الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 2 البقرة > الآية ٦٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي: صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ .
﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُسِبُوا إلى يَهُوذا أكْبَرِ ولَدِ يَعْقُوبَ، فَقَلَبَتِ العَرَبُ الذّالَ دالًا، لِأنَّ الأعْجَمِيَّةَ إذا عُرِّبَتْ، غَيَّرَتْ مِن لَفْظِها.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: هادَ القَوْمُ يَهُودُونَ هَوْدَةً وهِيادَةً، إذا تابُوا، قالَ زُهَيْرٌ: سِوى مَرْبَعٍ لَمْ تَأْتِ فِيهِ مَخافَةً ولا رَهَقًا مِن عابِدٍ مُتَهَوِّدِ يَعْنِي مِن عابِدٍ تائِبٍ، فَسُمُّوا يَهُودًا لِتَوْبَتِهِمْ مِن عِبادَةِ العِجْلِ.
والثّالِثُ: أنَّهم سُمُّوا يَهُودًا، مِن أجْلِ قَوْلِهِمْ: إنّا هُدْنا إلَيْكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وَ ﴿ والنَّصارى ﴾ ، جَمْعٌ وواحِدُهُ (نَصْرانِيٌّ)، وقِيلَ: (نَصْرانُ) بِإسْقاطِ الياءِ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: واحِدُهُ نَصْرِيٌّ، والأوَّلُ هو المُسْتَعْمَلُ.
وَفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَرْيَةٍ تُسَمّى (ناصِرَةَ)، كانَ يَنْزِلُها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنُسِبَ إلَيْها، فَقِيلَ: عِيسى النّاصِرِيُّ، ثُمَّ نُسِبَ أصْحابُهُ إلَيْهِ فَقِيلَ: النَّصارى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، قالَ الشّاعِرُ: لَمّا رَأيْتُ نَبَطًا أنْصارا ∗∗∗ شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإزارا كُنْتُ لَهم مِنَ النَّصارى جارا والثّالِثُ: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ ﴿ والصّابِئِينَ ﴾ ، جَمْعٌ، واحِدُهُ: صابِئٌ، واخْتُلِفَ في هَمْزِهِ، فَهَمَزَهُ الجُمْهُورُ إلّا نافِعًا.
واخْتُلِفَ في المَأْخُوذِ مِنهُ هَذا الِاسْمُ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّلُوعِ والظُّهُورِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَبَأ نابُ البَعِيرِ، إذا طَلَعَ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ.
والثّانِي: أنَّ الصّابِئَ: الخارِجُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَسُمِّيَ الصّابِئُونَ بِهَذا الِاسْمِ، لِخُرُوجِهِمْ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَبا يَصْبُو، إذا مالَ إلى الشَّيْءِ وأحَبَّهُ، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ; ولِذَلِكَ لَمْ يُهْمَزْ.
واخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: الصّابِئُونَ بَيْنَ اليَهُودِ والمَجُوسِ، وقالَ قَتادَةُ: الصّابِئُونَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، [وَيَقْرَأُونَ الزَّبُورَ ويُصَلُّونَ الخَمِيسَ] وقالَ السُّدِّيُّ: هم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ الخَلِيلُ: هم قَوْمٌ شَبِيهٌ دِينُهم بِدِينِ النَّصارى، إلّا أنَّ قِبْلَتَهم نَحْوَ مَهَبِّ الجَنُوبِ حِيالَ مُنْتَصَفِ النَّهارِ، يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِ نُوحٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في سَلْمانَ الفارِسِيِّ وأصْحابِهِ النَّصارى الَّذِينَ كانَ قَدْ تَنَصَّرَ عَلى أيْدِيهِمْ، قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ، وكانُوا قَدْ أخْبَرُوهُ بِأنَّهُ سَيُبْعَثُ، وأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِهِ إنْ أدْرَكُوهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ عَلى الجَمْعِ؟
قِيلَ: لِأنَّ اللَّفْظَ (مَن) لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَمَرَّةً يُجْمَعُ عَلى اللَّفْظِ، ومَرَّةً يُجْمَعُ عَلى المَعْنى، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألِمّا بِسَلْمى عَنْكُما إنْ عَرَضْتُما ∗∗∗ وقُولا لَها عُوجِي عَلى مَن تَخَلَّفُوا <div class="verse-tafsir"