الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 3 آل عمران > الآيات ٩٦-٩٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءة﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا ﴾ لا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا هَلْ كانَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِها؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُوضَعْ قَبْلَهُ بَيْتٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
وَفي ( بَكَّةَ ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَكَّةَ المَسْجِدُ، ومَكَّةَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ شِهابٍ، وضَمْرَةَ بْنَ رَبِيعَةَ.
والثّانِي: أنَّ بَكَّةَ هي مَكَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ بَكَّةَ مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةَ غَيْرُهُ في المَوْضِعِ يُرِيدُ القَرْيَةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ.
وَفي المَأْخُوذِ مِنهُ بَكَّةَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّحْمَةِ، يُقالُ: تَباكَّ القَوْمُ بَعْضُهم بَعْضًا إذا ازْدَحَمُوا، فَبَكَّةُ مُزْدَحَمُ النّاسِ لِلطَّوافِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بَكَّةَ، لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، إذا ألْحَدُواْ فِيها بِظُلْمٍ لَمْ يُمْهَلُوا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مُبارَكًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ بَرَكَتَهُ ما يُسْتَحَقُّ مِن ثَوابِ القَصْدِ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ آمَنُ لِمَن دَخَلَهُ حَتّى الوَحْشِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الصَّيْدُ والكَلْبُ.
﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ الآيَةُ في مَقامِ إبْراهِيمَ أثَرُ قَدَمَيْهِ وهو حَجَرٌ صَلْدٌ؟
والآيَةُ في غَيْرِ المَقامِ: أمْنُ الخائِفِ، وهَيْبَةُ البَيْتِ وامْتِناعُهُ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَن عَتا فِيهِ، وما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن أصْحابِ الفِيلِ.
﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ عَطَّفَ عَلَيْهِ قُلُوبَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ فَكانَ الجانِي إذا دَخَلَهُ أمِنَ.
وَأمّا في الإسْلامِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ النّارِ، وهَذا قَوْلُ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ.
والثّانِي: مِنَ القِتالِ بِحَظْرِ الإيجالِ عَلى داخِلِيهِ، وأمّا الحُدُودُ فَتُقامُ عَلى مَن جَنى فِيهِ.
واخْتَلَفُوا في الجانِي إذا دَخَلَهُ في إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تُقامُ عَلَيْهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: لا تُقامُ حَتّى يُلْجَأ إلى الخُرُوجِ مِنهُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ وفي الِاسْتِطاعَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بِالمالِ، وهي الزّادُ والرّاحِلَةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: أنَّها بِالبَدَنِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.
والثّالِثُ: أنَّها بِالمالِ والبَدَنِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي [مَن كَفَرَ] بِفَرْضِ الحَجِّ فَلَمْ يَرَهُ واجِبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: هو لا يَرى حَجَّهُ بِرًّا ولا تَرْكَهُ مَأْثَمًا، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: اليَهُودُ، لِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ فَقالُوا: نَحْنُ مُسْلِمُونَ فَأُمِرُوا بِالحَجِّ فَلَمْ يَحُجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"