الآية ٩٢ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩٢ من سورة يونس

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ ٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٢ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٢ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) قال ابن عباس وغيره من السلف : إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون ، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده بلا روح ، وعليه درعه المعروفة [ به ] على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع ، ليتحققوا موته وهلاكه ؛ ولهذا قال تعالى : ( فاليوم ننجيك ) أي : نرفعك على نشز من الأرض ، ( ببدنك ) قال مجاهد : بجسدك .

وقال الحسن : بجسم لا روح فيه .

وقال عبد الله بن شداد : سويا صحيحا ، أي : لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه .

وقال أبو صخر : بدرعك وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها ، كما تقدم ، والله أعلم .

وقوله : ( لتكون لمن خلفك آية ) أي : لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك ، وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده ، وأنه لا يقوم لغضبه شيء ؛ ولهذا قرأ بعض السلف : " لتكون لمن خلقك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون " أي : لا يتعظون بها ، ولا يعتبرون .

وقد كان [ إهلاك فرعون وملئه ] يوم عاشوراء ، كما قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " أنتم أحق بموسى منهم ، فصوموه "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لفرعون: اليوم نجعلك على نَجْوةٍ من الأرض ببدنك، ينظر إليك هالكًا من كذّب بهلاكك ، (لتكون لمن خلفك آية)، يقول: لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك، ، فينـزجرون عن معصية الله ، والكفر به والسعي في أرضه بالفساد.

، و " النجوة "، الموضع المرتفع على ما حوله من الأرض، ومنه قوله أوس بن حجر: فَمَــنْ بِعَقْوَتِــهِ كَــمَنْ بِنجْوَتِــهِ وَالمُسْــتَكِنُّ كَـمَنْ يَمْشِـي بِقِـرْوَاحِ (22) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر قال ذلك: 17868- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد وغيره قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: إنه لم يمت فرعون!

قال: فأخرجه الله إليهم ينظرون إليه مثل الثور الأحمر.

17869- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد قال ، وكان من أكثر الناس ، أو : أحدث الناس ، عن بنى إسرائيل؛ قال: فحدّثنا أن أول جنود فرعون لما انتهى إلى البحر ، هابت الخيلُ اللِّهْبَ .

(23) قال: ومثل لحصان منها فرس وَديق، (24) فوجد ريحها ، أحسبه أنا قال: ، فانسلَّ فاتَّبعته .

قال: فلما تتامّ آخر جنود فرعون في البحر ، وخرج آخرُ بني إسرائيل ، أُمر البحر فانطَبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدًا!

فسمع الله تكذيبهم نبيَّه، قال: فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمرُ، يتراءاه بنو إسرائيل.

17870- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد: (فاليوم ننجيك ببدنك) ، قال: " بدنه " ، جسده ، رمى به البحرُ.

17871- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،: (فاليوم ننجيك ببدنك) ، قال: بجسدك.

17872- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17873- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

17874- حدثنا تميم بن المنتصر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال ، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما جاوز موسى البحرَ بجميع من معه، التقى البحرُ عليهم ، يعني على فرعون وقومه ، فأغرقهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه!

فدعا ربّه فأخرجه فنبذه البحر ، حتى استيقنوا بهلاكه.

17875- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) ، يقول: أنكر ذلك طوائف من بني إسرائيل، فقذفه الله على ساحل البحر ينظرون إليه.

17876- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (لتكون لمن خلفك آية) ، قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدِّق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله آيةً وعظةً.

17877- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي السليل ، عن قيس بن عباد ، أو غيره، بنحو حديث ابن عبد الأعلى، عن معمر.

17878- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: (فاليوم ننجيك ببدنك) ، قال: بجسدك.

17879- قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال، بلغني عن مجاهد: (فاليوم ننجيك ببدنك) ، قال: بجسدك.

(25) 17880- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كذّب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فرمى به على ساحل البحر ليراه بنو إسرائيل، قال أحمر: كأنه ثور .

(26) * * * وقال آخرون: تنجو بجسدك من البحر ، فنخرجه منه.

(27) *ذكر من قال ذلك: 17881- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) ، يقول: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر، فنظروا إليه بعد ما غرق.

* * * فإن قال قائل: وما وجه قوله: (ببدنك)؟

وهل يجوز أن ينجيه بغير بدنه، فيحتاج الكلام إلى أن يقال فيه (ببدنك)؟

قيل: كان جائزًا أن ينجيه بهيئته حيًّا كما دخل البحر.

فلما كان جائزًا ذلك قيل : (فاليوم ننجيك ببدنك) ، ليعلم أنه ينجيه بالبدن بغير روح، ولكن ميّتًا.

* * * وقوله: (وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون) ، يقول تعالى ذكره: (وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا) ، يعني: عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة والألوهة لنا خالصةٌ (28) ، (لغافلون) ، يقول: لساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

(29) ---------------------- الهوامش : (22) ديوانه ، قصيدة : 4 ، بيت : 15 ، يصف السحاب والمطر بالشدة ، يغشي كل مكان وكل أحد .

" عقوة الدار " ، ساحتها وما حولها .

و" المستكن " ، الذي اختبأ في كن .

و "القرواح " ، البارز الذي ليس يستره من السماء والشمس شيء .

(23) في المخطوطة : " اللهث " ، والذي في المطبوعة هو الصواب إلا أن ضبطه بكسر اللام وسكون الهاء .

و " اللهب " المهواة بين الجبلين ، وهو الصدع الذي صدع في البحر ، وانظر قوله تعالى : {فكان كل فرق كالطود العظيم }.

(24) "فرس وديق "، مريدة للفحل تشتهيه ، انظر ما سلف ص : 190 ، تعليق : 2 .

(25) الأثر : 17879 - " محمد بن بكر بن عثمان البرساني " ، مضى مرارًا ، وروايته عن ابن جريج ، وفي المطبوعة : " محمد بن بكير " ، وهو خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة .

(26) في المطبوعة : " قال : كأنه ثور أحمر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض .

(27) في المطبوعة : " فتخرج منه " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(28) انظر تفسير " الآية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيي ) .

(29) انظر تفسير " الغفلة " فيما سلف ص : 80 ، ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون قوله تعالى فاليوم ننجيك ببدنك أي نلقيك على نجوة من الأرض .

وذلك أن بني [ ص: 286 ] إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض ، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه قال أوس بن حجر يصف مطرا :فمن بعقوته كمن بنجوته والمستكين كمن يمشي بقرواحوقرأ اليزيدي وابن السميقع " ننحيك " بالحاء من التنحية ، وحكاها علقمة عن ابن مسعود ; أي تكون على ناحية من البحر .

قال ابن جريج : فرمي به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل ، وكان قصيرا أحمر كأنه ثور .

وحكى علقمة عن عبد الله أنه قرأ " بندائك " من النداء .

قال أبو بكر الأنباري : وليس بمخالف لهجاء مصحفنا ، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال ; لأن الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسماوات ، فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك وندائك ، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين ; والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول ، وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا ، إذ ليس فيها للدرع ذكر الذي تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل اختلفوا في غرق فرعون ، وسألوا الله تعالى ، أن يريهم إياه غريقا فألقوه على نجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب .

قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي : وكانت درعه من لؤلؤ منظوم .

وقيل : من الذهب وكان يعرف بها .

وقيل : من حديد ; قاله أبو صخر : والبدن الدرع القصيرة .

وأنشد أبو عبيدة للأعشى :وبيضاء كالنهي موضونة لها قونس فوق جيب البدنوأنشد أيضا لعمرو بن معديكرب :ومضى نساؤهم بكل مفاضة جدلاء سابغة وبالأبدانوقال كعب بن مالك :ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب الحصيناأراد بالأبدان الدروع واليلب الدروع اليمانية ، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض ; وهو اسم جنس ، الواحد يلبة .

قال عمرو بن كلثوم :علينا البيض واليلب اليماني وأسياف يقمن وينحنيناوقيل ببدنك بجسد لا روح فيه ; قاله مجاهد .

قال الأخفش : وأما قول من قال بدرعك فليس بشيء .

قال أبو بكر : لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم فرأوا جسدا لا روح فيه ، فلما رأتهبنو إسرائيل قالوا نعم!

يا موسى هذا فرعون وقد [ ص: 287 ] غرق ; فخرج الشك من قلوبهم وابتلع البحر فرعون كما كان .

فعلى هذا ( ننجيك ببدنك ) احتمل معنيين : أحدهما - نلقيك على نجوة من الأرض .

والثاني - نظهر جسدك الذي لا روح فيه .

والقراءة الشاذة " بندائك " يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة ؛ لأن النداء يفسر تفسيرين ، أحدهما - نلقيك بصياحك بكلمة التوبة ، وقولك بعد أن أغلق بابها ومضى وقت قبولها : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين على موضع رفيع .

والآخر - فاليوم نعزلك عن غامض البحر بندائك لما قلت ( أنا ربكم الأعلى ) ; فكانت تنجيته بالبدن معاقبة من رب العالمين له على ما فرط من كفره الذي منه نداؤه الذي افترى فيه وبهت ، وادعى القدرة والأمر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له .

قال أبو بكر الأنباري : فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها .قوله تعالى لتكون لمن خلفك آية أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر .

وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون أي معرضون عن تأمل آياتنا والتفكر فيها .

وقرئ " لمن خلفك " بفتح اللام ; أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك .

وقرأ علي بن أبي طالب " لمن خلقك " بالقاف ; أي تكون آية لخالقك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم، من فرعون، كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة مرتفعة ببدنه، ليكون لهم عبرة وآية.

{ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها، لعدم إقبالهم عليها.

وأما من له عقل وقلب حاضر، فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فاليوم ننجيك ) أي نلقيك على نجوة من الأرض ، وهي : المكان المرتفع .

وقرأ يعقوب " ننجيك " بالتخفيف ، ( ببدنك ) بجسدك لا روح فيه .

وقيل : ببدنك : بدرعك ، وكان له درع مشهور مرصع بالجواهر ، فرأوه في درعه فصدقوا .

( لتكون لمن خلفك آية ) عبرة وعظة ، ( وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاليوم ننجيك» نخرجك من البحر «ببدنك» جسدك الذي لا روح فيه «لتكون لمن خلفك» بعدك «آية» عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك وعن ابن عباس أن بعض بني إسرائيل شكوا في موته فأخرج لهم ليروه «وإن كثيرا من الناس» أي أهل مكة «عن آياتنا لغافلون» لا يعتبرون بها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاليوم نجعلك على مرتفع من الأرض ببدنك، ينظر إليك من كذَّب بهلاكك؛ لتكون لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك.

فإن كثيرًا من الناس عن حججنا وأدلتنا لَغافلون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً .

.

) تهكم به ، وتخييب لآماله ، وقطع لدابر أطماعه ، والمعنى إن دعواك الإِيمان الآن مرفوضة ، لأنها جاءت في غير وقتها ، وإننا اليوم بعد أن حل بك الموت ، نلقى بجسمك الذى خلا من الروح على مكان مرتفع من الأرض لتكون عبرة وعظة للأحياء الذين يعيشون من بعدك سواء أكانوا من بني إسرائيل أم من غيرهم ، حتى يعرف الجميع بالمشاهدة أو الإِخبار ، سوء عاقبة المكذبين ، وأن الألوهية لا تكون إلا لله الواحد الأحد ، الفرد الصمد .قال الإِمام الشوكانى : " قوله ( فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ .

.

.

) قرئ ننجيك بالتخفيف ، والجمهور على التثقيل .أى : نلقيك على نجوة من الأرض .

وذلك ان بنى إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون قد غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض أى مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه .ومعنى ( ببدنك ) بجسدك بعد سلب الروح منه .

وقيل معناه بدرعك والدرع يسمى بدنا ، ومنه قول كعب بن مالك :ترى الأبدان فيها مسبغات ...

على الأبطال واليلب الحصيناأراد بالأبدان الدروع - وباليلب - يفتح الياء واللام - الدروع اليمانية كانت تتخذ من الجلود .وقوله : ( وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) تذييل قصد به دعوة الناس جميعا إلى التأمل والتدبر ، والاعتبار بآيات الله ، وبمظاهر قدرته .أى : وإن كثيرا من الناس لغافلون عن آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا على إهلاك كل ظالم جبار .قال ابن كثير : " وكان هلاك فرعون يوم عاشوراء .

كما قال البخارى : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا : هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : أنتم أحق بموسى منهم فصوموه " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تفسير اللفظ في قوله: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر  ﴾ مذكور في سورة الأعراف، والمعنى: أنه تعالى لما أجاب دعاءهما أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسر لهم أسبابه، وفرعون كان غافلاً عن ذلك، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج على عقبهم وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ ﴾ أي لحقهم يقال: أتبعه حتى لحقه، وقوله: ﴿ بَغْيًا وَعَدْوًا ﴾ البغي طلب الاستعلاء بغير حق، والعدو الظلم، روي أن موسى عليه السلام لما خرج مع قومه وصلوا إلى طرف البحر وقرب فرعون مع عسكره منهم، فوقعوا في خوف شديد، لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك، فأنعم الله عليهم بأن أظهر لهم طريقاً في البحر على ما ذكر الله تعالى هذه القصة بتمامها في سائر السور، ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا وخرجوا وأبقى الله تعالى ذلك الطريق يبساً، ليطمع فرعون وجوده في التمكن من العبور، فلما دخل مع جمعه أغرقه الله تعالى بأن أوصل أجزاء الماء ببعضها وأزال الفلق، فهو معنى قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ﴾ وبين ما كان في قلوبهم من البغي وهي محبة الإفراط في قتلهم وظلمهم، والعدو وهوتجاوز الحد، ثم ذكر تعالى أنه لما أدركه الغرق أظهر كلمة الإخلاص ظناً منه أنه ينجيه من تلك الآفة، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ فكيف حكى الله تعالى عنه أنه ذكر ذلك؟

والجواب: من وجهين: الأول: أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان، فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس، لا بكلام اللسان، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات كلام النفس لأنه تعالى حكى عنه أنه قال هذا الكلام، وثبت بالدليل أنه ما قاله باللسان، فوجب الاعتراف بثبوت كلام غير كلام اللسان وهو المطلوب.

الثاني: أن يكون المراد من الغرق مقدماته.

السؤال الثاني: أنه آمن ثلاث مرات أولها قوله: ﴿ ءامَنتُ ﴾ .

وثانيها قوله: ﴿ لا إله إِلاَّ الذي ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل ﴾ .

وثالثها قوله: ﴿ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين ﴾ فما السبب في عدم القبول والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد حتى يقال: إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار؟

والجواب: العلماء ذكروا فيه وجوهاً: الوجه الأول: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان في هذا الوقت غير مقبول، لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء، وفي هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ .

الوجه الثاني: هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة والمحنة الناجزة، فما كان مقصوده من هذه الكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى، والاعتراف بعزة الربوبية وذلة العبودية، وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقروناً بالإخلاص، فلهذا السبب ما كان مقبولاً.

الوجه الثالث: هو أن ذلك الإقرار كان مبنياً على محض التقليد، ألا ترى أنه قال: ﴿ لا إله إِلاَّ الذي ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل ﴾ فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلهاً، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده، فكان هذا محض التقليد، فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة طه كان من الدهرية، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته، إلا بنور الحجج القطعية، والدلائل اليقينية، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد، لأنه يكون ضماً لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق.

الوجه الرابع: رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل، فلما قال فرعون ﴿ آمنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمنتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل ﴾ انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر.

الوجه الخامس: أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم ولهذا السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه، فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون ﴿ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ فكإنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول، وكل من اعتقد ذلك كان كافراً فلهذا السبب ما صح إيمان فرعون.

الوجه السادس: لعل الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى، والإقرار بنبوة موسى عليه السلام.

فهاهنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه.

ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمان إلا إذا قال معه وأشهد أن محمداً رسول الله، فكذا هاهنا.

الوجه السابع: روى صاحب الكشاف أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتيا فيها ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته، فكفر نعمته وجحد حقه، وادعى السيادة دونه، فكتب فرعون فيها يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه.

أما قوله تعالى: ﴿ ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: من القائل له ﴿ ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ .

الجواب: الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل، وإنما ذكر قوله: ﴿ وَكُنتَ مِنَ المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين ﴾ ومن الناس من قال: إن قائل هذا القول هو الله تعالى، لأنه ذكر بعده ﴿ فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ إن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى.

السؤال الثاني: ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية المتقدمة والفساد السابق، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة.

والجواب: مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، وأحد دلائلهم على صحة ذلك هذه الآية.

وأيضاً فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة، بل بتلك المعصية مع كونه من المفسدين.

السؤال الثالث: هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضباً عليه.

والجواب: الأقرب أنه لا يصح، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتاً أو ما كان ثابتاً، فإن كان ثابتاً لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة، لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان  ﴾ وأيضاً فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة، لأن الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة، وأيضاً لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر، وأيضاً فكيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  ﴾ ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان، ولو قيل: إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى، فهذا يبطله قول جبريل ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ  ﴾ وقوله تعالى في صفتهم: ﴿ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ وأما إن قيل: إن التكليف كان زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نسب جبريل إليه فائدة أصلاً.

ثم قال تعالى: ﴿ فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: ﴿ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

الثاني: نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ في موضع الحال، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك.

الثالث: أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم، كما في قوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك، ومثل هذا الكلام قد يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال: نعتقك ولكن بعد الموت، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

الرابع: قرأ بعضهم ﴿ نُنَجّيكَ ﴾ بالحاء المهملة، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور.

وأما قوله: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ ففيه وجوه: الأول: ما ذكرنا أنه في موضع الحال، أي في الحال التي كنت بدناً محضاً من غير روح.

الثاني: المراد ننجيك ببدنك كاملاً سوياً لم تتغير.

الثالث: ﴿ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ أي نخرجك من البحر عرياناً من غير لباس.

الرابع: ﴿ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ أي بدرعك، قال الليث: البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين، فقوله: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أي بدرعك، وهذا منقول عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها، فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف.

أقول: إن صح هذا فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام.

وأما قوله: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن قوماً ممن اعتقدوا فيه الإلهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا يموت، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت الشبهة عن قلوبهم.

وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل.

الثاني: لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للخلق عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ما يرون.

الثالث: قرأ بعضهم ﴿ لِمَنْ خَلَقَكَ ﴾ بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته.

الرابع: أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج أحداً منهم من قعر البحر، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة العجيبة دالاً على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة.

وأما قوله: ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ فالأظهر أنه تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عاقبة فرعون وختم ذلك بهذا الكلام وخاطب به محمداً عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك زاجراً لأمته عن الإعراض عن الدلائل، وباعثاً لهم على التأمل فيها والاعتبار بها، فإن المقصود من ذكر هذه القصص حصول الاعتبار، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالباب  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ءآلئان ﴾ أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك.

قيل: قال ذلك حين ألجمه الغرق يعني حين أوشك أن يغرق.

وقيل: قاله بعد أن غرق في نفسه.

والذي يحكي أنه حين قال: ﴿ ءامَنتُ ﴾ أخذ جبريل من حال البحر فدسه في فيه، فللغضب لله على الكافر في وقت قد علم أنّ إيمانه لا ينفعه.

وأمّا ما يضم إليه من قولهم: خشية أن تدركه رحمة الله فمن زيادات الباهتين لله وملائكته: وفيه جهالتان، إحداهما: أنّ الإيمان يصحّ بالقلب كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه.

والأخرى: أنّ من كره إيمان الكافر وأحبّ بقاءه على الكفر فهو كافر لأن الرضا بالكفر كفر ﴿ مِنَ المفسدين ﴾ من الضالين المضلين عن الإيمان، كقوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ [النحل: 98] .

وروي: أنّ جبريل عليه السلام أتاه بفتيا: ما قول الأمير في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه: يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماه أن يغرق في البحر، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه ﴿ نُنَجّيكَ ﴾ بالتشديد والتخفيف: نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر.

وقيل: نلقيك بنجوة من الأرض.

وقرئ: ﴿ ننحيك ﴾ بالحاء: نلقيك بناحية مما يلي البحر، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب البحر قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ في موضع الحال، أي: في الحال التي لا روح فيك، وإنما أنت بدن، أو ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً من غير لباس، أو بدرعك.

قال عمرو بن معديكرب: أَعَاذِلُ شكَّتِي بَدَنِي وَسَيْفِي ** وَكُلُّ مُقَلِّصٍ سَلِسُ القِيَادِ وكانت له درع من ذهب يعرف بها.

وقرأ أبو حنيفة رحمه الله: ﴿ بأبدانك ﴾ هو على وجهين: إما أن يكون مثل قولهم: هوى بأجرامه، يعني: ببدنك كله وافياً بأجزائه.

أو يريد: بدروعك كأنه كان مظاهراً بينها ﴿ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً ﴾ لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأناً من أن يغرق.

وروي أنهم قالوا: ما مات فرعون ولا يموت أبداً.

وقيل: أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدّقوه، فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه، وكأن مطرحه كان على ممرّ من بني إسارئيل حتى قيل: لمن خلفك.

وقيل: ﴿ لِمَنْ خَلْفَكَ ﴾ لمن يأتي بعدك من القرون.

ومعنى كونه آية: أن تظهر للناس عبوديته ومهانته، وأنّ ما كان يدّعيه من الربوبية باطل محال، وأنه مع ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ربه عزّ وجلّ، فما الظنّ بغيره، أو لتكون عبرة تعتبر بها الأمم بعدك، فلا يجترئوا على نحو ما اجترأت عليه إذا سمعوا بحالك وبهوانك على الله.

وقرئ: ﴿ لمن خلقك ﴾ بالقاف: أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته.

ويجوز أن يراد: ليكون طرحك على الساحل وحدك وتمييزك من بين المغرقين لئلا يشتبه على الناس أمرك، ولئلا يقولوا لادّعائك العظمة إنّ مثله لا يغرق ولا يموت آية من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وليعلموا أنَّ ذلك تعمد منه لإماطة الشبه في أمرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ نُنْقِذُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا، أوْ نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ لِيَراكَ بَنُو إسْرائِيلَ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ (نُنَجِّيكَ) مَن أنْجى، وقُرِئَ « نُنْحِيكَ» بِالحاءِ أيْ نُلْقِيكَ بِناحِيَةٍ مِنَ السّاحِلِ.

﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ بِبَدَنِكَ عارِيًا عَنِ الرُّوحِ، أوْ كامِلًا سَوِّيًا أوْ عُرْيانًا مِن غَيْرِ لِباسٍ.

أوْ بِدِرْعِكَ وكانَتْ لَهُ دِرْعً مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها.

وقُرِئَ « بِأبْدانِكَ» أيْ بِأجْزاءِ البَدَنِ كُلِّها كَقَوْلِهِمْ هَوى بِإجْرامِهِ أوْ بِدُرُوعَكَ كَأنَّهُ كانَ مُظاهِرًا بَيْنَها.

﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ لِمَن وراءَكَ عَلّامَةٌ وهم بَنُو إسْرائِيلَ إذْ كانَ في نُفُوسِهِمْ مَن عَظَمَتِهِ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَهْلَكْ، حَتّى كَذَّبُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَهم بِغَرَقِهِ إلى أنْ عايَنُوهُ مَطْرُحًَا عَلى مُمَرِّهَمْ مِنَ السّاحِلِ، أوْ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ إذا سَمِعُوا مَآلَ أمْرِكَ مِمَّنْ شاهَدَكَ عِبْرَةً ونَكالًا عَنِ الطُّغْيانِ، أوْ حُجَّةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ الإنْسانَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِظَمِ الشَّأْنِ وكِبْرِياءِ المُلْكِ مَمْلُوكٌ مَقْهُورٌ بَعِيدٌ عَنْ مَظانِّ الرُّبُوبِيَّةِ.

وقُرِئَ « لِمَن خَلَقَكَ» أيْ لِخالِقِكَ آيَةٌ أيْ كَسائِرِ الآياتِ فَإنَّ إفْرادَهُ إيّاكَ بِالإلْقاءِ إلى السّاحِلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعَمَّدَ مِنهُ لِكَشْفِ تَزْوِيرِكَ وإماطَةِ الشُّبْهَةِ في أمْرِكَ.

وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وإرادَتِهِ، وهَذا الوَجْهُ أيْضًا مُحْتَمَلٌ عَلى المَشْهُورِ.

﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاليوم نُنَجّيكَ} نلقيك بنجوة من الأرض فرماه الماء إلى الساحل كأنه ثور {بِبَدَنِكَ} في موضع الحال أى فى الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن أو ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير أو عرياناً لست إلا بدنا من غير لباس أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها وقرأ أبو حنيفة رضى الله عنه بأبدانك وهو مثل قولهم هو بأجرامه أي ببدنك كله وافياً بأجزائه أو بدروعك لأنه ظاهر بينها {لتكون لمن خلفك آية} لمن ورءاك من الناس علامة وهم بنوا إسرائيل وكان في أنفسهم أن

فرعون أعظم شأناً من أن يغرق وقيل أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدقوه فألقاه الله عز وجل على الساحل حتى عاينوه وقيل لمن يأتي بعدك من القرون ومعنى كونه آية أن يظهر للناس عبوديته وأن ما كان يدعيه من الربوبية محال وأنه مع ما كان عليه من عظيم الملك آل امره إلى ما ترون لعصاينه ربه فما الظن بغيره {وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ تَهَكُّمٌ بِهِ وتَخْيِيبٌ لَهُ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِ بِالمَرَّةِ والمُرادُ فاليَوْمَ نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا مُلابِسًا بِبَدَنِكَ عارِيًا عَنِ الرُّوحِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّنْجِيَةِ مَجازًا وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّلْوِيحِ بِأنَّ مُرادَهُ بِالإيمانِ هو النَّجاةُ وقِيلَ: مَعْنى الحالِ عارِيًا عَنِ اللِّباسِ أوْ تامَّ الأعْضاءِ كامِلَها وجَعَلَ بَعْضُ الأفاضِلِ الكَلامَ عَلى التَّجْرِيدِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الباءُ زائِدَةً - وبَدَنِكَ - بَدَلُ بَعْضٍ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَأنَّهُ قِيلَ: نُنْجِي بَدَنَكَ وجَعَلَ الباءَ لِلْآيَةِ لِيَكُونَ عَلى وِزانِ قَوْلِكَ - أخَذْتَهُ بِيَدِكَ - ونَظْرَتَهُ بِعَيْنِكَ - إيذانًا بِحُصُولِ هَذا المَطْلُوبِ البَعِيدِ التَّناوُلِ وجْهٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ وجِيهٍ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: التَّنْجِيَةُ الإلْقاءَ عَلى النَّجْوَةِ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ قِيلَ: وسُمِّيَ بِهِ لِنَجاتِهِ عَنِ السَّيْلِ وإلى هَذا ذَهَبَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَعْنى نَجْعَلُكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ كَيْ يَراكَ بَنُو إسْرائِيلَ فَيَعْرِفُوا أنَّكَ قَدْ مِتَّ وجاءَ تَفْسِيرُ البَدَنِ بِالدِّرْعِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأُبَيٍّ وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِها وفي رِوايَةٍ أنَّها كانَتْ مِن لُؤْلُؤٍ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي جَهْضَمٍ مُوسى بْنِ سالِمٍ أنَّهُ كانَ لِفِرْعَوْنَ شَيْءٌ يَلْبَسُهُ يُقالُ لَهُ البَدَنُ يَتَلَأْلَأُ وقَرَأ يَعْقُوبُ (نُنْجِيكَ) مِن بابِ الإفْعالِ وهو مَعْنى التَّفْعِيلِ بِمَعْنَيَيْهِ السّابِقَيْنِ وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّمَيْقَعِ اليَمانِيِّ ويَزِيدَ البَرْبَرِيِّ أنَّهُما قَرَآ (نُنَحِّيكَ) بِالحاءِ المُهْمَلَةِ ونُسِبَتْ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأبِي السَّمالِ أيْ نَجْعَلُكَ في ناحِيَةٍ ونُلْقِيكَ عَلى السّاحِلِ وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (بِأبْدانِكَ) عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ بِجَعْلِ كُلِّ عُضْوٍ بِمَنزِلَةِ البَدَنِ فَأطْلَقَ الكُلَّ عَلى الجُزْءِ مَجازًا وعَلى هَذا جَمْعُ الإجْرامِ في قَوْلِهِ: وكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلايَ طِحْتَ كَما هَوى بِإجْرامِهِ مِن قِلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي أوْ بِإرادَةِ دُرُوعِكَ بِناءً عَلى أنَّ المَخْذُولَ كانَ لابِسًا دِرْعًا عَلى دِرْعٍ وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (بِنِدائِكَ) أيْ بِدُعائِكَ ﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ أيْ لِتَكُونَ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ الأُمَمِ إذا سَمِعُوا حالَ أمْرِكَ مِمَّنْ شاهَدَ حالَكَ وما عَراكَ عِبْرَةً ونَكالًا مِنَ الطُّغْيانِ أوْ حُجَّةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ الإنْسانَ وإنْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى مِن عِظَمِ الشَّأْنِ وعُلُوِّ الكِبْرِياءِ وقُوَّةِ السُّلْطانِ فَهو مَمْلُوكٌ مَقْهُورٌ بَعِيدٌ عَنْ مَظانِّ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وقِيلَ: المُرادُ بِمَن خَلْفَهُ مَن بَقِيَ بَعْدَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْ لِتَكُونَ لَهم عَلامَةً عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ كانَ في نُفُوسِهِمْ مِن عَظَمَتِهِما ما خَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَهْلِكُ فَكَذَّبُوا لِذَلِكَ خَبَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَلاكِهِ حَتّى عايَنُوهُ عَلى مَمَرِّهِمْ مِنَ السّاحِلِ أحْمَرَ قَصِيرًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقُرِئَ (لِمَن خَلَفَكَ) فِعْلًا ماضِيًا أيْ حَلَّ مَكانَكَ ونُسِبَ إلى ابْنِ السَّمَيْقَعِ وأبِي السِّمالِ أنَّهُما أيْضًا قَرَآ (لِمَن خَلَقَكَ) بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ أيْ لِتَكُونَ لِخالِقِكَ آيَةً كَسائِرِ الآياتِ فَإنَّ إفْرادَهُ سُبْحانَهُ إيّاكَ بِالإلْقاءِ إلى السّاحِلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَصَدَ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِكَشْفِ تَزْوِيرِكَ وإماطَةَ الشُّبُهاتِ في أمْرِكَ وبُرْهانٌ نَيِّرٌ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وإرادَتِهِ وهو مَعْنًى لا بَأْسَ بِهِ يَصِحُّ أنْ تُوَجَّهَ بِهِ الآيَةُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا.

ذُكِرَ في النَّشْرِ أنَّ مِمّا لا يُوثَقُ بِنَقْلِهِ قِراءَةُ ابْنِ السَّمَيْقَعِ وأبِي السِّمالِ (نُنَحِّيكَ) بِالحاءِ و(لِمَن خَلَقَكَ) بِالقافِ وفي تَعْلِيلِ تَنْجِيَتِهِ بِما ذُكِرَ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إيذانٌ بِأنَّها لَيْسَتْ لِإعْزازِهِ أوْ لِفائِدَةٍ أُخْرى عائِدَةٍ إلَيْهِ بَلْ لِكَمالِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ وتَفْضِيحِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ وزِيادَةِ تَفْظِيعِ حالِهِ كَمَن يُقْتَلُ ثُمَّ يُجَرُّ جَسَدُهُ في الأسْواقِ ويُطْرَحُ جِيفَةً في المَيْدانِ أوْ يُدارُ بِرَأْسِهِ في النَّواحِي والبُلْدانِ واللّامُ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ والثّانِيَةُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (آيَةً) أيْ كائِنَةً لِمَن خَلْفَكَ وجادَ الرَّدُّ عَلى هَذا المَخْذُولِ عَلى طَرْزِ ما أتى بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ آمَنتُ أنَّهُ ﴾ إلَخْ في اشْتِمالِهِ عَلى المُبالَغَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَفَكَّرَ في الآيَةِ وقَدْ قَرَّرَ فَحْوى المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ 92﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِذَلِكَ ولِهَذِهِ الآيَةِ وأشْباهِها وقَعَ الإجْماعُ عَلى كَفْرِ المَخْذُولِ وعَدَمِ قَبُولِ إيمانِهِ ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ مِن أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ تَعالى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا وخَلَقَ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا» .

فَهو مِن أهْلِ النّارِ المُخَلَّدِينَ فِيها بِلا رَيْبٍ وبِذَلِكَ قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في أوَّلِ كِتابِهِ الفُتُوحاتِ في البابِ الثّانِي والسِّتِّينَ مِنهُ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِبادِ جَعَلَهم طائِفَتَيْنِ طائِفَةٌ لا تَضُرُّهُمُ الذُّنُوبُ الَّتِي وقَعَتْ مِنهم وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا ﴾ وهَؤُلاءِ لا تَمَسُّهُمُ النّارُ بِما تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ واسْتِغْفارِ المَلَأ الأعْلى ودُعائِهِمْ لَهُمْ وقَسَّمَ الطّائِفَةَ الأُخْرى إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ أخْرَجَهم مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ وهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأهْلِ التَّوْحِيدِ ماتُوا ولَمْ تُكَفَّرْ عَنْهم خَطاياهم وقِسْمٌ آخَرُ أبْقاهم في النّارِ وهُمُ المُجْرِمُونَ خاصَّةً الَّذِينَ يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ﴾ ولَهم يُقالُ: أهْلُ النّارِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْمُرُونَها وهم عَلى أرْبَعِ طَوائِفَ كُلُّهم في النّارِ لا يَخْرُجُونَ مِنها.

الطّائِفَةُ الأُولى المُتَكَبِّرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى كَفِرْعَوْنَ وأشْباهِهِ مِمَّنِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ ونَفاها عَنِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ وقالَ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما في السَّماءِ غَيْرِي وكَذَلِكَ نُمْرُوذُ وغَيْرُهُ والثّانِيَةُ المُشْرِكُونَ وهُمُ الَّذِينَ أثْبَتُوا اللَّهَ تَعالى إلّا أنَّهم جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرى وقالُوا: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ والثّالِثَةُ المُعَطِّلَةُ وهُمُ الَّذِينَ نَفَوُا الإلَهَ جُمْلَةً واحِدَةً فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلْعالَمِ إلَهًا أصْلًا والرّابِعَةُ المُنافِقُونَ وهُمُ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ لِلْقَهْرِ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِمْ وهم في نُفُوسِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنِ اعْتِقادِ إحْدى هَذِهِ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ فَهُؤَلاءِ الأصْنافُ الأرْبَعَةُ هم أهْلُ النّارِ الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ مِنها مِنَ الجِنِّ والإنْسِ انْتَهى.

وهُوَ صَرِيحٌ فِيما قُلْنا إلّا أنَّهُ ذَهَبَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ المَذْكُورِ إلى خِلافِهِ فَقالَ في البابِ السّابِعِ والسِّتِّينَ ومِائَةٍ ما حاصِلُهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهُ قَدْ طَبَعَ عَلى كُلِّ قَلْبٍ مُظْهِرٍ لِلْجَبَرُوتِ والكِبْرِياءِ وأنَّ فِرْعَوْنَ في نَفْسِهِ أذَلُّ الأذِلّاءِ أمَرَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ يُعامِلاهُ بِالرَّحْمَةِ واللِّينِ لِمُناسَبَةِ باطِنِهِ واسْتِنْزالِ ظاهِرِهِ مِن جَبَرُوتِهِ وكِبْرِيائِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ﴾ ولَعَلَّ وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى واجَبَتانِ فَتَذَكَّرْ بِما يُقابِلُهُ مِنَ اللِّينِ والمَسْكَنَةِ ما هو عَلَيْهِ في باطِنِهِ لِيَكُونَ الظّاهِرُ والباطِنُ عَلى السَّواءِ فَما زالَتْ تِلْكَ الخَمِيرَةُ مَعَهُ تَعْمَلُ في باطِنِهِ مَعَ التَّرَجِّي الإلَهِيِّ الواجِبِ فِيهِ وُقُوعُ المُتَرَجّى ويَتَقَوّى حُكْمُها إلى حِينِ انْقِطاعِ يَأْسِهِ مِنِ اتِّباعِهِ وحالَ الغَرَقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أطْماعِهِ لَجَأ إلى ما كانَ مُسْتَتِرًا في باطِنِهِ مِنَ الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ وُقُوعُ الرَّجاءِ الإلَهِيِّ فَقالَ: ﴿ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنتُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ فَرُفِعَ الإشْكالُ مِنَ الإشْكالِ كَما قالَتِ السَّحَرَةُ لَمّا آمَنَتْ: ﴿ آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ أيِ الَّذِي يَدْعُوانِ إلَيْهِ فَجاءَتْ بِذَلِكَ لِدَفْعِ الِارْتِيابِ ورَفْعِ الإشْكالِ وقَوْلُهُ: وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ خِطابٌ مِنهُ لِلْحَقِّ تَعالى لِعِلْمِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَسْمَعُهُ ويَراهُ فَخاطَبَهُ الحَقُّ بِلِسانِ الغَيْبِ وسَمِعَهُ آلْآنَ أظْهَرْتَ ما قَدْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ لِأتْباعِكَ وما قالَ لَهُ (وأنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ) فَهي كَلِمَةُ بُشْرى لَهُ عَرَّفَنا بِها لِنَرْجُوَ رَحْمَتَهُ مَعَ إسْرافِنا وإجْرامِنا ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ يَعْنِي لِتَكُونَ النَّجاةُ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ آيَةً أيْ عَلامَةً إذا قالَ ما قُلْتَهُ تَكُونُ لَهُ النَّجاةُ مِثْلَ ما كانَتْ لَكَ وما في الآيَةِ أنَّ بَأْسَ الآخِرَةِ لا يَرْتَفِعُ وأنَّ إيمانَهُ لَمْ يُقْبَلْ وإنَّما فِيها أنَّ بَأْسَ الدُّنْيا لا يَرْتَفِعُ عَمَّنْ نَزَلَ بِهِ إذا آمَنَ في حالِ نُزُولِهِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ بِمَعْنى أنَّ العَذابَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِظاهِرِكَ وقَدْ أرَيْتُ الخَلْقَ نَجاتَهُ مِنَ العَذابِ فَكانَ ابْتِداءُ الغَرَقِ عَذابًا فَصارَ المَوْتُ فِيهِ شَهادَةً خالِصَةً بَرِيئَةً لَمْ يَتَخَلَّلْها مَعْصِيَةٌ فَقُبِضَ عَلى أفْضَلِ عَمَلٍ وهو التَّلَفُّظُ بِالإيمانِ كُلُّ ذَلِكَ حَتّى لا يَقْنَطَ أحَدٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى والأعْمالُ بِخَواتِيمِها فَلَمْ يَزَلِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى يَجُولُ في باطِنِهِ وقَدْ حالَ الطّابَعُ الإلَهِيُّ الذّاتِيُّ في الخَلْقِ بَيْنَ الكِبْرِياءِ واللَّطائِفِ الإنْسانِيَّةِ فَلَمْ يَدْخُلْها قَطُّ كِبْرِياءٌ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا ﴾ فَكَلامٌ مُحَقَّقٌ في غايَةِ الوُضُوحِ فَإنَّ النّافِعَ هو اللَّهُ تَعالى فَما نَفَعَهم إلّا هُوَ سُبْحانَهُ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ ﴾ فَيَعْنِي بِذَلِكَ الإيمانِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَأْسِ الغَيْرِ المُعْتادِ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ فَغايَةُ هَذا الإيمانِ أنْ يَكُونَ كَرْهًا وقَدْ أضافَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ إلَيْهِ والكَراهَةُ مَحَلُّها القَلْبُ والإيمانُ كَذَلِكَ واللَّهُ تَعالى لا يَأْخُذُ العَبْدَ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ ما يَجِدُهُ مِنَ المَشَقَّةِ فِيها بَلْ يُضاعِفُ لَهُ فِيها الأجْرَ وأمّا في هَذا المَوْطِنِ فالمَشَقَّةُ مِنهُ بَعِيدَةٌ بَلْ جاءَ طَوْعًا في إيمانِهِ وما عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ قُبِضَ ولَمْ يُؤَخَّرْ لِئَلّا يَرْجِعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوى ولَوْ قُبِضَ رُكّابُ البَحْرِ الَّذِينَ قالَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ ﴾ عِنْدَ نَجاتِهِمْ لَماتُوا مُوَحِّدِينَ وقَدْ حَصَلَتْ لَهُمُ النَّجاةُ ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى في تَتْمِيمِ قِصَّتِهِ هَذِهِ: ﴿ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ﴾ عَلى مَعْنى قَدْ ظَهَرَتْ نَجاتُكَ آيَةً أيْ عَلامَةً عَلى حُصُولِ النَّجاةِ فَغَفَلَ أكْثَرُ النّاسِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَضَوْا عَلى المُؤْمِنِ بِالشَّقاءِ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ ﴾ فَلَيْسَ فِيهِ أنَّهُ يَدْخُلُها مَعَهم بَلْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ ولَمْ يَقُلْ أدْخِلُوا فِرْعَوْنَ وآلَهُ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى أوْسَعُ مِن أنْ لا يَقْبَلَ إيمانَ المُضْطَرِّ وأيُّ اضْطِرارٍ أعْظَمُ مِنِ اضْطِرارِ فِرْعَوْنَ في حالِ الغَرَقِ؟

واللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ فَقَرَنَ لِلْمُضْطَرِّ إذا دَعاهُ بِالإجابَةِ وكَشْفِ السُّوءِ عَنْهُ وهَذا آمَنَ لِلَّهِ تَعالى خالِصًا وما دَعاهُ في البَقاءِ في الحَياةِ والدُّنْيا خَوْفًا مِنَ العَوارِضِ وأنْ يُحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الإخْلاصِ الَّذِي جاءَهُ في هَذِهِ الحالِ فَرَجَّحَ جانِبَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى عَلى البَقاءِ بِالتَّلَفُّظِ بِالإيمانِ وجَعَلَ ذَلِكَ الغَرَقَ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى فَلَمْ يَكُنْ عَذابُهُ أكْثَرَ مِن غَمِّ الماءِ الأُجاجِ وقَبْضِهِ عَلى أحْسَنِ صِفَةٍ وهَذا هو الَّذِي يُعْطِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ يَعْنِي في أخْذِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى وقَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ الآخِرَةِ عَلى الأُولى لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ أعْنِي عَذابَ الغَرَقِ هو نَكالُ الآخِرَةِ وهَذا هو الفَضْلُ العَظِيمُ انْتَهى وهو نَصٌّ في إيمانِهِ بَلْ في كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْتَ غَرَقًا شَهادَةٌ لِلْمُومِنِينَ كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ الدِّينِ عَلى خِلافٍ في مَوْتِ مَن قَصَّرَ في تَعَلُّمِ السِّباحَةِ غَرِيقًا هَلْ يُعَدُّ شَهادَةً أمْ لا فَإنَّ بَعْضَ الشّافِعِيَّةِ ذَهَبَ إلى أنَّ المُقَصِّرَ المَذْكُورَ إذا ماتَ غَرِيقًا ماتَ عاصِيًا لا شَهِيدًا وإنَّما الشَّهِيدُ مَن ماتَ كَذَلِكَ وكانَ عارِفًا بِالسِّباحَةِ أوْ غَيْرَ مُقَصِّرٍ في تَعَلُّمِها لَكِنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ وكَأنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ لا يَقُولُ بِهَذا التَّفْصِيلِ أوْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ السِّباحَةَ أوْ مِمَّنْ لَمْ يُقَصِّرْ في تَعَلُّمِها أوْ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الإيمانَ كَفَّرَ عَنْهُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ قَبْلَهُ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَعْصِيَةُ التَّقْصِيرِ مَثَلًا الَّتِي هي دُونَ قَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ و ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ بِألْفِ ألْفِ مَرْتَبَةٍ لَكِنْ لا أدْرِي هَلِ الغَرِيقُ شَهِيدٌ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو كَذَلِكَ في شَرِيعَتِنا أمْ هَذا الأمْرُ مِن خَواصِّ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِها بِما أنْعَمَ كَرامَةً لِنَبِيِّها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ ذَهَبَ قُدِّسُ سِرُّهُ في كِتابِهِ فُصُوصُ الحُكْمِ إلى نَحْوِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أخِيرًا في كِتابِهِ الفُتُوحاتِ وقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ وهو عِنْدِي لَيْسَ بِأعْظَمَ مِن قَوْلِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِإيمانِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَثِيرٍ مِن أضْرابِهِمْ ونَجاتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ في الفُصُوصِ والعَجَبُ أنَّهُ لَمْ يَكْثُرْ مُعْتَرِضُوهُ في ذَلِكَ كَثْرَتَهم في القَوْلِ بِإيمانِ فِرْعَوْنَ وقَدِ انْتَصَرَ لَهُ بَعْضُ النّاسِ ومِنهم في المَشْهُورِ الجَلالُ الدَّوانِيُّ ولَهُ رِسالَةٌ في ذَلِكَ أتى فِيها بِما لا يُعَدُّ شَيْئًا عِنْدَ أصاغِرِ الطَّلَبَةِ لَكِنْ في تارِيخِ حَلَبَ لِلْفاضِلِ الحَلَبِيِّ كَما قالَ مَوْلانا الشِّهابُ إنَّها لَيْسَتْ لِلْجَلالِ وإنَّما هي لِرَجُلٍ يُسَمّى مُحَمَّدَ بْنَ هِلالٍ النَّحْوِيَّ وقَدْ رَدَّها القَزْوِينِيُّ وشَنَّعَ عَلَيْهِ وقالَ: إنَّما مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ خامِلِ الذِّكْرِ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ بالَ في زَمْزِمَ لِيَشْتَهِرَ بَيْنَ النّاسِ وفي المَثَلِ خالِفْ تُعْرَفْ ويُؤَيِّدُ كَوْنَها لَيْسَتْ لِلْجَلالِ أنَّهُ شافِعِيُّ المَذْهَبِ كَما يَشْهَدُ لِذَلِكَ حاشِيَتُهُ عَلى الأنْوارِ وفي فَتاوى ابْنِ حَجَرٍ أنَّ بَعْضَ فُقَهائِنا كَفَّرَ مَن ذَهَبَ إلى إيمانِ فِرْعَوْنَ مَعَ ما عِلِيهِ تِلْكَ الرِّسالَةُ مِنِ اخْتِلالِ العِبارَةِ وظُهُورِ الرَّكاكَةِ وعَدَمِ مُشابَهَتِها لِسائِرِ تَأْلِيفاتِهِ ولَوْلا خَوْفُ الإطالَةِ لَسَرَدْتُها عَلَيْكَ وبِالجُمْلَةِ ظَواهِرُ الآيِ صَرِيحَةٌ في كُفْرِ فِرْعَوْنِ وعَدَمِ قَبُولِ إيمانِهِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ ﴿ وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ ﴾ ﴿ فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في اسْتِمْرارِ فِرْعَوْنَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي المُوجِبَةِ لِما حَلَّ بِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِكانَ والفِعْلِ المُضارِعِ ومَعَ الإيمانِ لا اسْتِمْرارَ عَلى أنْ نَظَّمَهُ في سِلْكِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ ظاهِرٌ أيْضًا في المُدَّعى.

