الآية ٩٣ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩٣ من سورة يونس

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية ف ( مبوأ صدق ) قيل : هو بلاد مصر والشام ، مما يلي بيت المقدس ونواحيه ، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها ، كما قال الله تعالى : ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ) [ الأعراف : 137 ] وقال في الآية الأخرى : ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) [ الشعراء : 57 - 59 ] ولكن استمروا مع موسى ، عليه السلام ، طالبين إلى بلاد بيت المقدس [ وهي بلاد الخليل عليه السلام فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس ] وكان فيه قوم من العمالقة ، [ فنكل بنو إسرائيل عن قتال العمالقة ] فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة ، ومات فيه هارون ، ثم ، موسى ، عليهما السلام ، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون ، ففتح الله عليهم بيت المقدس ، واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر ، ثم عادت إليهم ، ثم أخذها ملوك اليونان ، وكانت تحت أحكامهم مدة طويلة ، وبعث الله عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، في تلك المدة ، فاستعانت اليهود - قبحهم الله - على معاداة عيسى ، عليه السلام ، بملوك اليونان ، وكانت تحت أحكامهم ، ووشوا عندهم ، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا من يقبض عليه ، فرفعه الله إليه ، وشبه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره فأخذوه فصلبوه ، واعتقدوا أنه هو ، ( وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ) [ النساء : 157 ، 158 ] ثم بعد المسيح ، عليه السلام بنحو [ من ] ثلاثمائة سنة ، دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان - في دين النصرانية ، وكان فيلسوفا قبل ذلك .

فدخل في دين النصارى قيل : تقية ، وقيل : حيلة ليفسده ، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة وبدعا أحدثوها ، فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار ، والصوامع والهياكل ، والمعابد ، والقلايات .

وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان ، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف ، ووضع وكذب ، ومخالفة لدين المسيح .

ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان ، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة والقفار ، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم ، وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية ، والقمامة ، وبيت لحم ، وكنائس [ بلاد ] بيت المقدس ، ومدن حوران كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة ، وعبدوا الصليب من حينئذ ، وصلوا إلى الشرق ، وصوروا الكنائس ، وأحلوا لحم الخنزير ، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول ، ووضعوا له الأمانة الحقيرة ، التي يسمونها الكبيرة ، وصنفوا له القوانين ، وبسط هذا يطول .

والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ، رضي الله عنهم ، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، ولله الحمد والمنة .

وقوله : ( ورزقناهم من الطيبات ) أي : الحلال ، من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا .

وقوله : ( فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ) أي : ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم ، أي : ولم يكن لهم أن يختلفوا ، وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس .

وقد ورد في الحديث : أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة ، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، منها واحدة في الجنة ، وثنتان وسبعون في النار .

قيل : من هم يا رسول الله ؟

قال : " ما أنا عليه وأصحابي " .

رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ ، وهو في السنن والمسانيد ولهذا قال الله تعالى : ( إن ربك يقضي بينهم ) أي : يفصل بينهم ( يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أنـزلنا بني إسرائيل منازلَ صِدْق.

(30) * * * قيل: عني بذلك الشأم وبيت المقدس.

وقيل: عُنِي به الشأم ومصر.

*ذكر من قال ذلك: 17882- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربي ، وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: (مبوّأ صدق) ، قال: منازل صدق، مصر والشأم.

17883- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (مبوَّأ صدق) ، قال: بوّأهم الله الشأم وبيت المقدس.

17884- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) ، الشام.

وقرأ: إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [سورة الأنبياء: 71] * * * وقوله: (ورزقناهم من الطيبات) ، يقول: ورزقنا بني إسرائيل من حلال الرزق ، وهو (الطيب).

(31) * * * وقوله: (فما اختلفوا حتى جاءهم العلم) ، يقول جل ثناؤه: فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل، حتى جاءهم ما كانوا به عالمين.

وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبيّ صلى الله عليه وسلم مجمعين على نبوّة محمدٍ والإقرار به وبمبعثه ، غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به بعضهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددًا قليلا.

فذلك قوله: فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيًّا لله ، فوضع (العلم ) مكان (المعلوم).

* * * وكان بعضهم يتأول (العلم ) ههنا ، كتابَ الله ووحيَه.

*ذكر من قال ذلك: 17885- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (فما اختلفوا حتى جاءهم العلم) ، (32) قال: (العلم)، كتاب الله الذي أنـزله ، وأمره الذي أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلم بغيًا بينهم ؟

أهل هذه الأهواء، هل اقتتلوا إلا على البغي قال: و " البغي" وجهان: وجه النفاسة في الدنيا ومن اقتتل عليها من أهلها، وبغى في " العلم " ، يرى هذا جاهلا مخطئًا ، ويرى نفسه مصيبًا عالمًا، فيبغي بإصابته وعلمه عَلَى هذا المخطئ.

* * * وقوله: (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربَّك ، يا محمد ، يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل فيك يوم القيامة ، فيما كانوا فيه من أمري في الدنيا يختلفون، بأن يدخل المكذبين بك منهم النار ، والمؤمنين بك منهم الجنة ، فذلك قضاؤه يومئذ فيما كانوا فيه يختلفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم.

(33) ------------------------ الهوامش : (30) انظر تفسير " بوأ " فيما سلف ص : 171، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(31) انظر تفسير " الطيب " فيما سلف من فهارس اللغة ( طيب ) .

(32) في المطبوعة والمخطوطة : " .

.

.

حتى جاءهم العلم بغيا بينهم " ، وليس هذا من تلاوة هذه الآية ، ولا هو في تفسيرها ، فحذفته .

وأشباهها من الآيات التي ورد فيها ذكر العلم والبغي فيه في سورة آل عمران : 19 / سورة الشورى : 14 / سورة الجاثية : 17 ، وآثرت حذف هذه الزيادة من هذا الموضع ، لأني لم أجد أبا جعفر ذكر هذا الخبر في تفسير شيء من هذه الآيات ، والظاهر أن المعنى أخذ بعضه ببعض ، فزاد ابن زيد في التفسير من نظائر الآية في السور الأخرى .

(33) انظر تفسير " القضاء " فيما سلف من فهارس اللغة ( قضى ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون قوله تعالى ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق أي منزل صدق محمود مختار ، يعني مصر .

وقيل : الأردن وفلسطين .

وقال الضحاك : هي مصر والشام .ورزقناهم من الطيبات أي من الثمار وغيرها .

وقال ابن عباس : يعني قريظة والنضير وأهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل ; فإنهم كانوا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وينتظرون خروجه ، ثم لما خرج حسدوه ; ولهذا قال ( فما اختلفوا ) أي في أمر محمد صلى الله عليه وسلم حتى جاءهم العلم أي القرآن ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ، والعلم بمعنى المعلوم ; لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه ; قال ابن جرير الطبري .إن ربك يقضي بينهم أي يحكم بينهم ويفصل يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا ، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أنزلهم الله وأسكنهم في مساكن آل فرعون، وأورثهم أرضهم وديارهم.

{ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } من المطاعم والمشارب وغيرهما { فَمَا اخْتَلَفُوا } في الحق { حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ولكن بغى بعضهم على بعض، وصار لكثير منهم أهوية وأغراض تخالف الحق، فحصل بينهم من الاختلاف شيء كثير.

{ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بحكمة العدل الناشئ عن علمه التام، وقدرته الشاملة، وهذا هو الداء، الذي يعرض لأهل الدين الصحيح.

وهو: أن الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكلية، سعى في التحريش بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجب ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعض، وعداوة بعضهم لبعض، ما هو قرة عين اللعين.

وإلا فإذا كان ربهم واحدًا، ورسولهم واحدًا، ودينهم واحدًا، ومصالحهم العامة متفقة، فلأي شيء يختلفون اختلافًا يفرق شملهم، ويشتت أمرهم، ويحل رابطتهم ونظامهم، فيفوت من مصالحهم الدينية والدنيوية ما يفوت، ويموت من دينهم، بسبب ذلك ما يموت؟.

فنسألك اللهم، لطفًا بعبادك المؤمنين، يجمع شملهم ويرأب صدعهم، ويرد قاصيهم على دانيهم، يا ذا الجلال والإكرام.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد بوأنا بني إسرائيل ) أنزلنا بني إسرائيل بعد هلاك فرعون ، ( مبوأ صدق ) منزل صدق ، يعني : مصر .

وقيل الأردن وفلسطين ، وهي الأرض المقدسة التي كتب الله ميراثا لإبراهيم وذريته .

قال الضحاك : هي مصر والشام ، ( ورزقناهم من الطيبات ) الحلالات ، ( فما اختلفوا ) يعني اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه وأنه نبي ، ( حتى جاءهم العلم ) يعني : القرآن والبيان بأنه رسول لله صدق ، ودينه حق .

وقيل : حتى جاءهم معلومهم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه ، فالعلم بمعنى المعلوم كما يقال للمخلوق : خلق ، قال الله تعالى : " هذا خلق الله " ( لقمان - 11 ) ، ويقال : هذا الدرهم ضرب الأمير ، أي : مضروبه .

( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) من الدين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد بوأنا» أنزلنا «بني إسرائيل مُبَوّأ صدق» منزل كرامة وهو الشام ومصر «ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا» بأن آمن بعض وكفر بعض «حتى جاءهم العلم إن ربَّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» من أمر الدين بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلا صالحًا مختارًا في بلاد "الشام" و"مصر"، ورزقناهم الرزق الحلال الطيب من خيرات الأرض المباركة، فما اختلفوا في أمر دينهم إلا مِن بعد ما جاءهم العلم الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ومن ذلك ما اشتملت عليه التوراة من الإخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

إن ربك -أيها الرسول- يقضي بينهم يوم القيامة، ويَفْصِل فيما كانوا يختلفون فيه من أمرك، فيدخل المكذبين النار والمؤمنين الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر نعمه على بني إسرائيل بعد أن أهلك عدوهم فرعون فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات ) .وقوله : ( بَوَّأْنَا ) أى : أنزلنا وأسكنا ، من التبوء ، وهو اتخاذ المباءة أى : المنزل والمسكن .وفى إضافة ألمبوأ إلى الصدق مدح له ، فقد جرت عادة العرب على أنهم إذا مدحوا شيئا أضافوه إلى الصدق فقالوا : رجل صدق إذا كان متحليا بمكارم الأخلاق .قال الآلوسى : " والمراد بهذا المبوأ ، كما رواه ابن المنذر وغيره عن الضحاك : الشام ومصر ، فإن بنى إسرائيل الذين كانوا في زمان موسى - عليه السلام - وهم المرادون هنا ، ملكوا ذلك حسبما ذهب إليه جمع من الفضلاء .وأخرج أبو الشيخ وغيره عن قتادة أن المراد به الشام وبيت المقدس ، واختاره بعضهم ، بناء على أن أولئك لم يعودوا إلى مصر بعد ذلك .وينبغى أن يراد ببنى إسرائيل على القولين ، ما يشمل ذريتهم بناء على أنهم ما دخلوا الشام في حياة موسى - عليه السلام - إنما دخلها أبناؤهم - بقيادة يوشع بن نون .وقيل المراد به أطراف المدينة إلى جهة الشام ، وببنى إسرائيل؛ الذين كانوا على عهد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .والمعنى : ولقد أنزلنا بنى إسرائيل بعد هلاك عدوهم فرعون منزلا صالحا مرضيا ، فيه الأمان ، والأطمئنان لهم ، وأعطيناهم فوق ذلك الكثير من ألوان المأكولات والمشروبات الطيبات التي أحللناها لهم .وقوله : ( فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم .

.

.

) توبيخ لهم على موقفهم الجحودى من هذه النعم التى أنعم الله بها عليهم .أى : أنهم ما تفرقوا فى أمور دينهم ودنياهم على مذاهب شتى ، إلا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكل شبهة ، وهو ما بين أيديهم من الوحى الذى أمرهم الله - تعالى - أن يتلوه حق تلاوته ، وأن لا يستخدموه فى التأويلات الباطلة .فالجملة الكريمة توبخهم على جعلهم العلم الذى كان من الواجب عليهم أن يستعملوه - فى الحق والخير - وسيلة للاختلاف والابتعاد عن الطريق المستقيم .وقوله : ( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) تذييل قصد به الزجر عن الاختلاف واتباع الباطل .أى : إن ربك يفصل بين هؤلاء المختلفين ، فيجازى أهل الحق بما يستحقونه من ثواب ، ويجازى أهل الباطل بما يستحقونه من عقاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده، ذكر أيضاً في هذه الآية ما وقع عليه الختم في أمر بني إسرائيل، وهاهنا بحثان: البحث الأول: أن قوله: ﴿ بَوَّأْنَا بَنِى إسراءيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ أي أسكناهم مكان صدق أي مكاناً محموداً، وقوله: ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ فيه وجهان: الأول: يجوز أن يكون مبوأ صدق مصدراً، أي بوأناهم تبوأ صدق.

الثاني: أن يكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً، وإنما وصف المبوأ بكونه صدقاً، لأن عادة العرب أنها إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق تقول: رجل صدق، وقدم صدق.

قال تعالى: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ  ﴾ والسبب فيه أن ذلك الشيء إذا كان كاملاً في وقت صالحاً للغرض المطلوب منه، فكل ما يظن فيه من الخبر، فإنه لابد وأن يصدق ذلك الظن.

البحث الثاني: اختلفوا في أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية أهم اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام أم الذين كانوا في زمن محمد عليه السلام.

أما القول الأول: فقد قال به قوم ودليلهم أنه تعالى لما ذكر هذه الآية عقيب قصة موسى عليه السلام كان حمل هذه الآية على أحوالهم أولى، وعلى هذا التقدير: كان المراد بقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إسراءيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ الشام ومصر، وتلك البلاد فإنها بلاد كثيرة الخصب.

قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ والمراد من قوله: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات ﴾ تلك المنافع، وأيضاً المراد منها أنه تعالى أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من الناطق والصامت والحرث والنسل، كما قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَا اختلفوا حتى جَاءهُمُ العلم ﴾ والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرؤا التوراة، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع الاختلاف بينهم.

ثم بين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لابد وأن يبقى في دار الدنيا، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة.

وأما القول الثاني: وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام فهذا قال به قوم عظيم من المفسرين.

قال ابن عباس: وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من الطيبات، والمراد ما في تلك البلاد من الرطب والتمر التي ليس مثلها طيباً في البلاد، ثم إنهم بقوا على دينهم، ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم، والمراد من العلم القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما سماه علماً، لأنه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز مشهور.

وفي كون القرآن سبباً لحدوث الاختلاف وجهان: الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ويفتخرون به على سائر الناس، فلما بعثه الله تعالى كذبوه حسداً وبغياً وإيثاراً لبقاء الرياسة وآمن به طائفة منهم، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سبباً لحدوث الاختلاف فيهم.

الثاني: أن يقال: إن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفاراً محضاً بالكلية وبقوا على هذه الحالة حتى جاءهم العلم، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي أقوام آخرون على كفرهم.

وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فالمراد منه أن هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في دار الدنيا، وأنه تعالى في الآخرة يقضي بينهم، فيتميز المحق من المبطل والصديق من الزنديق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ منزلاً صالحاً مرضياً وهو مصر والشام ﴿ فَمَا اختلفوا ﴾ في دينهم وما تشعبوا فيه شعباً إلاّ من بعد ما قرأوا التوراة وكسبوا العلم بدين الحق ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرّق عنه.

وقيل: هو العلم بمحمد صلى الله عليه وسلم واختلاف بني إسرائيل، وهم أهل الكتاب، اختلافهم في صفته ونعته، وأنه هو أم ليس به.

بعد ما جاءهم العلم والبيان أنه هو لم يرتابوا فيه.

كما قال الله تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ ﴾ [البقرة: 146] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا ﴾ أنْزَلْنا.

﴿ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ مَنزِلًا صالِحًا مُرْضِيًا وهو الشَّأْمُ ومِصْرُ.

﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ فَما اخْتَلَفُوا في أمْرِ دِينِهِمْ إلّا مِن بَعْدِ ما قَرَءُوا التَّوْراةَ وعَلِمُوا أحْكامَها، أوْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ  إلّا مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا صِدْقَهُ بِنُعُوتِهِ وتَظاهُرِ مُعْجِزاتِهِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فَيُمَيِّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ بِالإنْجاءِ والإهْلاكِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوأ صدق} منزلاً صالحاً مرضياً وهو مصر والشام {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات فَمَا اختلفوا} في دينهم {حتى جَاءهُمُ العلم} أي التوراة وهم اختلفوا في تأويلها كما اختلف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأويل الآيات من القرآن أو المراد العلم بمحمد واختلاف بنى اسرائل وهم أهل الكتاب اختلافهم في صفته أنه هو أم ليس هو بعد ما جاءهم العلم أنه هو {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} يميز المحق من المبطل ويجزى كلا جزءاه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ إثْرَ نِعْمَةِ الإنْجاءِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وإخْلالِهِمْ بِشُكْرِها وبَوَّأ بِمَعْنى أنَزَلَ كَأباءَ والِاسْمُ مِنهُ البِيئَةُ بِالكَسْرِ كَما في القامُوسِ وجاءَ بَوَّأهُ مَنزِلًا وبَوَّأهُ في مَنزِلٍ وكَذا بَوَّأْتُ لَهُ مَكانًا إذا سَوَّيْتَهُ وهو مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ ولِاثْنَيْنِ أيْ أنْزَلْناهم بَعْدَ أنْ أنْجَيْناهم وأهْلَكْنا أعْداءَهم ﴿ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ أيْ مَنزِلًا صالِحًا مَرْضِيًّا وهو اسْمُ مَكانٍ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ويُحْتَمَلُ المَصْدَرِيَّةُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مَكانَ مُبَوَّأٍ وبِدُونِهِ وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولًا ثانِيًا وأصْلُ الصِّدْقِ ضِدَّ الكَذِبِ لَكِنْ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ عَلى أنَّهم إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ فَقالُوا: رَجُلُ صِدْقٍ مَثَلًا إذا كانَ كامِلًا في صِفَتِهِ صالِحًا لِلْغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنهُ كَأنَّهم لاحَظُوا أنَّ كُلَّ ما يُظَنُّ بِهِ فَهو صادِقٌ والمُرادُ بِهَذا المُبَوَّأِ كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ الشّامُ ومِصْرُ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ المُرادُ هُنا مَلَكُوا ذَلِكَ حَسْبَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الفُضَلاءِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ واخْتارَهُ بَعْضهمْ بِناءً عَلى أنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ القَوْلَيْنِ ما يَشْمَلُ ذُرِّيَّتَهم بِناءً عَلى أنَّهم ما دَخَلُوا الشّامَ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما دَخَلَها أبْناؤُهم وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْهُ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أطْرافُ المَدِينَةِ إلى جِهَةِ الشَّأْمِ وبِبَنِي إسْرائِيلَ بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ ﴿ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ أيِ اللَّذائِذِ قِيلَ: وقَدْ يُفَسَّرُ بِالحَوْلِ ﴿ فَما اخْتَلَفُوا ﴾ في أُمُورِ دِينِهِمْ بَلْ كانُوا مُتَّبَعِينَ أمْرَ رَسُولِهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ أيْ إلّا بَعْدَما عَلِمُوا بِقِراءَةِ التَّوْراةِ والوُقُوفِ عَلى أحْكامِها وقِيلَ: المَعْنى ما اخْتَلَفُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا بَعْدَما عَلِمُوا صِدْقَ نُبُوَّتِهِ بِنُعُوتِهِ المَذْكُورَةِ في كِتابِهِمْ وتَظاهُرِ مُعْجِزاتِهِ وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في المُرادِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ المُبَوَّئِينَ وأمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ خَفاءٌ لِأنَّ أُولَئِكَ المُبَوَّئِينَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أمْرِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَرُورَةً لِيُنْسَبَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ حَقِيقَةً ولَيْسَ هَذا نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: (وإذا نْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ) الآيَةَ ولا قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ ﴾ لِيُعْتَبَرَ المَجازُ وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المَعْنى أنَّهم كانُوا جَمِيعًا عَلى الكُفْرِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ حَتّى أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونَزَلَتِ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 93﴾ فَيَمِيزُ بَيْنَ الحَقِّ والمُبْطَلِ بِالإثابَةِ والعُقُوبَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: أنزلنا بني إسرائيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ يعني: منزل صدق، وهو أرض مصر.

وذلك أن الله تعالى قد وعد لهم بأن يورِّثهم أرض مصر، فلما غرق فرعون، رجع موسى  ببني إسرائيل، إلى أرض مصر، فنزلوا بها وسكنوا الدِّيار.

ويقال: مُبَوَّأَ صِدْقٍ يعني: أرضاً كريمة، يعني: أرض الأردن وفلسطين.

ويقال: منزلا حسنا، وقال قتادة: أرض الشام، ويقال: الأرض المقدسة.

وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني: من ميراث أهل مصر، وأهل الشام.

فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ فما اختلفوا في الدين حتى جاءهم الكتاب، يعني: جاءهم موسى  بعلم التوراة، فاختلفوا من بعد يوشع بن نون.

ويقال: فما اختلفوا في أمر محمد  حتى جاءهم العلم، يعني: خرج النبيّ  وجاء بالقرآن إليهم، لأنهم لم يزالوا مؤمنين به، وذلك أنهم يجدونه مكتوباً عندهم، فلما جاءهم محمد  جحدوا به بعد العلم.

إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الذين آمن به بعضهم، وكفر به بعضهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقول فرعون: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ ...

الآية: روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: مَا أَبْغَضْتُ أَحَداً قَطُّ بُغْضِي لِفِرْعَوْنَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: آمَنْتُ ...

الآيَةَ، فَأَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ، فَمَلأْتُ فَمَهُ مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ» ، وفي بعض الطرق: «مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَتَلْحَقُهُ الرَّحْمَة» «١» .

قال ع «٢» : فانظر إِلى كلام فرعون، ففيه مَجْهَلَةٌ وَتَلَعْثُمٌ، ولاَ عُذْرَ لأحد فِي جَهْلِ هذا، وإِنما العذر فيما لا سبيلَ/ إِلى علمه، كقول عليٍّ رضي الله عنه: أهللت بإهلال كإهلال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والحَالُ: الطِّينُ، والآثار بهذا كثيرةٌ مختلفة الألفاظِ، والمعنَى واحدٌ.

وقوله سبحانه: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ، وهذا عَلى جهة التوبيخ له، والإِعلان بالنقمةِ منه، وهذا الكلامُ يحتملُ أن يكونَ مِنْ مَلَكٍ مُوَصِّلٍ عن اللَّه، أَو كيف شاء اللَّه، ويحتملُ أَنْ يكون هذا الكلامُ معنَى حاله وصورةَ خِزْيه، وهذه الآيةُ نصٌّ في ردّ توبة المعاين.

وقوله سبحانه: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ...

الآية: يقوِّي أنه صورةُ حاله لأن هذه الألفاظ إِنما يظهر أنها قِيلَتْ بعد غَرَقِهِ، وسببُ هذه المقالة على ما روي: أن بني إِسرائيل بَعُدَ عِنْدَهم غَرَقُ فِرْعَوْنَ وهلاكُه، لِعِظَمِهِ في نفوسهم، وكذّب بعضهم أن يكون فرعون

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: أنْزَلْناهم مَنزِلَ صِدْقٍ، أيْ مَنزِلًا كَرِيمًا.

وفي المُرادِ بِبَنِي إسْرائِيلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أصْحابُ مُوسى.

والثّانِي: قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ.

وفي المُرادِ بِالمَنزِلِ الَّذِي أُنْزِلُوهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأُرْدُنُ، وفِلَسْطِينُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الشّامُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: مِصْرُ، رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.

والرّابِعُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: ما بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ مِن أرْضِ يَثْرِبَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: ما أُحِلَّ لَهم مِنَ الخَيْراتِ الطَّيِّبَةِ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما اخْتَلَفُوا في مُحَمَّدٍ، لَمْ يَزالُوا بِهِ مُصَدِّقِينَ، ﴿ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ورُوِيَ عَنْهُ: حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا.

فَعَلى هَذا يَكُونُ العِلْمُ هاهُنا: عِبارَةً عَنِ المَعْلُومِ.

وبَيانُ هَذا أنَّهُ لَمّا جاءَهُمُ، اخْتَلَفُوا في تَصْدِيقِهِ، وكَفَرَ بِهِ أكْثَرُهم بَغْيًا وحَسَدًا بَعْدَ أنْ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى تَصْدِيقِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ غَيْرُهُ مِنَ الشّاكِّينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي  ﴾ ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا  ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما تَعْمَلُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  ، وهو المُرادُ بِهِ.

ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خُوطِبَ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ في شَكٍّ، لِأنَّهُ مِنَ المُسْتَفِيضِ في لُغَةِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلَ لِوَلَدِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولِعَبْدِهِ: إنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأطِعْنِي، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ  في شَكٍّ، ولا سَألَ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ " إنْ " بِمَعْنى " ما " فالمَعْنى: ما كُنْتَ في شَكٍّ ﴿ فاسْألِ ﴾ ، المَعْنى: لَسْنا نُرِيدُ أنْ نَأْمُرَكَ أنْ تَسْألَ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ بَصِيرَةً، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ الخِطابَ لِلشّاكِّينَ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ أيُّها الإنْسانُ في شَكٍّ مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ، فَسَلْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

وَفِي الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْهِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.

وفي الَّذِينَ أُمِرَ بِسُؤالِهِمْ مِنهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن آمَنَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أهْلُ الصِّدْقِ مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهو يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ إلّا مَن آمَنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ ﴾ أيْ: وجَبَتْ ﴿ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أيْ: قَوْلُهُ.

وبِماذا حَقَّتِ الكَلِمَةُ عَلَيْهِمْ، فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِاللَّعْنَةِ.

والثّانِي: بِنُزُولِ العَذابِ.

والثّالِثُ: بِالسُّخْطِ.

والرّابِعُ: بِالنِّقْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنَّما أنَّثَ فِعْلُ " كَلٍّ " لِأنَّهُ أضافَهُ إلى " آيَةٍ " وهي مُؤَنَّثَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَعْنى: لَقَدِ اخْتَرْنا لِبَنِي إسْرائِيلَ أحْسَنَ اخْتِيارٍ، وأحْلَلْناهم مِنَ الأماكِنِ أحْسَنَ مَحَلٍّ، و ﴿ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ أيْ: يُصَدَّقُ فِيهِ ظَنُّ قاصِدِهِ وساكِنِهِ وأهْلِهِ، ويَعْنِي بِهَذِهِ الآيَةِ: إحْلالَهم بِلادَ الشامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ.

قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: بِلادُ مِصْرَ والشامِ، قالَهُ الضَحّاكُ، والأوَّلُ أصَحُّ بِحَسَبِ ما حُفِظَ مِن أنَّهم لَنْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ، عَلى أنَّ في القُرْآنِ: ﴿ كَذَلِكَ وأورَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ  ﴾ ، يَعْنِي ما تَرَكَ القِبْطُ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ( أورَثْناها ) مَعْناهُ: الحالَةُ مِنَ النِعْمَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في قُطْرٍ واحِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: فَما اخْتَلَفُوا فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  حَتّى جاءَهم وبانَ عِلْمُهُ وأمْرُهُ فاخْتَلَفُوا حِينَئِذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ هو الَّذِي وقَعَ في كُتُبِ المُتَأوِّلِينَ، وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اخْتِلافٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ حالِهِ، فَلَمّا جاءَهُمُ العِلْمُ والأوامِرُ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ اخْتَلَفُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَعْنى الآيَةِ مَذَمَّةُ ذَلِكَ الصَدْرِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

ثُمَّ أوجَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهم ويَفْصِلُ بِعِقابِ مَن يُعاقِبُ ورَحْمَةِ مَن يَرْحَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ الآيَةُ، قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحُسْنِ-: إنَّ "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ "إنْ" شَرْطِيَّةٌ، والصَوابُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلٍّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أو يُعارِضَ، وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبَرَّنِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي  ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَمّا يَحِيكُ في الصَدْرِ مِنَ الشَكِّ فَقالَ لَهُ: ما نَجا مِن ذَلِكَ أحَدٌ ولا النَبِيُّ  حَتّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ.

﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أُنْكِرَتْ أنْ يَقُولَها ابْنُ عَبّاسٍ، وبِذَلِكَ أقُولُ، لِأنَّ الخَواطِرَ لا يَنْجُو مِنها أحَدٌ، وهي خِلافُ الشَكِّ الَّذِي يُجالُ فِيهِ عَلى الِاسْتِشْفاءِ بِالسُؤالِ.

و ﴿ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ هم مَن أسْلَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "أنا لا أشُكُّ ولا أسْألُ"».

وقَرَأ "فَسَلْ" دُونَ هَمْزٍ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأبُو عَمْرٍو، وعِيسى، وعاصِمٌ، وقَرَأ جُمْهُورٌ عَظِيمٌ بِالهَمْزِ.

ثُمَّ جَزَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ ، واللامُ في "لَقَدْ" لامُ قَسَمٍ، و"المُمْتَرِينَ": مَعْناهُ: الشاكِّينَ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ في اعْتِقادِهِمْ إلى المُماراةِ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أمْرِهِ إلّا مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ التَأْوِيلِ قاطِبَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الَّذِي يُشْبِهُ أنْ تُرْتَجى إزالَةُ الشَكِّ فِيهِ مِن قِبَلِ أهْلِ الكِتابِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرِيدَ: بِما أنْزَلْنا جَمِيعَ الشَرْعِ، ولَكِنَّهُ بَعِيدٌ بِالمَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ ويَزُولُ الشَكُّ فِيهِ إلّا بِأدِلَّةِ العَقْلِ لا بِالسَماعِ مِن مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ الآيَةُ، مِمّا خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ  والمُرادُ سِواهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولِهَذا فائِدَةٌ لَيْسَتْ في مُخاطَبَةِ الناسِ بِهِ، وذَلِكَ شِدَّةُ التَخْوِيفِ، لِأنَّهُ إذا كانَ رَسُولُ اللهِ  يُحَذَّرُ مِن مِثْلِ هَذا فَغَيْرُهُ مِنَ الناسِ أولى أنْ يَحْذَرَ ويَتَّقِيَ عَلى نَفْسِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على الجمل الماضية فإن جميع تلك الجمل مقصود منها موعظة الكفار من العرب بأحوال من سبقهم من الأمم في مشابهة كفرهم بكفرهم وبما حل بهم من أنواع العذاب جزاء كفرهم كما قال تعالى: ﴿ أكُفاركم خير من أولئكم ﴾ [القمر: 43].

فلما ضرب الله مثل السوء أتْبعَه بمثل الصلاح بحال الذين صدقوا الرسول واتبعوه، وكيف كانت عاقبتهم الحسنى ليظهر الفرق بين مصيري فريقين جاءهم رسول فآمن به فريق وكفر به فريق، ليكون ذلك ترغيباً للمشركين في الإيمان، وبشارة للمؤمنين من أهل مكة.

فالمراد ببني إسرائيل القوم المتحدث عنهم بقوله: ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ [يونس: 91] الآية وترتيب الإخبار يقتضي أن الله بَوأهم مُبَوّأ صدق عقب مجاوزتهم البحر غرَققِ فرعون وجنوده، فإنهم دخلوا بعد ذلك صحراء التيه وأمنوا على أنفسهم وأقبلوا على تزكية نفوسهم وإصلاح شؤونهم، ورُزقوا المنّ والسَّلوى، وأعطوا النصر على الأمم التي تعرضت لهم تحاول منعهم من امتلاك الأرض الطيبة.

فما زالوا يتدرّجون في مدارج الخير والإنعام فذلك مُبَوّأ الصدق.

والرزقُ: من الطيبات.

فمعنى ﴿ فما اختلفوا ﴾ أولئك ولا مَن خلفهم من أبنائهم وأخلافهم.

والتبوّؤ تقدم آنفاً، والمُبَوّأ: مكان البَوْء، أي الرجوع، والمراد المسكن كما تقدم، وإضافته إلى (صدق) من إضافة الموصوف إلى الصفة، ويجوز أن يكون المبوّأ مصدراً ميمياً.

والصدق هنا بمعنى الخالص في نوعه.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ أنّ لهم قَدَمَ صدق عند ربهم ﴾ [يونس: 2].

والمراد بمبوأ الصدق ما فتح الله عليهم من بلاد فلسطين وما فيها من خصب وثراء قال تعالى: ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يُستَضعَفون مشارقَ الأرض ومغاربَها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ﴾ [الأعراف: 137].

وتفريع قوله: ﴿ فما اختلفوا ﴾ على ﴿ بوأنا ﴾ وما عطف عليه تفريعُ ثناء عليهم بأنهم شكروا تلك النعمة ولم يكفروها كما كفرها المشركون الذين بوَّأهم الله حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء، فجعلوا لله شركاء، ثم كفروا بالرسول المرسل إليهم.

فوقع في الكلام إيجاز حذف.

وتقدير معناه: فشكروا النعمة واتبعوا وصايا الأنبياء وما خالفوا ذلك إلا من بعد ما جاءهم العلم.

والاختلاف افتعال أريد به شدة التخالف ولا يعرف لمادة هذا المعنى فعل مجرد.

وهي مشتقة من الاسم الجامد وهو الخَلْف لمعنى الوراء فتعين أن زيادة التاء للمبالغة مثل (اكتسب) مبالغة في (كسب)، فيحمل على خلاف تشديد وهو مضادة ما جاء به الدين وما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المناسب للسياق فإن الكلام ثناء مردف بغاية تؤذن أنّ ما بعد الغاية نهاية للثناء وإثبات للوم إذ قد نفى عنهم الاختلاف إلى غاية تؤذن بحصول الاختلاف منهم عند تلك الغاية فالذين لم يختلفوا هم الذين بوّأهم الله مُبوّأ صدق.

وقد جاءوا بعدهم إلى أن جاء الذين اختلفوا على الأنبياء.

وهؤلاء ما صدق ضمير الرفع في قوله: ﴿ جاءهم العلم ﴾ [آل عمران: 19].

وما جاءهم من العلم يجوز أن يكون ما جاءهم به الأنبياء من شرع الله فلم يعملوا بما جاؤوهم به، وأعظم ذلك تكذيبهم بمحمد عليه الصلاة والسلام.

فعن ابن عباس: هم اليهود الذين كانوا في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانوا قبل مبعثه مقرين بنبيء يأتي، فلما جاءهم العلم، وهو القرآن اختلفوا في تصديق محمد عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع.

ويجوز أن يكون العلم هو القرآن، وعلى هذا الوجه يكون معنى الآية كمعنى قوله: ﴿ إنّ الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ [آل عمران: 19]، وقوله: ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ [البينة: 4] فإن البينة هي محمد صلى الله عليه وسلم لأن قبل هذا قوله: ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهّرة ﴾ [البينة: 1، 2] الآية.

وقال تعالى: ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ [البقرة: 89].

وهذا المحمل هو المناسب لحرف (حتى) في قوله تعالى: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .

وتعقيبُ ﴿ فما اختلفوا ﴾ بالغاية يؤذن بأنّ ما بعد الغاية منتهى حالة الشكر، أي فبقوا في ذلك المُبَوّأ، وفي تلك النعمة، حتى اختلفوا فسلبت نعمتهم فإن الله سلبهم أوطانهم.

وجملة: ﴿ إن ربّك يقضي بينهم يوم القيامة ﴾ تذييل وتوعد، والمقصود منه: أن أولئك قوم مضَوا بما عملوا وأن أمرهم إلى ربهم كقوله: ﴿ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ [البقرة: 134]، وفيه إيماء إلى أن على الحاضرين اليوم أن يفكروا في وسائل الخلاص من الضلال والوقوع في المؤاخذة يوم القيامة.

و (بينَ) ظرفُ مكان للقضاء المأخوذ من فعل (يَقضي) ففعل القضاء كأنه متخلّل بينهم لأنه متعلق بتبيين المحق والمبطل.

وضمير ﴿ بينهم ﴾ عائد إلى ما يفهم من قوله: ﴿ فما اختلفوا ﴾ من وُجود مخالف (بكسر اللام) ومخالَف (بفتحها).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ مِصْرُ والشّامُ: قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كالصِّدْقِ في الفَضْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّهُ وعَدَهم إيّاهُ فَكانَ وعْدُهُ وعْدَ صِدْقٍ.

﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي وأحْلَلْنا لَهم مِنَ الخَيْراتِ الطَّيِّبَةِ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَعْنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما اخْتَلَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ.

﴿ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَتّى جاءَهم مُحَمَّدٌ  الَّذِي كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وتَقْدِيرُهُ حَتّى جاءَهُمُ المَعْلُومُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

والثّانِي: حَتّى جاءَهُمُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه في وقه ﴿ ولقد بوّأنا بني إسرائيل مبوّأ صدق ﴾ قال: بوّأهم الله الشام وبيت المقدس.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في وقوله: ﴿ مبوّأ صدق ﴾ قال: منازل صدق، مصر والشام.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ قال: العلم كتاب الله الذي أنزله، وأمره الذي أمرهم به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ ذكرنا معنى ﴿ بَوَّأْنَا ﴾ عند قوله: ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ  ﴾ ، وقال أبو زيد: بوأت فلانًا منزلًا تبوئةً وتبوُّئًا (١) (٢) (٣) ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ يجوز أن يكون مصدرًا، أي تبوّؤ (٤) (٥) وأنت مكانك من وائل ...

مكان القراد من است الجمل (٦) ومعنى (صدق) هاهنا أن العرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق؛ لأن الصدق محمود في الأحوال كلها؛ فتقول: رجل صدق؛ [وقدم صدق] (٧) (٨) وقال بعض أهل المعاني: معناه أن هذا المنزل يصدق فيما يدل عليه من جلالة النعمة (٩) ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ قال: يريد: قريظة والنضير وبني قينقاع، ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ ، قال: يريد: أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام، ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ ، قال: يريد: من أرض يثرب من النخل وما فيها من الرطب والتمر الذي ليس في البلاد مثلها طيبًا (١٠) وقال بعض أهل المعاني: قد دلت الآية على اتساع أرزاقهم (١١) وعلى هذا التفسير يريد ببني إسرائيل: اليهود الذين كانوا في زمان النبي  ، وذهب قوم إلى أنه أراد الذين كانوا في زمن موسى فمن بعدهم فقالوا في قوله: ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ يعني الشام ومصر (١٢) (١٣) وقال قتادة: الشام وبيت المقدس (١٤) وقال الحسن: مصر، وهو منزل صالح خصيب آمن (١٥) ﴿ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾ من صفة الذين كانوا في عهد النبي  (١٦) وعلى (١٧) (١٨) ﴿ فَمَا اخْتَلَفُوا ﴾ أي: في تصديق النبي  وأنه نبي حق مبعوث (١٩) قال المفسرون: كانوا يخبرون بمبعث محمد (٢٠)  ، ويفخرون على سائر الناس بما يعلمونه من صدقه وخروجه والدخول في جملته، حتى بُعث فكذبوه حسدًا وبغيًا وإيثارًا لبقاء الرئاسة، وآمن فريق منهم وصدقه، فذلك اختلافهم حين جاءهم العلم (٢١) قال ابن عباس: يريد القرآن الذي جاء به محمد  (٢٢)  وصفته (٢٣) (٢٤) وقال الحسن (٢٥) (٢٦) ﴿ فَمَا اخْتَلَفُوا ﴾ يعني أنهم كانوا قبل مبعث محمد  كانوا كفارًا كلهم، حتى جاءهم العلم فاختلفوا بأن آمن فريق وكفر فريق، فنفي الاختلاف في القول الأول يعود إلى التصديق بمحمد  قبل مبعثه، وفي قول الحسن وابن زيد نفي الاختلاف عن كفرهم ثم ظهر الاختلاف بإيمان بعضهم، والقول هو الأول.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: من أمرك (٢٧) (١) في "تهذيب اللغة"، "اللسان": تبويئًا.

(٢) في "تهذيب اللغة" المباءة.

(٣) "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246، "لسان العرب" (بوأ) 1/ 382 هع اختلاف يسير.

(٤) في (م): (تبؤى)، وفي بقية النسخ: (تبوي)، وآثرت الرسم المثبت لمناسبته للحركة، وانظر: "الحجة" 4/ 310، وكلام المحقق في الحاشية رقم (2).

(٥) اختلف في قائل هذا البيت، فهو في "ديوان جرير" ص 486، وهو للأخطل في "الأغاني" 8/ 28، "خزانة الأدب" 1/ 460، "سمط اللآلي" ص 854، "العقد الفريد" 3/ 360، وليس في "ديوان الأخطل".

وله أو لعتبة بن الوغل في "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 378.

والبيت لعتبة بن الوغل في "المؤتلف والمختلف" للآمدي ص 84، ونسب أيضاً لكعب ابن جعيل في "خزانة الأدب" 1/ 460، وهو من شواهد سيبويه 1/ 417 بلا نسبة.

(٦) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة" 4/ 310.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٨) في (ى): (صدق).

وانظر: "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1990 - 1991.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) "الوسيط" 2/ 559، "مفاتيح الغيب" 17/ 165.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 166، والسمرقندي 2/ 110، والثعلبي 7/ 27 أ، والبغوي 4/ 149، وابن الجوزي 4/ 63.

(١٣) رواه ابن جرير 11/ 166، وابن أبي حاتم 6/ 1985، والثعلبي 7/ 27 أ، والبغوي 4/ 149.

(١٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 297، وابن جرير 11/ 166، وابن أبي حاتم 6/ 1985.

(١٥) ذكره مختصرًا هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 207.

(١٦) وإلى هذا ذهب ابن جرير 11/ 167، والثعلبي 7/ 27/ أ، والبغوي 4/ 150، وغيرهم.

وذهب السمرقندي 2/ 110، والزمخشري 2/ 252، وابن عطية 7/ 216، والرازي 17/ 159 إلى أن هذا من صفة اليهود السابقين الذين كانوا على عهد موسي -  - والمعني: ما اختلف بنو إسرائيل في دينهم وما تفرقوا فيه إلا من == بعد ما جاءهم العلم بالدين الحق عن طريق التوراة وتعاليم موسى، وعلموا أن الاختلاف مذموم، فهو اختلاف عناد ومكابرة وإعراض عن الحق.

(١٧) في (ح) و (ز): (فعلى)، والصواب ما أثبته.

(١٨) بل من حمل أول الآية على العموم وقال إن المراد هم جميع بني إسرائيل الذين على عهد موسى -  -، حمل آخرها أيضًا على العموم وقال بأن المختلفين هم قوم موسى، انظر المراجع السابقة، نفس المواضع.

(١٩) هذا على قول ابن عباس المذكور ومن وافقه في المراد ببني إسرائيل، أما من قال بالعموم فقد حمل الاختلاف المذكور على العموم، قال السمرقندي 2/ 110: فما اختلفوا في الدين حتى جاءهم البيان، يعني جاءهم موسى -  - بعلم التوراة.

وقال الزمخشري 2/ 252: (فما اختلفوا) في دينهم وما تشعبوا فيه شعبًا إلا من بعد ما قرءوا التوراة وكسبوا العلم بدين الحق، ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرق عنه.

وقال ابن عطية 7/ 216: إن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرف فرعون اختلفوا.

(٢٠) في (ى): (النبي).

(٢١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 167، والثعلبي 7/ 27 ب، والبغوي 4/ 150، وابن الجوزي 4/ 63.

(٢٢) "الوسيط" 2/ 559، "زاد المسير" 4/ 63، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 219 بنحوه.

(٢٣) "معاني القرآن" 1/ 478.

(٢٤) يعني الذين ذهبوا مذهبه في المراد ببني إسرائيل هنا، وقد سبق ذكر الخلاف.

(٢٥) ساقط من (ح) و (ز) ولم أقف على قوله، وقد ذكر هذا القول بلا نسبة الرازي في "تفسيره" 17/ 159.

(٢٦) روى قوله ابن جرير 11/ 67 بمعناه.

(٢٧) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 559 بلا نسبة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ منزلاً حسناً وهو مصر والشام ﴿ فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم ﴾ قيل: يريد اختلافهم في دينهم وقيل: اختلافهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ ﴾ قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره، وقيل: ذلك كقول القائل لابنه: إن كنت ابني فبرّني مع أنه لا يشك أنه ابنه، ولكن من شأن الشك أن يزول بسؤال أهل العلم، فأمره بسؤالهم، قال ابن عباس: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل، وقال الزمخشري: إن ذلك على وجه الفرض والتقدير، أي إن فرضت أن تقعد في شك فاسأل ﴿ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ﴾ قيل: يعني القرآن أو الشرع بجملته، وهذا أظهر، وقيل: يعني ما تقدم من أن بني إسرائيل ما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم الحق ﴿ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب ﴾ يعني: الذين يقرأون التوراة والإنجيل، قال السهيلي: هم عبد الله بن سلام ومخيريق ومن أسلم من الأحبار، وهذا بعيد، لأن الآية مكية، وإنما أسلم هؤلاء بالمدينة، فحمل الآية على الإطلاق أولى ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بالياء التحتانية.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.

﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالتشديد فيهما.

الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.

والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى  فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله  ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.

عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد  فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.

وبالجملة فالله  يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.

ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.

والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.

ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول  حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.

وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.

وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال  عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.

وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.

وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.

وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.

ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.

ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد  فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.

والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد  لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .

ثم إنه  لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.

والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.

ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.

أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.

وقد مر مثله في هذه السورة.

وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.

وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.

وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.

وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.

يروى أن يونس  بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.

وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.

وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.

وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه  ما أراد إيمان الكل.

وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.

ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق  وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.

فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.

وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.

واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.

وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.

أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.

ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.

ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.

وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟

ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول  فقال  ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.

قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.

وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.

ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.

وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.

ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.

قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.

و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.

قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.

ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.

و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.

ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.

وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.

قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.

وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه  بالذات والشر بالعرض.

ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.

وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه  ﴾ الآية.

وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.

يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.

ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.

ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي  : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.

وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي  من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم  ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي  ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.

فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.

﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ﴾ : هذا ظاهر.

وفي قوله: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ ﴾ دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف إلى نفسه أنه جاوز بهم، وبنو إسرائيل هم الذين تجاوزوا، دل ذلك أنه خالق فعلهم.

وأما قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ ﴾ أي: حتى إذا غرق؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن فرعون لما انتهى إلى ساحل البحر، فرأى البحر منفرجا طرقاً، فقال: إنما انفرج البحر لي، فلما دخل غرق فعند ذلك قال غريقا: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ثم إيمانه لم يقبل في ذلك الوقت لوجهين: أحدهما: لما يحتمل أن يكون إيمانه عند رؤية البأس وخوف الهلاك، فهو إيمان دفع البأس لا إيمان حقيقة، وهو على ما أخبر عن إيمان الكفرة في الآخرة لما عاينوا العذاب؛ كقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ  ﴾ ؛ وكقوله  : ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ \[المؤمنون: 99-100\] وكقولهم: ﴿ نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ وأمثاله ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ ؛ فما عاينوا هم من العذاب أكبر وأشد مما عاين فرعون، ثم أخبر أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما كانوا يعملون لكنهم قالوا ذلك قول دفع، فعلى ذلك إيمان فرعون إيمان دفع البأس عن نفسه لا إيمان حقيقة واختيار.

والثاني: أن الإيمان والإسلام هو تسليم النفس إلى الله، فإذا آمن في وقت خرجت نفسه من يده لم يصر مسلماً نفسه إلى الله؛ إذ نفسه ليست في يده ولذلك لم يقبل الإيمان في ذلك الوقت وقت الإشراف على الهلاك.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الإيمان بالله [لا يكون إلا بالاستدلال] بالشاهد على الغائب، ولا يمكن الاستدلال بالشاهد على الغائب في ذلك الوقت؛ إذ لا يكون ذلك إلا بالنظر والتفكر [وفي ذلك الوقت لا يمكن النظر والتفكر]؛ لذلك لم يكن إيمان حقيقة، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: قوله: ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ من النجوة، أي: نلقيك على النجوة وهو مكان الارتفاع والإشراف؛ ليراه كل أحد أنه هلك ليظهر لهم أنه لم يكن إلها على ما ادعى لعنه الله، وأما سائر أبدان قومه لم تلق على النجوة ولكن بقيت في البحر.

والثاني: قيل: ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ أي: نخرجك من البحر ولا نتركك فيه لتكون لمن خلفك آية.

والثالث: ننجيك ببدنك ولا نتبع روحك؛ لأنه ذكر في القصة أنهم لما غرقوا هم وأغرق، أخذ إلى النار؛ كقوله: ﴿ مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  ﴾ أخبر أنه لم يهو جسده بروحه إلى النار، ولكن أخرج بدنه وهوت روحه إلى النار مع سائر قومه - والله أعلم - ليرى جسده ويظهر كذبه ولا يشتبه أمره عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل ليكون هلاكك آية، فلا يدعي أحد الربوبية والألوهية مثل ما ادعى هو، أو يقول: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ أي: من شاهدك كذلك غريقاً ملقى كان آية له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: يعني أهل مكة عن آياتنا لغافلون عن هلاك فرعون وقومه لما قالوا: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ  ﴾ [...] يقول: هم غافلون عما أصاب أولئك؛ إذ مثل هذا لا يفترى، أعني: هذه القصص.

ويحتمل ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ ، أي: كثير منهم كانوا غافلين عما أصابهم، والغفلة تكون على وجهين: أحدهما: غفلة إعراض وعناد بعد العلم به ومعرفة أن ذلك حق.

والثاني: يغفل بترك النظر والتفكر؛ فكلا الوجهين مذموم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: بوأنا أنزلنا بني إسرائيل منزل صدق.

وقال بعضهم: ﴿ بَوَّأْنَا ﴾ : هيئنا لبني إسرائيل، ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ : مهيأ صدق حسنا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ...

﴾ الآية [آل عمران: 121]، أي: تهيئ للمؤمنين.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ أي: مكناهم تمكين صدق؛ وهو كقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [القصص: 5-6] يحتمل ما ذكر من التبوئة التمكين الذي ذكر في هذه الآية وقوله ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ قال بعضهم: منزل صدق، أي: كريم وقال: منزل صدق أي حسن.

ويحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أنه وعد لهم أن يمكن لهم في الأرض فأنجز ذلك الوعد، فهو مبوأ صدق أي تمكين صدق، حيث أنجز ذلك الوعد وصدق الوعد ما ذكر ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ  ﴾ الآية.

والثاني: ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ أي: مبوأ أهل صدق لأن الشام كان لم يزل منزل أهل صدق، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ...

﴾ الآية [الإسراء: 80]، أي: أخرجني مخرج أهل صدق وأدخلني مدخل أهل صدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قال أهل التأويل: يعني المن والسلوى، ولكن الطيبات هي التي طابت بها الأنفس مما حل بالشرع مما لا تبعة على أربابها مما لم يعص فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أي: فما اختلفوا في الدين إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه حق.

وقيل: فما اختلفوا في محمد في أنه رسول الله إلا من بعد ما جاءهم العلم [أنه رسول الله وقيل: فما اختلفوا في القرآن والأديان التي أنزلها على رسوله إلا من بعد ما جاءهم العلم] أنه منزل من عند الله.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ ﴾ في موسى أنه رسول الله إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه رسول الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ..

﴾ الآية: ظاهرة من الوجوه التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الجزاء والثواب، والثاني: في تبيين المحق من المبطل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلًا محمودًا ومكانًا مرضيًّا في بلاد الشام المباركة، ورزقناهم من الحلال الطيب، فما اختلفوا في أمر دينهم حتَّى جاءهم القرآن مصدقًا لما قرؤوه في التوراة من نعت محمد  ، فلما أنكروا ذلك سُلِبت أوطانهم، إن ربك -أيها الرسول- يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، فيجازي المحق والمبطل منهم بما يستحقه كل منهما.

<div class="verse-tafsir" id="91.xYKzJ"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر