الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 10 يونس > الآيات ٩٣-٩٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَعْنى: لَقَدِ اخْتَرْنا لِبَنِي إسْرائِيلَ أحْسَنَ اخْتِيارٍ، وأحْلَلْناهم مِنَ الأماكِنِ أحْسَنَ مَحَلٍّ، و ﴿ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ أيْ: يُصَدَّقُ فِيهِ ظَنُّ قاصِدِهِ وساكِنِهِ وأهْلِهِ، ويَعْنِي بِهَذِهِ الآيَةِ: إحْلالَهم بِلادَ الشامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: بِلادُ مِصْرَ والشامِ، قالَهُ الضَحّاكُ، والأوَّلُ أصَحُّ بِحَسَبِ ما حُفِظَ مِن أنَّهم لَنْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ، عَلى أنَّ في القُرْآنِ: ﴿ كَذَلِكَ وأورَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ، يَعْنِي ما تَرَكَ القِبْطُ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ( أورَثْناها ) مَعْناهُ: الحالَةُ مِنَ النِعْمَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في قُطْرٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: فَما اخْتَلَفُوا فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ حَتّى جاءَهم وبانَ عِلْمُهُ وأمْرُهُ فاخْتَلَفُوا حِينَئِذٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ هو الَّذِي وقَعَ في كُتُبِ المُتَأوِّلِينَ، وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ.
والتَأْوِيلُ الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اخْتِلافٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ حالِهِ، فَلَمّا جاءَهُمُ العِلْمُ والأوامِرُ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ اخْتَلَفُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَعْنى الآيَةِ مَذَمَّةُ ذَلِكَ الصَدْرِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
ثُمَّ أوجَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهم ويَفْصِلُ بِعِقابِ مَن يُعاقِبُ ورَحْمَةِ مَن يَرْحَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحُسْنِ-: إنَّ "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والصَوابُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلٍّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أو يُعارِضَ، وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبَرَّنِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَمّا يَحِيكُ في الصَدْرِ مِنَ الشَكِّ فَقالَ لَهُ: ما نَجا مِن ذَلِكَ أحَدٌ ولا النَبِيُّ حَتّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ.
﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أُنْكِرَتْ أنْ يَقُولَها ابْنُ عَبّاسٍ، وبِذَلِكَ أقُولُ، لِأنَّ الخَواطِرَ لا يَنْجُو مِنها أحَدٌ، وهي خِلافُ الشَكِّ الَّذِي يُجالُ فِيهِ عَلى الِاسْتِشْفاءِ بِالسُؤالِ.
و ﴿ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ هم مَن أسْلَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "أنا لا أشُكُّ ولا أسْألُ"».
وقَرَأ "فَسَلْ" دُونَ هَمْزٍ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأبُو عَمْرٍو، وعِيسى، وعاصِمٌ، وقَرَأ جُمْهُورٌ عَظِيمٌ بِالهَمْزِ.
ثُمَّ جَزَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ ، واللامُ في "لَقَدْ" لامُ قَسَمٍ، و"المُمْتَرِينَ": مَعْناهُ: الشاكِّينَ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ في اعْتِقادِهِمْ إلى المُماراةِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أمْرِهِ إلّا مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ التَأْوِيلِ قاطِبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الَّذِي يُشْبِهُ أنْ تُرْتَجى إزالَةُ الشَكِّ فِيهِ مِن قِبَلِ أهْلِ الكِتابِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرِيدَ: بِما أنْزَلْنا جَمِيعَ الشَرْعِ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ ويَزُولُ الشَكُّ فِيهِ إلّا بِأدِلَّةِ العَقْلِ لا بِالسَماعِ مِن مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ الآيَةُ، مِمّا خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ والمُرادُ سِواهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولِهَذا فائِدَةٌ لَيْسَتْ في مُخاطَبَةِ الناسِ بِهِ، وذَلِكَ شِدَّةُ التَخْوِيفِ، لِأنَّهُ إذا كانَ رَسُولُ اللهِ يُحَذَّرُ مِن مِثْلِ هَذا فَغَيْرُهُ مِنَ الناسِ أولى أنْ يَحْذَرَ ويَتَّقِيَ عَلى نَفْسِهِ.
<div class="verse-tafsir"