الآية ٢٣٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٦ من سورة البقرة

لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ٢٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 215 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها .

قال ابن عباس ، وطاوس ، وإبراهيم ، والحسن البصري : المس : النكاح .

بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها ، والفرض لها إن كانت مفوضة ، وإن كان في هذا انكسار لقلبها ; ولهذا أمر تعالى بإمتاعها ، وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله ، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره .

وقال سفيان الثوري ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : متعة الطلاق أعلاه الخادم ، ودون ذلك الورق ، ودون ذلك الكسوة .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : إن كان موسرا متعها بخادم ، أو شبه ذلك ، وإن كان معسرا أمتعها بثلاثة أثواب .

وقال الشعبي : أوسط ذلك : درع وخمار وملحفة وجلباب .

قال : وكان شريح يمتع بخمسمائة .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين قال : كان يمتع بالخادم ، أو بالنفقة ، أو بالكسوة ، قال : ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف ويروى أن المرأة قالت : متاع قليل من حبيب مفارق وذهب أبو حنيفة ، رحمه الله ، إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها .

وقال الشافعي في الجديد : لا يجبر الزوج على قدر معلوم ، إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة ، وأحب ذلك إلي أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة .

وقال في القديم : لا أعرف في المتعة قدرا إلا أني أستحسن ثلاثين درهما ; لما روي عن ابن عمر ، رضي الله عنهما .

وقد اختلف العلماء أيضا : هل تجب المتعة لكل مطلقة ، أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها ؟

على أقوال : أحدها : أنه تجب المتعة لكل مطلقة ، لعموم قوله تعالى : ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) [ البقرة : 241 ] ولقوله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) [ الأحزاب : 28 ] وقد كن مفروضا لهن ومدخولا بهن ، وهذا قول سعيد بن جبير ، وأبي العالية ، والحسن البصري .

وهو أحد قولي الشافعي ، ومنهم من جعله الجديد الصحيح ، فالله أعلم .

والقول الثاني : أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس ، وإن كانت مفروضا لها لقوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ) [ الأحزاب : 49 ] قال شعبة وغيره ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب قال : نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآية التي في البقرة .

وقد روى البخاري في صحيحه ، عن سهل بن سعد ، وأبي أسيد أنهما قالا تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل ، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنما كرهت ذلك ، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين .

والقول الثالث : أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ، ولم يفرض لها ، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة ، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول ، وجب لها عليه شطره ، فإن دخل بها استقر الجميع ، وكان ذلك عوضا لها عن المتعة ، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها .

وهذا قول ابن عمر ، ومجاهد .

ومن العلماء : من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول : وهذا ليس بمنكور وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب ; ولهذا قال تعالى : ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) [ البقرة : 241 ] .

ومن العلماء من يقول : إنها مستحبة مطلقا .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا كثير بن شهاب القزويني ، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق ، حدثنا عمرو يعني ابن أبي قيس عن أبي إسحاق ، عن الشعبي قال : ذكروا له المتعة ، أيحبس فيها ؟

فقرأ : ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) قال الشعبي : والله ما رأيت أحدا حبس فيها ، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " لا جناح عليكم "، لا حرج عليكم إن طلقتم النساء.

(79) يقول: لا حرج عليكم في طلاقكم نساءكم وأزواجكم، &; 5-118 &; =" ما لم تماسوهن "، (80) يعني بذلك: ما لم تجامعوهن.

* * * " والمماسة "، في هذا الموضع، كناية عن اسم الجماع، كما: - 5190- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع= وحدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر= قالا جميعا، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: المس الجماع, ولكن الله يكني ما يشاء بما شاء.

(81) 5191- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: المس: النكاح.

* * * قال أبو جعفر: وقد اختلف القرأة في قراءة ذلك.

(82) فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والبصرة: " ما لم تمسوهن "، بفتح " التاء " من " تمسوهن ", بغير " ألف "، من قولك: مسسته أمسه مسا ومسيسا ومسيسى " مقصور مشدد غير مجرى.

وكأنهم اختاروا قراءة ذلك، إلحاقا منهم له بالقراءة المجتمع عليها في قوله: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [سورة آل عمران: 47، سورة مريم: 20].

* * * وقرأ ذلك آخرون: " ما لم تماسوهن "، بضم " التاء والألف " بعد " الميم "، إلحاقا منهم ذلك بالقراءة المجمع عليها في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [سورة المجادلة: 3]، وجعلوا ذلك بمعنى فعل كل واحد من الرجل والمرأة بصاحبه من قولك: " ماسست الشيء أماسه مماسة ومساسا.

(83) &; 5-119 &; * * * قال أبو جعفر: والذي نرى في ذلك، أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، متفقتا التأويل, وإن كان في إحداهما زيادة معنى، غير موجبة اختلافا في الحكم والمفهوم.

وذلك أنه لا يجهل ذو فهم إذا قيل له: " مسست زوجتي"، أن الممسوسة قد لاقى من بدنها بدن الماس، ما لاقاه مثله من بدن الماس.

فكل واحد منهما = وإن أفرد الخبر عنه بأنه الذي ماس صاحبه= (84) معقول بذلك الخبر نفسه أن صاحبه المسوس قد ماسه.

(85) فلا وجه للحكم لإحدى القراءتين= مع اتفاق معانيهما, وكثرة القرأة بكل واحدة منهما= (86) بأنها أولى بالصواب من الأخرى, بل الواجب أن يكون القارئ، بأيتهما قرأ، مصيب الحق في قراءته.

* * * قال أبو جعفر: وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن "، المطلقات قبل الإفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق.

وإنما قلنا أن ذلك كذلك, لأن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين: إما مسمى لها الصداق, أو غير مسمى لها ذلك.

فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله تعالى ذكره، أن المعنية بقوله: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن "، إنما هي المسمى لها.

لأن المعنية بذلك، لو كانت غير المفروض لها الصداق، لما كان لقوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، معنى معقول.

إذ كان لا معنى لقول قائل: " لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه، أو ما لم تفرضوا لهن فريضة ".

فإذا كان لا معنى لذلك, فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك: لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق قبل أن تماسوهن, وغير المفروض لهن قبل الفرض.

* * * &; 5-120 &; القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أو تفرضوا لهن "، أو توجبوا لهن.

وبقوله: " فريضة "، صداقا واجبا.

كما: - 5192- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " أو تفرضوا لهن فريضة "، قال: الفريضة: الصداق.

* * * وأصل " الفرض ": الواجب, (87) كما قال الشاعر: كــانت فريضــة مـا أتيـت كمـا كــان الزنــاء فريضــة الرجـم (88) يعني: كما كان الرجم الواجب من حد الزنا.

ولذلك قيل: " فرض السلطان لفلان ألفين ", (89) يعني بذلك: أوجب له ذلك، ورزقه من الديوان.

(90) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ومتعوهن "، وأعطوهن ما يتمتعن به من أموالكم، (91) على أقداركم ومنازلكم من الغنى والإقتار.

* * * &; 5-121 &; ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ ما أمر الله به الرجال من ذلك.

فقال بعضهم: أعلاه الخادم, ودون ذلك الورق, (92) ودونه الكسوة.

* ذكر من قال ذلك: 5193- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن إسماعيل, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم, ودون ذلك الورق, ودون ذلك الكسوة.

5194- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا سفيان, عن إسماعيل بن أمية, عن عكرمة, عن ابن عباس بنحوه.

5195- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن داود, عن الشعبي قوله: " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره "، قلت له: ما أوسط متعة المطلقة؟

قال: خمارها ودرعها وجلبابها وملحفتها.

5196- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين "، فهذا الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقا، ثم يطلقها من قبل أن ينكحها, فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عسره ويسره.

فإن كان موسرا متعها بخادم أو شبه ذلك, وإن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك.

5197- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبي في قوله: " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره "، قال: قلت للشعبي: ما وسط ذلك؟

قال: كسوتها في بيتها، ودرعها وخمارها وملحفتها وجلبابها.

قال الشعبي: فكان شريح يمتع بخمسمئة.

&; 5-122 &; 5198- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عامر: أن شريحا كان يمتع بخمسمئة، قلت لعامر: ما وسط ذلك؟

قال: ثيابها في بيتها، درع وخمار وملحفة وجلباب.

5199- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن عمار الشعبي أنه قال: وسط من المتعة ثياب المرأة في بيتها، درع وخمار وملحفة وجلباب.

5200- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا داود, عن الشعبي: أن شريحا متع بخمسمئة.

وقال الشعبي: وسط من المتعة، درع وخمار وجلباب وملحفة.

5201- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: " لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ"، قال: هو الرجل يتزوج المرأة ولا يسمي لها صداقا, ثم يطلقها قبل أن يدخل بها, فلها متاع بالمعروف ولا صداق لها.

قال: أدنى ذلك ثلاثة أثواب، درع وخمار، وجلباب وإزار.

5202- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ حتى بلغ: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ، فهذا في الرجل يتزوج المرأة ولا يسمي لها صداقا, ثم يطلقها قبل أن يدخل بها, فلها متاع بالمعروف, ولا فريضة لها.

وكان يقال: إذا كان واجدا فلا بد من مئزر وجلباب ودرع وخمار.

(93) 5203- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن صالح بن صالح، قال: سئل عامر: بكم يمتع الرجل امرأته؟

قال: على قدر ماله.

&; 5-123 &; 5204- حدثني علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا شعبة, عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن أمه قالت: كأني أنظر إلى جارية سوداء، حممها عبد الرحمن أم أبي سلمة حين طلقها.

(94) قيل لشعبة: ما " حممها "؟

قال.

متعها.

(95) 5205- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن سعد بن إبراهيم, عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه، بنحوه, عن عبد الرحمن بن عوف.

5206- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أيوب, عن ابن سيرين قال، كان يمتع بالخادم، أو بالنفقة أو الكسوة.

قال: ومتع الحسن بن علي - أحسبه قال: بعشرة آلاف.

5207- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أيوب, عن سعد بن إبراهيم: أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته فمتعها بالخادم.

5208- حدثت عن عبد الله بن يزيد المقري, عن سعيد بن أبي أيوب قال، حدثني عقيل, عن ابن شهاب: أنه كان يقول في متعة المطلقة: أعلاه الخادم، وأدناه الكسوة والنفقة.

ويرى أن ذلك على ما قال الله تعالى ذكره: &; 5-124 &; " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " * * * وقال آخرون: مبلغ ذلك - إذا اختلف الزوج والمرأة فيه - قدر نصف صداق مثل تلك المرأة المنكوحة بغير صداق مسمى في عقده.

وذلك قول أبي حنيفة وأصحابه.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قال ابن عباس ومن قال بقوله: من أن الواجب من ذلك للمرأة المطلقة على الرجل على قدر عسره ويسره, كما قال الله تعالى ذكره: " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره "، لا على قدر المرأة.

ولو كان ذلك واجبا للمرأة على قدر صداق مثلها إلى قدر نصفه، لم يكن لقيله تعالى ذكره: " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره "، معنى مفهوم= ولكان الكلام: ومتعوهن على قدرهن وقدر نصف صداق أمثالهن.

وفي إعلام الله تعالى ذكره عباده أن ذلك على قدر الرجل في عسره ويسره, لا على قدرها وقدر نصف صداق مثلها، ما يبين عن صحة ما قلنا، وفساد ما خالفه.

وذلك أن المرأة قد يكون صداق مثلها المال العظيم, والرجل في حال طلاقه إياها مقتر لا يملك شيئا, فإن قضي عليه بقدر نصف صداق مثلها، ألزم ما يعجز عنه بعض من قد وسع عليه, فكيف المقدور عليه؟

(96) وإذا فعل ذلك به, كان الحاكم بذلك عليه قد تعدى حكم قول الله تعالى ذكره: " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " -ولكن ذلك على قدر عسر الرجل ويسره, لا يجاوز بذلك خادم أو قيمتها, إن كان الزوج موسعا.

وإن كان مقترا، فأطاق أدنى ما يكون كسوه لها, وذلك ثلاثة أثواب ونحو ذلك, قضي عليه بذلك.

وإن كان عاجزا عن ذلك، فعلى قدر طاقته.

وذلك على قدر اجتهاد الإمام العادل عند الخصومة إليه فيه.

* * * &; 5-125 &; واختلف أهل التأويل في تأويل قوله." ومتعوهن "، هل هو على الوجوب, أو على الندب؟

فقال بعضهم: هو على الوجوب، يقضى بالمتعة في مال المطلق, كما يقضى عليه بسائر الديون الواجبة عليه لغيره.

وقالوا: ذلك واجب عليه لكل مطلقة، كائنة من كانت من نسائه.

* ذكر من قال ذلك: 5209- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن وأبو العالية يقولان: لكل مطلقة متاع, دخل بها أو لم يدخل بها، وإن كان قد فرض لها.

5210- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس: أن الحسن كان يقول: لكل مطلقة متاع, وللتي طلقها قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها.

5211- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب, عن سعيد عن جبير في هذه الآية: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: 241]، قال: كل مطلقة متاع بالمعروف حقا على المتقين.

5212- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: لكل مطلقة متاع.

5213- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: كان أبو العالية يقول: لكل مطلقة متعة.

وكان الحسن يقول: لكل مطلقة متعة.

5214- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة قال، سئل الحسن, عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها، وقد فرض لها: هل لها متاع؟

قال الحسن: نعم والله!

فقيل للسائل= وهو أبو بكر الهذلي= أو ما تقرأ &; 5-126 &; هذه الآية: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ؟

قال: نعم والله!

* * * وقال آخرون: المتعة للمطلقة على زوجها المطلقها واجبة, ولكنها واجبة لكل مطلقة سوى المطلقة المفروض لها الصداق.

فأما المطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل الدخول بها, فإنها لا متعة لها, وإنما لها نصف الصداق المسمى.

* ذكر من قال ذلك: 5215- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله, عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: لكل مطلقة متعة, إلا التي طلقها ولم يدخل بها، وقد فرض لها, فلها نصف الصداق، ولا متعة لها.

5216- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا عبد الله بن نمير, عن عبيد الله, عن نافع, عن ابن عمر بنحوه.

5217- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب- في الذي يطلق امرأته وقد فرض لها- أنه قال في المتاع: قد كان لها المتاع في الآية التي في" الأحزاب "، (97) فلما نـزلت الآية التي في" البقرة ", جعل لها النصف من صداقها إذا سمى, ولا متاع لها, وإذا لم يسم فلها المتاع.

5218- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد نحوه.

5219- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان سعيد بن المسيب يقول: إذا لم يدخل بها جعل لها في" سورة &; 5-127 &; الأحزاب " المتاع, ثم أنـزلت الآية التي في" سورة البقرة ": وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، إذا كان لم يدخل بها، وكان قد سمى لها صداقا, فجعل لها النصف ولا متاع لها.

5220- حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ [سورة الأحزاب: 49] الآية التي في" البقرة ".

5221- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حميد, عن مجاهد قال: لكل مطلقة متعة, إلا التي فارقها وقد فرض لها من قبل أن يدخل بها.

5222- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد- في التي يفارقها زوجها قبل أن يدخل بها، وقد فرض لها, قال: ليس لها متعة.

5223- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب, عن نافع قال: إذا تزوج الرجل المرأة وقد فرض لها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها, فلها نصف الصداق، ولا متاع لها.

وإذا لم يفرض لها، فإنما لها المتاع.

5224- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، سئل ابن أبي نجيح وأنا أسمع: عن الرجل يتزاوج ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، وقد فرض لها, هل لها متاع؟

قال: كان عطاء يقول: لا متاع لها.

&; 5-128 &; 5225- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر- في التي فرض لها ولم يدخل بها, قال: إن طلقت، فلها نصف الصداق ولا متعة لها.

5226- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن الحكم, عن إبراهيم: أن شريحا كان يقول -في الرجل إذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها، وقد سمى لها صداقا- قال: لها في النصف متاع.

5227- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن, عن شعبة, عن الحكم, عن إبراهيم, عن شريح قال: لها في النصف متاع.

* * * وقال آخرون: المتعة حق لكل مطلقة, غير أن منها ما يقضى به على المطلق, ومنها ما لا يقضى به عليه, ويلزمه فيما بينه وبين الله إعطاؤه.

* ذكر من قال ذلك: 5228- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري قال: متعتان، إحداهما يقضى بها السلطان, والأخرى حق على المتقين: من طلق قبل أن يفرض ويدخل، فإنه يؤخذ بالمتعة، فإنه لا صداق عليه.

ومن طلق بعد ما يدخل أو يفرض، فالمتعة حق.

5229- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث, عن يونس, عن ابن شهاب، قال الله: " لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ"، فإذا تزوج الرجل المرأة ولم يفرض لها, ثم طلقها من قبل أن يمسها وقبل أن يفرض لها, فليس عليه إلا متاع بالمعروف، يفرض لها السلطان بقدر, وليس عليها عدة.

وقال الله تعالى ذكره: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ، فإذا طلق الرجل المرأة &; 5-129 &; وقد فرض لها ولم يمسسها, فلها نصف صداقها, ولا عدة عليها.

5230- حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، أخبرنا زهير, عن معمر, عن الزهري أنه قال: متعتان يقضى بإحداهما السلطان، ولا يقضى بالأخرى: فالمتعة التي يقضي بها السلطان حقا على المحسنين, والمتعة التي لا يقضي بها السلطان حقا على المتقين.

(98) * * * وقال آخرون: لا يقضي الحاكم ولا السلطان بشيء من ذلك على المطلق, وإنما ذلك من الله تعالى ذكره ندب وإرشاد إلى أن تمتع المطلقة.

* ذكر من قال ذلك: 5231- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن الحكم: أن رجلا طلق امرأته, فخاصمته إلى شريح, فقرأ الآية: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [سورة البقرة: 241]، قال: إن كنت من المتقين، فعليك المتعة.

ولم يقض لها.

قال شعبة: وجدته مكتوبا عندي عن أبي الضحى.

5223- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن محمد قال: كان شريح يقول في متاع المطلقة، لا تأب أن تكون من المحسنين, لا تأب أن تكون من المتقين.

5233- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق أن شريحا قال للذي قد دخل بها: إن كنت من المتقين فمتع.

* * * قال أبو جعفر: وكأن قائلي هذا القول ذهبوا في تركهم إيجاب المتعة فرضا &; 5-130 &; للمطلقات، إلى أن قول الله تعالى ذكره: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ، وقوله: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، دلالة على أنها لو كانت واجبة وجوب الحقوق اللازمة الأموال بكل حال، لم يخصص المتقون والمحسنون بأنها حق عليهم دون غيرهم, بل كان يكون ذلك معموما به كل أحد من الناس.

وأما موجبوها على كل أحد سوى المطلقة المفروض لها الصداق, فإنهم اعتلوا بأن الله تعالى ذكره لما قال: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، كان ذلك دليلا على أن لكل مطلقة متاعا سوى من استثناه الله تعالى ذكره في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

فلما قال: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ، كان في ذلك دليل عندهم على أن حقها النصف مما فرض لها, لأن المتعة جعلها الله في الآية التي قبلها عندهم، لغير المفروض لها.

فكان معلوما عندهم بخصوص الله بالمتعة غير المفروض لها، أن حكمها غير حكم التي لم يفرض لها إذا طلقها قبل المسيس، (99) فيما لها على الزوج من الحقوق.

* * * قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي، قول من قال: " لكل مطلقة متعة "، لأن الله تعالى ذكره قال: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة، ولم يخصص منهن بعضا دون بعض.

فليس لأحد إحالة ظاهر تنـزيل عام، إلى باطن خاص، إلا بحجة يجب التسليم لها.

(100) * * * فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد خص المطلقة قبل المسيس، إذا كان &; 5-131 &; مفروضا لها، بقوله: (101) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ، إذ لم يجعل لها غير النصف من الفريضة؟

(102) قيل: إن الله تعالى ذكره إذا دل على وجوب شيء في بعض تنـزيله, ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه، الكفاية عن تكريره, حتى يدل على بطول فرضه.

وقد دل بقوله، وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، على وجوب المتعة لكل مطلقة, فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة.

وليس في دلالته على أن للمطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها، دلالة على بطول المتعة عنه.

لأنه غير مستحيل في الكلام لو قيل: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (103) وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ والمتعة.

(104) فلما لم يكن ذلك محالا في الكلام، كان معلوما أن نصف الفريضة إذا وجب لها، لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة, ولما لم يكن اجتماعهما للمطلقة محالا.= وكان الله تعالى ذكره قد دل على وجوب ذلك لها, وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آية غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى = ثبت وصح وجوبهما لها.

هذا، إذا لم يكن على أن للمطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل &; 5-132 &; المسيس، (105) دلالة غير قول الله تعالى ذكره: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، فكيف وفي قول الله تعالى ذكره: " لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ"، الدلالة الواضحة على أن المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس، لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟

وذلك أن الله تعالى ذكره لما قال: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً كان معلوما بذلك أنه قد دل به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له, والآخر غير المفروض له.

وذلك أنه لما قال: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، علم أن الصنف الآخر هو المفروض له، وأنها المطلقة المفروض لها قبل المسيس.

لأنه قال: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ثم قال تعالى ذكره: " ومتعوهن "، فأوجب المتعة للصنفين منهن جميعا، المفروض لهن, وغير المفروض لهن.

فمن ادعى أن ذلك لأحد الصنفين, سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير, ثم عكس عليه القول في ذلك.

فلن يقول في شيء منه قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

* * * قال أبو جعفر: وأرى أن المتعة للمرأة حق واجب، إذا طلقت، على زوجها المطلقها، على ما بينا آنفا - يؤخذ بها الزوج كما يؤخذ بصداقها, لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها أو إلى من يقوم مقامها في قبضها منه, أو ببراءة تكون منها له.

وأرى أن سبيلها سبيل صداقها وسائر ديونها قبله، يحبس بها إن طلقها فيها، (106) إذا لم يكن له شيء ظاهر يباع عليه، إذا امتنع من إعطائها ذلك.

وإنما قلنا ذلك, لأن الله تعالى ذكره قال: " ومتعوهن ،" فأمر الرجال أن يمتعوهن, وأمره فرض، إلا أن يبين تعالى ذكره أنه عنى به الندب والإرشاد، لما &; 5-133 &; قد بينا في كتابنا المسمى (بلطيف البيان عن أصول الأحكام), لقوله: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ .

ولا خلاف بين جميع أهل التأويل أن معنى ذلك: وللمطلقات على أزواجهن متاع بالمعروف.

وإذا كان ذلك كذلك, فلن يبرأ الزوج مما لها عليه إلا بما وصفنا قبل، من أداء أو إبراء على ما قد بينا.

* * * فإن ظن ذو غباء أن الله تعالى ذكره إذ قال: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ و حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، أنها غير واجبة، لأنها لو كانت واجبة لكانت على المحسن وغير المحسن, والمتقي وغير المتقي= فإن الله تعالى ذكره قد أمر جميع خلقه بأن يكونوا من المحسنين ومن المتقين, وما وجب من حق على أهل الإحسان والتقى, فهو على غيرهم أوجب, ولهم ألزم.

وبعد, فإن في إجماع الحجة على أن المتعة للمطلقة غير المفروض لها قبل المسيس واجبة بقوله: " ومتعوهن "، وجوب نصف الصداق للمطلقة المفروض لها قبل المسيس بقول الله تعالى ذكره (107) فيما أوجب لهما من &; 5-134 &; ذلك = (108) الدليل الواضح أن ذلك حق واجب لكل مطلقة بقوله: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ، وإن كان قال: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ .

ومن أنكر ما قلنا في ذلك, سئل عن المتعة للمطلقة غير المفروض لها قبل المسيس.

فإن أنكر وجوب ذلك خرج من قول جميع الحجة، (109) ونوظر مناظرتنا المنكرين في عشرين دينارا زكاة, والدافعين زكاة العروض إذا كانت للتجارة, وما أشبه ذلك.

(110) فإن أوجب ذلك لها, سئل الفرق بين وجوب ذلك لها, والوجوب لكل مطلقة, وقد شرط فيما جعل لها من ذلك بأنه حق على المحسنين, كما شرط فيما جعل للآخر بأنه حق على المتقين.

فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

* * * قال أبو جعفر: واجمع الجميع على أن المطلقة غير المفروض لها قبل المسيس, لا شيء لها على زوجها المطلقها غير المتعة.

* ذكر بعض من قال ذلك من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم: 5234- حدثنا أبو كريب ويونس بن عبد الأعلى قالا حدثنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يفرض لها وقبل أن يدخل بها, فليس لها إلا المتاع.

5235- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن يونس قال، قال الحسن: إن طلق الرجل امرأته ولم يدخل بها ولم يفرض لها, فليس لها إلا المتاع.

&; 5-135 &; 5236- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أيوب, عن نافع قال: إذا تزوج الرجل المرأة ثم طلقها ولم يفرض لها, فإنما لها المتاع.

5237- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث, عن يونس, عن ابن شهاب قال: إذا تزوج الرجل المرأة ولم يفرض لها, ثم طلقها قبل أن يمسها وقبل أن يفرض لها, فليس لها عليه إلا المتاع بالمعروف.

5238- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً قال: ليس لها صداق إلا متاع بالمعروف.

5239- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه- إلا أنه قال: ولا متاع إلا بالمعروف.

5240- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ إلى: " ومتعوهن " قال: هذا الرجل توهب له فيطلقها قبل أن يدخل بها, فإنما عليه المتعة.

5241- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال في هذه الآية: هو الرجل يتزوج المرأة ولا يسمي لها صداقا, ثم يطلقها قبل أن يدخل بها, فلها متاع بالمعروف, ولا فريضة لها.

5242- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

5243- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، [حدثنا عبيد بن سليمان قال]، سمعت الضحاك يقول في قوله: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، هذا رجل وهبت له امرأته، فطلقها من قبل أن يمسها, فلها المتعة ولا فريضة لها, وليست عليها عدة.

* * * &; 5-136 &; قال أبو جعفر: وأما " الموسع ", فهو الذي قد صار من عيشه إلى سعة وغنى, يقال منه: " أوسع فلان فهو يوسع إيساعا وهو موسع ".

* * * وأما " المقتر "، فهو المقل من المال, يقال: " قد أقتر فهو يقتر إقتارا, وهو مقتر ".

* * * واختلف القرأة في قراءة " القدر ".

(111) فقرأه بعضهم: " على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ".

بتحريك " الدال " إلى الفتح من " القدر ", توجيها منهم ذلك إلى الاسم من " التقدير ", الذي هو من قول القائل: " قدر فلان هذا الأمر ".

* * * وقرأ آخرون بتسكين " الدال " منه, توجيها منهم ذلك إلى المصدر من ذلك, كما قال الشاعر.

(112) ومـا صـب رجـلي في حديد مجاشع مـع القـدر, إلا حاجـة لـي أريدهـا (113) * * * والقول في ذلك عندي أنهما جميعا قراءتان قد جاءت بهما الأمة, ولا تحيل القراءة بإحداهما معنى في الأخرى, بل هما متفقتا المعنى.

فبأي- القراءتين قرأ القارئ ذلك, فهو للصواب مصيب.

وإنما يجوز اختيار بعض القراءات على بعض لبينونة المختارة على غيرها بزيادة &; 5-137 &; معنى أوجبت لها الصحة دون غيرها.

وأما إذا كانت المعاني في جميعها متفقة, فلا وجه للحكم لبعضها بأنه أولى أن يكون مقروءا به من غيره.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذا: لا حرج عليكم، أيها الناس، لأن طلقتم النساء وقد فرضتم لهن ما لم تماسوهن، (114) وإن طلقتموهن ما لم تماسوهن قبل أن تفرضوا لهن, ومتعوهن جميعا على ذي السعة والغنى منكم من متاعهن حينئذ بقدر غناه وسعته, وعلى ذي الإقتار والفاقة منكم منه بقدر طاقته وإقتاره.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ومتعوهن متاعا.

وقد يجوز أن يكون " متاعا " منصوبا قطعا من " القدر ".

(115) لأن " المتاع " نكرة, و " القدر " معرفة.

* * * ويعني بقوله: " بالمعروف "، بما أمركم الله به من إعطائكم إياهن ذلك، (116) بغير ظلم, ولا مدافعة منكم لهن به.

(117) ويعني بقوله: " حقا على المحسنين "، متاعا بالمعروف الحق على المحسنين.

فلما دل إدخال " الألف واللام " على " الحق ", وهو من نعت " المعروف ", و " المعروف " معرفة, و " الحق " نكرة، نصب على القطع منه، (118) كما يقال: " أتاني الرجل راكبا ".

&; 5-138 &; وجائز أن يكون نصب على المصدر من جملة الكلام الذي قبله, كقول القائل: " عبد الله عالم حقا ", ف " الحق " منصوب من نية كلام المخبر، كأنه قال: أخبركم بذلك حقا.

(119) والتأويل الأول هو وجه الكلام, لأن معنى الكلام: فمتعوهن متاعا بمعروف حق على كل من كان منكم محسنا.

* * * وقد زعم بعضهم أن ذلك منصوب بمعنى: أحق ذلك حقا.

والذي قاله من ذلك، بخلاف ما دل عليه ظاهر التلاوة.

لأن الله تعالى ذكره جعل المتاع للمطلقات حقا لهن على أزواجهن , فزعم قائل هذا القول أن معنى ذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن نفسه أنه يحق أن ذلك على المحسنين.

فتأويل الكلام إذا- إذ كان الأمر كذلك-: ومتعوهن على الموسع قدره, وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف الواجب على المحسنين.

* * * ويعني بقوله: " المحسنين "، الذين يحسنون إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله فيما ألزمهم به, وأدائهم ما كلفهم من فرائضه.

* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: إنك قد ذكرت أن " الجناح " هو الحرج، (120) وقد قال الله تعالى ذكره: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ، فهل علينا من جناح لو طلقناهن بعد المسيس, فيوضع عنا بطلاقنا إياهن قبل المسيس؟

قيل: قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات ".

(121) &; 5-139 &; 5244- حدثنا بذلك ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى, عن سعيد, عن قتادة, عن شهر بن حوشب, عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(122) * * * وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما بال أقوام يلعبون بحدود الله, يقولون: قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك ".

5245- حدثنا بذلك ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي بردة, عن أبيه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(123) * * * فجائز أن يكون " الجناح " الذي وضع عن الناس في طلاقهم نساءهم قبل المسيس, هو الذي كان يلحقهم منه بعد ذوقهم إياهن, كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * &; 5-140 &; وقد كان بعضهم يقول: معنى قوله في هذا الموضع: لا جُنَاحَ ، لا سبيل عليكم للنساء- إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن, ولم تكونوا فرضتم لهن فريضة -في إتباعكم بصداق ولا نفقة.

وذلك مذهب، لولا ما قد وصفت من أن المعني بالطلاق قبل المسيس في هذه الآية صنفان من النساء: أحدهما المفروض لها, والآخر غير المفروض لها.

فإذ كان ذلك كذلك, فلا وجه لأن يقال: لا سبيل لهن عليكم في صداق، إذا كان الأمر على ما وصفنا.

* * * وقد يحتمل ذلك أيضا وجها آخر: وهو أن يكون معناه: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تماسوهن, في أي وقت شئتم طلاقهن.

لأنه لا سنة في طلاقهن, فللرجل أن يطلقهن إذا لم يكن مسهن حائضا وطاهرا في كل وقت أحب.

وليس ذلك كذلك في المدخول بها التي قد مست، لأنه ليس لزوجها طلاقها إن كانت من أهل الأقراء- إلا للعدة طاهرا في طهر لم يجامع فيه.

فيكون " الجناح " الذي أسقط عن مطلق التي لم يمسها في حال حيضها، (124) هو " الجناح " الذي كان به مأخوذا المطلق بعد الدخول بها في حال حيضها، أو في طهر قد جامعها فيه.

--------------- الهوامش: (79) انظر تفسير"الجناح" فيما سلف 3 : 230 ، 231 / ثم 4 : 162 ، 566 / ثم 5 : 71 (80) في المطبوعة والمخطوطة ، نص الآية"تمسوهن" ، وفي التفسير"تماسوهن" ، وهذا دليل على أنها كانت قراءة الطبري في أصله ، أما قراءة كاتب النسخة المخطوطة ، وقراءتنا في مصحفنا هذا ، فهي"تمسوهن" ، وسيذكر الطبري القراءتين .

(81) في المطبوعة : "ما يشاء بما شاء" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(82) في المطبوعة : "وقد اختلفت القراء" ، وأثبت ما في المخطوطة .

والقَرَأَة (بفتحات) جمع قارئ .

(83) ليس في المطبوعة : "أماسه" وزدتها في المخطوطة .

(84) في المخطوطة والمطبوعة : "ماس صاحبه" ، والأجود أن يقول : "مس صاحبه" .

(85) في المخطوطة : "فذلك الخبر نفسه" ، وفي المطبوعة : "كذلك الخبر .

.

.

" ، وكلتاهما فاسدة مسلوبة المعنى .

(86) في المطبوعة : "وكثرة القراءة" ، وهو فاسد ، والقَرَأَة جمع قارئ كما سلف .

(87) انظر معنى"الفرض" فيما سلف 4 : 121 (88) البيت للنابغة الجعدي ، وقد سلف تخريجه وتفسيره في الجزء 3 : 311 ، 312 / وفي الجزء 4 : 287 .

(89) في المطبوعة : " .

.

.

لفلان ألفين" بإسقاط"في" ، والصواب من المخطوطة .

(90) رزق الأمير جنده : أعطاهم الرزق ، وهو العطاء الذي فرضه لهم .

والديوان : الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء ، وأول من دون الدواوين عمر رضي الله عنه (91) انظر معنى"المتاع" فيما سلف 1 : 539 ، 540 / 3 : 53 -55 .

(92) الورق (بفتح فكسر) : الدراهم المضروبة .

والورق (بفتحتين) : المال الناطق من الإبل والغنم .

(93) الواجد : القادر ، الذي يجد ما يقضي به دينه أو ما شابه ذلك .

(94) في المطبوعة : "عبد الرحمن بن أم سلمة" وهو خلط فاحش ، والصواب ما أثبته من المخطوطة .

وأبو سلمة هو عبد الله الأصغر بن عبد الرحمن بن عوف ، وأمه تماضر ابنة الأصبغ بن عمرو الكلبية ، وهي أول كلبية نكحها قرشي .

وإخوة أبي سلمة لأمه تماضر : أحيح وخالد ومريم ، بنو خالد بن عقبة بن أبي معيط ، خلف عليها بعد عبد الرحمن بن عوف.

وكانت العرب تسمي المتعة : التحميم.

وعدي "حممها" إلى مفعولين؛ لأنه في معنى أعطاها إياها .

(95) الأثر : 5204- سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، رأى ابن عمر ، وروى عن أبيه وعميه حميد وأبي سلمة .

مات سنة 127 ، مترجم في التهذيب .

وأم حميد بن عبد الرحمن هي : أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموية أخت عثمان بن عفان لأمه ، أسلمت قديما ، وبايعت ، وحبست عن الهجرة إلى أن هاجرت سنة سبع في الهدنة .

ولدت لعبد الرحمن بن عوف حميد بن عبد الرحمن وإبراهيم بن عبد الرحمن ، ورويا عنها .

مترجمة في التهذيب وغيره .

(96) المقدور عليه : المضيق عليه رزقه .

قدر عليه رزقه (بالبناء للمجهول) : ضيق .

(97) ستأتي آية"سورة الأحزاب" بعد قليل في الأثر رقم 5220 .

(98) الأثر : 5230- عمرو بن أبي سلمة التنيسي أبو حفص الدمشقي ، مترجم في التهذيب و"زهير" ، هو : زهير بن محمد التميمي ، مترجم في التهذيب .

قال أحمد في عمرو بن أبي سلمة : "روى عن زهير أحاديث بواطيل ، كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله ، فغلظ فقلبها عن زهير" .

وكلاهما متكلم فيه .

(99) المسيس : المس ، مصدر"مس" ، كما سلف آنفًا ص : 118 .

(100) عند هذا الموضع ، انتهى التقسيم القديم الذي نقلت عنه مخطوطتنا ، وفيها بعد هذا ما نصه : "وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم كثيرا" ثم يبدأ بعده .

"بسم الله الرحمن الرحيم" .

(101) في المطبوعة : "قد خصص المطلقة .

.

.

" وأثبت الصواب من المخطوطة .

(102) في المخطوطة والمطبوعة : "غير النصف الفريضة" ، والصواب زيادة"من" ، أو تكون"غير نصف الفريضة" ، بحذف الألف واللام من"النصف" .

(103) في المخطوطة : "تماسوهن" ، وقد أشرنا آنفًا ص : 118 ، تعليق : 1 إلى أنها هي قراءة أبي جعفر ، وأنها كانت مثبتة هكذا في أصله .

(104) يعني : بعطف"والمتعة" على قوله : "فنصف ما فرضتم" .

(105) في المطبوعة : "للمطلقة المفروض الصداق" بإسقاط"لها" ، والصواب من المخطوطة .

(106) في المطبوعة : "يحبس لها" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(107) في المطبوعة والمخطوطة : "وجوب نصف الصداق للمطلقة المفروض لها قبل المسيس ، قال الله تعالى ذكره فيما أوجب لها من ذلك .

.

.

" .

وقد وقفت طويلا على هذه العبارة ، فلم يخلص لها معنى عندي ، ولم أستحل أن أدعها بغير بيان فسادها ، وإثبات صحة ما رأيته .

ومراد الطبري في سياق هذا الاحتجاج الأخير الذي بدأه في هذه الفقرة ، أن يتمم حجته في رد قول من ظن أن المتعة غير واجبة ، لقوله تعالى : "حقا على المحسنين" و"حقا على المتقين" ، فقال : إن قول الله تعالى"ومتعوهن" قد أوجبت المتعة للمطلقة غير المفروض لها قبل المسيس ، -كما أوجب قوله تعالى"فنصف ما فرضتم" ، نصف الصداق للمطلقة المفروض لها قبل المسيس- وهي الآية التي لم يذكر فيها : "حقا على المحسنين" ولا"حقا على المتقين" .

ففي إجماع الحجة على وجوب ذلك لهما ، الدليل الواضح على أن قوله تعالى : "وللمطلقات متاع بالمعروف" ، يوجب المتعة لكل مطلقة-"وإن كان قال : حقا على المتقين" بعقب هذه الآية .

ثم بين هذه الحجة في الفقرة التالية بيانا شافيا ، فقال إن إجماعهم على إيجاب المتعة للمطلقة غير المفروض لها بقوله : "ومتعوهن" مع تعقيب ذلك بقوله في الآية : "حقا على المحسنين" دليل على أن ذلك كذلك في قوله : "وللمطلقات متاع بالمعروف" ، مع تعقيب ذلك بقوله : "حقا على المتقين" ، فالمتعة واجبة لكل مطلقة ، كما وجبت في الآية الأخرى .

من أجل هذا السياق الذي بينته ، رأيت أن نص المخطوطة والمطبوعة فاسد غير دال على معنى ، فاقتضى ذلك أن أجعل"قال الله تعالى ذكره" -"بقول الله تعالى ذكره" ، وأن أزيد بعدها : "فنصف ما فرضتم" ، وأن أجعل"فيما أوجب لها"-"فيما أوجب لهما" على التثنية .

هذا ما رجح عندي وثبت وصح ، والحمد لله أولا وآخرا ، وكأنه الصواب في أصل الطبري إن شاء الله .

(108) قوله : "الدليل الواضح" اسم"إن" في قوله في أول الفقرة : "فإن في إجماع الحجة .

.

.

" (109) في المخطوطة : "فإن أنكر وجوب من قول جميع الحجة" ، وهو خطأ بين ، وفي المطبوعة : "وجوبه" ورجحت ما أثبت .

(110) يعني بذلك ما كان في إجماع كإجماعهم على وجوب الزكاة في عشرين دينارا ، ووجوب زكاة العروض إذا كانت للتجارة ، فيجادل في أمر المتعة ، بما يجادل به المنكر والدافع لوجوب الزكاة فيهما .

(111) في المطبوعة : "واختلف القراء" ، وأثبت ما في المخطوطة ، والمطبوعة تغير نص المخطوطة حيثما ذكر"القَرَأَة" إلى"القراء" ، فلن نشير إليه بعد هذا الوضع .

(112) هو الفرزدق فيما يقال .

(113) ديوانه : 215 نقلا عن اللسان (صبب) ، وهو في اللسان أيضًا في (قدر) ، ومقاييس اللغة 5 : 62 ، والأساس (صبب) ، وإصلاح المنطق : 109 ، وتهذيب إصلاح المنطق 1 : 168 وقال أبو محمد : "ذكر يعقوب أن هذا البيت للفرزدق ، ولم أجده في شعره ولا في أخباره" .

وكأن البيت ليس للفرزدق ، لذكره"حديد مجاشع" ، وهو جده .

وجرير كان يعيره بأنه"ابن القين" ، فأنا أستبعد أن يذكر الفرزدق في شعره"حديد مجاشع" .

وقال التبريزي في شرح البيت : "يقول : كان حبسي قدره الله علي ، وكان لي فيه حاجة ، ولم يكن لي منه بد" .

وهو معنى غير بين .

ويقال : صب القيد في رجله ، أي قيد .

(114) في المخطوطة والمطبوعة : "لأن طلقتم النساء" والسياق يقتضي صواب ما أثبت .

(115) القطع : الحال ، وانظر فهرس المصطلحات في الأجزاء السالفة .

(116) في المطبوعة : "من إعطائكم لهن ذلك" ، وفي المخطوطة"إعطائكم هن" قد سقط منها"إيا" .

(117) انظر معنى"المعروف" فيما سلف 3 : 371 / ثم 4 : 547 ، 548 / 5 : 7 ، 44 ، 76 ، 93 .

(118) القطع : الحال ، وانظر فهرس المصطلحات في الأجزاء السالفة .

(119) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 154-155 .

(120) انظر معنى"الجناح" في فهارس اللغة عن هذا الجزء والأجزاء السالفة .

(121) رجل ذواق : مطلاق كثير النكاح ، كثير الطلاق ، وكذلك المرأة .

والذوق : استطراف النكاح وقتا بعد وقت ، كأنه يذوق ويختبر ، ثم يتحول ليذوق غيره .

(122) الحديث : 5244- شهر بن حوشب : تابعي ثقة ، كما بينا في : 1489 .

فالحديث بهذا الإسناد مرسل .

وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4 : 335 ، من حديث عبادة بن الصامت .

وقال : "رواه الطبراني ، وفيه راو لم يسم .

وبقية إسناده حسن" .

وذكر أيضًا حديثا لأبي موسى ، مرفوعا : "لا تطلق النساء إلا من ريبة ، إن الله تبارك وتعالى لا يحب الذواقين ولا الذواقات" .

وقال : "رواه الطبراني في الكبير والأوسط .

وأحد أسانيد البزار فيه عمران القطان ، وثقه أحمد وابن حبان ، وضعفه يحيى بن سعيد وغيره" .

وليس بين يدي أسانيد هذين الحديثين ، حتى أعرف مدى درجاتهما ، ولا أن شهر بن حوشب روى واحدا منها .

وقوله : "الذواقين والذواقات"- قال ابن الأثير : "يعني السريعي النكاح السريعي الطلاق" .

وذكره الزمخشري في المجاز من كتاب الأساس .

وقال : "كلما تزوج أو تزوجت ، مد عينه أو عينها إلى أخرى أو آخر" .

(123) الحديث : 5245- هذا إسناد صحيح .

ورواه ابن ماجه : 2017 ، عن محمد بن بشار -شيخ الطبري هنا- بهذا الإسناد .

وقد مضت الإشارة إليه ، وإلى ما قيل في تعليله والرد عليه .

وإلى رواية البيهقي إيـاه من هذا الوجه ومن رواية موسى بن مسعود عن سفيان الثوري= في : 4925 ، 4926 .

ولم نكن رأينا رواية الطبري - هذه ، إذ ذاك .

(124) في المخطوطة : "لم يمسهن" وهو خطأ وسهو .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنينفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء هذا أيضا من أحكام المطلقات ، وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع ، فرض مهرا أو لم يفرض ، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة ، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن .

وقال قوم : لا جناح عليكم معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها ، والمتعة لمن لم يفرض لها .

وقيل : لما كان أمر المهر مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما مهر المثل ، فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر .

وقال قوم : لا جناح عليكم معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض ، بخلاف المدخول بها إذ غير المدخول بها لا عدة عليها .[ ص: 180 ] الثانية : المطلقات أربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية وأنه لا يسترد منها شيء من المهر ، وأن عدتها ثلاثة قروء .

ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها بل أمر الرب تعالى بإمتاعها وبين في سورة ( الأحزاب ) أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها ، وسيأتي .

ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد هذه الآية إذ قال : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ، ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ، فذكر تعالى هذه الآية والتي بعدها مطلقة قبل المسيس وقبل الفرض ، ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض ، فجعل للأولى المتعة ، وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد ، ووصم الحل الحاصل للزوج بالعقد ، وقابل المسيس بالمهر الواجب .الثالثة : لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين : مطلقة مسمى لها المهر ، ومطلقة لم يسم لها دل على أن نكاح التفويض جائز وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق ولا خلاف فيه ، ويفرض بعد ذلك الصداق فإن فرض التحق بالعقد وجاز وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا قاله القاضي أبو بكر بن العربي .

وحكى المهدوي عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا طلقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض لها أجبر على نصف صداق مثلها .

وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة : لا يتنصف بالطلاق لأنه لم يجب بالعقد وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ، وخلاف القياس أيضا ، فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد فوجب أن يتنصف بالطلاق ، أصله الفرض المقترن بالعقد .الرابعة : إن وقع الموت قبل الفرض فذكر الترمذي عن ابن مسعود ( أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود : لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ففرح بها ابن مسعود ) .

قال [ ص: 181 ] الترمذي : حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح ، وقد روي عنه من غير وجه ، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق ، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر : ( إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا : لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدة ) وهو قول الشافعي .

وقال : ولو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ويروى عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد عن هذا القول ، وقال بحديث بروع بنت واشق .قلت : اختلف في تثبيت حديث بروع ، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في شرح رسالة ابن أبي زيد : وأما حديث بروع بنت واشق فقد رده حفاظ الحديث وأئمة أهل العلم .

وقال الواقدي : وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يقبله أحد من العلماء وصححه الترمذي كما ذكرنا عنه وابن المنذر .

قال ابن المنذر : وقد ثبت مثل قول عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه نقول .

وذكر أنه قول أبي ثور وأصحاب الرأي .

وذكر عن الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي مثل قول علي وزيد وابن عباس وابن عمر .

وفي المسألة قول ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر ، قاله مسروق .قلت : ومن الحجة لما ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق ، أصله الطلاق لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد .

وقد حكى أبو محمد عبد الحميد عن المذهب ما يوافق الحديث والحمد لله .

وقال أبو عمر : حديث بروع رواه عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود الحديث .

وفيه : فقام معقل بن سنان .

وقال فيه ابن مهدي عن الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فقال معقل بن يسار ، والصواب عندي قول من قال : معقل بن سنان لا معقل بن يسار لأن معقل بن يسار رجل من مزينة ، وهذا الحديث إنما جاء في امرأة من أشجع لا من مزينة وكذلك رواه داود عن الشعبي عن علقمة ، وفيه : فقال ناس من أشجع ومعقل بن سنان قتل يوم الحرة وفي يوم الحرة يقول الشاعر :ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها وأشجع تبكي معقل بن سنانالخامسة : قوله تعالى : ما لم تمسوهن " ما " بمعنى الذي أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن .

و تمسوهن قرئ بفتح التاء من الثلاثي ، وهي قراءة نافع وابن كثير [ ص: 182 ] وأبي عمرو وعاصم وابن عامر .

وقرأ حمزة والكسائي " تماسوهن " من المفاعلة ؛ لأن الوطء تم بهما ، وقد يرد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فعل ، نحو طارقت النعل ، وعاقبت اللص .

والقراءة الأولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس ، ورجحها أبو علي ؛ لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن ، جاء : نكح وسفد وقرع ودفط وضرب الفحل ، والقراءتان حسنتان .

و " أو " في أو تفرضوا قيل هو بمعنى الواو ، أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن ، كقوله تعالى : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ؛ أي وهم قائلون .

وقوله : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ؛ أي ويزيدون .

وقوله : ولا تطع منهم آثما أو كفورا ؛ أي وكفورا .

وقوله : وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ؛ معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون .

وقوله : إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ، وما كان مثله .

ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة .

فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره .السادسة : قوله تعالى : ( ومتعوهن ) معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن .

وحمله ابن عمرو وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب .

وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم على الندب .

تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر .

وتمسك أهل القول الثاني بقوله تعالى : حقا على المحسنين و على المتقين ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين .

والقول الأول أولى ؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله ( ومتعوهن ) وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله : وللمطلقات متاع أظهر في الوجوب منه في الندب .

وقوله : على المتقين تأكيد لإيجابها ؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه ، وقد قال تعالى في القرآن : هدى للمتقين .السابعة : واختلفوا في الضمير المتصل بقوله ( ومتعوهن ) من المراد به من النساء ؟

فقال ابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي : المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض ، ومندوبة في حق غيرها .

وقال مالك [ ص: 183 ] وأصحابه : المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها ، إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها .

وقال أبو ثور : لها المتعة ولكل مطلقة .

وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة .

قال الزهري : يقضي لها بها القاضي .

وقال جمهور الناس : لا يقضي بها لها .قلت : هذا الإجماع إنما هو في الحرة ، فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسيس فالجمهور على أن لها المتعة .

وقال الأوزاعي والثوري : لا متعة لها لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق .

وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان : المتعة بإزاء غم الطلاق ، ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة قبل البناء ولا بعده ؛ لأنها هي التي اختارت الطلاق .

وقال الترمذي وعطاء والنخعي : للمختلعة متعة .

وقال أصحاب الرأي : للملاعنة متعة .

قال ابن القاسم : ولا متعة في نكاح مفسوخ .

قال ابن المواز : ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد ، مثل ملك أحد الزوجين صاحبه .

قال ابن القاسم : وأصل ذلك قوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف فكان هذا الحكم مختصا بالطلاق دون الفسخ .

وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار هي نفسها ، فهذه لا متعة لها .

وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة ؛ لأن الزوج سبب للفراق .الثامنة : قال مالك : ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها .

وقد اختلف الناس في هذا ، فقال ابن عمر : أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها .

وقال ابن عباس : أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة .

عطاء : أوسطها الدرع والخمار والملحفة .

أبو حنيفة : ذلك أدناها .

وقال ابن محيريز : على صاحب الديوان ثلاثة دنانير ، وعلى العبد المتعة .

وقال الحسن : يمتع كل بقدره ، هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة ، وكذلك يقول مالك بن أنس ، وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ولا حددها وإنما قال : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره .

ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل .

ومتع شريح بخمسمائة درهم .

وقد قيل : إن حالة المرأة معتبرة أيضا ، قاله بعض الشافعية ، قالوا : لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج امرأتين إحداهما شريفة والأخرى دنية ثم طلقهما قبل المسيس ولم يسم لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى : متاعا بالمعروف ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها ؛ لأنه إذا طلقها قبل الدخول والفرض لزمته المتعة [ ص: 184 ] على قدر حاله ومهر مثلها ، فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مثلها ، فتكون قد استحقت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الابتذال وهو الوطء .

وقال أصحاب الرأي وغيرهم : متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير ؛ لأن مهر المثل مستحق بالعقد ، والمتعة هي بعض مهر المثل ، فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول ، وهذا يرده قوله تعالى : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وهذا دليل على رفض التحديد ، والله بحقائق الأمور عليم .

وقد ذكر الثعلبي حديثا قال : نزلت لا جناح عليكم إن طلقتم النساء الآية ، في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : متعها ولو بقلنسوتك .

وروى الدارقطني عن سويد بن غفلة قال : كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أصيب علي وبويع الحسن بالخلافة قالت : لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين ، فقال : يقتل علي وتظهرين الشماتة ، اذهبي فأنت طالق ثلاثا .

قال : فتلفعت بساجها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إليها بعشرة آلاف متعة ، وبقية ما بقي لها من صداقها .

فقالت :متاع قليل من حبيب مفارقفلما بلغه قولها بكى وقال : لولا أني سمعت جدي - أو حدثني أبي أنه سمع جدي - يقول : أيما رجل طلق امرأته ثلاثا مبهمة أو ثلاثا عند الأقراء لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها .

وفي رواية : أخبره الرسول فبكى وقال : لولا أني أبنت الطلاق لها لراجعتها ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند كل طهر تطليقة أو عند رأس كل شهر تطليقة أو طلقها ثلاثا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره .التاسعة : من جهل المتعة حتى مضت أعوام فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت ، وإلى ورثتها إن ماتت ، رواه ابن المواز عن ابن القاسم .

وقال أصبغ : لا شيء عليه إن ماتت لأنها [ ص: 185 ] تسلية للزوجة عن الطلاق وقد فات ذلك .

ووجه الأول أنه حق ثبت عليه وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق ، وهذا يشعر بوجوبها في المذهب ، والله أعلم .العاشرة : قوله تعالى : على الموسع قدره وعلى المقتر قدره دليل على وجوب المتعة وقرأ الجمهور ( الموسع ) بسكون الواو وكسر السين ، وهو الذي اتسعت حاله ، يقال : فلان ينفق على قدره ، أي على وسعه .

وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وشد السين وفتحها .

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر " قدره " بسكون الدال في الموضعين .

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما .

قال أبو الحسن الأخفش وغيره : هما بمعنى ، لغتان فصيحتان ، وكذلك حكى أبو زيد ، يقول : خذ قدر كذا وقدر كذا ، بمعنى .

ويقرأ في كتاب الله : فسالت أودية بقدرها ، وقدرها ، وقال تعالى : وما قدروا الله حق قدره ولو حركت الدال لكان جائزا .

و " المقتر " المقل القليل المال .

و ( متاعا ) نصب على المصدر ، أي متعوهن متاعا بالمعروف أي بما عرف في الشرع من الاقتصاد .الحادية عشرة : قوله تعالى : حقا على المحسنين أي يحق ذلك عليهم حقا ، يقال : حققت عليه القضاء وأحققت ، أي أوجبت ، وفي هذا دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها ، فقوله : ( حقا ) تأكيد للوجوب .

ومعنى على المحسنين و على المتقين أي على المؤمنين ، إذ ليس لأحد أن يقول : لست بمحسن ولا متق ، والناس مأمورون بأن يكونوا جميعا محسنين متقين ، فيحسنون بأداء فرائض الله ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار ، فواجب على الخلق أجمعين أن يكونوا محسنين متقين .

و ( حقا ) صفة لقوله متاعا أو نصب على المصدر ، وذلك أدخل في التأكيد للأمر ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح وإثم, بتطليق النساء قبل المسيس, وفرض المهر, وإن كان في ذلك كسر لها, فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تمتعوهن بأن تعطوهن شيئا من المال, جبرا لخواطرهن.

{ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ } أي: المعسر { قَدَرُهُ } وهذا يرجع إلى العرف, وأنه يختلف باختلاف الأحوال ولهذا قال: { مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ } فهذا حق واجب { عَلَى الْمُحْسِنِينَ } ليس لهم أن يبخسوهن.

فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن, وتعلق قلوبهن, ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه, فعليهم في مقابلة ذلك المتعة.

فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي, وأدله على حكمة شارعه ورحمته" ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟" فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ) أي ولم تمسوهن ولم تفرضوا نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " متعها ولو بقلنسوتك " قرأ حمزة والكسائي " ما لم تماسوهن " بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة لأن بدن كل واحد منهما يلاقي بدن صاحبه كما قال الله تعالى : " من قبل أن يتماسا " ( 3 - المجادلة ) وقرأ الباقون ) ( تمسوهن ) بلا ألف لأن الغشيان يكون من فعل الرجل دليله قوله تعالى : " ولم يمسسني بشر " ( 47 - آل عمران ) .

قوله تعالى ( أو تفرضوا لهن فريضة ) أي توجبوا لهن صداقا فإن قيل فما الوجه في نفي الجناح عن المطلق قيل : الطلاق قطع سبب الوصلة وجاء في الحديث " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق " .

فنفى الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك وقيل معناه لا سبيل للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة ، وقيل : لا جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو طاهرا لأنه لا سنة ولا بدعة في طلاقهن قبل الدخول بها بخلاف المدخول بها فإنه لا يجوز تطليقها في حال الحيض ) ( ومتعوهن ) أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد ( على الموسع ) أي على الغني ( قدره وعلى المقتر ) أي الفقير ) ( قدره ) أي إمكانه وطاقته قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص قدره بفتح الدال فيهما وقرأ الآخرون بسكونهما وهما لغتان وقيل : القدر بسكون الدال المصدر وبالفتح الاسم متاعا : نصب على المصدر أي متعوهن ( متاعا بالمعروف ) أي بما أمركم الله به من غير ظلم ( حقا على المحسنين ) وبيان حكم الآية أن من تزوج امرأة ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها قبل المسيس تجب لها المتعة بالاتفاق وإن طلقها بعد الفرض قبل المسيس فلا متعة لها على قول الأكثرين ولها نصف المهر المفروض .

واختلفوا في المطلقة بعد الدخول بها فذهب جماعة إلى أنه لا متعة لها لأنها تستحق المهر وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنها تستحق المتعة لقوله تعالى " وللمطلقات متاع بالمعروف " ( 241 - البقرة ) وهو قول عبد الله بن عمر وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم بن محمد وإليه ذهب الشافعي لأن استحقاقها المهر بمقابلة ما أتلف عليها من منفعة البضع فلها المتعة على وحشة الفراق فعلى القول الأول لا متعة إلا لواحدة وهي المطلقة قبل الفرض والمسيس وعلى القول الثاني لكل مطلقة متعة إلا لواحدة وهي المطلقة بعد الفرض قبل المسيس ، وقال عبد الله بن عمر : لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يمسها زوجها فحسبها نصف المهر .

قال الزهري : متعتان يقضي بإحداهما السلطان ولا يقضي بالأخرى بل تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى .

فأما التي يقضي بها السلطان فهي المطلقة قبل الفرض والمسيس وهو قوله تعالى ( حقا على المحسنين ) والتي تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي بها السلطان فهي المطلقة بعد المسيس وهو قوله تعالى : ( حقا على المتقين ) وذهب الحسن وسعيد بن جبير إلى أن لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس أو بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى : " وللمطلقات متاع بالمعروف " ( 241 - البقرة ) ولقوله تعالى في سورة الأحزاب : " فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا " ( 49 - الأحزاب ) وقالا معنى قوله تعالى ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ) أي أو لم تفرضوا لهن فريضة وقال بعضهم : المتعة غير واجبة والأمر بها أمر ندب واستحباب .

وروي أن رجلا طلق امرأته وقد دخل بها فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح : لا تأب أن تكون من المحسنين ولا تأب أن تكون من المتقين ولم يجبره على ذلك .

واختلفوا في قدر المتعة فروي عن ابن عباس : أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار ودون ذلك وقاية أو شيء من الورق وبه قال الشعبي والزهري وهذا مذهب الشافعي وقال : أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ثوب وأقلها أقل ما له ثمن وحسن ثلاثون درهما وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته وحممها جارية سوداء أي متعها ومتع الحسن بن علي رضي الله عنه امرأة له بعشرة آلاف درهم فقالت : " متاع قليل من حبيب مفارق " .

وقال أبو حنيفة رحمه الله : مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا يجاوز والآية تدل على أنه يعتبر حال الزوج في العسر واليسر ومن حكم الآية : أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح وللمرأة مطالبته بأن يفرض لها صداقا فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة وإن مات أحدهما قبل الفرض والدخول اختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا فذهب جماعة إلى أنه لا مهر لها وهو قول علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كما لو طلقها قبل الفرض والدخول وذهب قوم إلى أن لها المهر لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود : لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رضي الله عنه .

وقال الشافعي رحمه الله : فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون قول النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يثبت فلا مهر لها ولها الميراث وكان علي يقول : في حديث بروع لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا جُناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن» وفي قراءة «تُماسُّوهُنَّ» أي تجامعوهن «أو» لم «تفرضوا لهن فريضة» مهرا وما مصدرية ظرفية أي لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض بإثم ولا مهر فطلقوهن «ومتعوهن» أعطوهن ما يتمنعن به «على الموسع» الغني منكم «قدره وعلى المقتر» الضيِّق الرزق «قدره» يفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة «متاعا» تمتيعا «بالمعروف» شرعا صفة متاعا «حقا» صفة ثانية أو مصدر مؤكد «على المحسنين» المطيعين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا إثم عليكم -أيها الأزواج- إن طلقتم النساء بعد العقد عليهن، وقبل أن تجامعوهن، أو تحددوا مهرًا لهن، ومتِّعوهن بشيء ينتفعن به جبرًا لهن، ودفعًا لوحشة الطلاق، وإزالة للأحقاد.

وهذه المتعة تجب بحسب حال الرجل المطلِّق: على الغني قَدْر سَعَة رزقه، وعلى الفقير قَدْر ما يملكه، متاعًا على الوجه المعروف شرعًا، وهو حق ثابت على الذين يحسنون إلى المطلقات وإلى أنفسهم بطاعة الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - في آيتين كريمتين بعض الأحكام التي تتعلق بالمطلقة قبل الدخول بها ، سواء أذكر لها المهر أم لم يذكر ، فقال - تعالى - :( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء .

.

.

)قوله - تعالى - : ( مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ) أي ما لم تجامعوهن ولم تدخلوا بهن والمس في أصل معناه : اللمس ، ويقال فيما معه إدراك بحاسة اللمس ، ثم أطلق على سبيل الكناية على ما يكون بين المرء وزوجه من جماع ومباشرة وعلى غير ذلك مما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية .

وهذه الكناية من ألطف التي تربى في الإِنسان حسن الأدب ، وسلامة التعبير ، وتجنبه بالنطق بالألفاظ الفاحشة .

وقد تكرر هذا التعبير المهذب في القرآن الكريم ومن ذلك قوله - تعالى - حكاية عن مريم : ( قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ .

.

.

) والمراد بالفريضة هنا المهر الذي يفرضه الرجل على نفسه للمرأة قبل الدخول بها .والمعنى : لا إثم عليكم أيها الرجال إذا طلقتم النساء لأسباب مشروعة ، وبطريقة مرضية ، قبل الدخول بهن ، وقبل أن تقدروا لهن مهراص معيناً .ثم بين - سبحانه - ما للمرأة على الرجل في هذه الحالة فقال : ( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين ) .

.قوله - تعالى - : ( وَمَتِّعُوهُنَّ ) أي ملكوهن ما ينتفعن به ، ويدخل التسلية والسرور على نفوسهن .

وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به الإِنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك ، ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه لتنتفع به ، جبراً لخاطرها ، وتعويضاً لما نالها بسبب هذا الفراق .و ( الموسع ) هو الغني الذي يكون في سعة من غناه .

يقال : أوسع الرجل إذ كثر ماله ، واتسعت حاله .

و ( المقتر ) هو الفقير الذي يكون في ضيق من فقره .

أقتر الرجل أي افتقر وقل ما في يده .والمعنى : لا حرج عليهكم في طلاقكم للنساء قبل أن تدخلوا بهن وقبل أن تقدروا لهن مهراً معيناً ، وليس من حقهن عليكم في هذه الحالة أن يطالبنكم بالصداق ، وإهنما من حقهن عليكم أن تمتعوهن بأن تدفعوا لهن ما ينتفعن به كل على حسب حاله وطاقته ، فالأغنياء يدفعون ما يناسب غناهم وسعتهم ، والفقراء يدفعون ما يناسب حالهم .وقوله : ( مَتَاعاً بالمعروف ) أي أعطوهن ما يتمتعن وينتفعن به بالقدر المتعارقف عليه بين العقلاء ، فلا يعطي الغني ما لا يتناسب مع غناه ولا مع حال المرأة التي طلقها ، ولا يعطي الفقير شيئاً تافهاً لا يسمى في عرف العقلاء متاعاً كما أنه لا يكلف فوق استطاعته ، لأن المتاع ما سمي بهذا الاسم إلا لأنه يتمتع به وينتفع به لفترة من الزمان .وقوله : ( حَقّاً عَلَى المحسنين ) تأكيد لهذا التمتيع الذي هو من حق المرأة على الرجل الذي طلقها قبل أن يدخل بها وقيل أن يسمى لها مهراً .أي : هذا التمتيع حق ثابت على المسحنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بامتثالهم لأوامر الله ، وبترضيتهم لنفوس هؤلاء المطلقات اللاتي تأثرن بسبب هذا الفراق .فالآية الكريمة ترفع الإثم عن الرجال الذين يطلقون النساء قبل الدخول بهن وقبل تسمية المهر لهن ، متى كانت المصلحة تستدعي ذلك ، وتبين الحقوق التي للمرأة على الرجل في هذه الحالة .قال القرطبي : قوله - تعالى - : ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء ) .

إلخ هذا أيضاً من أحكام المطلقات ، وهو ابتداء إخبار برفع الحرجعن المطلق قبل البناء والجماع ، فرض مهراً أو لم يفرض .

أو " لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة ، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه ، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن " .وقوله : ( أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) معطوف على ( تَمَسُّوهُنَّ ) المنفي ، أي لا حرج عليكم في تطليقكم النساء في حالة عدم الدخول بهن وعدم تقدير مهر معين لهن .وقوله : ( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ ) إلخ تشريع حكيم وتوجيه سديد ، لأن فراق المرأة قبل الدخول بها وقبل تقدير مهر لها ينشئ جفوة ممضة بين المرأة وبين مطلقها ، وقد يسيء هذا الفراق إليها وإلى أسرتها ، فكان هذا الحق الذي جعله الله للمرأة على الرجل هو التمتيع ، تسرية لنفسها ، واستبقاء للمودة الإِنسانية بين الطرفين ، وإزالة لما عسى أن يقوله البعض من أنه ما طلقها من طلقها إلا لشيء .ولا شك أن إنهاء الحياة الزوجية قبل الدخول فيها ، لضرورات اقتضاها هذا الإِنهاء ، أخف وأيسر من إنهائها بعد الدخول فيها .قال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( عَلَى الموسع قَدَرُهُ ) جملة من مبتدأ وخبر وفيها قولان :أحدهما : أنها لا محل لها من الإِعراب بل هي استئنافية بينت حال المطلق بالنسبة إلى يساره وإقتاره .والثاني : في محل نصب على الحال وصاحب الحال فاعل متعوهن .

والرابط بين جملة الحال وصاحبها محذوف والتقدير : على الموسع منكم .

و ( مَتَاعاً ) منصوب على المصدر و ( بالمعروف ) جار ومجرور صفة له .

و ( حَقّاً ) صفة ثانية لقوله : ( مَتَاعاً ) أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله .

وعامله محذوف وجوباً والتقدير : حق ذلك حقاً " .هذا ، ويرى بعض العلماء أن المتعة واجبة للمرأة على الرجل في حال مفارقتها قبل الدخول بها وقبل تسمية المهر ، لأن الآية الكريمة قد أكدت ذلك وجعلته حقاً ثابتاً لا يجوز التحلل منه قال - تعالى - : ( مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين ) .ويرى بعضهم أنها مستحبة ، لأن التعبير بالمحسنين يدل على أن المتعة غير واجبة وقد رجح المحققون من العلماء الرأي الأول وقالوا : إن الإِحسان لا ينافي الوجوب الذي دل عليه الأمر يؤيد هذا قوله : ( عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ ) فقد جعل الله المتعة على الفريقين كل فريق على حسب طاقته وقدرته .والمتعة تختلف باختلاف الأحوال من يسار وإعسار ، يقدرها القاضي على الرجل على حسب حالته كما يقدر النفقة .والصالحون من الناس هم الذين يبذلون المتعة للمطلقة بسخاء ومودة ، ولقد أثر عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنه متع امرأة طلقها بعشرة آلاف درهم ، فلما تسلمت هذا المال الوفير قالت : " متاع قليل من حبيب مفارق " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول: اعلم أن أقسام المطلقات أربعة أحدها: المطلقة التي تكون مفروضاً لها ومدخولاً بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم أخبر أن لهن كمال المهر، وأن عدتهن ثلاثة قروء.

والقسم الثاني: من المطلقات ما لا يكون مفروضاً ولا مدخولاً بها وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وذكر أنه ليس لها مهر، وأن لها المتعة بالمعروف.

والقسم الثالث: من المطلقات: التي يكون مفروضاً لها، ولكن لا يكون مدخولاً بها وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ واعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها ألبتة، فقال: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ  ﴾ .

القسم الرابع: من المطلقات: التي تكون مدخولاً بها، ولكن لا يكون مفروضاً لها، وحكم هذا القسم مذكور في قوله: ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ أيضاً القياس الجلي دال عليه وذلك لأن الأمة مجمعة على أن الموطوءة بالشبهة لها مهر المثل، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى بهذا الحكم، فهذا التقسيم تنبيه على المقصود من هذه الآية، ويمكن أن يعبر عن هذا التقسيم بعبارة أخرى، فيقال: إن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، ثم ذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور، فإن كان البدل مذكوراً، فإن حصل الدخول استقر كله، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى قبل هذه الآية، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى في الآية التي تجئ عقيب هذه الآية.

فإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فهو هذه المطلقة التي ذكر الله تعالى حكمها في هذه الآية، وحكمها أنه لا مهر لها، ولا عدة عليها، ويجب عليه لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات، إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل، ولما نبهنا على هذا التقسيم فلنرجع إلى التفسير.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ فهذا نص في أن الطلاق جائز، واعلم أن كثيراً من أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في بيان أن الجمع بين الثلاث ليس بحرام، قالوا: لأن قوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ يتناول جميع أنواع التطليقات، بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها فيقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن ثلاث طلقات فإن هناك يثبت الجناح، قالوا: وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أن قوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ يتناول جميع أنواع التطليقات، أعني حال الإفراد وحال الجمع، وهذا الاستدلال عندي ضعيف، وذلك لأن الآية دالة على الإذن في تحصيل هذه الماهية في الوجود، ويكفي في العمل به إدخاله في الوجود مرة واحدة، ولهذا قلنا: إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ولهذا قلنا: إنه إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين على المرة الواحدة فقط؛ فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع، وأما الاستثناء الذي ذكروه فنقول: يشكل هذا بالأمر فإنه لا يفيد التكرار بالاتفاق من المحققين، مع أنه يصح أن يقال: صل إلا في الوقت الفلاني وصم إلا في اليوم الفلاني، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ تماسوهن ﴾ بالألف على المفاعلة، وكذلك في الأحزاب والباقون ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بغير ألف، حجة حمزة والكسائي أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعاً وأيضاً يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا  ﴾ وهو إجماع وحجة الباقين إجماعهم على قوله: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ  ﴾ ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ  ﴾ وكقوله: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ  ﴾ وأيضاً المراد من هذا المس: الغشيان، وذلك فعل الرجل، ويدل في الآية الثانية على أن المراد من هذا المس الغشيان، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى: ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار، وبعض من قرأ: ﴿ تماسوهن ﴾ قال: إنه بمعنى ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ لأن فاعل قد يراد به فعل، كقوله: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وهو كثير.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.

وجوابه من وجوه: الأول: أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً، وهذا الإطلاق غير ثابت بعد المسيس، فإنه لا يحل الطلاق بعد المسيس في زمان الحيض، ولا في الطهر الذي جامعها فيه، فلما كان المذكور في الآية حل الطلاق على الإطلاق، وحل الطلاق على الإطلاق لا يثبت إلا بشرط عدم المسيس، صح ظاهر اللفظ.

الوجه الثاني: في الجواب قال بعضهم: إن ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بمعنى الذي والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن، إلا أن ﴿ مَا ﴾ اسم جامد لا ينصرف، ولا يبين فيه الإعراب ولا العدد، وعلى هذا التقدير لا يكون لفظ ﴿ مَا ﴾ شرطاً، فزال السؤال.

الوجه الثالث: في الجواب ما يدور حوله القفال رحمه الله، وحاصله يرجع إلى ما أقوله، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، فتقدير الآية: لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، بمعنى: لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ ﴾ معناه لا مهر، فنقول: إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل، يقال: أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحاً لما فيه من الثقل، قال تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ إذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحاً، فثبت أن اللفظ محتمل له، وإنما قلنا: إن الدليل دل على أنه هو المراد لوجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أنْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ نفى الجناح محدوداً إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض، والتقدير: فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر الثاني: أن تطليق النساء قبل المسيس على قسمين أحدهما: الذي يكون قبل المسيس وقبل تقدير المهر، وهو المذكور في هذه الآية والثاني: الذي يكون قبل المسيس وبعد تقدير المهر وهو المذكور في الآية التي بعد هذه الآية وهي قوله: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ ثم إنه في هذا القسم أوجب نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت هاهنا، فلما كان المثبت هاهنا هو لزوم المهر وجب أن يقال: الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم.

واعلم أنا قد ذكرنا في أول تفسير هذه الآية أن أقسام المطلقات أربعة، وهذه الآية تكون مشتملة على بيان حكم ثلاثة أقسام منها، لأنه لما صار تقدير الآية: لا مهر إلا عند المسيس أو عند التقدير، عرف منه أن التي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها لا يجب لها المهر، وعرف أن التي تكون ممسوسة ولا تكون مفروضاً لها والتي تكون مفروضاً لها ولا تكون ممسوسة يجب لكل واحدة منهما المهر، فتكون هذه الآية مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الثلاثة.

وأما القسم الرابع: وهي التي تكون ممسوسة ومفروضاً لها، فبيان حكمه مذكور في الآية المتقدمة، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآيات مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الأربعة بالتمام وهذا من لطائف الكلمات والحمد لله على ذلك.

المسألة الثالثة: قال أبو بكر الأصم والزجاج: هذه الآية تدل على أن عقد النكاح بغير المهر جائز، وقال القاضي: إنها لا تدل على الجواز لكنها تدل على الصحة، أما بيان دلالتها على الصحة، فلأنه لو لم يكن صحيحاً لم يكن الطلاق مشروعاً، ولم تكن المتعة لازمة، وأما أنها لا تدل على الجواز، فلأنه لا يلزم من الصحة الجواز، بدليل أن الطلاق في زمان الحيض حرام ومع ذلك واقع وصحيح.

المسألة الرابعة: اتفقوا على أن المراد من المسيس في هذه الآية الدخول، قال أبو مسلم: وإنما كنى تعالى بقوله: ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ عن المجامعة تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ فالمعنى يقدر لها مقداراً من المهر يوجبه على نفسه، لأن الفرض في اللغة هو التقدير، وذكر كثير من المفسرين أن ﴿ أَوْ ﴾ هاهنا بمعنى الواو، ويريد: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ  ﴾ وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعاً والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَتّعُوهُنَّ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما بين أنه لا مهر عند عدم المسيس، والتقدير بين أن المتعة لها واجبة، وتفسير لفظ المتعة قد تقدم في قوله: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج  ﴾ .

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المطلقات قسمان، مطلقة قبل الدخول، ومطلقة بعد الدخول، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه الآية التي نحن فيها، وإن كان قد فرض لها فلا متعة، لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر، وأما المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض، فهل تستحق المتعة، فيه قولان: قال في القديم وبه قال أبو حنيفة: لا متعة لها، لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول، وقال في الجديد: بل لها المتعة، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن بن علي، وابن عمر، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف  ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ  ﴾ وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس، لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش بالفراق.

المسألة الثانية: مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن المتعة واجبة، وهو قول شريح والشعبي والزهري، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة، وهو قول مالك لنا قوله تعالى: ﴿ وَمَتّعُوهُنَّ ﴾ وظاهر الأمر للإيجاب، وقال: ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ فجعل ملكاً لهن أو في معنى الملك، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ حَقّاً عَلَى المحسنين ﴾ فجعل هذا من باب الإحسان وإنما يقال: هذا الفعل إحسان إذا لم يكن واجباً فإن وجب عليه أداء دين فأداه لا يقال إنه أحسن، وأيضاً قال تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ  ﴾ وهذا يدل على عدم الوجوب، والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال: ﴿ حَقّاً عَلَى المحسنين ﴾ فذكره بكلمة ﴿ على ﴾ وهي للوجوب، ولأنه إذا قيل: هذا حق على فلان، لم يفهم منه الندب بل الوجوب.

المسألة الثالثة: أصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً غير باق بل منقضياً عن قريب، ولهذا يقال: الدنيا متاع، ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة وقلة لبث.

أما قوله تعالى: ﴿ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ الموسع ﴾ الغني الذي يكون في سعة من غناه، يقال: أوسع الرجل إذا كثر ماله، واتسعت حاله، ويقال: أوسعه كذا أي وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ قَدْرِهِ ﴾ أي قدر إمكانه وطاقته، فحذف المضاف، والمقتر الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير، وأقتر إذا افتقر.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم ﴿ قَدْرِهِ ﴾ بسكون الدال، والباقون قدره بفتح الدال، وهما لغتان في جميع معاني القدر، يقال: قدر القوم أمرهم يقدرونه قدراً، وهذا قدر هذا، واحمل على رأسك قدر ما تطيق، وقدر الله الرزق يقدره ويقدره قدراً، وقدرت الشيء بالشيء أقدره قدراً، وقدرت على الأمر أقدر عليه قدرة، كل هذا يجوز فيه التحريك والتسكين، يقال: هم يختصمون في القدر والقدر، وخدمته بقدر كذا وبقدر كذا، قال الله تعالى: ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ولو حرك لكان جائزاً، وكذلك: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ ولو خفف جاز.

المسألة الثالثة: أن قوله تعالى: ﴿ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ ﴾ يدل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد، ولأنها كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات، وبين أن الموسع يخالف المقتر وقال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أكثر المتعة خادم وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، وقال أبو حنيفة المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، قال: لأن حال المرأة التي يسمى لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها، ثم لما لم يجب لها زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول، فلأن لا يجب زيادة على نصف مهر المثل أولى والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ متاعا بالمعروف ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى الآية أنه يجب أن يكون على قدر حال الزوج في الغنى والفقر، ثم اختلفوا فمنهم من يعتبر حالهما، وهو قول القاضي، ومنهم من يعتبر حال الزوج فقط قال أبو بكر الرازي رحمه الله في المتعة: يعتبر حال الرجل، وفي مهر المثل حالها، وكذلك في النفقة واحتج أبو بكر بقوله: ﴿ وعلى الموسع قَدَرُهُ ﴾ واحتج القاضي بقوله: ﴿ بالمعروف ﴾ فإن ذلك يدل على حالهما لأنه ليس من المعروف أن يسوى بين الشريفة والوضيعة.

المسألة الثانية: ﴿ متاعا ﴾ تأكيد لمتعوهن، يعني: متعوهن تمتيعاً بالمعروف و ﴿ حَقّاً ﴾ صفة لمتاعاً أي: متاعاً واجباً عليهم، أو حق ذلك حقاً على المحسنين، وقيل: نصب على الحال من قدره لأنه معرفة، والعامل فيه الظرف، وقيل: نصب على القطع.

وأما قوله: ﴿ عَلَى المحسنين ﴾ ففي سبب تخصيصه بالذكر وجوه: أحدها: أن المحسن هو الذي ينتفع بهذا البيان: كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  ﴾ والثاني: قال أبو مسلم: المعنى أن من أراد أن يكون من المحسنين فهذا شأنه وطريقه، والمحسن هو المؤمن، فيكون المعنى أن العمل بما ذكرت هو طريق المؤمنين الثالث: ﴿ حَقّاً عَلَى المحسنين ﴾ إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ لا تبعة عليكم من إيجاب مهر ﴿ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ما لم تجامعوهن ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر.

وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمّى لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة.

والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ فقوله: فنصف ما فرضتم: إثبات للجناح المنفي ثمة، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال عند أبي حنيفة، إلا أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك.

فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن المتعة، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها.

و ﴿ الموسع ﴾ الذي له سعة.

و ﴿ المقتر ﴾ الضيق الحال.

و ﴿ قَدَرُهُ ﴾ مقداره الذي يطيقه، لأنّ ما يطيقه هو الذي يختص به.

وقرئ بفتح الدال.

والقدْر والقدَر لغتان.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً، ثم طلقها قبل أنّ يمسها: «أمتعتها» ؟

قال: لم يكن عندي شيء.

قال: «متعها بقلنسوتك» وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها، وتستحب لسائر المطلقات ولا تجب.

﴿ متاعا ﴾ تأكيد لمتعوهن، بمعنى تمتيعاً ﴿ بالمعروف ﴾ بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة ﴿ حَقّاً ﴾ صفة لمتاعاً، أي متاعاً واجباً عليهم.

أو حق ذلك حقاً ﴿ عَلَى المحسنين ﴾ على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ يريد المطلقات.

فإن قلت: أي فرق بين قولك: الرجال يعفون.

والنساء يعفون؟

قلت: الواو في الأوّل ضميرهم، والنون علم الرفع.

والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهنّ، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل وهو في محل النصب ويعفو: عطف على محله.

و ﴿ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ الوليّ يعني إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً، أو يعفو الولي الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي.

وقيل هو الزوج، وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملاً، وهو مذهب أبي حنيفة والأوّل ظاهر الصحة.

وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيها نظر، إلا أن يقال كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوّج، فإذا طلقها استحقّ أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.

أو سماه عفواً على طريق المشاكلة.

وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.

وعنه: أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوّجها، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملاً، فقيل له: لم تزوّجتها؟

فقال: عرضها عليّ فكرهت ردّه.

قيل: فلم بعثت بالصداق؟

قال: فأين الفضل؟

و ﴿ الفضل ﴾ التفضل.

أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤا ولا تستقصوا، وقرأ الحسن ﴿ أن يعفوْ الذي ﴾ بسكون الواو وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف لأنهما أختاها.

وقرأ أبو نُهيك: ﴿ وأن يعفو ﴾ ، بالياء.

وقرئ: ﴿ ولا تنسو الفضل ﴾ ، بكسر الواو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ.

وقِيلَ مِن وِزْرٍ لِأنَّهُ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ.

وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ  يُكْثِرُ النَّهْيَ عَنِ الطُّرُقِ فَظَنَّ أنَّ فِيهِ حَرَجًا فَنَفى ﴿ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَماسُّوهُنَّ» بِضَمِّ التّاءِ ومَدِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

﴿ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ إلّا أنْ تَفْرِضُوا، أوْ حَتّى تَفْرِضُوا أوْ وتَفْرِضُوا.

والفَرْضُ تَسْمِيَةُ المَهْرِ، وفَرِيضَةً نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرُ.

والمَعْنى أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ مِن مُطالَبَةِ المَهْرِ إذا كانَتِ المُطَلَّقَةُ غَيْرَ مَمْسُوسَةٍ ولَكِنْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، إذْ لَوْ كانَتْ مَمْسُوسَةً فَعَلَيْهِ المُسَمّى، أوْ مَهْرُ المِثْلِ.

ولَوْ كانَتْ غَيْرَ مَمْسُوسَةٍ ولَكِنَّ سُمِّيَ لَها فَلَها نِصْفُ المُسَمّى، فَمَنطُوقُ الآيَةِ يَنْفِي الوُجُوبَ في الصُّورَةِ الأُولى، ومَفْهُومُها يَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلى الجُمْلَةِ في الأخِيرَتَيْنِ.

﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ، والحِكْمَةُ في إيجابِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ، وتَقْدِيرُها مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِ الحاكِمِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ أيْ عَلى كُلٍّ مِنَ الَّذِي لَهُ سِعَةٌ، والمُقْتِرُ الضَّيِّقُ الحالِ ما يُطِيقُهُ ويَلِيقُ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنْصارِيٍّ طَلَّقَ امْرَأتَهُ المُفَوَّضَةَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّها «مَتِّعْها بِقَلَنْسُوَتِكَ» .

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هي دِرْعٌ ومِلْحَفَةٌ وخِمارٌ حَسَبَ الحالِ إلّا أنْ يَقِلَّ مَهْرُ مِثْلِها عَنْ ذَلِكَ فَلَها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، ومَفْهُومُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ إيجابِ المُتْعَةِ لِلْمُفَوَّضَةِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الزَّوْجُ، وألْحَقَ بِها الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في أحَدِ قَوْلَيْهِ المَمْسُوسَةَ المُفَوَّضَةَ وغَيْرَها قِياسًا، وهو مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِفَتْحِ الدّالِ ﴿ مَتاعًا ﴾ تَمْتِيعًا.

﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِالوَجْهِ الَّذِي يَسْتَحْسِنُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ.

﴿ حَقًّا ﴾ صِفَةٌ لِمَتاعًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.

﴿ عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ الَّذِي يُحْسِنُونَ إلى أنْفُسِهِمْ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، أوْ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَّمْتِيعِ وسَمّاهم مُحْسِنِينَ قَبْلَ الفِعْلِ لِلْمُشارَفَةِ تَرْغِيبًا وتَحْرِيضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ونزل فيمن طلق امرأته ولم يكن سمى لها مهراً ولا جامعها {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أى لا تبعة عليكم من إيجاب مهر {إِن طَلَّقْتُمُ النساء} شرط ويدل على جوابه لا جناح عليكم والتقدير إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ما لم تجامعوهن

البقرة (٢٣٦ _ ٢٣٧)

وما شرطية أي إن لم تمسوهن تماسوهن حمزة وعلي حيث وقع لأن الفعل واقع بين اثنين {أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} إلا أن تفرضوا لهن فريضة أو حتى تفرضوا وفرض الفريضة تسمية المهر وذلك أن المطلقة غير الموطوءة لها نصف المسمى إن سمى لها مهر وإن لم يسم لها مهر فليس لها نصب مهر المثل بل تجب المتعة والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله {وإن طلقتموهن} إلى قوله {فنصف ما فرضتم} فقوله فنصف ما فرضتم إثبات للجناح المنفي ثمة {وَمَتِّعُوهُنَّ} معطوف على فعل محذوف تقديره فطلقوهن ومتعهون والمتعة درع وملحفة وخمار {عَلَى الموسع} الذي له سعة {قدره} مقدراه الذي يطيقه قدره فيهما كوفي غير أبي بكر وهما لغتان {وَعَلَى المقتر} الضيق الحال {قدره} ولا تجب المتعة عندنا إلا لهذه وتستحب لسائر المطلقات {متاعا} تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً {بالمعروف} بالوجه الذي يحسن فى الشرع والمروءة {حقا} صفة لمتاعا أي متاعاً واجباً عليهم أو حق ذلك حقاً {عَلَى المحسنين} على المسلمين أو على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع وسماهم قبل الفعل محسنين كقوله عليه السلام من قتل قتيلاً فله سلبه وليس هذا

الإحسان هو التبرع بما ليس عليه إذ هذه المتعة واجبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مِن وِزْرٍ؛ لِأنَّهُ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ ولَوْ كانَ في الحَيْضِ، وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَثِيرًا ما يَنْهى عَنِ الطَّلاقِ، فَظُنَّ أنَّ فِيهِ جُناحًا، فَنَفى ذَلِكَ ﴿ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ أيْ: غَيْرِ ماسِّينَ لَهُنَّ أوْ مُدَّةَ عَدَمِ المَسِّ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَماسُّوهُنَّ) والأعْمَشُ: (مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ)، وعَبْدُ اللهِ: (مِن قَبْلِ أنْ تُجامِعُوهُنَّ)، ﴿ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أيْ: (حَتّى تَفْرِضُوا) أوْ (إلّا أنْ تَفْرِضُوا) عَلى ما في شُرُوحِ الكِتابِ، وفَرِيضَةً فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الاسْمِيَّةِ، فَصارَ بِمَعْنى المَهْرِ فَلا تَجُوزُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولَيْسَ بِالجَيِّدِ، والمَعْنى: إنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ بِمُطالَبَةِ المَهْرِ أصْلًا إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ عَلى كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ الفَرْضِ، فَإنَّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نِصْفَ المُسَمّى كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ، وفي حالِ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ عَلَيْهِ المُتْعَةُ لا نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ، وأمّا إذا كانَ بَعْدَ المِساسِ، فَعَلَيْهِ في صُورَةِ التَّسْمِيَةِ تَمامُ المُسَمّى، وفي صُورَةِ عَدَمِها تَمامُ مَهْرِ المِثْلِ؛ هَذِهِ أرْبَعُ صُوَرٍ لِلْمُطَلَّقَةِ نَفَتِ الآيَةُ بِمَنطُوقِها الوُجُوبَ في بَعْضِها، واقْتَضى مَفْهُومُها الوُجُوبَ في الجُمْلَةِ في البَعْضِ الآخَرِ، قِيلَ: وهَهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ، وهو أنَّ ما بَعْدَ أوِ الَّتِي بِمَعْنى حَتّى الَّتِي بِمَعْنى إلى نِهايَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَقَوْلُكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي، مَعْناهُ أنَّ اللُّزُومَ يَنْتَهِي إلى الإعْطاءِ، فَعَلى قِياسِهِ يَكُونُ فَرْضُ الفَرِيضَةِ نِهايَةَ عَدَمِ المِساسِ لا عَدَمَ الجُناحِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ، وهو مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ، فَهو مَعْنًى مُقَيَّدٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ بِغَيْرِ جُناحٍ وتَبِعَةٍ إلّا إذا (فُرِضَتِ الفَرِيضَةُ) فَيَكُونُ الجُناحُ؛ لِأنَّ المُقَيَّدَ في المَعْنى يَنْتَهِي بِرَفْعِ قَيْدِهِ فَتَأمَّلْ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ كَلِمَةَ (أوْ) عاطِفَةً لِمَدْخُولِها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الفِعْلِ المَجْزُومِ، و(لَمْ) حِينَئِذٍ لِنَفْيِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لا بِعَيْنِهِ، وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيُفِيدُ العُمُومَ؛ أيْ: ما لَمْ يَكُنْ مِنكم مَسِيسٌ، ولا فَرْضٌ عَلى حَدٍّ ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ واعْتَرَضَهُ القُطْبُ بِأنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيرَ حَرْفِ النَّفْيِ، فَيَصِيرُ (ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) و(ما لَمْ تَفْرِضُوا) فَيَكُونُ الشَّرْطُ حِينَئِذٍ أحَدَ النَّفْيَيْنِ لا نَفْيَ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَجِبَ المَهْرُ إذا عُدِمَ المَسِيسُ ووُجِدَ الفَرْضُ أوْ عُدِمَ الفَرْضُ ووُجِدَ المَسِيسُ، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَزِيدُونَ ﴾ عَلى رَأْيٍ.

﴿ ومَتِّعُوهُنَّ ﴾ أيْ: مَلِّكُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمّى مُتْعَةً، وهو عَطْفٌ عَلى ما هو جَزاءٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَلا جُناحَ ومَتِّعُوهُنَّ، وعَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ عَلى ما في الكَشْفِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ جامِعُ جَعْلِهِما كالمُفْرِدِينَ؛ أيِ الحُكْمِ هَذا وذاكَ، أوْ لِأنَّ المَعْنى فَلا جُناحَ وواجِبٌ هَذا أوْ فَلا تَعْزِمُوا ذَلِكَ ومَتِّعُوهُنَّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ عَطْفَ القَصَّةِ عَلى القَصَّةِ، وأنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بِالواوِ وارِدًا لِبَيانِ ما يَجِبُ لِلْمُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ عَلى أزْواجِهِنَّ بَعْدَ التَّطْلِيقِ، والعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ؛ إذْ لا مَعْنى لِقَوْلِنا: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ إلّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ المَعْطُوفَ، والحِكْمَةُ في إعْطاءِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ، والظّاهِرُ فِيها عَدَمُ التَّقْدِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ أيْ: عَلى كُلٍّ مِنهُما مِقْدارُ ما يُطِيقُهُ ويَلِيقُ بِهِ كائِنًا ما كانَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: ”مُتْعَةُ الطَّلاقِ أعْلاها الخادِمُ، ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ، ودُونَ ذَلِكَ الكِسْوَةُ“، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: ”أدْنى ما يَكُونُ مِنَ المُتْعَةِ ثَلاثُونَ دِرْهَمًا“، وقالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ: هي دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ عَلى حَسَبِ الحالِ، إلّا أنْ يَقِلَّ مَهْرُ مِثْلِها مِن ذَلِكَ، فَلَها الأقَلُّ مَن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، ومِنَ المُتْعَةِ ولا يَنْتَقِصُ مِن خَمْسَةِ دَراهِمَ، والمُوسِعُ مَن يَكُونُ ذا سَعَةٍ وغِنًى مِن أوْسَعَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ مالُهُ واتَّسَعَتْ حالُهُ، و(المُقْتِرُ) مَن يَكُونُ ضَيِّقَ الحالِ مِن (أقْتَرَ) إذا افْتَقَرَ وقَلَّ ما في يَدِهِ وأصْلُ البابِ الإقْلال،ُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِمِقْدارِ حالِ المُتْعَةِ بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُطَلِّقِ - إيسارًا وإقْتارًا - والجُمْهُورُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( مَتِّعُوهُنَّ )، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنكُمْ، ومَن جَعَلَ الألِفَ واللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: عَلى مُوسِعِكم إلَخْ اسْتَغْنى عَنِ القَوْلِ بِالحَذْفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ وابْنَ ذَكْوانَ: (قَدَرُهُ) بِفَتْحِ الدّالِ، والباقُونَ بِإسْكانِها، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وقِيلَ: (القَدْرُ) بِالتَّسْكِينِ الطّاقَةُ وبِالتَّحْرِيكِ المِقْدارُ، وقُرِئَ: (قَدْرَهُ) بِالنَّصْبِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى مَتِّعُوهُنَّ إلَخْ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنكم قَدْرَ وُسْعِهِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وأجْوَدُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَأوْجِبُوا عَلى المُوسِعِ قَدْرَهُ، ﴿ مَتاعًا ﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ أُجْرِيَ مَجْراهُ أيْ تَمْتِيعًا ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ، وهو في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ مَتاعًا وحَقًّا أيْ: ثابِتًا، صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا؛ أيْ: حَقٍّ ذَلِكَ ﴿ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ، أوْ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ: مَن شَأْنُهُمُ الإحْسانُ، أوِ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى أنْفُسِهِمْ؛ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، أوْ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَّمْتِيعِ، وإنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ؛ اعْتِبارًا لِلْمُشارَفَةِ تَرْغِيبًا وتَحْرِيضًا وقالَ الإمامُ مالِكٌ: المُحْسِنُونَ المُتَطَوِّعُونَ، وبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلى اسْتِحْبابِ المُتْعَةِ، وجَعَلَهُ قَرِينَةً صارِفَةً لِلْأمْرِ إلى النَّدْبِ، وعِنْدَنا هي واجِبَةٌ لِلْمُطَلَّقاتِ في الآيَةِ، مُسْتَحَبَّةٌ لِسائِرِ المُطَلَّقاتِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: هي واجِبَةٌ لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُطَلَّقَةٍ؛ إذا كانَ الفِراقُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، إلّا الَّتِي سَمّى لَها وطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، ولَمّا لَمْ يُساعِدْهُ مَفْهُومُ الآيَةِ ولَمْ يُعْتَبَرِ العُمُومُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ ﴾ لِأنَّهُ يَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ، قالَ بِالقِياسِ وجَعَلَهُ مُقَدَّمًا عَلى المَفْهُومِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ دُونَهُ، وأُجِيبُ عَمّا قالَهُ مالِكٌ بِمَنعِ قَصْرِ المُحْسِنِ عَلى المُتَطَوِّعِ، بَلْ هو أعَمُّ مِنهُ، ومِنَ القائِمِ بِالواجِباتِ، فَلا يُنافِي الوُجُوبَ، فَلا يَكُونُ صارِفًا لِلْأمْرِ عَنْهُ مَعَ ما انْضَمَّ مِن لَفْظِ ( حَقًّا ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ، أي لا حرج عليكم إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ قرأ حمزة والكسائي تَمَاسُّوهُنَّ بالألف من المفاعلة، وهو فعل بين اثنين وقرأ الباقون بغير ألف، لأن الفعل للرجال خاصة.

وقال بعضهم: المس هو الجماع خاصة، فما لم يجامعها لا يجب عليه تمام المهر.

وقال بعضهم: إذا جامعها أو خلا بها، وجب عليه جميع الصداق إذا كان سمى لها مهراً وإن لم يكن سمى لها مهراً، فلها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة.

فذلك قوله تعالى: لاَ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، يعني إذا تزوج الرجل امرأة ثم لم يعجبه المقام معها، فلا بأس بأن يطلقها قبل أن يمسها.

قوله: أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، يعني لا حرج عليكم أن تتزوجوا النساء ولم تسموا لهن مهراً وَمَتِّعُوهُنَّ، يعني إذا طلقها قبل أن يدخل بها، فعلى الزوج أن يمتعها عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: «قَدَرَهُ» بنصب الدال، وقرأ الباقون بالجزم ومعناهما واحد.

قوله: وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ قال ابن عباس في رواية الكلبي: أدنى ما يكون من المتعة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة وهكذا قال في رواية الضحاك حَقًّا، أي واجباً عَلَى الْمُحْسِنِينَ أن يمنعوا النساء على قدر طاقتهم.

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، يعني من قبل أن تجامعوهن وقبل أن تخلوا بهن، هكذا قال في رواية الضحاك، وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، يعني على الزوج نصف ما فرض لها من المهر.

إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، يعني إلا أن تترك المرأة فلا تأخذ شيئاً، أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، يعني الزوج يكمل لها جميع الصداق.

وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، يقول: أن تعفو بعضكم بعضاً كان أقرب إلى البر، فأيهما ترك لصاحبه فقد أخذ بالفضل.

ويقال: إن الله تعالى ندب إلى الإنسانية، فأمر كل واحد منهما بالعفو، ثم قال تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، يعني لا تتركوا الفضل والإنسانية فيما بينكم في إتمام المهر أو في الترك.

إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: والظاهر أن العَزْم غَيْرُ العقد، وقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ:

يريد تمام العدَّة، والكتاب هنا هو الحدُّ الذي جُعِل، والقَدْر الذي رُسِمَ من المدَّة، وقوله:

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ...

الآية: تحذيرٌ من الوقوع فيما نهى عْنه، وتوقيف على غفره وحلمه.

وقوله تعالى: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً هذا ابتداءُ إِخبارٍ برفع الجُنَاحِ عن المُطَلِّق قبل البِنَاءِ والجِمَاعِ، فَرَض مَهْراً أو لم يفرض، ولمّا نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن التزوُّج لمعنَى الذَّوْقِ، وقضَاءِ الشَّهْوةِ، وأمر بالتزوُّج، طلباً للعصْمَة، والتماس ثَوَابِ اللَّهِ، وقَصْدِ دوامِ الصُّحْبَةِ، وقع في نُفُوسِ المؤمنِينَ أنَّ من طلَّق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ في ذلك، إِذا كان أصْل النَّكاح علَى المَقْصِد الحَسَن.

وقال قَوْمٌ: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ: معناه: لا طَلَبَ لجميعِ المَهْر، بل عليكُمْ نصْفُ المفروض لِمَنْ فرض لها، والمتعةُ لمن لم يُفْرَضْ لها، وفَرْضُ المهرِ: إثباتُه، وتحديدُهُ، ٥٩ أوهذه الآية/ تُعْطِي جوازَ العَقْد على التفْويض لأنه نكاحٌ مقرَّر في الآية، مُبَيَّنٌ حكْمُ الطلاق فيه قاله مالك في «المدوّنة» .

والفريضة: المصداق.

وقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ.

أي: أعطوهنَّ شيئاً يكون متاعاً لهنَّ، وحمله ابن عُمَر وغيره على الوجُوبِ، وحمله مالكٌ وغيره على الندْبِ، واختلف النَّاس في مقدارِ المُتْعة، قال الحَسَن: يمتَّع كلٌّ على قدْره، هذا بخادم، وهذا بأثوابٍ، وهذا بثوبٍ، وهذا بنفقةٍ «١» ، وكذلك يقول مالك.

وقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ: دليلٌ على رفض التحديد، والمُوسِعُ: أي: من اتسع حالُه، والمُقْتِر: المقلُّ القليلُ المالِ، ومَتاعاً:

نصبٌ على المصدر «١» .

وقوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ، أي: لا حمل فيه، ولا تكلُّف على أحد الجانبَيْنِ، فهو تأْكيدٌ لمعنى قوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، ثم أكَّد تعالى الندْبَ بقوله:

حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، أي: في هذه النازلةِ من التمتيعِ هُمْ محسِنُون، ومن قال بأنَّ المتعةَ واجبةٌ، قال: هذا تأكيدٌ للوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، وحَقًّا: صفةٌ لقوله تعالى: مَتاعاً.

ت: وظاهر الآيةِ عمومُ هذا الحكْمِ في جميع المطلَّقات كما هو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرأْي، والظاهرُ حمل المُتْعَة على الوجوبِ لوجوه، منها:

صيغةُ الأمر، ومنها: قولُه: حَقًّا، ومنْها: لفظةُ «على» ، ومنها: من جهة المعنى: ما يترتَّب على إِمتاعها من جَبْر القلوبِ، وربَّما أدى ترك ذلك إِلى العَدَاوة والبَغْضاء بَيْن المؤمنين، وقد مال بعضُ أئمَّتنا المتأخِّرين إِلى الوجوب.

انتهى.

وقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ...

الآية: اختلف في هذه الآية، فقالتْ فرقةٌ، فيها مالك: إِنها مُخْرِجَةٌ للمطلَّقة بعد الفَرْض من حُكْم التمتيعِ إِذ يتناولها.

قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ: وقال قتادةُ: نَسَخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ الَّتي قبلها «٢» ، وقال ابن القاسِمِ في «المدوَّنة» : كان المتاعُ لكلِّ مطلَّقة بقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٤١] ، ولغير المدخولِ بها بالآيةِ الَّتي في سورة «الأحزاب» ، فاستثنى اللَّه سبحانَهُ المَفْرُوضَ لها قَبْل الدخولِ بهذه الآية، وأثبت لها نصْفَ ما فَرَضَ فقَطْ «٣» ، وزعم زيْدُ بْنُ أسْلَم أنها منسوخة «٤» ، حكى ذلك في «المدوَّنة» عن زيد بن أسْلَم زعْماً.

وقال ابن القاسِمِ: إنها استثناءٌ، والتحرير يردُّ ذلك إِلى النسخ الَّذي قال زيْدٌ لأنَّ ابْنَ القاسِمِ قال: إِن قولَه تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ [البقرة: ٢٤١] عمَّ الجميعَ، ثم استثنَى اللَّه

منْه هذه التي فُرِضَ لها قبل المَسِيسِ، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثَوْر «١» : المُتْعَة لكلِّ مطلَّقة عموماً، وهذه الآية إِنما بينت أن المفروض لها تأخُذُ نصْفَ ما فرض، أي: مع مُتْعَتها، وقرأ الجمهورُ «٢» : «فَنِصْفُ» بالرفع، والمعنى: فالواجبُ نصْفُ ما فرضْتُمْ.

وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ: استثناء منقطعٌ، و «يَعْفُونَ» : معناه: يتركْنَ ويصفحْنَ، أي: يتركْن النِّصْفَ الذي وجَبَ لهنَّ عند الزوْجِ، وذلك إِذا كانت المرأةُ تمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها.

واختلف في المرادِ بقوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ.

فقال ابن عَبَّاس، ومُجَاهدٌ، ومالكٌ، وغيرهم: هو الوليُّ الذي المَرْأَة في حِجْره «٣» ، ٥٩ ب وقالتْ فرْقَة: الذي بيده عُقْدة النكاح هو الزَّوْج «٤» ، فعلى القول الأول: / الندْبُ في النَّصْف الذي يجبُ للمرأة إِمَّا أن تعفو هي، وإِما أن يعفو وليُّها، وعلى القول الثَّاني: إِما أنْ تعفو هي أيضاً فلا تأخذَ شيئاً، وإِما أن يعفو الزوْجُ عن النِّصْفِ الذي يحطّ، فيؤدّي جميع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو "تَمَسُّوهُنَّ" بِغَيْرِ ألِفٍ حَيْثُ كانَ، وبِفَتْحِ التّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ "تَماسُّوهُنَّ" بِألِفٍ وضَمِّ التّاءِ في المَوْضِعَيْنِ هُنا وفي الأحْزابِ ثالِثٌ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يُرادُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن "فاعِلٍ" و"فَعَلَ" ما يُرادُ بِالآَخَرِ، نَقُولُ: طارَقْتُ النَّعْلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ.

قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في «رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ تَزَوُّجَ امْرَأةً مِن بَنِي حَنِيفَةَ، ولَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَسِمِّها، فَقالَ النَّبِيُّ  "هَلْ مَتَّعْتَها بِشَيْءٍ؟" قالَ: لا.

قالَ: "مَتِّعْها ولَوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ"» ومَعْنى الآَيَةِ: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.

وقَدْ تَكُونُ "أوْ" بِمَعْنى الواوِ.

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ \[ الدَّهْرِ: ٢٤ \] .

والمَسُّ: النِّكاحُ، والفَرِيضَةُ: الصَّداقُ، وقَدْ دَلَّتِ الآَيَةُ عَلى جَوازِ عَقْدِ النِّكاحِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أيْ: أعْطُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ مِن أمْوالِكم عَلى قَدْرِ أحْوالِكم في الغِنى والفَقْرِ.

والمَتاعُ: اسْمٌ لِما يُنْتَفَعُ بِهِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو "قَدَّرَهُ" بِإْسْكانِ الدّالِ في الحَرْفَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، الكِسائِيُّ بِتَحْرِيكِ الحَرْفَيْنِ، وعَنْ عاصِمٍ:كالقِرَأتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ.

* فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ المُتْعَةُ واجِبَةٌ، أمْ مُسْتَحَبَّةٌ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: واجِبَةٌ، واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ، لِأيِّ المُطَلَّقاتِ تَجِبُ.

عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها تَجِبُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا المُطَلَّقَةَ الَّتِي فَرَضَ لَها صَداقًا، ولَمْ يَمَسَّها، فَإنَّهُ يَجِبُ لَها نِصْفُ ما فَرَضَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وشُرَيْحٍ، وإبْراهِيمَ.

والثّالِثُ: أنَّها تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذا لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، فَإنْ دَخَلَ بِها، فَلا مُتْعَةَ، ولَها مَهْرُ المِثْلِ، رُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

والثّانِي: أنَّ المُتْعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، ولا تَجِبُ عَلى أحَدٍ، سَواءٌ سُمِّيَ لِلْمَرْأةِ، أوْ لَمْ يُسَمِّ، دَخَلَ بِها، أوْ لَمْ يُدْخُلْ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، والحَكَمِ، وابْنِ أبِي لَيْلى.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مِقْدارِ المُتْعَةِ، فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أعْلاها خادِمٌ، وأدْناها كُسْوَةٌ يَجُوزُ لَها أنْ تُصَلِّيَ فِيها، ورُوِيَ عَنْ حَمّادٍ وأبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ قَدَّرَ نِصْفَ صَداقِ مِثْلِها.

وعَنِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ: أنَّهُ قَدْرُ يَسارِهِ وإعْسارِهِ، فَيَكُونُ مُقَدَّرًا بِاجْتِهادِ الحاكِمِ.

ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ: المُتْعَةُ بِقَدْرِ ما تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلاةُ مِنَ الكُسْوَةِ، وهو دِرْعٌ وخِمارٌ.

و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيْ: بِقَدْرِ الإمْكانِ، والحَقُّ: الواجِبُ.

وذِكْرُ المُحْسِنِينَ والمُنافِقِينَ ضَرْبٌ مِنَ التَّأْكِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ إخْبارٍ بِرَفْعِ الجَناحِ عَنِ المُطْلِّقِ قَبْلَ البِناءِ، والجِماعِ، فَرَضَ مَهْرًا أو لَمْ يَفْرِضْ.

ولَمّا نَهى رَسُولُ اللهِ  عَنِ التَزَوُّجِ لِمَعْنى الذَوْقِ وقَضاءِ الشَهْوَةِ، وأمَرَ بِالتَزَوُّجِ لِطَلَبٍ لِلْعِصْمَةِ والتَماسِ ثَوابِ اللهِ، وقَصْدِ دَوامِ الصُحْبَةِ وقَعَ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ أنَّ مَن طَلَّقَ قَبْلَ البِناءِ قَدْ واقَعَ جُزْءًا مِن هَذا المَكْرُوهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجَناحِ في ذَلِكَ إذا كانَ أصْلُ النِكاحِ عَلى المَقْصِدِ الحَسَنِ.

وقالَ قَوْمٌ: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لا طَلَبَ بِجَمِيعِ المَهْرِ، بَلْ عَلَيْكم نِصْفُ المَفْرُوضِ لِمَن فُرِضَ لَها، والمُتْعَةُ لِمَن لَمْ يُفْرَضْ لَها.

وقالَ قَوْمٌ: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ مَعْناهُ: في أنْ تُرْسِلُوا الطَلاقَ في وقْتِ حَيْضٍ، بِخِلافِ المَدْخُولِ بِها.

وقالَ مَكِّيٌّ: المَعْنى "لا جُناحَ عَلَيْكُمْ" في الطَلاقِ قَبْلَ البِناءِ، لِأنَّهُ قَدْ يَقَعُ الجَناحُ عَلى المُطْلِّقِ بَعْدَ أنْ كانَ قاصِدًا لِلذَّوْقِ، وذَلِكَ مَأْمُونٌ قَبْلَ المَسِيسِ.

والخِطابُ بِالآيَةِ لِجَمِيعِ الناسِ.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَمَسُّوهُنَّ" بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ: "تُماسُّوهُنَّ" بِألِفٍ وضَمِّ التاءِ، وهَذِهِ القِراءَةُ الأخِيرَةُ تُعْطِي المَسَّ مِنَ الزَوْجَيْنِ، والقِراءَةُ الأولى تَقْتَضِي ذَلِكَ بِالمَعْنى المَفْهُومِ مِنَ المَسِّ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ لِأنَّ أفْعالَ هَذا المَعْنى جاءَتْ ثُلاثِيَّةً عَلى هَذا الوَزْنِ: نَكَحَ وسَفَدَ وقَرَعَ وذَقَطَ وضَرَبَ الفَحْلَ.

والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

"تَفْرِضُوا" عَطْفٌ عَلى "تَمَسُّوا" وفَرْضُ المَهْرِ إثْباتُهُ وتَحْدِيدُهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي جَوازَ العَقْدِ عَلى التَفْوِيضِ، لِأنَّهُ نِكاحٌ مُقَرَّرٌ في الآيَةِ، مُبَيِّنٌ حُكْمَ الطَلاقِ فِيهِ، قالَهُ مالِكٌ في "المُدَوَّنَةِ".

والفَرِيضَةُ: الصَداقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمَتِّعُوهُنَّ" مَعْناهُ: أعْطُوهُنَّ شَيْئًا يَكُونُ مَتاعًا لَهُنَّ، وحَمْلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو قُلابَةَ، والزُهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ عَلى الوُجُوبِ، وحَمَلَهُ أبُو عُبَيْدٍ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ، وأصْحابُهُ، وشُرَيْحٌ، وغَيْرُهم عَلى النَدْبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ بِـ "مَتِّعُوا" مِنَ المُرادِ بِهِ مِنَ النِساءِ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَأْيِ: المُتْعَةُ واجِبَةٌ لِلْمُطْلَّقَةِ قَبْلَ البِناءِ والفَرْضِ، ومَندُوبَةٌ في غَيْرِها.

وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: المُتْعَةُ مَندُوبٌ إلَيْها في كُلِّ مُطَلَّقَةٍ وإنْ دَخَلَ بِها، إلّا في الَّتِي لَمْ يَدْخُلُ بِها وقَدْ فَرَضَ لَها، فَحَسْبُها ما فُرِضَ لَها، ولا مُتْعَةَ لَها.

وقالَ أبُو ثَوْرٍ: لَها المُتْعَةُ ولِكُلِّ مُطْلَّقَةٍ.

وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَها ولَمْ يَدْخُلْ بِها لا شَيْءَ لَها غَيْرُ المُتْعَةِ.

فَقالَ الزُهْرِيُّ: يَقْضِي لَها بِها القاضِي.

وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لا يَقْضِي بِها، قالَهُ شُرَيْحٌ، ويُقالُ لِلزَّوْجِ: إنْ كُنْتَ مِنَ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ فَمَتِّعْ ولَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعَ إطْلاقِ لَفْظِ الوُجُوبِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وأمّا رَبْطُ مَذْهَبِ مالِكٍ، فَقالَ ابْنُ شَعْبانَ: المُتْعَةُ بِإزاءِ غَمِّ الطَلاقِ، ولِذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُخْتَلِعَةِ والمُبارِيَةِ والمُلاعِنَةِ مُتْعَةٌ.

وقالَ التِرْمِذِيُّ وعَطاءٌ، والنَخْعِيُّ: لِلْمُخْتَلِعَةِ مُتْعَةٌ.

وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: لِلْمُلاعِنَةِ مُتْعَةٌ.

قالَ ابْنُ القاسِمِ: ولا مُتْعَةَ في نِكاحٍ مَفْسُوخٍ.

قالَ ابْنُ المَوّازِ: ولا فِيما يَدْخُلُهُ الفَسْخُ بَعْدَ صِحَّةِ العَقْدِ مِثْلُ مِلْكِ أحَدِ الزَوْجَيْنِ صاحِبَهُ.

ورَوى ابْنُ وهْبٍ، عن مالِكٍ: أنَّ المُخَيَّرَةَ لَها المُتْعَةُ بِخِلافِ الأمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ العَبْدِ فَتَخْتارُ، فَهَذِهِ لا مُتْعَةَ لَها، وأمّا الحُرَّةُ تُخَيَّرُ أو تُمَلَّكُ، أو يَتَزَوَّجُ عَلَيْها أمَةً فَتَخْتارُ هي نَفْسَها في ذاكَ كُلِّهِ فَلَها المُتْعَةُ، لِأنَّ الزَوْجَ سَبَبُ الفِراقِ، وعَلَيْها هي غَضاضَةٌ في ألّا تَخْتارَ نَفْسَها.

واخْتَلَفَ الناسُ في مِقْدارِ المُتْعَةِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: أدْنى ما يُجْزِئُ في المُتْعَةِ ثَلاثُونَ دِرْهَمًا أو شِبْهُها، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ كانَ يَقْضِي عَلى صاحِبِ الدِيوانِ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرْفَعُ المُتْعَةِ خادِمٌ، ثُمَّ كُسْوَةٌ، ثُمَّ نَفَقَةٌ.

وقالَ عَطاءٌ: أوسَطُ ذَلِكَ دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ.

وقالَ الحَسَنُ: يُمَتَّعُ كُلٌّ عَلى قَدْرِهِ هَذا بِخادِمٍ، وهَذا بِأثْوابٍ.

وهَذا بِثَوْبٍ، وهَذا بِنَفَقَةٍ، وكَذَلِكَ يَقُولُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.

ومَتَّعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِعِشْرِينَ ألْفًا وزُقاقٍ مِن عَسَلٍ، ومَتَّعَ شُرَيْحٌ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وقالَتْ أُمُّ حُمَيْدِ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى خادِمٍ سَوْداءَ مَتَّعَ بِها عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ زَوْجَهُ أمَّ أبِي سَلَمَةَ.

وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ، وغَيْرُهُمْ: مُتْعَةُ الَّتِي تُطَلَّقُ قَبْلَ الدُخُولِ والفَرْضُ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها لا غَيْرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ دَلِيلٌ عَلى رَفْضِ التَحْدِيدِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى المُوسِعِ" بِسُكُونِ الواوِ وكَسْرِ السِينِ بِمَعْنى الَّذِي أوسَعَ أيِ اتَّسَعَتْ حالُهُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "المُوَسَّعُ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ السِينِ وفَتْحِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ "قَدْرُهُ" بِسُكُونِ الدالِ في المَوْضِعَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - "قَدَرُهُ" بِفَتْحِ الدالِ فِيهِما.

قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وغَيْرُهُ: هُما بِمَعْنًى، لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، وكَذَلِكَ حَكى أبُو زَيْدٍ: تَقُولُ: خُذْ قَدْرَ كَذا وقَدْرَ كَذا بِمَعْنًى، ويَقْرَأُ في كِتابِ اللهِ: ﴿ فَسالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها  ﴾ .

وقالَ: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ولَوْ حُرِّكَتِ الدالُّ لَكانَ جائِزًا.

و"المُقْتِرِ": المُقِلُّ القَلِيلُ المالِ.

و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالمَعْرُوفِ" أيْ لا حَمْلَ فِيهِ ولا تَكَلُّفَ عَلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ .

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى النَدْبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ في هَذِهِ النازِلَةِ مِنَ التَمْتِيعِ هم مُحْسِنُونَ، ومَن قالَ بِأنَّ المُتْعَةَ واجِبَةٌ.

قالَ: هَذا تَأْكِيدُ الوُجُوبِ، أيْ عَلى المُحْسِنِينَ بِالإيمانِ والإسْلامِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: لَسْتَ بِمُحْسِنٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، و"حَقًّا" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "مَتاعًا" أو نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في التَأْكِيدِ لِلْأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف تشريع لبيان حكم ما يترتب على الطلاق من دفع المهر، كله أو بعضه، وسقوطه وحكم المتعة مع إفادة إباحة الطلاق قبل المسيس.

فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ومناسبة موقعها لا تخفى، فإنه لما جرى الكلام في الآيات السابقة على الطلاق الذي تجب فيه العدة، وهو طلاق المدخول بهن، عرج هنا على الطلاق الواقع قبل الدخول، وهو الذي في قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية، في سورة الأحزاب (49)، وذكر مع ذلك هنا تنصيف المهر والعفو عنه.

وحقيقة الجناح الإثم كما تقدم في قوله: ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ [البقرة: 158].

ولا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم، ولذلك حمله جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق، ووقع في «الكشاف» تفسير الجناح بالتبعة فقال: ﴿ لا جناح عليكم لا تبعة عليكم من إيجاب المهر ﴾ ثم قال: والدليل على أن الجناح تبعة المهر، قوله: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ إلى قوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فقوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ إثبات للجناح المنفي ثمة» وقال ابن عطية وقال قوم: لا جناح عليكم معناه لا طلب بجميع المهر فعلمنا أن صاحب «الكشاف» مسبوق بهذا التأويل، وهو لم يذكر في «الأساس» هذا المعنى للجناح حقيقة ولا مجازاً، فإنما تأوله من تأوله تفسيراً لمعنى الكلام كله لا لكلمة ﴿ جناح ﴾ وفيه بعد، ومحمله على أن الجناح كناية بعيدة عن التبعة بدفع المهر.

والوجه ما حمل عليه الجمهور لفظ الجناح، وهو معناه المتعارف، وفي «تفسير ابن عطية» عن مكي بن أبي طالب «لا جناح عليكم في الطلاق قبل البناء؛ لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصداً للذوق، وذلك مأمون قبل المسيس» وقريب منه في الطيبي عن الراغب أي في «تفسيره».

فالمقصود من الآية تفصيل أحوال دفع المهر أو بعضه أو سقوطه، وكأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ﴾ إلى آخره تمهيد لذلك وإدماج لإباحة الطلاق قبل المسيس لأنه بعيد عن قصد التذوق، وأبعد من الطلاق بعد المسيس عن إثارة البغضاء بين الرجل والمرأة، فكان أولى أنواع الطلاق بحكم الإباحة الطلاق قبل البناء.

قال ابن عطية وغيره: إنه لكثرة ما حض الرسول عليه الصلاة والسلام المؤمنين على أن يقصدوا من التزوج دوام المعاشرة، وكان ينهى عن فعل الذواقين الذين يكثرون تزوج النساء وتبديلهن، ويكثر النهي عن الطلاق حتى قد يظن محرماً، فأبانت الآية إباحته بنفي الجناح بمعنى الوزر.

والنساء: الأزواج، والتعريف فيه تعريف الجنس، فهو في سياق النفي للعموم، أي لا جناح في تطليقكم الأزواج، و(ما) ظرفية مصدرية، والمسيس هنا كناية عن قربان المرأة.

و (أو) في قوله: ﴿ أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ عاطفة على ﴿ تمسوهن ﴾ المنفي، و(أو) إذا وقعت في سياق النفي تفيد مفاد واو العطف فتدل على انتفاء المعطوف والمعطوق عليه معاً، ولا تفيد المفاد الذي تفيده في الإثبات، وهو كون الحكم لأحد المتعاطفين، نبه على ذلك الشيخ ابن الحاجب في «أماليه» وصرح به التفتازاني في «شرح الكشاف»، وقال الطيبي: إنه يؤخذ من كلام الراغب، وهو التحقيق؛ لأن مفاد «أو» في الإثبات نظير مفاد النكرة وهو الفرد المبهم، فإذا دخل النفي استلزم نفي الأمرين جميعاً، ولهذا كان المراد في قوله تعالى: ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ [الإنسان: 24] النهي عن طاعة كليهما، لا عن طاعة أحدهما دون الآخر، وعلى هذا انبنت المسألة الأصولية وهي: هل وقع في اللغة ما يدل على تحريم واحد لا بعينه، بناء على أن ذلك لا يكون إلا بحرف أو، وأن أو إذا وقعت في سياق النهي كانت كالتي تقع في سياق النفي.

وجعل صاحب «الكشاف» (أو) في قوله: ﴿ أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ بمعنى إلا أو حتى، وهي التي ينتصب المضارع بعدها بأن واجبة الإضمار، بناء على إمكانه هنا وعلى أنه أبعد عن الخفاء في دلالة أو العاطفة في سياق النفي، على انتفاء كلا المتعاطفين؛ إذ قد يتوهم أنها لنفي أحدهما كشأنها في الإثبات، وبناء على أنه أنسب بقوله تعالى بعد ذلك ﴿ وأن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ﴾ حيث اقتصر في التفصيل على أحد الأمرين: وهو الطلاق قبل المسيس مع فرض الصداق، ولم يذكر حكم الطلاق قبل المسيس أو بعده، وقبل فرض الصداق، فدل بذلك على أن الصورة لم تدخل في التقسيم السابق، وذلك أنسب بأن تكون للاستثناء أو الغاية، لا للعطف، ولا يتوهم أن صاحب الكشاف أهمل تقدير العطف لعدم استقامته، بل لأن غيره هنا أوضح وأنسب، يعني والمراد قد ظهر من الآية ظهوراً لا يدع لتوهم قصد نفي أحد الأمرين خطوراً بالأذهان، ولهذا استدركه البيضاوي فجوز تقديرها عاطفة في هذه الآية.

وقد أفادت الآية حكماً بمنطوقها وهو أن المطلقة قبل البناء إذا لم يسم لها مهر لا تستحق شيئاً من المال، وهذا مجمع عليه فيما حكاه ابن العربي، وحكى القرطبي عن حماد بن سليمان أن لها نصف صداق أمثالها، والجمهور على خلافه وأن ليس لها إلا المتعة، ثم اختلفوا في وجوبها كما سيأتي.

وهذا الحكم دلنا على أن الشريعة قد اعتبرت النكاح عقداً لازماً بالقول، واعتبرت المهر الذي هو من متمماته غير لازم بمجرد صيغة النكاح، بل يلزم بواحد من أمرين إما بصيغة تخصه، وهي تعيين مقداره بالقول، وهي المعبر عنها في الفقه بنكاح التسمية، وإما بالفعل وهو الشروع في اجتناء المنفعة المقصودة ابتداء من النكاح وهي المسيس، فالمهر إذن من توابع العقود التي لا تثبت بمجرد ثبوت متبوعها، بل تحتاج إلى موجب آخر كالحوز في عقود التبرعات، وفيه نظر، والنفس لقول حماد بن سليمان أميل.

والآية دلت على مشروعية أصل الطلاق، لما أشعرت بنفي الجناح عن الطلاق قبل المسيس وحيث أشعرت بإباحة بعض أنواعه: بالتصدي لبيان أحكامها، ولما لم يتقدم لنا موضع هو أنسب بذكر مشروعية الطلاق من هذه الآية، فنحن نبسط القول في ذلك: إن القانون العام لانتظام المعاشرة هو الوفاق في الطبائع والأخلاق والأهواء والأميال، وقد وجدنا المعاشرة نوعين: أولهما معاشرة حاصلة بحكم الضرورة، وهي معاشرة النسب، المختلفة في القوة والضعف، بحسب شدة قرب النسب وبعده كمعاشرة الآباء مع الأبناء، والإخوة بعضهم مع بعض، وأبناء العم والعشيرة، واختلافها في القوة والضعف يستتبع اختلافها في استغراق الأزمان، فنجد في قصر زمن المعاشرة، عند ضعف الآصرة، ما فيه دافع للسآمة والتخالف الناشئين عما يتطرق إلى المتعاشرين من تنافر في الأهواء والأميال، وقد جعل الله في مقدار قرب النسب تأثيراً في مقدار الملاءمة؛ لأنه بمقدار قرب النسيب، يكون التئام الذات مع الأخرى أقوى وأتم، وتكون المحاكة والممارسة والتقارب أطول، فنشأ من السببين الجبلي، والاصطحابي، ما يقوي اتحاد النفوس في الأهواء والأميال بحكم الجبلة، وحكم التعود والإلف، وهكذا يذهب ذلك السببان يتباعدان بمقدار ما يتباعد النسيب.

النوع الثاني: معاشرة بحكم الاختيار وهي معاشرة الصحبة والخلة والحاجة والمعاونة، وما هي إلا معاشرة مؤقتة تطول أو تقصر، وتستمر أو تغب، بحسب قوة الداعي وضعفه، وبحسب استطاعة الوفاء بحقوق تلك المعاشرة، والتقصير في ذلك، والتخلص من هذا النوع ممكن إذا لم تتحد الطباع.

ومعاشرة الزوجين في التنويع، هي من النوع الثاني، وفي الآثار محتاجة إلى آثار النوع الأول، وينقصها من النوع الأول سببه الجبلي لأن الزوجين يكثر ألا يكونا قريبين وسببه الاصطحابي، في أول عقد التزوج حتى تطول المعاشرة ويكتسب كل من الآخر خلقه، إلا أن الله تعالى جعل في رغبة الرجل في المرأة إلى حد أن خطبها، وفي ميله إلى التي يراها، مذ انتسبت به واقترنت، وفي نيته معاشرتها معاشرة طيبة، وفي مقابلة المرأة الرجل بمثل ذلك ما يغرز في نفس الزوجين نوايا وخواطر شريفة وثقة بالخير، تقوم مقام السبب الجبلي، ثم تعقبها معاشرة وإلف تكمل ما يقوم مقام السبب الاصطحابي، وقد أشار الله تعالى إلى هذا السر النفساني الجليل، بقوله: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ [الروم: 21].

وقد يعرض من تنافر الأخلاق وتجافيها ما لا يطمع معه في تكوين هذين السببين أو أحدهما، فاحتيج إلى وضع قانون للتخلص من هذه الصحبة، لئلا تنقلب سبب شقاق وعداوة فالتخلص قد يكون مرغوباً لكلا الزوجين، وهذا لا إشكال فيه، وقد يكون مرغوباً لأحدهما ويمتنع منه الآخر، فلزم ترجيح أحد الجانبين وهو جانب الزوج لأن رغبته في المرأة أشد، كيف وهو الذي سعى إليها ورغب في الاقتران بها؛ ولأن العقل في نوعه أشد، والنظر منه في العواقب أسد، ولا أشد احتمالاً لأذى وصبراً على سوء خلق من المرأة، فجعل الشرع التخلص من هذه الورطة بيد الزوج، وهذا التخلص هو المسمى: بالطلاق، فقد يعمد إليه الرجل بعد لأي، وقد تسأله المرأة من الرجل، وكان العرب في الجاهلية تسأل المرأة الرجل الطلاق فيطلقها، قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يذكر زوجتيه: تلك عِرساي تنطقان على عم *** د إلى اليوم قولَ زور وهَتْر سَالَتَانِي الطلاق أَن رأَتامَا *** لي قليلاً قد جئتماني بنُكْر وقال عبيد بن الأبرصْ: تلكَ عِرسي غضبى تريد زيالي *** أَلبَيْن تريد أم لِدَلال إن يكن طِبُّككِ الفراقَ فلا أح *** فِلُ أن تعطفي صُدور الجِمال وجعل الشرع للحاكم إذا أبى الزوج الفراق ولحق الزوجة الضرُّ من عشرته، بعد ثبوت موجباته، أن يطلقها عليه.

فالطلاق فسخ لعقدة النكاح بمنزلة الإقالة في البيع، إلا أنه فسخ لم يشترط فيه رضا كلا المتعاقدين بل اكتُفي برضا واحد: وهو الزوج، تسهيلاً للفراق عند الاضطرار إليه، ومقتضى هذا الحكم أن يكون الطلاق قبل البناء بالمرأة ممنوعاً؛ إذ لم تقع تجربة الأخلاق، لكن لما كان الداعي إلى الطلاق قبل البناء لا يكون إلا لسبب عظيم لأن أفعال العقلاء تصان عن العبث، كيف يعمد راغب في امرأة، باذل لها ماله ونفسه إلى طلاقها قبل التعرف بها، لولا أن قد علم من شأنها ما أزال رجاءه في معاشرتها، فكان التخلص وقتئذ قبل التعارف، أسهل منه بعد التعارف.

وقرأ الجمهور (ما لم تمسوهن) بفتح المثناة الفوقية مضارع مس المجرد، وقرأ حمزة والكسائي وخلف، (تماسوهن) بضم المثناة الفوقية وبألف بعد الميم مضارع ماس؛ لأن كلا الزوجين يمس الآخر.

وقوله: ﴿ ومتعوهن على الموسع قدره ﴾ الآية عطف على قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ عطف التشريع على التشريع، على أن الاتحاد بالإنشائية والخبرية غير شرط عند المحققين، والضمير عائد إلى النساء المعمول للفعل المقيد بالظرف وهو: ﴿ ما لم تَمسوهن أو تفرضوا ﴾ ، كما هو الظاهر، أي متعوا المطلقات قبل المسيس، وقبل الفرض، ولا أحسب أحداً يجعل معاد الضمير على غير ما ذكرنا، وأما ما يوجد من الخلاف بين العلماء في حكم المتعة للمطلقة المدخول بها، فذلك لأدلة أخرى غير هذه الآية.

والأمر في قوله: ﴿ ومتعوهن ﴾ ظاهره الوجوب وهو قول علي وابن عمر والحسن والزهريّ وابن جبير وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه، وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأن أصل الصِّيغة للوجوب مع قرينة قوله تعالى: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ وقوله بعد ذلك، في الآية الآتية: ﴿ حقا على المتقين ﴾ لأن كلمة ﴿ حقا ﴾ تؤكد الوجوب، والمراد بالمحسنين عند هؤلاء المؤمنون، فالمحسن بمعنى المحسن إلى نفسه بإبعادها عن الكفر، وهؤلاء جعلوا المتعة للمطلقة غير المدخول بها وغير المسمى لها مهر واجبة، وهو الأرجح لئلا يكون عقد نكاحها خلياً عن عوض المهر.

وجعل جماعة الأمر هنا للندب لقوله بعدُ: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ فإنه قرينة على صرف الأمر إلى أحد ما يقتضِيه، وهو ندب خاص مؤكد للندب العام في معنى الإحسان، وهو قول مالك وشُريح، فجعلها حقاً على المحسنين، ولو كانت واجبة لجعلها حقاً على جميع الناس، ومفهوم جعلها حقاً على المحسنين أنها ليست حقاً على جميع الناس، وكذلك قوله ﴿ المتقين ﴾ في الآية الآتية، لأن المتقي هو كثير الامتثال، على أننا لو حملنا المتقين على كل مؤمن لكان بين الآيتين تعارض المفهوم والعموم، فإن المفهوم الخاص يخصص العموم.

وفي «تفسير الأبّي» عن ابن عرفة: «قال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: المتعة واجبة يقضى بها إذ لا يأبى أن يكون من المحسنين ولا من المتقين إلا رجل سوء، ثم ذكر ابن عرفة عن ابن عبد السلام عن ابن حبيب أنه قال بتقديم العموم على المفهوم عند التعارض، وأنه الأصح عند الأصوليين، قلت: فيه نظر، فإن القائل بالمفهوم لا بد أن يخصص بخصوصه عموم العام إذا تعارضا، على أن لمذهببِ مالك أن المتعة عطية ومؤاساة، والمؤاساة في مرتبة التحسيني، فلا تبلغ مبلغ الوجوب، ولأنها مال بذل في غير عوض، فيرجع إلى التبرعات، والتبرعات مندوبة لا واجبة، وقرينة ذلك قوله تعالى: ﴿ حقا على المحسنين ﴾ فإن فيه إيماء إلى أن ذلك من الإحسان لا من الحقوق، على أنه قد نفى الله الجناح عن المطلق ثم أثبت المتعة، فلو كانت المتعة واجبة لانتقض نفي الجناح، إلا أن يقال: إن الجناح نفي لأن المهر شيء معين، قد يجحف بالمطلق بخلاف المتعة، فإنها على حسب وسعه ولذلك نفى مالك ندبَ المتعة للتي طلقت قبل البناء وقد سمَّى لها مهراً، قال: فحسبها ما فرض لها أي لأن الله قصَرها على ذلك، رفقاً بالمطلق، أي فلا تندب لها ندب خاصاً، بأمر القرآن.

وقد قال مالك: بأن المطلقة المدخول بها يستحب تمتيعها، أي بقاعدة الإحسان الأعم ولما مضى من عمل السلف.

وقوله: ﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ الموسع من أوسع إذا صار ذا سعة، والمقتر من أقتر إذا صار ذا قَتر وهو ضيق العيش، والقدر بسكون الدال وبفتحها ما به تعيين ذات الشيء أو حاله، فيطلق على ما يساوي الشيء من الأجرام، ويطلق على ما يساويه في القيمة، والمراد به هنا الحال التي يقدر بها المرء في مراتب الناس في الثروة، وهو الطبقة من القوم، والطاقة من المال، وقرأه الجمهور بسكون الدال، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر بفتح الدال.

وقوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ مبتدأ محذوف الخبر إيجازاً لظهور المعنى، أي فنصف ما فرضتم لهن بدليل قوله: ﴿ وقد فرضتم لهن ﴾ لا يحسن فيها إلا هذا الوجه.

والاقتصار على قوله: ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ يدل على أنها حينئذ لا متعة لها.

وقوله: ﴿ إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ﴾ استثناء من عموم الأحوال أي إلا في حالة عفوهن أي النساء بأن يسقطن هذا النصف، وتسمية هذا الإسقاط عفواً ظاهرة، لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل البناء بما استخف بها، أو بما أوحشها، فهو حق وجب لغرم ضر، فإسقاطه عفو لا محالة، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح.

وأل في النكاح للجنس، وهو متبادر في عقد نكاح المرأة لا في قبول الزوج، وإن كان كلاهما سمي عقداً، فهو غير النساء لا محالة لقوله: ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ فهو ذَكر، وهو غير المطلق أيضاً، لأنه لو كان المطلق، لقال: أو تعفو بالخطاب، لأن قبله ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ولا داعي إلى خلاف مقتضى الظاهر.

وقيل: جيء بالموصول تحريضاً على عفو المطلق، لأنه كانت بيده عقدة النكاح فأفاتها بالطلاق، فكان جديراً بأن يعفو عن إمساك النصف، ويترك لها جميع صداقها، وهو مردود بأنه لو أريد هذا المعنى، لقال أو يعفو الذي كان بيده عقدة النكاح، فتعين أن يكون أريد به ولي المرأة لأن بيده عقدة نكاحها؛ إذ لا ينعقد نكاحها إلا به، فإن كان المراد به الولي المجبر وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، فكونه بيده عقدة النكاح ظاهر، إلا أنه جعل ذلك من صفته باعتبار ما كان، إذ لا يحتمل غير ذلك، وإن كان المراد مطلق الولي، فكونه بيده عقدة النكاح، من حيث توقف عقد المرأة على حضوره، وكان شأنهم أن يخطبوا الأولياء في ولاياهم فالعفو في الموضعين حقيقة، والاتصاف بالصلة مجاز، وهذا قول مالك؛ إذ جعل في «الموطأ»: الذي بيده عقدة النكاح هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته، وهو قول الشافعي في القديم، فتكون الآية ذكرت عفو الرشيدة والمولىَّ عليها، ونسب ما يقرب من هذا القول إلى جماعة من السلف، منهم ابن عباس وعلقمة والحسن وقتادة، وقيل: الذي بيده عقدة النكاح هو المطلق لأن بيده عقد نفسه وهو القبول، ونسب هذا إلى علي وشريح وطاووس ومجاهد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، ومعنى ﴿ بيده عقدة النكاح ﴾ أن بيده التصرف فيها بالإبقاء، والفسخ بالطلاق، ومعنى عفوه: تكميله الصداق، أي إعطاؤه كاملاً.

وهذا قول بعيد من وجهين: أحدهما أن فعل المطلق حينئذ لا يسمى عفواً بل تكميلاً وسماحة؛ لأن معناه أن يدفع الصداق كاملاً، قال في «الكشاف»: «وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيه نظر» إلا أن يقال: كان الغالب عليهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف الصداق، فإذا ترك ذلك فقد عفا، أو سماه عفوا على طريق المشاكلة.

الثاني أن دفع المطلق المهر كاملاً للمطلقة إحسان لا يحتاج إلى تشريع مخصوص، بخلاف عفو المرأة أو وليها، فقد يظن أحد أن المهر لما كان ركناً من العقد لا يصح إسقاط شيء منه.

وقوله: ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ تذييل أي العفو من حيث هو، ولذلك حذف المفعول، والخطاب لجميع الأمة، وجيء بجمع المذكر للتغليب، وليس خطاباً للمطلقين، وإلا لما شمل عفو النساء مع أنه كله مرغوب فيه، ومن الناس من استظهر بهذه الآية على أن المراد بالذي بيده عقدة النكاح المطلق، لأنه عبر عنه بعد بقوله: ﴿ وأن تعفوا ﴾ وهو ظاهر في المذكر، وقد غفل عن مواقع التذييل في آي القرآن كقوله: ﴿ أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ﴾ [النساء: 128].

ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه.

وقوله: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم ﴾ تذييل ثان، معطوف على التذييل الذي قبله، لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي، وفي الطباع السليمة حب الفضل.

فأُمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل ولا ينسوه؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه، فيضمحل منهم، وموشك أن يحتاج إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة.

والنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى: ﴿ فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ [السجدة: 14] وهو كثير في القرآن، وفي كلمة ﴿ بينكم، ﴾ إشارة إلى هذا العفو، إذا لم ينس تعامل الناس به بعضهم مع بعض.

وقوله: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ تعليل للترغيب في عدم إهمال الفضل وتعريض بأن في العفو مرضاة الله تعالى، فهو يرى ذلك منا فيجازي عليه، ونظيره قوله: ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ [السطور: 48].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( تُماسُّوهُنَّ ) ﴿ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ولَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.

والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وتَقْدِيرُهُ: فَرَضْتُمْ أوْ لَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.

والفَرِيضَةُ: الصِّدْقُ وسُمِّيَ فَرِيضَةً لِأنَّهُ قَدْ أوْجَبَهُ لَها، وأصْلُ الفَرْضِ: الواجِبُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: كانَتْ فَرِيضَةً ما أتَيْتَ كَما كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ وَكَما يُقالُ: فَرَضَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ في الفَيْءِ، يَعْنِي أوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ أيْ أعْطُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ مِن أمْوالِكم عَلى حَسَبِ أحْوالِكم في الغِنى والإقْتارِ.

واخْتُلِفَ في قَدْرِ المُتْعَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُتْعَةَ الخادِمُ، ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ، ودُونَ ذَلِكَ الكِسْوَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَدْرُ نِصْفِ صَداقِ مِثْلِها، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِاجْتِهادِ الحاكِمِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ واخْتَلَفُوا في وُجُوبِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّها واجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إلّا غَيْرَ المَدْخُولِ بِها، فَلا مُتْعَةَ لَها، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والثّالِثُ: أنَّها واجِبَةٌ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها إذا لَمْ يُسَمَّ لَها صَداقٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ، وإنَّما الأمْرُ بِها نَدْبٌ وإرْشادٌ، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ، والحَكَمِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ قال: المس النكاح، والفريضة الصداق ﴿ ومتعوهن ﴾ قال: هو على الرجل يتزوّج المرأة ولم يسم لها صداقاً، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره ويسره، فإن موسراً أمتعها بخادم أو نحو ذلك، وإن كان معسراً أمتعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر.

أنه أمر موسعاً بمتعة فقال: تعطي كذا وتكسو كذا، فحسب فوجد ثلاثين درهماً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يفرض لها وقيل أن يدخل بها فليس لها إلا المتعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ الآية.

نزلت في رجل من الأنصار، تزوَّجَ امرأةً من بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثم طلقها قبل أن يَمَسَّها، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فلما نزلت قال له رسول الله  : "مَتَّعْها ولو بقلنسوتك" (١) فإن قيل: ما معنى نفيِ الجناح عن المطلَّق قبل المسيس، ولا جناح على المُطَلِّقِ بعده؟

قيل: ظاهر الآية رفع الحرج عن المطلق قبل المسيس وقبل الفرض، فيحتمل أن يكون معناه: لا سبيل للنساء عليكم إذا طلقتموهن قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة.

ويحتمل أن يكون معناه: إباحة الطلاق له أي وقت شاء، بخلاف ما لو طلق بعد المسيس فإنه يجب أن يطلق للعدة (٢) وقال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طَلَّقَ من تزوج بها بغير مهرٍ (٣) (٤) (٥) وقال صاحب النظم: ما في قوله: ﴿ لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بمعنى الذي على النعت للنساء والترجمة والبيان عنهن، على نظم: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.

و (ما) اسم جامد لا يتصرف، ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد (٦) واختلف القراء في قوله: ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ فقرأ حمزة والكسائي من المفاعلة، والباقون من الثلاثي (٧) ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على فَعَلَ دون فاعل، كقوله ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ  ﴾ كقوله: ﴿ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ  ﴾ (٨) والنكاح عبارة عن الوطء وإن كان قد وقع على العقد (٩) فأما ما جاء في الظهار من قوله: ﴿ مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا  ﴾ ، فإنه أراد المماسة التي هي عين (١٠) (١١) ومن قرأ: (تماسوهن) فلأن فَاعَل قد يراد به ما يراد بـ فعل، نحو: طارقتُ النعلَ، وعاقبت اللصَّ، وهو كثير (١٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ .

أي.

توجبوا لهن صداقًا (١٣) ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  ﴾ .

واختلفوا في تقديره، فقال قوم: (أو) هاهنا عطف على محذوف قبله، والتقدير: ما لم تمسوهن ممن فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن، لأن كل منكوحة إنما هي إحدى ثنتين: مفروض لها الصداق، وغير مفروض لها.

وقال قوم: أو هاهنا بمعنى الواو، يريد: ما لم تمسوهن و (١٤) ﴿ يَزِيدُونَ  ﴾ (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أي: زودوهن وأعطوهن من مالكم (١٦) (١٧) فأما من يستحق المتعة: فالمرأة إذا طلقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس، فإنها تستحق المتعة بالإجماع من العلماء، ولا مهر، وإنما تستحق المتعة في مقابلة ما حصل (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وإن لم يدخلْ بها ولم يَفْرِضْ لها حتى مات ففيها قولان: أحدهما: لها مهر مثلها والميراث، وهو مذهب أهل العراق (٢٢) (٢٣)  بمهر نسائها، لا وَكْسَ ولا شطط، وعليها العِدّة، ولها الميراث (٢٤) والقول الثاني: وهو الصحيح: أن لها الميراث، وعليها العدة، ولا مهر لها، ولها المتعة، كما لو طَلَّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي (٢٥)  (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾ المُوْسِع: الغني الذي يكون في سَعَة من غناه، يقال: أوسعَ الرجل: إذا كَثُرَ مالُه واتَّسَعت حالُه، ويقال: أوسعه كذا، أي: وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ  ﴾ (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ قَدَرُهُ ﴾ أي: قَدْرَ إمكانه وطاقته، فحذف المضاف.

والمقتر: الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير.

وأقتر الرجل إذا افتقر.

وقرئ (قدْرُه) بالإسكان والتحريك (٢٨) يقال: قدر القوم أمرَهم يَقْدِرونه قَدْرًا، وهذا قَدْرُ هذا، واحمل على رأسك قَدْرَ ما تطيق، وقَدْرَ الله الرزق يَقْدِره ويَقْدُره قَدْرًا، وقَدَرْتُ الشيء بالشيء أقدِرُه قَدْرًا، وقَدَرْتُ على الأمر أقدِرُ عليه قُدْرَةً وقُدُورًا وقَدَارةً.

كل هذا يجوز فيه التسكين والتحريك، يقال: هذا قدَرُ هذا، واحمل قَدَرَ ما تطيق، وهم يختصمون في القدْرِ والقَدَر، وقدرتُ عليه الثوب قدرًا، وخذ منه بقدرِ كذا وَبِقَدَر كذا، قال الله تعالى: ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ ولو حُرِّك كان جائزًا.

وكذلك: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ  ﴾ ، ولو خُفِّفَ جَاز، إلا أَنَّه لِوفَاق رؤوس الآي يُحَرَّك (٢٩) وما صَبَّ رِجْلي (٣٠) (٣١) (٣٢) والمتعة غير مقدرة (٣٣) ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ قال ابن عباس (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، قال: أعلاها على الموسع (٣٩) (٤٠) وعند أبي حنيفة رحمه الله: مبلغها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها (٤١) وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾ انتصب على: متعوهن متاعًا، وإن شئت على الخروج من القدر، لأنه معرفة وهذا نكرة (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بما يعرفون القصد وقدر الإمكان (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ منصوب على: حقَّ ذلك عليهم حقًا، يقال: حققت عليه القضاء وأحققت: أي أوجبت (٤٤) (١) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 200، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1174، والبغوي في "تفسيره" 1/ 283، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 279، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 202، وأبو حيان في "البحر" 2/ 230، وقد ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث "الكشاف" 1/ 151، وبيض له، وقال الحافظ كما في "الكشاف" 1/ 285: لم أجده، وقال الولي العراقي كما في "الفتح السماوي" 1/ 293: لم أقف عليه، وعزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 596 إلى مجاهد ولم يذكر من خرجه.

وقد روى البيهقي 7/ 257، والخطيب في "تاريخ بغداد" 3/ 72 من حديث جابر  قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته، قال له رسول الله  : "متعها ولو بصاع"، وليس فيه ذكر لسبب نزول الآية.

وينظر تحقيق "تفسير الثعلبي" للمنيع 2/ 1174.

(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1175 - 1179، وينظر "تفسير الطبري" 2/ 538 - 539، و"تفسير البغوي" 1/ 284، و"البحر المحيط" 2/ 232.

(٣) من قوله.

(على من) ساقطة من (ي).

(٤) من قوله: (كما أن) ساقطة من (ش).

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 318.

(٦) ينظر: "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 296 وما بعدها.

(٧) ينظر: "السبعة" ص 183 - 184، "الحجة" 2/ 336، "النشر" 2/ 228.

(٨) نقله عن أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 336.

(٩) "الحجة" 2/ 337.

(١٠) في (ش) و (م) (غير).

(١١) "الحجة" 2/ 337 - 338.

(١٢) "الحجة" 2/ 338.

(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1175، و"تفسير البغوي" 1/ 284.

(١٤) في (ي) (أوتفرضوا).

(١٥) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 231.

(١٦) في (ي) (وأعطوهن ما لكم).

(١٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1179، و"تفسير البغوي" 1/ 284.

(١٨) في (ي) (حصلت).

(١٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 536، "تفسير الثعلبي" 2/ 1182، "تفسير القرطبي" 3/ 200.

(٢٠) في (ش): (فلما).

(٢١) وقع الخلاف في حكم المتعة، وقد ذكره المؤلف عند الآية رقم (241) فلينظر.

(٢٢) ينظر "اختلاف العلماء" للمروزي ص 142، "مختصر الطحاوي" ص 184، "المبسوط" 5/ 62، " المغني" 10/ 49.

(٢٣) بروع بنت واشق الرؤاسية الكلابية، وقيل: الأشجعية، زوج هلال بن مرة، صحابية اشتهرت بقصتها هذه.

ينظر "الاستيعاب" 4/ 357، "أسد الغابة" 5/ 408.

(٢٤) الحديث رواه أبو داود (2115) كتاب: النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقا، والنسائي 6/ 121 كتاب: النكاح، باب: إباحة التزوج بغير طلاق، والترمذي (1145) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، وصححه، وابن ماجه (1891) كتاب: النكاح، باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك، وأحمد 3/ 480، والحاكم 2/ 196، وقال: صحيح على شرط مسلم، عن معقل بن سنان الأشجعي، وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" 3/ 191: وصححه ابن مهدي والترمذي وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده.

(٢٥) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 6/ 293، وسعيد بن منصور في "سنه" 1/ 265، وابن أبي شيبة في "المصنف" 4/ 301، والبيهقي 7/ 247.

(٢٦) رواه سعيد بن منصور في "سننه" 1/ 268، والبيهقي 7/ 247، قال المنذري كما في "الجوهر النقي" 7/ 247: لم يصح هذا الأثر عن علي.

(٢٧) ينظر في وسع: "تهذيب اللغة" 4/ 3889، "المفردات" ص 538، "اللسان" 8/ 4835.

(٢٨) قدْرُه: بإسكان الدال، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: قدَرُه، بتحريكين.

ينظر "السبعة" لابن مجاهد ص 184.

(٢٩) هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 338 - 339.

(٣٠) في (ش): (رحلي).

(٣١) في (ي): (حديث).

(٣٢) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 215 وفي "إصلاح المنطق" لابن السكيت ص 99، "تفسير الطبري" 2/ 538 "تفسير الثعلبي" 2/ 1181، "لسان العرب" 4/ 2387 (مادة: صبب).

(٣٣) قال الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1189: والصحيح أن الواجب من ذلك على قدر عسر الرجل ويسره.

(٣٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 156، والطبري في "تفسيره" 2/ 530، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 442 - 443.

(٣٥) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" 2/ 27، والطبري في "تفسيره" 2/ 530، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 443.

(٣٦) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 7/ 27، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 157، والطبري 2/ 531.

(٣٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 530.

(٣٨) الوقاية: مثلثة الواو: كل ما وقيت به شيئًا، والوِقاية التي للنساء.

ينظر "لسان العرب" 8/ 4901 - 4904 (مادة: وقى).

(٣٩) في (ي) (الموضع).

(٤٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1187، "تكملة المجموع" 16/ 391، "تخليص الحبير" 3/ 164.

(٤١) "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 433، "تفسير الثعلبي" 2/ 1189.

(٤٢) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، وعبارته: يجوز أن يكون منصوبا على الخروج من قوله: (ومتعوهن ...

متاعًا) أي: ممتعًا متاعًا.

وينظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 319.

وقال الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1181: ويجوز أن يكون نصبًا على القطع، لأن المتاع نكرة والقدر معرفة.

(٤٣) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319.

(٤٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 319، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 154 - 155، و"التبيان" ص 142.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ الآية: قيل: إنها إباحة للطلاق قبل الدخول، ولما نهي عن التزويج بمعنى الذوق، وأمر بالتزوج طلباً للعصمة ودوام الصحبة ظنّ قوم أن من طلق قبل البناء وقع في المنهي عنه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك، وقيل: إنها في بيان ما يلزم من الصداق والمتعة في الطلاق قبل الدخول، وذلك أن من طلق قبل الدخول فإن كان لم يفرض لها صداقاً وذلك في نكاح التفويض: فلا شيء عليه من الصداق؛ لقوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ الآية، والمعنى: لا طلب عليكم بشيء من الصداق، ويؤمر بالمتعة لقوله تعالى: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ وإن كان قد فرض لها: فعلية نصف الصداق لقوله تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ ولا متعة عليه، لأن المتعة إنما ذكرت فيما لم يفرض لها بقوله: أو تفرضوا أو فيه بمعنى الواو ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أي أحسنوا إليهنّ، وأعطوهن شيئاً عند الطلاق، والأمر بالمتعة مندوب عند مالك، وواجب عند الشافعي ﴿ عَلَى الموسع قَدَرُهُ ﴾ أي يمتع كل واحد على قدر ما يجد، والموسع الغني، و ﴿ المقتر ﴾ الضَّيق الحال، وقرئ بإسكان دال قدرة وفتحها، وهما بمعنى واحد وبالمعروف هنا: أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين ﴿ حَقّاً عَلَى المحسنين ﴾ تعلق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: حقاً، وتعلق مالك بالندب في قوله: على المحسنين؛ لأنّ الإحسان تطوع بما لا يلزم ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بيان أن المطلقة قبل البناء لها نصف الصداق؛ إذا كان فُرض لها صداقٌ مسمى، بخلاف نكاح التفويض ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ ﴾ النون فيه نون جماعة النسوة: يريد المطلقات، والعفو هنا بمعنى الإسقاط، أي للمطلقات قبل الدخول نصف الصداق، إلاّ أن يسقطنه، وإنما يجوز إسقاط المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح ﴾ قال ابن عباس ومالك وغيرهما: هو الوالي الذي تكون المرأة في حجره كالأب في ابنته المحجورة، والسيد في أمته، فيجوز له أن يسقط نصف الصداق الواجب له بالطلاق قبل الدخول، وأجاز شريح إسقاط غير الأب من الأولياء، وقال سقط عنه من الصداق، ولا يجوز عندهما أن يسقط الأب النصف الواجب لابنته، وحجة مالك أن قوله تعالى: ﴿ وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى ﴾ فإن الزوج إذا تطوّع بإعطاء النصف الذي لا يلزمه فذلك فضل، وأما إسقاط الأب لحق ابنته فليس فيه تقوى؛ لأنه إسقاط حق الغير ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ ﴾ قيل إنه يعني إسقاط المرأة نصف صداقها أو دفع الرجل النصف الساقط عنه واللفظ أعم من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تضار ﴾ بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.

الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله ﴿ ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد  ﴾ بالفتح ﴿ ما أتيتم ﴾ مقصوراً: ابن كثير.

الباقون بالمد ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء وما بعده: المفضل.

الباقون بضم الياء ﴿ النساء أو ﴾ بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ النساء ﴾ وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ النساء أو ﴾ .

﴿ تماسوهن ﴾ حيث وقعت: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ تمسوهن ﴾ ﴿ قدره ﴾ بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالإسكان.

الوقوف: ﴿ الرضاعة ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ وسعها ﴾ ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى ﴿ مثل ذلك ﴾ ج ﴿ عليهما ﴾ ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ هـ ﴿ وعشراً ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ هـ ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ط ﴿ أجله ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ فاحذروه ﴾ ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا كررت كلمة "واعلموا" تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق ﴿ حليم ﴾ هـ ﴿ فريضة ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ ومتعوهن ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة الثانية لتقدير المأمور في الأولى ﴿ قدره ﴾ الثاني ج لأن "متاعاً" مصدر "متعوهن" والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين ﴿ بالمعروف ﴾ ج لأن "حقاً" يصلح نعتاً للمتاع أي متاعاً حقاً، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقاً.

﴿ المحسنين ﴾ ط ﴿ النكاح ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ هـ ﴿ بصير ﴾ هـ.

التفسير: الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات.

قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ظاهر اللفظ مشعر بالعموم.

وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق.

وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب الله  الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم.

وأيضاً إنه  قال في الآية: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي.

وقال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهماً يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله  ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن  ﴾ ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة.

وإنما كان ندباً من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق.

وقد يفضي الأمر إلى الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار.

﴿ حولين ﴾ أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب.

فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، و ﴿ كاملين ﴾ توكيد كقوله ﴿ تلك عشرة كاملة  ﴾ فقد يقال: أقمت عند فلان حولين.

وإنما أقام حولاً وبعض الآخر.

وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب لقوله  بعد ذلك ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه.

ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك.

أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام الحولين فلهما ذلك.

وأيضاً فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو قوله  "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري.

وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً.

وقرئ ﴿ أن يتم الرضاعة ﴾ برفع الفعل تشبيهاً لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن كلمة "ما" ستارة تقع مصدرية فلا تنصب.

وقرئ ﴿ الرضاعة ﴾ بكسر الراء.

﴿ وعلى المولود له ﴾ وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم.

وإنما قيل: ﴿ المولود له ﴾ دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات.

وفيه تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه ما قال  : "الولد للفراش" وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: كله لك فكله عليك.

فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله ﴿ واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً  ﴾ ﴿ بالمعروف ﴾ تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضار.

وأيضاً المعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد.

وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة.

والتكليف: الإلزام.

قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه.

فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره.

وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره.

والوسع ما يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة.

من قرأ ﴿ لا تضار ﴾ بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها.

ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحاً، ويحتمل البناءين أيضاً.

وتبيين ذلك أنه قرئ ﴿ لا تضارر ﴾ و ﴿ لا تضارر ﴾ بالجزم وكسر الراء الأولى وفتحها.

ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الزرق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً ونحو ذلك ﴿ ولا يضار مولودٌ له ﴾ امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع.

وهكذا إذا كان مبنياً للمفعول كان نهياً عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر بالزوج من قبلها بسبب الولد.

ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرّط فيما ينبغي له ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد.

وإنما قيل: ﴿ بولدها ﴾ و ﴿ بولده ﴾ لأن المرأة لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد.

قوله  ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى كل واحد من هؤلاء.

فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله ﴿ وعلى الوارث ﴾ عطف على قوله ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف.

فالمعنى وعلى وارث المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار.

وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي.

ثم اختلفوا في أنه أيّ وارث هو؟

فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم.

وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة وابن أبي ليلى.

وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه.

وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا الولاد أي الأب والابن.

وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه.

وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما في الدعاء المروي "واجعله الوارث منا" أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ أي فطاماً وليس من باب المفاعلة وإنما هو ثلاثي على "فعال" كالعثار والإباق.

وذلك أن الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.

وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادراً ﴿ عن تراضٍ منهما وتشاور ﴾ مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ في ذلك زادا على الحولين لضعف في تركيب الصبي، أو نقصاً.

وهذه أيضاً توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل إعطاء الأجرة على الإرضاع فيطلب الفطام دفعاً لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذٍ يبعد موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل رفع الحرج فقط.

ولما بيّن حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بيّن أنه يجوز العدول في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا ﴾ أي المراضع أولادكم ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة السين مفعولاً ثانياً كما تقول: أنجا لحاجة واستنجته إياها.

فحذف أحد المفعولين للعلم به.

وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام للعلم به مثل ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.

ومن موانع الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوجٍ آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الإرضاع.

ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج آخر.

ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق.

ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها.

فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم.

﴿ إذا سلمتم ﴾ إلى المراضع ﴿ ما آتيتم ﴾ ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ قرأ ﴿ ما أتيتم ﴾ بالقصر فهو من أتى إليه إحساناً إذا فعله كقوله  ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ أي مفعولاً.

وروى شيبّان عن عاصم ﴿ ما أوتيتم ﴾ أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وليس التسليم شرطاً للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى.

وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يداً بيد حتى يكون أهنأ وأطيب لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذٍ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعاً لمعاذيرهن.

ثم أكد الجميع بأن ختم الآية بنوع من التحذير فقال: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ﴾ .

الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة ﴿ والذين يتوفون ﴾ ومعناه يموتون ويقبضون قال: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ وأصل التوفي أخذ الشيء كاملاً وافياً.

ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه وعليه قراءة علي رضي الله عنه ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء.

والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي - بكسر الفاء -؟

فقال: الله.

وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ  على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو.

فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم يكن بليغاً وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على متعارف الأوساط ﴿ ويذرون ﴾ يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما بتصاريف ترك.

والأزواج ههنا النساء ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ﴾ مثل قوله ﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  ﴾ وقد مر.

﴿ وعشراً ﴾ أي يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.

وإنما قيل: ﴿ عشراً ﴾ ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها.

قال في الكشاف: ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.

وقيل في سبب التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني.

وأيضاً هذه الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد عشر مدد كل منها يوم بليلته.

وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية أنه  إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة.

قلت: ولعل هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك.

وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء.

وعن الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكاً بظاهر عموم الآية، وقياساً على وضع الحمل وإلا إذا كانت المرأة حاملاً فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة لقوله  ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ﴾ .

ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها النبي  : "حللت فانكحي من شئت" .

وعن علي  أنها تتربص أبعد الأجلين.

ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها والمدخول بها وغيرها.

وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول.

ورد بعموم الآية، ولهذا أيضاً لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادتها أو لا تراه خلافاً لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها.

فإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده وتحسب أربعة أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس.

واختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟

فعن بعضهم - ويوافقه جديد قول الشافعي - أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما روي أن النبي  قال: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه" وأيضاً فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين.

وقال الأكثرون: السبب هو الموت.

فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه المدة.

ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه.

ولا منع منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول الحمام وإزالة الأوساخ.

والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنّها تعصي لما روي أن رسول الله  قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" وعن الحسن والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه لكنه  قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل" والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر.

وقد يحتج بقوله ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص الخطاب في ﴿ منكم ﴾ بالمؤمنين.

والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العاملون بذلك كقوله  ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ مع أنه منذر للكل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً  ﴾ ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ إذا انقضت عدتهن ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول.

وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلاً وشرعاً.

وقد يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل ههنا على التزويج فيستدلونه به على جواز النكاح بلا ولي.

بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند إلى المسبب مثل "بنى الأمير داراً" وقد تقدم في قوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن  ﴾ ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: ﴿ والله بما يعملون خبير ﴾ .

الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله  ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم.

ومنه قول الشاعر: وحسبك بالتسليم مني تقاضياً *** وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ولهذا قيل: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وهو قسم من أقسام الكناية.

والخطبة أصلها من الخطب وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمراً وشأناً في نفسها.

وكذا في الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأناً.

ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل قوله  "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافاً لمالك.

وثانيها: ما لا يجوز خطبتها تعريضاً ولا تصريحاً وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت راغباً فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان.

وثالثها: ما يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ.

وسبب ا لتحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة الزوج.

وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب.

قال الشافعي: والتعريض كثير كقوله "رب راغب فيك" أو "من يجد مثلك" أو "لست بأيم" و "إذا حللت فأعلميني".

وعد آخرون من ألفاظ التعريض أو يقول لها: "إنك لجميلة" أو "صالحة" و "من غرضي أن أتزوج" و "عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة" ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه.

والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك.

وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله  وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام.

فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟

فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من نبي الله.

قد دخل رسول الله  على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده.

فما كانت تلك خطبة ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرحين.

أباح التعريض في الحال أولاً ثم أباح أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض فقال: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبئ عن ذلك فأسقط الله  عنه الحرج.

ثم قال: ﴿ ولكن ﴾ أي فاذكروهن ولكن ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه مما يسر.

ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.

والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكداً لذلك التعريض.

فالمواعدة المنهي عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعاً من التصريح، وإما المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة.

وعن ابن عباس أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك.

عن الحسن أو يكون ذلك نهياً عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهياً أن يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه.

ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سراً إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وهو التعريض.

وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه.

والعزم عقد القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى.

وقيل: معنى العزم القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه قوله  "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" وروي "لم يبيت الصيام" وقيل: لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا.

وأصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقوداً تشبيهاً بالحبل الموثق بالعقد ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته.

وباقي الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم.

الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز من قائل ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور.

فإن كان مذكوراً فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية التالية، وإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياساً على الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح.

وقد يستنبط حكمها من قوله  ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن  ﴾ ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها وللمفروض لها غير الممسوسة.

وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال القرآن على أحكام جميع الأقسام.

فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.

قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، أو لعل "ما" بمعنى "التي" لا للمدة.

والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.

ولا يلزم منه وجود الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة إذا مالت بثقلها.

ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدوداً إلى غاية هي إما المسيس أو الفرض.

والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر.

وأيضاً إن تطليق النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده.

وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في القسم الأول مقابل المثبت في الثاني.

واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم.

والفرض في اللغة التقدير أي تقدروا مقدراً من المهر.

ومعنى "أو" ههنا أن رفع الجناح منوط بعدم المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا الحكم.

وقيل: إنها بمعنى الواو.

وقيل: بمعنى "إلا أن" وقيل: بمعنى "حتى" والكل تعسف.

ثم إنه  لما بيّن أنها لا مهر لها قبل المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: ﴿ ومتعوهن ﴾ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة نظراً إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهراً وهو قول شريح والشعبي والزهري.

وعن مالك: ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه  قال في آخر الآية: ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ فجعلها من باب الإحسان.

ورد بأن لفظ "على" منبئ عن الوجوب.

وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً منقضياً ولهذا قيل: الدنيا متاع.

ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة.

﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ أوسع الرجل إذا كان في سعة من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده.

وقدره أي قدراً مكانه وطاقته فحذف المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به.

والقدر والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله  للزوجات وبيّن أن الموسع يخالف المقتر.

قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة.

وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى العادة.

وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها.

ثم لما لم يجب زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى.

﴿ متاعاً ﴾ تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسناً فهذا شأنه وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله  .

الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله  ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ الآية.

واعلم أن مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر.

وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي.

فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً.

والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق فرضاً كان أو نفلاً.

وقوله ﴿ وقد فرضتم ﴾ في موضع الحال.

ومعنى قوله ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت ﴿ لا أن يعفون ﴾ أي المطلقات على أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً؟

والفرق بين قولك "النساء يعفون" وبين "الرجال يعفون" هو أن الواو في الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة الذكور واللام محذوف ووزنه "يعفون" والنون علامة الرفع، فقوله ﴿ أو يعفو ﴾ عطف على محل ﴿ أن يعفون ﴾ والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن الحسن ومجاهد وعلقمة.

وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب.

وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة.

وأيضاً الذي بيد الولي هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.

حجة الأولين أن الصادر عن الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفواً اللهم إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.

أو يقال: سماه عفواً على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل.

فعفو الرجل هو أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.

حجة أخرى لو كان المراد به الزوج وقد قال أولاً: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ناسب أن يقال: ﴿ إلا أن يعفون ﴾ أو تعفو على سبيل الخطاب أيضاً، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على المعنى الذي لأجله يرغب في العفو.

والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.

ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن النكاح لا ينعقد بدون الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم ﴿ بيده ﴾ على ﴿ عقدة النكاح ﴾ فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ قيل: اللام بمعنى "إلى" والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى.

والخطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفواً لبعض عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقرباً إلى ربه فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى العقاب واحترز عنه ﴿ ولا تنسوا الفضل ﴾ لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، وليس نهياً عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك.

وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه.

وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله  كلاً منهما إلى تطييب قلب الآخر ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف.

عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها.

فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كملاً فقيل له: لم تزوجتها؟

فقال: عرضها علي فكرهت رده.

قيل: فلم بعثت بالصداق؟

قال: فأين الفضل؟

ثم إنه  ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

فيه دليل رخصة طلاق غير المدخولات بهن في الأوقات كلها؛ إذ لا يتكلم بنفي الجناح إلا في موضع الرخصة، ولم يخص وقتاً دون وقت.

وأما المدخولات بهن فإنه عز وجل ذكر لطلاقهن وقتاً بقوله: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ  ﴾ ؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله  -: أن لا بأس للرجل أن يطلق أمرأته في حال الحيض [إذا لم يدخل بها].

وجهه: أنه إذا كان دخل بها فعرف وقت طهرها ما سبق من الدخول بها، فأمر بالطلاق في ذلك الوقت ليكون أدعى إلى المراجعة إذا ندم على طلاقها.

وأما التي لم يدخل بها لا يعرف وقت طهرها لما لم يسبق منه ما به يعرف ذلك الوقت، فلم يؤمر بحفظ ذلك الوقت.

ولأنه إذا لم يدخل بها فإن الطلاق بينهما منه، فجعل كل الأوقات له وقتا للطلاق، لما لم يجعل له حق المراجعة قبلها ليكون بعض الأوقات له أدعى إلى ذلك.

والله أعلم.

والثاني: أن المدخول بها يتوهم علوقها منه، فجعل لطلاقها وقتاً لتستبين حالها: أحامل، أم لا؟

لئلا يندم على طلاقها؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته ثم علم أنها حامل يندم على طلاقها؛ لذلك كان الجواب ما ذكرنا.

والله أعلم.

وفيه دليل رخصة طلاق المبين منه إذا لم يملك إمساكها عند الندامة.

لأن الطلاق قبل الدخول تبين المرأة من زوجها.

والأصل في الأمرين - جعل الطلاق في وقت حلها للأزواج.

وكل الأوقات في غير المدخول بها وقت الحل.

وقوله  : ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ .

معناه - ولم تفرضوا لهن فريضة، كأنه عطف على قوله: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، إلى قوله عز وجل: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، دليله قوله  : ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ ، دل الأمر بالمتعة أن قوله  : ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ ﴾ ، معناه - ولم تفرضوا لهن.

ودل قوله عز وجل: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، أن ذلك في غير المفروض لها؛ حيث أوجب في المفروض نصف المفروض وأوجب ثَمَّ المتعة.

ثم يجيء في القياس أن يوجب في غير المفروض نصف مهر المثل إلا المتعة؛ لأنه إذا دخل بها أوجب كل مهر المثل كما أوجب كل المفروض عند الدخول بها، ونصف المفروض عند عدم الدخول بها، لكن أوجب المتعة لوجهين: أحدهما: أن مهر المثل إنما يقدر بها إذا دخل بها، فإذا لم يدخل بها لم يعرف الزوج ما قدر مهر مثلها؟، فإذا لم يعرف ما قدر مهر مثلها لم يعرف النصف من ذلك.

والثاني: أنهم أوجبوا المتعة تخفيفاً وتيسيراً؛ لأن الحاكم يلحقه فضل كلفة وعناء في تعرف حالها وحال نسائها، إذ مهر المثل إنما يعتبر بنسائها، وليس ذلك في المتعة.

والله أعلم.

ثم قدر المتعة: يعتبر شأنه اعتباراً بقدرها؛ لأنه لو اعتبر شأنه قدر ما أوجب لها غناءها وغناء أهلها، ومهر المثل لا يبلغ ذلك، فكان في ذلك تفضيل المتعة على مهن المثل - وقدر ذكرنا أن المتعة أوجب تخفيفاً - ولو نظر إلى قدرها دون قدره لكلف الزوج ما لا طاقة له به ولا وسع؛ لذلك وجب النظر إلى قدره اعتباراً بقدرها.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ ، أو نسق على قوله: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ ، فهو على: "مالم تفرضوا لهن فريضة"، وعلى ذلك قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً  ﴾ ، وعلى هذا إجماع القول في جواز النكاح بغير تسمية.

وفي ذلك دليل أن قوله  : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ  ﴾ ، هو ما يبتغي من النكاح بالمال، لا بتسمية المال، فيكون النكاح موجباً له، به يوصل إلى حق الاستمتاع، لا بالتسمية؛ ولهذا كان لها حق حبس نفسها عنه حتى يسلم إليها ما منع عن الملك إلا مهر به مسمى أو غير مسمى، كقوله  : ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ...

 ﴾ .

وإذا جاز النكاح بلا تسمية لم يفسده فساد التسمية، بل الذي أفسد في أعلى أحواله كأنه لم يكن، وعلى ذلك اتفاق فيما يتزوج المرأة على ما لا يحل من خمر أو ميتة أو نحو ذلك أن يجوز؛ فيكون في ذلك أمران: أحدهما: أن ما لا يتعلق جوازه بالشرط، ففساد الشرط لا يفسد.

والثاني: أن تبين موضع النهي عن الشغار أنه غير مفسد العقد؛ لأنه في جعل ذلك بدلاً للبضع، والله  لم يجعل التسمية شرطاً لجوازه ليفسد لفسادها.

والله أعلم.

ثم جعل الطلاق قبل المماسة سبباً لإسقاط بعض ما أوجب العقد، فهو - والله أعلم - لما لم يوصل إليه كمال ما له قصد النكاح، إذ هو مجعول للتعفف، وحقيقته في إمكان الاستمتاع، لا بالعقد، ولولا ذلك لما جعل النكاح، ولم يبطل كل المهر لما تقلب في الملك الذي له البدل، إذ هو في الحقيقة للملك، لا للاستمتاع.

دليل ذلك: ما لا يزداد لكثرة الاستمتاع؛ فثبت أنه بدل الملك في التقلب فيه، إذ ليس هو سبباً لفسخ السبب الموجب للملك، الذي له وجب البدل، بل هو تقلب فيه، لم يرفع عنه البدل كله.

والله أعلم.

فأوجب عز وجل نصف المهر، وأسقط نصفه بما قد فقد أحد القصرين ووجد الآخر.

والله أعلم.

ثم إذا لم تكن التسمية جعل الله تبارك وتعالى المتعة مقام نصف المسمى عند التسمية، وإن كان لو تركا، والتدبير بعد بيان الواجب فيما لم يسم مهر المثل نحو وجوب المسمى فيما سمي، لكان الذي يغلب على الوهم أنا لا ندرك تدبيرنا غير نصف مهر المثل، فتولى الله  وتعالى بيان ذلك ليعلم الناس - والله أعلم - أن الله  بين كل ما بالخلق إليه حاجة على قدر ما يحتمله وسعهم ويبلغه عقولهم، وأن الذي لا يحيط به تدبرهم، بين لهم بالإشارة إليه تفضلاً منه على عباده ليؤلف به بينهم، ويمنعهم عن التنازع.

والله أعلم.

ثم لم يبين لنا ماهية المتعة بالإشارة إليها.

ومعلوم أن قدر الذي يتبين فيما علم قصور التدبير عن الإحاطة بدرك ذلك النوع من الحكمة فيما لم يبين، فهو - والله أعلم - بما علم أن العقول تبلغه، وأنه بالتدبير فيما يتبين وجه الوصول إليه.

ولا قوة إلا بالله.

ثم قد بين أن الحق أوكد عند التسمية، منه فيما لم يكن التسمية، بوجهين: أحدهما: بقوله  : ﴿ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ ، فيما كان الطلاق قبل المماسة، وعند التسمية أوجب نصف المسمى، احتمله وسعه أو لا.

ومعلوم أن الاحتمال على قدر الموسع أخف مما كان يجب احتماله عند الخروج من الوسع.

والله أعلم.

والثاني: بما علم من وقوع الاختلاف يكون بين الأمة فيما لا تسمية إذا مات أحد الزوجين في حق إكمال المهر وارتفاع ذلك بما كان ثم تسمية، فهو الدليل على أن الحق في أحد الزوجين أوكد منه في الآخر، على أن العقود والفسوخ كلها تثبت لها عند تسمية البدل، ولا يجب شيء من ذلك بنفس العقد البدل حتى يستوفي في بعض ذلك، ولا يجب شيء في البعض على كل حال؛ فثبت به ما ذكرت، فأوجب ما ذكرت - ألا يراد بالمتعة نصف مهر المثل؛ إذ قد ثبت بالبيان الأول أن التدبير لا يوجب الزيادة عليه، وبالبيان الثاني أن الأمر فيه محمول على التيسير والتخفيف، ومن البعيد المجاوزة بالأمر المؤسس على التخفيف على المؤسس بالتغليظ في التغليظ.

ولم يبين لنا ماهية المتعة - ما هي؟

ومعروف أن المتعة هي التي يتمتع بها، وأن مهر المثل مما قد يتمتع به.

فجعلنا نصف مهر المثل نهاية المتعة بما هو النهاية فيما كان مبنيّاً على التغليظ، فلا يجاوز بها.

ذلك مع ما فيه وجهان: أحدهما: إحالة وجوبها أكثر من مهر مثلها، فيكون الدخول بها سبباً لإسقاط الحق، وقد جعله الله  سبباً لمنع السقوط؛ فثبت أن مهر المثل معتبر في المتعة.

والثاني: أنها بحكم البدل عن ذلك.

دليله وجهان: أحدهما: أن المطالبة كانت بمهر المثل، والطلاق سبب إسقاط حقوق النكاح لإيجابها؛ فثبت أن المتعة كانت مكان ما فيه المطالبة، لا أن حدث الوجوب بالطلاق.

والثاني: أنه متى وجب مهر المثل لم يوجد لها نحو أن يدخل بها.

ثبت أنها كانت بدلاً، فلا يزاد البدل، مع ما كان التحويل إلى غير نوع مهر المثل.

إنما هو - والله أعلم - لما قد يتعذر تعرفه، أو أن لم يعرف ذلك بالاجتهاد والتفحص عن أحوالها ومحلها ومحل قومها، وفي ذلك مؤمن وتكلف.

ثم بعد العلم بذلك لا بد من الاجتهاد في الوسط من ذلك، ثم في أمرها منهم، فجعل الله تفضله من الوجه الذي للمرء سبيل العلم به عن ذلك التكلف.

أو لو رفع هو إلى الحاكم أمكنه الوصول إلى العلم به بدون ما ذكرت من النظر.

فكان ذلك - والله أعلم - نحو ما فرض الله  من زكاة الإبل، لا فيها إذا صار بحيث لو كانت فيها لكانت جزءاً يتعذر أخذ مثله، ثم التسليم إلى الشراء، فجعل في ذلك بدلا على أن الذي عليه لو خرج بتسليم العين جاز؛ فمثله ما نحن فيه.

وهذا هو وجه جعل الله  متعة على أنها كانت واجبة نحو الإمساك، لو رام ذلك، إذ عليه النفقة والكسوة، فإذا طلقها فجعلت هي مكان مهر المثل إذا فات السبب الذي كان يجب بحقها، فجعلت واجبة بحق غيرها حتى لا يقع في الطلاق وجوب أمر لم يكن فيما تقدم، لو أريد بها الإمساك.

ومن البعيد أن يزداد كسوة المرأة على مهرها أو نصف مهرها في الحق.

ولا قوة إلا بالله.

ثم ليس ظاهر الآية إبطال المهر فيما لم يسم، ولا النصف فيما سمي.

وإنما في الأول الأمر بالمتعة، وفي الثاني بيان أن لها نصف الفرض.

والقول: بأن نصف هذا العبد لفلان، أو لفلان، كذا من الحق لا يبطل عنه الحقوق جملة، أو عن النصف الآخر بذلك القول، بل فيه بيان ذلك أنه له وغيره متروك لدليله.

ولا قوة إلا بالله.

وكذلك قوله  : ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  ﴾ ، ليسى في ذلك أن لا عدة عليهن، ولكن فيه أن لا عدة لهم، ويجوز أن تكون عليه، لا له.

وكذلك عندنا: العدة هي التي عقيب الخلوة لا يملك هو فيها إمساكها، ويلزمه المؤمن فكأنها عليه، لا له في المعتبر.

فلما ذكرت يبطل قول من ادعى أن القول بالمهر والعدة فيما لا مماسة فيه خلاف الظاهر - والله أعلم - مع ما لو كان في الظاهر ذلك لأمكن أن يكون من المسيس الإمكان، لا حقيقته.

ودليل ذلك: أنه لو وجدت القبلة أو المعانقة في الملأ من الخلق لوجد المسيس في الحقيقة، ولم يجب به ذلك؛ فثبت أن المراد من ذلك معنى في المسيس، لا ما يلحقه اسمه.

ثم الذي يؤيد أنه الإمكان والاجتماع وجهان: أحدهما: قوله  : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً  وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً  ﴾ ، فأعظم عليه أخذ شيء مما آتاها بما كان من إفضاء بعض إلى بعض.

والإفضاء في اللغة معروف: أنه الانضمام، لا المجامعة، مع ما كانت المجامعة إلى الأزواج، يضاف فعلها، وفي هذا إضافة الإفضاء إلى كل واحد منهما.

ثبت أنه في معنى ذلك من كل واحد منهما نحو الذي من الآخر، وذلك يكون في الاجتماع خاصة.

والله أعلم.

والثاني: وجود القول من خمسة من نجباء الصحابة الخلفاء، رضوان الله  عليهم أجمعين، فمن دونهم ممن لا يحتمل خفاء الآيات عليهم، ومن شهد الخطاب أحق بفهم الحقيقة من المراد أن يسألوا عن ذلك من أن يطلعهم على حقيقته إذا كان بحيث احتمال الخفاء، والخاصة النجباء الذين يعلمون أنهم أئمة الخلق، وعلى الاقتداء بهم حثت الأمة، مع ما في ذلك عدول عن الظاهر، وقول بالذي لا يحتمل فهمه عنه؛ ثبت أن كان ذلك منهم عن بيان من رسول الله  ، أو عن دليل شهدوه أظهر المراد.

ولا قوة إلا بالله.

على أن في الآية، لو كان في تصريح جماع، لكان يلزم ذلك بالخلوة لوجهين سوى ما ذكرت: أحدهما: جرى أحكام الكتاب والسنة في البدل لأشياء مقصودة اسماً وتحقيقاً يستوجب حق العرفاء بها بحق شرط الله القبض في الرهن، والقتال في المغانم، والإيتاء في الأجور والمهور والخروج لأمر الهجرة وأمر رؤيا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما أسلما لأمر الله، فعلى ذلك أمر [المهور والعدة في الخلوة إذ هي سلمت نفسها لذلك، وعلى ذلك أمر] الخروج من الأمانات بقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا  ﴾ ، ولو كان لا يخرج إلا بإدخال في الأيدي في الحقيقة، لكان لا سبيل إلى القيام بما كلف الله  .

وعلى ذلك إجماع القول في الإجارات إذا أمكن الاتفاع بها.

والله أعلم.

والثاني: أن النساء لا يملكن من تسليم ما عليهن من الحق، ومحال أن يلزمهن من الحق أكثر مما ذكر، لكن الله  وسعهن؛ فثبت أن ليس عليهن غير الذي فعلن، فاستوجبن ما لهن، وعلى ذلك قوله  : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ  ﴾ والله أعلم.

ثم قد أجمع على وجوب المهر في موقت أحدهما، وأن الموت لا يسقطه، وإن لم يكن ثم دخول.

فهو - والله أعلم - أن المقصود بالنكاح الملك وقيام الزوجية إلى موت أحدهما، وإن كان ذلك الاستمتاع وقد وجد تمامه.

وقد بينا أن المهر للملك، لا لنفس الاستمتاع، فوجب كماله وإن مات أحدهما، لما بلغ الملك نهايته.

وعلى هذا يخرج قولنا فيما لم يسم لها المهر؛ إذ مهر المثل إنما هو بدل الملك.

دليله: أنه يوجب لها المطالبة به عند قيامه وإن لم يسم به.

وأصله: ما بينا من تعلق هذا الملك بالبدل حكماً، وإن لم يكن تعلق به شرطاً، وقد وجد ثم.

وعلى هذا روي عن ابن مسعود، رضي الله  عنه، في ذلك، وقام معقل بن سنان فقال: "نشهد أن سول الله  قضى في ربوع بنت واشق بمثل الذي قضيت أنت".

فسر به عبد الله لموافقة رأيه ما روي له عن رسول الله  .

وإذا ثبت ذلك فعلى ذلك، إذ المعقول بالنكاح أن تبذل المرأة نفسها له ليستمتع بها، فإذا جاءت الخلوة وجد تمام المقصود منها بالنكاح، على ما وجد في موقت أحدهما، فيجب كمال المهر كما وجب بالأول، ويستوي في ذلك مهر المثل والمسمى.

والله أعلم.

وعلى ذلك فيما لم يوجب جعله بذل المنفعة، إذ هو قيمة البضع، ويجب قيمة الأشياء بإتلافها، ولم يوجد هاهنا.

وعندنا: أنه وإن كانت قيمة ذلك فهي بدل ملك ذلك، لا بدل الانتفاع نفسه، إذ لا يجب في الزنى؛ ثبت أنه للملك يجب أو لشبهته، وقد وجد في الأول على تمام ما رجع إليه المقصود، وجب على ما مر بيانه.

والله أعلم.

وأوجب قوم في المسماة بعد النكاح نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول استدلالاً بظاهر الآية.

ولكن التسمية عند الناس إنما تكون في العقد حتى لا يعرف لها وجود غيرها، وهي التسمية في العقد، فهي المرادة في الخطاب، إذ هي المعروفة من الفرض، ثم غيرها بحق الاستدلال، فإن ألزم الدليل لها حق التسمية في العقد لزم، وإلا لا.

ثم وجد جميع الأسباب التي تحتمل الاعتياض جعل ذكر الفرض بعد السبب كلا ذكر، فمثله أمر النكاح، فأوجب ذلك فساد التسمية، فلم يجب المسمى من بعد إلا حيث يوجبه الدليل، وقد قام دليل الوجوب عند وجود ما له حكم الدخول بها، يجب عند ذلك، وإلا لا.

ثم وجه لزوم القول بما يخرج على أحوال أحديهما أن لهذا التسمية إذا جازت بحق مهر المثل، إذ كل سبب ليس له عوض بالحكم لم يجز.

ثم كان مهر المثل يسقط قبل الدخول بها، كذلك الواجب به.

والله أعلم.

وأيضاً فإن الحكم يوجب تبيين مهر المثل ليدفع إليها، إذ لها حق الامتناع إلا به، فاصطلاحها على ما سميا من بعد له حق ما في الحكم ذلك وهو التبيين، ولو بينه الحاكم لكان يسقط.

فمثله هذا.

والله أعلم.

والثالث: أنه معلوم أنه لو كان الذي في علم الله  من طلاقها، لو كان ظاهراً وقت التسمية، لكان حقها عليه المتعة، ولم يكن يجب النظر إلى مهر المثل إلا من وجه تحديد المتعة.

فكذلك إذا ظهر - والله أعلم - وأمكن أن يقال: الأصل في ذلك أن المتعة ليس يوجبها الطلاق، ولكن النكاح يوجب، ثم كان الواجب بالنكاح مجهول، لا يدري أهو مهر المثل أو المتعة؟؛ إذ لا يجوز أن يجبا، ولا أن يوجب الطلاق أحدهما، لما هو بيان ذلك، فثبت أن الواجب في الحقيقة أحدهما، لكن لها مطالبة مهر المثل في الظاهر، ولها التسمية عنه بما العرف في النكاح أنه للدوام ثم هو للاستمتاع، فحمل الأمر على ذلك الظاهر وبه أجيزت التسمية.

فلما ورد الطلاق قبل الدخول ظهر حقيقة الواجب، فبطل الذي كان بحق المهر، لما ظهر أن الواجب في علم الله  المتعة.

والله أعلم.

وعلى أصل هذا المعتبر أمر المفروض الظاهر أنه نوع الإيمان، وذلك ما لا يزداد ولا ينتقص، فيجب بالطلاق نصف مهورهن.

ثم إذا كان من نوع ما يزاد وينقص فيحدث أحد الوجيهن، فليس في الكتاب تسمية ذلك النوع على المعروف، ولا القضاء فيه بشيء.

ومعلوم أن ذلك لو كان في يدي الزوج ليجب نصف ذلك فيما كان الطلاق قبل الدخول بها، فيصير بحكم المفروض.

وإن لم يكن بما كان حدث من الحق، أو بما كان في علم الله  أن الحق في ذلك النصف؛ إذ ذلك حكم الطلاق قبل الدخول بها على حق المنصوص، فيكون الذي حدث من النصف حقه، أو بما كان ذلك مهراً والحادث محتمل جعله مهراً، فهو فيه على ما عليه معتبر الحقوق من لحوق الفروع الأصول.

فإذا كان ذلك بعد القبض فقد انتهى أمر الحق، وحدث ما حدث على ملكها، إذ على ذلك يحدث.

فقلنا: لو نقص المهر في العين لكان يصير النصف له بحق بعض القبض فيه، ثم نقض العقد، وإذا كان كذلك لا يخلوا أمر الزيادة من أن يرد عليه فيرجع بشيء لم يسلم إليها، وذلك فضل على ما أخذ من الحق يأخذه بالحكم، فيكون ربا؛ لأنه لم يسمه، ولا يسلم إليه، فأنزل المعنى الذي هو لها فيه، فيكون أخذه بلا عوض في عقد التبادل، فيصير ربا، ولو أبقى له على فسخ القبض في المهر والعقد فيصير ذلك لما فضل من أصل قد فسخ العقد فيه مما لم يكن لها إلا ببدل بلا بدل، وذلك وصف الربا، وقد حرم الله الربا؛ فيجب بالضرورة جعل المفروض كالهالك، فيجب نصف القيمة ليزول معنى الربا.

والله أعلم.

وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي يوسف، رحمه الله  ، في العلة والهيئة: أنه يظهر الواجب في الحكم.

وعند أبي حنيفة، رضي الله  عنه، ذلك في حق النقض يصير كذلك، دليله: ما لم يكن يجوز فيه تقلب الزوج، لو كان منه، ثم النقض لا يرد على ما ليس له حكم المهر، فيبقي ذلك للمرأة على ما كان لها قبل الطلاق؛ إذ الطلاق نقض الملك في المهر، وليس ذلك بمهر.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: والمذكور من المتعة فيما فيه الدخول يحتمل ما عليه في حال النكاح من الكسوة والنفقة، إلى تمام العدة، فتكون الآية في ذكر النفقة بعد الفراق؛ إذ لا يجوز أن يكون الطلاق سبباً لإيجاد حق غير واجب قبله.

ويحتمل أن يكون في حق المتبرع شرط عليه ليكون تسريحاً بالإحسان على ما رغب في غير المدخول بها من الإتمام؛ إذ لا يجوز أن يكون ذلك بدلاً فيكون لملك واحد بدلين، مع ما جعل الله  الطلاق سبباً لتخفيف الحقوق على الزوج، ورفع المؤنة، ورد الأمر إلى الغناء بالآخر بقوله  : ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ  ﴾ ، لم يحتمل به الوجوب، فيصير سبباً لإلزام المؤنة.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

فيه دليل لأبي حنيفة، رضي الله  عنه، حيث قال: إن الذمي إذا تزوج امرأة ولم يسم لها صداقاً، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، لا متعة لها؛ لأن الله  إنما أوجب المتعة على المسحنين، والذمي ليس بمحسن.

والدليل على أن المتعة إنما أوجبت تخفيفاً، ومهر المثل لا؛ لأن مهر المثل أوجب على المرء احتمله ملكه أو لم يحتمل، والمتعة لم تلزم إلا ما احتمله ملكه؛ فبان أنها أوجبت تخفيفاً فإذا كان تخفيفا؛ لم يزد على مهر المثل.

والثاني: أن المتعة أوجبت بدلاً عن نصف مهر المثل، ثم لا جائز أن يراد بالبدل المبدل، كما قيل في سائر الأبدال.

والله أعلم.

والمتعة - هي ثلاثة أثواب؛ لأنه يخرجها من المنزل، وأقل ما تخرج المرأة من المنزل إنما تخرج بثلاثة أثواب.

فإن قال لنا قائل: إن الكتاب ذكر المتعة للمطلقة قبل المماسة إذا لم يفرض لها فرض، وذكر أنه في نصف المفروض إذا طلقها قبل المماسة، وأنتم أوجبتم كل المسمى وكل مهر المثل إذا خلا بها ولم يمسسها.

قيل له: في الآية بيان وجوب المتعة في حال وبيان وجوب نصف المهر في حال، وليس في بيان وجوب النصف نفي وجوب الكل؛ لأنه إذا قيل: "لفلان نصف هذا الشيء"، ليس فيه دليل أن النصف الآخر ليس له، فإذا كان ما ذكرنا ليس لمخالفنا الاحتجاج علينا بظاهر الكتاب، ولا السنة إلى مخالفة الآية، فصار معرفة ذلك بتدبير آخر من جهة الكتاب، مع ما أنه لا يوجب المهر كله لعين المسيس، فكانا - نحن وهو - اتفقنا جميعاً على إيجابه لا بالكتاب.

والله أعلم.

وإن شئت قلت: إن الخلوة لا توجب كمال الصداق، وإنما يوجبه صحة العقد.

دليله: مطالبة المرأة الزوج بكماله بعد صحة النكاح؛ فدل أن وجوبه لا بالخلوة، ولكن بصحة العقد، فالكلام إنما وقع في إسقاط البعض، فيسقط إذا قام دليل الإسقاط.

والله أعلم.

وإن شئت قلت: إن المرأة لا تملك سوى تسليم نفسها إليه، فالعقد إنما وقع على ما يقدر على تسلميه إليه، ليس على ما لا تقدر؛ لأنها لا تقدر على تسليم الاستمتاع إليه؛ إذ لو كان العقد واقعاً على ذلك لكان يبطل؛ لأن من باع ما لا يقدر على تسليمه إلى المشتري لبطل العقد بأصله، فعلى ذلك عقد النكاح إذا جعل واقعاً على تسليم الاستمتاع إليه كان باطلاً كالبيع للمعنى الذي وصفناه.

والله أعلم.

ثم اختلف في المرأة التي مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولا فرض لها مهراً: روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله  عنه، أنه قال: لها مهر مثلها، وروي عن رسول الله  "أنه قضى لبروع بنت واشق بمهر مثلها".

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله  عنه، أنه قال: لها المتعة بكتاب الله  .

وقال: لا ندع كتاب الله بقول أعرابي.

ذهب - والله أعلم - إلى أن الكتاب ذكر المتعة في الطلاق، ثم كان ذلك الحكم في غير الطلاق كهو في الطلاق؛ فعلى ذلك الفرقة التي وقعت بالموت توجب المتعة كوجوبها في الفرقة الواقعة في غير الطلاق، كقوله  : ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ  ﴾ ، ذكر (المطلقات)، ثم كانت التي وقعت الفرقة عليها بغير طلاق يلزمها ما يلزم المطلقة، ومثل ذلك كثير مما يكثر ذكره.

والله أعلم.

وأما عندنا فإنه لا تلزم المتعة، ولكن يلزم مهر المثل لوجوه: أحدهما: قوله  : ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، ذكر في الطلاق قبل الدخول نصف المفروض، وفي الدخول كل المفروض؛ فعلى ذلك ما أوجب من الحكم في التي لم يدخل بها ولم يسم لها مهراً دون ما أوجب في حكم الدخول.

والله أعلم.

والثاني: أن المقصود بالنكاح إنما يكون إلى موت أحد الزوجين، فإذا كان كذلك لزم كل المسمى أو كل مهر المثل.

والله أعلم.

والثالث: الخبر الذي ذكرنا: أنه قضى بمهر المثل، وخبر أمثال هؤلاء مقبول إذا كانت البلية في مثله بلية خاصة، إذ بمثل هذا لا يبلى إلا الخواص من الناس؛ لذلك كان ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

ذهب قوم إلى ظاهر الآية - أنه ذكر فيها ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، ولم يخص المفروض في العقد دون المفروض بعد العقد، فكله مفروض، فلها نصف المفروض سواء كان المفروض في العقد أو بعد العقد.

وعلى ذلك قال قوم: إن الرجل إذا تزوج امرأة على جارية ودفعها إليها، فولدت عندها ولداً، ثم طلقها قبل الدخول بها، أن لها نصف الجارية؛ لأن الله  قال: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ، وأنتم لا تجعلون له نصف ما فرضتم، فخالفتم ظاهر الكتاب.

أما الجواب لمن جعل المفروض بعد العقد كهو في العقد فيما جعل لها نصف ما فرض، فإن الخطاب من الله  إنما خرج في المفروض في العقد لا في المفروض بعد العقد؛ [لأنه لم يتعارف الفرض بعد العقد، فإذا لم يتعارف في الناس الفرض بعد العقد] إنما يتعارف في العقد، خرج الخطاب على هذا المتعارف فيهم، وهو المفروض في العقد، فيجعل لها نصف ذلك وما يفرض بعد العقد وإنما يفرض بحق مهر المثل، فإذا وجد الدخول وجب ذلك، وإلا لم يجب.

وأما جواب من قال: بأنه إذا تزوجها على جارية ودفعها إليها، فولدت ولداً، أن له نصف ما فرض - فإنا نقول: إن الآية ليست في الفرض الذي معه آخر ولداً أو غيره؛ ألا ترى أن الجارية إذا كانت عند الزوج فولدت ولداً فإن لها نصف الجارية ونصف الولد، والولد لم يكن في الفرض وقت العقد؟

فعلى ذلك الآية ليست في الجارية التي ولدت عندها، ولكن في الفرض الذي لا زيادة معه.

ثم لا يخلو إما أن يجعل نصف الجارية لها دون الولد، فقد فسخ العقد في الأصل فبقي الولد بلا أصل، فذلك ربا.

أو يجعل له نصف الجارية مع نصف الولد، وهو غير مفروض، والله تبارك وتعالى إنما جعل له نصف ما فرض؛ فبطل قول من قال ذلك.

والله أعلم.

قال الشيخ، رضي الله  عنه، في قوله: ﴿ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، قيل: يريد به المؤمنين فيكون في هذا التأويل دلالة على ما قاله أبو حنيفة.

رضي الله  عنه: أن لا تلزم الذمي المتعة.

وقيل: على من قصدهم الإحسان إلى الأزواج ويتقون الخلاف، لما كان عليه النكاح من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

الله الموفق.

واعتل قوم في حق العدة وكمال المهر، أنه ذكر فيه الطلاق لا على تخصيص الحكم له، بل بكل ما يكون به تسريحها فمثله يكون ذكر المماسة - لا على تخصيص، ولكن بكل ما يكون به تحقيقها.

ولا قوة إلا بالله.

قال: وقدرت المتعة في الاختيار بالقدر الذي كان يمتعها بالإمساك، إذ لا بد من كسوتها، ليعلم أن ليس للفرار عن ذلك الحق يطلق، أو بما به يخرجها من منزله فأمر أن يمتعها بما به التي تخرج من المنازل.

وأقل ذلك ثلاثة أثواب.

والله أعلم.

وفي هذه الآيات دلالة واضحة على أن الشيء التافه لا يحتمل أن يكون مهراً؛ لما أوجب عند العدم، فيما لا تسميه فيه، الشيء الخطير، وهو الذي يمتعها، وأقل ما تمتع هي له فيه ثلاثة أثواب وفيما سمى أمرا عند ذلك بالعفو وجب، لا يحث على العفو عنها، ولا يرغب بين الزوجين إلا الأخذ بالفضل بمثله دل أن لذلك حدّاً قد يجري بمثله التنازع، فيرغبون في إبقاء ذلك واختيار ما به التآلف على أن الله - جل ثناؤه - قد جعل بناء النكاح بالأموال وبها أحل، وقال في ذي العذر: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ...

 ﴾ ، الآية، ولو كان بحبة طول حرة لكان لا أحد يعجز عنها فيشترط ذلك في تزويج المملوكة وبخاصة على قول من لا يبيح إلا بالضرورة، فمن رأي يضطر إلى حبة يتوق إلى الاستمتاع فضلاً من أن يتخير، ثم على ذلك قال في الإماء: ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ والحبة معلوم أنها أنكر من المنكر؛ فثبت أن مهر الحرائر بيِّن ويظهر في أهل الحاجة، وأن القول بجعل الحبة مهراً تامّاً ووصف ملكها بملك الطول قولاً مهجوراً، لا معنى له.

وبعد فإن الناس قد أجمعوا على أنها لا تملك (المعروف) ببضعها، والبدل للزوج بلا بدل يلزمه، فصار كمتولي العقد على ما ليس لها، وحظ القليل في مثله والكثير في المنع واحد.

فقياس ذلك ألا يكون الحط من مهر مثلها، والحبة لا تكون مهر مثل أخبث امرأة في العالم، فلا يجيء أن يجوز الحط ولكن أجيز العشرة بالاتفاق، ولم يجز الأكثر للتنازع، وقد بينا الفساد من طريق التدبير.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ ﴾ .

قيل: المرأة.

وقوله: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ﴾ .

اختلف أهل التأويل فيه: قال علي وابن عباس - رضي الله  عنهما هو: الزوج - وقال قوم: هو الولي.

وأمكن أن يكون قول من قال بأنه الولي؛ لما أن المهور في الابتداء كانت للأولياء.

دليل ذلك قول شعيب لموسى: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ  ﴾ شرط المهر لنفسه، وكما روي من الشغار، ثم نسخ من بعد وصار ذلك للنساء بقوله  : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً  ﴾ ، ولأنهم أجمعوا على ألا يجوز لأحد المعروف في ملك الآخر إلا بإذنه؛ فعلى ذلك لما ثبت أن المهر لها لا يجوز للولي المعروف فيه.

وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ ﴾ ، يعني المرأة تترك النصف ولا تأخذ منه شيئاً.

وقوله: ﴿ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ﴾ ، يعني الزوج يجعل لها كل الصداق، يقول: كانت في حبالتي ومنعتها من الأزواج.

وتترك المرأة له النصف، فتقول: لم ينظر إلى عورتي، ولا تمتع بي.

وهو على الإفضال، وعلى ذلك يخرج قوله  : ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ ، [أن يتفضل أحدهما على الآخر بترك النصف أو بإتمام الكل، ومعنى قوله: ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ ] أي لا تنسوا الفضل الذي في ابتداء الأمر؛ لأن أمر النكاح في الابتداء مبني على التشفع والإفضال، فرغبهما عز وجل على ختم ذلك على الإفضال على ما بني عليه.

والله  أعلم.

وفيه دلالة على أن (العفو) هو الفضل في اللغة، وهو البذل، تقول العرب: عفوت لك، أي: بذلته.

فإن كان (العفو) هو البذل فكأن قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ ، أي ترك له وبذل، ﴿ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ، يكون فيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله  - في ذلك.

وقوله  : ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .

معناه - والله أعلم -: حق على المتقي أن يرغب فيه، وكذا قوله: ﴿ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، أن يرغب فيه.

ثم لإضافة ذلك إلى الرجال وجهان: أحدهما: لما أنهم هم الذين تركوا حقهم، ومن عندهم جاء هذا التقصير.

والثاني: أن في تسليم ذلك من الرجال الكمال، وهم في الأصل موصوفون بالكمال، ومن عندهم يستوفي ما فيه الكمال.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ : يحتمل اشتراك الزوجين في ذلك، لا معنى الأخذ بالعفو والفضل أولى لمن يريد اتقاء دناءة الأخلاق، أو أولى الفضل ممن أكرم باتقاء الخلاف لله  .

ويحتمل: الأزواج بما قد ضمنوا الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، فهو أقرب إلى وفاء ذلك واتقاء الخلاف له، على أن سبب الفراق جاء منه، فذلك أقرب لاتقاء الجفاء منهم، وأظهر للعذر لهم فيما اختاروا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

حرف وعيد عما فيه التعدي ومجاوزة الحدود والخلاف لأمره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا إثم عليكم إن طلقتم زوجاتكم اللائي عقدتم عليهن قبل أن تجامعوهن وقبل أن توجبوا مهرًا محددًا لهن، فإذا طلقتموهن على هذه الحال فلا يجب لهن عليكم مهر، وإنما يجب إعطاؤهن شيئًا يتمتعن به، ويجبر كسر نفوسهن، بحسب الاستطاعة سواء كان مُوسَّعًا عليه كثير المال أو مُضَيّقًا عليه قليل المال، وهذا العطاء حق ثابت على المحسنين في أفعالهم ومعاملاتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.RG7aA"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قالوا المراد بالجناح المنفي هنا هو التبعة من المهر ونحوه، لا الإثم والوزر، وأوردوا هذا وجهًا ضعيفًا وجهوه بأن النبي  كان كثيرًا ما ينهى عن الطلاق فظن الناس أن فيه جناحًا فنفته الآية، وهو كما ترى يتبرأ منه السياق، فالمراد بنفي الجناح نفي المنع، وهو مقيد بقيدين: عدم المسيس، وعدم تسمية مهر.

والمسيس اسم مصدر لمسه مسًا.

"من باب تعب ونصر" إذا لمسه بيده من غير حائل، هكذا قيدوه كما في المصباح.

ويعبر عن إصابة كل شيء للإنسان من خير وشر ونفع وضر.

ويكنى به وبالمماسة والملامسة كالمباشرة عن الغشيان المعلوم بين الزوجين.

قرأ الجمهور ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ  ﴾ بالفعل الثلاثي، وقرأ حمزة والكسائي "تماسوهن" بالصيغة الدالة على المشاركة هنا وفي سورة الأحزاب، لأن كلًا منهما يشترك فيه بحسب حاله، فهذه القراءة بيان للواقع، وتلك بيان لفعل الرجل الذي يجب به ما يجب من المهر والعدة.

وآية الأحزاب التي فيها القراءتان هي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا  ﴾ وأجمعوا على قراءة واحدة في قوله تعالى من سورة مريم حكاية عنها: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ لأنه نفي لسبب الولد من قبل الرجال لا معنى للمشاركة فيه.

والمراد بفرض الفريضة تسمية المهر، والآية تدل على أن عقد النكاح يصح بغير مهر، قالوا ويجب حينئذ مهر المثل.

والفرض هنا يصدق بما يكون بعد العقد كأن يقول: أمهرتك ألفًا، مثلًا.

يقول الله تعالى ﴿ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ  ﴾ أي لا يلزمكم شيء من المال تأثمون بتركه في حال طلاقكم النساء ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ أي مدة عدم مسكم إياهن وتسمية المهر لهن، "فأو" هنا بمعني الواو، أو المعنى: إلى أن تفرضوا لهن، أو إلا أن تفرضوا لهن، أي فحينئذٍ يجب عليكم شيء وهو ما يذكر في الآية التالية لهذه.

والمعنى إذا تحقق الشرطان أو الفقيدان فلا تدفعوا لهن مهرًا ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ  ﴾ أي اعطوهن شيئًا يتمتعن به ولتكن هذه المتعة على حسب حالكم في الثروة ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ الموسع وصف من أوسع الرجل إذا صار ذا سعة وهي البسطة والغنى، والمقتر من أقتر الرجل إذا قل ماله وافتقر، وقتر على عياله.

"من بابي قعد وضرب"..

وأقتر ضيق عليهم في النفقة.

ولعله من القتار بالضم وهو دخان الشواء والطبيخ وبخاره ورائحته، والقتر من النفقة الرمقة من العيش، ويقال أقتر أيضًا إذا قتر عمدًا فعاش عيشة الفقير، وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان "قدره" بفتح الدال والباقون بسكونها وهما لغتان بمعنى، وقيل القدر بالتسكين الطاقة وبالتحريك المقدار، والمراد لا يختلف، وهو أن المتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل وبسطته ولذلك لم تحدد بل تركت لاجتهاد المكلف لأنه أعرف بثروة نفسه، وقد علم أن الله فرضها عليه وأكدها بقوله ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ  ﴾ فأما المعروف فهو ما يتعارف الناس بينهم ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم وأحوال معايشهم وشرفهم، وأما كونه حقًا على المحسنين فمعناه أنها واجبة حاقة على أنها إحسان في التعامل لا عقوبة، فإن الحكمة فيها كما قالوا جبر إيحاش الطلاق، كأن المعنى: إن كنتم مؤمنين بالله محسنين في طاعته فعليكم أن تجعلوا هذا المتاع لائقًا مؤديًا إلى الغرض منه.

إن في هذا الطلاق غضاضة وإيهامًا للناس أن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه منها شيء، فإذا هو متعها متاعًا حسنًا تزول هذه الغضاضة ويكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها والاعتراف بأن الطلاق كان من قبله أي لعذر يختص به، لا من قبلها، أي لا لعلة فيها، لأن الله تعالى أمرنا أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة.

فجعل هذا التمتيع كالمرهم لجرح القلب لكي يتسامع به الناس فيقال: إن فلانًا أعطى فلانة كذا وكذا، فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو آسف عليها معترف بفضلها، لا أنه رأى عيبًا فيها أو رابه شيء من أمرها، ويقال إن سيدنا الحسن السبط متع إحدى زوجاته بعشرة آلاف درهم وقال: "متاع قليل من حبيب مفارق".

لهذا وكّل الله تعالى الأمر في ذلك إلى أريحية المؤمن فلم يحدده بل وصفه بالمعروف، وذكر المطلق عند إيجابه بالإحسان هنا وبالتقوى في الآية الآتية.

هذا هو المتبادر من الآية ولكن من الفقهاء من قال إن المتعة تستحب ولا تجب لأنها جعلت حقًا على المحسنين، كأن القيام بالواجب لا يوصف بالإحسان، ويكفي في إثبات الوجوب قوله تعالى ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ وقوله ﴿ حَقًّا عَلَى  ﴾ وإنما حسن ذكر الإحسان هنا لأن المفروض غير محدود، والشارع يحب بسط الكف فيه، فذكر بالإحسان لأجل ذلك، وليبيّن أن المتعة ليست من قبيل الغرامة، إذ لو كانت غرامة لا اختيار في قدرها كما أنه لا اختيار في أصلها لما تحققت بها الحكمة التي تقدم شرحها، وآية الأحزاب المتقدمة آمرة بالتمتيع أمرًا لم يذكر معه لفظ المحسنين، على أن الله تعالى ذكر الإحسان والمحسنين في مقام الأعمال الواجبة كقوله في سورة التوبة ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ  ﴾ والنصح لله ورسوله واجب حتم، وقوله في هذه السورة أيضًا ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ وذكر هذا اللفظ كثيرًا بعد ذكر الصبر في مواضع اليأس وهو واجب، وبعد ذكر محاولة إبراهيم ذبح ولده وكان واجبًا عليه لولا افتداه الله تعالى.

وقال تعالى في سورة الزمر عند ذكر الجزاء: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ وهل يصح أن يقال إن النفس تعذب على ترك النوافل المستحبة فتتمنى الرجعة لتؤديها؟

ومن تتبع الآيات التي ذكر فيها الإحسان يرى أن منها ما يراد به الأعمال المفروضة أولًا وبالذات، ومنها ما يراد به ما زاد عن الفرض من العمل الصالح، ومنها ما يراد به إحسان العمل وإتقانه مطلقا، وممن صرح بوجوب المتعة من علماء السلف علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك وغيرهم، واختلفوا أيضًا في مقدارها وقد علمت المختار فيه، واختلفوا أيضًا هل تشرع لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم لا؟

وسيأتي ذلك في تفسير ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ الآية الماضية في حكم غير الممسوسة إذا لم يفرض لها، وهذه في حكمها وقد فرض لها المهر، وهو أن لها نصف المهر المفروض.

قال (الجلال):"فنصف ما فرضتم يجب لهن ويرجع لكم النصف"، وهذا جري على أن الذي كان عليه العمل هو سوق المهر كله للمرأة عند العقد، خلافًا لما استحدثه الناس بعد من تأخير ثلث المهر أي في الغالب، وقد يؤخرون أكثر من الثلث أو أقل حتى كأن ذلك من سنن الدين، وما هو إلا عادة من العادات، والظاهر أن سببها حب الظهور بكثرة المهر والفخر به، مع اجتناب الإرهاق بدفعه كله.

وقدر غير (الجلال) فالواجب نصف ما فرضتهم -أو- فادفعوا نصف ما فرضتم والمعنى ظاهر على كل تقدير ﴿ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ  ﴾ أي النساء المطلقات عن أخذ النصف كله أو بعضه، وهو حق البالغة الرشيدة ﴿ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ  ﴾ قيل هو الولي مطلقًا وعليه جماعة من المفسرين أو الولي المجبر وهو الأب أو الجد فيعفو له عن النصف الواجب كله أو بعضه، والشيعة لا تبيح له العفو عن كله وقال كثير منهم إن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج الذي بيده حلها.

عبر عنه بهذا للتنبيه على أن الذي ربط المرأة وأمسك العقدة بيده لا يليق به أن يحلها ويدعها بدون شيء، بل يستحب له العفو والسماح بكل ما كان قد أعطى وإن كان الواجب المحتم نصفه، فذلك تمهيد لقوله ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  ﴾ والخطاب على هذا خاص بالرجال، وفيه وجه آخر أنه عام للنساء والرجال، أي من عفا فهو المتقي، ويروى عن جبير بن مطعم أنه تزوج بنتًا لسعد بن أبي وقاص ثم طلقها قبل الدخول وأعطاها جميع المهر، فسئل عن هذا فقال أما التزوج فلأنه عرضها علي فما رأيت أن أرده، وأما العفو فأنا أحق بالفضل.

هكذا قال من روى القصة بالمعنى، وفي التفسير الكبير أن جبيرًا قال: أنا أحق بالعفو، وإذا كان هذا لفظه فهو دليل على أن الخطاب عام على سبيل التغليب، ويرجحه اختلاف الأحوال، ففي بعض الأحوال تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر وفي بعضها تكون في عفو المرأة عن النصف الواجب لها، ذلك لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا علة منها وقد يكون بالعكس، والذي تراه في عامة كتب التفسير أن المراد بالتقوى هنا تقوى الله تعالى المطلوبة في كل شيء، وذلك أن العفو أكثر ثوابًا وأجرًا، وعندي أن التقوى في هذا المقام اتقاء الريبة وما يترتب على الطلاق من التباغض وآثار التباغض، ولا يخفى ما في السماح بالمال، من التأثير في تغيير الحال، ولذلك قال بعد ذلك ﴿ وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ  ﴾ فسروا الفضل بالتفضيل والإحسان وجعلوه للترغيب في العفو.

والمراد به المودة والصلة، أي ينبغي لمن تزوج من بيت ثم طلق أن لا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم.

فأين هذا مما نحن عليه اليوم من التباغض والضرار؟

وقد ختمت الآية بقوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ جريًا على السنة الإلهية بالتذكير والتحذير بعد تقرير الأحكام، لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذي الإيمان وتبعث على الامتثال.

وفي التذكير باطلاع الله تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضًا، ترغيب في المحاسنة والفضل وترهيب لأهل المخاشنة والجهل.

من تدبر هذه الآيات وفهم هذه الأحكام يتجلى له نسبة مسلمي هذا العصر إلى القرآن، ومبلغ حظهم من الإسلام.

وأخص المصريين بالذكر، فإن الروابط الطبيعية في النكاح والصهر وسائر أنواع القرابة صارت في مصر أرَثّ وأضعف منها في سائر البلاد، فمن نظر أحوالهم وتبين ما يجري بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات والمضارات، وما يكيد بعضهم لبعض، يخيل إليه أنهم ليسوا من أهل القرآن، بل يجدهم كلهم لا شريعة لهم ولا دين بل آلهتهم أهواؤهم، وشريعتهم شهواتهم، وأن حال المماكسة بين التجار في السلع هي أحفظ وأضبط من حال الزواج، وأقوى في الصلة من روابط الأزواج.

إن رجلًا هجر زوجته -وهي ابنة عمه وله منها بنت- بغير ذنب غير الطمع في المال، فكان كلما كلموه في شأنها قال: لتشتر عصمتها مني!!

وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمرّ كالذين يتركون نساءهم بغير نفقات حتى قد يضطروهن إلى بيع أعراضهن، وكالمطلقات المعتدات بالقروء يزعمن أن حيضهن حبس فتمر السنون ولا تنقضي بزعمهن، وما الغرض إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقامًا منه، وكالذين يذرون أزواجهم كالمعلقات، لا يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان، أو يفتدين منهم بالمال، فأين الله وأين كتاب الله وشرعه من هؤلاء وأين هم منه؟

إنهم ليسوا من كتاب الله في شيء، ولكن المسرفين أهواءهم يتبعون...

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله