقتادة : عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة : شهران وخمس ليال .

وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن صالح بن حي : تعتد بثلاث حيض .

وهو قول علي ، وابن مسعود ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي .

وقال مالك ، والشافعي ، وأحمد في المشهور عنه : عدتها حيضة .

وبه يقول ابن عمر ، والشعبي ، ومكحول ، والليث ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، والجمهور .

قال الليث : ولو مات وهي حائض أجزأتها .

وقال مالك : فلو كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر .

وقال الشافعي والجمهور : شهر ، وثلاثة أحب إلي .

والله أعلم .

وقوله : ( فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير ) يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها ، لما ثبت في الصحيحين ، من غير وجه ، عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أمي المؤمنين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " .

وفي الصحيحين أيضا ، عن أم سلمة : أن امرأة قالت : يا رسول الله ، إن ابنتي توفي عنها زوجها ، وقد اشتكت عينها ، أفنكحلها ؟

فقال : " لا " .

كل ذلك يقول : " لا " مرتين أو ثلاثا .

ثم قال : " إنما هي أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة " .

قالت زينب بنت أم سلمة : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ، ولبست شر ثيابها ، ولم تمس طيبا ولا شيئا ، حتى تمر بها سنة ، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات .

ومن هاهنا ذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها ، وهي قوله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ) [ البقرة : 240 ] ، كما قاله ابن عباس وغيره ، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره .

والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك وهو واجب في عدة الوفاة قولا واحدا ، ولا يجب في عدة الرجعية قولا واحدا ، وهل يجب في عدة البائن ؟

فيه قولان .

ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن ، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة والحرة والأمة ، والمسلمة والكافرة ، لعموم الآية .

وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : لا إحداد على الكافرة .

وبه يقول أشهب ، وابن نافع من أصحاب مالك .

وحجة قائل هذه المقالة قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " : قالوا : فجعله تعبدا .

وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها ، لعدم التكليف .

وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمة المسلمة لنقصها .

ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع ، والله الموفق للصواب .

وقوله : ( فإذا بلغن أجلهن ) أي : انقضت عدتهن .

قاله الضحاك والربيع بن أنس ، ( فلا جناح عليكم ) قال الزهري : أي : على أوليائها ( فيما فعلن ) يعني : النساء اللاتي انقضت عدتهن .

قال العوفي عن ابن عباس : إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها ، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج ، فذلك المعروف .

روي عن مقاتل بن حيان نحوه ، وقال ابن جريج عن مجاهد : ( فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) قال : هو النكاح الحلال الطيب .

وروي عن الحسن ، والزهري ، والسدي نحو ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذين يتوفون منكم، من الرجال، أيها الناس, فيموتون، ويذرون أزواجا، يتربص أزواجهن بأنفسهن.

(1) * * * فإن قال قائل: فأين الخبر عن " الذين يتوفون "؟

قيل: متروك، لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم, وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهن, فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات، إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة, إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام.

وهو نظير قول القائل في الكلام: (2) " بعض جبتك متخرقة "، (3) في ترك الخبر عما ابتدئ به الكلام، إلى الخبر عن بعض أسبابه.

وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص، لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن، صرف الكلام عن خبر من ابتدئ بذكره، إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه, كما قال الشاعر: (4) لعـلي إن مـالت بـي الـرٌيح ميلـة عــلى ابـن أبـي ذبـان أن يتندمـا (5) &; 5-78 &; فقال " لعلي", ثم قال: " أن يتندما ", لأن معنى الكلام: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم، (6) إن مالت بي الريح ميلة عليه= فرجع بالخبر إلى الذي أراد به, وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره.

ومنه قول الشاعر: ألــم تعلمــوا أن ابـن قيس وقتلـه بغـــير دم, دار المذلــة حــلت (7) فألغى " ابن قيس " وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذل.

(8) * * * وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر " الذين يتوفون " متروك, وأن معنى الكلام: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم.

وزعم أنه لم يذكر " موتهم "، كما يحذف بعض الكلام- وأن " يتربصن " رفع، إذ وقع موقع " ينبغي", و " ينبغي" رفع.

وقد دللنا على فساد قول من قال في رفع " يتربصن " &; 5-79 &; بوقوعه موقع " ينبغي" فيما مضى, فأغنى عن إعادته.

(9) * * * وقال آخر منهم: (10) إنما لم يذكر " الذين " بشيء, لأنه صار الذين في خبرهم مثل تأويل الجزاء: " من يلقك منا تصب خيرا "= الذي يلقاك منا تصيب خيرا.

(11) قال: ولا يجوز هذا إلا على معنى الجزاء.

* * * قال أبو جعفر: وفي البيتين اللذين ذكرناهما الدلالة الواضحة على القول في ذلك بخلاف ما قالا.

(12) * * * قال أبوجعفر: وأما قوله: " يتربصن بأنفسهن "، فإنه يعني به: يحتبسن بأنفسهن (13) معتدات عن الأزواج، والطيب، والزينة، والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن- أربعة أشهر وعشرا، إلا أن يكن حوامل, فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن.

فإذا وضعن حملهن، انقضت عددهن حينئذ.

* * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه: 5071- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "، فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها.

&; 5-80 &; 5072- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب في قول الله: (14) " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "، قال ابن شهاب: جعل الله هذه العدة للمتوفى عنها زوجها, فإن كانت حاملا فيحلها من عدتها أن تضع حملها, وإن استأخر فوق الأربعة الأشهر والعشرة فما استأخر, لا يحلها إلا أن تضع حملها.

* * * قال أبو جعفر: وإنما قلنا: عنى ب " التربص " ما وصفنا، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلي الله عليه وسلم بما: - 5073- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وأبو أسامة, عن شعبة= وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر, عن شعبة= ، عن حميد بن نافع قال: سمعت زينب ابنة أم سلمة تحدث= قال أبو كريب: قال أبو أسامة: عن أم سلمة= أن امرأة توفى عنها زوجها واشتكت عينها, فأتت النبي صلي الله عليه وسلم تستفتيه في الكحل, فقال: لقد كانت إحداكن تكون في الجاهلية في شر أحلاسها، (15) فتمكث في بيتها حولا إذا توفي عنها زوجها, فيمر عليها الكلب فترميه بالبعرة!

أفلا أربعة أشهر وعشرا "!

(16) &; 5-81 &; 5074- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد قال، سمعت نافعا, عن صفية ابنة أبي عبيد: أنها سمعت حفصة ابنة عمر زوج النبي صلي الله عليه وسلم تحدث، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا "= قال يحيى: والإحداد عندنا أن لا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، (17) ولا تكتحل، ولا تزين.

(18) &; 5-82 &; 5075- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى, عن نافع, عن صفية ابنة أبي عبيد, عن حفصة ابنة عمر: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج.

5076- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول، أخبرني حميد بن نافع: أن زينب ابنة أم سلمة أخبرته، عن أم سلمة -أو أم حبيبة- زوج النبي صلي الله عليه وسلم: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم, فذكرت أن ابنتها توفي عنها زوجها, وأنها قد خافت على عينها= فزعم حميد عن زينب: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول, وإنما هي أربعة أشهر وعشر.

(19) .

&; 5-83 &; 5077- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا يحيى بن سعيد , عن حميد بن نافع: أنه سمع زينب ابنة أم سلمة، تحدث عن أم حبيبة أو أم سلمة أنها ذكرت: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم قد توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، وهي تريد أن تكحل عينها, فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة بعد الحول, وإنما هي أربعة أشهر وعشر= قال ابن بشار، قال يزيد, قال يحيى: فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها، عمدت إلى شر بيتها فقعدت فيه حولا فإذا مرت بها سنة ألقت بعرة وراءها.

(20) 5078- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا شعبة, عن يحيى, عن حميد بن نافع بهذا الإسناد مثله (21) &; 5-84 &; 5079- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا ابن عيينة, عن أيوب بن موسى ويحيى بن سعيد, عن حميد بن نافع, عن زينب ابنة أم سلمة, عن أم سلمة: أن امرأة أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي مات زوجها فاشتكت عينها, أفتكتحل؟

(22) فقال، قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول, وإنما هي الآن أربعة أشهر وعشر!

= قال، قلت: وما " ترمي بالبعرة على رأس الحول "؟

قال: كان نساء الجاهلية إذا مات زوج إحداهن، لبست أطمار ثيابها، (23) وجلست في أخس بيوتها, فإذا حال عليها الحول أخذت بعرة فدحرجتها على ظهر حمار وقالت: قد حللت!

(24) 5080- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا زهير بن معاوية قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن حميد بن نافع، عن زينب ابنة أم سلمة, عن أمها أم سلمة وأم حبيبة زوجي النبي صلي الله عليه وسلم: أن امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها, وقد خفت على عينها, وهي تريد الكحل؟

قال: قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول!

وإنما هي أربعة أشهر وعشر!

= قال حميد: فقلت لزينب: وما رأس الحول؟

قالت زينب: كانت المرأة في الجاهلية إذا هلك زوجها، عمدت إلى أشر بيت لها &; 5-85 &; فجلست فيه، (25) حتى إذا مرت بها سنة خرجت, ثم رمت ببعرة وراءها.

(26) 5081- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن معمر, عن الزهري, عن عروة عن عائشة: أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها، أن تحد على زوجها حتى تنقضي عدتها, ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا معصفرا, ولا تكتحل بالإثمد, ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها, ولكن تكتحل بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب, ولا تلبس حليا، وتلبس البياض ولا تلبس السواد.

(27) 5082- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن موسى بن عقبة, عن نافع, عن ابن عمر في المتوفى عنها زوجها: لا تكتحل, ولا تطيب, ولا تبيت عن بيتها, ولا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب تجلبب به.

(28) &; 5-86 &; 5083- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن جريج, عن عطاء قال: بلغني عن ابن عباس قال: تنهى المتوفى عنها زوجها أن تزين وتطيب.

5084- حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا عبيد الله, عن نافع, عن ابن عمر قال: إن المتوفى عنها زوجها لا تلبس ثوبا مصبوغا, ولا تمس طيبا, ولا تكتحل, ولا تمتشط= وكان لا يرى بأسا أن تلبس البرد.

* * * وقال آخرون: إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة, فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنـزل، فلم تنه عن ذلك, ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه.

* ذكر من قال ذلك: 5085- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن الحسن: أنه كان يرخص في التزين والتصنع, ولا يرى الإحداد شيئا.

(29) 5086- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "، لم يقل تعتد في بيتها, تعتد حيث شاءت.

5087- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل قال، حدثنا ابن جريج, عن عطاء قال، قال ابن عباس: إنما قال الله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "، ولم يقل تعتد في بيتها, فلتعتد حيث شاءت.

* * * واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره، إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح، وجعلوا حكم الآية على الخصوص= وبما: - &; 5-87 &; 5088- حدثني به محمد بن إبراهيم السلمي قال، حدثنا أبو عاصم, وحدثني محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا أبو عامر = قالا جميعا، حدثنا محمد بن طلحة, عن الحكم بن عتيبة, عن عبد الله بن شداد بن الهاد, عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت.

(30) &; 5-88 &; 5089- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم وابن الصلت, عن محمد بن طلحة, عن الحكم بن عتيبة, عن عبد الله بن شداد, عن أسماء عن النبي صلي الله عليه وسلم بمثله.

* * * قالوا: فقد بين هذا الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم: أن لا إحداد على المتوفى عنها زوحها, وأن القول في تأويل قوله: " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "، إنما هو يتربصن بأنفسهن عن الأزواج دون غيره.

* * * قال أبو جعفر: وأما الذين أوجبوا الإحداد على المتوفى عنها زوجها, وترك النقلة عن منـزلها الذي كانت تسكنه يوم توفي عنها زوجها, فإنهم اعتلوا بظاهر &; 5-89 &; التنـزيل، وقالوا: أمر الله المتوفى عنها أن تربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا, فلم يأمرها بالتربص بشيء مسمى في التنـزيل بعينه, بل عم بذلك معاني التربص.

قالوا: فالواجب عليها أن تربص بنفسها عن كل شيء, إلا ما أطلقته لها حجة يجب التسليم لها.

قالوا: فالتربص عن الطيب والزينة والنقلة، مما هو داخل في عموم الآية، كما التربص عن الأزواج داخل فيها.

قالوا: وقد صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم الخبر بالذي قلنا في الزينة والطيب، أما في النقلة فإن: - 5090- أبا كريب حدثنا قال، حدثنا يونس بن محمد, عن فليح بن سليمان, عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته، عن الفريعة ابنة مالك، أخت أبي سعيد الخدري، قالت: قتل زوجي وأنا في دار, فاستأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في النقلة, فأذن لي.

ثم ناداني بعد أن توليت, فرجعت إليه, فقال: يا فريعة، حتى يبلغ الكتاب أجله.

(31) * * * &; 5-90 &; قالوا: فبين رسول الله صلي الله عليه وسلم صحة ما قلنا في معنى تربص المتوفى عنها زوجها، [وبطل] ما خالفه.

(32) قالوا: وأما ما روي عن ابن عباس: فإنه لا معنى له، بخروجه عن ظاهر التنـزيل والثابت من الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم.

قالوا: وأما الخبر الذي روي عن أسماء ابنة عميس، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم من أمره إياها بالتسلب ثلاثا, ثم أن تصنع ما بدا لها - فإنه غير دال &; 5-91 &; على أن لا حداد على المرأة، (33) بل إنما دل على أمر النبي صلي الله عليه وسلم إياها بالتسلب ثلاثا, ثم العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يجوز للمعتدة لبسه، مما لم يكن زينة ولا مطيبا، (34) لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب، وذلك كالذي أذن صلي الله عليه وسلم للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العصب وبرود اليمن, فإن ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلب.

وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صبغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه, فإن لها لبسه, لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس.

* * * قال أبوجعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "، ولم يقل: وعشرة؟

وإذ كان التنـزيل كذلك: أفبالليالي تعتد المتوفى عنها العشر، أم بالأيام؟

قيل: بل تعتد بالأيام بلياليها.

فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فكيف قيل: " وعشرا "؟

ولم يقل: وعشرة؟

والعشر بغير " الهاء " من عدد الليالي دون الأيام؟

فإن أجاز ذلك المعنى فيه ما قلت، (35) فهل تجيز: " عندي عشر "، وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟

قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام, وغير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال النساء.

وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة، إذا أبهمت العدد، غلبت فيه الليالي, حتى إنهم فيما روي لنا عنهم ليقولون: " صمنا عشرا من شهر رمضان "، لتغليبهم الليالي على الأيام.

وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك بالليالي دون الأيام.

فإذا أظهروا مع العدد مفسره، (36) أسقطوا من عدد المؤنث " الهاء ", &; 5-92 &; وأثبتوها في عدد المذكر, كما قال تعالى ذكره: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [سورة الحاقة: 7]، فأسقط" الهاء " من " سبع " وأثبتها في" الثمانية ".

وأما بنو آدم, فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء، ثم أبهمت عددها: أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث.

وذلك أن الذكران من بني آدم موسوم واحدهم وجمعه بغير سمة إناثهم, وليس كذلك سائر الأشياء غيرهم.

وذلك أن الذكور من غيرهم ربما وسم بسمة الأنثى, كما قيل للذكر والأنثى " شاة ", وقيل للذكور والإناث من البقر: " بقر ", وليس كذلك في بني آدم.

(37) * * * فإن قال: فما معنى زيادة هذه العشرة الأيام على الأشهر؟

قيل: قد قيل في ذلك، فيما: - 5091- حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "، قال: قلت: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟

قال: لأنه ينفخ فيه الروح في العشر.

5092- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو عاصم, عن سعيد, عن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟

قال: فيه ينفخ الروح.

* * * &; 5-93 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: (38) فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهن فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهن- وذلك بعد انقضاء عددهن , ومضي الأشهر الأربعة والأيام العشرة=" فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف "، يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء -أولياء المرأة- فيما فعل المتوفى عنهن حينئذ في أنفسهن، من تطيب وتزين ونقله من المسكن الذي كن يعتددن فيه، ونكاح من يجوز لهن نكاحه=" بالمعروف "، يعني بذلك: على ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن.

(39) .

* * * وقد قيل: إنما عنى بذلك النكاح خاصة.

وقيل إن معنى قوله: " بالمعروف " إنما هو النكاح الحلال.

* ذكر من قال ذلك: 5093- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف "، قال: الحلال الطيب.

5094- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: " فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف "، قال: المعروف النكاح الحلال الطيب.

5095- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال ابن &; 5-94 &; جريج, قال مجاهد: قوله: " فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف "، قال: هو النكاح الحلال الطيب.

5096- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: هو النكاح.

5097- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب: " فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف "، قال: في نكاح من هويته، إذا كان معروفا.

(40) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " والله بما تعملون "، أيها الأولياء، في أمر من أنتم وليه من نسائكم، من عضلهن وإنكاحهن ممن أردن نكاحه بالمعروف, ولغير ذلك من أموركم وأمورهم, =" خبير "، يعني ذو خبرة وعلم, لا يخفى عليه منه شيء.

(41) ------------------- الهوامش: (1) في المخطوطة والمطبوعة : "يتربصن" ، وهو في المخطوطة غير منقوط ، والذي أثبته هو الصواب .

(2) في المخطوطة والمطبوعة : "هو نظير" بإسقاط الواو ، والواجب إثباتها .

(3) يعني أن حق الكلام كان أن يقول : "بعض جبنك متخرق" ، بالتذكير خبرا عن"بعض" ، فصرفه إلى"جبتك" .

(4) هو ثابت قطنة العتكي ، واسمه" ثابت بن كعب" .

.

ذهبت عينه في الحرب ، فكان يحشوها بقطنة ، وهو شاعر فارسي من شعراء خراسان في عهد الدولة الأموية ، قال فيه حاجب الفيل : لا يعـرف النـاس منـه غـير قطنته ومـا سـواها مـن الأنسـاب مجهول (5) تاريخ الطبري 8 : 160 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 150 ، والصاحبي : 185 ، وهو من قصيدة له يرثى بها يزيد بن المهلب ، لما قتل في سنة 102 في خروجه على يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وهو"ابن أبي ذبان" .

و"أبو ذبان" كنية أبيه عبد الملك بن مروان ، لأنهم زعموا أنه كان أبخر ، فإذا دنت الذبان من فيه ، ماتت لشدة بخره .

ورواية الطبري في التاريخ : "فعلى" ، ويقول قبله : أرقـت ولـم تـأرق معـي أم خـالـد وقـد أرقـت عينـاي حـولا مجرمـا عــلى هـالك هـد العشـيرة فقـده, دعتــه المنايــا فاسـتجاب وسـلما عـلى ملـك, يـا صاح, بالعقر جبنـت كتائبــه, واسـتورد المـوت معلمـا أصيـب ولـم أشـهد, ولو كنت شاهدا تسـليت أن لـم يجـمع الحـي مأتمـا وفـي غـير الأيـام يـا هند, فاعلمي, لطــالب وتــر نظــرة إن تلومـا فعلي, إن مالت .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وكان في المطبوعة والمخطوطة : "ابن أبي زبان" وهو خطأ كما ترى .

(6) في والمخطوطة والمطبوعة : "ابن أبي زبان" وهو خطأ .

(7) لم أعرف قائله ، والبيت في معاني القرآن للفراء 1 : 150 ، والصاحبي : 185 ، وروايتهما بني أسد إن ابن قيس وقتله (8) هذا الذي سلف أكثره نص الفراء في معاني القرآن 1 : 150-151 ، وفي معاني القرآن"فألقى ابن قيس" ، والصواب ما في الطبري .

(9) انظر ما سلف في الجزء 5 : 47 ، 48 .

(10) في المطبوعة : "وقال آخرون منهم" ، والصواب ما في المخطوطة .

(11) في المطبوعة : "من يلقك منا يصيب خيرا" ، ثم"يصيب خيرا" ، والصواب ما أثبته"تصب" في الجملة الأولى مجزومة ، وبالتاء في أوله ، ثم"تصيب" بالتاء في الثانية .

(12) في المطبوعة : "الدلالة الواضحة" وأثبت ما في المخطوطة .

(13) انظر فيما سلف تفسير"التربص" 4 : 456 ، 515 .

(14) في المخطوطة والمطبوعة : "عن قول الله" ، والصواب ما أثبته .

(15) الأحلاس جمع حلس : وهو كساء رقيق يكون تحت البرذعة ، وكل ما يبسط تحت حر المتاع ليقيه فهو حلس .

وعنى به هنا : المرذول من ثيابها .

(16) الحديث 5073-"حميد بن نافع الأنصاري المدني" : تابعي ثقة .

روى عن أبي أيوب ، وعبد الله بن عمر ، وروى عن زينب بنت أم سلمة .

وهو والد"أفلح بن حميد" .

ويقال له"حميد صفيراء" .

ففرق البخاري في الكبير 1 / 2 / 345 بين"حميد صفيراء ، والد أفلح" ، الراوي عن أبي أيوب وابن عمر ، وبين"حميد" الراوي عن زينب ، جعلهما اثنين تبعا لشيخه علي بن المديني ، وروى هو عن شعبة أنهما واحد .

وهو الصحيح الذي جزم به الإمام أحمد .

فقد روى في المسند 6 : 325 - 326 (حلبي) حديث حميد بن نافع ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أم حبيبة أم المؤمنين ، ثم قال عقب الحديث"حميد بن نافع : أبو أفلح ، وهو حميد صفيراء" ، وهو الذي اقتصر عليه ابن سعد 5 : 224 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 229-230 .

و"صفيراء" : لقب حميد .

وهكذا رسم على الصواب في المسند ، والتهذيب في ترجمة"أفلح" ، والبخاري في ترجمة"حميد" .

ورسم في التهذيب في ترجمة"حميد" : "صفير" ، وهو تصحيف .

ووقع في التهذيب أيضًا في ترجمة"حميد" أنه يروي عن"عبد الله بن عمرو" -وهو خطأ ، صوابه - كما قلنا-"عبد الله بن عمر" .

والحديث سيأتي : 5079 ، بإسناد آخر ، من حديث أم سلمة وحدها .

وسيأتي بأسانيد أخر، في بعضها: "عن أم سلمة وأم حبيبة" وفي سائرها: "عن أم سلمة أو أم حبيبة" 5076- 5078 ، 5080 .

وسنذكرها في مواضعها ، إن شاء الله .

أما من الوجه الذي هنا -رواية شعبة عن حميد- : فرواه الطيالسي : 1596 ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، نحوه .

وكذلك رواه أحمد في المسند 6 : 291-292 (حلبي) ، عن يحيى بن سعيد -وهو القطان- ثم رواه 6 : 311 ، عن محمد بن جعفر ، وعن حجاج -وهو ابن محمد المصيصي- ثلاثتهم عن شعبة ، به ، نحوه .

ورواه البخاري 9 : 432 ، و 10 : 131 ، مطولا ومختصرا ، من طريقين عن شعبة .

وكذلك رواه مسلم 1 : 434 ، من طريق محمد بن جعفر ، عن شعبة .

وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى ، ص : 353-354 ، من طريق يحيى وهو القطان ، عن شعبة .

وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 7 : 439 ، من طريق الطيالسي ويحيى بن أبي بكير - كلاهما عن شعبة .

ورواه مالك في الموطأ ، ص : 596 - 598 ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن حميد بن نافع ، عن زينب بنت أم سلمة ، عن أمها -ثالث احاديث ثلاثة حدثت زينب بها حميد بن نافع- بمعناه ومن طريق مالك هذه ، رواه الأئمة : فرواه عبد الرزاق في المصنف 4 : 66-67 (مخطوط مصور) والبخاري 9 : 427-428 ، ومسلم 1 : 433 - 434 ، وأبو داود : 2299 ، والترمذي 2 : 220 ، والنسائي 2 : 114 ، وابن حبان في صحيحه (2 : 91-92 مخطوطة التقاسيم ، و 6 : 457-458 مخطوطة الإحسان) .

وهو في المنتقى للمجد بن تيمية ، برقم : 3811 .

(17) الورس : نبت أصفر ، يتخذ منه صبغ أصفر تصبغ به الثياب ، ومنه ما يكون للزينة ، كالزعفران .

(18) الحديثان : 5074 ، 5075 - هما حديث واحد ، مطول ومختصر ، بإسنادين .

عبد الوهاب في الإسناد الأول : هو ابن عبد المجيد الثقفي .

ويزيد -في الإسناد الثاني : هو ابن هرون .

يحيى بن سعيد- في الإسنادين : هو الأنصاري .

ونافع : هو مولى ابن عمر .

صفية بنت أبي عبيد بن مسعود ، الثقفية : وهي تابعية ثقة ، من فضليات النساء ، وذكرها بعضهم في الصحابة ، ولا يصح ، وهي زوج عبد الله بن عمر .

وهي أخت المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب .

وشتان بين الأخوين .

ووقع في ترجمتها في التهذيب 12 : 430 أنه يروي عنها"نافع مولى ابن عباس" .

وهو سهو أو خطأ ناسخ .

بل الذي يروي عنها هو"نافع مولى ابن عمر" .

ولها ترجمة في ابن سعد 8 : 346 - 347 ، والإصابة 8 : 131 .

والحديث رواه مسلم 1 : 435 ، من طريق عبد الوهاب ، عن يحيى .

وهو الطريق الأول هنا .

ولم يذكر لفظه كله .

وكذلك رواه البيهقي 7 : 438 ، من طريق عبد الوهاب ، وذكر لفظه .

ورواه أحمد في المسند 6 : 286 ، عن يزيد بن هارون ، وهو الطريق الثاني هنا .

(19) الحديث : 5076- هو الحديث الماضي : 5073 ، إلا أنه هنا"عن أم سلمة أو أم حبيبة" ، على الشك .

وكذلك في الإسناد بعده : 5077 ، وسيأتي في الإسناد : 5080 ، أنه"عن أم سلمة وأم حبيبة" معا ، دون شك فيه .

أما روايته بالشك ، بحرف"أو" - فلم أجدها قط .

وأخشى أن يكون تحريفا من الناسخين .

نعم روى الدارمي 2 : 167 ، قصة أخرى لأم حبيبة ، في آخرها حديث"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة .

.

.

" إلخ - رواه عن هاشم بن القاسم ، عن شعبة ، عن حميد بن نافع ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم حبيبة .

ثم رواه عقبه ، بالإسناد نفسه إلى زينب"تحدث عن أمها ، أو امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه" .

ولكنه حديث آخر غير هذا الحديث ، ولعل زينب شكت أيضًا في الرواية التي هنا ، كما شكت في الرواية التي عند الدارمي .

وكذلك رواه مسلم 1 : 434 ، عن ابن المثنى ، عن ابن جعفر ، عن شعبة ، - في قصة أم حبيبة فقط ، ثم قال حميد : "وحدثتنيه زينب عن أمها ، وعن زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عن امرأة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" .

ثم روي عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة : "عن حميد بن نافع بالحديثين جميعا ، حديث أم سلمة في الكحل ، وحديث أم سلمة وأخرى من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .

غير أنه لم تسمها زينب - نحو حديث محمد بن جعفر" .

وأيا ما كان ، فإن هذا الشك لا يؤثر في صحة الحديث .

والروايات الثابتة تدل على أنها روته عن أمها وأم حبيبة ، كما سيأتي .

(20) الحديث : 5077- هو الحديث السابق أيضًا ، بإسناد آخر .

ووقع في المطبوعة هنا"أو أم سلمة" على الشك ، كالرواية السابقة .

ولكني أوقن -هنا- أنه خطأ من ابن بشار ، شيخ الطبري .

فالحديث رواه مسلم 1 : 434 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد -كلاهما عن يزيد بن هارون .

بهذا الإسناد .

وفيه : "أنه سمع زينب بنت أبي سلمة تحدث عن أم سلمة وأم حبيبة ، تذكران : أن امرأة .

.

.

"- إلخ .

فهذا صريح في الرواية عنهما معا ، لا رواية عن إحداهما .

وكذلك رواه ابن ماجه : 2084 ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون ، نحو رواية مسلم .

ويؤيده : أن النسائي رواه 2 : 115 ، من طريق حماد ، عن يحيى الأنصاري ، عن حميد ، عن زينب : "أن امرأة سألت أم سلمة وأم حبيبة .

.

.

فقالتا : أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

.

" (21) الحديث : 5078- هو تكرار للحديث قبله ، لم يذكر لفظه ، وهو من رواية يزيد بن هارون ، عن شعبة ، عن يحيى الأنصاري ، عن حميد .

وأنا أخشى أن يكون في الإسناد تحريف من الناسخين ، وأن يكون صوابه : "حدثنا شعبة ، ويحيى" .

لأن الإسناد قبله ، هو من رواية يزيد بن هارون عن يحيى مباشرة .

فقد تكون الفائدة في تكرار هذا الإسناد : أن يكون ابن بشار سمعه من يزيد مرتين : مرة عن يحيى وحده ، ومرة عن يحيى وشعبة .

وإذا كان ما ثبت في المطبوعة صحيحا ، كان ابن بشار سمعه هكذا ، ويكون من المزيد في متصل الأسانيد .

(22) في المخطوطة : "أفتكحل" .

(23) الأطمار جمع طمر (بكسر فسكون) : وهو الثوب الخلق ، والكساء البالي .

(24) الحديث : 5079- أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص : قرشي مكي ثقة حافظ فقيه .

مذكور في نسب قريس للمصعب ، ص : 183 .

وهذا الحديث تكرار للحديث : 5073 ، بأنه عن أم سلمة وحدها - كما قلنا هناك .

وقد رواه النسائي 2 : 115 - من طريق الليث بن سعد ، عن أيوب بن موسى .

ثم من طريق سفيان ابن عيينة ، عن يحيى الأنصاري ، به ، نحوه ، مطولا ، ومختصرا .

(25) قوله : "أشر" على وزن"أفعل" ، هكذا جاء هنا .

وقال أهل اللغة : إنه لغة قليلة أو رديئة .

وقد جاء في كثير من أمثالهم وكلامهم"أشر" و"شرى" ، كأفضل وفضلى .

ومنه قول امرأة من العرب : "أعيذك بالله من نفس حرى ، وعين شرى" أي خبيثة ، وفي المثل : "شراهن مراهن" .

وفي خبر العبادي قيل له : "أي حماريك أشر؟" قال : "هذا ثم هذا" .

(26) الحديث : 5080- أحمد بن يونس : هو أحمد بن عبد الله بن يونس ، مضى في : 2144 .

وهذا الحديث تكرار -في المعنى- للحديث : 5073 ، وللأحاديث : 5076-5079 .

وقد رواه هنا أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن يحيى الأنصاري ، وذكر فيه أنه"عن أم سلمة وأم حبيبة" معا .

ولكن رواه النسائي 2 : 115 -بنحوه- من طريق ابن أعين ، وهو الحسن بن محمد بن أعين ، عن زهير بن معاوية ، بهذا الإسناد ، من حديث"أم سلمة" ، ولم يذكر فيه أم حبيبة .

(27) الخبر : 5081- هذا أثر من فتوى عائشة وكلامها .

ولكن تدل على صحة فتواها الأحاديث الصحاح .

وهذا إسناده إليها صحيح .

ولم أجده في شيء من المراجع غير هذا الموضع .

المعصفر : هو الثوب المصبوغ بالعصفر .

والإثمد : هو الكحل ، أو حجر يتخذ منه الكحل ، وهو أسود إلى الحمرة .

والصبر (بفتح الصاد وكسر الباء) : عصارة شجر ، وهو مر ، يتخذ منه الدواء .

(28) قوله : "تبيت عن بيتها" أي تبيت بعيدة عن بيتها وتنتقل إلى غيره .

والعصب : برود من اليمن ، يعصب غزلها -أي يجمع ويشد- ثم يصبغ وينسج ، فيأتي موشيا ، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ .

تجلببت المرأة : لبست جلبابها ، وهو ملاءتها التي تشتمل بها .

(29) تصنعت المرأة تصنعا : تزينت وتجملت وعالجت وجهها وغيره حتى يحسن .

(30) الحديث : 5088- محمد بن إبراهيم بن صدران الأزدي السلمي : ثقة ، وثقه أبو داود وغيره .

وقد ينسب إلى جده ، ولذلك ترجمه ابن أبي حاتم 3 / 2 / 190 في اسم"محمد بن صدران" .

"السلمي" : هكذا ثبت هنا ، وكذلك في التقريب ، وضبطه بفتح السين ، وكذلك ثبت في نسخة بهامش التهذيب ، وفي التهذيب والخلاصة"السليمي" ، ونص صاحب الخلاصة على أنه بإثبات الياء .

ولكني لا أطمئن إلى ضبطه .

وشيخه أبو عاصم : هو النبيل ، الضحاك بن مخلد .

وأبو عامر -في الإسناد الثاني : هو العقدي ، عبد الملك بن عمرو .

محمد بن طلحة بن مصرف -بفتح الصاد وتشديد الراء المكسورة- اليامي : ثقة ، أخرج له الشيخان .

وبعضهم تكلم فيه بما لا يجرحه .

عبد الله بن شداد بن الهاد : نسب أبوه إلى جده ، فهو"شداد بن أسامة بن عمرو" ، و"عمرو" : هو الهاد .

قال ابن سعد : "وإنما سمي الهادي ، لأنه كان توقد ناره ليلا للأضياف ، ولمن سلك الطريق" .

وعبد الله بن شداد : من كبار التابعين القدماء الثقات ، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ذكره بعضهم في الصحابة .

وله ترجمتان في ابن سعد 5 : 43-44 ، و 6 : 86-87, وفي الإصابة 5 : 60-61 ، 145 .

وأمه"سلمى بنت عميس" ، أخت أسماء بنت عميس ، فهو يروي هذا الحديث عن خالته .

وأسماء بنت عميس : صحابية جليلة .

وهي أخت ميمونة بنت الحارث -أم المؤمنين- لأمها .

تزوجت أسماء جعفر بن أبي طالب ، فقتل عنها ، ثم تزوجت أبا بكر الصديق ، ثم علي بن أبي طالب .

وولدت لهم جميعا .

وهي أم محمد بن أبي بكر الصديق .

والحديث رواه ابن سعد في الطبقات 8 : 206 ، في ترجمة أسماء -رواه عن عفان بن مسلم ، وإسحاق بن منصور ، كلاهما عن محمد بن طلحة .

ووقع فيه "تسلمى" بالميم بدل الباء .

وأنا أرجح أنه خطأ من الناسخين لا من الرواة ، وسيأتي أن هذا الخطأ وقع لابن حبان ، لكن من الرواة .

ورواه أحمد في المسند ، بمعناه ، 6 : 369 ، 438 ، عن يزيد بن هارون ، عن أبي كامل ويزيد بن هارون وعفان - ثلاثتهم عن محمد بن طلحة .

ورواه الطحاوي في معاني الآثار 2 : 44 بخمسة أسانيد إلى محمد بن طلحة .

ورواه البيهقي 7 : 438 ، من طريق مالك بن إسماعيل ، عن محمد بن طلحة ، بهذا الإسناد .

ثم قال : "لم يثبت سماع عبد الله من أسماء ، وقد قيل فيه : عن أسماء .

فهو مرسل .

ومحمد بن طلحة ليس بالقوى"!!

وهو تعليل ضئيل متهافت .

تعقبه فيه ابن التركماني في الجوهر النقي .

ورواه ابن حزم في المحلى 10 : 280 ، من وجهين آخرين ، عن عبد الله بن شداد ، مرسلا ، ورده بعلة الإرسال .

ولكن ثبت وصله عن غير روايته .

وذكره المجد في المنتقى : 3819 ، 3820 ، من روايتي المسند .

ولم ينسبه إلى غيره .

ولم يرو في واحد من الكتب الستة ، على اليقين من ذلك .

فهو من الزوائد عليها .

ولكني لم أجده في مجمع الزوائد ، بعد طول البحث ، في أقرب المظان من أبوابه وأبعدها .

وذكره الحافظ في الفتح 9 : 429 ، ووصفه بأنه"قوي الإسناد" .

وقال : "أخرجه أحمد ، وصححه ابن حبان" .

ونسبه أيضًا للطحاوي .

ثم قال : "قال شيخنا في شرح الترمذي : ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث ، لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق ، وهي والدة أولاده : عبد الله ، ومحمد ، وعون ، وغيرهم .

قال : بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز" .

وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة ، وقد أجمعوا على خلافه ، ثم ذهب يجمع بينه وبين الأحاديث التي يعارضها ، بآراء بعضها قد يقبل ، وبعضها فيه تكلف غير مستساغ .

وأجود ما قال العلماء في ذلك -عندنا- ما ذهب إليه الطبري هنا في الفقرة الثالثة بعد الحديث : 5090 .

وقريب منه ما قال المجد بن تيمية في المنتقى : "وهو متأول على المبالغة في الإحداد والجلوس للتعزية" .

وقال الحافظ ، في آخر كلامه ، في شأن رواية ابن حبان : "وأغرب ابن حبان ، فساق الحديث بلفظ : تسملي ، بالميم بدل الموحدة!

وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله !!

ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث ، بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد ، فلذلك قيدها بالثلاث!

هذا معنى كلامه ، فصحف الكلمة وتكلف لتأويلها!

وقد وقع في رواية البيهقي وغيره : فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتسلب ثلاثا .

فتبين خطؤه" .

تسلبت المرأة : لبست السلاب (بكسر السين) : وهي ثياب الحداد السود ، تلبسها في المأتم .

(31) الحديث 5090- يونس بن محمد بن مسلم ، الحافظ البغدادي المؤدب : ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

فليح -بالتصغير- بن سليمان بن أبي المغيرة المدني : ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

تكلم فيه ابن معين وغيره .

والراجح توثيقه .

وقال الحاكم : "اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره" .

و"فليح" لقب غلب عليه ، واسمه"عبد الملك" .

سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة : ثقة لا يختلف فيه ، كما قال ابن عبد البر .

وهو تابعي روى عن أنس بن مالك .

وتكلم فيه ابن حزم في المحلى بما لا يضره ، زعم أنه"غير مشهور الحال" ، ومرة أنه"مضطرب في اسمه ، غير مشهور الحال" ، ومرة أنه"غير مشهور العدالة"!

انظر المحلى 3 : 273 ، و 4 : 138 ، و 10 : 302 .

وفي المطبوعة هنا"سعيد" بدل"سعد" .

وهو خطأ قديم ، وقع في الموطأ ، ص : 591 .

وليس اختلاف رواية ، ولا خطأ من مالك .

إنما هو من يحيى بن يحيى راوي الموطأ ، ومن رواة آخرين تبعوه .

قال ابن عبد البر في التقصي ، رقم : 123 هكذا قال يحيى : سعيد بن إسحاق ، وتابعه بعضهم .

وأكثر الرواة يقولون فيه : سعد بن إسحاق .

وهو الأشهر ، وكذا قال شعبة وغيره" .

وعلى الصواب"سعد"- رواه الشافعي في الرسالة والأم عن مالك .

وكذلك رواه عنه سويد بن سعد ، في روايته الموطأ .

وكذلك رواه عنه محمد بن الحسن في الموطأ .

عمة سعد بن إسحاق : هي"زينب بنت كعب بن عجرة الأنصارية" ، وهي تابعية ثقة .

بل ذكرها بعضهم في الصحابة .

انظر الإصابة 8 : 97-98 ، وابن سعد 8 : 352 .

ووقع هنا في المطبوعة"عن عمته الفريعة" ، بحذف"عن" بعد كلمة"عمته" .

وهو خطأ ناسخ أو طابع .

فإن زينب عمة سعد هي زوجة أبي سعيد الخدري ، وأما الفريعة فإنها أخت أبي سعيد ، كما في نص الحديث .

و"الفريعة بنت مالك بن سنان" : صحابية قديمة معروفة ، شهدت بيعة الرضوان .

رضي الله عنها .

وهذا الحديث هنا مختصر .

وقد جاء بأسانيد صحاح ، من رواية سعد بن إسحاق ، عن عمته ، عن الفريعة -مختصرا ومطولا .

ويكفي أن نذكر مواضع روايته ، فيما وصل إلينا : فرواه مالك في الموطأ ، مطولا ، ص : 591 ، عن"سعد بن إسحاق" .

وذكر فيه خطأ باسم"سعيد" ، كما بينا من قبل .

ورواه الشافعي في الرسالة : 1214 (بتحقيقنا) ، وفي الأم 5 : 208-209 ، ومحمد بن الحسن في موطئه ، ص : 268 ، وسويد بن سعيد في موطئه ، ص : 123-124 (مخطوط مصور)- كلهم عن مالك ، عن سعد بن إسحاق .

ورواه الدارمي 2 : 168 ، وابن سعد 8 : 268 ، وأبو داود : 2300 ، والترمذي 2 : 224-225 ، والبيهقي 7 : 434 ، وابن حبان في صحيحه 6 : 447-448 (من مخطوطة الإحسان) ، وابن حزم في المحلى 10 : 301- كلهم من طريق مالك ، به .

ورواه الطيالسي : 1664 ، وعبد الرزاق في المصنف 4 : 60-61 (مخطوط مصور) ، وأحمد في المسند 6 : 370 ، 420-421 (حلبي) ، وابن سعد 8 : 267-268 ، والترمذي 2 : 225 ، والنسائي 2 : 113 ، وابن ماجه : 2031 ، وابن الجارود ، ص : 349-350 ، وابن حبان 6 : 449 ، والحاكم 2 : 208 ، والبيهقي 7 : 434-435 ، بأسانيد كثيرة ، مطولا ومختصرا ، من طريق سعد بن إسحاق ، عن عمته ، عن الفريعة .

وصححه الترمذي ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، فيما حكاه عنه الحاكم ، والذهبي .

وذكره السيوطي 1 : 289-290 نسبه إلى كثير ممن أشرنا إليهم .

(32) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام .

والمطبوعة والمخطوطة سواء في نصهما هنا .

(33) في المطبوعة : "أن لا إحداد" ، وهما سواء .

"حدت المرأة تحد حدا وحدادا" و"أحدت تحد إحدادا" .

لبست الحداد (بكسر الحاء) ، وهو ثياب المأتم السود .

"الحداد" اسم ومصدر .

(34) في المطبوعة : "ولا تطيبا" .

والصواب ما أثبته من المخطوطة .

(35) في المطبوعة : "فإن أجاز ذلك المغني" ، والصواب ما أثبت من المخطوطة .

(36) المفسر : هو المميز .

والتفسير : التمييز ، انظر ما سلف 2 : 338 تعليق : 1 / م 3 : 90 تعليق : 1 (37) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 151-152 ، فهذا من كلامه بغير لفظه .

(38) في المطبوعة والمخطوطة : "يعني تعالى ذكره بقوله" ، والسياق يقتضي ما أثبت .

(39) انظر ما سلف في تفسير"المعروف" 5 : 76 والمراجع هناك في التعليق .

(40) في المطبوعة"هويته" بالجمع والنون ، وأثبت ما في المخطوطة .

(41) انظر ما سلف في معنى"خيبر" في فهارس اللغة ، ومباحث العربية .

* * * وقد انتهى هنا التقسيم القديم للنسخة التي نقلت عنها مخطوطتنا ، وفيها ما نصه : "وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا على الأصل بلغت القراءة والسماع من أوله بقراءة محمد بن أحمد بن عيسى السعدي ، لأخيه علي وأحمد بن عمر الجهاري (؟

؟) ونصر بن الحسين الطبري ، على القاضي أبي الحسن الخصيبي ، عن أبي محمد الفرغاني ، عن أبي جعفر الطبري ، وقابل به بكتاب القاضي الخصيبي ، فصحت ، وذلك في شعبان سنة ثمان وأربعمائة" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير فيه خمس وعشرون مسألة : الأولى : قوله تعالى : والذين يتوفون منكم لما ذكر عز وجل عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع ، ذكر عدة الوفاة أيضا ، لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق .

( والذين ) أي والرجال الذين يموتون منكم .

ويذرون أزواجا أي يتركون أزواجا ، أي ولهم زوجات ، فالزوجات يتربصن ، قال معناه الزجاج واختاره النحاس .

وحذف المبتدإ في الكلام كثير ، كقوله تعالى : قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ؛ أي هو النار .

وقال أبو علي الفارسي : تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم ، وهو كقولك : السمن منوان بدرهم ، أي منوان منه بدرهم .

وقيل : التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن ، فجاءت العبارة في غاية الإيجاز وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى : وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون .

وقال بعض نحاة الكوفة : الخبر عن " الذين " متروك ، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن ، وهذا اللفظ معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدم .الثانية : هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها ، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص .

وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن .

وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل [ ص: 160 ] : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ؛ لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام إذا توفي الرجل وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج ، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر وبالميراث .

وقال قوم : ليس في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول ، كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن هذا نسخا .

وهذا غلط بين ؛ لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة إذا لم تخرج ، فإن خرجت لم تمنع ، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشرا ، وهذا هو النسخ ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء .

وقد قالت عائشة رضي الله عنها : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر بحالها ، وسيأتي .الثالثة : عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء .

وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين ، واختاره سحنون من علمائنا .

وقد روي هذا عن ابن عباس أنه رجع عن هذا .

والحجة لما روي عن علي وابن عباس روم الجمع بين قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وبين قوله : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ، وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين ، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة ، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول .

وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال ، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج ، أخرجه في الصحيح .

فبين الحديث أن قوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن ، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين ، ويعتضد هذا بقول ابن مسعود : ومن شاء باهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة .

قال علماؤنا : وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده .

والله أعلم .

وإنما يعني أنها مخصصة لها ، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها .

وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدة الوفاة ؛ لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع ، وزوجها [ ص: 161 ] هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وهو ممن شهد بدرا ، توفي بمكة حينئذ وهي حامل ، وهو الذي رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة ، وولدت بعده بنصف شهر .

وقال البخاري : بأربعين ليلة .

وروى مسلم من حديث عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت : فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي ، وأمرني بالتزوج إن بدا لي .

قال ابن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها ، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر ، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء .

وقال الحسن والشعبي والنخعي وحماد : لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها .

فاشترطوا شرطين : وضع الحمل ، والطهر من دم النفاس .

والحديث حجة عليهم ، ولا حجة لهم في قوله : فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب كما في صحيح مسلم وأبي داود ؛ لأن ( تعلت ) وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها - على ما قاله الخليل - فيحتمل أن يكون المراد به هاهنا تعلت من آلام نفاسها ، أي استقلت من أوجاعها .

ولو سلم أن معناه ما قال الخليل فلا حجة فيه ، وإنما الحجة في قوله عليه السلام لسبيعة : قد حللت حين وضعت فأوقع الحل في حين الوضع وعلقه عليه ، ولم يقل إذا انقطع دمك ولا إذا طهرت ، فصح ما قاله الجمهور .الرابعة : ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كل حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أو لا يملك ، حرة كانت أو أمة أو مدبرة أو مكاتبة أن تضع حملها .واختلفوا في أجل الحامل المتوفى عنها كما تقدم ، وقد أجمع الجميع بلا خلاف بينهم [ ص: 162 ] أن رجلا لو توفي وترك امرأة حاملا فانقضت أربعة أشهر وعشر أنها لا تحل حتى تلد ، فعلم أن المقصود الولادة .الخامسة : قوله تعالى : ( يتربصن ) التربص : التأني والتصبر عن النكاح ، وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا .

ولم يذكر الله تعالى السكنى للمتوفى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله تعالى : أسكنوهن وليس في لفظ العدة في كتاب الله تعالى ما يدل على الإحداد ، وإنما قال : يتربصن فبينت السنة جميع ذلك .

والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن التربص في الوفاة إنما هو بإحداد ، وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه ، وهذا قول جمهور العلماء .

وقال الحسن بن أبي الحسن : ليس الإحداد بشيء ، إنما تتربص عن الزوج ، ولها أن تتزين وتتطيب ، وهذا ضعيف لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى .

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفريعة بنت مالك بن سنان وكانت متوفى عنها : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا ، وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، رواه عنه مالك والثوري ووهيب بن خالد وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وابن عيينة والقطان وشعبة ، وقد رواه مالك عن ابن شهاب وحسبك ، قال الباجي : لم يرو عنه غيره ، وقد أخذ به عثمان بن عفان .

قال أبو عمر : وقضى به في اعتداد المتوفى عنها في بيتها ، وهو حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا تخرج عنه ، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر .

وكان داود يذهب إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت ؛ لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات ، ومن حجته أن المسألة مسألة خلاف .

قالوا : وهذا الحديث إنما ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم ، وإيجاب السكنى إيجاب حكم ، والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب الله أو سنة أو إجماع .

قال أبو عمر : أما السنة فثابتة بحمد الله ، وأما الإجماع فمستغنى عنه بالسنة ؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة ، وبالله التوفيق : وروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة مثل قول داود ، وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن البصري .

قال ابن عباس : إنما قال الله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل يعتددن في بيوتهن ، ولتعتد حيث شاءت ، وروي عن أبي حنيفة .

وذكر عبد الرزاق قال : حدثنا معمر عن الزهري عن عروة قال : خرجت عائشة [ ص: 163 ] بأختها أم كلثوم - حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيد الله - إلى مكة في عمرة ، وكانت تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها .

قال : وحدثنا الثوري عن عبيد الله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول : أبى الناس ذلك عليها .

قال : وحدثنا معمر عن الزهري قال : أخذ المترخصون في المتوفى عنها زوجها بقول عائشة ، وأخذ أهل الورع والعزم بقول ابن عمر .

وفي الموطأ : أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج .

وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد ؛ لأنه كان يرى اعتداد المرأة في منزل زوجها المتوفى عنها لازما لها ، وهو مقتضى القرآن والسنة ، فلا يجوز لها أن تخرج في حج ولا عمرة حتى تنقضي عدتها .

وقال مالك : ترد ما لم تحرم .السادسة : إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن للزوجة العدة فيه ، وعليه أكثر الفقهاء : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لحديث الفريعة .

وهل يجوز بيع الدار إذا كانت ملكا للمتوفى وأراد ذلك الورثة ، فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ذلك جائز ، ويشترط فيه العدة للمرأة .

قال ابن القاسم : لأنها أحق بالسكنى من الغرماء .

وقال محمد بن الحكم : البيع فاسد ؛ لأنها قد ترتاب فتمتد عدتها .

وجه قول ابن القاسم : أن الغالب السلامة ، والريبة نادرة وذلك لا يؤثر في فساد العقود ، فإن وقع البيع فيه بهذا الشرط فارتابت ، قال مالك في كتاب محمد : هي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة ، وأحب إلينا أن يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ولا يرجع بشيء ؛ لأنه دخل على العدة المعتادة ، ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا .

وقال سحنون : لا حجة للمشتري وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين ؛ لأنه دخل على العدة والعدة قد تكون خمس سنين ، ونحو هذا روى أبو زيد عن ابن القاسم .السابعة : فإن كان للزوج السكنى دون الرقبة ، فلها السكنى في مدة العدة ، خلافا لأبي حنيفة والشافعي ، لقوله عليه السلام للفريعة - وقد علم أن زوجها لا يملك رقبة المسكن - : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله .

لا يقال إن المنزل كان لها ، فلذلك قال لها : ( امكثي في بيتك ) فإن معمرا روى عن الزهري أنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها قتل ، وأنه تركها [ ص: 164 ] في مسكن ليس لها واستأذنته ، وذكر الحديث .

ولنا من جهة المعنى أنه ترك دارا يملك سكناها ملكا لا تبعة عليه فيه ، فلزم أن تعتد الزوجة فيه ، أصل ذلك إذا ملك رقبتها .الثامنة : وهذا إذا كان قد أدى الكراء ، وأما إذا كان لم يؤد الكراء فالذي في المدونة : أنه لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا ؛ لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من السكنى ملكا تاما ، وما لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا تاما ، وإنما ملك العوض الذي بيده ، ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون السكنى ؛ لأن ذلك مال وليس بسكنى .

وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله .التاسعة : قوله صلى الله عليه وسلم للفريعة : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدى كراء المسكن ، أو كان أسكن فيه إلى وفاته ، أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدة فيه بكراء أو غير كراء ، أو ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المقام لازم لها فيه حتى تنقضي عدتها .العاشرة : واختلفوا في المرأة يأتيها نعي زوجها وهي في بيت غير بيت زوجها ، فأمرها بالرجوع إلى مسكنه وقراره مالك بن أنس ، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه .

وقال سعيد بن المسيب والنخعي : تعتد حيث أتاها الخبر ، لا تبرح منه حتى تنقضي العدة .

قال ابن المنذر : قول مالك صحيح ، إلا أن يكون نقلها الزوج إلى مكان فتلزم ذلك المكان .الحادية عشرة : ويجوز لها أن تخرج في حوائجها من وقت انتشار الناس بكرة إلى وقت هدوئهم بعد العتمة ، ولا تبيت إلا في ذلك المنزل .

وفي البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ، ولا تكتحل ، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار .

وفي حديث أم حبيبة : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق [ ص: 165 ] ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا الحديث .

الإحداد : ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي والكحل والخضاب بالحناء ما دامت في عدتها ؛ لأن الزينة داعية إلى الأزواج ، فنهيت عن ذلك قطعا للذرائع ، وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك ، وليس دهن المرأة رأسها بالزيت والشيرج من الطيب في شيء .

يقال : امرأة حاد ومحد .

قال الأصمعي : ولم نعرف ( حدت ) .

وفاعل ( لا يحل ) المصدر الذي يمكن صياغته من ( تحد ) مع ( أن ) المرادة ، فكأنه قال : الإحداد .الثانية عشرة : وصفه عليه السلام المرأة بالإيمان يدل على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفى عنها زوجها أنها لا إحداد عليها ، وهو قول ابن كنانة وابن نافع ، ورواه أشهب عن مالك ، وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر ، وروي عن ابن القاسم أن عليها الإحداد كالمسلمة ، وبه قال الليث والشافعي وأبو ثور وعامة أصحابنا ؛ لأنه حكم من أحكام العدة فلزمت الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة .الثالثة عشرة : وفي قوله عليه السلام : ( فوق ثلاث إلا على زوج ) دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث ، وإباحة الإحداد عليهم ثلاثا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها ، فإن مات حميمها في بقية يوم أو ليلة ألغته وحسبت من الليلة القابلة .الرابعة عشرة : هذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن المتوفى عنهن أزواجهن ، فيدخل فيه الإماء والحرائر والكبار والصغار ، وهو مذهب الجمهور من العلماء .

وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أمة ولا على صغيرة ، حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي .

قال ابن المنذر : أما الأمة الزوجة فهي داخلة في جملة الأزواج وفي عموم الأخبار ، وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ، ولا أحفظ في ذلك عن أحد خلافا ، ولا أعلمهم يختلفون في الإحداد على أم الولد إذا مات سيدها ؛ لأنها ليست بزوجة ، والأحاديث إنما جاءت في الأزواج .

قال الباجي : الصغيرة إذا كانت ممن تعقل الأمر والنهي وتلتزم ما حد لها أمرت بذلك ، وإن كانت لا تدرك شيئا من ذلك لصغرها فروى ابن مزين عن عيسى يجنبها أهلها جميع ما تجتنبه الكبيرة ، وذلك لازم لها .

والدليل على وجوب الإحداد على الصغيرة ما [ ص: 166 ] روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سألته امرأة عن بنت لها توفي عنها زوجها فاشتكت عينها أفتكحلها ؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ) مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يقول ( لا ) ولم يسأل عن سنها ، ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم ، وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز ، وأيضا فإن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة .الخامسة عشرة : : قال ابن المنذر : ولا أعلم خلافا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها .

وأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس الثياب المصبغة والمعصفرة ، إلا ما صبغ بالسواد فإنه رخص فيه عروة بن الزبير ومالك والشافعي ، وكرهه الزهري .

وقال الزهري : لا تلبس ثوب عصب ، وهو خلاف الحديث .

وفي المدونة قال مالك : لا تلبس رقيق عصب اليمن ، ووسع في غليظه .

قال ابن القاسم : لأن رقيقه بمنزلة الثياب المصبغة وتلبس رقيق الثياب وغليظه من الحرير والكتان والقطن .

قال ابن المنذر : ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض ، قال القاضي عياض : ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة لا تمسه الحاد رقيقا كان أو غليظا .

ونحوه للقاضي عبد الوهاب قال : كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه الحاد .

ومنع بعض مشايخنا المتأخرين جيد البياض الذي يتزين به ، وكذلك الرفيع من السواد .

وروى ابن المواز عن مالك : لا تلبس حليا وإن كان حديدا ، وفي الجملة أن كل ما تلبسه المرأة على وجه ما يستعمل عليه الحلي من التجمل فلا تلبسه الحاد .

ولم ينص أصحابنا على الجواهر واليواقيت والزمرد وهو داخل في معنى الحلي .

والله أعلم .السادسة عشرة : وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها ، إلا الحسن فإنه قال : ليس بواجب ، واحتج بما رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت .

قال ابن المنذر : كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد ، وقال : المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتختضبان وتصنعان ما شاءا .

وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإحداد ، وليس لأحد بلغته إلا التسليم ، ولعل الحسن لم تبلغه ، أو بلغته فتأولها بحديث أسماء بنت عميس أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحد على جعفر وهى امرأته ، فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي .

قال ابن المنذر ، [ ص: 167 ] وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه ، وكان أحمد بن حنبل يقول : هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به ، وقاله إسحاق .السابعة عشرة : ذهب مالك والشافعي إلى أن لا إحداد على مطلقة ، رجعية كانت أو بائنة واحدة أو أكثر ، وهو قول ربيعة وعطاء .

وذهب الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وأبو ثور وأبو عبيد إلى أن المطلقة ثلاثا عليها الإحداد ، وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن سيرين والحكم بن عيينة .

قال الحكم : هو عليها أوكد وأشد منه على المتوفى عنها زوجها ، ومن جهة المعنى أنهما جميعا في عدة يحفظ بها النسب .

وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة .

قال ابن المنذر : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا دليل على أن المطلقة ثلاثا والمطلق حي لا إحداد عليها .الثامنة عشرة : أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها ثم توفي قبل انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه .

واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثا في المرض ، فقالت طائفة تعتد عدة الطلاق ، هذا قول مالك والشافعي ويعقوب وأبي عبيد وأبي ثور .

قال ابن المنذر : وبه نقول ؛ لأن الله تعالى جعل عدة المطلقات الأقراء ، وقد أجمعوا على المطلقة ثلاثا لو ماتت لم يرثها المطلق ، وذلك لأنها غير زوجة ، وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها .

وقال الثوري : تعتد بأقصى العدتين .

وقال النعمان ومحمد : عليها أربعة أشهر وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حيض .التاسعة عشرة : واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها أو طلاقه ، فقالت طائفة : العدة في الطلاق والوفاة من يوم يموت أو يطلق ، هذا قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ، وبه قال مسروق وعطاء وجماعة من التابعين ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر .

وفيه قول ثان وهو أن عدتها من يوم يبلغها الخبر ، روي هذا القول عن علي ، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء الخراساني وجلاس بن عمرو .

وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز : إن قامت بينة فعدتها من يوم مات أو طلق ، وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر ، والصحيح الأول ؛ لأنه تعالى علق العدة بالوفاة أو الطلاق ، ولأنها لو علمت بموته فتركت الإحداد انقضت العدة ، فإذا تركته مع عدم العلم فهو أهون ، ألا ترى أن الصغيرة تنقضي عدتها ولا إحداد عليها .

وأيضا فقد أجمع العلماء [ ص: 168 ] على أنها لو كانت حاملا لا تعلم طلاق الزوج أو وفاته ثم وضعت حملها أن عدتها منقضية .

ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها .

ووجه من قال بالعدة من يوم يبلغها الخبر ، أن العدة عبادة بترك الزينة وذلك لا يصح إلا بقصد ونية ، والقصد لا يكون إلا بعد العلم .

والله أعلم .الموفية عشرين : عدة الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض ، والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية - دخل بها أو لم يدخل بها إذا كانت غير حامل - وعدة جميعهن إلا الأمة أربعة أشهر وعشرة أيام ، لعموم الآية في قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا .

وعدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمس ليال .

قال ابن العربي : نصف عدة الحرة إجماعا ، إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوى فيها بين الحرة والأمة وقد سبقه الإجماع ، لكن لصممه لم يسمع .

قال الباجي : ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن سيرين ، وليس بالثابت عنه أنه قال : عدتها عدة الحرة .قلت : قول الأصم صحيح من حيث النظر ، فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة ، فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر ، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة ، وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة .

والله أعلم .

قال ابن العربي : وروي عن مالك أن الكتابية تعتد بثلاث حيض إذ يبرأ الرحم ، وهذا منه فاسد جدا ؛ لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة وهي منها وأدخلها في عموم آية الطلاق وليست منها .قلت : وعليه بناء ما في المدونة لا عدة عليها إن كانت غير مدخول بها ؛ لأنه قد علم براءة رحمها ، هذا يقتضي أن تتزوج مسلما أو غيره إثر وفاته ؛ لأنه إذا لم يكن عليها عدة للوفاة ولا استبراء للدخول فقد حلت للزواج .الحادية والعشرون : واختلفوا في عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها ، فقالت طائفة : عدتها أربعة أشهر وعشر ، قاله جماعة من التابعين منهم سعيد والزهري والحسن البصري وغيرهم ، وبه قال الأوزاعي وإسحاق .

وروى أبو داود والدارقطني عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال : لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ، يعني في أم الولد ، لفظ أبي داود .

وقال الدارقطني : موقوف .

وهو الصواب ، وهو [ ص: 169 ] مرسل لأن قبيصة لم يسمع من عمرو .

قال ابن المنذر : وضعف أحمد وأبو عبيد هذا الحديث .

وروي عن علي وابن مسعود أن عدتها ثلاث حيض ، وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي ، قالوا : لأنها عدة تجب في حال الحرية ، فوجب أن تكون عدة كاملة ، أصله عدة الحرة .

وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : عدتها حيضة ، وهو قول ابن عمر .

وروي عن طاوس أن عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها ، وبه قال قتادة .

قال ابن المنذر : وبقول ابن عمر أقول ؛ لأنه الأقل مما قيل فيه وليس فيه سنة تتبع ولا إجماع يعتمد عليه .

وذكر اختلافهم في عدتها في العتق كهو في الوفاة سواء ، إلا أن الأوزاعي جعل عدتها في العتق ثلاث حيض .قلت : أصح هذه الأقوال قول مالك ؛ لأن الله سبحانه قال : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فشرط في تربص الأقراء أن يكون عن طلاق ، فانتفى بذلك أن يكون عن غيره .

وقال : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فعلق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة ، فدل على أن الأمة بخلافها .

وأيضا فإن هذه أمة موطوءة بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة ، أصل ذلك الأمة .الثانية والعشرون : إذا ثبت هذا فهل عدة أم الولد استبراء محض أو عدة ، فالذي ذكره أبو محمد في معونته أن الحيضة استبراء وليست بعدة .

وفي المدونة أن أم الولد عليها العدة ، وأن عدتها حيضة كعدة الحرة ثلاث حيض .

وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا هي عدة فقد قال مالك : لا أحب أن تواعد أحدا ينكحها حتى تحيض حيضة .

قال ابن القاسم : وبلغني عنه أنه قال : لا تبيت إلا في بيتها ، فأثبت لمدة استبرائها حكم العدة .الثالثة والعشرون : أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقة للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة ، لقوله تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن .واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ، فقالت طائفة : لا نفقة لها ، كذلك قال جابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق ، وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي .

وفيه قول ثان وهو أن لها النفقة من جميع المال ، وروي هذا القول [ ص: 170 ] عن علي وعبد الله وبه قال ابن عمر وشريح وابن سيرين والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد .

قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول ؛ لأنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل أولاده الأطفال وزوجته ووالديه تسقط عنه ، فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه .

وقال القاضي أبو محمد : لأن نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله بعد موته ، بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار فبأن تسقط بالموت أولى وأحرى .الرابعة والعشرون : قوله تعالى : أربعة أشهر وعشرا اختلف العلماء في الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتا لعدة المتوفى عنها زوجها ، هل تحتاج فيها إلى حيضة أم لا ، فقال بعضهم : لا تبرأ إذا كانت ممن توطأ إلا بحيضة تأتي بها في الأربعة الأشهر والعشر ، وإلا فهي مسترابة .

وقال آخرون : ليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشر ، إلا أن تستريب نفسها ريبة بينة ؛ لأن هذه المدة لا بد فيها من الحيض في الأغلب من أمر النساء إلا أن تكون المرأة ممن لا تحيض أو ممن عرفت من نفسها أو عرف منها أن حيضتها لا تأتيها إلا في أكثر من هذه المدة .الخامسة والعشرون : قوله تعالى : وعشرا روى وكيع عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه سئل : لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر ؟

قال : لأن الروح تنفخ فيها ، وسيأتي في الحج بيان هذا إن شاء الله تعالى .

وقال الأصمعي : ويقال إن ولد كل حامل يرتكض في نصف حملها فهي مركض .

وقال غيره : أركضت فهي مركضة وأنشد : ( للشاعر أوس بن علفاء الهجيمي ) :ومركضة صريحي أبوها تهان لها الغلامة والغلاموقال الخطابي : قوله وعشرا يريد - والله أعلم - الأيام بلياليها .

وقال المبرد : إنما أنث العشر لأن المراد به المدة .

المعنى وعشر مدد ، كل مدة من يوم وليلة ، فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر .

وقيل : لم يقل عشرة تغليبا لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها .

( وعشرا ) أخف في اللفظ ، فتغلب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ ؛ لأن ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال ، فلما كان أول الشهر الليلة غلب الليلة ، تقول : صمنا خمسا من الشهر ، فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار .

وذهب مالك والشافعي والكوفيون إلى أن المراد بها الأيام والليالي .

قال ابن المنذر : فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول [ ص: 171 ] وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليال كان باطلا حتى يمضي اليوم العاشر .

وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج ، وذلك لأنه رأى العدة مبهمة فغلب التأنيث وتأولها على الليالي .

وإلى هذا ذهب الأوزاعي من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكلمين .

وروي عن ابن عباس أنه قرأ " أربعة أشهر وعشر ليال " .قوله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير فيه ثلاث مسائل : الأولى : أضاف تعالى الأجل إليهن إذ هو محدود مضروب في أمرهن ، وهو عبارة عن انقضاء العدة .الثانية : قوله تعالى : فلا جناح عليكم خطاب لجميع الناس ، والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء .

فيما فعلن يريد به التزوج فما دونه من التزين واطراح الإحداد .

( بالمعروف ) أي بما أذن فيه الشرع من اختيار أعيان الأزواج وتقدير الصداق دون مباشرة العقد ؛ لأنه حق للأولياء كما تقدم .الثالثة : وفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة .

وفيها رد على إسحاق في قوله : إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأول ، إلا أنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل .

وعن شريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة ، قال الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلا ، فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك .

والحديث عن ابن عباس لو صح يحتمل أن يكون منه على الاستحباب ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إذا توفي الزوج, مكثت زوجته, متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا، والحكمة في ذلك, ليتبين الحمل في مدة الأربعة, ويتحرك في ابتدائه في الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل, فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك الأَمَةُ, عِدَّتُها على النصف من عدة الحرة, شهران وخمسة أيام.

وقوله: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي: انقضت عدتهن { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } أي: من مراجعتها للزينة والطيب، { بِالْمَعْرُوفِ } أي: على وجه غير محرم ولا مكروه.

وفي هذا وجوب الإحداد مدة العدة, على المتوفى عنها زوجها, دون غيرها من المطلقات والمفارقات, وهو مجمع عليه بين العلماء.

{ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } أي: عالم بأعمالكم, ظاهرها وباطنها, جليلها وخفيها, فمجازيكم عليها.

وفي خطابه للأولياء بقوله: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } دليل على أن الولي ينظر على المرأة, ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب, وأنه مخاطب بذلك, واجب عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ) أي يموتون وتتوفى آجالهم وتوفى واستوفى بمعنى واحد ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا ( ويذرون أزواجا ) يتركون أزواجا ) ( يتربصن ) ينتظرن ( بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) أي يعتددن بترك الزينة والطيب والنقلة على فراق أزواجهن هذه المدة إلا أن يكن حوامل فعدتهن بوضع الحمل وكانت عدة الوفاة في الابتداء حولا كاملا لقوله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " 240 - البقرة ) ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا .

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : كانت هذه العدة يعني أربعة أشهر وعشرا واجبة عند أهل زوجها فأنزل الله تعالى : ( متاعا إلى الحول ) فجعل لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز وجل : " غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن " ( 240 - البقرة ) فالعدة كما هي واجبة عليها .

وقال : عطاء قال : ابن عباس رضي الله عنهما : نسخت هذه الآية عدتها عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ويجب عليها الإحداد في عدة الوفاة وهي أن تمتنع من الزينة والطيب فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن سواء كان فيه طيب أو لم يكن ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه فإن كان فيه طيب فلا يجوز ولا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب أو فيه زينة كالكحل الأسود ولا بأس بالكحل الفارسي الذي لا زينة فيه فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فرخص فيه كثير من أهل العلم منهم سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وعطاء والنخعي وبه قال مالك وأصحاب الرأي وقال الشافعي رحمه الله : تكتحل به ليلا وتمسحه بالنهار .

قالت أم سلمة : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال : " إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار " .

ولا يجوز لها الخضاب ولا لبس الوشي والديباج والحلي ويجوز لها لبس البيض من الثياب ولبس الصوف والوبر ولا تلبس الثوب المصبوغ للزينة كالأحمر والأخضر الناضر والأصفر ويجوز ما صبغ لغير زينة كالسواد والكحلي وقال سفيان : لا تلبس المصبوغ بحال .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب : دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست به بطنها ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " .

وقالت زينب : ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله فدعت بطيب فمست به ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر " لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " قالت زينب : وسمعت أمي أم سلمة تقول : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا " ثم قال : " إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول " قال حميد : فقلت لزينب : وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟

فقالت زينب : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا أي بيتا صغيرا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به أي تمسح فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره ، وقال مالك : تفتض أي تمسح جلدها .

وقال سعيد بن المسيب : الحكمة في هذه المدة أن فيها ينفخ الروح في الولد ويقال : إن الولد يرتكض أي يتحرك في البطن لنصف مدة الحمل أربعة أشهر وعشر قريبا من نصف مدة الحمل وإنما قال عشرا بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي لأن العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت عليها الليالي فيقولون صمنا عشرا والصوم لا يكون إلا بالنهار .

وقال المبرد : إنما أنث العشر لأنه أراد المدد أي عشر مدد كل مدة يوم وليلة وإذا كان المتوفى عنها زوجها حاملا فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها تنتظر آخر الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى أراد بالقصرى سورة الطلاق " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( 4 - الطلاق ) نزلت بعد قوله تعالى " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " في سورة البقرة فحمله على النسخ وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة وهو ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت .

قوله تعالى ( فإذا بلغن أجلهن ) أي انقضت عدتهن ( فلا جناح عليكم ) خطاب للأولياء ( فيما فعلن في أنفسهن ) أي من اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد إلى الولي وقيل فيما فعلن من التزين للرجال زينة لا ينكرها الشرع ( بالمعروف والله بما تعملون خبير ) والإحداد واجب على المرأة في عدة الوفاة أما المعتدة عن الطلاق نظر فإن كانت رجعية فلا إحداد عليها في العدة لأن لها أن تضع ما يشوق قلب الزوج إليها ليراجعها وفي البائنة بالخلع والطلقات الثلاثة قولان : أحدهما : عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال أبو حنيفة والثاني : لا إحداد عليها وهو قول عطاء وبه قال مالك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين يتوفون» يموتون «منكم ويذرون» يتركون «أزواجا يتربصن» أي ليتربصن «بأنفسهن» بعدهم عن النكاح «أربعة أشهر وعشرا» من الليالي وهذا في غير الحوامل أما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق والأمة على النصف من ذلك بالسنة «فإذا بلغن أجلهن» انقضت مدة تربصهن «فلا جناح عليكم» أيها الاولياء «فيما فعلن في أنفسهن» من التزين والتعرض للخطاب «بالمعروف» شرعا «والله بما تعملون خبير» عالم بباطنه كظاهره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين يموتون منكم، ويتركون زوجات بعدهم، يجب عليهن الانتظار بأنفسهن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، لا يخرجن من منزل الزوجية، ولا يتزيَّنَّ، ولا يتزوجن، فإذا انتهت المدة المذكورة فلا إثم عليكم يا أولياء النساء فيما يفعلن في أنفسهن من الخروج، والتزين، والزواج على الوجه المقرر شرعًا.

والله سبحانه وتعالى خبير بأعمالكم ظاهرها وباطنها، وسيجازيكم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - عدة المرأة إذا توفي عنها زوجها ، وما يجب عليها من آداب فقال - تعالى - :( والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً .

.

.

)قوله : ( يُتَوَفَّوْنَ ) - بالبناء للمجهول - أي تقبض أرواحهم فإن التوفي هو القبض .

يقال : توفيت مالي من فلان واستوفيته منه أي قبضته وأخذته .

قال - تعالى - : ( الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا ) أي يقبض الأنفس ويأخذها إليه بالموت حين انتهاء آجالها .والمعنى : والذين يتوفاهم الله - تعالى - منكم - أيها المسلمون - ويتركون من خلفهم أزواجاً .

فعلى هؤلاء الأزواج اللائي ارتبطن برجالهم ارتباطاً قوياً متيناً ثم فرق الموت بينهم وبينهن ، عليهن أن ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) أي : عليهن أن ينتظرن انقضاء عدتهن فيحبسن أنفسهن عن الزواج وعن التزين وعن التعرض للخطاب مدة أربعة أشهر وعشر ليلا ، وفاء لحق الزوج المتوفي ، واستبراء للرحم .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا أمر من الله - تعالى - للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال .

وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بالإِجماع ، ومستند هذا الإِجماع في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة ، وهذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها فقال : أقول فيها برأيي فإن يك صواباً فمن الله ، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان .

والله - تعالى - ورسوله بريئان منه : لها الصداق كاملا .وفي لفظ : لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث .

فقام معقل بن يسار فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بَرَوعَ بنت واشق .

ففرح عبد الله بذلك فرحاً شديداً .

لا ويخرج من ذلك إلا المتوفي عنها زوجها وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل لعموم قوله - تعالى - : ( وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع أو أربعة أشهر وعشرة أيام للجمع بين الآيتين .وقوله : ( والذين ) اسم موصول مبتدأ .

( يُتَوَفَّوْنَ ) صلته ، و ( مِنكُمْ ) في موضع النصب على الحال من الواو في ( يُتَوَفَّوْنَ ) و ( يَتَرَبَّصْنَ ) وما بعده خبر عن الذين والرابط محذوف والتقدير : يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا .والتعبير بقوله : ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ) تعبير دقيق حكيم أي : عليهن أن يمنعن أنفسهن عن النكاح وعن التزين وعن الخروج من منزل الزوجية - إلأا إذا كانت هناك ضرورة لهذا الخروج - مدة أربعة أشهر وعشرة أيام ، وذلك لأن المرأة المؤمنة الوفية يأبى عليها دينها ووفاؤها لزوجها المتوفي عنها ، أن تعرض نفسها على غيره بعد فترة قصيرة من وفاته ، فإن هذا أمر مستهجن في شرع الله وفثي عرف العقلاء من الناس .

إذ هذه المدة التي جاءت في الآية التي حددها الله - تعالى - لمعرفة براءة الرحم من الحمل ، وهي التي تخف فيها مرارة الفراق بين زوجين ربط الله بينهما برابطة المودة والرحمة .ولقد ألغي الإِسلام بهذا التشريع عادات جاهلية ظالمة للمرأة فقد كانت المرأة في الجاهلية إّا توفي عنها زوجها تغلق على نفسها مكاناً ضيقاً في بيتها وتقضى فيه عاماً كاملاً على زوجها فأبطل الإِسلام ذلك ، ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما ثبت في الصحيحين عن أم حبيبة وزينب بنت جحش - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " .والإِحداد هو ترك الزينة ، وعدم التعرض للخطاب ، وعدم الخروج من منزل الزوجية إلا لضرورة .

وفي الصحيحين أيضاً عن أم سلمة " أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكتحل؟

فقال : لا - مرتين أو ثلاثاً - ثم قال : إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت أحداكن في الجاهلية تمكث سنة " .قال ابن كثير بعد أن ساق هذين الحديثين : قالت زينب بنت أم سلمة : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً - أي مكانا ضيقاً من البيت ولبست شر ثيابها ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر سنة " .وقال بعض العلماء : وقد حد الشارع للمتوفي عنها زوجها عدة هي في جملتها أكثر من عدة المطلقات ، لأن تلك ثلاثة قروء تجئ عادة في نحو ثلاثة أشهر .

وهنا يرد سؤالان :أولهما : لماذا كانت العدة في المتوفي عنها زوجها بالأشهر دون الحيض فلم تجعل أربع حيضات بدل ثلاث؟

ولماذا كانت الزيادة؟

ولم نجد أحداً تصدى لبيان الحكمة في جعلها بالأشهر ، ويبدو لنا أن الحكمة التي تدركها عقولنا - وإن كانت الحكمة السامية قد تعلو على مداركنا - : هي أن عدة الوفاة تكون للمدخول بها وغير المدخول بها وللصغيرة والكبيرة ، والأساس فيها هو الحداد على الزواج السابق الذي انتهى بوفاة أحد ركنيه ، فلزم أن يكون بأمر يشترك فيه الجميع ما دام السبب واحداً في الجميع .

وفوق ذلك أن العدة في الوفاة لو قدرت بالحيض وهو أمر لا يعلم إلا من جهة المرأة ، فربما تدفعها الرغبة في الزواج إلى الكذب فتدعيه وهو لم يقع ، وفي المطلقات العدة حق للمطلق فيستطيع أن ينكر عليها أما في حال الوفاة فصاحب الحق الأول قد مات وصار الحق لله خالصاً .

فحد ذلك الحق بالأشهر والأيام حتى لا يكون مساغا للكذب وإدعاء ما لم يحصل ، لأن الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب وليست أمراً يعرف من جهتها فقط .أما الجواب عن الأمر الثاني وهو لماذا كانت العدة بالوفاة أكثر في الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق؟

فيبدو بادي الرأي من الفرق بين حال الطلاق وحال الوفاة أن الطلاق نتيجة شقاق .

فالحداد على الزوج الذي ينشئه ليس قوياً ، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة للرجعة يكون أوضح في معنى العدة ، ويكفى لذلك نحو ثلاثة أشهر .

أما حال الموت فمرارة الفراق وغير المدخول بها ، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق .وقد يرد سؤال ثالث وهو : لماذا حددت العدة بأربعة أشهر وعشر؟

وإن تقدير سؤال ثالث وهو : لماذا حددت العدة بأربعةأشهر وعشر؟

وإن تقدير الأعداد كما يقرر الفقهاء أمر توقيفي خالص لا يجري فيه القياس ولكن ليس معنى ذلك أنه لا حكمة فيه ، وأن الحكمة يقررها العلماء في أمرين :أولهما : أن ألأشهر الأربعة هي التي يظهر فيها الحمل ويستبين ، وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط .وثانيهما : أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قررها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال .

ولذلك جعل الإِيلاء مجته أربعة أشهر .

فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج في حدود هذه المدة ومقاربة لها في الجملة " .وقوله : ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بالمعروف ) بيان لما يترتب على انتهاء المدة التي حددها الشرع للمرأة التي مات عنها زوجها .

أي : فإذا انتهت المدة التي حددها الشرع للمرأة التي مات عنها زوجها لتتجنب فيها التزين والتعرض للنكاح .

فلا حرج عليكم بعد ذلك أيها المسلمون أو أيها الأولياء - في ترك هؤلاء الزوجات الأرامل يفعلن في أنفسهن ما تفعله المرأة الراغبة في الزواج من التزين والتجمل ولكن بالطريقة التي يقرها الشرع ، وترضاها العقول السليمة ، والأخلاق المستقيمة .وقوله : ( بالمعروف ) متعلق بفعلن ، أو حال من النون أي حالة كونهن متلبسات بالمعروف .ومفهومه أنهن لو خرجن عن المعروف شرعاً بأن تبرجن وأظهرن ما أمر الله بستره فإنه في هذه الحالة يجب على أوليائهن أن يمنعوهن من ذلك .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) أي أنه محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه منها شيء فإذا وقفتم أنتم ونساؤكم عند حدوده أسعدكم في الدنيا وأجزل مثوبتكم في الآخرة .

وإن تجاورتم حدوده عاقبكم بما تستحقون ( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ .

إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) وبذلك نرى الآية الكريمة قد رسمت للناس أفضل وسائل الحياة الشريفة ، فأرشدت المرأة التي مات عنها زوجها إلى ما يحفظ لها كرامتها ، ويدفع عنها ما يتنافى مع العفة والشرف والوفاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة: وفيه مسائل: المسألة الأولى: يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا  ﴾ وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً كاملاً، فمن مات فقد وجد عمره وافياً كاملاً، ويقال: توفي فلان، وتوفي إذا مات، فمن قال: توفي.

كان معناه قبض وأخذ ومن قال: توفى.

كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح الياء.

وأما قوله: ﴿ وَيَذَرُونَ ﴾ معناه: يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر استغناءً عنه يترك تركاً، ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه، فهذان الفعلان العابر والأمر منهما موجودان، يقال: فلان يدع كذا ويذر ويقال: دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج هاهنا النساء والعرب تسمي الرجل زوجاً وامرأته زوجاً له، وربما ألحقوا بها الهاء.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ والذين ﴾ مبتدأ ولا بد له من خبر، واختلفوا في خبره على أقوال الأول: أن المضاف محذوف والتقدير، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن والثاني: وهو قول الأخفش التقدير: يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله: السمن منوان بدرهم وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور  ﴾ والثالث: وهو قول المبرد: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً، أزواجهم يتربصن، قال: وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار  ﴾ يعني هو النار، وقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  ﴾ .

فإن قيل: أنتم أضمرتم هاهنا مبتدأ مضافاً، وليس ذلك شيئاً واحداً بل شيئان، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد.

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فِى ٱلْبِلَٰدِ  مَتَٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ  ﴾ والمعنى: تقلبهم متاع قليل الرابع: وهو قول الكسائي والفراء، أن قوله تعالى: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ مبتدأ، إلا أن الغرض غير متعلق هاهنا ببيان حكم عائد إليهم، بل ببيان حكم عائد إلى أزوجهم، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبراً، وأنكر المبرد والزجاج ذلك، لأن مجئ المبتدأ بدون الخبر محال.

المسألة الثالثة: قد بينا فيما تقدم معنى التربص، وبينا الفائدة في قوله: ﴿ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ وبينا أن هذا وإن كان خبراً إلا أن المقصود منه هو الأمر، وبينا الفائدة في العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَعَشْرًا ﴾ مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد عشرة أيام، وذكروا في العذر عنه وجوهاً الأول: تغليب الليالي على الأيام وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني، قال ابن السكيت: يقولون صمنا خمساً من الشهر، فيغلبون الليالي على الأيام، إذ لم يذكروا الأيام، فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا خمسة أيام الثاني: أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه، ومثل هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة، وجئنا ليالي إمارة الحجاج والثالث: ذكره المبرد، وهو أنه إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه وعشر مدد، وتلك المدة كل مدة منها يوم وليلة الرابع: ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية، فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج، فيتأول العشرة بالليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم.

المسألة الخامسة: روي عن أبي العالية أن الله سبحانه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة، وهو أيضاً منقول عن الحسن البصري.

المسألة السادسة: اعلم أن هذه العدة واجبة في كل امرأة مات عنها زوجها إلا في صورتين أحداهما: أن تكون أمة فإنها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرة، وقال أبو بكر الأصم: عدتها عدة الحرائر، وتمسك بظاهر الآية، وأيضاً الله تعالى جعل وضع الحمل في حق الحامل بدلاً عن هذه المدة، ثم وضع الحمل مشترك فيه الحرة والرقيقة، فكذا الاعتداد بهذه المدة يجب أن يشتركا فيه، وسائر الفقهاء قالوا: التنصيف في هذه المدة ممكن، وفي وضع الحمل غير ممكن، فظهر الفرق.

الصورة الثانية: أن يكون المراد إن كانت حاملاً فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، فإذا وضعت الحمل حلت، وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة، وعن علي عليه السلام: «تتربص أبعد الأجلين»، والدليل عليه القرآن والسنة.

أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ  ﴾ ومن الناس من جعل هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا ﴾ والشافعي لم يقل بذلك لوجهين: الأول: أن كل واحدة من هاتين الآيتين أعم من الأخرى من وجه وأخص منها من وجه، لأن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى، كما أن التي توفى عنها زوجها قد تكون حاملاً وقد لا تكون، ولما كان الأمر كذلك امتنع جعل إحدى الآيتين مخصصة للأخرى والثاني: أن قوله: ﴿ وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ إنما ورد عقيب ذكر المطلقات، فربما يقول قائل: هي في المطلقة لا في المتوفى عنها زوجها.

فلهذين السببين لم يعول الشافعي في الباب على القرآن، وإنما عول على السنة، وهي ما روى أبو داود بإسناده أن سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فلما طهرت من دمها تجملت للخطاب، فقال لها بعض الناس: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزوج إن بدا لي، إذا عرفت هذا الأصل فهاهنا تفاريع الأول: لا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول وهذا قول متروك لأن الآية عامة في حق الكل.

الحكم الثاني: إذا تمت أربعة أشهر وعشر انقضت عدتها، وإن لم تر عادتها من الحيض فيها وقال مالك: لا تنقضي عدتها حتى ترى عادتها من الحيض في تلك الأيام، مثلاً إن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة فعليها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فهاهنا تكفيها الشهور حجة الشافعي رحمه الله أن هذه الآية دلت على أنه تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بهذه المدة ولم يزد على هذا القدر فوجب أن يكون هذا القدر كافياً، ثم قال الشافعي: إنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الإقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط.

الحكم الثالث: إذا مات الزوج فإن كان بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيام فالشهر الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالأهلة سواء خرجت كاملة أو ناقصة، ثم تكمل الشهر الأول بالخامس ثلاثين يوماً، ثم تضم إليها عشرة أيام، وإن مات وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبر أربعة أشهر بعد ذلك بالأهلة وكمل العشر من الشهر السادس.

المسألة السابعة: أجمع الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة غير أبي مسلم الأصفهاني فإنه أبى نسخها، وسنذكر كلامه من بعد إن شاء الله تعالى، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول، وإنما ترتيب التلاوة في المصاحف هو ترتيب جبريل بأمر الله تعالى.

المسألة الثامنة: اختلفوا في أن هذه العدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة، فقال بعضهم: ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة، واحتجوا بأنه تعالى قال: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ ولا يحصل إلا إذا قصدت هذا التربص، والقصد إلى التربص لا يحصل إلا مع العلم بذلك، والأكثرون قالوا السبب هو الموت، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، قالوا والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة.

المسألة التاسعة: المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه: والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول: الامتناع عن النكاح مجمع عليه، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة، وأما ترك التزين فهو واجب، لما روي عن عائشة وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً».

وقال الحسن والشعبي: هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه والله أعلم.

واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وتلبثي ثلاثاً ثم اصنعي ما شئت».

المسألة العاشرة: احتج من قال: إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع بقوله تعالى: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ فقوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ خطاب مع المؤمنين، فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط.

وجوابه: أن المؤمنين لما كانوا هم العاملين بذلك خصهم بالذكر كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  ﴾ مع أنه كان منذراً للكل، لقوله تعالى: ﴿ لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً  ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، وقيل: الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ تقديره: لا جناح على النساء وعليكم، ثم قال: ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بالمعروف ﴾ أي ما يحسن عقلاً وشرعاً لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعاً لشرائط الصحة، ثم ختم الآية بالتهديد، فقال: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى: ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾ فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله، والنكاح ليس كذلك، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما.

المسألة الثانية: تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي، قالوا: إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزاً لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾ وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطباً بقوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ على تقدير حذف المضاف، أراد: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن.

وقيل: معناه يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن مَنَوَان بدرهم.

وقرئ: ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، وهي قراءة علي رضي الله عنه.

والذي يحكى: أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي- بكسر الفاء، فقال الله تعالى.

وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله عنه على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو- تناقضه هذه القراءة ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ يعتددن هذه المدّة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل عشراً ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.

تقول: صمت عشراً، ولو ذكرت خرجت من كلامهم.

ومن البين فيه قوله تعالى: ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ [طه: 103] ثم ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ [طه: 104] ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ فإذا انقضت عدّتهن ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيها الأئمة وجماعة المسلمين ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾ من التعرّض للخطاب ﴿ بالمعروف ﴾ بالوجه الذي لا ينكره الشرع.

والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهن.

وإن فرّطوا كان عليهم الجناح ﴿ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ ﴾ هو أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوّج، وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح، فلا يقول: إني أريد أن أنكحك، أو أتزوجك، أو أخطبك.

وروى ابن المبارك عن عبد الله بن سليمان عن خالته قالت: دخل عليَّ أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدّي عليّ وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لكا!

أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك؟

فقال: أوقد فعلتا!

إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها، فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة.

فإن قلت: أي فرق بين الكناية والتعريض؟

قلت: الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، كقولك: طويل النجاد والحمائل لطول القامة وكثير الرماد للمضياف.

والتعريض: أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم.

ولذلك قالوا: وَحَسْبُكَ بِالتَّسلِيمِ مِنِّي تَقَاضِيَا وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرّضين ولا مصرحين ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهنّ ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التوبيخ كقوله: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 187] .

فإن قلت: أين المستدرك بقوله: ﴿ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ ﴾ ؟

قلت: هو محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ، ولكن لا تواعدوهنّ سرًا.

والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء، لأنه مما يسرّ.

قال الأعشى: وَلاَ تَقْرَبَنْ مِنْ جَارَةٍ إنَّ سِرَّهَا ** عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أوْ تَأَبَّدَا ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ﴾ وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا.

فإن قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟

قلت: بلا تواعدوهنّ، أي لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة.

أي لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا، أي لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض.

ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعاً من ﴿ سِرًّا ﴾ لأدائه إلى قولك لا تواعدوهنّ إلا التعريض.

وقيل معناه: لا تواعدوهن جماعاً، وهو أن يقول لها إن نكحتك كان كيت وكيت، يريد ما يجري بينهما تحت اللحاف.

إلا أن تقولوا قولاً معروفاً يعني من غير رفث ولا إفحاش في الكلام.

وقيل: لا تواعدوهن سراً: أي في السر على أنّ المواعدة في السرّ عبارة عن المواعدة بما يستهجن، لأن مسارّتهنّ في الغالب بما يستحيا من المجاهرة به.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ﴾ : هو أن يتواثقا أن لا تتزوّج غيره ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه، وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقدة النكاح في العدّة.

لأن العزم على الفعل يتقدّمه، فإذا نهي عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه: ولا تعزموا عقد عُقدة النكاح.

وقيل: معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح: وحقيقة العزم: القطع، بدليل قوله عليه السلام: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» وروي «لمن لم يبيت الصيام» ﴿ حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ﴾ يعني ما كتب وما فرض من العدّة ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ من العزم على ما لا يجوز ﴿ فاحذروه ﴾ ولا تعزموا عليه.

﴿ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ أيْ أزْواجَ الَّذِينَ، أوْ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهُمْ، كَقَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ.

وقُرِئَ « يَتَوَفَّوْنَ» بِفَتْحِ الياءِ أيْ يَسْتَوْفُونَ آجالَهُمْ، وتَأْنِيثُ العَشْرِ بِاعْتِبارِ اللَّيالِي لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ والأيّامِ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ في مِثْلِهِ قَطُّ ذَهابًا إلى الأيّامِ حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ صَمْتُ عَشْرًا ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا ﴾ ثُمَّ ﴿ إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا ﴾ ولَعَلَّ المُقْتَضى لِهَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الجَنِينَ في غالِبِ الأمْرِ يَتَحَرَّكُ لِثَلاثَةِ أشْهُرٍ إنْ كانَ ذَكَرًا، ولِأرْبَعَةٍ إنْ كانَ أُنْثى فاعْتُبِرَ أقْصى الأجَلَيْنِ، وزِيدَ عَلَيْهِ العَشْرُ اسْتِظْهارًا إذْ رُبَّما تَضْعُفُ حَرَكَتُهُ في المَبادِي فَلا يُحَسُّ بِها، وعُمُومُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي تَساوِيَ المُسْلِمَةَ والكِتابِيَّةَ فِيهِ، كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ والحُرَّةُ والأمَةُ كَما قالَهُ الأصَمُّ، والحامِلُ وغَيْرُها، لَكِنَّ القِياسَ اقْتَضى تَنْصِيفَ المُدَّةِ لِلْأمَةِ، والإجْماعُ خَصَّ الحامِلَ مِنهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ .

وَعَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّها تَعْتَدُّ بِأقْصى الأجَلَيْنِ احْتِياطًا.

﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ أيِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيُّها الأئِمَّةُ أوِ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا.

﴿ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ ﴾ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ وسائِرِ ما حَرُمَ عَلَيْهِنَّ لِلْعِدَّةِ.

﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، ومَفْهُومُهُ أنَّهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ ما يُنْكِرُهُ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَكْفُوهُنَّ، فَإنْ قَصَّرُوا فَعَلَيْهِمُ الجُناحُ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين يتوفون منكم} تقول توفيت الشئ واستوفيته إذا أخذته وافياً تاماً أي تستوفى أرواحهم {وَيَذَرُونَ} ويتركون {أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} أي وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن أي يعتددن أو معناه يتربصن بعدهم بأنفسهن فحذف بعد هم للعلم به وإنما احتيج إلى تقديره لأنه لا بد من عائد يرجع إلى المبتدأ في الجملة التي وقعت خبراً يتوفون المفضل أي يستوفون آجالهم {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} أي وعشر ليال والأيام داخلة معها ولا يستعمل التذكير فيه ذهاباً إلى الأيام تقول صمت عشراً ولو ذكرت لخرجت من كلامهم {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} فإذا انقضت عدتهن {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الأئمة والحكام {فِيمَا فَعَلْنَ فِى أنفسهن} من التعرض للخطاب {بالمعروف} بالوجه الذى لا ينكره الشرع

البقرة (٢٣٤ _ ٢٦٣)

{والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} عالم بالبواطن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ أيْ: تُقْبَضُ أرْواحُهُمْ، فَإنَّ التَّوَفِّيَ هو القَبْضُ، يُقالُ: تَوَفَّيْتُ مالِي مِن فُلانٍ واسْتَوْفَيْتُهُ مِنهُ؛ أيْ: قَبَضْتُهُ وأخَذْتُهُ، وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فِيما رَواهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْهُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (يَتَوَفَّوْنَ) بِفَتْحِ (الياءِ) أيْ: يَسْتَوْفُونَ آجالَهُمْ، فَعَلى هَذا يُقالُ لِلْمَيِّتِ مُتَوَفًّى بِمَعْنى مُسْتَوْفٍ لِحَياتِهِ، واسْتُشْكِلَ بِما حُكِيَ أنَّ أبا الأسْوَدِ كانَ خَلْفَ جِنازَةٍ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنِ المُتَوَفِّي؟

بِكَسْرِ الفاءِ، فَقالَ: اللَّهُ - تَعالى -، وكانَ هَذا أحَدَ الأسْبابِ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى أنْ أمَرَهُ بِوَضْعِ كِتابِ النَّحْوِ، وأجابَ السَّكّاكِيُّ بِأنَّ سَبَبَ التَّخْطِئَةِ أنَّ السّائِلَ كانَ مِمَّنْ لَمَّ يَعْرِفْ وجْهَ صِحَّتَهُ، فَلَمْ يَصْلُحْ لِلْخِطابِ بِهِ ﴿ مِنكُمْ ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن مَرْفُوعٍ يُتَوَفَّوْنَ، و(مِن) تَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ وبَيانَ الجِنْسِ والخِطابُ لِكافَّةِ النّاسِ بِتَلْوِينِ الخِطابِ، ﴿ ويَذَرُونَ ﴾ أيْ: يَتْرُكُونَ، ويُسْتَعْمَلُ مِنهُ الأمْرُ، ولا يُسْتَعْمَلُ اسْمُ الفاعِلِ ولا اسْمُ المَفْعُولِ، وجاءَ الماضِي عَلى شُذُوذِ ﴿ أزْواجًا ﴾ أيْ: نِساءً لَهم.

﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ﴾ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ لَهم أوْ بَعْدَهُمْ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِقِلَّةِ الإضْمارِ، وبِما في اللّامِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ المُتَوَفّى، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: أزْواجُهم يَتَرَبَّصْنَ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (الَّذِينَ)، وبَعْضُ البَصْرِيِّينَ قَدَّرَ مُضافًا في صَدْرِ الكَلامِ؛ أيْ: أزْواجِ الَّذِينَ وهُنَّ نِساؤُهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَبْقى لِـ ( يَذَرُونَ أزْواجًا ) فائِدَةً جَدِيدَةً يُعْتَدُّ بِها، ويُرْوى عَنْ سِيبَوَيْهِ: إنَّ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ الَّذِينَ إلَخْ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ جُمْلَةُ (يَتَرَبَّصْنَ) بَيانًا لِذَلِكَ الحُكْمِ وفِيهِ كَثْرَةُ الحَذْفِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ و(يَتَرَبَّصْنَ) خَبَرُهُ، والرّابِطُ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الأزْواجِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَتَرَبَّصُ الأزْواجُ اللّاتِي تَرَكُوهُنَّ، وقَدْ أجازَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ، ولَوْلا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى مَنعِهِ لَكانَ مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ ﴿ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ لَعَلَّ ذَلِكَ العَدَدَ لِسِرِّ تَفَرُّدِ اللَّهِ - تَعالى - بِعِلْمِهِ أوْ عِلْمِهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَعَلَّ المُقْتَضِي لِذَلِكَ أنَّ الجَنِينَ في غالِبِ الأمْرِ يَتَحَرَّكُ لِثَلاثَةِ أشْهُرٍ إنْ كانَ ذَكَرًا ولِأرْبَعَةٍ إنْ كانَ أُنْثى فاعْتُبِرَ أقْصى الأجَلَيْنِ، وزِيدَ عَلَيْهِ العَشَرَةُ اسْتِظْهارًا؛ إذْ رُبَّما تَضْعُفُ حَرَكَتُهُ في المُبادِي فَلا يُحِسُّ بِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُنافاةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «”إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ - تَعالى - مَلَكًا بِأرْبَعِ كَلِماتٍ، فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ وأجَلَهُ ورِزْقَهُ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ“؛» لِأنَّ ظاهِرَهُ أنَّ نَفْخَ الرُّوحِ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ مُطْلَقًا، لا يَرْوِي الغَلِيلَ ولا يَشْفِي العَلِيلَ، وتَأْنِّيثُ العَشْرِ قِيلَ: لِأنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ هو اللَّيالِي، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ رَبِيعَةُ ويَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، وقِيلَ: بَلْ هو بِاعْتِبارِ اللَّيالِي؛ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَعْمِلُونَ التَّذْكِيرَ في مِثْلِهِ ذَهابًا إلى الأيّامَ حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ - كَما حَكى الفَرّاءُ - صُمْنا عَشْرًا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، مَعَ أنَّ الصَّوْمَ إنَّما يَكُونُ في الأيّامِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا ﴾ ثُمَّ ( إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا ) وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ قاعِدَةَ تَذْكِيرِ العَدَدِ وتَأْنِيثِهِ إنَّما هي إذا ذُكِّرَ المَعْدُودُ، وأمّا عِنْدَ حَذْفِهِ، فَيَجُوزُ الَأمْرانِ مُطْلَقًا، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قِيلَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ العِدَّةِ عَلى المُتَوَفّى عَنْها، سَواءٌ كانَ مَدْخُولًا بِها أوْ لا، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - إلى أنَّهُ لا عِدَّةَ لِلثّانِيَةِ، وهو مَحْجُوجٌ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَرى، وشَمِلَتِ الآيَةُ المُسْلِمَةَ والكِتابِيَّةَ وذاتَ الأقْراءِ والمُسْتَحاضَةَ والآيِسَةَ والصَّغِيرَةَ والحُرَّةَ والأمَةَ، كَما قالَهُ الأصَمُّ، والحامِلَ وغَيْرَها، لَكِنَّ القِياسَ اقْتَضى تَنْصِيفَ المُدَّةِ لِلْأمَةِ، والإجْماعُ خَصَّ الحامِلَ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها تَعْتَدُّ بِأقْصى الأجَلَيْنِ احْتِياطًا، وهو لا يُنافِي الإجْماعَ، بَلْ فِيهِ عَمَلٌ بِمُقْتَضى الآيَتَيْنِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّ العِدَّةَ مِنَ المَوْتِ؛ حَيْثُ عَلِقَتْ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَبْلُغْها مَوْتُ الزَّوْجِ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ حُكِمَ بِانْقِضائِها، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لا عِلْمَ لَها يَكْفِي في انْقِضاءِ عَدَّتِها هَذِهِ المُدَّةَ، وقِيلَ: إنَّها ما لَمْ تَعْلَمْ بِوَفاةِ زَوْجِها لا تَنْقَضِي عِدَّتُها بِهَذِهِ الأيّامِ؛ لِما رُوِيَ: ”امْرَأةُ المَفْقُودِ امِرْأتُهُ حَتّى يَأْتِيَها تَبَيُّنُ مَوْتِهِ أوْ طَلاقُهُ“، ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ أيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيُّها القادِرُونَ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، وقِيلَ: لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ ﴿ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ ﴾ مِمّا حَرُمَ عَلَيْهِنَّ في العِدَّةِ، وفي التَّقْيِيدِ إشارَةٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيْ: بِالوَجْهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الشَّرْعُ ولا يُنْكِرُهُ، وقُيِّدَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلْنَ خِلافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَكْفُّوهُنَّ، فَإنْ قَصَّرُوا أثِمُوا ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 234﴾ فَلا تَعْمَلُوا خِلافَ ما أُمْرِتُمْ بِهِ؛ والظّاهِرُ: أنَّ المُخاطَبَ بِهِ هو المُخاطَبُ في سابِقِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْقادِرِينَ مِنَ الأوْلِياءِ والأزْواجِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَغْلِيبانِ؛ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ، والذُّكُورُ عَلى الإناثِ، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لِلطّائِفَتَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا ووَعْيًا لَهُما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، أي يموتون وَيَذَرُونَ أَزْواجاً، أي يتركون نساء من بعدهم.

يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، يعني ينتظرن بأنفسهن أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، لا يتزوجن ولا يتزين ولا يخرجن من بيوتهن ولا يتزين.

فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يعني انقضت عدتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ، أي فلا إثم عليكم فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من الزينة والكحل والخضاب.

وذلك أن المرأة إذا انقضت عدتها، فكان أولياؤها يمنعونها من الزينة، فأباح الله تعالى لهن الزينة بعد العدة.

ويقال: فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بِالْمَعْرُوفِ، يعني إذا تزوجن بزوج آخر، إذا كان الزوج كفواً لها، فلا يمنع من نكاحها.

وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من الزينة والمنع من نكاحها وغير ذلك.

وهذه الآية عامة، يستوي فيها المدخولة وغير المدخولة.

ويستوي فيها الصغيرة والكبيرة في وجوب العدة من الزينة والمنع وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ هذه الآيةُ في عدَّة المتوفى عنها زوجُها، وظاهرها العمومُ، ومعناها الخصوصُ في الحرائرِ غيْرِ الحَوَامِلِ، ولم تعن الآية لما يشذُّ من مرتابةٍ ونحوها، وعدَّة الحَامِلِ: وضْعُ حملها عند الجمهور.

ورُوِيَ عن عليٍّ، وابن عبَّاس: أقصَى الأجلَيْن «١» ، وَيَتَرَبَّصْنَ: خبر يتضمَّن معنى الأمر، والتربُّص: الصبْر والتأنِّي.

والأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم متظاهرة أن التربُّص بإِحْدَادٍ، وهو الامتناع عن الزينة، ولبس المصبوع الجميلِ، والطِّيب، ونحوه، والتزامِ المَبِيتِ في مَسْكنها حيث كانَتْ وقت وفَاة الزَّوْج، وهذا قولُ جمهورِ العُلَماء، وهو قولُ مالكٍ، وأصحابه، وجعل اللَّه تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً عبادةً في العِدَّة فيها استبراء للحَمْل إِذ فيها تكمل الأربعون، ٥٨ ب والأربعون، والأربعون حسب الحديثِ الَّذي رواه ابن مَسْعود وغيره، ثم ينفخ الرُّوحُ/، وجعل تعالى العَشْر تكملةً إِذ هي مَظِنَّةٌ لظهورِ الحركةِ بالجنينِ، وذلك لنقْصِ الشهور، أو كمالها، أو لسُرْعة حركةِ الجنين، أو إِبطائها.

قاله ابن المُسَيِّب، وغيره «٢» .

وقال تعالى: وَعَشْراً تغْليباً لحكْم الليالِي، وقرأ «٣» ابن عَبَّاس: «وَعَشْرَ لَيَالٍ» ، قال جمهور العلماء: ويدخل في ذلك اليَوْمُ العَاشِر.

وقوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: فِيما فَعَلْنَ: يريدُ به التزوُّجَ، فما دونَهُ من زينةٍ، واطراح الإِحداد قاله مجاهد وغيره «٤» ، إِذا كان مَعْرُوفاً غيْرَ منكر.

قال ع «٥» : ووجوه المُنْكَر كثيرةٌ، وقوله سبحانه: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ أيْ: يَقْبِضُونَ بِالمَوْتِ.

وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "يَتَوَفَّوْنَ" بِفَتْحِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِنِ اسْتِيفاءِ العَدَدِ، واسْتِيفاءِ الشَّيْءِ: أنْ نَسْتَقْصِيَهُ كُلَّهُ، يُقالُ: تَوَفَّيْتُهُ واسْتَوْفَيْتُهُ، كَما يُقالُ: تَيَقَّنْتُ الخَيْرَ واسْتَيْقَنْتُهُ، هَذا الأصْلُ، ثُمَّ قِيلَ لِلْمَوْتِ: وفاةٌ وتَوْفُ (وَيَتَرَبَّصْنَ) يَنْتَظِرْنَ وقالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (وَعَشْرًا) ولَمْ يَقُلْ: عَشْرَةً، لِأنَّ العَرَبَ إذا أبْهَمَتِ العَدَدَ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ، غَلَّبُوا عَلَيْهِ اللَّيالِي، حَتّى أنَّهم لَيَقُولُونَ: صُمْنا عَشْرًا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، لِكَثْرَةِ تَغْلِيبِهِمُ اللَّيالِيَ عَلى الأيّامِ، فَإذا أظْهَرُوا مَعَ العَدَدِ تَفْسِيرَهُ، كانَتِ الإناثُ بِغَيْرِ هاءٍ، والذُّكُورُ بِالهاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا  ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الحِكْمَةِ في زِيادَةِ هَذِهِ العَشْرَةِ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ يُبَيِّنُ صِحَّةَ الحَمْلِ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ، ويَشْهَدُ لَهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيِّ  ، « "إنَّ خَلْقَ أحَدِكم يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا [نُطْفَةً ]، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلَيْهِ المَلِكَ، فَيُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحَ" .» * فَصْلٌ وَهَذِهِ الآَيَةُ ناسِخَةٌ لِلَّتِي تُشابِهُها، وهي تَأْتِي بَعْدَ آَياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ  ﴾ .

لِأنَّ تِلْكَ كانَتْ تَقْتَضِي وُجُوبَ العِدَّةِ سَنَةً، وسَنَذْكُرُ ما يَتَعَلَّقُ بِها هُنالِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ.

فَأمّا الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَسَخَتْها ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ  ﴾ .

والصَّحِيحُ: أنَّها عامَّةٌ دَخَلَها التَّخْصِيصُ، لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي وُجُوبَ العِدَّةِ عَلى المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، سَواءٌ كانَتْ حامِلًا، أوْ غَيْرَ حامِلٍ، غَيْرَ أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ خَصَّ أُولاتِ الحَمْلِ، وهي خاصَّةٌ أيْضًا في الحَرائِرِ، فَإنَّ الأمَةَ عِدَّتُها شَهْرانِ وخَمْسَةَ أيّامٍ، فَبانَ أنَّها مِنَ العامِّ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ يَعْنِي: انْقِضاءَ العِدَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ قالَ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفِيِّينَ: الخَبَرُ عَنِ "الَّذِينَ" مَتْرُوكٌ، والقَصْدُ الإخْبارُ عن أزْواجِهِمْ بِأنَّهُنَّ يَتَرَبَّصْنَ.

ومَذْهَبُ نُحاةِ البَصْرَةِ أنَّ خَبَرَ "الَّذِينَ" مُتَرَتِّبٌ بِالمَعْنى وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: (يَتَرَبَّصُ أزْواجُهُمْ).

وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَهُ: (وَأزْواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يَتَرَبَّصْنَ).

فَجاءَتِ العِبارَةُ في غايَةِ الإيجازِ، وإعْرابُها مُتَرَتِّبٌ عَلى هَذا المَعْنى المالِكِ لَها المُتَقَرِّرِ فِيها.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عن سِيبَوَيْهِ: أنَّ المَعْنى: "وَفِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ" ولا أعْرِفُ هَذا الَّذِي حَكاهُ، لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَّجِهُ إذا كانَ في الكَلامِ لَفْظُ أمْرٍ بَعْدُ.

مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ والسارِقُ والسارِقَةُ فاقْطَعُوا  ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَعْنى الأمْرِ لا لَفْظُهُ.

فَيَحْتاجُ مَعَ هَذا التَقْدِيرِ إلى تَقْدِيرٍ آخَرَ يُسْتَغْنى عنهُ إذا حَضَرَ لَفْظُ الأمْرِ، وحُسْنُ مَجِيءِ الآيَةِ هَكَذا أنَّها تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ إذِ القَصْدُ بِالمُخاطَبَةِ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها الرِجالُ الَّذِينَ مِنهُمُ الحُكّامُ والنُظّارُ، وعِبارَةُ المُبَرِّدِ والأخْفَشِ ما ذَكَرْناهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ هي في عِدَّةِ المُتَوَفّى عنها زَوْجُها، وظاهِرُها العُمُومُ، ومَعْناها الخُصُوصُ في الحَرائِرِ غَيْرِ الحَوامِلِ، ولَمْ تَعْنِ الآيَةُ لِما يَشِذُّ مِن مُرْتابَةٍ ونَحْوِها.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ: أنَّ الآيَةَ تَناوَلَتِ الحَوامِلَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ  ﴾ .

وعِدَّةُ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، ورُوِيَ عن عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: أنَّ تَمامَ عِدَّتِها آخِرُ الأجَلَيْنِ.

والتَرَبُّصُ: التَصَبُّرُ والتَأنِّي بِالشَخْصِ في مَكانٍ أو حالٍ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "بِأنْفُسِهِنَّ"، والأحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ  : مُتَظاهِرَةٌ أنَّ التَرَبُّصَ بِإحْدادٍ هو الِامْتِناعُ عَنِ الزِينَةِ ولُبْسِ المَصْبُوغِ الجَمِيلِ، والطَيِّبِ ونَحْوِهِ، والتِزامِ المَبِيتِ في مَسْكَنِها، حَيْثُ كانَتْ وقْتَ وفاةِ الزَوْجِ.

وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأصْحابِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَنِيفَةَ -فِيما رُوِيَ عنهُ- وغَيْرُهُما: لَيْسَ المَبِيتُ بِمُراعًى، تَبِيتُ حَيْثُ شاءَتْ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: لَيْسَ الإحْدادُ بِشَيْءٍ، إنَّما تَتَرَبَّصُ عَنِ الزَواجِ، ولَها أنْ تَتَزَيَّنَ وتَتَطَيَّبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُتَوَفَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَتَوَفَّوْنَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ رَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، ومَعْناهُ يَسْتَوْفُونَ آجالَهم.

وَجَعَلَ اللهُ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ والعَشْرَ عِبادَةً في العِدَّةِ فِيها اسْتِبْراءٌ لِلْحَمْلِ، إذْ فِيها تَكْمُلُ الأرْبَعُونَ، والأرْبَعُونَ، والأرْبَعُونَ، حَسَبَ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، ثُمَّ يَنْفُخُ الرُوحَ.

وجَعَلَ تَعالى العَشْرَ تَكْمِلَةً، إذْ هي مَظِنَّةٌ لِظُهُورِ الحَرَكَةِ بِالجَنِينِ، وذَلِكَ لِنَقْصِ الشُهُورِ أو كَمالِها، ولِسُرْعَةِ حَرَكَةِ الجَنِينِ أو إبْطائِها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُما.

وقالَ تَعالى: "عَشْرًا" ولَمْ يَقُلْ "عَشْرَةً" تَغْلِيبًا لِحُكْمِ اللَيالِي، إذِ اللَيْلَةُ أسْبَقُ مِنَ اليَوْمِ، والأيّامُ في ضِمْنِها، وعَشْرٌ أخَفُّ في اللَفْظِ.

قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: ويَدْخُلُ في ذَلِكَ اليَوْمُ العاشِرُ، وهو مِنَ العِدَّةِ، لِأنَّ الأيّامَ مَعَ اللَيالِي.

وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الأوزاعِيِّ أنَّ اليَوْمَ العاشِرَ لَيْسَ مِنَ العِدَّةِ بَلِ انْقَضَتْ بِتَمامِ عَشْرِ لَيالٍ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: المَعْنى: وعَشْرُ مُدَدٍ، كُلُّ مُدَّةٍ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرَ لَيالٍ".

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ أضافَ تَعالى الأجَلَ إلَيْهِنَّ إذْ هو مَحْدُودٌ مَضْرُوبٌ في أمْرِهِنَّ.

والمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ، والتَلَبُّسُ بِهَذا الحُكْمِ هو لِلْحُكّامِ والأولِياءِ اللاصِقِينَ، والنِساءِ المُعْتَدّاتِ.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيما فَعَلْنَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَزَوُّجَ فَما دُونَهُ، مِنَ التَزَيُّنِ، واطِّراحِ الإحْدادِ.

قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ شِهابٍ، وغَيْرُهُما: أرادَ - بِما فَعَلْنَ- النِكاحَ لِمَن أحْبَبْنَ، إذا كانَ مَعْرُوفًا، غَيْرَ مُنْكَرٍ.

ووُجُوهُ المُنْكَرِ في هَذا كَثِيرَةٌ.

وَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "بِالمَعْرُوفِ" مَعْناهُ بِالإشْهادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ التَحْذِيرَ، و"خَبِيرٌ" اسْمُ فاعِلٍ مِن خَبَرَ إذا تَقَصّى عِلْمَ الشَيْءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى بيان عدة الوفاة بعد الكلام عن عدة طلاق وما اتصل بذلك من أحكام الإرضاع عقب الطلاق، تقصيا لما به إصلاح أحوال العائلات، فهو عطف قصة على قصة.

ويتوفون مبني للمجهول، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول مثل عني واضطر، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو، أو لم يعرفوا له فاعلاً معيناً.

وهو من توفاه الله أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه مجاز، تنزيلاً لعمر الحي منزلة حق للموت، أو لخالق الموت، فقالوا: توفى فلان كما يقال: توفى الحق ونظيره قبض فلان، وقبض الحق فصار المراد من توفى: مات، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية وجاء الإسلام فقال الله تعالى: ﴿ الله يتقى الأنفس ﴾ [الزمر: 42] وقال: ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ [النساء: 15] وقال: ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت ﴾ [السجدة: 11] فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة، وأبقي استعمال الفعل مبنياً للمجهول فيما عدا ذلك إيجازاً وتبعاً للاستعمال.

وقوله: ﴿ يتربصن بأنفسهن ﴾ خبر (الذين) وقد حصل الربط بين المبتدأ والخبر بضمير ﴿ يتربصن ﴾ ، العائد إلى الأزواج، الذي هو مفعول الفعل المعطوف على الصلة، فهن أزواج المتوفين؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر، وهذا الظاهر قائم مقام المضاف إلى ضمير المبتدأ، بناء على مذهب الأخفش والكسائي من الاكتفاء في الربط بعود الضمير على اسم مضاف إلى مثل العائد، وخالف الجمهور في ذلك، كما في «التسهيل» و«شرحه»، ولذلك قدروا هنا: (ويذرون أزواجاً يتربصن) بعدهم كما قالوا: «السَّمْن مَنَوَاننِ بِدِرْهَم» أي منه، وقيل: التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم إلخ يتربصن، بناء على أنه حذف لمضاف، وبذلك قدر في «الكشاف» داعي إليه كما قال التفتازاني، وقيل التقدير: ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، ونقل ذلك عن سيبويه، فيكون ﴿ يتربصن ﴾ : استئنافاً، وكلها تقديرات لا فائدة فيها بعد استقامة المعنى.

وقوله: ﴿ يتربصن بأنفسهن ﴾ تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 228].

وتأنيث اسم العدد في قوله: ﴿ وعشراً ﴾ لمراعاة الليالي، والمراد: الليالي بأيامها؛ إذ لا تكون ليلة بلا يوم ولا يوم بلا ليلة، والعرب تعتبر الليالي في التاريخ والتأجيل، يقولون: كتب لسبع خلون في شهر كذا، وربما اعتبروا الأيام كما قال تعالى: ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ﴾ [البقرة: 196] وقال: ﴿ أياماً معدودات ﴾ [البقرة: 184] لأن عمل الصيام إنما يظهر في اليوم لا في الليلة.

قال في «الكشاف»: والعرب تجري أحكام التأنيث والتذكير في أسماء الأيام إذا لم تجر على لفظ مذكور، بالوجهين قال تعالى: ﴿ يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً ﴾ [طه: 103 104] فأراد بالعشر: الأيام ومع ذلك جردها من علامة تذكير العدد، لأن اليوم يعتبر مع ليلته.

وقد جعل الله عدة الوفاة منوطة بالأمد الذي يتحرك في مثله الجنين تحركاً بيناً، محافظة على أنساب الأموات؛ فإنه جعل عدة الطلاق ما يدل على براءة الرحم دلالة ظنية وهو الأقراء على ما تقدم؛ لأن المطلق يعلم حال مطلقته من طهر وعدمه، ومن قربانه إياها قبل الطلاق وعدمه، وكذلك العلوق لا يخفى فلو أنها ادعت عليه نسباً وهو يوقن بانتفائه، كان له في اللعان مندوحة، أما الميت فلا يدافع عن نفسه، فجعلت عدته أمداً مقطوعاً بانتفاء الحمل في مثله وهو الأربعة الأشهر والعشرة، فإن الحمل يكون نطفة أربعين يوماً، ثم علقة أربعين يوماً، ثم مضغة أربعين يوماً، ثم ينفخ فيه الروح، فما بين استقرار النطفة في الرحم إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر، وإذ قد كان الجنين عقب نفخ الروح فيه يقوى تدريجاً، جعلت العشر الليالي الزائدة على الأربعة الأشهر، لتحقق تحرك الجنين تحركاً بيناً، فإذا مضت هذه المدة حصل اليقين بانتفاء الحمل؛ إذ لو كان ثمة حمل لتحرك لا محالة، وهو يتحرك لأربعة أشهر، وزيدت عليها العشر احتياطاً لاختلاف حركات الأجنة قوة وضعفاً، باختلاف قوى الأمزجة.

وعموم ﴿ الذين ﴾ في صلته وما يتعلق بها من الأزواج، يقتضي عموم هذا الحكم في المتوفى عنهن، سواء كن حرائر أم أماء، وسواء كن حوامل أم غير حوامل، وسواء كن مدخولاً بهن أم غير مدخول بهن، فأما الإماء فقال جمهور العلماء: إن عدتهن على نصف عدة الحرائر قياساً على تنصيف الحد، والطلاق، وعلى تنصيف عدة الطلاق، ولم يقل بمساواتهن للحرائر، في عدة الوفاة إلاّ الأصم، وفي رواية عن ابن سيرين إلاّ أمهات الأولاد فقالت طائفة: عدتهن مثل الحرائر، وهو قول سعيد والزهري والحسن والأوزاعي وإسحاق وروي عن عمرو بن العاص، وقالت طوائف غير ذلك.

وإن إجماع فقهاء الأسلام على تنصيف عدة الوفاة في الأمة المتوفى زوجها لمن معضلات المسائل الفقهية، فبنا أن ننظر إلى حكمة مشروعية عدة الوفاة، وإلى حكمة مشروعية التنصيف لذي الرق، فيما نصف له فيه حكم شرعي، فنرى بمسلك السبر والتقسيم أن عدة الوفاة إما أن تكون لحكمة تحقق النسب أو عدمه، وإما أن تكون لقصد الإحداد على الزوج، لما نسخ الإسلام ما كان عليه أهل الجاهلية من الإحداد حولاً كاملاً، أبقى لهن ثلث الحول، كما أبقى للميت حق الوصية بثلث ماله، وليس لها حكمة غير هذين؛ إذ ليس فيها ما في عدة الطلاق من حكمة انتظار ندامة المطلق، وليس هذا الوجه الثاني بصالح للتعليل، لأنه لا يظن بالشريعة أن تقرر أوهام أهل الجاهلية، فتبقي منه تراثاً سيئاً، ولأنه قد عهد من تصرف الإسلام إبطال تهويل أمر الموت والجزع له، الذي كان عند الجاهلية عرف ذلك في غير ما موضع من تصرفات الشريعة، ولأن الفقهاء اتفقوا على أن عدة الحامل من الوفاة وضع حملها، فلو كانت عدة غير الحامل لقصد استبقاء الحزن لاستوتا في العدة، فتعين أن حكمة عدة الوفاة هي تحقق الحمل أو عدمه، فلننقل النظر إلى الأمة نجد فيها وصفين: الإنسانية والرق، فإذا سلكنا إليهما طريق تخريج المناط، وجدنا الوصف المناسب لتعليل الاعتداد الذي حكمته تحقق النسب هو وصف الإنسانية؛ إذ الحمل لا يختلف حاله باختلاف أصناف النساء وأحوالهن الاصطلاحية أما الرق فليس وصفاً صالحاً للتأثير في هذا الحكم، وإنما نصفت للعبد أحكام ترجع إلى المناسب التحسيني: كتنصيف الحد لضعف مروءته، ولتفشي السرقة في العبيد، فطرد حكم التنصيف لهم في غيره.

وتنصيف عدة الأمة في الطلاق الواردُ في الحديث، لعلة الرغبة في مراجعة أمثالها، فإذا جاء راغب فيها بعد قرأين تزوجت، ويطرد باب التنصيف أيضاً.

فالوجه أن تكون عدة الوفاة للأمة كمثل الحرة، وليس في تنصيفها أثر، ومستند الإجماع قياس مع وجود الفارق.

وأما الحوامل فالخلاف فيهن قوي؛ فذهب الجمهور إلى أن عدتهن من الوفاة وضع حملهن، وهو قول مالك، عمر وابنه وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي هريرة، وهو قول عمر: «لو وضعت حملها وزوجها على سريره لم يدفن لحلت للأزواج» وحجتهم حديث سبيعة الأسلمية زوج سعد بن خولة، توفي عنها بمكة عام حجة الوداع وهي حامل فوضعت حملها بعد نصف شهر كما في «الموطأ»، أو بعد أربعين ليلة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: " قد حللت فانكحي إن بدا لك " واحتجوا أيضاً بقوله تعالى في آية سورة [الطلاق: 4] ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ وعموم (أولات الأحمال)، مع تأخر نزول تلك السورة عن سورة البقرة يقضي بالمصير إلى اعتبار تخصيص عموم ما في سورة البقرة، وإلى هذا أشار قول ابن مسعود من شاء باهلتُه، لنزلت سورة النساء القصرى يعني سورة ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ [الطلاق: 1] بعد الطولى» أي السورة الطولى أي البقرة وليس المراد سورة النساء الطولى.

وعندي أن الحجة للجمهور، ترجع إلى ما قدمناه من أن حكمة عدة الوفاة هي تيقن حفظ النسب، فلما كان وضع الحمل أدل شيء على براءة الرحم كان مغنياً عن غيره، وكان ابن مسعود يقول: «أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة» يريد أنها لو طال أمد حملها لما حلت.

وعن علي وابن مسعود أن عدة الحامل في الوفاة أقصى الأجلين، واختاره سحنون من المالكية فقال بعض المفسرين: إن في هذا القول جمعاً بين مقتضى الآيتين، وقال بعضهم: في هذا القول احتياط، وهذه العبارة أحسن؛ إذ ليس في الأخذ بأقصى الأجلين جمع بين الآيتين بالمعنى الأصولي؛ لأنّ الجمع بين المتعارضين معناه أن يعمل بكلّ منهما: في حالة أو زمن أو أفراد، غير ما أعمل فيه بالآخر، بحيث يتحقق في صورة الجمع عمل بمقتضى المتعارضين معاً، ولذلك يسمون الجمع بإعمال النصين، والمقصود من الاعتداد تحديد أمد التربص والانتظار، فإذا نحن أخذنا بأقصى الأجلين، أبطلنا مقتضى إحدى الآيتين لا محالة؛ لأننا نلزم المتوفى عنها بتجاوز ما حددته لها إحدى الآيتين، ولا نجد حالة نحقق فيها مقتضاهما، كما هو بين، فأحسن العبارتين أن نعبر بالاحتياط وهو أن الآيتين تعارضتا بعموم وخصوص وجهي، فعمدنا إلى صورة التعارض وأعملنا فيها مرة مقتضى هذه الآية، ومرة مقتضى الأخرى، ترجيحاً لأحد المقتضَيين في كل موضع بمرجح الاحتياط فهو ترجيح لا جمع لكن حديث سبيعة في الصحيح أبطل هذا المسلك للترجيح كما أن ابتداء سورة [الطلاق: 4] بقوله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النساء ﴾ ينادي على تخصيص عموم قوله: ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ [الطلاق: 4] هنالك بالحوامل المطلقات، وقد قيل: إن ابن عباس رجع إلى قول الجمهور وهو ظاهر حديث «الموطأ» في اختلافه وأبي سلمة في ذلك، وإرسالهما من سأل أم سلمة رضي الله عنها، فأخبرتهما بحديث سبيعة.

فإن قلت: كيف لا تلتفت الشريعة على هذا إلى ما في طباع النساء من الحزن على وفاة أزواجهن؟

وكيف لا تبقى بعد نسخ حزن الحول الكامل مدة ما يظهر فيها حال المرأة؟

وكيف تحل الحامل للأزواج لو وضعت حملها وزوجها لما يوضع عن سريره كما وقع في قول عمر؟

قلت: كان أهل الجاهلية يجعلون إحداد الحول فرضاً على كل متوفى عنها، والأزواج في هذا الحزن متفاوتات، وكذلك هن متفاوتات في المقدرة على البقاء في الانتظار لقلة ذات اليد في غالب النساء، فكن يصبرن على انتظار الحول راضيات أو كارهات، فلما أبطل الشرع ذلك فيما أبطل من أوهام الجاهلية، لم يكترث بأن يشرع للنساء حكماً في هذا الشأن، ووكله إلى ما يحدث في نفوسهن وجِدَتهن، كما يوكل جميع الجبليات والطبيعيات إلى الوجدان؛ فإنه لم يعين للناس مقدار الأكلات والأسفار والحديث ونحو هذا، وإنما اهتم بالمقصد الشرعي وهو حفظ الأنساب، فإذا قضى حقه فقد بقي للنساء أن يفعلن في أنفسهن ما يشأن من المعروف، كما قال: ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن ﴾ فإذا شاءت المرأة بعد انقضاء العدة أن تحبس نفسها فلتفعل.

أما الأزواج غير المدخول بهن فعليهن عدة الوفاة دون عدة الطلاق لعموم هذه الآية، ولأن لهن الميراث، فالعصمة تقررت بوجه معتبر، حتى كانت سبب إرث، وعدم الدخول بالزوجة لا ينفي احتمال أن يكون الزوج قد قاربها خفية، إذ هي حلال له، فأوجب عليها الاعتداد احتياطاً لحفظ النسب، ولذلك قال مالك، وإن كان للنظر فيه مجال، فقد تقاس المتوفى عنها زوجها الذي لم يدخل بها على التي طلقها زوجها قبل أن يمسها، التي قال الله تعالى فيها: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ [الأحزاب: 49].

وقد ذكروا حديث بروع بنت واشق الأشجعية، رواه الترمذي عن معقل بن سنان الأشجعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق وقد مات زوجها، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها أن لها مثل صداق نسائها، وعليها العدة ولها الميراث ولم يخالف أحد في وجوب الاعتداد عليها، وإنما اختلفوا في وجوب مهر المثل لها.

وقوله: ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ أي إذا انتهت المدة المعينة بالتربص، أي إذا بلغن بتربصهن تلك المدة، وجعل امتداد التربص بلوغاً، على وجه الإطلاق الشائع في قولهم بلغ الأمد، وأصله اسم البلوغ وهو الوصول، استعير لإكمال المدة تشبيهاً للزمان بالطريق الموصلة إلى المقصود.

والأجل مدة من الزمن جعلت ظرفاً لإيقاع فعل في نهايتها أو في أثنائها تارة.

وضمير ﴿ أجلهن ﴾ للأزواج اللائي توفي عنهن أزواجهن، وعرف الأجل بالإضافة إلى ضميرهن دون غير الإضافة من طرق التعريف لما يؤذن به إضافة أجل من كونهن قضين ما عليهن، فلا تضايقوهن بالزيادة عليه.

وأسند البلوغ إليهن وأضيف الأجل إليهن، تنبيهاً على أن مشقة هذا الأجل عليهن.

ومعنى الجناح هنا: الحرج، لإزالة ما عسى أن يكون قد بقي في نفوس الناس من استفظاع تسرع النساء إلى التزوج بعد عدة الوفاة وقبل الحول، فإن أهل الزوج المتوفى قد يتحرجون من ذلك، فنفى الله هذا الحرج، وقال: ﴿ فيما فعلن في أنفسهن ﴾ تغليظاً لمن يتحرج من فعل غيره، كأنه يقول لو كانت المرأة ذات تعلق شديد بعهد زوجها المتوفى، لكان داعي زيادة تربصها من نفسها، فإذا لم يكن لها ذلك الداعي، فلماذا التحرج مما تفعله في نفسها.

ثم بين الله ذلك وقيده بأن يكون من المعروف نهياً للمرأة أن تفعل ما ليس من المعروف شرعاً وعادة، كالإفراط في الحزن المنكر شرعاً وعادة، أو التظاهر بترك التزوج بعد زوجها، وتغليظاً للذين ينكرون على النساء تسرعهن للتزوج بعد العدة، أو بعد وضع الحمل، كما فعلت سبيعة أي فإن ذلك من المعروف.

وقد دل مفهوم الشرط في قوله: ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ على أنهن في مدة الأجل منهيات عن أفعال في أنفسهن كالتزوج وما يتقدمه من الخطبة والتزين، فأما التزوج في العدة فقد اتفق المسلمون على منعه، وسيأتي تفصيل القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ [البقرة: 235].

وأما ما عداه، فالخلاف مفروض في أمرين: في الإحداد، وفي ملازمة البيت.

فأما الإحداد فهو مصدر أحدَّت المرأة إذا حزنت ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة، ويقال حداد، والمراد به في الإسلام ترك المعتدة من الوفاة الزينة والطيب ومصبوغ الثياب إلاّ الأبيض، وترك الحلي، وهو واجب بالسنة ففي الصحيح " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلاَّ على زوج أربعة أشهر وعشراً " ولم يخالف في هذا إلاّ الحسن البصري، فجعل الإحداد ثلاثة أيام لا غير وهو ضعيف.

والحكمة من الإحداد سد ذريعة كل ما يوسوس إلى الرجال من رؤية محاسن المرأة المعتدة، حتى يبتعدوا عن الرغبة في التعجل بما لا يليق، ولذلك اختلف العلماء في الإحداد على المطلقة، فقال مالك والشافعي وربيعة وعطاء: لا إحداد على مطلقة، أخذاً بصريح الحديث، وبأن المطلقة يرقبها مطلقها ويحول بينها وبين ما عسى أن تتساهل فيه، بخلاف المتوفى عنها كما قدمناه.

وقال أبو حنيفة والثوري وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وابن سيرين: تحد المطلقة طلاق الثلاث كالمتوفى عنها، لأنهما جميعاً في عدة يحفظ فيها النسب، والزوجة الكتابية كالمسلمة في ذلك عند مالك، تجبر عليه وبه قال الشافعي، والليث، وأبو ثور، لاتحاد العلة، وقال أبو حنيفة وأشهب وابن نافع وابن كنانة من المالكية: لا إحداد عليها، وقوفاً عند قوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر " فوصفها بالإيمان، وهو متمسك ضئيل، لأن مورد الوصف ليس مورد التقييد، بل مورد التحريض على امتثال أمر الشريعة.

وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الإحداد، ففي «الموطأ»: «أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينيها، أفتكحلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا لا " مرتين أو ثلاثاً " إنما هي أربعة أشهر وعشراً وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول ".

وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في مدة إحدادها على أبي سلمة أن تجعل الصبر في عينيها بالليل وتمسحه بالنهار، وبمثل ذلك أفتتْ أم سلمة امرأة حاداً اشتكت عينيها أن تكتحل بكحل الجلاء بالليل وتمسحه بالنهار، روي ذلك كله في «الموطأ»، قال مالك: «وإن كانت الضرورة فإن دين الله يسر»: ولذلك حملوا نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي استفتته أمها أن تكتحل على أنه علم من المعتدة أنها أرادت الترخص، فقيضت أمها لتسأل لها.

وأما ملازمة معتدة الوفاة بيت زوجها فليست مأخوذة من هذه الآية؛ لأن التربص تربص بالزمان لا يدل على ملازمة المكان، والظاهر عندي أن الجمهور أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ﴾ [البقرة: 240] فإن ذلك الحكم لم يقصد به إلاّ حفظ المعتدة، فلما نسخ عند الجمهور بهذه الآية، كان النسخ وارداً على المدة وهي الحول، لا على بقية الحكم، على أن المعتدة من الوفاة أولى بالسكنى من معتدة الطلاق التي جاء فيها ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ [الطلاق: 1] وجاء فيها ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ [الطلاق: 6] وقال المفسرون والفقهاء: ثبت وجوب ملازمة البيت بالسنة، ففي «الموطأ» و«الصحاح» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفُرَيْعة ابنة مالك بن سنان الخدري، أخت أبي سعيد الخدري لما توفي عنها زوجها: " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " وهو حديث مشهور، وقضى به عثمان بن عفان وفي «الموطأ» أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج، وبذلك قال ابن عمر، وبه أخذ جمهور فقهاء المدينة والحجاز والعراق والشام ومصر، ولم يخالف في ذلك إلاّ علي وابن عباس وعائشة وعطاء والحسن وجابر بن زيد وأبو حنيفة وداود الظاهري، وقد أخرجت عائشة رضي الله عنها أختها أم كلثوم حين توفي زوجها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة، وكانت تفتي بالخروج، فأنكر كثير من الصحابة ذلك عليها، قال الزهري: فأخذ المترخصون بقول عائشة، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر.

واتفق الكل على أن المرأة المعتدة تخرج للضرورة، وتخرج نهاراً لحوائجها، من وقت انتشار الناس إلى وقت هدوئهم بعد العتمة، ولا تبيت إلاّ في المنزل، وشروط ذلك وأحكامه، ووجود المحل للزوج، أو في كرائه، وانتظار الورثة بيع المنزل إلى ما بعد العدة، وحكم ما لو ارتابت في الحمل فطالت العدة، مبسوطة في كتب الفقه والخلاف، فلا حاجة بنا إليها هنا.

ومن القراءات الشاذة في هذه الآية ما ذكره في «الكشاف» أن علياً قرأ ﴿ والذين يتوفون ﴾ بفتح التحتية على أنه مضارع تَوفى، مبنياً للفاعل بمعنى مات بتأويل إنه توفى أجله أي استوفاه.

وأنا، وإن كنت التزمت ألا أتعرض للقراءات الشاذة، فإنما ذكرت هذه القراءة لقصة طريفة فيها نكتة عربية، أشار إليها في «الكشاف» وفصلها السكاكي في «المفتاح»، وهي أن علياً كان يشيع جنازة، فقال له قائل من المتوفي؟

بلفظ اسم الفاعل (أي بكسر الفاء سائلاً عن المتوفى بفتح الفاء فلم يقل: فلان بل قال «الله» مخطئاً إياه، منبهاً له بذلك على أنه يحق أن يقول: من المتوفى بلفظ اسم المفعول، وما فعل ذلك إلاّ لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ المتوفي على الوجه الذي يكسوه جزالة وفخامة، وهو وجه القراءة المنسوبة إليه أي إلى علي (والذين يتوفون منكم) بلفظ بناء الفاعل على إرادة معنى: والذين يستوفون مدة أعمارهم.

وفي «الكشاف» أن القصة وقعت مع أبي الأسود الدؤلي، وأن علياً لما بلغته أمر أبا الأسود أن يضع كتاباً في النحو، وقال: إن الحكاية تناقضها القراءة المنسوبة إلى علي، فجعل القراءة مسلمة وتردد في صحة الحكاية، وعن ابن جني: أن الحكاية رواها أبو عبد الرحمن السلمي عن علي، قال ابن جني «وهذا عندي مستقيم لأنه على حذف المفعول أي والذين يتوفون أعمارهم أو آجالهم، وحذف المفعول كثير في القرآن وفصيح الكلام».

وقال التفتازاني «ليس المراد أن للمتوفي معنيين: أحدهما الإماتة وثانيهما الاستيفاء وأخذ الحق، بل معناه الاستيفاء وأخذ الحق لا غير، لكن عند الاستعمال قد يقدر مفعوله النفس فيكون الفاعل هو الله تعالى أو الملك، وهذا الاستعمال الشائع، وقد يقدر مدة العمر فيكون الفاعل هو الميت لأنه الذي استوفى مدة عمره، وهذا من المعاني الدقيقة التي لا يتنبه لها إلاّ البلغاء، فحين عرف عليٌّ من السائل عدم تنبهه لذلك لم يحمل كلامه عليه».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ يَعْنِي بِالتَّرَبُّصِ زَمانَ العِدَّةِ في المُتَوَفّى زَوْجُها، وقِيلَ في زِيادَةِ العَشَرَةِ عَلى الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ ما قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وأبُو العالِيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْفُخُ الرُّوحَ في العَشَرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ العَشْرَ بِالتَّأْنِيثِ تَغْلِيبًا لِلَّيالِي عَلى الأيّامِ إذا اجْتَمَعَتْ لِأنَّ ابْتِداءَ الشُّهُورِ طُلُوعُ الهِلالِ ودُخُولُ اللَّيْلِ، فَكانَ تَغْلِيبُ الأوائِلِ عَلى الثَّوانِي أوْلى.

واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الإحْدادِ فِيها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإحْدادَ فِيها واجِبٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: لَيْسَ بِواجِبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «لَمّا أُصِيبَ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  : (تَسَلَّبِي ثَلاثًا ثُمَّ اصْنَعِي ما شِئْتِ)» .

والإحْدادُ: الِامْتِناعُ مِنَ الزِّينَةِ، والطِّيبِ، والتَّرَجُّلِ، والنُّقْلَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَما المَعْنى في رَفْعِ الجُناحِ عَنِ الرِّجالِ في بُلُوغِ النِّساءِ أجَلَهُنَّ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخِطابَ تَوَجَّهَ إلى الرِّجالِ فِيما يَلْزَمُ النِّساءَ مِن أحْكامِ العِدَّةِ، فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ارْتَفَعَ الجُناحُ عَنِ الرِّجالِ في الإنْكارِ عَلَيْهِنَّ وأخْذِهِنَّ بِأحْكامِ عِدَدِهِنَّ.

والثّانِي: أنَّهُ لا جُناحَ عَلى الرِّجالِ في نِكاحِهِنَّ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَدِهِنَّ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن طِيبٍ، وتَزَيُّنٍ، ونُقْلَةٍ مِن مَسْكَنٍ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

والثّانِي: النِّكاحُ الحَلالُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ  ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَهي مُتَقَدِّمَةٌ والنّاسِخُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا، قِيلَ: هو في التَّنْزِيلِ مُتَأخِّرٌ، وفي التِّلاوَةِ مُتَقَدِّمٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قُدِّمَ في التِّلاوَةِ مَعَ تَأخُّرِهِ في التَّنْزِيلِ؟

قِيلَ: لِيَسْبِقَ القارِئُ إلى تِلاوَتِهِ ومَعْرِفَةِ حُكْمِهِ حَتّى إنْ لَمْ يَقْرَأْ ما بَعْدَهُ مِنَ المَنسُوخِ أجْزَأهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يتوفون ﴾ الآية.

قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ فهذه عدة المتوفى عنها إلا أن تكون حاملاً فعدتها أن تضع ما في بطنها.

وقال في ميراثها ﴿ ولهن الربع مما تركتم ﴾ [ النساء: 12] فبين ميراث المرأة، وترك الوصية والنفقة ﴿ فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ﴾ يقول: إذا طلقت المرأة أو مات عنها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي العالية قال: ضمت هذه الأيام العشر إلى الأربعة أشهر، لأن العشر فيه ينفخ فيه الروح.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب ما بال العشر؟

قال: فيه ينفخ الروح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ربيعة ويحيى بن سعيد.

أنهما قالا في قوله: ﴿ وعشراً ﴾ عشر ليال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ يقول: إذا انقضت عدتها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله: ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ يعني أولياءها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجباً عليها، فأنزل الله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ﴾ [ البقرة: 240] قال: فجعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت.

وهو قول الله: ﴿ غير إخراج ﴾ وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها في أهله، فتعتد حيث شاءت.

وهو قول الله: ﴿ غير إخراج ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله: ﴿ فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس.

أنه كره للمتوفى عنها زوجها، الطيب والزينة.

وقال: إنما قال الله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ ولم يقل: في بيوتكم، تعتد حيث شاءت.

وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن سعد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري.

«أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد لها أبقوا حتى إذا تطرّف القدوم لحقهم فقتلوه.

قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ارجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» نعم «فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد فدعاني، أو أمر بي فدعيت فقال: كيف قلت؟

قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي.

فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله.

قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً.

قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتبعه وقضى به» .

وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عمر بن الخطاب: أنه كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن من الحج.

وأخرج مالك وعبد الرزاق عن ابن عمر قال: لا تبيت المتوفى عنها زوجها ولا المبتوتة إلا في بيتها.

وأخرج مالك وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة.

أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها سفيان بن حرب، فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فأدهنت به جارية، ثم مست به بطنها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» وقالت زينب: دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله فمسحت منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» وقالت زينب: سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا، مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة عند رأس الحول؟

فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً ولبست شَرَّ ثيابها، ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به، فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره.

وأخرج مالك ومسلم من طريق صفية بنت أبي عبيد عن عائشة وحفصة أمي المؤمنين رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» وقد أخرج النسائي وابن ماجة حديث صفية عن حفصة وحدها، وحديث عائشة من طريق عروة عنها.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أم عطية قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، فإنها لا تكتحل، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو اظفار» .

وأخرج أبو داود والنسائي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل» .

وأخرج أبو داود والنسائي عن أم سلمة قالت «دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبراً، قال: ما هذا يا أم سلمة؟

قلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب.

قال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب.

قلت: بأي شيء امتشط يا رسول الله؟

قال: بالسدر تغلفين به رأسك» .

وأخرج مالك عن سعيد عن المسيب وسليمان بن يسار قالا: عدة الأمة إذا توفي عنها زوجها شهران وخمس ليال.

وأخرج مالك عن ابن عمر قال: عدة أم الولد إذا هلك سيدها حيضة.

وأخرج مالك عن القاسم بن محمد قال: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها حيضتان.

وأخرج مالك عن القاسم بن محمد، أن يزيد بن عبد الملك فرق بين رجال ونسائهم أمهات لأولاد رجال هلكوا، فتزوجوهن بعد حيضة أو حيضتين، ففرق بينهم حتى يعتددن أربعة أشهر وعشراً.

قال القاسم بن محمد: سبحان الله!

يقول الله في كتابه ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً ﴾ ما هن لهم بأزواج.

وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه عن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا في أم الولد، إذا توفي عنها سيدها عدتها أربعة أشهر وعشر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ الآية، ﴿ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ معناه: يموتون ويُقْبَضُون.

وأصلُ التَّوَفِّي: أخذُ الشيء وافيًا، يقال: تَوَفَّى الشيءَ واسْتَوفَاه، وتُوُفِّي فلانٌ وتَوَفَّى إذا مات، فمن قال تُوفي كان (١) (٢) وعلى هذا قراءة علي رضى الله عنه (يَتَوفون) بفتح الياء (٣) ﴿ وَيَذَرُونَ ﴾ معناه: يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر، استغناء عنهما بترك تركًا، ومثله أيضًا: يدع في رفض مصدره وماضيه (٤) قال ابن المظفر: العربُ قد أماتت المصدر من يذر والفعل الماضي، واستعملته في الغابر (٥) (٦) وقال ابن السِّكِّيت: يقال: ذر ذا ودع، ولا يقالُ: وَذَرْتُه ولا ودعته، وأمَّا في الغابر (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ ابتداء، ولابد للابتداء من خبر يكون هو أو يكون له فيه ذكر.

واختلف النحويون في خبر (الذين) هاهنا: فقال الأخفش: المعنى: يتربصن بعدهم (٩) (١٠) وقال الكسائي: المعنى: يتربصْنَ أزواجهم، فكنى الله عن الأزواج، فجاءت النون دالة على تأنيث المضمر (١١) وقال الفراء (١٢) لَعلِّي إن مَالَتْ بي الرِّيحُ مَيْلةً ...

على ابن أبي ذِبَّانَ أن يَتَنَدَّما [[البيت لثابت بن كعب العتكي المعروف بثابت قطنة من أبيات قالها يرثي بها يزيد بن المُهَلِّب ينظر "تاريخ الطبري" 2/ 511، و"المخصص" 13/ 175.

"البحر المحيط" 2/ 222 والبيت دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 150، "تفسير الطبري" 2/ 511، "معاني القرآن" و"إعرابه" للزجاج 1/ 315 والصاحبي في فقه اللغة ص 217 "تفسير الثعلبي" 2/ 1155، وأبو ذُبّان: كنية عبد الملك بن مروان؛ لأنه كان أبخراً لفسادٍ كان في فمه، وأراد بابنه: هشام بن عبد الملك.

ينظر "لسان العرب" 3/ 1484 [ذبب].]] قال: المعنى: لعل ابن أبي ذِبان أن يتندم أن مالت بي الريح ميلة عليه (١٣) (١٤) قال أبو إسحاق: وهذا القول غير جائز، لا يجوز أن يبتدأ بالاسم ولا يحدث عنه؛ لأن الكلام إنما وضع للفائدة، فما لا يفيد فليس بصحيح، والذي هو الحق في هذه المسألة: أن ذكر الذين قد جرى ابتداء، وذكر الأزواج قد جرى متصلا بصلة الذين، فصار الضمير الذي في (يتربصن) يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، كأنك قلت: يتربصن أزواجهم.

قال: ومثل هذا من الكلام: الذي يموت ولخلف ابنتين ترثان الثلثين، المعنى: ترث ابنتاه الثلثين (١٥) وهذا الذي ذكره أبو إسحاق هو قول أبي العباس بعينه، إلا أنه مَثَّل مثالًا لا يليق بما قدَّمه من الكلام والتقدير؛ لأنه مثل بالفعل والفاعل، وكان ينبغي أن يمثل بالمبتدأ والخبر، ألا ترى أنه قال: فصار الضمير الذي في يتربصن يعود على الأزواج مضافات إلى الذين، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يرجع إليه الضمير الذي في (يتربصن) يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء (١٦) (١٧) ثم قال: المعنى: يرث (١٨) (١٩) (٢٠) قال أبو علي الفارسي في تأويل هذه الآية: وتقدير المحذوف منها خلاف، فالواضح منها: أن الذين يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع بالابتداء فلا يخلو خبره من حكم خبر الابتداء، وهو أن يكون هو هو، أو يكون له فيه ذكر.

ولا يجوز (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وإذا كان كذلك فلابد (٢٥) (٢٦) (٢٧) وهذه المعاني كلها قائمة في الآية، وإذا كان كذلك جاز تأويل أبي الحسن هذه المسألة التي لا خلاف في جوازها، وهذا القول أمثل من قول أبي العباس: أن التقدير: أزواجهم يتربصن، فحذف الأزواج، وحَذْفُ المبتدأ في كلامهم كثير، نحو: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ  ﴾ يعني: هو النار، وقوله: ﴿ فَصَبُرُ جمَيلٌ  ﴾ ، لأن أبا العباس يقدر حذف مبتدأ مضاف، فيوالي بين الحذفين حذف المبتدأ، وحذف المضاف إليه مع اقتضاء الكلام لكل واحد منهما، أما اقتضاؤه للمبتدأ فلأن له خبرًا أسند إليه (٢٨) ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ ، وأما اقتضاؤه للضمير فلأنه يرجع إلى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ وليس إذا جاز حذف شيء جاز حذف شيئين، وليس حد حذف المبتدأ المضاف كحد حذف المبتدأ المفرد غير المضاف؛ لأن المضاف شيئان: المبتدأ والضمير.

ولأبي العباس أن يقول: حذف المبتدأ المضاف يسوغ من حيث ساغ حذف المفرد، لأن المفرد إنما ساغ حذفه للدلالة عليه، والدلالة (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ  ﴾ والمعنى: تقلبهم متاع قليل، فقد رأيت المضاف حذف كما حذف المفرد (٣٣) وأما قول الكسائي فليس بالمتجه؛ لأن المبتدأ على قوله ليس يعود إليه ذكر، لا مثبت ولا محذوف، وليس تقديره كواحد من هذين التقديرين في المساغ، ألا ترى أن المثبت في الكلام لا يرجع منه إلى المبتدأ شيء، وقد استقل الفعل بفاعله في ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ وليس بهذه الجملة افتقار إلى ذلك الضمير الذي تقدره، لأن (يتربصن) مستقلة بالأزواج الظاهرة فلم يضمر عائدًا على المبتدأ، كما أضمر أبو الحسن وأبو العباس (٣٤) وأما قول الفراء: إنه (٣٥) (٣٦) والمبتدأ (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَعَشْراً ﴾ بلفظ التأنيث، وأراد الأيام، وإنما كان كذلك تغليب الليالي على الأيام إذا (٤٢) (٤٣) قال ابنُ السِّكِّيت: يقولون (٤٤) (٤٥) قال الزجاج: وإجماع أهل اللغة: سرنا خمسًا بين يوم وليلة (٤٦) فَطَافَتْ ثَلاثًا بَيْن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ...

وكان النَّكِيُر أن تُضيفَ وتَجْأَرا (٤٧) وفيه وجه آخر لأصحاب المعاني: وهو أنه أنث العشر لأنه أراد الليالي، والعرب تذكر الليالي والمراد بها الأيام، كقولهم: خرجنا ليالي الفتنة، وخفنا ليالي إمارة الحجاج، وقال أبو عمرو بن العلاء: هربنا ليالي إمارة الحجاج.

وإنما يُراد الأيام بلياليها، وهذا قريب من الأول (٤٨) وكان المبرد يقول: إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه: وعشر مدد، وتلك المدد كل مدة منها يوم وليلة، والليلة مع اليوم مدة معلومة من الدهر (٤٩) وذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية فقال: إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشُر ليال حلت للأزواج، فتأول العشر لليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم (٥٠) ومعنى الآية: بيان عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد من حين وفاة الزوج أربعة أشهر وعشرًا (٥١) (٥٢) (٥٣) ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ  ﴾ الآية: لم اختصت عدة المتوفى عنها زوجها (٥٤) وهذه الآية ناسخة (٥٥) ﴿ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ  ﴾ وإن كانت هذه مكتوبة قبلها في المصحف، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول، بل ترتيب التلاوة والمصاحف ترتيب جبريل بأمر الله سبحانه وتعالى (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ يخاطب الأولياء (٥٧) (٥٨)  زانيةً (٥٩) (١) ساقطة من (ي).

(٢) ينظر في توفي: "تهذيب اللغة" 15/ 584 - 587، "المفردات" 543، "لسان العرب" 15/ 400 - 401 (مادة: وفي).

(٣) عزاها إليه ابن جني في "المحتسب" 1/ 125، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 223.

(٤) تنظر مادة وذر، في: "اللسان" 8/ 4805، "البحر المحيط" 2/ 220.

(٥) هكذا في الأصل، وفي "اللسان" 8/ 4805، ووردت (الحاضر) في "تهذيب اللغة" 4/ 3866.

(٦) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3866.

(٧) هكذا في الأصل، وفي "اللسان" 8/ 4805، وصوابه: الحاضر، كما في "تهذيب اللغة" 4/ 3866، وهو المصدر الذي ينقل عنه الواحدي وابن منظور.

(٨) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3866.

وينظر في المادة "المفردات" ص 533، "اللسان" 8/ 4805، "البحر المحيط" 2/ 220.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 176، ونصه: فخبر (والذين يتوفون) يتربصن بعد موتهم، ولم يذكر بعد موتهم، كما يحذف بعض الكلام، تقول: ينبغي لهن أن يتربصن، فلما حذف ينبغي وقع يتربصن موقعها.

(١٠) نقله عنه في "البحر المحيط" 2/ 222.

(١١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 314 - 315، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 317، "البحر المحيط" 2/ 222.

(١٢) ساقط من (ي).

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 150 - 151، وذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 222 ردا عليه.

(١٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 150 - 151 "معاني القرآن" للزجاج 1/ 351.

(١٥) "معاني القرآن" لأبي إسحاق الزجاج 1/ 315 - 316.

(١٦) قوله: "وإذا ارتفع بالابتداء".

ساقطة من (ي).

(١٧) في (ش): (الثلث).

(١٨) في (ش): (ترث).

(١٩) في "الإغفال": والمعنى -لعمري- يقرض كذا.

(٢٠) من الإغفال ص 518 - 519 بتصرف.

(٢١) في "الإغفال" ص 520: ولا يجوز عندنا.

(٢٢) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 372، وينظر"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 371 "تفسير الثعلبي" 1/ 1156.

(٢٣) اختصر الواحدي الكلام، وتمامه في "الإغفال" ص 520: وهذا قول أبي الحسن، أو أن يكون: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ ﴾ .

أخبرنا بهذا القول أبو بكر عن أبي العباس، وهذا هو الذي ذهب إليه أبو إسحاق أيضا، أو يكون ما ذهب إليه الكسائي من أن المعنى: يتربصن أزواجهم، ثم كنى عن الأزواج.

(٢٤) اختصر الكلام، وتمامه في "الإغفال" ص 521: إذ الخبر إذا عرف جاز حذفه بأسره، فإذا جاز حذف جميعه جاز حذف بعضه.

(٢٥) في (ش) (ولابد).

(٢٦) ساقطة من (م) و (أ).

(٢٧) في "الإغفال" ص 521 ورد الكلام هكذا: فإذا كان ذلك كذلك، فلابد من راجعين يرجع كل واحد منهما إلى كل واحد من المبتدأين، فالذي يرجع إلى الأول هو هذا الضمير المتصل بالجار المحذوف مع الجار، والذي يرجع إلى الثاني ما في الظرف، وجاز الحذف هنا في الجار والمجرور للعلم به، والدلالة عليه، واقتضاء الكلام له.

(٢٨) من قوله: (الكلام لكل واحد ...) ساقط من (ش).

(٢٩) في (ش) و (ي) (فالدلالة).

(٣٠) في (م) (يقول).

(٣١) في (م) (ليقدم)، وفي (ي) و (أ) غير منقوط.

(٣٢) في (أ) و (م) (فما).

(٣٣) من كلام أبي علي في الإغفال ص 526، بتصرف واختصار.

(٣٤) من كلام أبي علي في الإغفال ص 526 - 227، بتصرف كثير واختصار.

(٣٥) في (ي) (فإنه).

(٣٦) قوله: وإذا لم يكن له برافع ساقطة من (ي).

(٣٧) في (ي): (فالمبتدأ).

(٣٨) في (ش): (حديثًا).

(٣٩) في الإغفال: (بإفادة).

(٤٠) من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 528.

(٤١) ينظر: في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 317 - 318، "تفسير الثعلبي" 2/ 1154، "التبيان" ص 140، "البحر المحيط" 2/ 222.

وذكر قول سيبويه، وحاصله: أن (الذين) مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، ومثله: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ  ﴾ .

(٤٢) في (ي): (فإذا).

(٤٣) ينظر: "الكتاب" لسيبويه، "تفسير الثعلبي" 2/ 1159، "شرح الكافية الشافية" 3/ 1690 - 1692، "الأصول" لابن السراج 2/ 428 - 429، "همع الهوامع" 2/ 148.

(٤٤) في (ي): (يقول).

(٤٥) "لسان العرب" 2/ 1262 (مادة: خمس).

(٤٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 316.

(٤٧) البيت في ديوانه ص 41، و"الكتاب: لسيبويه" 3/ 563، "تفسير الثعلبي" 2/ 1160و"الكتاب: لسيبويه" 3/ 563، "لسان العرب" 2/ 1262 (مادة: خمس) والشاعر يصف بقرة فقدت ولدها.

(٤٨) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 223 - 225.

(٤٩) نقله في "تفسير الثعلبي" 2/ 1160، "المحرر الوجيز" 2/ 300، "البحر المحيط" 2/ 223.

(٥٠) نقله ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 2/ 300 - 301، والقرطبي 3/ 186، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 223.

(٥١) من: (ليال حلت).

ساقط من (ش).

(٥٢) قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 210: فإن كانت أمة فتعتد نصف عدة الحرة إجماعاً، إلا ما يحكى عن الأصم، وهذا الإجماع فيه نظر، فهذا ابن أبي شيبة في "مصنفه" 5/ 162 - 164 ينقل أن عدتها أربعة أشهر وعشرٌ عن علي وعمرو بن العاص وأبي عياض، وسعيد بن المسيب، والحسن وسعيد بن جبير والزهري وعمر بن عبد العزيز.

وقد تعقب القرطبي في "تفسيره" 3/ 183 قول ابن العربي فقال: قول الأصم صحيح من حيث النظر، فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة، فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة، وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة والله أعلم.

(٥٣) في (ي) (سورة الحجر).

(٥٤) في (ي) (الزوج).

(٥٥) سيأتي الحديث عن النسخ عند الآية الأخرى 240 من سورة البقرة.

(٥٦) ينظر: "الإتقان" للسيوطي 1/ 175.

(٥٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1160، "تفسير البغوي" 1/ 281.

(٥٨) ينظر: "تفسير ابن كثير".

(٥٩) روى ابن ماجه برقم (1882) كتاب: النكاح باب: لا نكاح إلا بولي والدارقطني 3/ 227 والبيهقي 7/ 110 عن أبي هريرة مرفوعًا: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإنه الزانية هي التي تزوج نفسها وقد صحح الألباني الحديث دون الجملة الأخيرة منه؛ فإنها موقوفة على أبي هريرة كما في البيهقي.

ينظر "إرواء الغليل" 6/ 248.

وروى الترمذي (1103) كتاب: النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا ببينة عن ابن عباس مرفوعا: البغايا اللاتي يُنكحن أنفسهن بغير بينة.

ثم أورده موقوفًا وقال: هذا أصح.

وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 125 وقال: والصواب موقوف والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ الآية: عموم في كل متوفى عنها، سواء توفي زوجها قبل الدخول أو بعده، إلاّ الحامل فعدّتها وضع حملها، سواء وضعته قبل الأربعة الأشهر والعشر أو بعدها عند مالك والشافعي وجمهور العلماء، وقال علي بن أبي طالب: عدتها أبعد الأجلين، وخص مالك من ذلك الأمة فعدّتها في الوفاة شهران وخمس ليال، ويتربصن: معناه عن التزويج، وقيل: عن الزينة فيكون أمراً بالإحداد، وإعراب الذين مبتدأ، وخبره: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ على تقدير أزواجهم يتربصن، وقيل التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يرتبصن، وقال الكوفيون: الخبر عن الذين متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ ﴾ من التزويج والزينة ﴿ بالمعروف ﴾ هنا إذا كان غير منكر وقيل معناه الإشهاد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تضار ﴾ بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.

الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله ﴿ ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد  ﴾ بالفتح ﴿ ما أتيتم ﴾ مقصوراً: ابن كثير.

الباقون بالمد ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء وما بعده: المفضل.

الباقون بضم الياء ﴿ النساء أو ﴾ بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ النساء ﴾ وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ النساء أو ﴾ .

﴿ تماسوهن ﴾ حيث وقعت: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ تمسوهن ﴾ ﴿ قدره ﴾ بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالإسكان.

الوقوف: ﴿ الرضاعة ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ وسعها ﴾ ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى ﴿ مثل ذلك ﴾ ج ﴿ عليهما ﴾ ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ هـ ﴿ وعشراً ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ هـ ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ط ﴿ أجله ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ فاحذروه ﴾ ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا كررت كلمة "واعلموا" تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق ﴿ حليم ﴾ هـ ﴿ فريضة ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ ومتعوهن ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة الثانية لتقدير المأمور في الأولى ﴿ قدره ﴾ الثاني ج لأن "متاعاً" مصدر "متعوهن" والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين ﴿ بالمعروف ﴾ ج لأن "حقاً" يصلح نعتاً للمتاع أي متاعاً حقاً، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقاً.

﴿ المحسنين ﴾ ط ﴿ النكاح ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ هـ ﴿ بصير ﴾ هـ.

التفسير: الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات.

قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ظاهر اللفظ مشعر بالعموم.

وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق.

وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب الله  الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم.

وأيضاً إنه  قال في الآية: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي.

وقال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهماً يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله  ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن  ﴾ ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة.

وإنما كان ندباً من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق.

وقد يفضي الأمر إلى الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار.

﴿ حولين ﴾ أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب.

فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، و ﴿ كاملين ﴾ توكيد كقوله ﴿ تلك عشرة كاملة  ﴾ فقد يقال: أقمت عند فلان حولين.

وإنما أقام حولاً وبعض الآخر.

وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب لقوله  بعد ذلك ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه.

ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك.

أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام الحولين فلهما ذلك.

وأيضاً فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو قوله  "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري.

وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً.

وقرئ ﴿ أن يتم الرضاعة ﴾ برفع الفعل تشبيهاً لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن كلمة "ما" ستارة تقع مصدرية فلا تنصب.

وقرئ ﴿ الرضاعة ﴾ بكسر الراء.

﴿ وعلى المولود له ﴾ وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم.

وإنما قيل: ﴿ المولود له ﴾ دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات.

وفيه تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه ما قال  : "الولد للفراش" وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: كله لك فكله عليك.

فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله ﴿ واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً  ﴾ ﴿ بالمعروف ﴾ تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضار.

وأيضاً المعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد.

وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة.

والتكليف: الإلزام.

قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه.

فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره.

وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره.

والوسع ما يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة.

من قرأ ﴿ لا تضار ﴾ بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها.

ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحاً، ويحتمل البناءين أيضاً.

وتبيين ذلك أنه قرئ ﴿ لا تضارر ﴾ و ﴿ لا تضارر ﴾ بالجزم وكسر الراء الأولى وفتحها.

ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الزرق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً ونحو ذلك ﴿ ولا يضار مولودٌ له ﴾ امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع.

وهكذا إذا كان مبنياً للمفعول كان نهياً عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر بالزوج من قبلها بسبب الولد.

ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرّط فيما ينبغي له ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد.

وإنما قيل: ﴿ بولدها ﴾ و ﴿ بولده ﴾ لأن المرأة لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد.

قوله  ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى كل واحد من هؤلاء.

فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله ﴿ وعلى الوارث ﴾ عطف على قوله ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف.

فالمعنى وعلى وارث المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار.

وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي.

ثم اختلفوا في أنه أيّ وارث هو؟

فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم.

وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة وابن أبي ليلى.

وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه.

وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا الولاد أي الأب والابن.

وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه.

وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما في الدعاء المروي "واجعله الوارث منا" أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ أي فطاماً وليس من باب المفاعلة وإنما هو ثلاثي على "فعال" كالعثار والإباق.

وذلك أن الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.

وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادراً ﴿ عن تراضٍ منهما وتشاور ﴾ مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ في ذلك زادا على الحولين لضعف في تركيب الصبي، أو نقصاً.

وهذه أيضاً توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل إعطاء الأجرة على الإرضاع فيطلب الفطام دفعاً لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذٍ يبعد موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل رفع الحرج فقط.

ولما بيّن حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بيّن أنه يجوز العدول في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا ﴾ أي المراضع أولادكم ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة السين مفعولاً ثانياً كما تقول: أنجا لحاجة واستنجته إياها.

فحذف أحد المفعولين للعلم به.

وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام للعلم به مثل ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.

ومن موانع الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوجٍ آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الإرضاع.

ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج آخر.

ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق.

ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها.

فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم.

﴿ إذا سلمتم ﴾ إلى المراضع ﴿ ما آتيتم ﴾ ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ قرأ ﴿ ما أتيتم ﴾ بالقصر فهو من أتى إليه إحساناً إذا فعله كقوله  ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ أي مفعولاً.

وروى شيبّان عن عاصم ﴿ ما أوتيتم ﴾ أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وليس التسليم شرطاً للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى.

وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يداً بيد حتى يكون أهنأ وأطيب لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذٍ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعاً لمعاذيرهن.

ثم أكد الجميع بأن ختم الآية بنوع من التحذير فقال: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ﴾ .

الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة ﴿ والذين يتوفون ﴾ ومعناه يموتون ويقبضون قال: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ وأصل التوفي أخذ الشيء كاملاً وافياً.

ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه وعليه قراءة علي رضي الله عنه ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء.

والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي - بكسر الفاء -؟

فقال: الله.

وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ  على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو.

فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم يكن بليغاً وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على متعارف الأوساط ﴿ ويذرون ﴾ يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما بتصاريف ترك.

والأزواج ههنا النساء ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ﴾ مثل قوله ﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  ﴾ وقد مر.

﴿ وعشراً ﴾ أي يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.

وإنما قيل: ﴿ عشراً ﴾ ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها.

قال في الكشاف: ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.

وقيل في سبب التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني.

وأيضاً هذه الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد عشر مدد كل منها يوم بليلته.

وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية أنه  إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة.

قلت: ولعل هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك.

وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء.

وعن الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكاً بظاهر عموم الآية، وقياساً على وضع الحمل وإلا إذا كانت المرأة حاملاً فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة لقوله  ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ﴾ .

ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها النبي  : "حللت فانكحي من شئت" .

وعن علي  أنها تتربص أبعد الأجلين.

ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها والمدخول بها وغيرها.

وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول.

ورد بعموم الآية، ولهذا أيضاً لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادتها أو لا تراه خلافاً لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها.

فإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده وتحسب أربعة أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس.

واختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟

فعن بعضهم - ويوافقه جديد قول الشافعي - أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما روي أن النبي  قال: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه" وأيضاً فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين.

وقال الأكثرون: السبب هو الموت.

فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه المدة.

ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه.

ولا منع منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول الحمام وإزالة الأوساخ.

والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنّها تعصي لما روي أن رسول الله  قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" وعن الحسن والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه لكنه  قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل" والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر.

وقد يحتج بقوله ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص الخطاب في ﴿ منكم ﴾ بالمؤمنين.

والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العاملون بذلك كقوله  ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ مع أنه منذر للكل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً  ﴾ ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ إذا انقضت عدتهن ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول.

وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلاً وشرعاً.

وقد يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل ههنا على التزويج فيستدلونه به على جواز النكاح بلا ولي.

بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند إلى المسبب مثل "بنى الأمير داراً" وقد تقدم في قوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن  ﴾ ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: ﴿ والله بما يعملون خبير ﴾ .

الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله  ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم.

ومنه قول الشاعر: وحسبك بالتسليم مني تقاضياً *** وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ولهذا قيل: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وهو قسم من أقسام الكناية.

والخطبة أصلها من الخطب وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمراً وشأناً في نفسها.

وكذا في الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأناً.

ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل قوله  "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافاً لمالك.

وثانيها: ما لا يجوز خطبتها تعريضاً ولا تصريحاً وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت راغباً فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان.

وثالثها: ما يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ.

وسبب ا لتحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة الزوج.

وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب.

قال الشافعي: والتعريض كثير كقوله "رب راغب فيك" أو "من يجد مثلك" أو "لست بأيم" و "إذا حللت فأعلميني".

وعد آخرون من ألفاظ التعريض أو يقول لها: "إنك لجميلة" أو "صالحة" و "من غرضي أن أتزوج" و "عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة" ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه.

والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك.

وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله  وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام.

فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟

فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من نبي الله.

قد دخل رسول الله  على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده.

فما كانت تلك خطبة ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرحين.

أباح التعريض في الحال أولاً ثم أباح أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض فقال: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبئ عن ذلك فأسقط الله  عنه الحرج.

ثم قال: ﴿ ولكن ﴾ أي فاذكروهن ولكن ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه مما يسر.

ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.

والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكداً لذلك التعريض.

فالمواعدة المنهي عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعاً من التصريح، وإما المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة.

وعن ابن عباس أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك.

عن الحسن أو يكون ذلك نهياً عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهياً أن يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه.

ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سراً إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وهو التعريض.

وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه.

والعزم عقد القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى.

وقيل: معنى العزم القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه قوله  "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" وروي "لم يبيت الصيام" وقيل: لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا.

وأصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقوداً تشبيهاً بالحبل الموثق بالعقد ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته.

وباقي الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم.

الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز من قائل ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور.

فإن كان مذكوراً فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية التالية، وإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياساً على الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح.

وقد يستنبط حكمها من قوله  ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن  ﴾ ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها وللمفروض لها غير الممسوسة.

وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال القرآن على أحكام جميع الأقسام.

فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.

قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، أو لعل "ما" بمعنى "التي" لا للمدة.

والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.

ولا يلزم منه وجود الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة إذا مالت بثقلها.

ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدوداً إلى غاية هي إما المسيس أو الفرض.

والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر.

وأيضاً إن تطليق النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده.

وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في القسم الأول مقابل المثبت في الثاني.

واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم.

والفرض في اللغة التقدير أي تقدروا مقدراً من المهر.

ومعنى "أو" ههنا أن رفع الجناح منوط بعدم المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا الحكم.

وقيل: إنها بمعنى الواو.

وقيل: بمعنى "إلا أن" وقيل: بمعنى "حتى" والكل تعسف.

ثم إنه  لما بيّن أنها لا مهر لها قبل المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: ﴿ ومتعوهن ﴾ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة نظراً إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهراً وهو قول شريح والشعبي والزهري.

وعن مالك: ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه  قال في آخر الآية: ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ فجعلها من باب الإحسان.

ورد بأن لفظ "على" منبئ عن الوجوب.

وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً منقضياً ولهذا قيل: الدنيا متاع.

ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة.

﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ أوسع الرجل إذا كان في سعة من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده.

وقدره أي قدراً مكانه وطاقته فحذف المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به.

والقدر والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله  للزوجات وبيّن أن الموسع يخالف المقتر.

قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة.

وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى العادة.

وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها.

ثم لما لم يجب زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى.

﴿ متاعاً ﴾ تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسناً فهذا شأنه وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله  .

الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله  ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ الآية.

واعلم أن مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر.

وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي.

فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً.

والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق فرضاً كان أو نفلاً.

وقوله ﴿ وقد فرضتم ﴾ في موضع الحال.

ومعنى قوله ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت ﴿ لا أن يعفون ﴾ أي المطلقات على أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً؟

والفرق بين قولك "النساء يعفون" وبين "الرجال يعفون" هو أن الواو في الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة الذكور واللام محذوف ووزنه "يعفون" والنون علامة الرفع، فقوله ﴿ أو يعفو ﴾ عطف على محل ﴿ أن يعفون ﴾ والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن الحسن ومجاهد وعلقمة.

وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب.

وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة.

وأيضاً الذي بيد الولي هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.

حجة الأولين أن الصادر عن الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفواً اللهم إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.

أو يقال: سماه عفواً على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل.

فعفو الرجل هو أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.

حجة أخرى لو كان المراد به الزوج وقد قال أولاً: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ناسب أن يقال: ﴿ إلا أن يعفون ﴾ أو تعفو على سبيل الخطاب أيضاً، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على المعنى الذي لأجله يرغب في العفو.

والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.

ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن النكاح لا ينعقد بدون الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم ﴿ بيده ﴾ على ﴿ عقدة النكاح ﴾ فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ قيل: اللام بمعنى "إلى" والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى.

والخطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفواً لبعض عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقرباً إلى ربه فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى العقاب واحترز عنه ﴿ ولا تنسوا الفضل ﴾ لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، وليس نهياً عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك.

وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه.

وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله  كلاً منهما إلى تطييب قلب الآخر ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف.

عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها.

فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كملاً فقيل له: لم تزوجتها؟

فقال: عرضها علي فكرهت رده.

قيل: فلم بعثت بالصداق؟

قال: فأين الفضل؟

ثم إنه  ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ .

قيل: هي ناسخة لقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ  ﴾ ، إنها وإن كانت مقدمة في الذكر، وتلك مؤخرة، ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ ، ناسخة لتلك.

إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل؛ ألا ترى إلى ما جاء في الخبر: "أن امرأة أتت رسول الله  ، [فذكرت: أن بنتاً لها توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، وهي تريد أن تكحلها.

فقال رسول الله  : قد كانت] إحداكن في الجاهلية تجلس حولاً في منزلها ثم تخرج عند رأس الحول، فترمي بالبعر، وإنما هي أربعة أشهر وعشرا" .

فثبت أن ما كان ذلك مما تقدم الأمر به، نسخ بالثاني.

وقال آخرون: إنه قد أثبت في الآية متاعاً أو وصية، ثم ورد النسخ على كل وصية كانت للوارث بقوله  : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" .

وإلا كان الاعتداد الواجب اللازم هو أربعة أشهر وعشراً.

وأمكن أن يستدل بقوله: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾ ، إذا كان على إثر قوله: ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ أن قوله: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾ ، كان النهي على (الإخراج)، دون (الخروج).

وهذا أصل في الوصايا بالمتاع: ألا يمنع الرد وإن أجبر على التسليم.

وفي الآية دلالة جواز الوصية بالسكنى إذا بطلت بحق الميراث، لا بحق الوصية - والله الموفق - وهو جائز فيمن لم تنسخ له الوصية.

وأمكن الاستدلال بالآية على عدة الوفاة بالحبل إن ثبت ما روي: "أنه يكون أربعين يوماً نطفة، وأربعين يوماً علقة، وأربعين يوماً مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشرة" فإذا كان ما ذكرنا أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر ليتبين الحبل إن كان بها.

وإذا كان بهذا معنى العدة فإذا ولدت بدونه انقضت العدة.

والله أعلم.

فإن قيل: الأمة أليست لا تختلف عن الحرة في تبيين الحبل، ثم لم يجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا، فإذا لم يجعل ذلك كيف لا بان أن الأمر بتربص أربعة أشهر وعشرا إلا لهذا المعنى؟

قيل: لوجهين: أحدهما: أن الحرائر هن الأصول في النكاح، وفيهن تجري الأنكحة، فيخرج الخطاب لهن.

والثاني: أنها حق أخذت الحرة، والحقوق التي تأخذ الحرائر هن الأصول في النكاح، إذا صرف ذلك إلى الإماء تأخذ نصف ما تأخذ الحرائر.

والثالث: أنه لا يقصد آجالهن؛ لما فيه رق الولد واكتساب الذل والدناءة.

وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، أنه قال: تعتد أبعد الأجلين احتياطاً.

ذهب في ذلك إلى أن الاعتداد بوضع [الحبل إذا ذكر] في الطلاق، ولم يذكر في الوفاة؛ فيحتمل أن يكون ذلك في الوفاة كهو في الطلاق ويحتمل ألا يكون، فأمرها بذلك احتياطاً.

وأما عندنا: ما روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، رضي الله  عنهم، أنهم قالوا: إذا وضعت ما في بطنها، وزوجها على السرير، انقضت عدتها.

وكذلك روي عن رسول الله  : "أن امرأة مات عنها زوجها، وكانت حاملاً، فوضعت بعد ذلك بأيام، فأذن لها بالنكاح" ثم الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا، ما روي عن رسول الله  ، أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا" فإن قيل: أليس وجب ذلك على المطلقة، والخبر إنما جاء في الموت، [قيل: ليس للموت ما وجب ولكن لمعنى في الموت] وهو فوت النعمة في الدين، وذلك الفوت في الطلاق كهو في الموت؟!

ألا ترى أنه لم يجب ذلك في موت أبيها ولا في موت ولدها، دل أنه لم يجب للموت نفسه، ولكن لفوت النعمة في الدين؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أن المرأة الصالحة مفتاح الجنة، فأمرت بإظهار الحزن على ما فات منها من النعمة بترك الزينة والتشوف؛ إذ النكاح نعمة.

ثم الدخول بها سواء في وجوب المهر والعدة وترك الزينة وإظهار الحزن على فوت النعمة، وأما المطلقة قبل الدخول بها لم يلزمها ذلك؛ لأن العدة لم تلزمها فتتجدد لها النعمة، لما لها أن تنكح للحال، فتكتسب نعمة.

والله أعلم.

ألا ترى أن الصبي الصغير إذا مات عن امرأته تلزمها أربعة أشهر وعشر، دل هذا على أن وجوبها لفوت النعمة.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

قوله: ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ ﴾ [قيل: لا تبعة عليكم ولا إثم ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ ﴾ قيل: تزين بعد انقضاء عدة، وقيل: المعروف هو وضعهن أنفسهن]، أي في الأكفاء بمهر مثلهن.

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ ﴾ .

قيل: (التعريض) هو أن يرى من نفسه الرغبة فيما يكنى به من الكلام، على ما ذكر في الخبر: "أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول الله  فقال لها: إذا انقضت عدتك فآذنيني، فاستأذنته في رجلين كانا خطباها، فقال لها: أما فلان فإنه لا يرفع العصا عن عاتقه، وأما فلان فإنه صعلوك لا شيء له؛ فعليك بأسامة بن زيد" .

فكان قوله  : "فآذنيني" كناية خطاب إلى أن أشار على أسامة، دون ما ذكره أهل التأويل: "إنك لجميلة"، و"إنك لتعجبينني"، و"ما أجاوز إلى غيرك"، أو "إنك لنافعة"، ومثل هذا لا يحل أن يشافه لامرأة أجنبية لا يحل له نكاحها.

وفي الآية دلالة أن لا بأس للمتوفي عنها زوجها الخروج بالنهار [لما ذكر من التعريض] لأن الرجل لا يأتيها منزلها فيعرض لها، ولكن المرأة قد تخرج من منزلها فتصير في مكان احتمال التعريض، فعند ذلك يقول لها ما ذكرنا.

وعلى ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله  : "أن امرأة مات زوجها، فأتته، فاستأذنته للاكتحال، لم يأت أنه نهاها عن الخروج" .

وما روي عن عمر، وابن مسعود، رضي الله  عنهما، بالإذن لهن بالخروج بالنهار، والنهي عن البيتوتة في غير منزلهن.

ولأن المتوفي عنها زوجها مؤنتها على نفسها، فلا بد لها من الخروج.

وأما المطلقة فإن مؤنتها على زوجها، والزوج هو الذي يكفي مؤنتها ويزيح علتها؛ لذلك افترقا.

والله أعلم.

ثم (التعريض) لا يجوز في المطلقة لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا ألا يباح لها الخروج من منزلها ليلاً ولا نهاراً، والمتوفي عنها زوجها يباح لها الخروج.

وإنما ذكر الله  وتعالى التعريض في المتوفي عنها زوجها، لم يذكره في المطلقة.

والثاني: أن في تعريض المطلقة اكتساب عداوة وبغض فيما بينه وبين زوجها؛ إذ العدة من حقه.

دليله: أنه إذا لم يدخل بها لم تلزمها العدة، وأما المتوفي عنها زوجها لزمتها العدة وإن لم يدخل بها؛ لذلك يجوز التعريض في المتوفي عنها زوجها، ولا يجوز في المطلقة.

قال الشيخ: - رحمه الله  -: "ولأن زوجها في الطلاق حي، يعلم ما يحدث بينهما الضغن والمكروه في الحال، وليس ذلك في الوفاة".

وقوله  : ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني أخفيتم تزويجها في السر.

وقوله: ﴿ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ .

سرّاً وعلانية.

وقيل: يعني الخطبة في العدة.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ .

قيل فيه بأوجه: قيل: لا تأخذوا منهن عهداً ألا يتزوجن غيركم.

وقيل: ﴿ لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ ، يعني الزنى.

و(السر) الزنا في اللغة.

وقيل: (السر) الجماع؛ تقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحوه.

ثم قال  : ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

يقول لها قولا ليناً حسناً، ولا يقول لها قولا يحملها على الزنى، أو على ما يظهر من نفسها الرغبة فيه، على ما ذكر في الآية: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً  ﴾ ، وأن يعد لها عدة حسنة، أو أن يبر ويحسن إليها لترغيب فيه، ولا يقول لها ما لا يحل ولا يجوز.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ .

قيل: هو على الإضمار، كأنه قال: "لا تعزموا على عقدة النكاح".

وقيل: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ﴾ ، لا تعقدوا ﴿ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ ، يعني بالكتاب: ما كتب عليها من العدة حتى تنقضي تلك.

وفيه دليل حرمتها على الأزواج لبقية الملك، فالخطاب للأجنبيين، لا للأزواج؛ إذ للأزواج والإقدام على النكاح وإن كن في عدة منهم.

قال الشيخ، رضي الله  عنه، في قوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ ﴾ : حمل على التحريم، وإن احتمل الذي هو بهذا المخرج غير التحريم؛ لاتفاق الأمة على صرف المراد إليه، ولقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ ، أي: ما كتب عليها من التربص، ولما كان النهي عن ذلك بما لزمها العدة للزوج الأول فهي باقية بها على ما سبق من النكاح المحرِّم لها على غيره؛ فلذلك بقيت الحرمة، ولهذا جاز لمن له العدة النكاح فيها؛ إذ لا يجوز أن يمنع حقه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ﴾ .

وهو حرف وعيد، أي يعلم ما تضمرون في القلوب وتظهرون باللسان من التعريض، ﴿ فَٱحْذَرُوهُ ﴾ ولا تخالفوا أمره ونهيه.

وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

فيه إطماع المغفرة وإمهال العقوبة من ارتكب النهي وخالف أمره.

والله أعلم.

﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ...

﴾ الآية، حذره علمه بما في أنفسهم، ليكونوا مراقبين له فيما أسروا [وأعلنوا]، وليعلموا أنهم مؤاخذون بما أضمروا من المعاصي والخلاف له، وأن الذي لا يؤاخذ به العبد هو الخطر بالبال، لا بالعزم عليه والاعتقاد.

ثم أخبر أنه ﴿ غَفُورٌ ﴾ ؛ ليعلموا أن استتار ذلك مما غفره وأنهم قد استوجبوا بفعلهم الخزي، لكن الله بفضله ستره عليهم ليشكروا عظيم نعمه، أو لئلا ييأسوا من رحمته فيستغفروه.

وذكر ﴿ حَلِيمٌ ﴾ ؛ لئلا يغتروا بما لم يؤاخذوا بجزاء ما أضمروا في ذلك الوقت، فيظنون الغفلة عنه، كقوله عز وجل: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين يموتون ويتركون وراءهم زوجات غير حوامل؛ ينتظرن بأنفسهن وجوبًا مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، يمتنعن فيها عن الخروج من بيت الزوج، وعن الزينة والزواج، فإذا انقضت هذه المدة؛ فلا إثم عليكم -أيها الأولياء- فيما فعلن بأنفسهن مما كان ممنوعًا عليهن في تلك المدة، على الوجه المعروف شرعًا وعرفًا، والله بما تعملون خبير لا يخفى عليه شيء من ظاهركم وباطنكم، وسيجازيكم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.9O8L5"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

لايزال الكلام في أحكام النساء من حيث هن أزواج يمسكن ويسرحن، فيراجعن أو يبتتن، وفي حقوقهن حينئذٍ في أولادهن، وكل ما قد مر تفسيره، وقد ذكر في هاتين الآيتين أحكام من يموت بعولتهن، ماذا يجب عليهن من الحداد والاعتداد ومتى تجوز خطبتهن ومتى يتزوجن؟

قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ  ﴾ أي يتوفاهم الله تعالى أي يقبض أرواحهم ويميتهم، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا  ﴾ فإذا حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول هذا هو المستعمل الفصيح.

﴿ وَيَذَرُونَ أزواجًا  ﴾ أي يتركون زوجات، والفصيح استعمال لفظ الزوج في كل من الرجل وامرأته ويجمع في الاستعمال على أزواج قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  ﴾ والزوج في الأصل العدد المكون من اثنين، وقد اعتبر في تسمية كل من الرجل وامرأته ﴿ زَوْجًا  ﴾ أن حقيقته من حيث هو زوج مكونة من شيئين اتحدا فصارا شيئًا واحدًا في الباطن وإن كانا شيئين في الظاهر، ولذلك وضع لهما لفظ واحد ليدل على أن تعدد الصورة لا ينافي وحدة المعنى، أريد أن هذا اللفظ المشترك يشعر بأن من مقتضى الفطرة أن يتحد الرجل بامرأته والمرأة ببعلها بتمازج النفوس ووحدة المصلحة حتى يكون كل منهما كأنه عين الآخر.

وقوله تعالى ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا  ﴾ خبر لما قبله أي يتربصن بعد وفاتهم هذه المدة، وتقدم الكلام في مثله في تفسير قوله  ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ  ﴾ فارجع إليه إن كنت نسيت ما في التعبير من آيات البلاغة.

والمعنى أن عدة النساء اللائي يموت أزواجهن أربعة أشهر وعشر ليال، لا يتعرضن فيها للزواج بزينة ولا خروج من المنزل بغير عذر شرعي، ولا يواعدن الرجال بالزواج، وقد يتعارض هذا مع قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ  ﴾ فهل يقال إن ما هنا خاص بغير الحوامل؟

أم ما هنالك خاص بالمطلقات؟

الظاهر الثاني لأن الكلام هنالك في الطلاق والسورة سورته فهو خاص، والآية التي نحن بصدد تفسيرها عامة في كل من يتوفى زوجها، لأن الله تعالى جعل عدتها طويلة، وفرض عليها الحداد على الزوج مدة العدة، مع تحريم السنة الحداد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام، اهتمامًا بحقوق الزوجية وتعظيمًا لشأنها، ولكن الجمهور على القول الأول، وإن الحامل التي يموت زوجها إذا وضعت تنقضي عدتها ولو بعد الموت بيوم أو ساعة، واحتجوا بحديث سبيعة الأسلمية عند أبي داود فإنها قالت إن النبي  أفتاها بأنها حلت حين وضعت حملها، وكانت ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر، ويروي عن علي وابن عباس (رضى الله عنهما) أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطًا، فأي آية كانت عند الله هي المخصصة للأخرى كانت عاملة بها.

فإذا سأل سائل عن الحكمة في كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؟

فالجواب: أن مثل هذا ليس علينا أن نبحث عنه، وإنما نبحث عما يشير الكتاب إلى حكمته إشارة ما.

ويقول بعض الناس إن ما يحصل من فراق الزوج من الحزن والكآبة عظيم يمتد إلى أكثر من مدة ثلاثة قروء أو ستين يومًا فبراءة الرحم إن كانت تعرف بهذه المدة فلا يكون استعراف براءته من الحمل مانعًا من الزواج فبراءة النفس من كآبة الحزن تحتاج إلى مدة أكثر منها، والتعجيل بالزواج مما يسيء أهل الزوج ويفضي إلى الخوض في المرأة بالنسبة إلى ما ينبغي أن تكون عليه من عدم التهافت على الزواج، وما يليق بها من الوفاء للزوج والحزن عليه.

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ  ﴾ أي أتممن عدتهن ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ ، مما كان محظورًا عليهن في العدة من التزين، والتعرض للخطاب، والخروج من المنزل، وقيد ذلك بالمعروف أي شرعًا وأدبًا عرفيًا، لأنهن إذا أتين بالمنكر وجب منعهن.

واختلفوا في الخطاب هنا فقيل هو للأولياء لأن هذا من مقدمات الزواج الذي يتولونه، وقيل للمسلمين كافة يتولاه منهم من هو قادر عليه من العارفين به وهو المختار كما علم مما سبق له من النظائر.

لا تقل إن الآية لم تنطق بما يحظر على المرأة في هذه العدة، فنقول.

إن نفي الجناح متعلق به، لأن ما علم من الناس بالسنة المتبعة والأخبار الصحيحة في أمر نزل فيه قرآن يتعين حمل القرآن عليه.

روى الشيخان من حديث حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (والدها) فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق وغيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله  يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة شهر وعشرًا".

قالت زينب وسمعت أمي أم سلمة تقول جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟

فقال رسول الله  :"لا" مرتين أو ثلاثًا - كل ذلك يقول "لا" ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".

قال حميد فقلت لزينب: ما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟

فقالت زينب كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر سنة، ثم يؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتقتض به فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره، وروى أحمد والشيخان من حديث أم سلمة أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها فأتوا رسول الله  فاستأذنوه في الكحل فقال: "لا تكتحل، كانت إحداكن تمكث في أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة- فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشر "وفي رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك" ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالًا لها".

فأنت ترى من هذه الأحاديث الصحيحة أن العرب على غلوها في الحداد، وكثرة منكراتها في النوح والندب، كانت تعتاد أمورًا خرافية فيه، وكانت المرأة تحد على زوجها شر حداد وأقبحه، فتلزم شر أحلاسها في شر جانب من بيتها وهو الحفش سنة كاملة لا تمس طيبًا ولا زينة ولا تبدو للناس في مجتمعهم، ثم تخرج من ذلك بما علمت.

أما الأحلاس فهي جمع حلس (بكسر فسكون وبالتحريك) وهو في الأصل ما يكون على الظهر تحت القتب أو السرج أو البرذعة، ويطلق على الكساء الرقيق وعلى ما يجلس عليه من مسح ونحوه، والحفش بكسر المهملة البيت الصغير المظلم داخل البيت ويسمون مثله في الحجرات الآن "خزنة" والاقتضاض بالدابة بالقاف هو التمسح بها، قيل كانت تمسح به جلدها وقيل ما هنالك، قال ابن قتيبة سألت الحجازيين عن الاقتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تقتض أي تكسر ما كانت فيه من العدة بطائر تمسح به قُبُلَهَا فلا يكاد يعيش ما تقتض به، والمراد أنه يموت من نتنها.

وأما عادة مرور الكلب ورمي البعرة فظاهر الرواية أن المعتدة كانت في آخر العدة تنتظر مرور الكلب لترميه بالبعرة وإن طال الزمان، وبه قال بعضهم، وقيل بل ترمي بها ما عرض من كلب أو غيره، وقالوا إن المعنى في ذلك عندهم أن ما فعلته في التربص في تلك المشقة والجهد هو عندها بمنزلة البعرة التي رمتها احتقارًا له وتعظيمًا لحق زوجها.

وقيل هو إشارة إلى رمي العدة والتفلت منها.

وقيل بل هو تفاؤل بعدم العود إلى مثلها وتمني أن تموت في كنف من عساها تتزوج به.

إذا علمت هذا وأمثاله مما كانت عليه العرب من العادات السخيفة والخرافات الشائنة المهينة للمرأة، يظهر لك شأن ما جاء به الإسلام من الإصلاح في ذلك، إذ جعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه، ولم يحرم فيها إلا الزينة والطيب، والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدي التزوج، دون النظافة والجلوس في كل مكان من البيت مع النساء والمحارم من الرجال.

وهذا الذي أمر به الإسلام يليق ويحسن في كل شعب وجيل في كل زمن وعصر، لا يشق على بدو ولا حضر، وقد رأيت أن سعة الدين وتكريمه للنساء قد كادت تنسي المسلمات ما لم يبعد العهد به من عادتهن وتخرج بهن من كل قيد، حتى استأذن من استأذن منهن بالكحل بحجة الخيفة على العين من المرة أو الرمد حتى ذكرهن  بذلك .

واستشكل في الحديث المنع من الكحل للتداوي كما هو ظاهر من قولها "فخشوا على عينها" مع ما علم من أصول الشريعة التي لا خلاف فيها من انتفاء العسر والحرج، ومن كون الضرورات تبيح المحظورات وكون الضرر والضرار ممنوعين، ومن الترخيص في الكحل للتداوي بالليل دون النهار -لأن الليل أبعد من مظنة الزينة- في حديث الموطأ عن أم سلمة، وفيه أن رسول الله  قال: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" وحديث أبي داود: "فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار".

وأجيب عن حديث النهي بأجوبة منها حمله على كحل الزينة كأنه علم بالقرينة أن السؤال كان عنه أو لأجله، ومنها غير ذلك مما لا حاجة لاستيفائه هنا، وينبغي أن نتذكر أن الليل صار كالنهار في أمصارنا أو أشد إظهارًا للزينة.

هذا ما جاء به الإسلام من الإصلاح في هذه المسألة الاجتماعية ومن أراد الاعتبار فلينظر إلى حظ المسلمين اليوم من هديه فيها.

المسلمون لا يسيرون اليوم على طريقة واحدة وإنما هم طرائق قدد، فمن نسائهم من يغلون في الحداد، ويغرقن في النوح والندب والخروج من العادات في كيفية المعيشة بالبيوت حتى يزدن في بعض ذلك على ما كان يكون من نساء الجاهلية، وليس لهن في ذلك حد ولا أجل يتساوين فيها، ولا يخصص الزوج بما خصه به الشرع، بل ربما حددن على الولد سنة أو سنين، وربما تركن الحداد على الزوج بعد الأربعين، يختلف ذلك فيهن باختلاف البلاد والطبقات والبيوت، فإياكم نسأل أبناء العصر الجديد الذين يرون أن أنفسهم ارتقت في المدنية والاجتماع إلى أفق يستغنون فيه عن هدى الدين: هل تجدون لنا سبيلًا إلى إصلاح هذه العادات الرديئة في الحداد الذي لا حد له ولا نظام، ولا فائدة فيه لأحد بل كله غوائل بما يفني من المال في تغيير اللباس والأثاث والرياش والماعون وغير ذلك، وما يفسد من آداب المعاشرة ويسلب من هناء المعيشة، وما يفعل في صحة الكثيرين ولا سيما ضعاف المزاج وأهل الأمراض؟

اصلحوا لنا بعلومكم وفلسفتكم هذه العادات الرديئة بإرجاعها إلى ما قرره الشرع من الحداد ثلاثة أيام على القريب، وأربعة أشهر وعشر على الزوج، ويجعل هذا الحداد قاصرًا على ترك الزينة والطيب وعدم الخروج من البيت، أو بما هو خير من ذلك إن أمكن، وإلا فاعلموا أن لا صلاح لنا إلا بالاعتصام بهدى الدين الذي تحاربونه كل ساعة بأعمالكم وخلالكم، وعاداتكم ولذاتكم، وما تحاربون إلا أنفسكم وما تشعرون.

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  ﴾ محيط بدقائق عملكم لا يخفى عليه منه شيء فإذا الزمتم النساء الوقوف معكم عند حدوده أصلح أحوالكم، ورفه معيشتكم في الدنيا، وأحسن جزاءكم في الآخرة، وإن لم تفعلوا أخذكم في الدارين أخذًا وبيلًا ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا  ﴾ .

ومن مباحث اللفظ في الآية أن الفصيح المستعمل في التعبير عن الموت بالتوفي أن يقال توفي فلان بالبناء للمفعول وعليه القراءة المتواترة في الآية ﴿ يُتَوَفَّوْنَ  ﴾ وقرئ في الشواذ عن علي ﴿ يُتَوَفَّوْنَ  ﴾ بالبناء للفاعل وفسر بيستوفون آجالهم، فإن معنى التوفي أخذ الشيء وقبضه وافيًا تامًا.

وكانوا يعدون التعبير عن الميت بالتوفي بصيغة اسم الفاعل لحنًا لأنه مقبوض لا قابض، كما روي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان خلف جنازة فقال له رجل من المتوفي ؟

فقال "الله تعالى "وكان هذا من أسباب أمر علي كرم الله وجهه إياه بوضع بعض أحكام النحو.

ومنها مسألة المطابقة بين المبتدأ وهو ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ  ﴾ والخبر وهو جملة ﴿ يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ فإنها غير جلية على قواعد النحو، وإن كان المعنى جليًا، والتأليف عربيًا، وقال قدر بعضهم لفظ زوجات مضافًا محذوفًا أي: وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن إلخ ولا لزوم له، لأنه لا يكون معه فائدة لقوله ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا  ﴾ ما فيه من التكلف، ويروون عن سيبويه أن الخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم من حكم الذين يتوفون منكم: والراجح ما قاله الكسائي ومثله الأخفش، وهو أن الرابط بين المبتدأ والخبر في مثل هذا التعبير هو الضمير العائد إلى الأزواج الذي هو من متعلقات المبتدأ فهو راجع إلى المبتدأ كأنه قال "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربص أزواجهم أربعة أشهر وعشرًا" وهو ينطبق على استعمال اللغة.

وهناك وجه آخر يرجع إليه وهو صحة الإخبار عن المبتدأ بما يرجع إليك كقول الشاعر: لعلي إن مالت بي الريح ميلة إلى ابن أبي ذبيان أن يتندما فمراد الشاعر الإخبار عن تندم ابن أبي ذبيان، والأخبار في اللغة لا يراعى بها إلا صحة المعنى وكونه مفهومًا كما تقدم في تفسير ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى  ﴾ .

ولما كان من شأن الراغبين في التزوج بمن يتوفى زوجها المسارعة إلى خطبتها بَيّن للمؤمنين ما يتعلق بذلك من الأحكام والآداب اللائقة بهم وبكرامة النساء في مدة العدة فقال: ﴿ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ  ﴾ فالمراد بالنساء المعتدات لوفاة أزواجهن، قالوا، ومثلهن المطلقات طلاقًا بائنًا، وأما الرجعيات فلا يجوز التعريض لهن لأنهن لم يخرجن عن عصمة بعولتهن بالمرة.

والتعريض في الأصل إمالة الكلام عن منهجه إلى عرض منه وهو الجانب، ويقابله التصريح فهو أن تفهم المخاطب ما تريد بضرب من الإشارة والتلويح يحتمله الكلام على بعد بمعونة القرينة، وفي الكشاف هو أن تذكر شيئًا تدل به على شيء لا تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم.

والخطبة بالكسر من الخطاب أو الخَطب وهو الشأن العظيم وهي طلب الرجل المرأة للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، وأما الخطبة بالضم فهي ما يوعظ به من الكلام.

والإكنان في النفس هو ما يضمره مريد الزواج في نفسه ويعزم عليه من التزوج بالمرأة بعد انقضاء العدة.

أباح الله تعالى أن يعرض الرجل للمرأة في العدة بأمر الزواج تعريضًا، وقرن ذلك بما يكون من النية في القلب والعزم المستكن في الضمير كأنه مثله في تعذر الاحتراز منه أو تعسره، ولم يحرم عليهم أن يقطعوا في هذا الأمر بأنفسهم لأن الأمر أمر ديني بل راعى فيما شرعه لهم ما فطرهم عليه ولذلك ذكر وجه الرخصة فقال: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ  ﴾ في أنفسكم، وخطرات قلوبكم ليست في أيديكم، ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم وتصبروا عن النطق لهن بما في أنفسكم، فرخص لكم في التعريض دون التصريح، فقفوا عند حد الرخصة ﴿ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا  ﴾ أي في السر فإن المواعدة السرية مدرجة الفتنة، ومظنة الظنة، والتعريض يكون في الملأ لا عار فيه ولا قبح، ولا توسل إلى ما لا يحمد، وذهب جمهور العلماء إلى أن السر هنا كناية عن النكاح أي لا تعقدوا معهن وعدًا صريحًا على التزوج بهن.

وعبر عن النكاح بالسر لأنه يكون سرًا في الغالب، وروي عن ابن عباس أنه قال المواعدة سرًا أن يقول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غير ونحو هذا: وقيل هي المواعدة على الفاحشة، والدليل على أن النهي عام يراد به تحريم الكلام الصريح معها في الخلوة قوله ﴿ إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ هو ما يعهد مثله بين الناس المهذبين بلا نكير كالتعريض.

وجملة القول أنه لا يجوز للرجال أن يتحدثوا مع النساء المعتدات عدة الوفاة في أمر الزواج بالسر ويتواعدوا معهن عليه، وكل ما رخص لهم فيه هو التعريض الذي لا ينكر الناس مثله في حضرتهن، ولا يعدونه خروجًا عن الأدب معهن، والفائدة منه التمهيد وتنبيه الذهن حتى إذا تمت العدة كانت المرأة عالمة بالراغب أو الراغبين، فإذا سبق إلى خطبتها المفضول ردته إلى أن يجيء الأفضل عندها.

وقد أوضح الأمر وسلك فيه مسلك الإطناب لأن الناس يتساهلون في مثل هذه الأمور لما لهم من دافع الهوى إليها، ولذلك صرح بما فهم من سابق القول من جواز القصد إلى العقد بعد تمام العدة فقال: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ  ﴾ أي على عقدة النكاح على حذف "على" ويقال عزم الشيء وعزم عليه واعتزمه أي عقد ضميره على فعله، أو المعنى لا تعقدوا عقدة النكاح وهو العزم المتصل بالعمل لا ينفصل عنه ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ  ﴾ أي حتى ينتهي ما كتب وفرض من العدة، فالكتاب بمعنى المكتوب أي المفروض أو بمعنى الفرض قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا  ﴾ وإنما عبر عن الفرضية المحتمة بلفظ الكتاب لأن ما يكتب يكون أثبت وأكد وأحفظ، وفسر بعضهم الكتاب بالقرآن، على أن المراد به العدة أيضًا، كأنه قال: حتى يتم ما نطق به القرآن من مدة العدة.

والحاصل أن التزوج بالمرأة في العدة محرم قطعًا، ولأجله حرمت خطبتها فيها والعقد باطل بإجماع المسلمين.

ثم قال ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ  ﴾ أي يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم فاحذروا أن تعزموا ما حظره عليكم منه من قول وعمل، وهذا التحذير راجع للأحكام التي تقدمت من التعريض وغيره جاء على أسلوب القرآن وسنته في قرن الأحكام بالموعظة ترغيبًا وترهيبًا تأكيدًا للمحافظة عليها والالتفات إليها، ولا يقال إن العلم بما بالنفس أعم من الخبر بالعمل، فيستغنى عن هذا بما ختمت به الآية السابقة، لأن لكل كلمة مما ورد في هذا الكلام أثرًا مخصوصًا في النفس، والمقصود واحد.

وما دامت الحاجة ماسة إلى شيء فلا يقال إن في الإتيان به تكرارًا مستغنى عنه وإن كثر وتعدد ولو بلغ الألوف بلفظه، فكيف به إذا تنوع بعموم أو خصوص أو غير ذلك وقوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ  ﴾ بعدما ورد من الوعيد والتشديد في الآيات السابقة يبيّن أن للإنسان مخرجًا بالتوبة إذا هو تعدى شيئًا من الحدود وأراد الرجوع إلى الله تعالى فإنه غفور له حليم لا يعجل بعقوبته، بل يمهله ليصلح بحسن العمل، ما أفسد بما سبق من الزلل..

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله