تفسير الماوردي سورة يونس

الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة يونس

تفسيرُ سورةِ يونس كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 65 دقيقة قراءة

تفسير سورة يونس كاملةً (أبو الحسن الماوردي)

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ١ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌۭ مُّبِينٌ ٢

سُورَةُ يُونُسَ هِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ ﴾ إلى آخِرِهِنَّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ( الر ) فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنا اللَّهُ أرى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

والثّانِي: هي حُرُوفٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيُّ.

وَقالَ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ( الر ) و ( حم ) و ( ن ) لِلرَّحْمَنِ مَقاطِعُ.

الثّالِثُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّها فَواتِحُ افْتَتَحَ اللَّهُ بِها القُرْآنَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ تِلْكَ آياتُ ﴾ أيْ هَذِهِ آياتٌ، كَما قالَ الأعْشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ أيْ هَذِهِ خَيْلِي.

وَفي ﴿ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الزَّبُورُ، قالَهُ مَطَرٌ.

الثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ الحَكِيمِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى مُحْكَمٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ كالنّاطِقِ بِالحِكْمَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُحَمَّدًا  رَسُولًا أنْكَرَ العَرَبُ ذَلِكَ أوْ مَن أنْكَرَ مِنهم فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلُ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَهَذا لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناهُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ مِن كُفْرِ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ  لِأنَّهُ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم، وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ إلى سائِرِ الأُمَمِ رُسُلًا مِنهم.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ لَهم ثَوابًا حَسَنًا بِما قَدَّمُوا مِن صالِحِ الأعْمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: سابِقُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أيْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ في الذِّكْرِ الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: أنَّ لَهم شَفِيعَ صِدْقٍ يَعْنِي مُحَمَّدًا  يَشْفَعُ لَهم، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

الرّابِعُ: أنَّ لَهم سَلَفَ صِدْقٍ تَقَدَّمُوهم بِالإيمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّ لَهُمُ السّابِقَةَ بِإخْلاصِ الطّاعَةِ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ خَلْفَنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ قَدَمَ الصِّدْقِ أنْ يُوافِقَ الطّاعَةَ صِدْقُ الجَزاءِ، ويَكُونُ القَدَمُ عِبارَةً عَنِ التَّقَدُّمِ، والصِّدْقُ عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ٤ هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٥ إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ ٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَقْضِيهِ وحْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ.

﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما مِن شَفِيعٍ يُشَفَّعُ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الشَّفاعَةِ.

الثّانِي: ما مِن أحَدٍ يَتَكَلَّمُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: لا ثانِيَ مَعَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي هو الزَّوْجُ لِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وهو واحِدٌ فَرْدٌ لا حَيَّ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ المَلائِكَةَ والبَشَرَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ فَكانَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُفْنِيهِ.

الثّانِي: ما قالَهُ مُجاهِدٌ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُبِيدُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ ٧ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٨

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عِقابَنا.

وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ الثّانِي: لا يَطْمَعُونَ في ثَوابِنا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ أيَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَـٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩ دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَجْعَلُ لَهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَجْعَلُ عَمَلَهم هادِيًا لَهم إلى الجَنَّةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (يَتَلَقّى المُؤْمِنَ عَمَلُهُ في أحْسَنِ صُورَةٍ فَيُؤْنِسُهُ ويَهْدِيهِ، ويَتَلَقّى الكافِرَ عَمَلُهُ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوحِشُهُ ويُضِلُّهُ)» .

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ وصَفَهم بِالهِدايَةِ عَلى طَرِيقِ المَدْحِ لَهم.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّانِي: تَجْرِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهم يَرَوْنَها مِن عُلُوٍّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي  ﴾ يَعْنِي بَيْنَ يَدِي.

وَحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اشْتَهَوُا الشَّيْءَ أوْ أرادُوا أنْ يَدْعُوا بِالشَّيْءِ قالُوا سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَيَأْتِيهِمْ ذَلِكَ الشَّيْءُ)، قالَهُ الرَّبِيعُ وسُفْيانُ.

الثّانِي: أنَّهم إذا أرادُوا الرَّغْبَةَ إلى اللَّهِ في دُعاءٍ يَدْعُونَهُ كانَ دُعاؤُهم لَهُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ: قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ومُلْكُهم فِيها سالِمٌ.

والتَّحِيَّةُ المُلْكُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنانٍ الكَلْبِيِّ: ولَكُلُّ ما نالَ الفَتى قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَّحِيَّةَ الثّانِي: أنَّ تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيها سَلامٌ.

أيْ: سَلِمْتَ وأمِنتَ مِمّا بُلِيَ بِهِ أهْلُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

﴿ وَآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ آخِرَ دُعائِهِمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، كَما كانَ أوَّلُ دُعائِهِمْ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا قَوْلَ قَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهم إذا أجابَهم فِيما دَعَوْهُ وآتاهم ما اشْتَهَوْا حِينَ طَلَبُوهُ بِالتَّسْبِيحِ قالُوا بَعْدَهُ: شُكْرًا لِلَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلْكافِرِ العَذابَ عَلى كُفْرِهِ كَما عَجَّلَ لَهُ خَيْرَ الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ لَعَجَّلَ لَهُ قَضاءَ أجْلِهِ لِيَتَعَجَّلَ عَذابَ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الرَّجُلَ إذا غَضِبَ عَلى نَفْسِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ فَيَدْعُو بِالشَّرِّ فَيَقُولُ: لا بارَكَ اللَّهُ فِيهِ وأهْلَكَهُ اللَّهُ، فَلَوِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ مِنهُ كَما يُسْتَجابُ مِنهُ الخَيْرُ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم أيْ لَهَلَكُوا.

فَيَكُونُ تَأْوِيلًا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خاصًّا في الكافِرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي عامًّا في المُسْلِمِ والكافِرِ.

﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في شِرْكِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: في ضَلالِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّالِثُ: في ظُلْمِهِمْ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَرَدَّدُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وأبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: يَتَمادَوْنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: يَلْعَبُونَ، قالَهُ الأعْمَشُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٢

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ دَعا رَبَّهُ في هَذِهِ الأحْوالِ.

الثّانِي: دَعا رَبَّهُ فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلى الدُّعاءِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ١٣ ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ١٤

﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ١٥ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٦ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ ١٧

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ الَّتِي هي تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ والإتْيانِ بِغَيْرِهِ أنَّ تَبْدِيلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ، والإتْيانُ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ.

وَفي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم سَألُوهُ الوَعْدَ وعِيدًا، والوَعِيدَ وعْدًا، والحَلالَ حَرامًا، والحَرامَ حَلالًا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُسْقِطَ ما في القُرْآنِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَألُوهُ إسْقاطَ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ﴾ أيْ لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ كَما لَيْسَ لِي أنْ أتَلَقّاهُ بِالرَّدِّ والتَّكْذِيبِ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ فِيما أتْلُوهُ عَلَيْكم مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ أوْ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ.

﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ في تَبْدِيلِهِ وتَغْيِيرِهِ.

﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿ وَلا أدْراكم بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولا أعْلَمُكم بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ولا أنْذَرُكم بِهِ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ.

الثّالِثُ: ولا أشْعَرُكم بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ما تَقَدَّمَ مِن عُمُرِهِ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ لِأنَّ عُمْرَ الإنْسانِ مُدَّةُ حَياتِهِ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ.

الثّانِي: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، لِأنَّ النَّبِيَّ  بُعِثَ بَعْدَ الأرْبَعِينَ وهو المُطْلَقُ مِن عُمُرِ الإنْسانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنِّي لَمْ أدَعْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا حَتّى أُوحِيَ إلَيَّ، ولَوْ كُنْتُ افْتَرَيْتُهُ لَقَدَّمْتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰٓؤُلَآءِ شُفَعَـٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٨ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٩

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ مَن لا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ ولا ما في الأرْضِ.

الثّانِي: أتُخْبِرُونَهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ولَيْسَ يَعْلَمُ لَهُ شَرِيكًا في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ في النّاسِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ السَّفِينَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهم مَن كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بَنُو آدَمَ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى الإسْلامِ حَتّى اخْتَلَفُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: عَلى الكُفْرِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ، وهَذا قَوْلٌ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ فَمُؤْمِنٌ وكافِرٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

الثّانِي: هو اخْتِلافُ بَنِي آدَمَ حِينَ قَتَلَ قابِيلُ أخاهُ هابِيلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في تَأْجِيلِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم مِن تَعْجِيلِ العَذابِ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ في أنْ لا يُعاجِلَ العُصاةِ إنْعامًا مِنهُ يَبْتَلِيهِمْ بِهِ لَقَضى بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى مَعْرِفَةِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ٢٠ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ٢١ هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ٢٢ فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رَخاءٌ بَعْدَ شِدَّةٍ.

الثّانِي: عافِيَةٌ بَعْدَ سَقَمٍ.

الثّالِثُ: خِصْبًا بَعْدَ جَدْبٍ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

الرّابِعُ: إسْلامًا بَعْدَ كُفْرٍ وهو المُنافِقُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَكْرَ ها هُنا الكُفْرُ والجُحُودُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِهْزاءُ والتَّكْذِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ المَكْرُ ها هُنا النِّفاقَ لِأنَّهُ يُظْهِرُ الإيمانَ ويُبْطِنُ الكُفْرَ.

﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ يَعْنِي أسْرَعَ جَزاءً عَلى المَكْرِ.

وَقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِالجَدْبِ فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، أتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ دَعَوْتَ بِالجَدْبِ فَأجْدَبْنا فادْعُ اللَّهَ لَنا بِالخِصْبِ فَإنْ أجابَكَ وأخْصَبْنا صَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ، فَدَعا لَهم واسْتَسْقى فَسُقُوا وأُخْصِبُوا، فَنَقَضُوا ما قالُوهُ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ»، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ <div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٢٥

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَجَعَلْناها حَصِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاهِبًا.

الثّانِي: يابِسًا.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَأنْ لَمْ تَعْمُرْ بِالأمْسِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: كَأنَّهُ لَمْ تَعْشَ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وغَنِيَتْ سَبْتًا بَعْدَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودٌ الثّالِثُ: كَأنْ لَمْ تَقُمْ بِالأمْسِ، ومِن قَوْلِهِمْ غَنِي فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الرّابِعُ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

وَفي تَسْمِيَتِها دارَ السَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.

الثّانِي: لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ في هِدايَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ والمَعُونَةِ.

الثّانِي: بِإظْهارِ الأدِلَّةِ وإقامَةِ البَراهِينِ.

وَفي الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى)» .

الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا فَقالَ: (رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ، عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا ثُمَّ جَعَلَ فِيها مائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ ومِنهم مَن تَرَكَهُ، فاللَّهُ المَلِكُ، والدّارُ الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَن أجابَكَ دَخَلَ في الإسْلامِ، ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِمّا فِيها)» ثُمَّ تَلا قَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٦ وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٧

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ رَبِّهِمْ.

﴿ الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى.

وَهَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ.

والثّانِي: أنَّ الحُسْنى واحِدَةٌ مِنَ الحَسَناتِ، والزِّيادَةُ مُضاعَفَتُها إلى عَشْرِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الحُسْنى حَسَنَةٌ مِثْلُ حَسَنَةٍ.

والزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ ورِضْوانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الحُسْنى الجَزاءُ في الآخِرَةِ والزِّيادَةُ ما أُعْطُوا في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ الحُسْنى الثَّوابُ، والزِّيادَةُ الدَّوامُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الحُسْنى ما يَتَمَنَّوْنَهُ، والزِّيادَةُ ما يَشْتَهُونَهُ.

﴿ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ﴾ في مَعْنى يَرْهَقُ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْلُو.

الثّانِي: يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَتَرٌ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَوادُ الوُجُوهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الحُزْنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الدُّخانُ ومِنهُ قُتارُ اللَّحْمِ وقُتارُ العُودِ وهو دُخانُهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الغُبارُ في مَحْشَرِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا ﴿ وَلا ذِلَّةٌ ﴾ فِيها ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: الهَوانُ.

الثّانِي: الخَيْبَةُ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ٢٨ فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَـٰفِلِينَ ٢٩ هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٣٠ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١ فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ٣٢ كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٣٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِتاءَيْنِ قَرَأ بِها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وفي تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبا كَما رَأيْتَ الذِّيبَ يَتْلُو الذِّيبا الثّانِي: تَتْلُو كِتابَ حَسَناتِها وكِتابَ سَيِّئاتِها، ومِنَ التِّلاوَةِ.

والثّالِثُ: تُعايِنُ كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: وهي قِراءَةُ الباقِينَ تَتْلُو بِالباءِ وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: تُسَلِّمُ كُلُّ نَفْسٍ.

الثّانِي: تَخْتَبِرُ كُلُّ نَفْسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ أيْ مالِكِهِمْ، ووَصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ مِنهُ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ بِالعَدْلِ، لِأنَّ العَدْلَ مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ  ﴾ فَكَيْفَ صارَ ها هُنا مَوْلًى لَهُمْ؟

قِيلَ لَيْسَ بِمَوْلًى في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهو مَوْلًى لَهم في المِلْكِيَّةِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ بَطَلَ عَنْهم ما كانُوا يَكْذِبُونَ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٣٤ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ٣٥ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ٣٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا ﴾ هم رُؤَساؤُهم.

﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ في الظَّنِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ اليَقِينِ والشَّكِّ، ولَيْسَتْ يَقِينًا ولَيْسَتْ شَكًّا.

الثّانِي: إنَّ الظَّنَّ ما تَرَدَّدَ بَيْنَ الشَّكِّ واليَقِينِ وكانَ مَرَّةً يَقِينًا ومَرَّةً شَكًّا.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٧ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣٨ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٣٩ وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ ٤٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُخْتَلَقُ ويُكْذَبُ.

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شاهِدٌ بِصِدْقِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ.

الثّانِي: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ والحِسابِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ولَكِنْ يُصَدِّقُهُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ بِما فِيها مِن ذِكْرِهِ فَيَزُولُ عَنْهُ الِافْتِراءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَعْلَمُوا ما عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ لِشَكِّهِمْ فِيهِ.

الثّانِي: لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ.

﴿ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ ما فِيهِ مِنَ البُرْهانِ.

الثّانِي: ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ٤١ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ ٤٢ وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ ٤٣ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٤

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ الكَذِبَ عَلَيْكَ فَلا يُنْكِرُونَهُ.

الثّانِي: يَسْتَمِعُونَ الحَقَّ مِنكَ فَلا يَعُونَهُ.

﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن لا يَعِي ما يَسْمَعُ فَهو كَمَن لا يَعْقِلُ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ كَما لا يَعِي مَن لا يَسْمَعُ كَذَلِكَ لا يَفْهَمُ مَن لا يَعْقِلُ.

والألِفُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأنْتَ ﴾ لَفْظُها الِاسْتِفْهامُ ومَعْناها مَعْنى النَّفْيِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ٤٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدُّنْيا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ.

الثّانِي: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا في قُبُورِهِمْ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ لِقُرْبِهِ.

﴿ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.

قالَ الكَلْبِيُّ: يَتَعارَفُونَ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ.

الثّانِي: يَعْرِفُونَ أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ باطِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ ٤٦ وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٤٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤٨ قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٤٩

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ يَعْنِي نَبِيًّا يَدْعُوهم إلى الهُدى ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ.

﴿ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ قُضِيَ بَيْنَهم لِيَكُونَ رَسُولُهم شاهِدًا عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ كَذَّبُوهُ في الدُّنْيا قَضى اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُّنْيا واعِيًا بَعْدَ الإذْنِ لَهُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ قَضى اللَّهُ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الِانْتِقامِ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَـٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ٥٠ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ٥١ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ٥٢ ۞ وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ٥٣ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٥٤ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٥٥ هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٥٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهو طَلَبُ النَّبَأِ.

﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البَعْثُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: العَذابُ في الآخِرَةِ.

﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ فَأقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ حَقٌّ تَأْكِيدًا.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمُمْتَنِعِينَ.

الثّانِي: بِسابِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْفَوُا النَّدامَةَ وكَتَمُوها عَنْ رُؤَسائِهِمْ، وقِيلَ بَلْ كَتَمَها الرُّؤَساءُ عَنْ أتْباعِهِمْ.

الثّانِي: أظْهَرُوها وكَشَفُوها لَهم.

وَذَكَرَ المُبَرَّدُ فِيهِ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ وهي تَكاسِيرُ الجَبْهَةِ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤَسائِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: قَضى عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٥٧ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٥٨ قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَـٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ٦٠ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ ٦١

﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْل اللَّه وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، ورَحْمَتَهُ تَوْفِيقُهُ.

الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ والتَّوْفِيقِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِالإسْلامِ والقُرْآنِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: فَلْتَفْرَحْ قُرَيْشٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وعَلَّمَهُ القُرْآنَ ثُمَّ شَكا الفاقَةَ كَتَبَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ٦٣ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٦٤ وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦٥ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ٦٦ هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ٦٧ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَـٰنٍۭ بِهَـٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٦٨ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ٦٩ مَتَـٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ٧٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في ﴿ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ وِلايَتِهِ والمُسْتَحِقُّونَ لِكَرامَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الثّالِثُ: هُمُ الرّاضُونَ بِالقَضاءِ، والصّابِرُونَ عَلى البَلاءِ، والشّاكِرُونَ عَلى النَّعْماءِ.

الرّابِعُ: هم مَن تَوالَتْ أفْعالُهم عَلى مُوافَقَةِ الحَقِّ.

الخامِسُ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ تَعالى.

رَوى جَرِيرٌ عَنْ عِمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ أُناسًا ما هم بِأنْبِياءٍ ولاَ شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَإنّا نُحِبُّهم لِذَلِكَ قالَ: (هم قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها).» فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُّورٍ لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ وقَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى دُنْياهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَوِّضُهم عَنْها، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي البِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِأنْ يَعْلَمَ أيْنَ هو مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتَ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بَيْتًا مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ)» .

الثّانِي: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ)، رَوى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الثَّناءُ الصّالِحُ، وفي الآخِرَةِ إعْطاؤُهُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا خَلْفَ لِوَعْدِهِ.

الثّانِي: لا نَسْخَ لِخَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٧١ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٧٢ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَـٰهُمْ خَلَـٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ٧٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاجْمَعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم لِنُصْرَتِكم، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: فاجْمَعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم عَلى تَناصُرِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفي هَذا الإجْماعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإعْدادُ.

الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ.

﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُمَّةَ ضِيقُ الأمْرِ الَّذِي يُوجِبُ الغَمَّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُغَطّى، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ غُمَّ الهِلالُ إذا اسْتُتِرَ.

وَفي المُرادِ بِالأمْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: ما هم عَلَيْهِ مِن عَزْمٍ.

﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ انْهَضُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ما أنْتُمْ قاضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: اقْضُوا إلَيَّ ما في أنْفُسِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَلا تُنْظِرُونِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولا تُؤَخِّرُونِي.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإيمانِ.

﴿ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ تَسْتَثْقِلُونَهُ فَتَمْتَنِعُونَ مِنَ الإجابَةِ لِأجْلِهِ، ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ والثّانِي: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنِ انْقَطَعَ عَنِّي ثَقُلَ عَلَيَّ.

﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ وقَدْ حَصَلَ بِالدُّعاءِ لَكم إنْ أجَبْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ.

﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ ﴾ قالَ ابْنْ عَبّاسٍ: كانَ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانُونَ رَجُلًا أحَدُهم جِرْهَمْ وكانَ لِسانُهُ عَرَبِيًّا، وحَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَكانَ أوَّلُ ما حَمَلَ الذَّرَّةَ وآخِرُ ما حَمَلَ الحَمّالُ ودَخَلَ مَعَهُ إبْلِيسُ يَتَعَلَّقُ بِذَنَبِهِ.

﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ أيْ خَلَفًا لِمَن هَلَكَ بِالغَرَقِ.

﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ حَكى أبُو زُهَيْرٍ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عاشُوا في الطُّوفانِ أرْبَعِينَ يَوْمًا.

وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ الماءَ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ بَيْنَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفانَ إلى أنْ غاضَ الماءُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وعَشَرَةُ أيّامٍ وذَلِكَ مِائَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا مَضَتْ عَلى نُوحٍ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَتَحَ كُوَّةَ السَّفِينَةِ ثُمَّ أرْسَلَ مِنها الغُرابَ لِيَنْظُرَ ما فَعَلَ الماءُ فَلَمْ يَعُدْ، فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ ولَمْ تَجِدْ لِرِجْلِها مَوْضِعًا، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَرَجَعَتْ حَيْثُ أمْسَتْ وفي فِيها ورَقَةُ زَيْتُونَةٍ فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ قَلَّ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَلَمْ تَعُدْ فَعَلِمَ أنَّ الأرْضَ قَدْ بَرَزَتْ، وكانَ اسْتِواءُ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ السّابِعِ فِيما ذُكِرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ٧٤ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَـٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ٧٥ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٧٦ قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَـٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ٧٧ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ٧٨

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَلْوِينا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِتَصُدَّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لِتَصْرِفَنا، مِن قَوْلِهِمْ لَفَتَهُ لَفْتًا إذا صَرَفَهُ ومِنهُ لَفَتَ عُنُقَهُ أيْ لَواها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُلْكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: العَظَمَةُ، حَكاهُ الأعْمَشُ.

الثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ٧٩ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ٨٠ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ٨١ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ٨٢ فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٨٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الذَّرِّيَّةَ القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الغِلْمانُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَذْبَحُهم فَأسْرَعُوا إلى الإيمانِ بِمُوسى، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: أنَّهم أوْلادُ الزَّمَنِ قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ ذُرِّيَّةَ قَوْمِ مُوسى نِساؤُهم ووِلْدانُهم.

﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ يَعْنِي وعُظَمائِهِمْ وأشْرافِهِمْ.

﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُعَذِّبَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنْ يُكْرِهَهم عَلى اسْتِدامَةِ ما هم عَلَيْهِ.

﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُتَجَبِّرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: باغٍ طاغٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ يَعْنِي في بَغْيِهِ وطُغْيانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ٨٤ فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٥ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٨٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في الإسْلامِ إلَيْهِ.

الثّانِي: في الثِّقَةِ بِهِ.

﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونَنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُونَ بِنا لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى وأبُو مِجْلَزٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ يَعْنِي تَخَيَّرا واتَّخِذا لَهم بُيُوتًا يَسْكُنُونَها، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِمِصْرَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ البَلَدُ المُسَمّى مِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ بُيُوتًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُصُورًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: واجْعَلُوها مَساجِدَ تُصَلُّونَ فِيها، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ فِرْعَوْنَ أنْ يُصَلُّوا في كَنائِسِهِمْ ومَساجِدِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ والنَّخَعِيُّ.

الثّانِي: واجْعَلُوا مَساجِدَكم قِبَلَ الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في بُيُوتِكم لِتَأْمَنُوا فِرْعَوْنَ.

الثّانِي: إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ لِتَصِحَّ صَلاتُكم.

﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨٧ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٨٨ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ٨٩

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ أهْلِكْها، قالَهُ قَتادَةُ.

فَذَكَرَ لَنا أنَّ زُرُوعَهم وأمْوالَهم صارَتْ حِجارَةً مَنقُوشَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالضَّلالَةِ لِيَهْلِكُوا كُفّارًا فَيَنالُهم عَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِإعْمائِها عَنِ الرُّشْدِ.

الثّالِثُ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: اجْعَلْها قاسِيَةً.

﴿ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هو الغَرَقُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ فَسُمِّيَ هارُونُ وقَدْ أمَّنَ عَلى الدُّعاءِ داعِيًا، والتَّأْمِينُ عَلى الدُّعاءِ أنْ يَقُولَ آمِينَ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى آمِينَ بَعْدَ الدُّعاءِ وبَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ في الصَّلاةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّ آمِينَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وفِيهِ حَرْفُ النِّداءِ مُضْمَرٌ وتَقْدِيرُهُ يا آمِينُ اسْتَجِبْ دُعاءَنا.

الثّالِثُ: ما رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (آمِينَ خاتَمُ رَبِّ العالَمِينَ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ» يَعْنِي أنَّها تَمْنَعُ مِن وُصُولِ الأذى والضَّرَرِ كَما يَمْنَعُ الخَتْمُ مِنَ الوُصُولِ إلى المَخْتُومِ عَلَيْهِ.

وَفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْنى آمِينَ بَيْنَ وُرُودِهِ بَعْدَ الدُّعاءِ وبَيْنَ وُرُودِهِ بَعْدَ فاتِحَةِ الكِتابِ فَقالَ: مَعْناهُ بَعْدَ الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، ومَعْناهُ بَعْدَ الفاتِحَةِ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ جُرَيْجٍ: وأخَّرَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إجابَتِهِ دَعْوَتَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً.

﴿ فاسْتَقِيما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فامْضِيا لِأمْرِي فَخَرَجا في قَوْمِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: فاسْتَقِيما في دَعْوَتِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وحَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

وَقِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ نَبِيٌّ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنٍ لِأنَّ دُعاءَهُ مُوجِبٌ لِحُلُولِ الِانْتِقامِ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يَتُوبُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٩٠ ءَآلْـَٔـٰنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ٩١ فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ ٩٢

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ مَعْنى نُنَجِّيكَ نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، والنَّجْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِجَسَدِكَ مِن غَيْرِ رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِدِرْعِكَ، وكانَ لَهُ دِرْعٌ مِن حَدِيدٍ يُعْرَفُ بِها، قالَهُ أبُو صَخْرٍ، وكانَ مَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ يُنْكِرُ غَرَقَهُ.

وَقَرَأ يَزِيدُ اليَزِيدِيُّ ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ بِالحاءِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وحَكاها عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

أنْ يَكُونَ عَلى ناحِيَةٍ مِنَ البَحْرِ حَتّى يَراهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وكانَ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.

﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ يَعْنِي لِمَن بَعْدَكَ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٩٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ مِصْرُ والشّامُ: قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُبَوَّأ صِدْقٍ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كالصِّدْقِ في الفَضْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّهُ وعَدَهم إيّاهُ فَكانَ وعْدُهُ وعْدَ صِدْقٍ.

﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي وأحْلَلْنا لَهم مِنَ الخَيْراتِ الطَّيِّبَةِ.

﴿ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ يَعْنِي أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما اخْتَلَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ.

﴿ حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَتّى جاءَهم مُحَمَّدٌ  الَّذِي كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وتَقْدِيرُهُ حَتّى جاءَهُمُ المَعْلُومُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

والثّانِي: حَتّى جاءَهُمُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ٩٤ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٩٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ٩٦ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٩٧

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ ﴾ هَذا خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَقُولُ: إنْ كُنْتَ يا مُحَمَّدٌ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في شَكٍّ أنَّكَ رَسُولٌ.

الثّانِي: في شَكٍّ أنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

﴿ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ مَن مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى أهْلَ الصِّدْقِ والتَّقْوى مِنهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانَ النَّبِيُّ  شاكًّا؟

قِيلَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لا أشُكُّ ولا أسْألُ).» وَفِي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ الآيَةَ [الطَّلاقَ: ١] .

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ ورَدَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَوْلِيدِ القَبُولِ والتَّنْبِيهِ عَلى أسْبابِ الطّاعَةِ.

كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِابْنِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبَرَّنِي، ولِعَبْدِهِ إنْ كُنْتَ مَمْلُوكِي فامْتَثِلْ أمْرِي، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى شَكِّ الوَلَدِ في أنَّهُ ابْنُ أبِيهِ ولا أنَّ العَبْدَ شاكٌّ في أنَّهُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ.

﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ أيْ مِنَ الشّاكِّينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ بِالوَعِيدِ والغَضَبِ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا.

الثّانِي: إنَّ الَّذِينَ وقَعَتْ كَلِمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا.

<div class="verse-tafsir"

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ٩٨

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُ القَرْيَةِ.

﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ وهم أهْلُ نَيْنَوى مِن بِلادِ المَوْصِلِ فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم بِالعَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالُوا: انْظُرُوا يُونُسَ فَإنْ خَرَجَ عَنّا فَوَعِيدُهُ حَقٌّ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهم تَحَقَّقُوهُ فَفَزِعُوا إلى شَيْخٍ مِنهم فَقالَ: تُوبُوا وادْعُوا وقُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيُّ، ويا حَيُّ يا مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها، وخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ تائِبِينَ داعِينَ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذابُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تابُوا قَبْلَ أنْ يَرَوُا العَذابَ فَلِذَلِكَ قَبِلَ تَوْبَتَهم، ولَوْ رَأوْهُ لَمْ يَقْبَلْها كَما لَمْ يَقْبَلْ مِن فِرْعَوْنَ إيمانَهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِقَبُولِ التَّوْبَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، قالَ قَتادَةُ: كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَ أنْ تَدَلّى عَلَيْهِمْ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مَيْلٌ.

﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلى أجَلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إلى أنْ يُصَيِّرَهم إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الحَذَرَ لا يَرُدُّ القَدَرَ، وإنَّ الدُّعاءَ يَرُدُّ القَدَرَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ ﴾ قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ يَوْمُ عاشُوراءَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٩٩ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٠ قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ ١٠١ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ١٠٢ ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٠٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ سُبُلَ الهُدى والضَّلالاتِ.

﴿ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الإثْمُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَعْنِي لا يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى أمْرَهُ ونَهْيَهُ ويَحْتَمِلُ أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَعْتَبِرُونَ بِحُجَجِهِ ودَلائِلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٠٤ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٠٥ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٦ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٧

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ أيِ اسْتَقِمْ بِإقْبالِ وجْهِكَ عَلى ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ حَنِيفًا، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالوَجْهِ النَّفْسَ.

وَ ﴿ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ حاجًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُتَّبَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مُسْتَقِيمًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الرّابِعُ: مُخْلِصًا، قالَهُ عَطاءٌ.

الخامِسُ: مُؤْمِنًا بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ قالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: حَمِدْتُ اللَّهَ حِينَ هَدى فُؤادِي مِنَ الإشْراكِ لِلدِّينِ الحَنِيفِ السّادِسُ: سابِقًا إلى الطّاعَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ في الرِّجْلَيْنِ وهو أنْ تَسْبِقَ إحْداهُما الأُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ ١٠٨ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ١٠٩

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ.

الثّانِي: الرَّسُولُ  .

﴿ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: فَمَنِ اهْتَدى لِقَبُولِ الحَقِّ فَإنَّما يَهْتَدِي بِخَلاصِ نَفْسِهِ.

الثّانِي: فَمَنِ اهْتَدى إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ فَإنَّما يَهْتَدِي بِعَقْلِهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله