الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 209 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ولا جناح عليكم ) أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح .
قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) قال : التعريض أن تقول : إني أريد التزويج ، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها يعرض لها بالقول بالمعروف وفي رواية : وددت أن الله رزقني امرأة ونحو هذا .
ولا ينصب للخطبة .
وفي رواية : إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله ، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة ، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها .
ورواه البخاري تعليقا ، فقال : قال لي طلق بن غنام ، عن زائدة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) هو أن يقول : إني أريد التزويج ، وإن النساء لمن حاجتي ، ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة .
وهكذا قال مجاهد ، وطاوس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، والحسن ، وقتادة ، والزهري ، ويزيد بن قسيط ، ومقاتل بن حيان ، والقاسم بن محمد ، وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض : أنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها بالخطبة .
وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس ، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص : آخر ثلاث تطليقات .
فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم ، وقال لها : " فإذا حللت فآذنيني " .
فلما حلت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه ، فزوجها إياه .
فأما المطلقة الرجعية : فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها ، والله أعلم .
وقوله : ( أو أكننتم في أنفسكم ) أي : أضمرتم في أنفسكم خطبتهن وهذا كقوله تعالى : ( وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ) [ القصص : 69 ] وكقوله : ( وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) [ الممتحنة : 1 ] ولهذا قال : ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) أي : في أنفسكم ، فرفع الحرج عنكم في ذلك ، ثم قال : ( ولكن لا تواعدوهن سرا ) قال أبو مجلز ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي وقتادة ، والضحاك ، والربيع بن أنس ، وسليمان التيمي ، ومقاتل بن حيان ، والسدي : يعني الزنا .
وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس ، واختاره ابن جرير .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ولكن لا تواعدوهن سرا ) لا تقل لها : إني عاشق ، وعاهديني ألا تتزوجي غيري ، ونحو هذا .
وكذا روي عن سعيد بن جبير ، والشعبي ، وعكرمة ، وأبي الضحى ، والضحاك ، والزهري ، ومجاهد ، والثوري : هو أن يأخذ ميثاقها ألا تتزوج غيره ، وعن مجاهد : هو قول الرجل للمرأة : لا تفوتيني بنفسك ، فإني ناكحك .
وقال قتادة : هو أن يأخذ عهد المرأة ، وهي في عدتها ألا تنكح غيره ، فنهى الله عن ذلك وقدم فيه ، وأحل الخطبة والقول بالمعروف .
وقال ابن زيد : ( ولكن لا تواعدوهن سرا ) هو أن يتزوجها في العدة سرا ، فإذا حلت أظهر ذلك .
وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك ; ولهذا قال : ( إلا أن تقولوا قولا معروفا ) قال ابن عباس ، ومجاهد وسعيد بن جبير ، والسدي ، والثوري ، وابن زيد : يعني به : ما تقدم من إباحة التعريض .
كقوله : إني فيك لراغب .
ونحو ذلك .
وقال محمد بن سيرين : قلت لعبيدة : ما معنى قوله : ( إلا أن تقولوا قولا معروفا ) ؟
قال : يقول لوليها : لا تسبقني بها ، يعني : لا تزوجها حتى تعلمني .
رواه ابن أبي حاتم .
وقوله : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) يعني : ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة .
قال ابن عباس ، ومجاهد ، والشعبي ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وأبو مالك ، وزيد بن أسلم ، ومقاتل بن حيان ، والزهري ، وعطاء الخراساني ، والسدي ، والثوري ، والضحاك : ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) يعني : حتى تنقضي العدة .
وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة .
واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها ، فإنه يفرق بينهما ، وهل تحرم عليه أبدا ؟
على قولين : الجمهور على أنها لا تحرم عليه ، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها .
وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد .
واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب ، وسليمان بن يسار : أن عمر ، رضي الله عنه ، قال : أيما امرأة نكحت في عدتها ، فإن زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها ، فرق بينهما ، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب ، وإن كان دخل بها فرق بينهما ، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر ، ثم لم ينكحها أبدا .
قالوا : ومأخذ هذا : أن الزوج لما استعجل ما أجل الله ، عوقب بنقيض قصده ، فحرمت عليه على التأبيد ، كالقاتل يحرم الميراث .
وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك .
قال البيهقي : وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد ، لقول علي : إنها تحل له .
قلت : ثم هو منقطع عن عمر .
وقد روى الثوري ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن مسروق : أن عمر رجع عن ذلك وجعل لها مهرها ، وجعلهما يجتمعان .
وقوله : ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء ، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر ، ثم لم يؤيسهم من رحمته ، ولم يقنطهم من عائدته ، فقال : ( واعلموا أن الله غفور حليم ) .
(42) القول في تأويل قوله تعالى : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا جناح عليكم، أيها الرجال، فيما عرضتم به من خطبة النساء، للنساء المعتدات من وفاة أزواجهن في عددهن, ولم تصرحوا بعقد نكاح.
والتعريض الذي أبيح في ذلك, هو ما: - 5098- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: التعريض أن يقول: " إني أريد التزويج ", و " إني لأحب امرأة من أمرها وأمرها ", يعرض لها بالقول بالمعروف.
5099- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس: " لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: " إني أريد أن أتزوج ".
5100- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد: عن ابن عباس قال: التعريض ما لم ينصب للخطبة، (43) &; 5-96 &; = قال مجاهد: قال رجل لامرأة في جنازة زوجها: لا تسبقيني بنفسك!
قالت: قد سبقت!
5101- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: في هذه الآية: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: التعريض، ما لم ينصب للخطبة.
5102- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس: " فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: التعريض أن يقول للمرأة في عدتها: " إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله ", و " لوددت أني وجدت امرأة صالحة ", ولا ينصب لها ما دامت في عدتها.
5103- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، يقول: يعرض لها في عدتها, يقول لها: " إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك, ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك "، ونحو هذا من الكلام، فلا حرج.
5104- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: هو أن يقول لها في عدتها: " إني أريد التزويج, ووددت أن الله رزقني امرأة "، ونحو هذا, ولا ينصب للخطبة.
5105- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون , عن محمد, عن عبيدة في هذه الآية, قال: يذكرها إلى وليها، يقول: " لا تسبقني بها ".
5106- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد &; 5-97 &; في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: يقول: " إنك لجميلة, وإنك لنافقة, وإنك إلى خير ".
5107- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان , عن ليث, عن مجاهد أنه كره أن يقول: " لا تسبقيني بنفسك ".
5108- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قل: هو قول الرجل للمرأة: " إنك لجميلة، وإنك لنافقة، وإنك إلى خير ".
5109- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: يعرض للمرأة في عدتها فيقول: والله إنك لجميلة, وإن النساء لمن حاجتي, وإنك إلى خير إن شاء الله ".
5110- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير قال: هو قول الرجل: " إني أريد أن أتزوج, وإني إن تزوجت أحسنت إلى امرأتي", هذا التعريض.
5111- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا شعبة, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: يقول: " لأعطينك, لأحسنن إليك, لأفعلن بك كذا وكذا.
(44) 5012- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، سمعت يحيى بن سعيد قال، أخبرني عبد الرحمن بن القاسم في قوله: " فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: قول الرجل للمرأة في عدتها يعرض بالخطبة: " والله إني فيك &; 5-98 &; لراغب, وإني عليك لحريص ", ونحو هذا.
5113- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع القاسم بن محمد يقول: " فيما عرضتم به من خطبة النساء "، هو قول الرجل للمرأة: " إنك لجميلة, وإنك لنافقة, وإنك إلى خير ".
5114- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: كيف يقول الخاطب؟
قال: يعرض تعريضا، ولا يبوح بشيء.
يقول: " إن لي حاجة، وأبشري, وأنت بحمد الله نافقة ", ولا يبوح بشيء.
قال عطاء: وتقول هي: " قد أسمع ما تقول "، ولا تعده شيئا, ولا تقول: " لعل ذاك ".
5115- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن يحيى بن سعيد قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع القاسم يقول في المرأة يتوفى عنها زوجها, والرجل يريد خطبتها ويريد كلامها، ما الذي يجمل به من القول؟
قال يقول: " إني فيك لراغب, وإني عليك لحريص, وإني بك لمعجب ", وأشباه هذا من القول.
5116- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن حماد, عن إبراهيم في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح.
5117- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة قال: كان إبراهيم لا يرى بأسا أن يهدي لها في العدة، إذا كانت من شأنه.
(45) 5118- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, &; 5-99 &; عن عامر في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال يقول: " إنك لنافقة, وإنك لمعجبة, وإنك لجميلة " (46) وإن قضى الله شيئا كان ".
5119- حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: كان إبراهيم النخعي يقول: " إنك لمعجبة, وإني فيك لراغب ".
5120- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، وأخبرني - يعني شبيبا- عن سعيد, عن شعبة, عن منصور, عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: لا تأخذ ميثاقها ألا تنكح غيرك.
(47) 5121- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: كان أبي يقول: كل شيء كان، دون أن يعزما عقدة النكاح, فهو كما قال الله تعالى ذكره: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ".
5122- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران= وحدثني علي قال حدثنا زيد =جميعا, عن سفيان قوله: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، والتعريض فيما سمعنا أن يقول الرجل وهي في عدتها: " إنك لجميلة, إنك إلى خير, إنك لنافقة, إنك لتعجبيني", ونحو هذا, فهذا التعريض.
5123- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عبد الرحمن بن سليمان, عن خالته سكينة ابنة حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي, فقال: يا ابنة حنظلة، &; 5-100 &; أنا من علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام.
فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي, وأنت يؤخذ عنك!
فقال: أو قد فعلت!
إنما أخبرك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي!
قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة, فتوفي عنها, فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لها منـزلته من الله وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شده تحامله على يده, فما كانت تلك خطبة.
(48) 5124- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء "، قال: لا جناح على من عرض لهن بالخطبة قبل أن يحللن، إذا كنوا في أنفسهن من ذلك.
(49) 5125- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني مالك, عن عبد الرحمن بن القاسم, عن أييه أنه كان يقول في قول الله تعالى ذكره: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء " : أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدة من وفاة زوجها: " إنك علي لكريمة, وإني فيك لراغب, وإن الله سائق إليك خيرا ورزقا ", ونحو هذا من الكلام.
* * * &; 5-101 &; قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في معنى " الخطبة ".
فقال بعضهم: " الخطبة " الذكر, و " الخطبة ": التشهد.
(50) وكأن قائل هذا القول، تأول الكلام: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن.
(51) وقد زعم صاحب هذا القول أنه قال: لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا , لأنه لما قال: " ولا جناح عليكم ", كأنه قال: اذكروهن, ولكن لا تواعدوهن سرا.
* * * وقال آخرون منهم: " خطبه، خطبة وخطبا ".
(52) قال: وقول الله تعالى ذكره: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ [سورة طه: 95]، يقال إنه من هذا.
قال: وأما " الخطبة " فهو المخطوب [به]، من قولهم: (53) " خطب على المنبر واختطب ".
* * * قال أبو جعفر: " والخطبة " عندي هي" الفعلة " من قول القائل: " خطبت فلانة " ك " الجلسة "، من قوله: " جلس " أو " القعدة " من قوله " قعد ".
(54) &; 5-102 &; ومعنى قولهم: " خطب فلان فلانة "، سألها خطبه إليها في نفسها, وذلك حاجته, من قولهم: " ما خطبك "؟
بمعنى: ما حاجتك، وما أمرك؟
* * * وأما " التعريض "، فهو ما كان من لحن الكلام الذي يفهم به السامع الفهم ما يفهم بصريحه.
(55) * * * القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أو أكننتم في أنفسكم "، أو أخفيتم في أنفسكم, فأسررتموه، من خطبتهن، وعزم نكاحهن وهن في عددهن, فلا جناح عليكم أيضا في ذلك، إذا لم تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله.
* * * يقال منه: " أكن فلان هذا الأمر في نفسه, فهو يكنه إكنانا "، و " كنه "، إذا ستره،" يكنه كنا وكنونا ", و " جلس في الكن " ولم يسمع " كننته في نفسي"، (56) وإنما يقال: " كننته في البيت أو في الأرض "، إذا خبأته فيه, ومنه قوله تعالى ذكره: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [سورة الصافات: 49]، أي مخبوء, ومنه قول الشاعر: (57) ثــلاث مــن ثــلاث قداميــات مــن اللائـي تكـن مـن الصقيـع (58) &; 5-103 &; و " تكن " بالتاء، وهو أجود، و " يكن ".
(59) ويقال: " أكنته ثيابه من البرد "" وأكنه البيت من الريح ".
* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 5126- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أو أكننتم في أنفسكم "، قال: الإكنان: ذكر خطبتها في نفسه، لا يبديه لها.
هذا كله حل معروف.
5127- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد مثله.
5128- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " أو أكننتم في أنفسكم "، قال: أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء، ولا يتكلم بشيء.
5129- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع القاسم بن محمد يقول, فذكر نحوه.
5130- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أو أكننتم في أنفسكم "، قال: جعلت في نفسك نكاحها وأضمرت ذلك.
&; 5-104 &; 5131- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران= وحدثني علي قال، حدثنا زيد= جميعا, عن سفيان: " أو أكننتم في أنفسكم "، أن يسر في نفسه أن يتزوجها.
5132- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف, عن الحسن في قوله: " أو أكننتم في أنفسكم "، قال: أسررتم.
* * * قال أبو جعفر: وفي إباحة الله تعالى ذكره ما أباح من التعريض بنكاح المعتدة لها في حال عدتها وحظره التصريح، (60) ما أبان عن افتراق حكم التعريض في كل معاني الكلام وحكم التصريح، منه.
وإذا كان ذلك كذلك، تبين أن التعريض بالقذف غير التصريح به, وأن الحد بالتعريض بالقذف لو كان واجبا وجوبه بالتصريح به، لوجب من الجناح بالتعريض بالخطبة في العدة، نظير الذي يجب بعزم عقدة النكاح فيها.
وفي تفريق الله تعالى ذكره بين حكميها في ذلك، الدلالة الواضحة على افتراق أحكام ذلك في القذف.
* * * القول في تأويل قوله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: علم الله أنكم ستذكرون المعتدات في عددهن بالخطبة في أنفسكم وبألسنتكم، كما: - 5133- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن: " علم الله أنكم ستذكرونهن "، قال: الخطبة.
&; 5-105 &; 5134- حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ، قال: ذكرك إياها في نفسك.
قال: فهو قول الله: " علم الله أنكم ستذكرونهن ".
5135- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن في قوله: " علم الله أنكم ستذكرونهن "، قال: هي الخطبة.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " السر " الذي نهى الله تعالى عباده عن مواعدة المعتدات به.
فقال بعضهم: هو الزنا.
* ذكر من قال ذلك: 5136- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا همام, عن صالح الدهان, عن جابر بن زيد: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، قال: الزنا.
(61) 5137- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, عن أبي مجلز قوله: " ولكن لا تواعدوهن سرا " قال: الزنا.
5138- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سليمان التيمي, عن أبي مجلز مثله.
5139- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, &; 5-106 &; عن سليمان التيمي, عن أبي مجلز مثله.
5140- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن أبي مجلز: " ولكن لا تواعدوهن سرا " قال: الزنا= قيل لسفيان التيمي: ذكره؟
قال: نعم.
5141- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر, عن أبيه, عن رجل, عن الحسن في المواعدة مثل قولة أبي مجلز.
5142- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم, عن الحسن قال: الزنا.
5143- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا أشعث وعمران, عن الحسن مثله.
5144- حدثنا ابن بشار قال حدثنا، عبد الرحمن ويحيى قالا حدثنا سفيان, عن السدي قال: سمعت إبراهيم يقول: " لا تواعدوهن سرا " قال: الزنا.
5145- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن إبراهيم مثله.
5146- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " لا تواعدوهن سرا " قال: الزنا.
5147- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن يزيد بن إبراهيم, عن الحسن: " ولكن لا تواعدوهن سرا " قال: الزنا.
5148- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن قتادة, عن الحسن في قوله: " ولكن لا تواعدوهن سرا " قال: الفاحشة.
5149- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك= وحدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جويبر عن الضحاك: " لا تواعدوهن سرا "، قال: السر: الزنا.
&; 5-107 &; 5150- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " لا تواعدوهن سرا "، قال: فذلك السر: الريبة.
(62) كان الرجل يدخل من أجل الريبة وهو يعرض بالنكاح, فنهى الله عن ذلك إلا من قال معروفا.
5151- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا منصور, عن الحسن وجويبر, عن الضحاك وسليمان التيمي, عن أبي مجلز أنهم قالوا: الزنا.
5152- حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، للفحش والخضع من القول.
(63) 5153- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, عن الحسن: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، قال: هو الفاحشة.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك لا تأخذوا ميثاقهن وعهودهن في عددهن أن لا ينكحن غيركم.
* ذكر من قال ذلك: 5154- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " لا تواعدوهن سرا "، يقول: لا تقل لها: " إني عاشق, وعاهديني أن لا تتزوجي غيري", ونحو هذا.
5155- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير في قوله: " لا تواعدوهن سرا "، قال: &; 5-108 &; لا يقاضها على كذا وكذا أن لا تتزوج غيره.
(64) 5156- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل, عن جابر، عن عامر.
ومجاهد وعكرمة قالوا: لا يأخذ ميثاقها في عدتها، أن لا تتزوج غيره.
5157- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن منصور قال: ذكر في عن الشعبي أنه قال في هذه الآية: " لا تواعدوهن سرا "، قال: لا تأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيرك.
5158- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن الشعبي: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، قال: لا يأخذ ميثاقها في أن لا تتزوج غيره.
5159- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي قال: سمعته يقول في قوله: " لا تواعدوهن سرا "، قال: لا تأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيرك, ولا يوجب العقدة حتى تنقضي العدة.
(65) 5160- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن الشعبي: " لا تواعدوهن سرا "، قال: لا يأخذ عليها ميثاقا أن لا تتزوج غيره.
5161- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ولكن لا تواعدهن سرا "، يقول: " أمسكي علي نفسك, فأنا أتزوج "= ويأخذ عليها عهدا=" لا تنكحي غيري".
(66) &; 5-109 &; 5162- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، قال: هذا في الرجل يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تتزوج غيره, فنهى الله عن ذلك وقدم فيه، وأحل الخطبة والقول بالمعروف, ونهى عن الفاحشة والخضع من القول.
(67) 5163- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران, وحدثني علي قال، حدثنا زيد= جميعا, عن سفيان: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، قال: إن تواعدها سرا على كذا وكذا،" على أن لا تنكحي غيري".
5164- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " لا تواعدوهن سرا "، قال: موعدة السر أن يأخذ عليها عهدا وميثاقا أن تحبس نفسها عليه, ولا تنكح غيره.
5165- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يقول لها الرجل: " لا تسبقيني بنفسك ".
* ذكر من قال ذلك: 5166 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، قال: قول الرجل للمرأة: " لا تفوتيني بنفسك, فإني ناكحك "، هذا لا يحل.
5167- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد قال: هو قول الرجل للمرأة: " لا تفوتيني".
5168- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، قال: المواعدة أن يقول: " لا تفوتيني بنفسك ".
&; 5-110 &; 5169- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، أن يقول: " لا تفوتيني بنفسك ".
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تنكحوهن في عدتهن سرا.
* ذكر من قال ذلك: 5170- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولكن لا تواعدوهن سرا " يقول: لا تنكحوهن سرا, ثم تمسكها، حتى إذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها.
5171- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولكن تواعدوهن سرا "، قال: كان أبي يقول: لا تواعدوهن سرا, ثم تمسكها, وقد ملكت عقدة نكاحها, فإذا حلت أظهرت ذلك وأدخلتها.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك, تأويل من قال: " السر "، في هذا الموضع، الزنا.
وذلك أن العرب تسمي الجماع وغشيان الرجل المرأة " سرا ", لأن ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مطلع عليه, فيسمى لخفائه " سرا "، من ذلك قوله رؤبة بن العجاج: فعـف عـن أسـرارها بعـد العسـق ولــم يضعهـا بيـن فـرك وعشـق (68) يعني بذلك: عف عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك، ومنه قول الحطيئة: &; 5-111 &; ويحــرم ســر جــارتهم عليهـم ويــأكل جــارهم أنـف القصـاع (69) وكذلك يقال لكل ما أخفاه المرء في نفسه: " سرا ".
ويقال: " هو في سر قومه ", يعني: في خيارهم وشرفهم.
فلما كان " السر " إنما يوجه في كلامها إلى أحد هذه الأوجه الثلاثة, وكان معلوما أن أحدهن غير معني به قوله: " ولكن لا تواعدوهن سرا "، وهو السر الذي هو معنى الخيار والشرف= فلم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو " السر " الذي بمعنى ما أخفته نفس المواعد بين المتواعدين، (70) " والسر " الذي بمعنى الغشيان والجماع.
فلما لم يبق غيرهما, وكانت الدلالة واضحة على أن أحدهما غير معني به، صح أن الآخر هو المعني به.
* * * فإن قال [قائل]: (71) فما الدلالة على أن مواعدة القول سرا، غير معني به= على ما قال من قال إن معنى ذلك: أخذ الرجل ميثاق المرأة أن لا تنكح غيره, أو على ما قال من قال: قول الرجل لها: " لا تسبقيني بنفسك "؟
قيل: لأن " السر " إذا كان بالمعنى الذي تأوله قائلو ذلك, فلن يخلو ذلك " السر " من أن يكون هو مواعدة الرجل المرأة ومسألته إياها أن لا تنكح غيره= أو &; 5-112 &; يكون هو النكاح الذي سألها أن تجيبه إليه، بعد انقضاء عدتها، وبعد عقده له، دون الناس غيره.
فإن كان " السر " الذي نهى الله الرجل أن يواعد المعتدات، هو أخذ العهد عليهن أن لا ينكحن غيره, فقد بطل أن يكون " السر " معناه: ما أخفى من الأمور في النفوس, أو نطق به فلم يطلع عليه, وصارت العلانية من الأمر سرا.
وذلك خلاف المعقول في لغة من نـزل القرآن بلسانه.
إلا أن يقول قائل هذه المقالة: إنما نهى الله الرجال عن مواعدتهن ذلك سرا بينهم وبينهن, لا أن نفس الكلام بذلك - وإن كان قد أعلن- سر.
فيقال له إن قال ذلك: فقد يجب أن تكون جائزة مواعدتهن النكاح والخطبة صريحا علانية, إذ كان المنهي عنه من المواعدة، إنما هو ما كان منها سرا.
فإن قال: إن ذلك كذلك، خرج من قول جميع الأمة.
على أن ذلك ليس من قيل أحد ممن تأول الآية أن " السر " ها هنا بمعنى المعاهدة أن لا تنكح غير المعاهد.
وإن قال: ذلك غير جائز.
قيل له: فقد بطل أن يكون معنى ذلك: إسرار الرجل إلى المرأة بالمواعدة.
لأن معنى ذلك، لو كان كذلك، لم يحرم عليه مواعدتها مجاهرة وعلانية.
وفي كون ذلك عليه محرما سرا وعلانية، ما أبان أن معنى " السر " في هذا الموضع، غير معنى إسرار الرجل إلى المرأة بالمعاهدة أن لا تنكح غيره إذا انقضت عدتها= أو يكون، إذا بطل هذا الوجه، معنى ذلك: الخطبة والنكاح الذي وعدت المرأة الرجل أن لا تعدوه إلى غيره.
فذلك إذا كان, فإنما يكون بولي وشهود علانية غير سر.
وكيف يجوز أن يسمى سرا، وهو علانية لا يجوز إسراره؟
وفي بطول هذه الأوجه أن يكون تأويلا لقوله: " ولكن لا تواعدوهن سرا " بما عليه دللنا من الأدلة، وضوح صحة تأويل ذلك أنه بمعنى الغشيان والجماع.
وإذ كان ذلك صحيحا, فتأويل الآية: ولا جناح عليكم، أيها الناس، فيما &; 5-113 &; عرضتم به للمعتدات من وفاة أزوجهن، من خطبة النساء، وذلك حاجتكم إليهن, فلم تصرحوا لهن بالنكاح والحاجة إليهن، إذا أكننتم في أنفسكم, فأسررتم حاجتكم إليهن وخطبتكم إياهن في أنفسكم، ما دمن في عددهن؛ علم الله أنكم ستذكرون خطبتهن وهن في عددهن، فأباح لكم التعريض بذلك لهن, وأسقط الحرج عما أضمرته نفوسكم -حكم منه (72) ولكن حرم عليكم أن تواعدوهن جماعا في عددهن, بأن يقول أحدكم لإحداهن في عدتها: " قد تزوجتك في نفسي, وإنما أنتظر انقضاء عدتك ", فيسألها بذلك القول إمكانه من نفسها الجماع والمباضعة, فحرم الله تعالى ذكره ذلك.
* * * القول في تأويل قوله : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا قال أبو جعفر: ثم قال تعالى ذكره: " إلا أن تقولوا قولا معروفا "، فاستثنى القول المعروف مما نهى عنه, من مواعدة الرجل المرأة السر, وهو من غير جنسه، ولكنه من الاستثناء الذي قد ذكرت قبل: أن يأتي بمعنى خلاف الذي قبله في الصفة خاصة, وتكون " إلا " فيه بمعنى " لكن "، (73) فقوله: " إلا أن تقولوا قولا معروفا " منه- ومعناه: ولكن قولوا قولا معروفا.
فأباح الله تعالى ذكره أن يقول لها المعروف من القول في عدتها، وذلك هو ما أذن له بقوله: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ، كما: - 5172- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير: " إلا أن تقولوا &; 5-114 &; قولا معروفا "، قال: يقول: إني فيك لراغب, وإني لأرجو أن نجتمع.
5173- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " إلا أن تقولوا قولا معروفا "، قال: هو قوله: " إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك ".
5174- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: " إلا أن تقولوا قولا معروفا "، قال: يعني التعريض.
5175- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " إلا أن تقولوا قولا معروفا "، قال: يعني التعريض.
5176- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ إلى حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، قال: هو الرجل يدخل على المرأة وهي في عدتها فيقول: " والله إنكم لأكفاء كرام, وإنكم لرغبة، (74) وإنك لتعجبيني, وإن يقدر شيء يكن ".
فهذا القول المعروف.
5177- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران, وحدثني علي قال، حدثنا زيد- قالا جميعا، قال سفيان: " إلا أن تقولوا قولا معروفا "، قال يقول: " إني فيك لراغب, وإني أرجو إن شاء الله أن نجتمع ".
5178- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إلا أن تقولوا قولا معروفا "، قال يقول: " إن لك عندي كذا, ولك عندي كذا, وأنا معطيك كذا وكذا ".
قال: هذا كله وما كان قبل أن يعقد عقدة النكاح, &; 5-115 &; فهذا كله نسخه قوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
5179- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك: " إلا أن تقولوا قولا معروفا "، قال: المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها, فيأتيها الرجل فيقول: " احبسي علي نفسك, فإن لي بك رغبة, فتقول: " وأنا مثل ذلك "، فتتوق نفسه لها.
(75) فذلك القول المعروف.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولا تعزموا عقدة النكاح "، ولا تصححوا عقدة النكاح في عدة المرأة المعتدة, فتوجبوها بينكم وبينهن, وتعقدوها قبل انقضاء العدة =" حتى يبلغ الكتاب أجله "، يعني: يبلغن أجل الكتاب الذي بينه الله تعالى ذكره بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فجعل بلوغ الأجل للكتاب، والمعنى للمتناكحين، أن لا ينكح الرجل المرأة المعتدة، فيعزم عقدة النكاح عليها حتى تنقضي عدتها, فيبلغ الأجل الذي أجله الله في كتابه لانقضائها، كما: - 5180- حدثنا محمد بن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, وحدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق, عن الثوري, عن ليث, عن مجاهد: " حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: حتى تنقضي العدة.
5181- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن &; 5-116 &; السدي قوله: " حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر.
5182- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: حتى تنقضي العدة.
5183- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
5184- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: تنقضي العدة.
5185- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: حتى تنقضي العدة.
5186- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك قوله: " حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: لا يتزوجها حتى يخلو أجلها.
(76) 5187- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق, عن الشعبي في قوله: " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: مخافة أن تتزوج المرأة قبل انقضاء العدة.
(77) 5188- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله "، حتى تنقضي العدة.
5189- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران= وحدثني علي قال، حدثنا زيد= جميعا, عن سفيان قوله: " حتى يبلغ الكتاب أجله "، قال: حتى تنقضي العدة.
* * * &; 5-117 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: واعلموا، أيها الناس، أن الله يعلم ما في أنفسكم من هواهن ونكاحهن وغير ذلك من أموركم، فاحذروه.
يقول: فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن تأتوا شيئا مما نهاكم عنه، من عزم عقدة نكاحهن، أو مواعدتهن السر في عددهن, وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنهن في حال ما هن معتدات, وفي غير ذلك=" واعلموا أن الله غفور "، (78) يعني أنه ذو ستر لذنوب عباده وتغطية عليها، فيما تكنه نفوس الرجال من خطبة المعتدات، وذكرهم إياهن في حال عددهن, وفي غير ذلك من خطاياهم= وقوله: " حليم "، يعني أنه ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم.
---------------- الهوامش: (42) هذا نص أول التقسيم القديم : "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر" .
(43) نصب الشيء ينصب نصبا : إذا قصده وتجرد له .
(44) في المخطوطة والمطبوعة"لأحسن إليك" ، والصواب ما أثبت .
(45) قوله : "من شأنه" ، أي من حاجته وإرادته وقصده .
يقال : شأن شأنه ، أي قصد قصده .
(46) في المخطوطة : "وإنك لمعجبة ، لجميلة" ، وهما سواء .
(47) في المطبوعة : "لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(48) الأثر : 5123- عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة بن أبي عامر الراهب" يعرف بابن الغسيل ، وهو جد أبيه ، حنظلة الذي غسلته الملائكة يوم أحد .
وقال ابن معين : "ليس به بأس" ، كان يخطئ ويهم ، قال أحمد : صالح .
مات سنة 171 .
مترجم في التهذيب .
و"أبو جعفر محمد بن علي" هو محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابنه جعفر الصادق ، وكان من فقهاء المدينة ، وسيد بني هاشم في زمانه ، جمع العلم والفقه والشرف والديانة والثقة والسؤدد وكان يصلح للخلافة ، وهو أحد الاثنى عشر الذين تعتقد الرافضة عصمتهم - ولا عصمة إلا لنبي!
توفى سنة 114 .
مترجم في التهذيب ، وتاريخ الإسلام للذهبي 4 : 299 .
ولم أجد هذا الخبر إلا في البغوي بهامش تفسير ابن كثير 1 : 567 .
(49) كن الشيء في صدره وأكنه واكتنه : أخفاه وستره .
(50) هذا قول الأخفش ، وانظر تفسير البغوي 1 : 567 .
(51) في المخطوطة والمطبوعة : "عندهم" وهو لا يستقيم ، والصواب ما أثبت ، وانظر أيضًا تفسير البغوي 1 : 567 .
(52) في المطبوعة : "وقال آخرون منهم : الخطبة أخطب خطبه وخطبا" ، وهو كلام فاسد التركيب ، فيه زيادة من ناسخ .
وفي المخطوطة : "وقال آخرون منهم : "الخطبة وخطبه وخطبا" ، وهو فاسد أيضًا ، والصواب ما أثبت .
فإن يكن في كلام الطبري نقص أو خرم ، فهو تفسير هذه الكلمة ، وقد أبان عنها صاحب أساس البلاغة فقال : "فلان يخطب عمل كذا : يطلبه .
وقد أخطبك الصيد فارمه - أي أكثبك وأمكنك .
وأخطبك الأمر ، وهو أمر مخطب : ومعناه : أطلبك- من"طلبت إليه حاجة فأطلبني" .
وما خطبك : ما شأنك الذي تخطبه .
ومنه : هذا خطب يسير ، وخطب جليل .
وهو يقاسي خطوب الدهر" .
فقد أبان ما نقلته عن الزمخشري أنه أراد أن يقول : خطب الأمر يخطبه خطبة وخطبا ، أي طلبه .
ولم يستوف أبو جعفر تفسير هذه الكلمة في"سورة طه" الآية : 95 ، فأثبت تفسيره هنالك .
(53) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، يعني : الكلام المخطوب به .
(54) يعني أنه مصدر ، وانظر ما سلف في وزن"فعلة" في فهارس مباحث العربية في الأجزاء السالفة ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 152 ، وتفسير أبي حيان 2 : 221 .
(55) لحن الكلام : هو الإيماء في الكلام دون التصريح ، وعبارة الطبري في تفسير هذه الكلمة ، عبارة جيدة .
ليس لها شبيه في كتب اللغة في شرح هذا الحرف .
(56) ذكر أصحاب اللغة أن ذلك قيل ، واستشهدوا بقول أبي قطيفة : قـد يكـتم النـاس أسـرارا فأعلمهـا ومـا ينـالون حـتى المـوت مكنوني (57) لم أستطع أن أعرف قائله .
(58) معاني الفراء 1 : 152 ، واللسان (كنن) .
قداميات جمع قدامى ، والقدامى واحد .
وجمع ، وهو هنا واحد .
والقدامى والقوادم في الطير : عشر ريشات في كل جناح .
وقوله : "ثلاث من ثلاث قداميات" ، كأنه يريد أنه اختار من قوادم ثلاث من الطير ، ثلاث ريشات من ريشه ، وكأنه يريد ذلك لأسهمه ، يريش الأسهم بها .
والصقيع : الذي يسقط بالليل ، شبيه بالثلج .
(59) في المطبوعة : "بالتاء هو أجود" ، وزيادة الواو من المخطوطة .
هذه الجملة غير بينة المعنى عندي ، وكأن صوابها"وتكن بالتاء المضمومة ، وهو أجود وتكن" .
ويعني أن الأول من"أكن يكن" ، وأن الأخرى من"كن يكن" .
كما هو ظاهر من استدلاله هذا .
وقد عقب الفراء على هذا البيت بقوله : "وبعضهم يرويه"تكن" من"أكننت" .
فهذا يرجح ما ذهبت إليه .
(60) قوله : "لها" متعلق بقوله : "التعريض" ، أي : التعريض لها ، وسياق هذه الجملة والتي تليها : "وفي إباحة الله تعالى ذكره .
.
.
ما أبان عن افتراق حكم التعريض" .
وقوله : "منه" في الجملة التالية ، أي : افتراق حكم التعريض من حكم التصريح .
(61) الأثر : 5136-"صالح الدهان" ، هو صالح بن إبراهيم الدهان الجهني ، أبو نوح .
وهو ثقة .
ترجم في الجرح والتعديل 2 / 1 / 393 ، وانظر التهذيب 4 : 388 .
وجابر بن زيد الأزدي أبو الشعثاء .
مترجم في التهذيب ، وروي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير .
مات سنة 93 .
(62) في المطبوعة : "الزنية" في هذا الموضع والذي يليه ، والصواب من المخطوطة .
والريبة (بكسر الراء) : الشك والظنة والتهمة ، وهو كناية عن كل أمر قبيح يرتاب فيه وفي صاحبه .
(63) الخضع (بفتح فسكون) مصدر خضع الرجل : ألان الكلام للمرأة : وقد ضبط في المخطوطة بضم الخاء ، ولم أجده .
و"خضع" من باب"نفع" ، نص على ذلك صاحب معيار اللغة .
وفي حديث عمر أن رجلا في زمانه مر برجل وامرأة قد خضعا بينهما حديثا فضربه حتى شجه ، فرفع إلى عمر فأهدره" أي : لينا بينهما الحديث ، وتكلما بما يطمع كلا منهما في الآخر .
وسيأتي"خضع القول" أيضًا في تفسيره 22 : 3 (بولاق) ، وسيأتي أيضًا في الأثر رقم : 5162 .
(64) في المطبوعة : "لا يقاصها" ، وهو كذلك في المخطوطة غير منقوط ، وصواب قراءته ما أثبت .
قاضاه على الأمر : فصل فيه وأبرمه وحتمه وفرغ منه .
وفي كتاب صلح الحديبية : "هذا ما قاضى عليه محمد .
.
.
" وهو شبيه بالمعاهدة .
(65) في المطبوعة : "ويأخذ عليها عهدا أن لا تنكحي" .
.
.
"بزيادة"أن" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو الصواب الجيد .
(66) في المطبوعة : "ويأخذ عليها عهدا أن لا تنكحي" .
.
.
.
"بزيادة"أن" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو الصواب الجيد .
(67) انظر التعليق على الأثر السالف : 5152 .
(68) ديوانه : 104 ، واللسان (عسق) (عشق) (فرك) (سرر) ، وفي اللسان في بعض مواده"إسرارها" بالكسر ، وهو خطأ ، وفي بعضها"الغسق" ، وهو خطأ أيضًا .
والأسرار جمع سر .
والعسق ، مصدر"عسق به يعسق" : لزمه وأولع به .
والفرك (بكسر الفاء وسكون الراء) بغضة الرجل امرأته ، أو بغضة امرأته له .
وامرأة فارك وفروك ، تكره زوجها .
ورجل مفرك (بتشديد الراء) .
لا يحظى عند النساء .
والعشق (بكسر فسكون) والعشق (بفتحتين) مصدر"عشق يعشق" .
والضمير في قوله : "فعف" ، عائد إلى حمار الوحش الذي يصفه ويصف أتنه .
والضمير في"أسرارها" عائد إلى الأتن .
(69) ديوانه : 93 ، واللسان (أنف) يمدح بني رياح وبني كليب من بني يربوع .
أنف كل شيء : طرفه وأوله .
والقصاع جمع قصعة : وهي الجفنة الضخمة .
يذكر عفتهم وحفاظهم وامتناعهم من انتهاك حرمة الجارة ، واقتراف الإثم في حقها ، ويصف كرمهم وإيثارهم جارهم بالطعام على أنفسهم ، فلا يتقدمونه إلى الطعام حتى يأخذ منه ما يشتهي وما يكفيه .
وقبل البيت : فليس الجــار جــار بنـي ريـاح بمقصــى فـي المحـل ولا مضـاع هــم صنعــوا لجـارهم, وليسـت يـد الخرقــاء مثـل يـد الصنـاع (70) في المطبوعة : "نفس المواعدين المتواعدين" ، والصواب من المخطوطة .
(71) هذه الزيادة استظهرتها من مئات أشباهها مضت .
(72) في المطبوعة : "حلما منه" وأثبت صوب ما في المخطوطة .
(73) انظر ما سلف 2 : 263-265 / ثم 3 : 204 - 206 .
(74) في المطبوعة والمخطوطة : "لرعة" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وقرأتها كذلك - لأنه أوفق ، ولأني لم أجد لقوله"رعة" معنى .
وسمى المرأة"رغبة" ، كما يسميها"هوى" بالمصدر ، أي : يرغب فيك .
ومنه الرغيبة : وهو الشيء المرغوب فيه .
(75) في المخطوطة : "فتؤتي نفسه لها" ، ولم أجدها في مكان آخر ، والذي في المطبوعة لا بأس به ، وهو قريب الدلالة على المعنى .
(76) خلا الشيء يخلو خلوا : مضى وانقضى .
(77) الأثر : 5187-"أبو قتيبة" ، هو : سلم بن قتيبة الشعيري ، أبو قتيبة الخراساني .
"ثقة ، ليس به بأس ، يكتب حديثه" ، مات سنة 201 .
مترجم في التهذيب .
(78) انظر"غفور" فيما سلف ، في فهارس اللغة في الأجزاء السالفة .
قوله تعالى : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم[ ص: 172 ] قوله تعالى : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء إلى قوله : ( معروفا ) فيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( ولا جناح ) أي لا إثم ، والجناح الإثم ، وهو أصح في الشرع وقيل : بل هو الأمر الشاق ، وهو أصح في اللغة ، قال الشماخ :إذا تعلو براكبها خليجا تذكر ما لديه من الجناحوقوله : عليكم فيما عرضتم المخاطبة لجميع الناس ، والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة ، أي لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة .
والتعريض : ضد التصريح ، وهو إفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره وهو من عرض الشيء وهو جانبه ، كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره .
وقيل ، هو من قولك عرضت الرجل ، أي أهديت إليه تحفة ، وفي الحديث : أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضاء ، أي أهدوا لهما .
فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه .الثانية : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز ، وكذلك ما أشبهه ، وجوز ما عدا ذلك .
ومن أعظمه قربا إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك .
ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا لأنها كالزوجة .
وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم .
وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين : الأول : أن يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها .
والثاني : أن يشير بذلك إليها دون واسطة ، فيقول لها : إني أريد التزويج ، أو إنك لجميلة ، إنك لصالحة ، إن الله لسائق إليك خيرا ، إني فيك لراغب ، ومن يرغب عنك ، إنك لنافقة ، وإن حاجتي في النساء ، وإن يقدر الله أمرا يكن .
هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب .
وقال ابن عباس : لا بأس أن يقول : لا تسبقيني بنفسك ، ولا بأس أن يهدي إليها ، وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه ، قاله إبراهيم .
[ ص: 173 ] وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج ، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين ، قالت سكينة بنت حنظلة استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال : قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من علي وموضعي في العرب .
قلت غفر الله لك يا أبا جعفر ، إنك رجل يؤخذ عنك ، تخطبني في عدتي ، قال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علي .
وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال : لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي كانت تلك خطبة ، أخرجه الدارقطني .
والهدية إلى المعتدة جائزة ، وهى من التعريض ، قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم .
وكره مجاهد أن يقول لها : لا تسبقيني بنفسك ورآه من المواعدة سرا .
قال القاضي أبو محمد بن عطية : وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه وإلا فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم .الثالثة : قوله تعالى : من خطبة النساء الخطبة ( بكسر الخاء ) : فعل الخاطب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول .
يقال : خطبها يخطبها خطبا وخطبة .
ورجل خطاب كثير التصرف في الخطبة ، ومنه قول الشاعر :برح بالعينين خطاب الكثب يقول إني خاطب وقد كذبوإنما يخطب عسا من حلبوالخطيب : الخاطب .
والخطيبى : الخطبة ، قال : عدي بن زيد يذكر قصة جذيمة الأبرش لخطبة الزباء :لخطيبى التي غدرت وخانت وهن ذوات غائلة لحيناوالخطب ، الرجل الذي يخطب المرأة ، ويقال أيضا : هي خطبه وخطبته التي يخطبها .
والخطبة فعلة كجلسة وقعدة : والخطبة ( بضم الخاء ) هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره .
قال النحاس : والخطبة ما كان لها أول وآخر ، وكذا ما كان على فعلة نحو الأكلة والضغطة .الرابعة : قوله تعالى : أو أكننتم في أنفسكم معناه سترتم وأضمرتم من التزوج بها بعد انقضاء عدتها .
والإكنان : الستر والإخفاء ، يقال : كننته وأكننته بمعنى واحد .
وقيل : كننته أي صنته حتى لا تصيبه آفة وإن لم يكن مستورا ، ومنه بيض مكنون ودر مكنون .
وأكننته أسررته [ ص: 174 ] وسترته .
وقيل : كننت الشيء من الأجرام إذا سترته بثوب أو بيت أو أرض ونحوه .
وأكننت الأمر في نفسي .
ولم يسمع من العرب كننته في نفسي .
ويقال : أكن البيت الإنسان ، ونحو هذا .
فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان ، ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد .
ورخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحها وضعف البشر عن ملكها .الخامسة : استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حد ، وقالوا : لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد ؛ لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح .قلنا : هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة ، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح ، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف ، والأعراض يجب صيانتها ، وذلك يوجب حد المعرض ، لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح .السادسة : قوله تعالى : علم الله أنكم ستذكرونهن أي إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم ، فرخص في التعريض دون التصريح .
الحسن : معناه ستخطبونهن .السابعة : قوله تعالى : ولكن لا تواعدوهن سرا أي على سر فحذف الحرف ؛ لأنه مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر .واختلف العلماء في معنى قوله تعالى : سرا فقيل ، معناه نكاحا ، أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني ، بل يعرض إن أراد ، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية ، هذا قول ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم .
" وسرا " على هذا التأويل نصب على الحال ، أي مستسرين .
وقيل : السر الزنا ، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج بعدها .
قال معناه جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد ، والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعي والضحاك ، وأن السر في هذه الآية الزنا ، أي لا تواعدوهن زنا ، واختاره الطبري ، ومنه قول الأعشى :فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبداوقال الحطيئة :ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع[ ص: 175 ] وقيل : السر الجماع ، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح فإن ذكر الجماع مع غير الزوج فحش ، هذا قول الشافعي .
وقال امرؤ القيس :ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثاليوقال رؤبة :فكف عن إسرارها بعد الغسقأي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك .
وقد يكون السر عقدة النكاح ، سرا كان أو جهرا ، قال الأعشى :فلن يطلبوا سرها للغنى ولن يسلموها لإزهادهاوأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها ، ولن يسلموها لقلة مالها .
وقال ابن زيد : معنى قوله ولكن لا تواعدوهن سرا أن لا تنكحوهن وتكتمون ذلك ، فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن ، وهذا هو معنى القول الأول ، فابن زيد على هذا قائل بالقول الأول ، وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة ، وذلك قلق .
وحكى مكي والثعلبي عنه أنه قال : الآية منسوخة بقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح .الثامنة : قال القاضي أبو محمد بن عطية : أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها ، وللأب في ابنته البكر ، وللسيد في أمته .
قال ابن المواز : وأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه وإن نزل لم أفسخه .
وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها : فراقها أحب إلي ، دخل بها أو لم يدخل ، وتكون تطليقة واحدة ، فإذا حلت خطبها مع الخطاب ، هذه رواية ابن وهب .
وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما إيجابا ، وقاله ابن القاسم .
وحكى ابن الحارث مثله عن ابن الماجشون ، وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد .
وقال الشافعي : إن صرح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لهما مكروه لأن النكاح حادث بعد الخطبة ، قاله ابن المنذر .التاسعة : قوله تعالى : إلا أن تقولوا قولا معروفا استثناء منقطع بمعنى لكن ، كقوله إلا خطأ ؛ أي لكن خطأ .
والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض .
وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدة : احبسي علي نفسك فإن لي بك رغبة ، فتقول هي : وأنا مثل ذلك ، وهذا شبه المواعدة .[ ص: 176 ] قوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله فيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا تعزموا قد تقدم القول في معنى العزم ، يقال : عزم الشيء وعزم عليه .
والمعنى هنا : ولا تعزموا على عقدة النكاح .
ومن الأمر البين أن القرآن أفصح كلام ، فما ورد فيه فلا معترض عليه ، ولا يشك في صحته وفصاحته ، وقد قال الله تعالى : وإن عزموا الطلاق ، وقال هنا : ولا تعزموا عقدة النكاح والمعنى : لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة ثم حذف على ما تقدم .
وحكى سيبويه : ضرب فلان الظهر والبطن ، أي على .
قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه .
قال النحاس : ويجوز أن يكون ( لا تعقدوا عقدة النكاح ) ؛ لأن معنى " تعزموا " وتعقدوا واحد .
ويقال : " تعزموا " بضم الزاي .الثانية : قوله تعالى : حتى يبلغ الكتاب أجله يريد تمام العدة .
والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة ، سماها كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب الله كما قال كتاب الله عليكم وكما قال : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا .
فالكتاب : الفرض ، أي حتى يبلغ الفرض أجله ، كتب عليكم الصيام ؛ أي فرض .
وقيل : في الكلام حذف ، أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله ، فالكتاب على هذا التأويل بمعنى القرآن .
وعلى الأول لا حذف فهو أولى ، والله أعلم .الثالثة : حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله وهذا من المحكم المجمع على تأويله ، أن بلوغ أجله انقضاء العدة .
وأباح التعريض في العدة بقوله : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء الآية .
ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك ، واختلفوا في ألفاظ التعريض على ما تقدم .
واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا ، أو يواعدها ويعقد بعد العدة ، وقد تقدم هذا في الآية التي قبلها .
واختلفوا إن عزم العقدة في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه ، وذلك قبل الدخول وهي :الرابعة : فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يؤبد تحريما ، وأنه يكون خاطبا من الخطاب ، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه ( ضرب أجل المفقود ) .
وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أن التحريم يتأبد في العقد وإن فسخ قبل الدخول ، ووجهه أنه نكاح في العدة فوجب أن يتأبد به التحريم ، أصله إذا بنى بها .
وأما إن عقد في العدة ودخل بعد انقضائها وهي :[ ص: 177 ] الخامسة : فقال قوم من أهل العلم : ذلك كالدخول في العدة ، يتأبد التحريم بينهما .
وقال قوم من أهل العلم : لا يتأبد بذلك تحريم .
وقال مالك : يتأبد التحريم .
وقال مرة : وما التحريم بذلك بالبين ، والقولان له في المدونة في طلاق السنة .
وأما إن دخل في العدة وهي :السادسة : فقال مالك والليث والأوزاعي : يفرق بينهما ولا تحل له أبدا .
قال مالك والليث : ولا بملك اليمين ، مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها .
واحتجوا بأن عمر بن الخطاب قال : لا يجتمعان أبدا .
قال سعيد : ولها مهرها بما استحل من فرجها ، أخرجه مالك في موطئه وسيأتي .
وقال الثوري والكوفيون والشافعي : يفرق بينهما ولا يتأبد التحريم بل يفسخ بينهما ثم تعتد منه ، ثم يكون خاطبا من الخطاب .
واحتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها لم يحرم عليه تزويجها ، فكذلك وطؤه إياها في العدة .
قالوا : وهو قول علي .
ذكره عبد الرزاق .
وذكر عن ابن مسعود مثله ، وعن الحسن أيضا .
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق أن عمر رجع عن ذلك وجعلهما يجتمعان .
وذكر القاضي أبو الوليد الباجي في المنتقى فقال : لا يخلو الناكح في العدة إذا بنى بها أن يبني بها في العدة أو بعدها ، فإن كان بنى بها في العدة فإن المشهور من المذهب أن التحريم يتأبد ، وبه قال أحمد بن حنبل .
وروى الشيخ أبو القاسم في تفريعه أن في التي يتزوجها الرجل في عدة من طلاق أو وفاة عالما بالتحريم روايتين ، إحداهما : أن تحريمه يتأبد على ما قدمناه .
والثانية : أنه زان وعليه الحد ، ولا يلحق به الولد ، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة .
ووجه الرواية الأولى - وهي المشهورة - ما ثبت من قضاء عمر بذلك ، وقيامه بذلك في الناس ، وكانت قضاياه تسير وتنتشر وتنقل في الأمصار ، ولم يعلم له مخالف ، فثبت أنه إجماع .
قال القاضي أبو محمد : وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك وانتشاره ، وهذا حكم الإجماع .
ووجه الرواية الثانية أن هذا وطء ممنوع فلم يتأبد تحريمه ، كما لو زوجت نفسها أو تزوجت متعة أو زنت .
وقد قال القاضي أبو الحسن : إن مذهب مالك المشهور في ذلك ضعيف من جهة النظر .
والله أعلم .
وأسند أبو عمر : حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ عن محمد بن إسماعيل عن نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن أشعث عن الشعبي عن مسروق قال : بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ففرق بينهما وعاقبهما وقال : لا تنكحها أبدا وجعل صداقها في بيت المال ، وفشا ذلك في الناس فبلغ عليا فقال : يرحم الله أمير المؤمنين ، ما بال الصداق وبيت المال ، إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة .
قيل : فما تقول أنت [ ص: 178 ] فيهما ؟
فقال : لها الصداق بما استحل من فرجها ، ويفرق بينهما ولا جلد عليهما ، وتكمل عدتها من الأول ، ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء .
فبلغ عمر فخطب الناس فقال : أيها الناس ، ردوا الجهالات إلى السنة .
قال الكيا الطبري : ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة نكاحها وهي في عدة من غيره أن النكاح فاسد .
وفي اتفاق عمر وعلي على نفي الحد عنهما ما يدل على أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد ، إلا أنه مع الجهل بالتحريم متفق عليه ، ومع العلم به مختلف فيه .
واختلفوا هل تعتد منهما جميعا وهذه مسألة العدتين وهي :السابعة : فروى المدنيون عن مالك أنها تتم بقية عدتها من الأول ، وتستأنف عدة أخرى من الآخر ، وهو قول الليث والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق .
وروي عن علي كما ذكرنا ، وعن عمر على ما يأتي .
وروى محمد بن القاسم وابن وهب عن مالك : أن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرق بينه وبينها ، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة .
وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه ، فدل على أنها في عدة من الثاني ، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه .
أجاب الأولون فقالوا : هذا غير لازم لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني ، وهما حقان قد وجبا عليها لزوجين كسائر حقوق الآدميين ، لا يدخل أحدهما في صاحبه .
وخرج مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن سليمان بن يسار أن طليحة الأسدية كانت تحت رشيد الثقفي فطلقها فنكحت في عدتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ، ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الزوج الأول ، ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب ، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ، ثم اعتدت من الآخر ثم لا يجتمعان أبدا .
قال مالك : وقال سعيد بن المسيب : ولها مهرها بما استحل من فرجها .
قال أبو عمر : وأما طليحة هذه فهي طليحة بنت عبيد الله أخت طلحة بن عبيد الله التيمي ، وفي بعض نسخ الموطأ من رواية يحيى : طليحة الأسدية وذلك خطأ وجهل ، ولا أعلم أحدا قاله .الثامنة : قوله ( فضربها عمر بالمخفقة وضرب زوجها ضربات ) يريد على وجه العقوبة لما ارتكباه من المحظور وهو النكاح في العدة .
وقال الزهري : فلا أدري كم بلغ ذلك الجلد .
قال : وجلد عبد الملك في ذلك كل واحد منهما أربعين جلدة .
قال : فسئل عن ذلك قبيصة بن [ ص: 179 ] ذؤيب فقال : لو كنتم خففتم فجلدتم عشرين ، وقال ابن حبيب في التي تتزوج في العدة فيمسها الرجل أو يقبل أو يباشر أو يغمز أو ينظر على وجه اللذة أن على الزوجين العقوبة وعلى الولي وعلى الشهود ومن علم منهم أنها في عدة ، ومن جهل منهم ذلك فلا عقوبة عليه .
وقال ابن المواز : يجلد الزوجان الحد إن كانا تعمدا ذلك ، فيحمل قول ابن حبيب على من علم بالعدة ، ولعله جهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور فذلك الذي يعاقب ، وعلى ذلك كان ضرب عمر المرأة وزوجها بالمخفقة ضربات .
وتكون العقوبة والأدب في ذلك بحسب حال المعاقب .
ويحمل قول ابن المواز على أنهما علما التحريم واقتحما ارتكاب المحظور جرأة وإقداما .
وقد قال الشيخ أبو القاسم : إنهما روايتان في التعمد ، إحداهما يحد ، والثانية يعاقب ولا يحد .التاسعة : قوله تعالى : واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه .
هذا حكم المعتدة من وفاة, أو المبانة في الحياة، فيحرم على غير مُبِينِهَا أن يصرح لها في الخطبة, وهو المراد بقوله: { وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } وأما التعريض, فقد أسقط تعالى فيه الجناح.
والفرق بينهما: أن التصريح, لا يحتمل غير النكاح, فلهذا حرم, خوفا من استعجالها, وكذبها في انقضاء عدتها, رغبة في النكاح، ففيه دلالة على منع وسائل المحرم, وقضاء لحق زوجها الأول, بعدم مواعدتها لغيره مدة عدتها.
وأما التعريض, وهو الذي يحتمل النكاح وغيره, فهو جائز للبائن كأن يقول لها: إني أريد التزوج, وإني أحب أن تشاوريني عند انقضاء عدتك, ونحو ذلك, فهذا جائز لأنه ليس بمنزلة الصريح, وفي النفوس داع قوي إليه.
وكذلك إضمار الإنسان في نفسه أن يتزوج من هي في عدتها, إذا انقضت، ولهذا قال: { أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } هذا التفصيل كله في مقدمات العقد.
وأما عقد النكاح فلا يحل { حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } أي: تنقضي العدة.
{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ } أي: فانووا الخير, ولا تنووا الشر, خوفا من عقابه ورجاء لثوابه.
{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } لمن صدرت منه الذنوب, فتاب منها, ورجع إلى ربه { حَلِيمٌ } حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم, مع قدرته عليهم.
قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ) أي النساء المعتدات وأصل التعريض هو التلويح بالشيء والتعريض في الكلام ما يفهم به السامع مراده من غير تصريح والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول : رب راغب فيك من يجد مثلك إنك لجميلة وإنك لصالحة وإنك علي لكريمة وإني فيك لراغب ، وإن من غرضي أن أتزوج وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ولئن تزوجتك لأحسنن إليك ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه وقال إبراهيم : لا بأس أن يهدي لها ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه .
روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها وقال : يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك؟
فقال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده .
والتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة أما المعتدة عن فرقة الحياة نظر : إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثا والمبانة باللعان والرضاع : يجوز خطبتها تعريضا وإن كانت ممن للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا .
وهل يجوز للغير تعريضا؟
فيه قولان : أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثا والثاني لا يجوز لأن المعاودة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة .
وقوله تعالى : ( من خطبة النساء ) الخطبة التماس النكاح وهي مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة وقال الأخفش : الخطبة الذكر والخطبة التشهد فيكون معناه : فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن ، ( أو أكننتم ) أضمرتم ( في أنفسكم ) نكاحهن يقال : أكننت الشيء وكننته لغتان وقال ثعلب : أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي وكننته سترته وقال السدي : هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) بقلوبكم ( ولكن لا تواعدوهن سرا ) اختلفوا في السر المنهي عنه فقال قوم : هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها : دعيني فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ورواية عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال زيد بن أسلم : أي لا ينكحها سرا فيمسكها فإذا حلت أظهر ذلك .
وقال مجاهد : هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك وقال الشعبي والسدي لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره وقال عكرمة : لا ينكحها ولا يخطبها في العدة .
قال الشافعي : السر هو الجماع وقال الكلبي : أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع فيقول آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك ويذكر السر ويراد به الجماع قال امرؤ القيس : ألا زعمت بسباسة القوم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثالي إنما قيل للزنا والجماع سر لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة .
قوله تعالى : ( إلا أن تقولوا قولا معروفا ) ما ذكرنا من التعريض بالخطبة .
قوله تعالى : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة حتى يبلغ الكتاب أجله أي : حتى تنقضي العدة وسماها الله كتابا لأنها فرض من الله كقوله تعالى : " كتب عليكم " أي فرض عليكم ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) أي فخافوا الله ( واعلموا أن الله غفور حليم ) لا يعجل بالعقوبة .
«ولا جُناح عليكم فيما عَرَّضتم» لوحتم «به من خطبة النساء» المتوفى عنهن أزواجهن في العدة كقول الإنسان: مثلا إنك لجميلة ومن يجد مثلك ورب راغب فيك «أو أكننتم» أضمرتم «في أنفسكم» من قصد نكاحهن «علم الله أنكم ستذكرونهن» بالخطبة ولا تصبرون عنهن فأباح لكم التعريض «ولكن لا تواعدوهن سرّاً» أي نكاحاً «إلا» لكن «أن تقولوا قولاً معروفا» أي ما عرف لكم شرعا من التعريض فلكم ذلك «ولا تعزموا عقدة النكاح» أي على عقده «حتى يبلغ الكتاب» أي المكتوب من العدة «أجله» بأن ينتهي «واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم» من العزم وغيره «فاحذروه» أن يعاقبكم إذا عزمتم «واعلموا أن الله غفور» لمن يحذره «حليم» بتأخير العقوبة عن مستحقها.
ولا إثم عليكم -أيها الرجال- فيما تُلَمِّحون به مِن طلب الزواج بالنساء المتوفَّى عنهنَّ أزواجهن، أو المطلقات طلاقًا بائنًا في أثناء عدتهن، ولا ذنب عليكم أيضًا فيما أضمرتموه في أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاء عدتهن.
علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدَّات، ولن تصبروا على السكوت عنهن، لضعفكم؛ لذلك أباح لكم أن تذكروهن تلميحًا أو إضمارًا في النفس، واحذروا أن تواعدوهن على النكاح سرًا بالزنى أو الاتفاق على الزواج في أثناء العدة، إلا أن تقولوا قولا يُفْهَم منه أن مثلها يُرْغَبُ فيها الأزواج، ولا تعزموا على عقد النكاح في زمان العدة حتى تنقضي مدتها.
واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فخافوه، واعلموا أن الله غفور لمن تاب من ذنوبه، حليم على عباده لا يعجل عليهم بالعقوبة.
ثم بين - سبحانه - حكم الخطية للنساء المعتدات بياناً يقوم على أدب النفس ، وأدب الاجتماع ، ورعاية المشاعر والعواطف مع رعاية المصالح والضرورات فقال - تعالى - :( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ .
.
.
)قوله - تعالى - : ( فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ ) أي : لو حتم وأشرتم به .
من التعريض الذي هو ضد التصريح ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ، ويصلح لدلالة على غير مقصوده ، إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء - بضم العين - أي جانبه ومن أمثلته أن يقول الفقير المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك .
.
وهو يقصد عطاءه .و ( خِطْبَةِ النسآء ) مخاطبة المرأة أو أوليائها في أمر زواجها .
والخطبة - بكسر الخاء كالجلسة - مأخوذة من الخطب أي الشأن لأنها شأن من الشئون وقيل من الخطاب لأنها نوع - مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة .
والمراد خطبة النساء اللائي فارقهن أزواجهن .
و ( أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ ) أخفيتم وأسررتم من الإِكنان وهوالإِضمار من غير إعلان .والمعنى : ولا حرج ولا إثم عليكم أيها الرجال المبتغون للزواج في التعريض بخطبة المرأة أثناء عداتها لتتزوجوهن بعد انقضائها ، كما أنه لا إثم عليكم كذلك في الرغبة في الزواج بهن ، مع إخفاء ذلك وستره من غير كشف وإعلان لأن التصريح بالخطبة أثناء العدة عمل يتنافى مع آداب الإسلام ، ومع تعاليم شريعته ، ومع الأخلاق الكريمة ، والعقول السليمة ، والنفوس الشريفة .قال القرطبي : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت على أن الكلام معه بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وكذلك ما أشبهه وجوز ما عدا ذلك .
ولا يجوز التعريض لخطبة المطلقة طلاقاً رجعياً إجماعاً لأنها كالزوجة .
وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها " .والتعريض في خطبة النساء أساليبه مختلفة ، ومما ذكره العلماء في هذا الشأن أن يقول الرجل للمرأة : أني أرغب في الزواج أو أن يقول لوليها : لا تسبقني بها إلى غيري .ومن أساليب التعريض ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع السيدة أم سلمة ، فقد جخل عليها وهي متأيمة من زوجها أبي سلمة فقال لها : " لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي " فكان كلامه خطبة لها بأسلوب التعريض .ومنها ما ذكره صاحب الكشاف عن عبد الله بن سليمان عن خالته - سكينة بنت حنظلة - قالت : " دخل على أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي فقال : قد علمت قرابتي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرابتي من جدي علي بن أبي طالب ، وموضعي في العرب ، وقدمي في الإِسلام .
قالت : فقلت : غفر الله لك يا أبا جعفر!
أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟
فقال : أو قد فعلت إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ ) إلخ معطوف على ما قبله في الآية السابقة لأن الكلام في الآيتين في الأحكام المتعلقة بعدة النساء .و ( ما ) في قوله : ( فِيمَا عَرَّضْتُمْ ) موصولة .
و ( مِنْ خِطْبَةِ النسآء ) بيان لما ، و ( آل ) في النساء للعهد والمعهودات هن الزوجات اللائي سبق الحديث عنهن في الآيات التي قبل هذه .
و ( أَوْ ) في قوله : ( أَوْ أَكْنَنتُمْ ) للإِباحة أو التخيير ، ومفعول أكن محذوف يعود إلى ما الموصولة في قوله : ( فِيمَا عَرَّضْتُمْ ) والتقدير : أو أكننتموه .
( في أَنْفُسِكُمْ ) متعلق بأكننتم .وقوله - تعالى - : ( عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) كالتعليل لما قبله وهو قوله : ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ ) إلخ .
ونهى عما يردى ويفسد ، وإباحة لما لا ضرر فيه .أي : علم الله أنكم يا معشر الرجال ستذكرون هؤلاء النسوة المعتدات بمالهن من جمال ومن حسن عشرة ومن غير ذلك من شئونهن وأن تفكروا فيهن وتهفوا إليهن نفوسكم ، والله - تعالى - فضلا منه وكرماً قد أباح لكم أن تذكروهن ولكنه ينهاكم عن أن تواعدوهن وعداً سرياً بأن تقولوا لهم في السر ما تستحيون من قوله في العلن لقبحه ومنافاته للشرع .وقوله : ( إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) استثناء مما يدل عليه النهي لا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعاً ، وهي ما تكون بطريق التلويح والتعريض .وفي قوله سبحانه : ( عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ) بيان لما جبلت عليه النفس البشرية من ميل فطري بين الرجال والنساء ، والإِسلام لا ينكر هذا الميل وإنما يهذبه ويقومه ويصقله بآدابه الحميدة ، وتعاليمه السامية .وقوله : ( ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ) استدراك على محذوف دل عليه ( سَتَذْكُرُونَهُنَّ ) أي : فاذكروهن ( ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ) .قال القرطبي ما ملخصه : واختلف العلماء في المراد بالسر في قوله - تعالى - : ( ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ) فقيل معناه نكاحاً ، أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني بل يعرض إن أراد ، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية .
هذا قول جمهور أهل العلم .
و " سراً " على هذا التأويل نصب على الحال أي مسرين - وسمي النكاح سراً لأن مسببه الذي هو الوطء ما يسر - وقيل السر الزنا ، أي لا يكونن من كم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج بعدها .
أي لا تواعدوهن زنا .
واختاره الطبري .
ومنه قول الأعشى :فلا تقربن جارة إن سرها ...
عليك حرام فانكحن أو تأبداًأي : " فتزوجها أو ابتعد عنها .
وقيل السر الجماع "والذي تطمئن إليه النفس أن كلمة ( سرا ) صفة لموصوف محذوف أي لا تواعدهن وعدا سرية ، يقال فيها كل ما ينهى عنه أو يستحيا منه في العلن ، لقبه أو لأن أوانه لم يحن بعد ، إذ السرية ، أو الخلوة بين الرجل والمرأة لا تؤمن مزالقها .وفي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما " وأن المراد بقوله : ( إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) هو التعريض بالخطبة ، وإظهار المودة بطريقة لا تفضى إلى محرم .قال صاحب الكشاف في قوله : ( إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا .فإن قلت بم يتعلق حرف الاستثناء؟
قلت : بلا تواعدوهن .
أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة : أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض .ثم قال - تعالى - : ( وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ) .العزم : القطع والتصميم ، يقال عزم على الشيء إذا صمم وعقد القلب على فعله ، وهو يتعدى بعلى وبنفسه فيقال : عزم اليء وعزم عليه .وعقدة النكاح : الارتباط الموثق به .
وأصل العقد الشد ، والعهود والأنكحة تسمى عقودا لأنها تقعد وتوثق كما يوثق بالحبل .والمراد بالكتاب هنا الأمر المكتوب المفروض وهو العدة التي حدد الله لها وقتاً معيناً .والأجل : هو نهاية المدة التي قررها الشرع للعدة .والمعنى : لا يسوغ لكم يا معشر الرجال الراغبين في الزواج من النساء اللائي فارقهن أزواجهن أن تعقدوا العزم نهائياً في أثناء العدة على أن تتموا الزواج بعدها ، بأن تحول الخطبة من التعريض إلى التصريح ، أو تبتوا في أمر الزواج بتاً قاطعاً بمواعدة أو نحوها ، إذ العاقل لا يستعجل أمرا قبل حلول وقته ، وإنما الذي يسوغ لكلم أن تتموا عقد الزواج بعد انتهاء العدة وبعد أن يكون جو الأحزان قد فتر وجفت حدته .والنهي عن العزم على عقد النكاح نهي بالأولى عن إبرامه وتنفيذه ، لأن العزم على الفعل يتقدمه ، فإذا نهى عنه كان الفعل أنهى ، فهو كالنهي عن الاقتراب من حدود الله في قوله : ( حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ) وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد أباحت شيئين ، ونهت عن شيئين : أباحت التعريض بالخطبة للمرأة أثناء عدتها ، كما أباحت إخفاء هذه الرغبة في الأنفس وحديثها بها .
ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ ) ونهت عن المواعدة سراً إلا أن يقولوا قولا معروفاً عن طريق التعريض ، أو أن يسار الرجل المرأة بالقول المعروف الذي أباحه الشرع وارتضته العقول السليمة ، والأخلاق الفاضلة ، بأن يعدها في السر بالإِحسان إليها والاهتمام بشأنها والتكفل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكداً لذلك التعريض .
أما الشيء الثاني الذي نهت عنه فهو العزم على عقدة النكاح قبل انقضاء العدة .
ويشهد لهذا قوله - تعالى - : ( عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ) .وبعد هذه الأوامر والنواهي ختم الله - تعالى - الآية بقوله : ( واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنْفُسِكُمْ فاحذروه واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ) .أي : اعلموا أيها الناس أن الله - تعالى - يعلم ما يجول في نفوسكم من خير أو شر ، وما تهجس به خطرات قلوبكم من مقاصد واتجاهات ، فاحذروا أن تقصدوا ما هو شر ، أو تفعلوا ما هو منكر ، واعلموا أنه - تعالى - غفور لمن تاب وعمل صالحاً ، حليم لا يعاجل الناس بالعقوبة ، ولا يؤاخذهم إلا بما كسبوا .فالجملة الكريمة تحذير وتبشير ، وترغيب وترهيب ، لكي لا يتجاسر الناس على ارتكاب ما نهي الله عنه ، ولا ييأسوا من رحمته متى تابوا وأنابوا .هذا ، وقد أجمع العلماء أنها تصير محرمة عليه تحريماً مؤبداً ، ولا يحل له نكاحها ركلك لأنه استحل ما لا يحل فعوقب بحرمانه ، كالقاتل يعاقب بحرمانه من ميراث المقتول .
وقيل : يفسخ النكاح ويفرق بينهما فإذا انتهت العدة حلت له ولم يتأبد التحريم .
ولكل فريق أدلته المبسوطة في كتب الفقه .وبذلك تكون الآية الكريمة قد أرشدت الناس إلى ما يقره الشرع ، ويرتضيه الخلق الكريم ، ونهتهم عما يتنافى مع تعاليم الإِسلام بأسلوب حكيم جمع بين الشدة واللين ، والخوف والرجاء ، حتى يثوب المخطئون إلى رشدهم ويقلعوا عن خطئهم .
الحكم الرابع عشر: في خطبة النساء: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولكن لاَّ تُوَاعِدوهنَ سِراً إلا أن تَقُولوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ وفي مسائل: المسألة الأولى: التعريض في اللغة ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا: وحسبك بالتسليم مني تقاضياً *** والتعريض قد يسمى تلويحاً لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه، كقولك: فلان طويل النجاد، كثير الرماد، والتعريض أن تذكر كلاماً يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك، وأما الخطبة فقال الفراء: الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك: أنه لحسن القعدة والجلسة تريد العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول: أن الخطب هو الأمر، والشأن يقال: ما خطبك، أي ما شأنك، فقولهم: خطب فلان فلانة، أي سألها أمراً وشأناً في نفسها الثاني: أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام، يقال: خطب المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ والخطب: الأمر العظيم، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير.
المسألة الثانية: النساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام أحدها: التي تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها، بل يستثنى عنه صورة واحدة، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه» ثم هذا الحديث وإن ورد مطلقاً لكن فيه ثلاثة أحوال.
الحالة الأولى: إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحاً هاهنا لا يحل لغيره أن يخطبها لهذا الحديث.
الحالة الثانية: إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فهاهنا يحل لغيره أن يخطبها.
الحالة الثالثة: إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي هاهنا قولان أحدهما: أنه يجوز للغير خطبتها، لأن السكوت لا يدل على الرضا والثاني: وهو القديم وقول مالك: أن السكوت وإن لم يدل على الرضا لكنه لا يدل أيضاً على الكراهة، فربما كانت الرغبة حاصلة من بعض الوجوه فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة.
القسم الثاني: التي لا تجوز خطبتها لا تصريحاً ولا تعريضاً، وهي ما إذا كانت منكوحة للغير لأن خطبته إياها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها من حيث أنها إذا علمت رغبة الخاطب فربما حملها ذلك على الامتناع من تأدية حقوق الزوج، والتسبب إلى هذا حرام، وكذا الرجعة فإنها في حكم المنكوحة، بدليل أنه يصح طلاقها وظاهرها ولعانها، وتعتد منه عدة الوفاة، ويتوارثان.
القسم الثالث: أن يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية وهي أيضاً على ثلاثة أقسام: القسم الأول: التي تكون في عدة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً، أما جواز التعريض فلقوله تعالى: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء ﴾ وظاهره أنه للمتوفى عنها زوجها، لأن هذه الآية مذكورة عقيب تلك الآية، أما أنه لا يجوز التصريح، فقال الشافعي: لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك، وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها ذلك إلى الكذب.
القسم الثاني: المعتدة عن الطلاق الثلاث، قال الشافعي رحمه الله في الأم: ولا أحب التعريض لخطبتها، وقال في القديم والإملاء: يجوز لأنها ليست في النكاح، فأشبهت المعتدة عن الوفاة وجه المنع هو أن المعتدة عن الوفاة يؤمن عليها بسبب الخطبة الخيانة في أمر العدة فإن عدتها تنقضي بالأشهر أما هاهنا تنقضي عدتها بالإقراء فلا يؤمن عليها الخيانة بسبب رغبتها في هذا الخاطب وكيفية الخيانة هي أن تخبر بانقضاء عدتها قبل أن تنقضي.
القسم الثالث: البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها، وهي المختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقته فهاهنا لزوجها التعريض والتصريح؛ لأنه لما كان له نكاحها في العدة فالتصريح أولى وأما غير الزوج فلا شك في أنه لا يحل له التصريح وفي التعريض قولان أحدهما: يحل كالمتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثاً والثاني: وهو الأصح أنه لا يحل لأنها معتدة تحل للزوج أن ينكحها في عدتها فلم يحل التعريض لها كالرجعية.
المسألة الثالثة: قال الشافعي: والتعريض كثير، وهو كقوله: رب راغب فيك، أو من يجد مثلك؟
أو لست بأيم وإذا حللت فأدريني، وذكر سائر المفسرين من ألفاظ التعريض: إنك لجميلة وإنك لصالحه، وإنك لنافعة، وإن من عزمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب.
أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ فاعلم أن الإكنان الإخفاء والستر قال الفراء: للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان: كننته وأكننته في الكن وفي النفس بمعنى، ومنه: ﴿ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ ، و ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ وفرق قوم بينهما، فقالوا: كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة، وإن لم يكن مستوراً يقال: در مكنون، وجارية مكنونة، وبيض مكنون، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت، ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره، وهو ضد أعلنت وأظهرت، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها.
فإن قيل: إن التعريض بالخطبة أعظم حالاً من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئاً فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك: ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ جارياً مجرى إيضاح الواضحات.
قلنا: ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح في الحال، ثم قال: ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ والمراد أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال، وتحريم للتصريح في الحال، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة، ثم أنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك، فقال: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني، فلما كان دفع هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: أين المستدرك بقوله تعالى: ﴿ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا ﴾ الجواب: هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهن فاذكرونهن ولكن لا تواعدوهن.
السؤال الثاني: ما معنى السر؟.
والجواب: أن السر ضد الجهر والإعلان، فيحتمل أن يكون السر هاهنا صفة المواعدة على شيء: ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى ولا تواعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفاً بوصف كونه سراً، أما على التقدير الأول وهو أظهر التقديرين، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على وجه السر لا تنفك ظاهراً عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات، وهاهنا احتمالات الأول: أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة الثاني: أن يواعدها بذكر الجماع والرفث، لأن ذكر ذلك بين الأجنبي والأجنبية غير جائز، قال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول ﴾ أي لا تقلن من أمر الرفث شيئاً ﴿ فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ الثالث: قال الحسن: ﴿ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ بالزنا طعن القاضي في هذا الوجه، وقال: إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما يخص به الخاطب حال العدة أولى.
والجواب: روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة، وهو يعرض بالنكاح فيقول لها: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك، فالله تعالى نهى عن ذلك الرابع: أن يكون ذلك نهياً عن أن يسار الرجل المرأة الأجنبية، لأن ذلك يورث نوع ريبة فيها الخامس: أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحداً سواها.
أما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه: الأول: السر الجماع قال امرؤ القيس: وأن لا يشهد السر أمثالي *** وقال الفرزدق: موانع للأسرار إلا من أهلها *** ويخلفن ما ظن الغيور المشغف أي الذي شغفه بهن، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن، قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد لا يصف نفسه لها فيقول: آتيك الأربعة والخمسة الثاني: أن يكون المراد من السر النكاح، وذلك لأن الوطء يسمى سراً والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز.
أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ﴾ ففيه سؤال، وهو أنه تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء.
وجوابه: أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض، ثم نهى عن المسارة معها دفعاً للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكداً لذلك التعريض والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فاحذروه واعلموا أَنَّ الله غَفورٌ حَليم ﴾ .
اعلم أن في لفظ العزم وجوهاً الأول: أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ واعلم أن العزم إنما يكون عزماً على الفعل، فلابد في الآية من إضمار فعل، وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف على فيقال: فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية: ولا تعزموا على عقدة النكاح، قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، فعلى هذا تقدير الآية: ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكداً عن الإقدام على المعزوم عليه أولى.
القول الثاني: أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب، يقال: عزمت عليكم، أي أوجبت عليكم ويقال: هذا من باب العزائم لا من باب الرخص، وقال عليه الصلاة والسلام: «عزمة من عزمات ربنا» وقال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز.
إذا عرفت هذا فنقول: الإيجاب سبب الوجود ظاهراً، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح ﴾ أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه، ولا تفرغوا منه فعلاً، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين.
القول الثالث: قال القفال رحمه الله: إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح، لأن المعنى: لا تعزموا عليهن عقدة النكاح، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح، كما تقول: عزمت عليك أن تفعل كذا.
فأما قوله تعالى: ﴿ عُقْدَةَ النكاح ﴾ فاعلم أن أصل العقد الشد، والعهود والأنكحة تسمى عقوداً لأنها تعقد كما يعقد الحبل.
أما قوله تعالى: ﴿ حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ﴾ ففي الكتاب وجهان الأول: المراد منه: المكتوب والمعنى: تبلغ العدة المفروضة آخرها، وصارت منقضية والثاني: أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته، وإنما حسن أن يعبر عن معنى: فرض، بلفظ ﴿ كُتِبَ ﴾ لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد وقوله: ﴿ حتى ﴾ هو غاية فلابد من أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم، لأن من حق الغاية ضربت للحظر أن تقتضي زواله.
ثم إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال: ﴿ واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فاحذروه ﴾ وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالماً بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد الوعد، فقال: ﴿ واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ على تقدير حذف المضاف، أراد: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن.
وقيل: معناه يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن مَنَوَان بدرهم.
وقرئ: ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، وهي قراءة علي رضي الله عنه.
والذي يحكى: أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي- بكسر الفاء، فقال الله تعالى.
وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله عنه على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو- تناقضه هذه القراءة ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ يعتددن هذه المدّة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل عشراً ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.
تقول: صمت عشراً، ولو ذكرت خرجت من كلامهم.
ومن البين فيه قوله تعالى: ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ [طه: 103] ثم ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ [طه: 104] ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ فإذا انقضت عدّتهن ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيها الأئمة وجماعة المسلمين ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾ من التعرّض للخطاب ﴿ بالمعروف ﴾ بالوجه الذي لا ينكره الشرع.
والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهن.
وإن فرّطوا كان عليهم الجناح ﴿ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ ﴾ هو أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوّج، وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح، فلا يقول: إني أريد أن أنكحك، أو أتزوجك، أو أخطبك.
وروى ابن المبارك عن عبد الله بن سليمان عن خالته قالت: دخل عليَّ أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدّي عليّ وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لكا!
أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك؟
فقال: أوقد فعلتا!
إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها، فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة.
فإن قلت: أي فرق بين الكناية والتعريض؟
قلت: الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، كقولك: طويل النجاد والحمائل لطول القامة وكثير الرماد للمضياف.
والتعريض: أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم.
ولذلك قالوا: وَحَسْبُكَ بِالتَّسلِيمِ مِنِّي تَقَاضِيَا وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرّضين ولا مصرحين ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهنّ ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التوبيخ كقوله: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 187] .
فإن قلت: أين المستدرك بقوله: ﴿ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ ﴾ ؟
قلت: هو محذوف لدلالة ستذكرونهنّ عليه، تقديره: علم الله أنكم ستذكرونهنّ فاذكروهنّ، ولكن لا تواعدوهنّ سرًا.
والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء، لأنه مما يسرّ.
قال الأعشى: وَلاَ تَقْرَبَنْ مِنْ جَارَةٍ إنَّ سِرَّهَا ** عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أوْ تَأَبَّدَا ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ﴾ وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا.
فإن قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟
قلت: بلا تواعدوهنّ، أي لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة.
أي لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا، أي لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض.
ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعاً من ﴿ سِرًّا ﴾ لأدائه إلى قولك لا تواعدوهنّ إلا التعريض.
وقيل معناه: لا تواعدوهن جماعاً، وهو أن يقول لها إن نكحتك كان كيت وكيت، يريد ما يجري بينهما تحت اللحاف.
إلا أن تقولوا قولاً معروفاً يعني من غير رفث ولا إفحاش في الكلام.
وقيل: لا تواعدوهن سراً: أي في السر على أنّ المواعدة في السرّ عبارة عن المواعدة بما يستهجن، لأن مسارّتهنّ في الغالب بما يستحيا من المجاهرة به.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ﴾ : هو أن يتواثقا أن لا تتزوّج غيره ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه، وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقدة النكاح في العدّة.
لأن العزم على الفعل يتقدّمه، فإذا نهي عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه: ولا تعزموا عقد عُقدة النكاح.
وقيل: معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح: وحقيقة العزم: القطع، بدليل قوله عليه السلام: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» وروي «لمن لم يبيت الصيام» ﴿ حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ﴾ يعني ما كتب وما فرض من العدّة ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ من العزم على ما لا يجوز ﴿ فاحذروه ﴾ ولا تعزموا عليه.
﴿ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ ﴾ التَّعْرِيضُ والتَّلْوِيحُ إيهامُ المَقْصُودِ بِما لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَقِيقَةً ولا مَجازًا، كَقَوْلِ السّائِلِ جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ، والكِنايَةُ هي الدَّلالَةُ عَلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ ورَوادِفِهِ، كَقَوْلِكَ الطَّوِيلُ النِّجادِ لِلطَّوِيلِ، وكَثِيرُ الرَّمادِ لِلْمِضْيافِ.
والخُطْبَةُ بِالضَّمِّ والكَسْرِ اسْمُ الحالَةِ، غَيْرَ أنَّ المَضْمُومَةَ خُصَّتْ بِالمَوْعِظَةِ والمَكْسُورَةَ بِطَلَبِ المَرْأةِ، والمُرادُ بِالنِّساءِ المُعْتَدّاتِ لِلْوَفاةِ، وتَعْرِيضُ خِطْبَتِها أنْ يَقُولَ لَها إنَّكِ جَمِيلَةٌ أوْ نافِقَةٌ ومِن غَرَضِي أنْ أتَزَوَّجَ ونَحْوَ ذَلِكَ.
﴿ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ ﴾ أوْ أضْمَرْتُمْ في قُلُوبِكم فَلَمْ تَذْكُرُوهُ تَصْرِيحًا ولا تَعْرِيضًا.
﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ ولا تَصْبِرُونَ عَلى السُّكُوتِ عَنْهُنَّ وعَنِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ وفِيهِ نَوْعُ تَوْبِيخٍ.
﴿ وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أيْ فاذْكُرُوهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ نِكاحًا أوْ جِماعًا، عَبَّرَ بِالسِّرِّ عَنِ الوَطْءِ لِأنَّهُ مِمّا يُسَرُّ ثُمَّ عَنِ العَقْدِ لِأنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ.
وقِيلَ مَعْناهُ لا تُواعِدُوهُنَّ في السِّرِّ عَلى أنَّ المَعْنى بِالمُواعَدَةِ في السِّرِّ المُواعَدَةُ بِما يُسْتَهْجَنُ.
﴿ إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ وهو أنْ تُعَرِّضُوا ولا تُصَرِّحُوا والمُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفٌ أيْ: لا تُواعِدُوهُنَّ مُواعِدَةً إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً، أوْ إلّا مُواعَدَةً بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ.
وقِيلَ إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ﴿ سِرًّا ﴾ وهو ضَعِيفٌ لِأدائِهِ إلى قَوْلِكَ ﴿ لا تُواعِدُوهُنَّ ﴾ إلّا التَّعْرِيضَ، وهو غَيْرُ مَوْعُودٍ.
وفِيهِ دَلِيلُ حُرْمَةِ تَصْرِيحِ خِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ وجَوازِ تَعْرِيضِها إنْ كانَتْ مُعْتَدَّةَ وفاةٍ.
واخْتُلِفَ في مُعْتَدَّةِ الفِراقِ البائِنِ والأظْهَرُ جَوازُهُ.
﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ﴾ ذَكَرَ العَزْمَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ العَقْدِ، أيْ ولا تَعْزِمُوا عَقْدَ عُقْدَةِ النِّكاحِ.
وقِيلَ مَعْناهُ ولا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ فَإنَّ أصْلَ العَزْمِ القَطْعُ.
﴿ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ﴾ حَتّى يَنْتَهِيَ ما كُتِبَ مِنَ العِدَّةِ.
﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ.
﴿ فاحْذَرُوهُ ﴾ ولا تَعْزِمُوا.
﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِمَن عَزَمَ ولَمْ يَفْعَلْ خَشْيَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء} الخطبة الاستنكاح والتعريض أن تقول لها إنك بجميلة أو صالحة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح فلا يقول إني أريد أن أتزوجك والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشئ بغير لفظه الموضوع له والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا ...
وحسبك بالتسليم مني تقاضيا ...
فكأنه إمالة الكلام إلى غرض يدل على الغرض {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ} أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} لا محالة ولا تنفكون عن النطق النطق برغبتكم فيهن فاذكروهن {ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سرا} جماعا لأنه مما يسر أي لا تقولوا في العدة إني قادر على هذا العمل {إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا وإلا متعلق بلا تواعدوهن أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح} من عزم الأمر وعزم عليه وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح لأن العزم على الفعل يتقدمه فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح أو ولا تقطعوا عقدة النكاح لأن حقيقة العزم القطع ومنه الحديث لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل وروي لمن لم يبيت الصيام أي ولا تعزموا على عقدة النكاح {حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ} حتى
تنقضي عدتها وسميت العدة كتاباً لأنها فرضت بالكتاب يعني حتى يبلغ التربص المكتوب عليها أجله أي غايته {واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ} من العزم على ملا يجوز {فاحذروه} ولا تعزموا عليه {واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ} لا يعاجلكم بالعقوبة
﴿ ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيُّها الرِّجالُ المُبْتَغُونَ لِلزَّواجِ ﴿ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ ﴾ بِأنْ يَقُولَ أحَدُكُمْ؛ كَما رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ، وإنِّي لَأُحِبُّ امْرَأةً مِن أمْرِها وأمْرِها، وإنَّ مِن شَأْنِي النِّساءَ، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - كَتَبَ لِي امْرَأةً صالِحَةً، أوْ يَذْكُرُ لِلْمَرْأةِ فَضْلَهُ وشَرَفَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ”دَخَلَ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ، وقَدْ كانَتْ عِنْدَ ابْنِ عَمِّها أبِي سَلَمَةَ، فَتُوُفِّيَ عَنْها، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ لَها مَنزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وهو مُتَحامِلٌ عَلى يَدِهِ، حَتّى أثَّرَ الحَصِيرُ في يَدِهِ مِن شِدَّةِ تَحامُلِهِ عَلَيْها، وكانَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لَها“،» والتَّعْرِيضُ في الأصْلِ إمالَةُ الكَلامِ عَنْ نَهْجِهِ إلى عَرَضٍ مِنهُ وجانِبٍ، واسْتُعْمِلَ في أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا مَقْصُودًا في الجُمْلَةِ بِلَفْظِهِ الحَقِيقِيِّ أوِ المَجازِيِّ أوِ الكِنائِيِّ؛ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ في الكَلامِ، مِثْلَ أنْ تَذْكُرَ المَجِيءَ لِلتَّسْلِيمِ بِلَفْظِهِ؛ لِيَدُلَّ عَلى التَّقاضِي وطَلَبِ العَطاءِ، وهو غَيْرُ الكِنايَةِ؛ لِأنَّها أنْ تَذْكُرَ مَعْنًى مَقْصُودًا بِلَفْظٍ آخَرَ يُوضَعُ لَهُ، لَكِنِ اسْتُعْمِلَ في المَوْضُوعِ - لا عَلى وجْهِ القَصْدِ - بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى الشَّيْءِ المَقْصُودِ، فَطَوِيلُ النِّجادِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ، لَكِنْ لا يَكُونُ المَقْصُودُ بِالإثْباتِ، بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى طُولِ القامَةِ، وقَرَّرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا مِن وجْهٍ، فَمِثْلُ قَوْلِ المُحْتاجِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ كِنايَةٌ وتَعْرِيضٌ، ومِثْلُ: زَيْدٌ طَوِيلُ النِّجادِ - كِنايَةٌ لا تَعْرِيضٌ، ومِثْلُ قَوْلِكَ في عَرَضِ مَن يُؤْذِيكَ ولَيْسَ المُخاطَبَ آذَيْتَنِي فَسَتَعْرِفُ، تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُؤْذِي لا كِنايَةٌ، والمَشْهُورُ: تَسْمِيَةُ التَّعْرِيضِ تَلْوِيحًا؛ لِأنَّهُ يَلُوحُ مِنهُ ما تُرِيدُهُ، وعَدْوًا جَعَلَ السَّكّاكِيُّ لَهُ اسْمًا لِلْكِنايَةِ البَعِيدَةِ لِكَثْرَةِ الوَسائِطِ، مِثْلَ: كَثِيرِ الرَّمادِ لِلْمِضْيافِ اصْطِلاحًا جَدِيدًا، وفي الكَشْفِ: وقَدْ يَتَّفِقُ عارِضٌ يَجْعَلُ الكِنايَةَ في حُكْمِ المُصَرَّحِ بِهِ، كَما في الِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ وبَسْطِ اليَدِ، ويَجْعَلُ الِالتِفاتَ في التَّعْرِيضِ نَحْوَ المُعَرِّضِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ فَلا يَنْتَهِضُ نَقْضًا عَلى الأصْلِ، و(الخِطْبَةُ) بِكَسْرِ الخاءِ قِيلَ: الذِّكْرُ الَّذِي يُسْتَدْعى بِهِ إلى عَقْدِ النِّكاحِ أخْذًا مِنَ الخِطابِ، وهو تَوْجِيهُ الكَلامِ لِلْإفْهامِ، وبِضَمِّها الوَعْظُ المُتَّسِقُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّأْلِيفِ، وقِيلَ: إنَّهُما اسْمُ الحالَةِ غَيْرَ أنَّ المَضْمُومَةَ خُصَّتْ بِالمَوْعِظَةِ، والمَكْسُورَةَ بِطَلَبِ المَرْأةِ والتِماسِ نِكاحِها، و(ألْ) في النِّساءِ لِلْعَهْدِ، والمَعْهُوداتُ هي الأزْواجُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَذَرُونَ أزْواجًا ﴾ ولا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ مِنَ النِّساءِ مَن يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهِنَّ في العِدَّةِ، كالرَّجْعِيّاتِ والبائِناتِ في قَوْلٍ، والأظْهَرُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - جَوازُهُ في عِدَّتِهِنَّ قِياسًا عَلى مُعْتَدّاتِ الوَفاةِ، لا يُقالُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ تُقَدَّمَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ ؛ لِأنَّ ما فِيها مِن أحْكامِ النِّساءِ قَبْلَ البُلُوغِ إلى الأجَلِ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ هي مِن أحْكامِ الرِّجالِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِنَّ، فَكانَ المُناسِبُ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَ الفَراغِ مِن أحْكامِهِنَّ قَبْلَ البُلُوغِ مِنَ الأجَلِ وبَعْدَهُ، واسْتَدَلَّ الكِيا بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ في القَذْفِ؛ لِأنَّهُ - تَعالى - جَعَلَ حُكْمَهُ مُخالِفًا لِحُكْمِ التَّصْرِيحِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ: ”مَن عَرَّضَ عَرَّضْنا، ومَن مَشى عَلى الكَلا ألْقَيْناهُ في النَّهْرِ“ واسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ نِكاحِ الحامِلِ مِنَ الزِّنا؛ إذْ لا عِدَّةَ لَها، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: أسْرَرْتُمْ في قُلُوبِكم مِن نِكاحِهِنَّ بَعْدَ مُضِيِّ عَدَّتِهِنَّ، ولَمْ تُصَرِّحُوا بِذَلِكَ لَهُنَّ ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ ولا تَصْبِرُونَ عَلى السُّكُوتِ عَنْهُنَّ وعَنْ إظْهارِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، فَلِهَذا رَخَّصَ لَكم ما رَخَّصَ، وفِيهِ نَوْعٌ ما مِنَ التَّوْبِيخِ.
﴿ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ اسْتِدْراكٌ عَنْ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ أيْ: فاذْكُرُوهُنَّ ﴿ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ ﴾ نِكاحًا، بَلِ اكْتَفُوا بِما رَخَّصَ لَكُمْ، وجَوازُ أنْ يَكُونَ اسْتِدْراكًا عَنْ ( لا جَناحَ ) فَإنَّهُ في مَعْنى (عَرِّضُوا بِخِطْبَتِهِنَّ) أوْ أكِنُّوا في أنْفُسِكُمْ، ولَكِنْ إلَخْ، وحَمْلُهُ عَلى الِاسْتِدْراكِ عَلى ما عِنْدَهُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإرادَةُ النِّكاحِ مِنَ السِّرِّ بِواسِطَةِ إرادَةِ الوَطْءِ مِنهُ؛ إذْ قَدْ تَعارَفَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يُسَرُّ، ومِنهُ قَوْلُ امَرِئِ القَيْسِ: ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبِرْتُ ∗∗∗ وأنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أمْثالِي وإرادَةُ العَقْدِ مِن ذَلِكَ لِما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عِبارَةً عَنِ العَقْدِ؛ لِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُما في الظّاهِرِ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ (السِّرَّ) هُنا الجِماعُ، وتَوَهُّمُ الرُّخْصَةِ حِينَئِذٍ في المَحْظُورِ الَّذِي هو التَّصْرِيحُ (بِالنِّكاحِ) مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا: أنَّهُ العَهْدُ عَلى الِامْتِناعِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالغَيْرِ، وهو عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وجُوِّزَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ: ﴿ لا تُواعِدُوهُنَّ ﴾ في السِّرِّ، عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُواعَدَةُ بِما يُسْتَهْجَنُ.
﴿ إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ وهو التَّعْرِيضُ الَّذِي عُرِفَ تَجْوِيزُهُ، والمُسْتَثْنى مِنهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّهْيُ؛ أيْ: ﴿ لا تُواعِدُوهُنَّ ﴾ نِكاحًا مُواعَدَةً ما إلّا مُواعَدَةً مَعْرُوفَةً، أوْ إلّا مُواعَدَةً بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ، أوْ لا تَقُولُوا في وعْدِ الجِماعِ أوْ طَلَبِ الِامْتِناعِ عَنِ الغَيْرِ إلّا قَوْلَكم ﴿ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ والِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ، وفي الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِن ( ولا جُناحَ ) عَلى وجْهٍ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الرَّفْعُ، وهو نَوْعٌ مِنَ الطَّرْدِ - والعَكَسُ حَسَنٌ - وعَلى الأخِيرَيْنِ تَأْسِيسٌ لِمَعْنى، رُبَّما يُعْلَمُ بِطَرِيقِ المُقايَسَةِ؛ إذْ حَمَلُوا (التَّعْرِيضَ) فِيهِما عَلى (التَّعْرِيضِ) بِالوَعْدِ لَها أوِ الطَّلَبِ مِنها، وهو غَيْرُ (التَّعْرِيضِ) السّابِقِ؛ لِأنَّهُ بِنَفْسِ (الخِطْبَةِ) وإذا أُرِيدَ الوَجْهُ الرّابِعُ وهو الأخِيرُ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ احْتَمَلَ الِاسْتِثْناءُ الِاتِّصالَ والِانْقِطاعَ، والِانْقِطاعُ في المَعْنى أظْهَرُ عَلى مَعْنى ﴿ لا تُواعِدُوهُنَّ ﴾ بِالمُسْتَهْجَنِ ولَكِنْ واعِدُوهُنَّ بِقَوْلٍ مَعْرُوفٍ لا يُسْتَحْيا مِنهُ في المُجاهَرَةِ مِن حُسْنِ المُعاشَرَةِ والثَّباتِ إنْ وقَعَ النِّكاحُ، وبَعْضٌ قالَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِن سِرًّا وضُعِّفَ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ التَّعْرِيضِ مَوْعُودًا، وجَعْلُهُ مِن قَبِيلِ ( إلّا مَن ظُلِمَ ) يَأْبى أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنهُ، بَلْ مِن أصْلِ الحُكْمِ.
﴿ ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا قَصْدًا جازِمًا عَقْدَ ( عُقْدَةِ النِّكاحِ ) وفي النَّهْيِ عَنْ مُقَدِّمَةِ الشَّيْءِ نَهْيٌ عَنِ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ، وصَحَّ تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ الِاخْتِيارِ، ولِذا يُثابُ عَلى النِّيَّةِ، والمُرادُ بِهِ العَزْمُ المُقارَنُ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لا تَعْزِمْ عَلى السَّفَرِ في صَفَرٍ مَثَلًا لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ عَزْمٍ فِيهِ مُتَأخِّرِ الفِعْلِ إلى رَبِيعٍ، وذَلِكَ لِأنَّ القَصْدَ الجازِمَ حَقُّهُ المُقارَنَةُ، وتَقْدِيرُ المُضافِ لِصِحَّةِ التَّعَلُّقِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَلى الفِعْلِ، و(العُقْدَةُ) لَيْسَتْ بِهِ؛ لِأنَّها مَوْضِعُ العَقْدِ، وهو ما يَعْقِدُ عَلَيْهِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ بَعْضُهُمْ، وجَعَلَ الإضافَةَ بَيانِيَّةً، فالعُقْدَةُ حِينَئِذٍ نَفْسُ النِّكاحِ وهو فِعْلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ هي مَفْعُولٌ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا عَلى أنَّ مَعْنى (لا تَعْزِمُوا) لا تَعْقِدُوا، فَهو عَلى حَدِّ (قَعَدْتُ جُلُوسًا) وأنَّ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَقْطَعُوا ولا تُبْرِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ نَفْسِ الفِعْلِ، لا عَنْ قَصْدِهِ كَما في الأوَّلِ، وبِهَذا يَنْحَطُّ عَنْهُ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ العَزْمَ عَلى القَطْعِ ضِدَّ الوَصْلِ، وجَعَلَ المَعْنى: لا تَقْطَعُوا عُقْدَةَ نِكاحِ الزَّوْجِ المُتَوَفّى بِعَقْدِ نِكاحٍ آخَرَ ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أصْلًا، وفِيهِ بَحْثٌ؛ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ مَجِيءَ العَزْمِ بِمَعْنى القَطْعِ ضِدَّ الوَصْلِ في اللُّغَةِ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: حَقِيقَةُ العَزْمِ القَطْعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لا صِيامَ لِمَن لَمْ يَعْزِمِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ“،» ورُوِيَ: ”لَمْ يُبَيِّتْ“ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ، بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ حَمْلُهُ؛ إذِ الدَّلِيلُ لا يُساعِدُهُ؛ إذْ لا خَفاءَ في أنَّ المُرادَ بِعَزْمِ الصَّوْمِ لَيْسَ قَطْعَهُ بِمَعْنى الفَكِّ، بَلِ الجَزْمَ وقَطْعَ التَّرَدُّدِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ لا مَعْنى لِلنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ عُقْدَةِ نِكاحِ الزَّوْجِ الأوَّلِ حَتّى يُنْهى عَنْهُ؛ إذْ لا تَنْقَطِعُ عُقْدَةُ نِكاحِ المُتَوَفّى بِعَقْدِ نِكاحٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الثّانِي لَغْوٌ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ المُرادَ لا تَفُكُّوا عُقْدَةَ نِكاحِكم ولا تَقْطَعُوها، ونَفْيُ القَطْعِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ التَّحْصِيلِ، فَإنَّ تَحْصِيلَ الثَّمَرَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِالقَطْعِ، وهَذا كَما تَرى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ ﴿ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ﴾ أيْ يَنْتَهِي ما كَتَبَ وفَرَضَ مِنَ العِدَّةِ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ مِنَ العَزْمِ عَلى ما لا يَجُوزُ أوْ مِن ذَواتِ الصُّدُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ ﴿ فاحْذَرُوهُ ﴾ ولا تَعْزِمُوا عَلَيْهِ أوِ (احْذَرُوهُ) بِالِاجْتِنابِ عَنِ العَزْمِ ابْتِداءً أوْ إقْلاعًا عَنْهُ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ يَغْفِرُ لِمَن يُقْلِعُ عَنْ عَزْمِهِ أوْ ذَنْبِهِ خَشْيَةً مِنهُ ﴿حَلِيمٌ 235﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ، فَلا يُتَوَهَّمُ مِن تَأْخِيرِها أنَّ ما نُهِيَ عَنْهُ لا يَسْتَتْبِعُ المُؤاخَذَةَ وإعادَةَ العامِلِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ - تَبارَكَ اسْمُهُ - .
<div class="verse-tafsir"
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ.
فقد أباح للخاطب أن يتعرض للنكاح، ونهاه عن الخطبة والعقد فقال: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ يقول: لا بأس بأن يأتي الرجل المرأة المتوفى عنها زوجها، فيعرض لها ويقول: إنك لتعجبيني وإنك لموافقة لي، فأرجو أن يكون بيننا اجتماع، ونحو ذلك من الكلام.
فهذا هو التعريض من خطبة النسآء أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، يعني أضمرتم في أنفسكم.
قال الزجاج: كل شيء سترته فقد أكننته وكننته فهو مكنون، فلذلك أباح الله تعالى التعريض.
ثم قال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ، يعني خافوا الله في العدة من تزويجهن.
وَلكِنْ لاَّ تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا، يعني نكاحاً ويقال: جماعاً.
وقال القتبي: سمي الجماع سراً، لأنه يكون في السر فيكنى عنه.
إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً، يعني عدة حسنة، نحو إنك لجميلة وإني فيك لراغب.
وقوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ، يقول: ولا تحققوا عقدة النكاح، يعني لا تتزوجوهن في العدة.
حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، يعني حتى تنقضي عدتها.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ، يعني ما فى قلوبكم من الوفاء وغيره.
فَاحْذَرُوهُ، يعني أن تخالفوه فيما أوجب عليكم.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ، أي غفور ذو تجاوز، حليم حيث لم يعجل عليكم بالعقوبة.
<div class="verse-tafsir"
وعيد يتضمّن التحذير، وخَبِيرٌ: اسم فاعلٍ مِن «خَبَرَ» ، إِذا تَقَصَّى علْم الشيء.
وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ ...
الآية:
تصريحُ خطبةِ المعتدَّة حرامٌ، والتعريضُ جائزٌ، وهو الكلام الذي لا تصريحَ فيه، أَوْ أَكْنَنْتُمْ: معناه: سترتم، وأخفيتم.
وقوله تعالى: سَتَذْكُرُونَهُنَّ قال الحَسَن: معناه: ستخطُبُونَهُنَّ «١» ، وقال غيره:
معناه: علم اللَّه أنكم ستذكُرونَ النِّسَاء المعتدَّاتِ في نفوسكم وبألسنتكُمْ، فنهى عن أنْ يوصل إِلى التواعُدِ معَهُنَّ «٢» .
ع «٣» : والسرُّ، في اللغة: يقع على الوَطْء حلالِهِ وحرامِهِ، والآية تعطي النهْيَ عن أنْ يواعد الرجُلُ المعتدَّةَ أن يطأها بعد العدَّة بوجْه التزويجِ، وقال ابن جُبَيْر: سِرًّا، أيْ: نكاحاً «٤» ، وهذه عبارة مخلصة.
وأجمعتِ الأمة على كراهةِ المواعَدَةِ في العدَّةِ.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروف هو ما أبيح من التعريض كقول الرجُل: إِنَّكم لأَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وما قُدِّرَ كَانَ، ونحو هذا.
وقوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ: عزمُ العقدةِ:
عَقْدها بالإشهاد، والوليّ، وحينئذ: تسمى عقدة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: فَلا جُناحَ عَلى الرِّجالِ في تَزْوِيجِهِنَّ بَعْدَ ذَلِكَ.
والثّانِي: فَلا جُناحَ عَلى الرِّجالِ في تَرْكِ الإنْكارِ عَلَيْهِنَّ إذا تَزَيَّنَّ وتَزَوَّجْنَ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهو خِطابٌ لِأوْلِيائِهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّزَيُّنُ والتَّشَوُّفُ لِلنِّكاحِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ النِّكاحُ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ.
و"الخَبِيرُ" مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْناهُ: العالِمُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ، المُطَّلِعِ عَلى حَقِيقَتِهِ.
و"الخَبِيرِ" في صِفَةِ المَخْلُوقِينَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في نَوْعٍ مِنَ العِلْمِ، وهو الَّذِي يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالاجْتِهادِ دُونَ النَّوْعِ المَعْلُومِ بِبَدائِهِ العُقُولُ.
وعَلْمُ اللَّهِ تَعالى سَواءٌ، فِيما غَمُضَ ولَطَفَ، وفِيما تَجَلّى وظَهَرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ ﴾ هَذا خِطابٌ لِمَن أرادَ تَزْوِيجَ مُعْتَدَّةً.
والتَّعْرِيضُ: الإيماءُ والتَّلْوِيحُ مِن غَيْرِ كَشْفٍ، فَهو إشارَةٌ بِالكَلامِ إلى ما لَيْسَ لَهُ في الكَلامِ ذِكْرٌ.
والخِطْبَةُ بِكَسْرِ الخاءِ: طَلَبُ النِّكاحِ، والخُطْبَةُ بِضَمِّ الخاءِ: مِثْلُ الرِّسالَةِ الَّتِي لَها أوَّلٌ وآَخِرٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَّعْرِيضُ أنْ يَقُولَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أتَزَوَّجَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: أنْ يَقُولَ: إنَّكِ لِجَمِيلَةٌ، وإنَّكِ لَحَسَنَةٌ، وإنَّكِ لَإلى خَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: فِيهِ لُغَتانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ، وأكْنَنْتُهُ وَقالَ ثَعْلَبٌ: أكْنَنْتُ الشَّيْءَ: إذا أخْفَيْتُهُ في نَفْسِكَ، وكَنَنْتُهُ: إذا سَتَرْتَهُ بِشَيْءٍ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أكْنَنْتُ الشَّيْءَ: إذا سَتَرْتَهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وكَنَنْتُهُ: إذا صُنْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ قالَ بَعْضُهم يَجْعَلُ كَنَنْتَهُ، وأكْنَنْتَهُ، بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ذِكْرُهُ إيّاها في نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسِّرِّ هاهُنا: النِّكاحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وأنْشَدَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: ألا زَعَمَتْ بِسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ السِّرَّ أمْثالِي وَفِي رِوايَةٍ: يَشْهَدُ اللَّهْوَ قالَ الفَرّاءُ: ونَرى أنَّهُ مِمّا كَنّى اللَّهُ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ .
وذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ السِّرَّ: الإفْضاءُ بِالنِّكاحِ [المُحَرَّمِ ] وأنْشَدَ: ويَحْرُمُ سِرَّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَأْكُلُ جارُهم أنْفَ القِصاعِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتُعِيرَ السِّرُّ لِلنِّكاحِ، لِأنَّ النِّكاحَ يَكُونُ سِرًّا، فالمَعْنى: لا تُواعِدُوهُنَّ بِالتَّزْوِيجِ، [وَهُنَّ في العِدَّةِ ] تَصْرِيحًا ﴿ إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ لا تَذْكُرُونَ فِيهِ رَفَثًا ولا نِكاحًا.
والثّانِي: أنَّ المُواعَدَةَ سِرًّا: أنْ يَقُولَ لَها: إنِّي لَكِ مُحِبٌّ، وعاهِدِينِي أنْ لا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالسِّرِّ الزِّنا.
قالَهُ الحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: لا تَنْكِحُوهُنَّ في عِدَّتِهِنَّ سِرًّا، فَإذا حَلَّتْ أظْهَرْتُمْ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وفي القَوْلِ المَعْرُوفِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّعْرِيضُ لَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، والشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ إعْلامُ ولَيِّها بِرَغْبَتِهِ فِيها، وهو قَوْلُ عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ لا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، وحُذِفَتْ "عَلى" اسْتِخْفافًا، كَما قالُوا: ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، مَعْناهُ: عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ ﴿ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ﴾ أيْ: حَتّى يَبْلُغَ فَرْضَ الكِتابِ أجَلَهُ.
قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الكِتابُ" بِمَعْنى "الفَرْضِ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ .
فَيَكُونُ المَعْنى: حَتّى يَبْلُغَ الفَرْضُ أجَلَهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: بُلُوغُ الكِتابِ أجَلَهُ: انْقِضاءُ العِدَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الوَفاءِ، فاحْذَرُوهُ أنْ تُخالِفُوهُ في أمْرِهِ.
والحَلِيمُ قَدْ سَبَقَ بَيانَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِساءِ أو أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكم عَلِمَ اللهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ واعْلَمُوا أنْ اللهُ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أنْ اللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ المُخاطَبَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ الناسِ، والمُباشِرُ لِحُكْمِها هو الرَجُلُ الَّذِي في نَفْسِهِ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ.
والتَعْرِيضُ: هو الكَلامُ الَّذِي لا تَصْرِيحَ فِيهِ، كَأنَّهُ يَعْرِضُ لِفِكْرِ المُتَكَلِّمِ بِهِ.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ المُعْتَدَّةِ بِما هو نَصٌّ في تَزْوِيجِها، وتَنْبِيهٌ عَلَيْهِ، لا يَجُوزُ، وكَذَلِكَ أجْمَعَتْ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَها بِما هو رَفَثُ، وذِكْرُ جِماعٍ، أو تَحْرِيضٌ عَلَيْهِ، لا يَجُوزُ، وجَوَّزَ ما عَدا ذَلِكَ.
ومِن أعْظَمِهِ قُرْبًا إلى التَصْرِيحِ، «قَوْلُ النَبِيِّ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "كُونِي عِنْدَ أُمِّ شَرِيكٍ، ولا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ».
ومِنَ المُجَوَّزِ قَوْلُ الرَجُلِ: إنَّكِ إلى خَيْرٍ، وإنَّكِ لَمَرْغُوبٌ فِيكِ، وإنِّي لَأرْجُو أنْ أتَزَوَّجَكِ، وإنْ يُقَدَّرْ أمْرٌ يَكُنْ، هَذا هو تَمْثِيلُ مالِكٍ، وابْنِ شِهابٍ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ في هَذا.
وجائِزٌ أنْ يَمْدَحَ نَفْسَهُ، ويَذْكُرَ مَآثِرَهُ عَلى جِهَةِ التَعْرِيضِ بِالزَواجِ، وقَدْ فَعَلَهُ أبُو جَعْفَرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، واحْتَجَّ بِأنَّ النَبِيَّ فَعَلَهُ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ.
والهَدِيَّةُ إلى المُعْتَدَّةِ جائِزَةٌ، وهي مِنَ التَعْرِيضِ، قالَهُ سَحْنُونٌ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
وقَدْ كَرِهَ مُجاهِدٌ أنْ يَقُولَ: لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ ورَآهُ مِنَ المُواعَدَةِ سِرًّا وهَذا عِنْدِي عَلى أنْ يَتَأوَّلَ قَوْلَ النَبِيِّ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، إنَّهُ عَلى جِهَةِ الرَأْيِ لَها فِيمَن يَتَزَوَّجُها، لا أنَّهُ أرادَها لِنَفْسِهِ، وإلّا فَهو خِلافٌ لِقَوْلِهِ .
والخِطْبَةُ -بِكَسْرِ الخاءِ- فِعْلُ الخاطِبِ مِن كَلامٍ وقَصْدٍ واسْتِلْطافٍ بِفِعْلٍ أو قَوْلٍ، يُقالُ: خَطَبَها يَخْطِبُها خَطْبًا وخِطْبَةً ورَجُلٌ خَطّابٌ كَثِيرُ التَصَرُّفِ في الخِطْبَةِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بَرَحَ بِالعَيْنَيْنِ خَطّابُ الكُثَبِ يَقُولُ إنِّي خاطِبٌ وقَدْ كَذَبَ وإنَّما يَخْطُبُ عَسًّا مَن حَلَبْ والخِطْبَةُ فِعْلَةٌ كَجِلْسَةٌ وقِعْدَةٌ.
والخُطْبَةُ -بِضَمِّ الخاءِ- هي الكَلامُ الَّذِي يُقالُ في النِكاحِ وغَيْرِهِ.
و"أكْنَنْتُمْ" مَعْناهُ: سَتَرْتُمْ وأخْفَيْتُمْ.
تَقُولُ العَرَبُ: كَنَنْتُ الشَيْءَ مِنَ الأجْرامِ، إذا سَتَرْتُهُ في بَيْتٍ أو ثَوْبٍ، أو أرْضٍ ونَحْوِهِ، وأكْنَنْتُ الأمْرَ في نَفْسِي.
ولَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ كَنَنْتُهُ في نَفْسِي، وتَقُولُ: أكَنَّ البَيْتُ الإنْسانَ ونَحْوُ هَذا.
فَرَفَعَ اللهُ الجَناحَ عَمَّنْ أرادَ تَزَوُّجَ المُعْتَدَّةِ مَعَ التَعْرِيضِ ومَعَ الإكْنانِ ونَهى عَنِ المُواعَدَةِ الَّتِي هي تَصْرِيحٌ بِالتَزْوِيجِ وبِناءٌ عَلَيْهِ، واتِّفاقٌ عَلى وعْدٍ، فَرَخَّصَ -لِعِلْمِهِ تَعالى -بِغَلَبَةِ النُفُوسِ وطِماحِها وضَعْفِ البَشَرِ عن مِلْكِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "سَتَذْكُرُونَهُنَّ" قالَ الحَسَنُ: سَتَخْطِبُونَهُنَّ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تُنْهَوْا.
وقالَ غَيْرُ الحَسَنِ: مَعْناهُ عَلِمَ اللهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَ النِساءَ المُعْتَدّاتِ في نُفُوسِكم وبِألْسِنَتِكم لِمَن يَخِفُّ عِنْدَكُمْ، فَنَهى عن أنْ يُوصَلَ إلى التَواعُدِ مَعَها، لِما في ذَلِكَ مِن هَتْكِ حُرْمَةِ العِدَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ ، ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، وأصْحابُهُ، والشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ المَعْنى: لا تُوافِقُوهُنَّ بِالمُواعَدَةِ والتَوَثُّقِ وأخْذِ العُهُودِ في اسْتِسْرارٍ مِنكم وخِفْيَةٍ، فَـ "سِرًّا" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ مُسْتَسِرِّينَ.
وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو مِجْلَزٍ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والضَحّاكُ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: السِرُّ في هَذِهِ الآيَةِ الزِنى: أيْ لا تُواعِدُوهُنَّ زِنى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا جاءَتْ عِبارَةُ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ السِرِّ، وفي ذَلِكَ عِنْدِي نَظَرٌ، وذَلِكَ أنَّ السِرَّ في اللُغَةِ يَقَعُ عَلى الوَطْءِ، حَلالُهُ وحَرامُهُ، لَكِنَّ مَعْنى الكَلامِ وقَرِينَتُهُ تُرَدُّ إلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَمِنَ الشَواهِدِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ويَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَأْكُلُ جارُهم أنْفَ القِصاعِ فَقَرِينَةُ هَذا البَيْتِ تُعْطِي أنَّ السِرَّ أرادَ بِهِ الوَطْءَ حَرامًا، وإلّا فَلَوْ تَزَوَّجَتِ الجارَةُ كَما يَحْسُنُ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ عارٌ، ومِنَ الشَواهِدِ قَوْلُ الآخَرِ: أخالَتُنا سِرُّ النِساءِ مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيَّ، وتَشْهادُ النَدامى مَعَ الخَمْرِ لَئِنْ لَمْ أُصَبِّحْ داهِنًا ولَفِيفَها ∗∗∗ وناعِبَها يَوْمًا بِراغِيَةِ البِكْرِ فَقَرِينَةُ هَذا الشِعْرِ تُعْطِي أنَّهُ أرادَ تَحْرِيمَ جِماعِ النِساءِ عُمُومًا، في حَرامٍ وحَلالٍ، حَتّى يَنالَ ثَأْرَهُ.
والآيَةُ تُعْطِي النَهْيَ عن أنْ يُواعِدَ الرِجْلُ المُعْتَدَّةَ أنْ يَطَأها بَعْدَ العِدَّةِ بِوَجْهِ التَزْوِيجِ، وأمّا المُواعَدَةُ في الزِنى فَمُحَرَّمٌ عَلى المُسْلِمِ مَعَ مُعْتَدَّةٍ وغَيْرِها.
وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: "سِرًّا": نِكاحًا، وهَذِهِ عِبارَةٌ مُخَلِّصَةٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ أيْ: لا تَنْكِحُوهُنَّ سِرًّا وتَكْتُمُونَ ذَلِكَ، فَإذا حَلَّتْ أظْهَرْتُمُوهُ ودَخَلْتُمْ بِهِنَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فابْنُ زَيْدٍ في مَعْنى السِرِّ مَعَ القَوْلِ الأوَّلِ، أيْ خُفْيَةً.
وإنَّما شَذَّ في أنْ سَمّى العَقْدَ مُواعِدَةً، وذَلِكَ قَلَقٌ، لِأنَّ العَقْدَ مَتى وقَعَ -وَإنْ كَتَمَ- فَإنَّما هو في عَزْمِ العُقْدَةِ، وحَكى مَكِّيٌّ عنهُ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكاحِ ﴾ .
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى كَراهِيَةِ المُواعَدَةِ في العِدَّةِ لِلْمَرْأةِ في نَفْسِها ولِلْأبِ في ابْنَتِهِ البِكْرِ، ولِلسَّيِّدِ في أمَتِهِ، قالَ ابْنُ المَوّازِ: "فَأمّا الوَلِيُّ الَّذِي لا يَمْلِكُ الجَبْرَ فَأكْرَهُهُ وإنْ نَزَلَ لَمْ أفْسَخْهُ".
وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- فِيمَن يُواعِدُ في العِدَّةِ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ بَعْدَها: "فِراقُها أحَبُّ إلَيَّ، دَخَلَ بِها أو لَمْ يَدْخُلْ، وتَكُونُ تَطْلِيقَةً واحِدَةً، فَإذا حَلَّتْ خَطَبَها مَعَ الخُطّابِ".
هَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ وهْبٍ، ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ أنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما إيجابًا.
وقالَهُ ابْنُ القاسِمِ، وحَكى ابْنُ حارِثٍ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ الماجِشُونِ، وزادَ ما يَقْتَضِي أنَّ التَحْرِيمَ يَتَأبَّدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والقَوْلُ المَعْرُوفُ: هو ما أُبِيحَ مِنَ التَعْرِيضِ، وقَدْ ذَكَرَ الضَحّاكُ، أنَّ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ لِلْمُعْتَدَّةِ: احْبِسِي عَلَيَّ نَفْسَكِ، فَإنَّ لِي بِكِ رَغْبَةً، فَتَقُولُ هِيَ: وأنا مِثْلُ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِنْدِي مُواعَدَةٌ، وإنَّما التَعْرِيضُ قَوْلُ الرَجُلِ: إنَّكم لَأكْفاءٌ كِرامٌ، وما قُدِّرَ كانَ، وإنَّكِ لَمُعْجِبَةٌ، ونَحْوُ هَذا.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ عَزْمُ العُقْدَةِ: عَقْدُها بِالإشْهادِ والوَلِيِّ، وحِينَئِذٍ تُسَمّى "عُقْدَةً".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ﴾ .
يُرِيدُ تَمامَ العِدَّةِ، و"الكِتابُ" هُنا هو الحَدُّ الَّذِي جُعِلَ، والقَدْرُ الَّذِي رُسِمَ مِنَ المُدَّةِ، سَمّاهُ كِتابًا إذْ قَدَّرَهُ وفَرَضَهُ كِتابُ اللهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ﴾ وكَما قالَ: ﴿ إنَّ الصَلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا ﴾ ولا يَحْتاجُ عِنْدِي في الكَلامِ إلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ قَدَّرَ أبُو إسْحاقَ في ذَلِكَ حَذْفَ مُضافٍ، أيْ "فَرْضُ الكِتابِ"، وهَذا عَلى أنْ جَعَلَ الكِتابَ القُرْآنَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ إنْ خالَفَ أحَدٌ هَذا النَهْيَ، وعَزَمَ العُقْدَةَ قَبْلَ بُلُوغِ الأجَلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأنا أُفَصِّلُ المَسْألَةَ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
أمّا إنْ عَقَدَ في العِدَّةِ وعَثَرَ عَلَيْهِ فَفَسَخَ الحاكِمُ نِكاحَهُ، وذَلِكَ قَبْلَ الدُخُولِ فَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ ذَلِكَ لا يُؤَبِّدُ تَحْرِيمًا، وقالَهُ مالِكٌ، وابْنُ القاسِمِ في "المُدَوَّنَةِ" في آخِرِ البابِ الَّذِي يَلِيهِ ضَرْبُ أجْلِ امْرَأةِ المَفْقُودِ.
وقالَ الجَمِيعُ: يَكُونُ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ.
وحَكى ابْنُ الجَلّابِ -عن مالِكٍ - رِوايَةَ أنَّ التَحْرِيمَ يَتَأبَّدُ في العَقْدِ في العِدَّةِ، وإنْ فُسِخَ قَبْلَ الدُخُولِ.
وأمّا إنْ عَقَدَ في العِدَّةِ ودَخَلَ بَعْدَ انْقِضائِها فَقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: ذَلِكَ كالدُخُولِ في العِدَّةِ يَتَأبَّدُ التَحْرِيمُ بَيْنَهُما.
وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا يَتَأبَّدُ بِذَلِكَ تَحْرِيمٌ.
وقالَ مالِكٌ مَرَّةً يَتَأبَّدُ التَحْرِيمَ، وقالَ مُرَّةُ: وما التَحْرِيمُ بِذَلِكَ بِالبَيْنِ، والقَوْلانِ لَهُ في "المُدَوَّنَةِ" في طَلاقِ السُنَّةِ.
وَأمّا إنْ دَخَلَ في العِدَّةِ فَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ومالِكٍ، وجَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ، والأوزاعِيِّ، واللَيْثِ، وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ التَحْرِيمَ يَتَأبَّدُ وقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشافِعِيِّ، وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، إنَّ التَحْرِيمَ لا يَتَأبَّدُ -وَإنْ وطِئَ في العِدَّةِ- بَلْ يُفْسَخُ بَيْنَهُما، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنهُ، ثُمَّ يَكُونُ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ.
قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشافِعِيُّ: تَعْتَدُّ مِنَ الأوَّلِ، فَإذا انْقَضَتِ العِدَّةِ فَلا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَها الآخَرُ.
وحَكى ابْنُ الجَلّابِ رِوايَةً في المَذْهَبِ أنَّ التَحْرِيمَ لا يَتَأبَّدُ مَعَ الدُخُولِ في العِدَّةِ، ذَكَرَها في العالِمِ بِالتَحْرِيمِ المُجْتَرِئِ لِأنَّهُ زانٍ، وأمّا الجاهِلُ فَلا أعْرِفُ فِيها خِلافًا في المَذْهَبِ.
حَدَّثَنِي أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَسّانِيُّ مُناوَلَةً، قالَ نا أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ، نا عَبْدُ الوارِثِ بْنُ سُفْيانَ، نا قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْماعِيلَ، عن نَعِيمِ بْنِ حَمّادٍ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، عن أشْعَثَ، عَنِ الشَعْبِيِّ، عن مَسْرُوقٍ، قالَ: بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنَّ امْرَأةً مِن قُرَيْشٍ تُزَوَّجَها رَجُلٌ مِن ثَقِيفٍ في عِدَّتِها، فَأرْسَلَ إلَيْهِما فَفَرَّقَ بَيْنَهُما، وعاقَبَهُما، وقالَ: لا تَنْكِحُها أبَدًا، وجَعَلَ صَداقَها في بَيْتِ المالِ، وفَشا ذَلِكَ في الناسِ فَبَلَغَ عَلِيًّا فَقالَ: يَرْحَمُ اللهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما بالُ الصَداقِ وبَيْتُ المالِ، إنَّما جَهِلا فَيَنْبَغِي لِلْإمامِ أنْ يَرُدَّهُما إلى السُنَّةِ.
قِيلَ: فَما تَقُولُ أنْتَ فِيها؟
قالَ: لَها الصَداقُ بِما اسْتَحَلَّ مِن فَرْجِها، ويُفَرَّقُ بَيْنَهُما، ولا جَلْدَ عَلَيْهِما، وتُكْمِلُ عِدَّتَها مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنَ الثانِي عِدَّةً كامِلَةً ثَلاثَةَ أقْراءٍ، ثُمَّ يَخْطِبُها إنْ شاءَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَخَطَبَ الناسَ فَقالَ: يا أيُّها الناسُ رُدُّوا الجَهالاتِ إلى السُنَّةِ.
وهَذا قَوْلُ الشافِعِيِّ، واللَيْثُ في العِدَّةِ مِنَ اثْنَيْنِ.
قالَ مالِكٌ، وأصْحابُ الرَأْيِ، والأوزاعِيُّ، والثَوْرِيُّ: عِدَّةٌ واحِدَةٌ تَكْفِيهِما جَمِيعًا سَواءٌ كانَتْ بِالحَمْلِ أو بِالإقْراءِ أو بِالأشْهُرِ.
ورَوى المَدَنِيُّونَ، عن مالِكٍ، مِثْلُ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، والشافِعِيِّ في إكْمالِ العِدَّتَيْنِ.
واخْتَلَفَ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في الَّذِي يَدْخُلُ في العِدَّةِ عالِمًا بِالتَحْرِيمِ مُجْتَرِئًا، فَمَرَّةً قالَ: العالِمُ والجاهِلُ فِيهِ سَواءٌ، لا حَدَّ عَلَيْهِ، والصَداقُ لَهُ لازِمٌ، والوَلَدُ لاحِقٌ، ويُعاقَبانِ ولا يَتَناكَحانِ أبَدًا، ومَرَّةً قالَ.
العالِمُ بِالتَحْرِيمِ كالزانِي يُحَدُّ ولا يَلْحَقُ بِهِ الوَلَدُ، ويَنْكِحُها بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْهُرُ عن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "واعْلَمُوا" إلى آخِرِ الآيَةِ.
تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ فِيما نَهى عنهُ، وتَوْقِيفٌ عَلى غَفْرِهِ وحِلْمِهِ في هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَ ووَسَّعَ فِيها مِن إباحَةِ التَعْرِيضِ ونَحْوِهِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على الجملة التي قبلها، فهذا من الأحكام المتعلقة بالعدة، وقد تضمنت الآيات التي قبلها أحكام عدة الطلاق وعدة الوفاة، وأن أمد العدة محترم، وأن المطلقات إذا بلغن أجلهن جاز أن يفعلن في أنفسهن ما أردن من المعروف، فعلم من ذلك أنهن إذا لم يبلغنه لا يجوز ذلك فالتزوج في مدة الأجل حرام، ولما كان التحدث في التزوج إنما يقصد منه المتحدث حصول الزواج، وكان من عادتهم أن يتسابقوا إلى خطبة المعتدة ومواعدتها، حرصاً على الاستئثار بها بعد انقضاء العدة فبينت الشريعة لهم تحريم ذلك، ورخصت في شيء منه ولذلك عطف هذا الكلام على سابقه.
والجناح الإثم وقد تقدم في قوله تعالى: فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء أَوْ أَكْنَنتُمْ فى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ ﴾ [البقرة: 158].
وقوله: ﴿ ما عرضتم به ﴾ ما موصولة، وما صْدَقها كلام، أي كلام عرضتم به، لأن التعريض يطلق على ضرب من ضروب المعاني المستفادة من الكلام، وقد بينه بقوله: ﴿ من خطبة النساء ﴾ فدل على أن المراد كلام.
ومادة فعَّل فيه دالة على الجعل مثل صوَّر، مشتقة من العرض بضم العين وهو الجانب أي جعل كلامه بجانب، والجانب هو الطرف، فكأن المتكلم يحيد بكلامه من جادة المعنى إلى جانب.
ونظير هذا قولهم جَنَبَه، أي جعله في جانب.
فالتعريض أن يريد المتكلم من كلامه شيئاً، غير المدلول عليه بالتركيب وضعاً، لمناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود، مع قرينة على إرادة المعنى التعريضي، فعلم ألا بد من مناسبة بين مدلول الكلام وبين الشيء المقصود، وتلك المناسبة: إما ملازمة أو مماثلة، وذلك كما يقول العافى لرجل كريم: جئت لأسلم عليك ولأنظر وجهك، وقد عبر عن إرادتهم مثل هذا أمية بن أبي الصلت في قوله: إذَا أَثَنى عليكَ المرءُ يوماً *** كفاهُ عن تَعَرُّضه الثَّنَاء وجعل الطيبي منه قوله تعالى: ﴿ وإذا قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ [المائدة: 116].
فالمعنى التعريضي في مثل هذا حاصل من الملازمة، وكقول القائل «المسلم من سلم المسلمون من لسانه» في حضرة من عرف بأذى الناس، فالمعنى التعريضي حاصل من علم الناس بمماثلة حال الشخص المقصود للحالة التي ورد فيها معنى الكلام، ولما كانت المماثلة شبيهة بالملازمة لأن حضور المماثل في الذهن يقارن حضور مثيله صح أن نقول إن المعنى التعريضي بالنسبة إلى المركبات شبيه بالمعنى الكنائي بالنسبة إلى دلالة الألفاظ المفردة، وإن شئت قلت: المعنى التعريضي من قبيل الكناية بالمركب فخص باسم التعريض كما أن المعنى الكنائي من قبيل الكناية باللفظ المفرد، وعلى هذا فالتعريض من مستتبعات التراكيب، وهذا هو الملاقى لما درج عليه صاحب «الكشاف» في هذا المقام، فالتعريض عنده مغاير للكناية من هذه الجهة وإن كان شبيهاً بها، ولذلك احتاج إلى الإشارة إلى الفرق بينهما، فالنسبة بينهما عنده التباين.
وأما السكاكي فقد جعل بعض التعريض من الكناية وهو الأصوب، فصارت النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي، وقد حمل الطيبي والتفتازاني كلام «الكشاف» على هذا، ولا إخاله يتحمله.
وإذ قد تبين لك معنى التعريض، وعلمت حد الفرق بينه وبين الصريح فأمثلة التعريض والتصريح لا تخفى، ولكن فيما أثر من بعض تلك الألفاظ إشكال لا ينبغي الإغضاء عنه في تفسير هذه الآية.
إن المعرض بالخطبة تعريضه قد يريده لنفسه وقد يريده لغيره بوساطته، وبين الحالتين فرق ينبغي أن يكون الحكم في المتشابه من التعريض، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة ابنة قيس، وهي في عدتها من طلاق زوجها عمرو بن حفص آخر الثلاث «كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك» أي لا تستبدي بالتزوج قبل استئذاني وفي رواية «فإذا حللت فآذنيين» وبعد انقضاء عدتها خطبها لأسامة بن زيد، فهذا قول لا خطبة فيه وإرادة المشورة فيه واضحة.
ووقع في «الموطأ»: أن القاسم بن محمد كان يقول في قوله تعالى: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها: «إنك عليَّ لكريمة وإني فيك لراغب».
فأما إنك عليَّ لكريمة فقريب من صريح إرادة التزوج بها وما هو بصريح، فإذا لم تعقبه مواعدة من أحدهما فأمره محتمل، وأما قوله إني فيك لراغب فهو بمنزلة صريح الخطبة وأمره مشكل، وقد أشار ابن الحاجب إلى إشكاله بقوله: «قالوا ومثل إني فيك لراغب أكثر هذه الكلمات تصريحاً فينبغي ترك مثله» ويذكر عن محمد الباقر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض لأم سلمة في عدتها من وفاة أبي سلمة، ولا أحسب ما روي عنه صحيحاً.
وفي «تفسير ابن عرفة»: «قيل إن شيخنا محمد بن أحمد بن حيدرة كان يقول: «إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط وأما إذا وقع التعريض منهما فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة».
ولفظ النساء عام لكن خص منه ذوات الأزواج، بدليل العقل ويخص منه المطلقات الرجعيات بدليل القياس ودليل الإجماع، لأن الرجعية لها حكم الزوجة بإلغاء الفارق، وحكى القرطبي الإجماع على منع خطبة المطلقة الرجعية في عدتها، وحكى ابن عبد السلام عن مذهب مالك جواز التعريض لكل معتدة: من وفاة أو طلاق، وهو يخالف كلام القرطبي، والمسألة محتملة لأن للطلاق الرجعي شائبتين، وأجاز الشافعي التعريض في المعتدة بعد وفاة ومنعه في عدة الطلاق، وهو ظاهر ما حكاه في «الموطأ» عن القاسم بن محمد.
وقوله: ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ الإكنان الإخفاء.
وفائدة عطف الإكنان على التعريض في نفي الجناح، مع ظهور أن التعريض لا يكون إلاّ عن عزم في النفس، فنفي الجناح عن عزم النفس المجرد ضروري من نفي الجناح عن التعريض، أنَّ المراد التنبيه على أن العزم أمر لا يمكن دفعه ولا النهي عنه، فلما كان كذلك، وكان تكلم العازم بما عزم عليه جبلة في البشر، لضعف الصبر على الكتمان، بين الله موضع الرخصة أنه الرحمة بالناس، مع الإبقاء على احترام حالة العدة، مع بيان علة هذا الترخيص، وأنه يرجع إلى نفي الحرج، ففيه حكمة هذا التشريع الذي لم يبين لهم من قبل.
وأخر الإكنان في الذكر للتنبيه على أنه أفضل وأبقى على ما للعدة من حرمة، مع التنبيه على أنه نادر وقوعه، لأنه لو قدمه لكان الانتقال من ذكر الإكنان إلى ذكر التعريض جارياً على مقتضى ظاهر نظم الكلام في أن يكون اللاَّحق زائد المعنى على ما يشمله الكلام السابق، فلم يتفطن السامع لهذه النكتة، فلما خولف مقتضى الظاهر علم السامع أن هذه المخالفة ترمي إلى غرض، كما هو شأن البليغ في مخالفة مقتضى الظاهر، وقد زاد ذلك إيضاحاً بقوله عقبه: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ أي علم أنكم لا تستطيعون كتمان ما في أنفسكم، فأباح لكم التعريض تيسيراً عليكم، فحصل بتأخير ذكر ﴿ أو أكنتم ﴾ فائدة أخرى وهي التمهيد لقوله: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ وجاء النظم بديعاً معجزاً، ولقد أهمل معظم المفسرين التعرض لفائدة هذا العطف، وحاول الفخر توجيهه بما لا ينثلج له الصدر ووجهه ابن عرفة بما هو أقرب من توجيه الفخر، ولكنه لا تطمئن له نفس البليغ.
فقوله: ﴿ ولكن لا تواعدوهن سراً ﴾ استدراك دل عليه الكلام، أي علم الله أنكم ستذكرونهن صراحة وتعريضاً؛ إذ لا يخلو ذو عزم من ذكر ما عزم عليه بأحد الطريقين، ولما كان ذكر العلم في مثل هذا الموضع كناية عن الإذن كما تقول: علمت أنك تفعل كذا تريد: إني لا أؤاخذك لأنك لو كنت تؤاخذه، وقد علمت فعله، لآخذته كما قال: ﴿ علم الله أنكم كنت تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ [البقرة: 187] هذا أظهر ما فسر به هذا الاستدراك وقيل: هذا استدراك على كلام محذوف أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن، أي لا تصرحوا وتواعدوهن، أي تعدوهن ويعدنكم بالتزوج.
والسر أصله ما قابل الجهر، وكنى به عن قربان المرأة قال الأعشى: ولا تقربنَّ جارة إنَّ سِرَّها *** عليك حرام فانكحن أو تأبدوا وقال امرؤ القيس: ألا زعمتْ بسباسَةُ الحي أنني *** كبرْتُ وأن لا يحسن السر أمثالي والظاهر أن المراد به في هاته الآية حقيقته، فيكون ﴿ سراً ﴾ منصوباً على الوصف لمفعول مطلق أي وعداً صريحاً سراً، أي لا تكتموا المواعدة، وهذا مبالغة في تجنب مواعدة صريح الخطبة في العدة.
وقوله: ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ استثناء من المفعول المطلق أي إلا وعداً معروفاً، وهو التعريض الذي سبق في قوله: ﴿ فيما عرضتم به ﴾ فإن القول المعروف من أنواع الوعد إلا أنه غير صريح، وإذا كان النهي عن المواعدة سراً، علم النهي عن لمواعدة جهراً بالأولى، والاستثناء على هذا في قوله: ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ متصل، والقول المعروف هو المأذون فيه، وهو التعريض، فهو تأكيد لقوله: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به ﴾ الآية.
وقيل: المراد بالسر هنا كناية، أي لا تواعدوهن قرباناً، وكنى به عن النكاح أي الوعد الصريح بالنكاح، فيكون ﴿ سراً ﴾ مفعولاً به لتواعدوهن، ويكون الاستثناء منقطعاً، لأن القول ليس من أنواع النكاح، إذ النكاح عقد بإيجاب وقبول، والقول خطبة: صراحة أو تعريضاً وهذا بعيد: لأن فيه كناية على كناية، وقيل غير ذلك مما لا ينبغي التعريج عليه، فإن قلتم حظر: صريح الخطبة والمواعدة، وإباحة التعريض بذلك يلوح بصور التعارض، فإن مآل التصريح والتعريض واحد، فإذا كان قد حصل بين الخاطب والمعتدة العلم بأنه يخطبها وبأنها توافقه، فما فائدة تعلق التحريم والتحليل بالألفاظ والأساليب، إن كان المفاد واحداً قلت: قصد الشارع من هذا حماية أن يكون التعجل ذريعة إلى الوقوع فيما يعطل حكمة العدة، إذ لعل الخوض في ذلك يتخطى إلى باعث تعجل الراغب إلى عقد النكاح على المعتدة بالبناء بها؛ فإن دبيب الرغبة يوقع في الشهوة، والمكاشفة تزيل ساتر الحياء فإن من الوازع الطبيعي الحياء الموجود في الرجل، حينما يقصد مكاشفة المرأة بشيء من رغبته فيها، والحياء في المرأة أشد حينما يواجهها بذلك الرجل، وحينما تقصد إجابته لما يطلب منها، فالتعريض أسلوب من أساليب الكلام يؤذن بما لصاحبه من وقار الحياء فهو يقبض عن التدرج إلى ما نهي عنه، وإيذانه بهذا الاستحياء يزيد ما طبعت عليه المرأة من الحياء فتنقبض نفسها عن صريح الإجابة، بله المواعدة فيبقى حجاب الحياء مسدولاً بينهما وبرقع المروءة غير منضى وذلك من توفير شأن العدة فلذلك رخص في التعريض تيسيراً على الناس، ومنع التصريح إبقاء على حرمات العدة.
وقوله: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ العزم هنا عقد النكاح لا التصميم على العقد، ولهذا فعقدة النكاح منصوب على المفعول به، والمعنى: لا تعقدوا عقدة النكاح، أخذ من العزم بمعنى القطع والبت، قاله النحاس وغيره، ولك أن تجعله بمعناه المشهور أي لا تصمموا على عقدة النكاح، ونهي عن التصميم لأنه إذا وقع وقع ما صمم عليه.
وقيل: نهى عن العزم مبالغة، والمراد النهي عن المعزوم عليه، مثل النهي من الاقتراب في قوله: ﴿ تلك حدود الله فلا تقربوها ﴾ [البقرة: 187] وعلى هذين الوجهين فعقدة النكاح منصوب على نزع الخافض، كقولهم ضربة الظهر والبطن، وقيل ضمن عزم معنى أبرم قاله صاحب «المغني» في الباب الثامن.
والكتاب هنا بمعنى المكتوب أي المفروض من الله وهو العدة المذكورة بالتعريف للعهد.
والأجل المدة المعينة لعمل ما، والمراد به هنا مدة العدة المعينة بتمام، كما أشار إليه قوله: ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ [البقرة: 234] آنفاً.
والآية صريحة في النهي عن النكاح في العدة وفي تحريم الخطبة في العدة وفي إباحة التعريض.
فأما النكاح أي عقده في العدة، فهو إذا وقع ولم يقع بناء بها في العدة فالنكاح مفسوخ اتفاقاً، وإنما اختلفوا هل يتأبد به تحريم المرأة على العاقد أو لا؟
فالجمهور على أنه لا يتأبد، وهو قول عمر بن الخطاب، ورواية ابن القاسم عن مالك في «المدونة»، وحكى ابن الجلاب عن مالك رواية أنه يتأبد، ولا يعرف مثله عن غير مالك.
وأما الدخول في العدة ففيه الفسخ اتفاقاً، واختلف في تأبيد تحريمها عليه فقال عمر بن الخطاب ومالك والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل بتأبد تحريمها عليه، ولا دليل لهم على ذلك إلا أنهم بنوه على أصل المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، وهو أصل ضعيف، وقال علي وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والشافعي: بفسخ النكاح ولا يتأبد التحريم، وهو بعد العدة خاطب من الخطاب، وقد قيل: إن عمر رجع إليه وهو الأصح، وعلى الزوج مهرها بما استحل منها، وقد تزوج رويشد الثقفي طليحة الأسدية في عدتها ففرق عمر بينهما وجعل مهرها على بيت المال، فبلغ ذلك علياً فقال: «يرحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال، إنما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما للسنة» قيل له: «فما تقول أنت»؟
قال: «لها الصداق بما استحل منها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما» واستحسن المتأخرون من فقهاء المالكية للقاضي إذا حكم بفسخ نكاح الناكح في العدة ألا يتعرض في حكمه للحكم بتأبيد تحريمها، لأنه لم يقع التنازع في شأنه لديه، فينبغي له أن يترك التعريج عليه، لعلهما أن يأخذا بقول من لا يرون تأبيد التحريم.
وأما الخطبة في العدة والمواعدة فحرام مواجهة المرأة بها، وكذلك مواجهة الأب في ابنته البكر، وأما مواجهة ولي غير مجبر فالكراهة، فإذا لم يقع البناء في العدة بل بعدها، فقال مالك: يفرق بينهما بطلقة ولا يتأبد تحريمها، وروى عنه ابن وهب: فراقها أحب إليَّ، وقال الشافعي: الخطبة حرام، والنكاح الواقع بعد العدة صحيح.
﴿ واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فى أَنفُسِكُمْ فاحذروه واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ عطف على الكلام السابق في قوله: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ وابتدئ الخطاب باعلموا لما أريد قطع هواجس التساهل والتأول، في هذا الشأن، ليأتي الناس ما شرع الله لهم عن صفاء سريرة من كل دخل وحيلة، وقدم تقدم نظيره في قوله: ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ [البقرة: 223].
وقوله: ﴿ واعلموا أن الله غفور حليم ﴾ تذييل، أي فكما يؤاخذكم على ما تضمرون من المخالفة يغفر لكم ما وعد بالمغفرة عنه كالتعريض لأنه حليم بكم، وهذا دليل على أن إباحة التعريض رخصة كما قدمنا، وأن الذريعة تقتضي تحريمه، لولا أن الله علم مشقة تحريمه على الناس للوجوه التي قدمناها، فلعل المراد من المغفرة هنا التجاوز لا مغفرة الذنب؛ لأن التعريض ليس بإثم، أو يراد به المعنى الأعم الشامل لمغفرة الذنب والتجاوز عن المشاق، وشأن التذييل التعميم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ ﴾ أمّا التَّعْرِيضُ، فَهو الإشارَةُ بِالكَلامِ إلى ما لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ النِّكاحِ، وأمّا الخِطْبَةُ بِالكَسْرِ فَهي طَلَبُ النِّكاحِ، وأمّا الخُطْبَةُ بِالضَّمِ فَهي كَلامٌ يَتَضَمَّنُ وعْظًا أوْ بَلاغًا.
والتَّعْرِيضُ المُباحُ في العِدَّةِ أنْ يَقُولَ لَها: ما عَلَيْكِ أيْمَةٌ ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَسُوقَ إلَيْكَ خَيْرًا، أوْ يَقُولَ: رُبَّ رَجُلٍ يَرْغَبُ فِيكِ، إلى ما جَرى مَجْرى هَذِهِ الألْفاظِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ ﴾ يَعْنِي ما أسْرَرْتُمُوهُ مِن عُقْدَةِ النِّكاحِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ في السِّرِّ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الزِّنى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي مِجْلَزٍ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ وقَتادَةَ.
والثّانِي: ألّا تَأْخُذُوا مِيثاقَهُنَّ وعُهُودَهُنَّ في عِدَدِهِنَّ ألّا يَنْكِحْنَ غَيْرَكم، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ.
والثّالِثُ: ألّا تَنْكِحُوهُنَّ في عِدَدِهِنَّ سِرًّا، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنْ يَقُولَ لَها: لا تَفُوتُنِي نَفْسُكِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: الجِماعُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ مَعْناهُ: قُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا، وهو التَّعْرِيضُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ وتَقْدِيرُهُ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، يَعْنِي التَّصْرِيحَ بِالخُطْبَةِ.
وَفي ﴿ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَرْضُ الكِتابِ أجَلَهُ، يُرِيدُ انْقِضاءَ العِدَّةِ، فَحَذَفَ الفَرْضَ اكْتِفاءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالكِتابِ الفَرْضَ تَشْبِيهًا بِكِتابٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج وكيع والفريابي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ قال: التعريض أن يقول إني أريد التزويج، وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها، وإن من شأني النساء لوددت أن الله يسر لي امرأة صالحة من غير أن ينصب لها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: يعرض لها في عدتها يقول لها: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك، ونحو هذا من الكلام فلا حرج.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم ﴾ قال: يقول: إني فيك لراغب، ولوددت أني تزوجتك حتى يعلمها أنه يريد تزويجها، من غير أن يوجب عقدة أو يعاهدها على عهد.
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه.
أنه كان يقول في قول الله: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، والله سائق إليك خيراً أو رزقاً، أو نحو هذا من القول.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن إبراهيم قال: لا بأس بالهدية في تعريض النكاح.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ أو أكننتم ﴾ قال: أسررتم.
وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ قال: أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء.
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ قال: بالخطبة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ قال: ذكره إياها في نفسه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكن لا تواعدوهن سراً ﴾ قال: لا يقول لها إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ وهو قوله: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكن لا تواعدوهن سراً ﴾ قال: الزنا، كان الرجل يدخل من أجل الزنا وهو يعرض بالنكاح.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن وأبي مجلز والنخعي.
مثله.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ قال: السر: الجماع.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ** كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي وأخرج البيهقي عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا أن معنى ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ الرفث من الكلام، أي لا يواجهها الرجل في تعريض الجماع من نفسه.
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ قال: الذي يأخذ عليها عهداً أو ميثاقاً أن تحبس نفسها ولا تنكح غيره.
وأخرج عن سعيد بن جبير.
مثله.
وأخرج سفيان وابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ قال: لا يخطبها في عدتها ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ قال: يقول: إنك لجميلة، وإنك لفي منصب، وإنك لمرغوب فيك.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ قال: يقول: إنك لجميلة، وإنك لإِلى خير، أو أن النساء من حاجتي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ قال: لا تنكحوا حتى يبلغ الكتاب أجله قال: حتى تنقضي العدة.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن مجاهد.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ قال: لا يواعدها في عدتها: إني أتزوّجك حين تنقضي عدتك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ﴾ قال: وعيد.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ الآية، التعريض في اللغة: ضدّ التصريح، ومعناه: تضمين الكلام دلالة على شيء ليس فيه ذكر له، وأصله: من عَرْضِ الشيء، وهو جانبه، كأنه يحوم به ولا يظهره (١) قالوا في تفسير عَرَّضَ، أي: لم يبيّن، بل حرفها (٢) (٣) قال ابن الأنباري حاكيًا عن بعضهم معنى التعريض في اللغة: اتصال الشيء من الكلام إلى المخاطب (٤) (٥) (٦) ومن ذلك حديثُ عائشة: أن رسول الله وأبا بكرٍ لقيا الزُّبير في رَكْبٍ قد أقبلوا من الشام يريدون مكة، فَعَرَّضُوا رسول الله وأبا بكر ثيابًا بيضًا، أي (٧) (٨) والتعريض أخفى من الكناية؛ لأن الكناية عدول عن الذكر الأخصِّ إلى ذكر يدل عليه، والتعريض دلالة على شيء ليس له فيه ذكر، كقولك: ما أقبح البخل، تعرض (٩) (١٠) وأما الخِطْبة فقال الفراء: الخِطْبة (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ومعى الخِطبة (١٥) (١٦) وقال بعضهم: أصلُ الخِطْبة: من الخطاب الذي هو الكلام، يقال: خَطَبَ المرأة خِطْبَةً؛ لأنه خاطِبٌ في عقد النكاح، وخَطَب خُطْبَة: خَاطب بالزجر والوعظ.
والخَطْب: الأمر العظيم، لأنه محتاج فيه إلى خطاب كثير.
قال الليث: يقال: هو يخطبُ المرأة ويختطبها خِطبَةً وخِطِّبَى (١٧) لخطِّيبى التي غَدَرَت وخَانَت ...
وهُنّ ذَوَاتُ غائِلِةٍ (١٨) (١٩) المعنى: لخِطبة زباء التي غدرت بجذيمة حين خطبها إلى نفسها (٢٠) قال المفسرون: ومعنى التعريض بالخطبة: أن يقول لها وهي في العدة: إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لنَافِقة، وإن من عَزْمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب، وما أشبه هذا من الكلام (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي: أَسْرَرْتم وأضمرتم في أنفسكم من خطبتهن ونكاحهن.
قال مجاهد (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال السدي: هو أن يَدْخُل فَيُسَلِّم ويُهْدِي إن شاءَ ولا يتكلم بشيء (٢٧) ومعنى الإكنان في اللغة: الإخفاء والستر.
قال الفراء: للعرب في أكننت الشيء إذا سترته لغتان، كَنَنْتُهُ، وأَكْنَنْتُهُ وأنشدوني (٢٨) ثَلاثٌ من ثَلاثٍ قُدَامِيَاتٍ ...
مِنَ اللاتِي يَكُنُّ مِنَ الصَّقيعِ [[البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 7/ 3942 [مادة: كنن]، "تهذيب اللغة" 4/ 3196، "تاج العروس" (مادة: كنن).
وينظر "المعجم المفصل" 4/ 415.]] وبعضهم [يرويه] (٢٩) (٣٠) ونحو هذا قال ابن الأعرابي وأبو زيد: قالوا: كننت الشيء وأكننته في الكِنِّ وفي النفس بمعنى.
وفَرَّقَ قومٌ بينهما، فقالوا: كننتُ الشيء: إذا صُنته حتى لا تصيبَه آفةٌ، وإن لم يكن مستورًا، يقال: دُرٌّ مكنون، وجاريةٌ مكنونة، وبيضٌ مكنون: مَصُونٌ عن التَّدَحْرُج (٣١) وأما أكننت فمعناه: أضمرت (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ يعني: الخطبة (٣٧) ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ .
روى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: السرُّ في هذا الموضع النكاح، وأنشد عنه بيت امرئ القيس: وأن لا يشْهَدَ السِّرَّ أمْثَالي (٣٨) (٣٩) وقال الشعبي (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ويَحْرُمُ سِرُّ جَارَتهِمِ عَلَيْهِم ...
ويَأكلُ جَارُهُم أَنْفَ القِصَاعِ (٤٨) ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ قال: يريد الجماع، يقول لها: أنا راغب فيك، دعيني أجامعك حتى إذا وفيتِ عِدَّتَك أظْهَرْتُ نِكَاحَكِ (٤٩) (٥٠) (٥١) قال الفرزدق: مَوَانِع للأسْرَارِ (٥٢) (٥٣) الذي شفه الهم.
يعنى: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن.
فحصل في السرِّ أربعة أقوال: النكاح، والجماع، والزنا، والسِرّ الذي تخفيه وتكتمه غيرك.
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ يعنى: التعريض بالخطبة كما ذكرنا (٥٤) (٥٥) (٥٦) ويجوز أن يكون المعنى: قولًا معروفًا (٥٧) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ قد ذكرنا معنى العزم عند قوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾ .
ولم يقل: على عقدة النكاح اجتزاء بدلالة العزم، لأنه لا يكون إلا على معزوم عليه، كما تقول: ضرب زيدٌ الظهرَ والبطن، أي: عليهما.
قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، ويكون معنى الآية: ولا تعزموا على عقدة النكاح أن تعقدوها حتى يبلغ الكتاب أجله (٥٨) والمفسرون قالوا: معناه: لا تصححوا عقدة النكاح (٥٩) وأصل العقد: الشدّ.
والعهود (٦٠) وقال عبد الرحمن بن زيد: هذه الآية نسخت ما قبلها، والخطبةُ (٦١) (٦٢) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ قيل: الكتاب: القرآن.
والمعنى: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، يعنى: العدة المفروضة تنقضي.
ويجوز أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض كمال أجله، قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ أي: فرض، وإنما جاز أن يقع (كتب) بمعنى فرض؛ لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت (٦٣) (١) "تهذيب اللغة" (عرض) 2398.
(٢) نص الأزهري "تهذيب اللغة" 3/ 2400: إذا لم يبين الحروف، ولم يقوّم الخطأ.
(٣) في (ي): (وذهب).
(٤) في (ي): (المخاطبين).
(٥) في (ي): (معنى).
(٦) ابن الأنباري (٧) ساقطة من (ي).
(٨) الحديث ذكره في "النهاية" ص 606، وعنه ابن منظور في "اللسان" 5/ 2891.
(٩) في (أ) يعرض أنه.
(١٠) ينظر "تهذيب اللغة" 3/ 2395 - 2403 (عرض)، "والنهاية" ص604 - 607، "المفردات" ص 333، "اللسان" 5/ 2895 (عرض).
(١١) قوله: فقال الفراء: الخطبة.
ساقطة من (أ) و (م).
(١٢) في (ش) (وأنه).
(١٣) في (أ) (يريد).
(١٤) "معاني القرآن" 1/ 152.
(١٥) ساقطة من (م).
(١٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1165.
(١٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 1052 - 1053 مادة "خطب".
(١٨) في (ش) و (ي): (عائلة).
(١٩) البيت لعدي بن زيد في ديوانه ص 182، "تهذيب اللغة" 1/ 1053، "لسان العرب" 2/ 1194 خطب.
قال الأزهري: والمعنى: لِخْطَبة زباء وهي امرأة كانت مَلِكَةً خَطَبَها جذيمةَ الأبرش، فَغَرّرت به وأجابته، فلما دخل بلادها قَتَلَتْهُ.
وقد خطأ الأزهري قول الليث: إن خطيبى في البيت اسم امرأة بل هو مصدر كالخِطبة.
(٢٠) ينظر في خطب "معاني القرآن" للأخفش 1/ 373، "تهذيب اللغة" 1/ 1053 (خطب)، "تفسير الثعلبي" 2/ 1165، "المفردات" ص 157، "اللسان" 2/ 1194 - 1195 (خطب)، قال في المفردات: وأصل الخِطبة.
الحالة التي عليها الإنسان إذا خطب، نحو الجلسة والقِعدة، ويقال من الخُطبة: خاطب وخطيب، ومن الخِطبة: خاطب لا غير، والفعل منهما خطب.
(٢١) كذا يروى عن القاسم ومجاهد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن القاسم وآخرين، فيما ذكر عنهم الطبري في "تفسيره" بإسناده 2/ 517 - 520، وينظر صحيح البخاري (5124) كتاب: النكاح، باب: قول الله عز وجل ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ ﴾ ، "مصنف عبد الرزاق" 7/ 53، "مصنف ابن أبي شيبة" 4/ 257.
(٢٢) في (ش): (بخطبها).
(٢٣) ينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 188، "التفسير الكبير" 6/ 140 - 141.
(٢٤) أخرجه الطبري 2/ 521.
(٢٥) المصدر السابق.
(٢٦) ساقط من (م) و (أ).
(٢٧) أخرجه الطبري 2/ 521، "ابن أبي حاتم" 2/ 439 (2329).
(٢٨) في (م) (أنشدني).
(٢٩) في الأصل: طمس عليها، والكلام يقتفيها، وهي مذكورة في "معاني القرآن" الفراء.
(٣٠) "معاني القرآن" 1/ 152 - 153.
(٣١) "اللسان" 7/ 3942 - 3943، وينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317.
(٣٢) "تفسير البغوي" 1/ 282، "زاد المسير" 1/ 276 - 277.
(٣٣) (الذي) ساقط من (ي،.
وفي (ش) (إذا).
(٣٤) ساقطة من (ي).
(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317.
(٣٦) ينظر في (كنن) "معاني القرآن" للفراء 1/ 152 - 153، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317، "تهذيب اللغة" "المفردات" ص 444، "اللسان" 7/ 3942 - 3943.
(٣٧) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 360، والطبري في "تفسيره" 2/ 521، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 439 عن الحسن.
(٣٨) ورد البيت هكذا: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ...
كَبِرْتُ وألا يُحْسِنَ السِّرَّ أمثالي في "ديوانه" ص 28، وفيه: وألا يحسن اللهو.
و"جمهرة أشعار العرب" 1/ 118،117، وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 153: وأن يشهد.
ومعنى السر: النكاح.
وبسباسة: امرأة من بني أسد.
(٣٩) كذا نقَل رواية الكلبي وبيت الشعر من "معاني القرآن" للفراء 1/ 153.
(٤٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 523، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 439.
(٤١) أخرجه الطبري في الموضع السابق.
(٤٢) أخرجه البخاري (5124) كتاب: النكاح، باب: ولا جناح عليكم فيما عرضم به خطبة النساء معلقًا عنه، ورواه موصولًا عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 56، والطبري في "تفسيره" 2/ 522، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 440.
(٤٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 522، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 440.
(٤٤) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 876، انظر المصدرين السابقين.
(٤٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 523.
(٤٦) المصدر السابق.
(٤٧) ينظر ما تقدم عند الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1166 - 1169، والبغوي في "تفسيره" 1/ 283.
(٤٨) البيت من الوافر، وهو للحطيئة في "ديوانه" ص 328، و"أمالي المرتضى" 1/ 175، ومعناه: يصفهم بالعفة والكرم، فهم يعفون عن سر الجارة، ويؤثرون ضيفهم بخير الطعام.
وينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 317.
(٤٩) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي من المقدمة.
(٥٠) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1170، والبغوي في "تفسيره" 1/ 273.
(٥١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1171.
(٥٢) في (ش): (الأسرار).
(٥٣) البيت في "ديوانه" 2/ 24، "تفسير الثعلبي" 2/ 1171، "لسان العرب" 4/ 2292 مادة شفف.
والمشفف: السخيف السيء الخلق، وقيل: الغيور، ويروي: المُشَفْشِف بالكسر عن ابن الأعرابي، وأراد: الذي شَفّت الغيرة فؤاده فأضمرته.
(٥٤) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 562 عن مجاهد، ينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1172، "تفسير البغوي" 1/ 283، "تفسير القرطبي" 3/ 192.
(٥٥) من قوله: (بالخطبة) ساقط من (ش) و (ي).
(٥٦) في (ي): (منكور).
(٥٧) في (ش): (معروفًا يعني منه).
(٥٨) كذا نقله من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 318، وينظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 319، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1173، و"تفسير القرطبي" 3/ 192.
(٥٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 527، "تفسير الثعلبي" 2/ 1173، "البحر المحيط" 2/ 229.
(٦٠) في (م): (والعقود).
(٦١) في (ي): (فالخكطبة).
(٦٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 527، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1172، ومكي في "الإيضاح" 185.
(٦٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 318، "تفسير الثعلبي" 2/ 1173.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ ﴾ الآية: إباحة التعريض بخطبة المرأة المعتدّة، ويقتضي ذلك النهي عن التصريح، ثم أباح ما يضمر في النفس بقوله: أو أكننتم في أنفسكم ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ أي تذكروهنّ في أنفسكم وبألسنتكم لم يخف عليكم وقيل: أي ستخطبونهنّ إن لم تنتهوا عن ذلك ﴿ لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ أي لا تواعدوهنّ في العدة خفية بأن تتزوجوهنّ بعد العدة، وقال مالك فيمن يحطب في العدّة ثم يتزوج بعدها: فراقها أحب إليّ، ثم يكون خاطباً من الخطاب، وقال ابن القاسم: يجب فراقها ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ استثناء منقطع، والقول المعروف: هو ما أبيح من التعريض: كقوله: إنكم لأكفاء كرام، وقوله: إن الله سيفعل معك خيراً، وشبه ذلك ﴿ وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح ﴾ الآية: نهي عن عقد النكاح قبل تمام العدّة، والكتاب هنا: القدر الذي شرع فيه من المدّة، ومن تزوج امرأة في عدّتها يفرق بينهما اتفاقاً، فإن دخل بها حرمت عليه على التأبيد عند مالك؛ خلافاً للشافعي وأبي حنيفة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تضار ﴾ بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.
الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله ﴿ ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد ﴾ بالفتح ﴿ ما أتيتم ﴾ مقصوراً: ابن كثير.
الباقون بالمد ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء وما بعده: المفضل.
الباقون بضم الياء ﴿ النساء أو ﴾ بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.
الباقون ﴿ النساء ﴾ وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ النساء أو ﴾ .
﴿ تماسوهن ﴾ حيث وقعت: علي وحمزة وخلف.
الباقون ﴿ تمسوهن ﴾ ﴿ قدره ﴾ بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون بالإسكان.
الوقوف: ﴿ الرضاعة ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ وسعها ﴾ ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى ﴿ مثل ذلك ﴾ ج ﴿ عليهما ﴾ ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ هـ ﴿ وعشراً ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ هـ ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ط ﴿ أجله ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ فاحذروه ﴾ ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا كررت كلمة "واعلموا" تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق ﴿ حليم ﴾ هـ ﴿ فريضة ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ ومتعوهن ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة الثانية لتقدير المأمور في الأولى ﴿ قدره ﴾ الثاني ج لأن "متاعاً" مصدر "متعوهن" والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين ﴿ بالمعروف ﴾ ج لأن "حقاً" يصلح نعتاً للمتاع أي متاعاً حقاً، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقاً.
﴿ المحسنين ﴾ ط ﴿ النكاح ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ هـ ﴿ بصير ﴾ هـ.
التفسير: الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات.
قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ظاهر اللفظ مشعر بالعموم.
وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق.
وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم.
وأيضاً إنه قال في الآية: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي.
وقال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهماً يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ﴾ ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة.
وإنما كان ندباً من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق.
وقد يفضي الأمر إلى الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار.
﴿ حولين ﴾ أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب.
فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، و ﴿ كاملين ﴾ توكيد كقوله ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ فقد يقال: أقمت عند فلان حولين.
وإنما أقام حولاً وبعض الآخر.
وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب لقوله بعد ذلك ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه.
ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك.
أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام الحولين فلهما ذلك.
وأيضاً فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو قوله "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري.
وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً.
وقرئ ﴿ أن يتم الرضاعة ﴾ برفع الفعل تشبيهاً لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن كلمة "ما" ستارة تقع مصدرية فلا تنصب.
وقرئ ﴿ الرضاعة ﴾ بكسر الراء.
﴿ وعلى المولود له ﴾ وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم.
وإنما قيل: ﴿ المولود له ﴾ دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات.
وفيه تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه ما قال : "الولد للفراش" وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: كله لك فكله عليك.
فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله ﴿ واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً ﴾ ﴿ بالمعروف ﴾ تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضار.
وأيضاً المعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد.
وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة.
والتكليف: الإلزام.
قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه.
فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره.
وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره.
والوسع ما يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة.
من قرأ ﴿ لا تضار ﴾ بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها.
ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحاً، ويحتمل البناءين أيضاً.
وتبيين ذلك أنه قرئ ﴿ لا تضارر ﴾ و ﴿ لا تضارر ﴾ بالجزم وكسر الراء الأولى وفتحها.
ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الزرق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً ونحو ذلك ﴿ ولا يضار مولودٌ له ﴾ امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع.
وهكذا إذا كان مبنياً للمفعول كان نهياً عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر بالزوج من قبلها بسبب الولد.
ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرّط فيما ينبغي له ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد.
وإنما قيل: ﴿ بولدها ﴾ و ﴿ بولده ﴾ لأن المرأة لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد.
قوله ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى كل واحد من هؤلاء.
فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله ﴿ وعلى الوارث ﴾ عطف على قوله ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف.
فالمعنى وعلى وارث المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار.
وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي.
ثم اختلفوا في أنه أيّ وارث هو؟
فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم.
وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة وابن أبي ليلى.
وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه.
وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا الولاد أي الأب والابن.
وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه.
وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما في الدعاء المروي "واجعله الوارث منا" أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ أي فطاماً وليس من باب المفاعلة وإنما هو ثلاثي على "فعال" كالعثار والإباق.
وذلك أن الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.
وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادراً ﴿ عن تراضٍ منهما وتشاور ﴾ مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ في ذلك زادا على الحولين لضعف في تركيب الصبي، أو نقصاً.
وهذه أيضاً توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل إعطاء الأجرة على الإرضاع فيطلب الفطام دفعاً لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذٍ يبعد موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل رفع الحرج فقط.
ولما بيّن حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بيّن أنه يجوز العدول في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا ﴾ أي المراضع أولادكم ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة السين مفعولاً ثانياً كما تقول: أنجا لحاجة واستنجته إياها.
فحذف أحد المفعولين للعلم به.
وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام للعلم به مثل ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.
ومن موانع الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوجٍ آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الإرضاع.
ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج آخر.
ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق.
ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها.
فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم.
﴿ إذا سلمتم ﴾ إلى المراضع ﴿ ما آتيتم ﴾ ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ قرأ ﴿ ما أتيتم ﴾ بالقصر فهو من أتى إليه إحساناً إذا فعله كقوله ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ أي مفعولاً.
وروى شيبّان عن عاصم ﴿ ما أوتيتم ﴾ أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وليس التسليم شرطاً للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى.
وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يداً بيد حتى يكون أهنأ وأطيب لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذٍ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعاً لمعاذيرهن.
ثم أكد الجميع بأن ختم الآية بنوع من التحذير فقال: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ﴾ .
الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة ﴿ والذين يتوفون ﴾ ومعناه يموتون ويقبضون قال: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ وأصل التوفي أخذ الشيء كاملاً وافياً.
ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه وعليه قراءة علي رضي الله عنه ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء.
والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي - بكسر الفاء -؟
فقال: الله.
وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو.
فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم يكن بليغاً وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على متعارف الأوساط ﴿ ويذرون ﴾ يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما بتصاريف ترك.
والأزواج ههنا النساء ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ﴾ مثل قوله ﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ وقد مر.
﴿ وعشراً ﴾ أي يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.
وإنما قيل: ﴿ عشراً ﴾ ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها.
قال في الكشاف: ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.
وقيل في سبب التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني.
وأيضاً هذه الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد عشر مدد كل منها يوم بليلته.
وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية أنه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة.
قلت: ولعل هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك.
وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء.
وعن الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكاً بظاهر عموم الآية، وقياساً على وضع الحمل وإلا إذا كانت المرأة حاملاً فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة لقوله ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ .
ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها النبي : "حللت فانكحي من شئت" .
وعن علي أنها تتربص أبعد الأجلين.
ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها والمدخول بها وغيرها.
وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول.
ورد بعموم الآية، ولهذا أيضاً لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادتها أو لا تراه خلافاً لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها.
فإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده وتحسب أربعة أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس.
واختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟
فعن بعضهم - ويوافقه جديد قول الشافعي - أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما روي أن النبي قال: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه" وأيضاً فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين.
وقال الأكثرون: السبب هو الموت.
فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه المدة.
ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه.
ولا منع منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول الحمام وإزالة الأوساخ.
والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنّها تعصي لما روي أن رسول الله قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" وعن الحسن والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه لكنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل" والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر.
وقد يحتج بقوله ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص الخطاب في ﴿ منكم ﴾ بالمؤمنين.
والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العاملون بذلك كقوله ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ مع أنه منذر للكل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ إذا انقضت عدتهن ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول.
وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلاً وشرعاً.
وقد يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل ههنا على التزويج فيستدلونه به على جواز النكاح بلا ولي.
بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند إلى المسبب مثل "بنى الأمير داراً" وقد تقدم في قوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: ﴿ والله بما يعملون خبير ﴾ .
الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم.
ومنه قول الشاعر: وحسبك بالتسليم مني تقاضياً *** وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ولهذا قيل: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وهو قسم من أقسام الكناية.
والخطبة أصلها من الخطب وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمراً وشأناً في نفسها.
وكذا في الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأناً.
ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل قوله "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافاً لمالك.
وثانيها: ما لا يجوز خطبتها تعريضاً ولا تصريحاً وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت راغباً فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان.
وثالثها: ما يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ.
وسبب ا لتحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة الزوج.
وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب.
قال الشافعي: والتعريض كثير كقوله "رب راغب فيك" أو "من يجد مثلك" أو "لست بأيم" و "إذا حللت فأعلميني".
وعد آخرون من ألفاظ التعريض أو يقول لها: "إنك لجميلة" أو "صالحة" و "من غرضي أن أتزوج" و "عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة" ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه.
والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك.
وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام.
فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟
فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من نبي الله.
قد دخل رسول الله على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده.
فما كانت تلك خطبة ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرحين.
أباح التعريض في الحال أولاً ثم أباح أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض فقال: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبئ عن ذلك فأسقط الله عنه الحرج.
ثم قال: ﴿ ولكن ﴾ أي فاذكروهن ولكن ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه مما يسر.
ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.
والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكداً لذلك التعريض.
فالمواعدة المنهي عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعاً من التصريح، وإما المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة.
وعن ابن عباس أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك.
عن الحسن أو يكون ذلك نهياً عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهياً أن يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه.
ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سراً إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وهو التعريض.
وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه.
والعزم عقد القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى.
وقيل: معنى العزم القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه قوله "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" وروي "لم يبيت الصيام" وقيل: لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا.
وأصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقوداً تشبيهاً بالحبل الموثق بالعقد ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته.
وباقي الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم.
الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز من قائل ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور.
فإن كان مذكوراً فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية التالية، وإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياساً على الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح.
وقد يستنبط حكمها من قوله ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ﴾ ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها وللمفروض لها غير الممسوسة.
وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال القرآن على أحكام جميع الأقسام.
فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.
قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، أو لعل "ما" بمعنى "التي" لا للمدة.
والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.
ولا يلزم منه وجود الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة إذا مالت بثقلها.
ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدوداً إلى غاية هي إما المسيس أو الفرض.
والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر.
وأيضاً إن تطليق النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده.
وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في القسم الأول مقابل المثبت في الثاني.
واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم.
والفرض في اللغة التقدير أي تقدروا مقدراً من المهر.
ومعنى "أو" ههنا أن رفع الجناح منوط بعدم المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا الحكم.
وقيل: إنها بمعنى الواو.
وقيل: بمعنى "إلا أن" وقيل: بمعنى "حتى" والكل تعسف.
ثم إنه لما بيّن أنها لا مهر لها قبل المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: ﴿ ومتعوهن ﴾ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة نظراً إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهراً وهو قول شريح والشعبي والزهري.
وعن مالك: ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه قال في آخر الآية: ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ فجعلها من باب الإحسان.
ورد بأن لفظ "على" منبئ عن الوجوب.
وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً منقضياً ولهذا قيل: الدنيا متاع.
ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة.
﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ أوسع الرجل إذا كان في سعة من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده.
وقدره أي قدراً مكانه وطاقته فحذف المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به.
والقدر والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله للزوجات وبيّن أن الموسع يخالف المقتر.
قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة.
وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى العادة.
وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها.
ثم لما لم يجب زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى.
﴿ متاعاً ﴾ تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسناً فهذا شأنه وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله .
الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ الآية.
واعلم أن مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر.
وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي.
فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً.
والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق فرضاً كان أو نفلاً.
وقوله ﴿ وقد فرضتم ﴾ في موضع الحال.
ومعنى قوله ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت ﴿ لا أن يعفون ﴾ أي المطلقات على أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً؟
والفرق بين قولك "النساء يعفون" وبين "الرجال يعفون" هو أن الواو في الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة الذكور واللام محذوف ووزنه "يعفون" والنون علامة الرفع، فقوله ﴿ أو يعفو ﴾ عطف على محل ﴿ أن يعفون ﴾ والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن الحسن ومجاهد وعلقمة.
وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب.
وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة.
وأيضاً الذي بيد الولي هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.
حجة الأولين أن الصادر عن الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفواً اللهم إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.
أو يقال: سماه عفواً على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل.
فعفو الرجل هو أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.
حجة أخرى لو كان المراد به الزوج وقد قال أولاً: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ناسب أن يقال: ﴿ إلا أن يعفون ﴾ أو تعفو على سبيل الخطاب أيضاً، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على المعنى الذي لأجله يرغب في العفو.
والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.
ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن النكاح لا ينعقد بدون الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم ﴿ بيده ﴾ على ﴿ عقدة النكاح ﴾ فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ قيل: اللام بمعنى "إلى" والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى.
والخطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفواً لبعض عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقرباً إلى ربه فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى العقاب واحترز عنه ﴿ ولا تنسوا الفضل ﴾ لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، وليس نهياً عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك.
وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه.
وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله كلاً منهما إلى تطييب قلب الآخر ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف.
عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها.
فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كملاً فقيل له: لم تزوجتها؟
فقال: عرضها علي فكرهت رده.
قيل: فلم بعثت بالصداق؟
قال: فأين الفضل؟
ثم إنه ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ .
قيل: هي ناسخة لقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾ ، إنها وإن كانت مقدمة في الذكر، وتلك مؤخرة، ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ ، ناسخة لتلك.
إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل؛ ألا ترى إلى ما جاء في الخبر: "أن امرأة أتت رسول الله ، [فذكرت: أن بنتاً لها توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، وهي تريد أن تكحلها.
فقال رسول الله : قد كانت] إحداكن في الجاهلية تجلس حولاً في منزلها ثم تخرج عند رأس الحول، فترمي بالبعر، وإنما هي أربعة أشهر وعشرا" .
فثبت أن ما كان ذلك مما تقدم الأمر به، نسخ بالثاني.
وقال آخرون: إنه قد أثبت في الآية متاعاً أو وصية، ثم ورد النسخ على كل وصية كانت للوارث بقوله : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" .
وإلا كان الاعتداد الواجب اللازم هو أربعة أشهر وعشراً.
وأمكن أن يستدل بقوله: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾ ، إذا كان على إثر قوله: ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ أن قوله: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾ ، كان النهي على (الإخراج)، دون (الخروج).
وهذا أصل في الوصايا بالمتاع: ألا يمنع الرد وإن أجبر على التسليم.
وفي الآية دلالة جواز الوصية بالسكنى إذا بطلت بحق الميراث، لا بحق الوصية - والله الموفق - وهو جائز فيمن لم تنسخ له الوصية.
وأمكن الاستدلال بالآية على عدة الوفاة بالحبل إن ثبت ما روي: "أنه يكون أربعين يوماً نطفة، وأربعين يوماً علقة، وأربعين يوماً مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشرة" فإذا كان ما ذكرنا أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر ليتبين الحبل إن كان بها.
وإذا كان بهذا معنى العدة فإذا ولدت بدونه انقضت العدة.
والله أعلم.
فإن قيل: الأمة أليست لا تختلف عن الحرة في تبيين الحبل، ثم لم يجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا، فإذا لم يجعل ذلك كيف لا بان أن الأمر بتربص أربعة أشهر وعشرا إلا لهذا المعنى؟
قيل: لوجهين: أحدهما: أن الحرائر هن الأصول في النكاح، وفيهن تجري الأنكحة، فيخرج الخطاب لهن.
والثاني: أنها حق أخذت الحرة، والحقوق التي تأخذ الحرائر هن الأصول في النكاح، إذا صرف ذلك إلى الإماء تأخذ نصف ما تأخذ الحرائر.
والثالث: أنه لا يقصد آجالهن؛ لما فيه رق الولد واكتساب الذل والدناءة.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: تعتد أبعد الأجلين احتياطاً.
ذهب في ذلك إلى أن الاعتداد بوضع [الحبل إذا ذكر] في الطلاق، ولم يذكر في الوفاة؛ فيحتمل أن يكون ذلك في الوفاة كهو في الطلاق ويحتمل ألا يكون، فأمرها بذلك احتياطاً.
وأما عندنا: ما روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، أنهم قالوا: إذا وضعت ما في بطنها، وزوجها على السرير، انقضت عدتها.
وكذلك روي عن رسول الله : "أن امرأة مات عنها زوجها، وكانت حاملاً، فوضعت بعد ذلك بأيام، فأذن لها بالنكاح" ثم الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا، ما روي عن رسول الله ، أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا" فإن قيل: أليس وجب ذلك على المطلقة، والخبر إنما جاء في الموت، [قيل: ليس للموت ما وجب ولكن لمعنى في الموت] وهو فوت النعمة في الدين، وذلك الفوت في الطلاق كهو في الموت؟!
ألا ترى أنه لم يجب ذلك في موت أبيها ولا في موت ولدها، دل أنه لم يجب للموت نفسه، ولكن لفوت النعمة في الدين؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أن المرأة الصالحة مفتاح الجنة، فأمرت بإظهار الحزن على ما فات منها من النعمة بترك الزينة والتشوف؛ إذ النكاح نعمة.
ثم الدخول بها سواء في وجوب المهر والعدة وترك الزينة وإظهار الحزن على فوت النعمة، وأما المطلقة قبل الدخول بها لم يلزمها ذلك؛ لأن العدة لم تلزمها فتتجدد لها النعمة، لما لها أن تنكح للحال، فتكتسب نعمة.
والله أعلم.
ألا ترى أن الصبي الصغير إذا مات عن امرأته تلزمها أربعة أشهر وعشر، دل هذا على أن وجوبها لفوت النعمة.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .
قوله: ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ ﴾ [قيل: لا تبعة عليكم ولا إثم ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ ﴾ قيل: تزين بعد انقضاء عدة، وقيل: المعروف هو وضعهن أنفسهن]، أي في الأكفاء بمهر مثلهن.
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ ﴾ .
قيل: (التعريض) هو أن يرى من نفسه الرغبة فيما يكنى به من الكلام، على ما ذكر في الخبر: "أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول الله فقال لها: إذا انقضت عدتك فآذنيني، فاستأذنته في رجلين كانا خطباها، فقال لها: أما فلان فإنه لا يرفع العصا عن عاتقه، وأما فلان فإنه صعلوك لا شيء له؛ فعليك بأسامة بن زيد" .
فكان قوله : "فآذنيني" كناية خطاب إلى أن أشار على أسامة، دون ما ذكره أهل التأويل: "إنك لجميلة"، و"إنك لتعجبينني"، و"ما أجاوز إلى غيرك"، أو "إنك لنافعة"، ومثل هذا لا يحل أن يشافه لامرأة أجنبية لا يحل له نكاحها.
وفي الآية دلالة أن لا بأس للمتوفي عنها زوجها الخروج بالنهار [لما ذكر من التعريض] لأن الرجل لا يأتيها منزلها فيعرض لها، ولكن المرأة قد تخرج من منزلها فتصير في مكان احتمال التعريض، فعند ذلك يقول لها ما ذكرنا.
وعلى ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله : "أن امرأة مات زوجها، فأتته، فاستأذنته للاكتحال، لم يأت أنه نهاها عن الخروج" .
وما روي عن عمر، وابن مسعود، رضي الله عنهما، بالإذن لهن بالخروج بالنهار، والنهي عن البيتوتة في غير منزلهن.
ولأن المتوفي عنها زوجها مؤنتها على نفسها، فلا بد لها من الخروج.
وأما المطلقة فإن مؤنتها على زوجها، والزوج هو الذي يكفي مؤنتها ويزيح علتها؛ لذلك افترقا.
والله أعلم.
ثم (التعريض) لا يجوز في المطلقة لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا ألا يباح لها الخروج من منزلها ليلاً ولا نهاراً، والمتوفي عنها زوجها يباح لها الخروج.
وإنما ذكر الله وتعالى التعريض في المتوفي عنها زوجها، لم يذكره في المطلقة.
والثاني: أن في تعريض المطلقة اكتساب عداوة وبغض فيما بينه وبين زوجها؛ إذ العدة من حقه.
دليله: أنه إذا لم يدخل بها لم تلزمها العدة، وأما المتوفي عنها زوجها لزمتها العدة وإن لم يدخل بها؛ لذلك يجوز التعريض في المتوفي عنها زوجها، ولا يجوز في المطلقة.
قال الشيخ: - رحمه الله -: "ولأن زوجها في الطلاق حي، يعلم ما يحدث بينهما الضغن والمكروه في الحال، وليس ذلك في الوفاة".
وقوله : ﴿ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني أخفيتم تزويجها في السر.
وقوله: ﴿ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ .
سرّاً وعلانية.
وقيل: يعني الخطبة في العدة.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ .
قيل فيه بأوجه: قيل: لا تأخذوا منهن عهداً ألا يتزوجن غيركم.
وقيل: ﴿ لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ ، يعني الزنى.
و(السر) الزنا في اللغة.
وقيل: (السر) الجماع؛ تقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحوه.
ثم قال : ﴿ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .
يقول لها قولا ليناً حسناً، ولا يقول لها قولا يحملها على الزنى، أو على ما يظهر من نفسها الرغبة فيه، على ما ذكر في الآية: ﴿ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، وأن يعد لها عدة حسنة، أو أن يبر ويحسن إليها لترغيب فيه، ولا يقول لها ما لا يحل ولا يجوز.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ .
قيل: هو على الإضمار، كأنه قال: "لا تعزموا على عقدة النكاح".
وقيل: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ﴾ ، لا تعقدوا ﴿ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ ، يعني بالكتاب: ما كتب عليها من العدة حتى تنقضي تلك.
وفيه دليل حرمتها على الأزواج لبقية الملك، فالخطاب للأجنبيين، لا للأزواج؛ إذ للأزواج والإقدام على النكاح وإن كن في عدة منهم.
قال الشيخ، رضي الله عنه، في قوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ ﴾ : حمل على التحريم، وإن احتمل الذي هو بهذا المخرج غير التحريم؛ لاتفاق الأمة على صرف المراد إليه، ولقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ ، أي: ما كتب عليها من التربص، ولما كان النهي عن ذلك بما لزمها العدة للزوج الأول فهي باقية بها على ما سبق من النكاح المحرِّم لها على غيره؛ فلذلك بقيت الحرمة، ولهذا جاز لمن له العدة النكاح فيها؛ إذ لا يجوز أن يمنع حقه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ﴾ .
وهو حرف وعيد، أي يعلم ما تضمرون في القلوب وتظهرون باللسان من التعريض، ﴿ فَٱحْذَرُوهُ ﴾ ولا تخالفوا أمره ونهيه.
وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .
فيه إطماع المغفرة وإمهال العقوبة من ارتكب النهي وخالف أمره.
والله أعلم.
﴿ وَٱعْلَمُوۤاْ...
﴾ الآية، حذره علمه بما في أنفسهم، ليكونوا مراقبين له فيما أسروا [وأعلنوا]، وليعلموا أنهم مؤاخذون بما أضمروا من المعاصي والخلاف له، وأن الذي لا يؤاخذ به العبد هو الخطر بالبال، لا بالعزم عليه والاعتقاد.
ثم أخبر أنه ﴿ غَفُورٌ ﴾ ؛ ليعلموا أن استتار ذلك مما غفره وأنهم قد استوجبوا بفعلهم الخزي، لكن الله بفضله ستره عليهم ليشكروا عظيم نعمه، أو لئلا ييأسوا من رحمته فيستغفروه.
وذكر ﴿ حَلِيمٌ ﴾ ؛ لئلا يغتروا بما لم يؤاخذوا بجزاء ما أضمروا في ذلك الوقت، فيظنون الغفلة عنه، كقوله عز وجل: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ولا إثم عليكم في التلميح بالرغبة في خطبة المعتدة من وفاة أو طلاق بائن، دون التصريح بالرغبة؛ كأن يقول: إذا انقضت عِدَّتُكِ فأخبريني، ولا إثم عليكم فيما أخفيتم في أنفسكم من الرغبة في نكاح المعتدة بعد انقضاء عدتها، علم الله أنكم ستذكرونهن لشدة رغبتكم فيهن، فأباح لكم التلميح دون التصريح، واحذروا أن تتواعدوا سرًّا على النِّكَاح وهن في مدة العدة، إلا وفق المعروف من القول وهو التعريض، ولا تُبرموا عقد النِّكَاح في زمن العدة، واعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه في أنفسكم مما أباح لكم وحرم عليكم فاحذروه، ولا تخالفوا أمره، واعلموا أن الله غفور لمن تاب من عباده، حليم لا يعاجل بالعقوبة.
<div class="verse-tafsir" id="91.OL6GM"
لايزال الكلام في أحكام النساء من حيث هن أزواج يمسكن ويسرحن، فيراجعن أو يبتتن، وفي حقوقهن حينئذٍ في أولادهن، وكل ما قد مر تفسيره، وقد ذكر في هاتين الآيتين أحكام من يموت بعولتهن، ماذا يجب عليهن من الحداد والاعتداد ومتى تجوز خطبتهن ومتى يتزوجن؟
قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾ أي يتوفاهم الله تعالى أي يقبض أرواحهم ويميتهم، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ فإذا حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول هذا هو المستعمل الفصيح.
﴿ وَيَذَرُونَ أزواجًا ﴾ أي يتركون زوجات، والفصيح استعمال لفظ الزوج في كل من الرجل وامرأته ويجمع في الاستعمال على أزواج قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ والزوج في الأصل العدد المكون من اثنين، وقد اعتبر في تسمية كل من الرجل وامرأته ﴿ زَوْجًا ﴾ أن حقيقته من حيث هو زوج مكونة من شيئين اتحدا فصارا شيئًا واحدًا في الباطن وإن كانا شيئين في الظاهر، ولذلك وضع لهما لفظ واحد ليدل على أن تعدد الصورة لا ينافي وحدة المعنى، أريد أن هذا اللفظ المشترك يشعر بأن من مقتضى الفطرة أن يتحد الرجل بامرأته والمرأة ببعلها بتمازج النفوس ووحدة المصلحة حتى يكون كل منهما كأنه عين الآخر.
وقوله تعالى ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ خبر لما قبله أي يتربصن بعد وفاتهم هذه المدة، وتقدم الكلام في مثله في تفسير قوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ فارجع إليه إن كنت نسيت ما في التعبير من آيات البلاغة.
والمعنى أن عدة النساء اللائي يموت أزواجهن أربعة أشهر وعشر ليال، لا يتعرضن فيها للزواج بزينة ولا خروج من المنزل بغير عذر شرعي، ولا يواعدن الرجال بالزواج، وقد يتعارض هذا مع قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ فهل يقال إن ما هنا خاص بغير الحوامل؟
أم ما هنالك خاص بالمطلقات؟
الظاهر الثاني لأن الكلام هنالك في الطلاق والسورة سورته فهو خاص، والآية التي نحن بصدد تفسيرها عامة في كل من يتوفى زوجها، لأن الله تعالى جعل عدتها طويلة، وفرض عليها الحداد على الزوج مدة العدة، مع تحريم السنة الحداد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام، اهتمامًا بحقوق الزوجية وتعظيمًا لشأنها، ولكن الجمهور على القول الأول، وإن الحامل التي يموت زوجها إذا وضعت تنقضي عدتها ولو بعد الموت بيوم أو ساعة، واحتجوا بحديث سبيعة الأسلمية عند أبي داود فإنها قالت إن النبي أفتاها بأنها حلت حين وضعت حملها، وكانت ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر، ويروي عن علي وابن عباس (رضى الله عنهما) أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطًا، فأي آية كانت عند الله هي المخصصة للأخرى كانت عاملة بها.
فإذا سأل سائل عن الحكمة في كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؟
فالجواب: أن مثل هذا ليس علينا أن نبحث عنه، وإنما نبحث عما يشير الكتاب إلى حكمته إشارة ما.
ويقول بعض الناس إن ما يحصل من فراق الزوج من الحزن والكآبة عظيم يمتد إلى أكثر من مدة ثلاثة قروء أو ستين يومًا فبراءة الرحم إن كانت تعرف بهذه المدة فلا يكون استعراف براءته من الحمل مانعًا من الزواج فبراءة النفس من كآبة الحزن تحتاج إلى مدة أكثر منها، والتعجيل بالزواج مما يسيء أهل الزوج ويفضي إلى الخوض في المرأة بالنسبة إلى ما ينبغي أن تكون عليه من عدم التهافت على الزواج، وما يليق بها من الوفاء للزوج والحزن عليه.
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ أي أتممن عدتهن ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، مما كان محظورًا عليهن في العدة من التزين، والتعرض للخطاب، والخروج من المنزل، وقيد ذلك بالمعروف أي شرعًا وأدبًا عرفيًا، لأنهن إذا أتين بالمنكر وجب منعهن.
واختلفوا في الخطاب هنا فقيل هو للأولياء لأن هذا من مقدمات الزواج الذي يتولونه، وقيل للمسلمين كافة يتولاه منهم من هو قادر عليه من العارفين به وهو المختار كما علم مما سبق له من النظائر.
لا تقل إن الآية لم تنطق بما يحظر على المرأة في هذه العدة، فنقول.
إن نفي الجناح متعلق به، لأن ما علم من الناس بالسنة المتبعة والأخبار الصحيحة في أمر نزل فيه قرآن يتعين حمل القرآن عليه.
روى الشيخان من حديث حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (والدها) فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق وغيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة شهر وعشرًا".
قالت زينب وسمعت أمي أم سلمة تقول جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟
فقال رسول الله :"لا" مرتين أو ثلاثًا - كل ذلك يقول "لا" ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
قال حميد فقلت لزينب: ما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟
فقالت زينب كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر سنة، ثم يؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتقتض به فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره، وروى أحمد والشيخان من حديث أم سلمة أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها فأتوا رسول الله فاستأذنوه في الكحل فقال: "لا تكتحل، كانت إحداكن تمكث في أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة- فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشر "وفي رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك" ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالًا لها".
فأنت ترى من هذه الأحاديث الصحيحة أن العرب على غلوها في الحداد، وكثرة منكراتها في النوح والندب، كانت تعتاد أمورًا خرافية فيه، وكانت المرأة تحد على زوجها شر حداد وأقبحه، فتلزم شر أحلاسها في شر جانب من بيتها وهو الحفش سنة كاملة لا تمس طيبًا ولا زينة ولا تبدو للناس في مجتمعهم، ثم تخرج من ذلك بما علمت.
أما الأحلاس فهي جمع حلس (بكسر فسكون وبالتحريك) وهو في الأصل ما يكون على الظهر تحت القتب أو السرج أو البرذعة، ويطلق على الكساء الرقيق وعلى ما يجلس عليه من مسح ونحوه، والحفش بكسر المهملة البيت الصغير المظلم داخل البيت ويسمون مثله في الحجرات الآن "خزنة" والاقتضاض بالدابة بالقاف هو التمسح بها، قيل كانت تمسح به جلدها وقيل ما هنالك، قال ابن قتيبة سألت الحجازيين عن الاقتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تقتض أي تكسر ما كانت فيه من العدة بطائر تمسح به قُبُلَهَا فلا يكاد يعيش ما تقتض به، والمراد أنه يموت من نتنها.
وأما عادة مرور الكلب ورمي البعرة فظاهر الرواية أن المعتدة كانت في آخر العدة تنتظر مرور الكلب لترميه بالبعرة وإن طال الزمان، وبه قال بعضهم، وقيل بل ترمي بها ما عرض من كلب أو غيره، وقالوا إن المعنى في ذلك عندهم أن ما فعلته في التربص في تلك المشقة والجهد هو عندها بمنزلة البعرة التي رمتها احتقارًا له وتعظيمًا لحق زوجها.
وقيل هو إشارة إلى رمي العدة والتفلت منها.
وقيل بل هو تفاؤل بعدم العود إلى مثلها وتمني أن تموت في كنف من عساها تتزوج به.
إذا علمت هذا وأمثاله مما كانت عليه العرب من العادات السخيفة والخرافات الشائنة المهينة للمرأة، يظهر لك شأن ما جاء به الإسلام من الإصلاح في ذلك، إذ جعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه، ولم يحرم فيها إلا الزينة والطيب، والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدي التزوج، دون النظافة والجلوس في كل مكان من البيت مع النساء والمحارم من الرجال.
وهذا الذي أمر به الإسلام يليق ويحسن في كل شعب وجيل في كل زمن وعصر، لا يشق على بدو ولا حضر، وقد رأيت أن سعة الدين وتكريمه للنساء قد كادت تنسي المسلمات ما لم يبعد العهد به من عادتهن وتخرج بهن من كل قيد، حتى استأذن من استأذن منهن بالكحل بحجة الخيفة على العين من المرة أو الرمد حتى ذكرهن بذلك .
واستشكل في الحديث المنع من الكحل للتداوي كما هو ظاهر من قولها "فخشوا على عينها" مع ما علم من أصول الشريعة التي لا خلاف فيها من انتفاء العسر والحرج، ومن كون الضرورات تبيح المحظورات وكون الضرر والضرار ممنوعين، ومن الترخيص في الكحل للتداوي بالليل دون النهار -لأن الليل أبعد من مظنة الزينة- في حديث الموطأ عن أم سلمة، وفيه أن رسول الله قال: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" وحديث أبي داود: "فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار".
وأجيب عن حديث النهي بأجوبة منها حمله على كحل الزينة كأنه علم بالقرينة أن السؤال كان عنه أو لأجله، ومنها غير ذلك مما لا حاجة لاستيفائه هنا، وينبغي أن نتذكر أن الليل صار كالنهار في أمصارنا أو أشد إظهارًا للزينة.
هذا ما جاء به الإسلام من الإصلاح في هذه المسألة الاجتماعية ومن أراد الاعتبار فلينظر إلى حظ المسلمين اليوم من هديه فيها.
المسلمون لا يسيرون اليوم على طريقة واحدة وإنما هم طرائق قدد، فمن نسائهم من يغلون في الحداد، ويغرقن في النوح والندب والخروج من العادات في كيفية المعيشة بالبيوت حتى يزدن في بعض ذلك على ما كان يكون من نساء الجاهلية، وليس لهن في ذلك حد ولا أجل يتساوين فيها، ولا يخصص الزوج بما خصه به الشرع، بل ربما حددن على الولد سنة أو سنين، وربما تركن الحداد على الزوج بعد الأربعين، يختلف ذلك فيهن باختلاف البلاد والطبقات والبيوت، فإياكم نسأل أبناء العصر الجديد الذين يرون أن أنفسهم ارتقت في المدنية والاجتماع إلى أفق يستغنون فيه عن هدى الدين: هل تجدون لنا سبيلًا إلى إصلاح هذه العادات الرديئة في الحداد الذي لا حد له ولا نظام، ولا فائدة فيه لأحد بل كله غوائل بما يفني من المال في تغيير اللباس والأثاث والرياش والماعون وغير ذلك، وما يفسد من آداب المعاشرة ويسلب من هناء المعيشة، وما يفعل في صحة الكثيرين ولا سيما ضعاف المزاج وأهل الأمراض؟
اصلحوا لنا بعلومكم وفلسفتكم هذه العادات الرديئة بإرجاعها إلى ما قرره الشرع من الحداد ثلاثة أيام على القريب، وأربعة أشهر وعشر على الزوج، ويجعل هذا الحداد قاصرًا على ترك الزينة والطيب وعدم الخروج من البيت، أو بما هو خير من ذلك إن أمكن، وإلا فاعلموا أن لا صلاح لنا إلا بالاعتصام بهدى الدين الذي تحاربونه كل ساعة بأعمالكم وخلالكم، وعاداتكم ولذاتكم، وما تحاربون إلا أنفسكم وما تشعرون.
﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ محيط بدقائق عملكم لا يخفى عليه منه شيء فإذا الزمتم النساء الوقوف معكم عند حدوده أصلح أحوالكم، ورفه معيشتكم في الدنيا، وأحسن جزاءكم في الآخرة، وإن لم تفعلوا أخذكم في الدارين أخذًا وبيلًا ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ .
ومن مباحث اللفظ في الآية أن الفصيح المستعمل في التعبير عن الموت بالتوفي أن يقال توفي فلان بالبناء للمفعول وعليه القراءة المتواترة في الآية ﴿ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ وقرئ في الشواذ عن علي ﴿ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ بالبناء للفاعل وفسر بيستوفون آجالهم، فإن معنى التوفي أخذ الشيء وقبضه وافيًا تامًا.
وكانوا يعدون التعبير عن الميت بالتوفي بصيغة اسم الفاعل لحنًا لأنه مقبوض لا قابض، كما روي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان خلف جنازة فقال له رجل من المتوفي ؟
فقال "الله تعالى "وكان هذا من أسباب أمر علي كرم الله وجهه إياه بوضع بعض أحكام النحو.
ومنها مسألة المطابقة بين المبتدأ وهو ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ والخبر وهو جملة ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ فإنها غير جلية على قواعد النحو، وإن كان المعنى جليًا، والتأليف عربيًا، وقال قدر بعضهم لفظ زوجات مضافًا محذوفًا أي: وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن إلخ ولا لزوم له، لأنه لا يكون معه فائدة لقوله ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ ما فيه من التكلف، ويروون عن سيبويه أن الخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم من حكم الذين يتوفون منكم: والراجح ما قاله الكسائي ومثله الأخفش، وهو أن الرابط بين المبتدأ والخبر في مثل هذا التعبير هو الضمير العائد إلى الأزواج الذي هو من متعلقات المبتدأ فهو راجع إلى المبتدأ كأنه قال "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربص أزواجهم أربعة أشهر وعشرًا" وهو ينطبق على استعمال اللغة.
وهناك وجه آخر يرجع إليه وهو صحة الإخبار عن المبتدأ بما يرجع إليك كقول الشاعر: لعلي إن مالت بي الريح ميلة إلى ابن أبي ذبيان أن يتندما فمراد الشاعر الإخبار عن تندم ابن أبي ذبيان، والأخبار في اللغة لا يراعى بها إلا صحة المعنى وكونه مفهومًا كما تقدم في تفسير ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى ﴾ .
ولما كان من شأن الراغبين في التزوج بمن يتوفى زوجها المسارعة إلى خطبتها بَيّن للمؤمنين ما يتعلق بذلك من الأحكام والآداب اللائقة بهم وبكرامة النساء في مدة العدة فقال: ﴿ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ فالمراد بالنساء المعتدات لوفاة أزواجهن، قالوا، ومثلهن المطلقات طلاقًا بائنًا، وأما الرجعيات فلا يجوز التعريض لهن لأنهن لم يخرجن عن عصمة بعولتهن بالمرة.
والتعريض في الأصل إمالة الكلام عن منهجه إلى عرض منه وهو الجانب، ويقابله التصريح فهو أن تفهم المخاطب ما تريد بضرب من الإشارة والتلويح يحتمله الكلام على بعد بمعونة القرينة، وفي الكشاف هو أن تذكر شيئًا تدل به على شيء لا تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم.
والخطبة بالكسر من الخطاب أو الخَطب وهو الشأن العظيم وهي طلب الرجل المرأة للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، وأما الخطبة بالضم فهي ما يوعظ به من الكلام.
والإكنان في النفس هو ما يضمره مريد الزواج في نفسه ويعزم عليه من التزوج بالمرأة بعد انقضاء العدة.
أباح الله تعالى أن يعرض الرجل للمرأة في العدة بأمر الزواج تعريضًا، وقرن ذلك بما يكون من النية في القلب والعزم المستكن في الضمير كأنه مثله في تعذر الاحتراز منه أو تعسره، ولم يحرم عليهم أن يقطعوا في هذا الأمر بأنفسهم لأن الأمر أمر ديني بل راعى فيما شرعه لهم ما فطرهم عليه ولذلك ذكر وجه الرخصة فقال: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ في أنفسكم، وخطرات قلوبكم ليست في أيديكم، ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم وتصبروا عن النطق لهن بما في أنفسكم، فرخص لكم في التعريض دون التصريح، فقفوا عند حد الرخصة ﴿ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ أي في السر فإن المواعدة السرية مدرجة الفتنة، ومظنة الظنة، والتعريض يكون في الملأ لا عار فيه ولا قبح، ولا توسل إلى ما لا يحمد، وذهب جمهور العلماء إلى أن السر هنا كناية عن النكاح أي لا تعقدوا معهن وعدًا صريحًا على التزوج بهن.
وعبر عن النكاح بالسر لأنه يكون سرًا في الغالب، وروي عن ابن عباس أنه قال المواعدة سرًا أن يقول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غير ونحو هذا: وقيل هي المواعدة على الفاحشة، والدليل على أن النهي عام يراد به تحريم الكلام الصريح معها في الخلوة قوله ﴿ إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ هو ما يعهد مثله بين الناس المهذبين بلا نكير كالتعريض.
وجملة القول أنه لا يجوز للرجال أن يتحدثوا مع النساء المعتدات عدة الوفاة في أمر الزواج بالسر ويتواعدوا معهن عليه، وكل ما رخص لهم فيه هو التعريض الذي لا ينكر الناس مثله في حضرتهن، ولا يعدونه خروجًا عن الأدب معهن، والفائدة منه التمهيد وتنبيه الذهن حتى إذا تمت العدة كانت المرأة عالمة بالراغب أو الراغبين، فإذا سبق إلى خطبتها المفضول ردته إلى أن يجيء الأفضل عندها.
وقد أوضح الأمر وسلك فيه مسلك الإطناب لأن الناس يتساهلون في مثل هذه الأمور لما لهم من دافع الهوى إليها، ولذلك صرح بما فهم من سابق القول من جواز القصد إلى العقد بعد تمام العدة فقال: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾ أي على عقدة النكاح على حذف "على" ويقال عزم الشيء وعزم عليه واعتزمه أي عقد ضميره على فعله، أو المعنى لا تعقدوا عقدة النكاح وهو العزم المتصل بالعمل لا ينفصل عنه ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ أي حتى ينتهي ما كتب وفرض من العدة، فالكتاب بمعنى المكتوب أي المفروض أو بمعنى الفرض قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ وإنما عبر عن الفرضية المحتمة بلفظ الكتاب لأن ما يكتب يكون أثبت وأكد وأحفظ، وفسر بعضهم الكتاب بالقرآن، على أن المراد به العدة أيضًا، كأنه قال: حتى يتم ما نطق به القرآن من مدة العدة.
والحاصل أن التزوج بالمرأة في العدة محرم قطعًا، ولأجله حرمت خطبتها فيها والعقد باطل بإجماع المسلمين.
ثم قال ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ أي يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم فاحذروا أن تعزموا ما حظره عليكم منه من قول وعمل، وهذا التحذير راجع للأحكام التي تقدمت من التعريض وغيره جاء على أسلوب القرآن وسنته في قرن الأحكام بالموعظة ترغيبًا وترهيبًا تأكيدًا للمحافظة عليها والالتفات إليها، ولا يقال إن العلم بما بالنفس أعم من الخبر بالعمل، فيستغنى عن هذا بما ختمت به الآية السابقة، لأن لكل كلمة مما ورد في هذا الكلام أثرًا مخصوصًا في النفس، والمقصود واحد.
وما دامت الحاجة ماسة إلى شيء فلا يقال إن في الإتيان به تكرارًا مستغنى عنه وإن كثر وتعدد ولو بلغ الألوف بلفظه، فكيف به إذا تنوع بعموم أو خصوص أو غير ذلك وقوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ بعدما ورد من الوعيد والتشديد في الآيات السابقة يبيّن أن للإنسان مخرجًا بالتوبة إذا هو تعدى شيئًا من الحدود وأراد الرجوع إلى الله تعالى فإنه غفور له حليم لا يعجل بعقوبته، بل يمهله ليصلح بحسن العمل، ما أفسد بما سبق من الزلل..
<div class="verse-tafsir"