وألْحَقَ بَعْضُهم بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ عَدُوٌّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهي لِلثُّبُوتِ فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ عَداوَتِهِ لِلَّهِ تَعالى وعَداوَتِهِ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وثُبُوتُ إحْدى العَداوَتَيْنِ كافٍ في سُوءِ حالِهِ خِلافًا لِمَن وهِمَ وقَدْ صَرَّحُوا أيْضًا بِأنَّ إيمانَ البَأْسِ واليَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ ولا شَكَّ أنَّ إيمانَ المَخْذُولِ كانَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وإنْكارَهُ مُكابَرَةٌ وقَدْ حَكى إجْماعُ الأئِمَّةِ المُجْتَهِدِينَ عَلى عَدَمِ القَبُولِ ومُسْتَنَدُهم فِيهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ وما يُنْقَلُ عَنِ الإمامِ مالِكٍ مِنَ القَبُولِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ المُطَّلِعِينَ عَلى أقْوالِ المُجْتَهِدِينَ واخْتِلافاتِهِمْ نَعَمْ صَرَّحَ الإمامُ القاضِي عَبْدُ الصَّمَدِ مِن ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ في تَفْسِيرِهِ بِأنَّ مَذْهَبَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ الإيمانَ يَنْتَفِعُ بِهِ ولَوْ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ وهَذا الإمامُ مُتَقَدِّمٌ عَلى الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِنَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ وحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ حِكايَةُ الإجْماعِ إلّا أنْ يُقالَ: بِعَدَمِ تَسْلِيمِ صِحَّةِ ذَلِكَ عَنِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الِاجْتِهادِ المُعَوَّلِ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ في عَدَمِ النَّفْعِ فَلا يُخِلُّ ذَلِكَ بِالإجْماعِ بِالإجْماعِ وفي الزَّواجِرِ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لا يَضُرُّنا ذَلِكَ في دَعْوى إجْماعِ الأُمَّةِ عَلى كُفْرِفِرْعَوْنَ لِأنّا نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ لِأجْلِ إيمانِهِ عِنْدَ البَأْسِ فَحَسْبُ بَلْ لِما انْضَمَّ إلَيْهِ مِن أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ تَعالى إيمانًا صَحِيحًا بَلْ كانَ تَقْلِيدًا مَحْضًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ ﴾ فَكَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وإنَّما سَمِعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا فَآمَنَ بِذَلِكَ الإلَهِ الَّذِي سَمِعَ بَنِي إسْرائِيلَ يُقِرُّونَ بِوُجُودِهِ وهَذا هو مَحْضُ التَّقْلِيدِ الَّذِي لا يُقْبَلُ لا سِيَّما مِن مِثْلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِوُجُودِ الصّانِعِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن بُرْهانٍ قَطْعِيٍّ يُزِيلُ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الخَبِيثِ البالِغِ نِهايَةَ القُبْحِ والفُحْشِ وأيْضًا لا بُدَّ في إسْلامِ الدَّهْرِيِّ ونَحْوِهِ مِمَّنْ كانَ قَدْ دانَ بِشَيْءٍ أنْ يُقِرَّ بِبُطْلانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَلَوْ قالَ: آمَنتُ بِالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وفِرْعَوْنُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِبُطْلانِ ما كانَ كَفَرَ بِهِ مِن نَفْيِ الصّانِعِ وادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لِنَفْسِهِ الخَبِيثَةِ وقَوْلُهُ: ﴿ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ ﴾ لا يُدْرى ما الَّذِي أرادَ بِهِ فَلِذا صَرَّحَ الأئِمَّةُ بِأنَّ آمَنتُ بِالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ لا يَحْصُلُ الإيمانُ لِلِاحْتِمالِ فَكَذا ما قالَهُ وعَلى التَّنَزُّلِ فالإجْماعُ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ عَدَمِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ لا يَصِحُّ فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ فِرْعَوْنَ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى إيمانًا صَحِيحًا فَهو لَمْ يُؤْمِن بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا تَعَرَّضَ لَهُ أصْلًا فَلَمْ يَكُنْ إيمانُهُ نافِعًا ألا تَرى أنَّ الكافِرَ لَوْ قالَ أُلُوفًا مِنَ المَرّاتِ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أوْ إلّا الَّذِي آمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتّى يَقُولَ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

والسَّحَرَةُ تَعَرَّضُوا في إيمانِهِمْ لِلْإيمانِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ رَبِّ مُوسى وهارُونَ فَلا يُقالُ: إنَّ إيمانَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرْزِ إيمانِهِمْ لِذَلِكَ عَلى أنَّ إيمانَهم حِينَ آمَنُوا كانَ بِمُعْجِزَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ الإيمانِ بِمُعْجِزَةِ الرَّسُولِ إيمانٌ بِالرَّسُولِ فَهم آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِخِلافِ فِرْعَوْنَ فَإنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أصْلًا بَلْ في ذِكْرِهِ بَنِي إسْرائِيلَ دُونَهُ مَعَ أنَّهُ الرَّسُولُ العارِفُ بِالإلَهِ وما يَلِيقُ بِهِ والهادِي إلى طَرِيقِهِ إشارَةٌ ما إلى بَقائِهِ عَلى كُفْرِهِ بِهِ وما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَوْجِيهِ آيَةِ ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ ﴾ إلَخْ خارِجٌ عَنْ ذَوْقِ الكَلامِ العَرَبِيِّ وتَجَشُّمُ تَكَلُّفٍ لا مَعْنى لَهُ ويُرْشِدُكَ إلى بَعْضِ ذَلِكَ أنَّهُ قُدِّسَ سِرُّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ ﴾ إلَخْ عَلى العَتَبِ والبُشْرى مَعَ أنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ لَوْ صَحَّ إيمانُهُ وإسْلامُهُ لَكانَ الأنْسَبَ بِمَقامِ الفَضْلِ الَّذِي إلَيْهِ طَمَحَ نَظَرُ الشَّيْخِ أنْ يُقالَ لَهُ: الآنَ نَقْبَلُكَ ونُكْرِمُكَ لِاسْتِلْزامِ صِحَّةِ إيمانِهِ رِضا الحَقِّ عَنْهُ ومَن وقَعَ لَهُ الرِّضا لا يُخاطَبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الخِطابِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ وُقُوفٌ عَلى أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ ومُحاوَراتِهِمْ وأيْضًا كَيْفَ يُخاطَبُ مَن مَحا الإيمانُ عِصْيانَهُ وإفْسادَهُ بِما هو ظاهِرٌ في التَّأْنِيبِ المَحْضِ والتَّقْرِيعِ الصِّرْفِ والتَّوْبِيخِ البَحْتِ فَما ذَلِكَ إلّا لِإقامَةِ أعْظَمِ نَوامِيسِ الغَضَبِ عَلَيْهِ وتَذْكِيرِهِ بِقَبائِحِهِ الَّتِي قَدَّمَها وإعْلامِهِ بِأنَّها هي الَّتِي مَنَعَتْهُ عِنْدَ النُّطْقِ بِالإيمانِ إلى حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ وكَذا تَأْوِيلُهُ فَلَمْ يَكْ يَنْفَعُهم إيمانُهم بِأنَّ النّافِعَ هو اللَّهُ تَعالى مَعَ أنَّ اصْطِلاحَ الكِتابِ والسُّنَّةِ نِسْبَةُ الأشْياءِ إلى أسْبابِها إيجابًا وسَلْبًا فَإذا قِيلَ: لا يَنْفَعُ الإيمانُ فَلَيْسَ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ إلّا الحُكْمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ باطِلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ وأيُّ مَعْنًى سَوَّغَ تَخْصِيصَ نَفْعِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الَّتِي هي حالَةُ وُقُوعِ العَذابِ مَعَ النَّظَرِ إلى ما هو الواقِعُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى هو النّافِعُ حَقِيقَةً في كُلِّ وقْتٍ ولَوْ نَفَعَهم لَما اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ ﴾ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم أنَّهم باقُونَ مَعَ ذَلِكَ الإيمانِ عَلى الكُفْرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ في كَلامِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ أوَّلًا إلَيْهِ وقَدْ قالُوا: إذا اخْتَلَفَ كَلامُ إمامٍ يُؤْخَذُ مِنهُ بِما يُوافِقُ الأدِلَّةَ الظّاهِرَةُ ( ويُعْرَضُ عَمّا خالَفَها ولا شَكَّ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أوَّلًا هو المُوافِقُ لِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ إلّا القَوْلُ بِقَبُولِ إيمانِهِ لا يَلْزَمُنا اتِّباعُهُ في ذَلِكَ والأخْذُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ وشَهِدَتْ بِهِ أئِمَّةُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهم مِنَ المُجْتَهِدِينَ وجَلالَةُ قائِلِهِ لا تُوجِبُ القَبُولَ فَقَدْ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: ما مِن أحَدٍ إلّا مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ ومَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلّا صاحِبَ هَذا القَبْرِ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: لا تَنْظُرْ إلى مَن قالَ وانْظُرْ إلى ما قالَ وكَأنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ قالَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ والنَّظَرُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ ومَن عَلِمَ أنَّ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتِهادًا جاءَ الوَحْيُ بِخِلافِهِ لَمْ يَسْتَعْظِمْ ما قِيلَ في الشَّيْخِ وإنْ كانَ هو - هو - عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ قالَ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الكَشْفِ إلّا أنَّهُ أبْدى الِاسْتِدْلالَ تَفْهِيمًا وإرْشادًا إلى أنَّ فَهْمَهُ لَمْ يُخالِفْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكِتابُ لَمْ يَلْزَمْنا أيْضًا تَقْلِيدُهُ بَلْ قَدْ مَرَّ عَنِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الكَشْفِ وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلى الغَيْرِ كالإلْهامِ ولا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّهُ لَوْ كانَ كُلٌّ مِنَ القَوْلَيْنِ مِن طَرِيقِ الكَشْفِ يَلْزَمُ انْقِسامُ الكَشْفِ إلى صَوابٍ وخَطَأٍ كالنَّظَرِ ضَرُورَةَ عَدَمِ اجْتِماعِ الإيجابِ والسَّلْبِ عَلى الكَذِبِ ولا عَلى الصِّدْقِ وهو ظاهِرٌ وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: بِالِانْقِسامِ ويَخْفى وجْهَهُ ومِنَ النّاسِ مَن أوَّلَ كَلامَ الشَّيْخِ المُثْبِتَ لِقَبُولِ الإيمانِ بِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ فِيهِ النَّفْسُ الأمّارَةُ وبِمُوسى وهارُونَ المَأْمُورَيْنِ بِالقَوْلِ اللَّيِّنِ مُوسى الرُّوحُ وهارُونُ القَلْبُ وأخَذَ يُقَرِّرُ الكَلامَ عَلى هَذا السَّنَنِ ولا يَخْفى أنَّ ارْتِكابَ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ الظّاهِرِ الكَلَفِ في كَلامِ الشَّيْخِ ما يَأْباهُ ولَعَلَّهُ خِلافُ مَطْمَحِ نَظَرِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يَرْتَكِبْهُ أجِلَّةُ أصْحابِهِ بَلْ أبْقَوْا كَلامَهُ عَلى ظاهِرِهِ وهو الظّاهِرُ وإكْفارُ بَعْضِ المُنْكِرِينَ لَهُ فِيهِ ضَلالٌ وأيُّ ضَلالٍ وظُلْمٍ عَظِيمٍ مُوجِبٍ لِلنَّكالِ فَإنَّ لَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في ذَلِكَ مُسْتَنَدًا كَغَيْرِهِ المُقابِلِ لَهُ وإنِ اخْتَلَفا في القُوَّةِ والضَّعْفِ عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ هَذِهِ المَسْألَةِ لَيْسَ مِمّا كُلِّفْنا بِهِ فَلا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها في الدِّينِ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال تعالى: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ، يعني: بحر القلزم.

ويقال: هو نهر مصر، وهو النيل.

فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ يعني: لحقهم.

وقال القتبي: أتبعت القوم: أي لحقتهم، وتبعتهم: كنت في أثرهم.

ثمَّ قال: بَغْياً يعني: تكبُّراً وَعَدْواً يعني: ظلماً.

ويقال: بَغْياً في المقالة حيث قال: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء: 18] وَعَدْواً يعني: اعتدي عليهم وأرادوا قتلهم حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ يعني: كربة الموت.

ويقال: ألجمه الماء.

ويقال: بلغه الموت والأجل، وذلك أن بني إسرائيل لما رأوا فرعون ومن معه، قالوا: هذا فرعون، وقد كنا نلقى منه ما نلقى، فكيف بنا وأين المخرج في البحر؟

فأوحى الله إلى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [الشعراء: 63] فضرب، فصار اثني عشر طريقاً يابساً.

فلمّا انتهى فرعون إلى البحر، فرآها قد يبست فقال لقومه: إن البحر قد يبس خوفاً مني فصدّقوه، وهو قوله: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [طه: 79] ولما جاوز قوم موسى، ودخل قوم فرعون، فلما هَمَّ أولهم أن يخرج من البحر، ودخل آخرهم، طم عليهم البحر فغرّقهم.

وقالَ فرعون عند ذلك آمَنْتُ أي صدّقت أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ على دينهم، ويقال: أنا ممن المخلصين على التوحيد.

قرأ حمزة، والكسائي: أَنَّهُ بالكسر على معنى الابتداء، الباقون بالنصب على معنى البناء، أي: صدّقت بأنه لا إله إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بنو إسرائيل.

قال الله تعالى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ يعني: أتُؤمن في هذا الوقت حين عاينت العذاب، وقد عصيت قَبْلُ يعني: قبل نزول العذاب؟

وهذا موافق لقوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: 18] الآية.

ويقال: إن جبريل هو الذي قال له: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ يعني: من الكافرين.

قال الفقيه أبو الليث، حدّثنا الفقيه أبو جعفر، قال: حدّثنا علي بن أحمد، قال: حدّثنا نصر بن يحيى، قال: حدثنا أبو مطيع، عن الحسن بن دينار، عن حميد بن هلال، قال: كان جبريل  يناجي النبيّ  ، فقال له ذات يوم: «يا محمد ما غاظني عبد من عباد الله تعالى مثل ما غاظني فرعون، لمّا أدركه الغرق، قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ فخشيت أن تدركه الرحمة، فضربت بيدي في البحر، فأخذت كفاً من حمئه، وربما قال: من طينه فكبسته في فيه، فما نبس بكلمة» .

قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ يقول: نخرجك من البحر بجسدك.

وقال أبو عبيدة: نلقيك على نجوة من الأرض، والنجوة من الأرض: ما ارتفع منها بِبَدَنِكَ أي: وحدك لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يعني: عبرة لمن بعدك من الكفَّار، لكيلا يدَّعوا الربوبية.

وقال قتادة: لمّا أغرق الله فرعون، لم تصدق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله تعالى من البحر ليكون لهم عظة وآية.

وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا يعني: عن هلاك فرعون لَغافِلُونَ يخالفون ولا يعتبرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقول فرعون: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ ...

الآية: روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: مَا أَبْغَضْتُ أَحَداً قَطُّ بُغْضِي لِفِرْعَوْنَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: آمَنْتُ ...

الآيَةَ، فَأَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ، فَمَلأْتُ فَمَهُ مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ» ، وفي بعض الطرق: «مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَتَلْحَقُهُ الرَّحْمَة» «١» .

قال ع «٢» : فانظر إِلى كلام فرعون، ففيه مَجْهَلَةٌ وَتَلَعْثُمٌ، ولاَ عُذْرَ لأحد فِي جَهْلِ هذا، وإِنما العذر فيما لا سبيلَ/ إِلى علمه، كقول عليٍّ رضي الله عنه: أهللت بإهلال كإهلال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والحَالُ: الطِّينُ، والآثار بهذا كثيرةٌ مختلفة الألفاظِ، والمعنَى واحدٌ.

وقوله سبحانه: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ، وهذا عَلى جهة التوبيخ له، والإِعلان بالنقمةِ منه، وهذا الكلامُ يحتملُ أن يكونَ مِنْ مَلَكٍ مُوَصِّلٍ عن اللَّه، أَو كيف شاء اللَّه، ويحتملُ أَنْ يكون هذا الكلامُ معنَى حاله وصورةَ خِزْيه، وهذه الآيةُ نصٌّ في ردّ توبة المعاين.

وقوله سبحانه: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ...

الآية: يقوِّي أنه صورةُ حاله لأن هذه الألفاظ إِنما يظهر أنها قِيلَتْ بعد غَرَقِهِ، وسببُ هذه المقالة على ما روي: أن بني إِسرائيل بَعُدَ عِنْدَهم غَرَقُ فِرْعَوْنَ وهلاكُه، لِعِظَمِهِ في نفوسهم، وكذّب بعضهم أن يكون فرعون

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ ﴾ في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ: القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى، ماتَ آباؤُهم لِطُولِ الزَّمانِ وآمَنُوا هم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الَّذِينَ نَشَؤُوا مَعَ مُوسى حِينَ كَفَّ فِرْعَوْنُ عَنْ ذَبْحِ الغِلْمانِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قِيلَ لِهَؤُلاءِ " ذُرِّيَّةٌ " لِأنَّهم أوْلادُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُوسى، وإنْ كانُوا بالِغِينَ.

والثّالِثُ أنَّهم قَوْمٌ، أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

قالَ: وإنَّما سُمُّوْا ذُرِّيَّةً كَما قِيلَ لِأوْلادِ فارِسَ: الأبْناءُ، لِأنَّ أُمَّهاتِهِمْ مِن غَيْرِ جِنْسِ آبائِهِمْ.

وفي هاءِ " قَوْمِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إلى فِرْعَوْنَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ أيْ: ومَلَإ فِرْعَوْنَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " ومَلَئِهِمْ " بِالجَمْعِ، وفِرْعَوْنُ واحِدٌ، لِأنَّ المَلِكَ إذا ذُكِرَ ذَهَبَ الوَهْمُ إلَيْهِ وإلى مَن مَعَهُ، تَقُولُ: قَدِمَ الخَلِيفَةُ فَكَثُرَ النّاسُ، تُرِيدُ: بِمَن مَعَهُ.

وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ: آلَ فِرْعَوْنَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ  ﴾ .

وعَلى القَوْلِ الثّانِي: يَرْجِعُ ذِكْرُ المَلَإ إلى الذُّرِّيَّةِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا أصَحُّ، لِأنَّهُ كانَ في الذُّرِّيَّةِ مَن أبَوْهُ قِبْطِيٌّ وأُمُّهُ إسْرائِيلِيَّةٌ، فَهو مَعَ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ يَعْنِي فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَقُلْ: يَفْتِنُوهم، لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا عَلى مَن كانَ عَلَيْهِ.

وفي هَذِهِ الفِتْنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّعْذِيبُ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَطاوِلٌ في أرْضِ مِصْرَ ﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ حِين كانَ عَبْدًا فادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ لَمّا شَكا بَنُو إسْرائِيلَ إلى مُوسى ما يُهَدِّدُهم بِهِ فِرْعَوْنُ مِن ذَبْحِ أوْلادِهِمْ، واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، قالَ لَهم هَذا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تُهْلِكْنا بِعَذابٍ عَلى أيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن قِبَلِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتَتِنُوا بِنا، لِظَنِّهِمْ أنَّهم عَلى حَقٍّ، قالَهُ أبُو الضُّحى، وأبُو مِجْلَزٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُرْسِلَ مُوسى،أمَرَ فِرْعَوْنُ بِمَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ فَخُرِّبَتْ كُلُّها، ومُنِعُوا مِنَ الصَّلاةِ،كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في الكَنائِسِ فَأُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّونَ فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ.

" وتَبَوَّآ " مَعْناهُ: اتَّخِذا، وقَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ:٧٤) .

وفي المُرادِ بِمِصْرَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَلَدُ المَعْرُوفُ بِمِصْرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْكَنْدَرِّيَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي البُيُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اجْعَلُوها مَساجِدَ، رَواهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ النَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ فِرْعَوْنَ أمَرَ بِهَدْمِ مَساجِدِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً بَدَلًا مِنَ المَساجِدِ.

والثّانِي: اجْعَلُوها قِبَلَ القِبْلَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قِبَلَ مَكَّةَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوها مُسْتَقْبِلَةَ الكَعْبَةِ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: اجْعَلُوها يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكُمُ الَّتِي بِالشّامِ قِبْلَةً لَكم في الصَّلاةِ، فَهي قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَإنْ قِيلَ: البُيُوتُ جَمْعٌ، فَكَيْفَ قالَ " قِبْلَةً " عَلى التَّوْحِيدِ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْن الأنْبارِيِّ، فَقالَ: مَن قالَ: المُرادُ بِالقِبْلَةِ الكَعْبَةُ، قالَ: وُحِّدَتِ القِبْلَةُ لِتَوْحِيدِ الكَعْبَةِ.

قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ: اجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبَلًا، فاكْتَفى بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ، كَما قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ يُرِيدُ: إنّا إخْوَتُكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَدَّ " قِبْلَةً " لِأنَّهُ أجْراها مَجْرى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم إقْبالًا عَلى اللَّهِ، وقَصْدًا لَمّا كُنْتُمْ تَسْتَعْمِلُونَهُ في المَساجِدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحَّدَها، والمَعْنى: واجْعَلُوا بُيُوتَكم شَيْئًا قِبْلَةً، ومَكانا قِبْلَةً، ومَحَلَّةً قِبْلَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتِمُّوا الصَّلاةَ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَشِّرْهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ لَهم مِن لَدُنْ فُسْطاطِ مِصْرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ جِبالٌ فِيها مَعادِنُ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وزَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ وفي لامِ " لِيُضِلُّوا " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها لامُ " كَيْ " والمَعْنى: آتَيْتَهم ذَلِكَ كَيْ يُضِلُّوا وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّها لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَهم ذَلِكَ فَأصارَهم إلى الضَّلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ أيْ: آلَ أمْرُهم إلى أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا، لا أنَّهم قَصَدُوا ذَلِكَ وهَذا كَما تَقُولُ لِلَّذِي كَسَبَ مالًا فَأدّاهُ إلى الهَلاكِ: إنَّما كَسَبَ فُلانٌ لِحَتْفِهِ، وهو لَمْ يَكْسِبِ المالَ طَلَبًا لِلْحَتْفِ، وأنْشَدُوا: ولِلْمَنايا تُرَبِّي كُلُّ مِرْضَعَةٍ ∗∗∗ ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النّاسُ عُمْرانًا وَقالَ آخَرُ: ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الوالِداتُ سِخالَها ∗∗∗ كَما لِخَرابِ الدُّورِ تُبْنى المَساكِنُ وَقالَ آخَرُ: فَإنْ يَكُنِ المَوْتُ أفْناهم ∗∗∗ فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَهْ أرادَ: عاقِبَةُ الأمْرِ ومَصِيرُهُ إلى ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّها لامُ الدُّعاءِ، والمَعْنى: رَبَّنا ابْتَلِهِمْ بِالضَّلالِ عَنْ سَبِيلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها لامُ أجْلِ، فالمَعْنى: آتَيْتَهم لِأجْلِ ضَلالَتِهِمْ عُقُوبَةً مِنكَ لَهم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ  ﴾ أيْ: لِأجْلِ إعْراضِكم، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا المُفَضَّلَ، وزَيْدٌ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الياءِ، أيْ: لِيُضِلُّوا غَيْرَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ ﴾ رَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " اطْمُسْ " بِضَمِّ المِيمِ، " عَلى أمْوالِهِمْ " وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها جُعِلَتْ حِجارَةً، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.

وقالَ القُرَظِيُّ: جَعَلَ سُكَّرُهم حِجارَةً.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: صارَ ذَهَبُهم ودَراهِمُهُم وعَدَسُهم وكُلُّ شَيْءٍ لَهم حِجارَةً.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَخَ اللَّهُ النَّخْلَ والثِّمارَ والأطْعِمَةَ حِجارَةً، فَكانَتْ إحْدى الآياتِ التِّسْعِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَطْمِيسُ الشَّيْءِ: إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ والِانْتِفاعُ بِهِ عَلى الحالِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها.

والثّانِي: أنَّها هَلَكَتْ فالمَعْنى: أهْلَكَ أمْوالَهم، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ يُقالُ: طُمِسَتْ عَيْنُهُ، أيْ: ذَهَبَتْ، وطُمِسَ الطَّرِيقُ إذا عَفا ودَرَسَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اطْبَعْ عَلَيْها، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أهْلِكْهم كُفّارًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: اشْدُدْ عَلَيْها بِالضَّلالَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: قَسِّ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: فَلا آمَنُوا، قالَ الأعْشى: فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ∗∗∗ ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ مَعْناهُ: لا انْبَسَطَ ولا لَقِيتَنِي والثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ ، فالمَعْنى: أنَّك آتَيْتَهم لِيُضِلُّوا فَلا يُؤْمِنُوا، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الغَرَقُ، وكانَ مُوسى يَدْعُو، وهارُونُ يُؤَمِّنُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ﴾ ، وكانَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: " دَعْوَتُكُما " وهُما دَعْوَتانِ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّعْوَةَ تَقَعُ عَلى دَعْوَتَيْنِ وعَلى دَعَواتٍ وكَلامٍ يَطُولُ كَما بَيَّنّا في (الأعْرافِ:١٥٨) أنَّ الكَلِمَةَ تَقَعُ عَلى كَلِماتٍ قالَ الشّاعِرُ: وكانَ دَعا دَعْوَةً قَوْمَهُ ∗∗∗ هَلُمَّ إلى أمْرِكم قَدْ صُرِمَ فَأوْقَعَ " دَعْوَةً " عَلى ألْفاظٍ بَيَّنَها آخِرَ بَيْتِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعَواتُكُما، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِن ذِكْرِ الجَمِيعِ، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ " دَعَواتُكُما " بِالألِفِ وفَتْحِ العَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ مُوسى هو الَّذِي دَعا، فالدَّعْوَةُ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا أمَّنَ هارُونُ، أُشْرِكَ بَيْنَهُما في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ التَّأْمِينَ عَلى الدَّعْوَةِ مِنها.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَقِيما ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاسْتَقِيما عَلى الرِّسالَةِ وما أمَرْتُكُما بِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فاسْتَقِيما عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: فاسْتَقِيما في دُعائِكُما عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

والرّابِعُ: فاسْتَقِيما عَلى دِينِي، ذَكَرَهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعانِّ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ تاءِ " تَتَّبِعانِّ " .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى تَشْدِيدِ نُونِ " تَتَّبِعانِّ "، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ لِلنَّهْيِ مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، واخْتِيرَ لَها الكَسْرُ لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ، فَشُبِّهَتْ بِنُونِ الِاثْنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن خَفَضَ النُّونَ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ خَفَّفَ النُّونَ الثَّقِيلَةَ، فَإنْ شِئْتَ كانَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، والمَعْنى الأمْرُ، كَقَوْلِهِ: " يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ " [البَقَرَةِ:٢٢٨ و٢٣٤] و ﴿ تُضارَّ والِدَةٌ  ﴾ أيْ: لا يَنْبَغِي ذَلِكَ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حالًا مِن قَوْلِهِ: " فاسْتَقِيما " تَقْدِيرُهُ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعَيْنِ.

وفي المُرادِ بِسَبِيلِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الَّذِينَ يَسْتَعْجِلُونَ القَضاءَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَدْعُوَ مُوسى عَلى قَوْمِهِ ؟

فالجَوابُ: أنْ بَعْضَهم يَقُولُ: كانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ، وهو قَوْلٌ صَحِيحٌ، لِأنَّهُ لا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ أنْ يُقْدِمَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ إلّا عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ دُعاءَهُ سَبَبٌ لِلِانْتِقامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتْبَعَهم وتَبِعَهم سَواءٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أتْبَعَهم: لَحِقَهم.

﴿ بَغْيًا وعَدْوًا ﴾ أيْ: ظُلْمًا.

وقَرَأ الحَسَنُ " فاتَّبَعَهم " بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ شَدَّدُوا " وعُدُّوًا " مَعَ ضَمِّ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " أنَّهُ " بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى: آمَنتُ بِأنَّهُ فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وصَلَ الفِعْلُ إلى " أنْ " فَنُصِبَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " إنَّهُ " بِكَسْرِ الألِفِ، فَحَمَلُوهُ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ قالَ: آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ إيمانَهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَنَحَ فِرْعَوْنُ إلى التَّوْبَةِ حِينَ أُغْلِقَ بابُها لِحُضُورِ المَوْتِ ومُعايَنَةِ المَلائِكَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿ آلآنَ ﴾ أيْ: الآنَ تَتُوبُ وقَدْ أضَعْتَ التَّوْبَةَ في وقْتِها، ﴿ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟

والمُخاطِبُ لَهُ بِهَذا كانَ جِبْرِيلُ.

وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ الطِّينَ في فَمِ فِرْعَوْنَ خَشْيَةَ أنْ يُغْفَرَ لَهُ.

قالَ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ في الرَّخاءِ يَذْكُرْكم في الشِّدَّةِ، إنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، وكانَ يَذْكُرُ اللَّهَ، فَلَمّا وقَعَ في بَطْنِ الحُوتِ سَألَ اللَّهَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ ﴿ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا طاغِيًا ناسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " نُنْجِيكَ " مُخَفَّفَةً.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ، مِنهم يُونُسُ وأبُو عُبَيْدَةَ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ: ارْتِفاعٍ، لِيَصِيرَ عَلَمًا أنَّهُ قَدْ غَرِقَ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " نُنَحِّيكَ " بِحاءٍ.

وفي سَبَبِ إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ بَعْدَ غَرَقِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ مُوسى وأصْحابَهُ لَمّا خَرَجُوا، قالَ مَن بَقِيَ مِنَ المَدائِنِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما أُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّهُ هو وأصْحابَهُ يَتَصَيَّدُونَ في جَزائِرِ البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَكانَتْ نَجاةَ عِبْرَةٍ، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى البَحْرِ: أنِ الفِظْ ما فِيكَ، فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ بِالسّاحِلِ، ولَمْ يَكُنْ يَلْفِظُ غَرِيقًا، فَصارَ لا يَقْبَلُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أصْحابَ مُوسى قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ ما غَرِقَ، ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ، فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَأخْرَجَهُ حَتّى أيْقَنُوا بِهَلاكِهِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: لَمْ يَغْرَقْ فِرْعَوْنُ، دَعا مُوسى، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا عَلَيْهِمُ الحَدِيدُ، فَأخَذَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ يُمَثِّلُونَ بِهِ.

وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ إنَّما أُخْرِجَ مِنَ البَحْرِ وحْدَهُ دُونَ أصْحابِهِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِغَرَقِهِ، فَرَمى بِهِ البَحْرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى رَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: عَرَفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ بِدِرْعٍ كانَ لَهُ مِن لُؤْلُؤٍ لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ مِثْلُها.

فَأمّا وجْهُهُ فَقَدْ غَيَّرَهُ سُخْطُ اللَّهِ تَعالى.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، وكانَ يَعْبُدُهُ قَوْمٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ، فَأغْرَقَهُ وأصْحابَهُ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مِن بَيْنِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِجَسَدِكَ مِن غَيْرِ رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وذِكْرُ البَدَنِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الرَّوْحِ.

والثّانِي: بِدِرْعِكَ، قالَهُ أبُو صَخْرٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ كانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِن لُؤْلُؤٍ، وقِيلَ: مِن ذَهَبٍ، فَعُرِفَ بِدِرْعِهِ.

والثّالِثُ: نُلْقِيكَ عُرْيانًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: نُنَجِّيكَ وحْدَكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِتَكُونَ لِمَن بَعْدَكَ في النَّكالِ آيَةً لِئَلّا يَقُولُوا مِثْلَ مَقالَتِكَ، فَإنَّكَ لَوْ كُنْتَ إلَهًا ما غَرِقْتَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " خَلْفَكَ " بِمَعْنى بَعْدَكَ، والآيَةُ: العَلامَةُ.

والثّانِي: لِتَكُونَ لِبَنِي إسْرائِيلَ آيَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: لِمَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِهِ، لِأنَّهم أنْكَرُوا غَرَقَهُ عَلى ما ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ، فَخَرَجَ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبْرَةٌ لِلنّاسِ.

والثّانِي: عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى غَرَقِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الآيَةُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَبٌّ، فَبانَ أمْرُهُ، وأُخْرِجَ مِن بَيْنِ أصْحابِهِ لَمّا غَرِقُوا.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ " لِمَن خَلَقَكَ " بِالقافِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنتُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ عن آياتِنا لَغافِلُونَ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَوَّزْنا" بِشَدِّ الواوِ وطَرْحِ الألِفِ، ويُشْبِهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "جاوَزْنا" كُتِبَ في بَعْضِ المَصاحِفِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في صُورَةِ جَوازِهِمْ في البَقَرَةِ والأعْرافِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَجاوَزْنا" لِأنَّهُ يُقالُ: تَبِعَ وأتْبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ: "فاتَّبَعَهُمْ" بِشَدِّ التاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ "أتْبَعَ" بِقَطْعِ الألِفِ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ الإدْراكَ، و"اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ هي طَلَبُ الأثَرِ سَواءً أُدْرِكَ أو لَمْ يُدْرَكْ.

ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، وكانَ يَعْقُوبُ قَدِ اسْتَقَرَّ أوَّلًا بِمِصْرَ في نَيِّفٍ عَلى السَبْعِينَ ألْفًا مِن ذُرِّيَّتِهِ فَتَناسَلُوا حَتّى بَلَغُوا وقْتَ مُوسى العَدَدَ المَذْكُورَ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ في ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمٍ حاشا ما بَقِيَ مِن ألْوانِ الخَيْلِ، ورُوِيَ أقَلَّ مِن هَذِهِ الأعْدادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ القُرْآنِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ لَهم جَمْعٌ كَثِيرٌ في نَفْسِهِ قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُتَّبِعِينَ.

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكُوفِيُّونَ، وجَماعَةٌ: "عَدْوًا" عَلى مِثال: غَزا غَزْوًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "وَعُدُوًّا" عَلى مِثالِ: عَلا عُلُوًّا، وقَوْلَهُ: ﴿ أدْرَكَهُ الغَرَقُ ﴾ أيْ في البَحْرِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ فَوَجَدَهُ قَدِ انْفَرَقَ ومَشى فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، وكانَ عَلى فَرَسٍ ذَكَرٍ، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى ودِيقٍ فَدَخَلَ بِها البَحْرَ، فَوَلَجَ فَرْسُ فِرْعَوْنَ وراءَهُ وحَثَّتِ الجُيُوشُ خَلْفَهُ، فَلَمّا رَأى الِانْفِراقَ يَثْبُتُ لَهُ اسْتَمَرَّ، وبَعَثَ اللهُ تَعالى مِيكائِيلَ يَسُوقُ الناسَ حَتّى حَصَلَ جَمِيعُهم في البَحْرِ، فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، فَلَمّا عايَنَ فِرْعَوْنُ قالَ ما حَكى عنهُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى إسْقاطِ الباءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: "إنَّهُ" بِكَسْرِ الألِفِ، إمّا عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: "آمَنتُ فَقُلْتُ: إنَّهُ"، وإمّا عَلى أنْ يَتِمَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ آمَنتُ ﴾ ثُمَّ يَبْتَدِئُ إيجابٌ: "إنَّهُ"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  « "أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: "ما أبْغَضْتُ أحَدًا قَطُّ بُغْضِي لِفِرْعَوْنَ، ولَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿ آمَنتُ ﴾ الآيَةُ، فَأخَذْتُ مِن حالِ البَحْرِ فَمَلَأْتُ فَمَهُ مَخافَةَ أنْ تَلْحَقَهُ رَحْمَةُ اللهِ"، وفي بَعْضِ الطُرُقِ: "مَخافَةَ أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ فَتَلْحَقَهُ الرَحْمَةُ"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فانْظُرْ إلى كَلامِ فِرْعَوْنَ فَفِيهِ مَجْهَلَةٌ وتَلَعْثُمٌ، ولا عُذْرَ لِأحَدٍ في جَهْلِ هَذا، وإنَّما العُذْرُ فِيما لا سَبِيلَ إلى عِلْمِهِ، كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أهَلَلْتُ بِإهْلالٍ كَإهْلالِ النَبِيِّ  ، والحالُ الطِينُ"، كَذا في الغَرِيبِ المُصَنَّفِ وغَيْرِهِ، والأثَرُ بِهَذا كَثِيرٌ مُخْتَلِفُ اللَفْظِ والمَعْنى واحِدٌ، وفِعْلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لِأنَّهُ اعْتَقَدَ تَجْوِيزَهُ المَغْفِرَةَ لِلتّائِبِ وإنْ عايَنَ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلُ إعْلامٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ التَوْبَةَ بَعْدَ المُعايَنَةِ غَيْرُ نافِعَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ ﴾ الآيَةُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اعْلَمْ أنَّ لامَ المَعْرِفَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى كَلِمَةٍ أوَّلُها الهَمْزَةُ فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَإنَّ في تَخْفِيفِها وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ تُحْذَفَ وتُلْقى حَرَكَتُها عَلى اللامِ وتَقَرَّ هَمْزَةُ الوَصْلِ فِيهِ فَيُقالُ: "ألَحْمَرُ"، وقَدْ حَكى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وحَكى أبُو عُثْمانَ عن أبِي الحَسَنِ أنَّ ناسًا يَقُولُونَ: "لَحْمَرُ"، فَيَحْذِفُونَ الهَمْزَةَ الَّتِي لِلْوَصْلِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ كُنْتَ تُخْفِي حَبَّ سَمْراءَ حِقْبَةً ∗∗∗ فَبُحْ لانَ مِنها بِالَّذِي أنْتَ بائِحُ قَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ لَمْ يُخْتَلَفْ عنهُ: "آلْانَ" بِمَدِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الباقُونَ بِمَدِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ اللامِ وهَمْزِ الثانِيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألانَ" بِقَصْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ اللامِ وتَخْفِيفِ الثانِيَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألْآنَ" بِقَصْرِ الأُولى وسُكُونِ اللامِ وهَمْزِ الثانِيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِراءاتُ التَخْفِيفِ في الهَمْزَةِ تَتَرَتَّبُ عَلى ما قالَ أبُو عَلِيٍّ، فَتَأمَّلْهُ، فَإنَّ الأُولى عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: "الحَمْرُ"، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهُ والإعْلانِ بِالنِقْمَةِ مِنهُ، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لِفِرْعَوْنَ مِن قَوْلِ مَلَكٍ مُوصِلٍ عَنِ اللهِ وكَيْفَ شاءَ اللهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذا الكَلامِ مَعْنى حالِهِ وصُورَةِ خِزْيِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في رَدِّ تَوْبَةِ المُعايِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ ﴾ الآيَةُ، يُقَوِّي ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّها صُورَةُ الحالِ، لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما يَظْهَرُ أنَّها قِيلَتْ بَعْدَ غَرَقِهِ، وسَبَبُ هَذِهِ المَقالَةِ -عَلى ما رُوِيَ- أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعُدَ عِنْدَهم غَرَقُ فِرْعَوْنَ وهَلاكُهُ لِعِظَمِهِ عِنْدَهُمْ، وكَذَّبَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ يَمُوتُ، فَنُجِّيَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى رَآهُ جَمِيعُهم مَيِّتًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ أحْمَرُ، وتَحَقَّقُوا غَرَقَهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِنَ النَجاةِ، أيْ مِن غَمَراتِ البَحْرِ والماءِ، وقالَ جَماعَةٌ: مَعْناهُ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ وهي ما ارْتَفَعَ مِنها، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حُجْرٍ: فَمَن بِعَقْوَتِهِ كَمَن بِنَجْوَتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ والمَسْتَكِنُّ كَمَن يَمْشِي بِقِرْواحِ وقَرَأ يَعْقُوبُ: "نُنْجِيكَ" بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "نُنَحِّيكَ" بِالحاءِ المُشَدَّدَةِ مِنَ التَنْحِيَةِ، وهي قِراءَةُ مُحَمَّدِ بْنِ السَمَيْفَعِ اليَمانِيِّ، ويَزِيدِ البَرِيدِيِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: "بِبَدَنِكَ": بِدِرْعِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بِشَخْصِكَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِنِدائِكَ" أيْ: بِقَوْلِكَ: ﴿ آمَنتُ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ويُشْبِهُ أنْ يُكْتَبَ "بِنِدائِكَ" بِغَيْرِ ألِفٍ في بَعْضِ المَصاحِفِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنّا نَجْعَلُكَ آيَةً مَعَ نِدائِكَ الَّذِي لا يَنْفَعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَفَكَ" أيْ: مَن أتى بَعْدَكَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلْفَكَ" والمَعْنى: يَجْعَلُكَ اللهُ آيَةً لَهُ في عِبادِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ لِعِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ عن آياتِنا لَغافِلُونَ ﴾ ، وهَذا خَبَرٌ في ضِمْنِهِ تَوَعُّدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مقول لقول حذف لدلالة المقام عليه، تقديره: قال الله.

وهو جواب لقوله: ﴿ آمنت ﴾ [يونس: 90] لأنه قصد بقوله ذلك طلبَ الإنجاء من الغرق اعترافاً لله بالربوبية، فكأنه وجه إليه كلاماً.

فأجابه الله بكلام.

وقال الله هذا الكلام له على لسان الملَك الموكل بتعذيبه تأييساً له من النجاة في الدنيا وفي الآخرة، تلك النجاة التي هي مأمولة حين قال: ﴿ آمنت ﴾ [يونس: 90] إلى آخره، فإنه ما آمن إلا وقد تحقق بجميع ما قاله موسى، وعلم أن ما حل به كان بسبب غضب الله، ورجا من اعترافه له بالوحدانية أن يعفو عنه وينجيه من الغرق.

ويدل على ذلك قول الله عقب كلامه ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ كما سيأتي.

والاستفهام في ﴿ ألآن ﴾ إنكاري.

والآن: ظرف لفعل محذوف دل عليه قوله: ﴿ آمنتُ ﴾ [يونس: 90] تقديره: الآن تؤمن، أي هذا الوقت.

ويقدر الفعل مؤخراً، لأن الظرف دل عليه، ولأن محط الإنكار هو الظرف.

والإنكار مؤذن بأن الوقت الذي عُلق به الإنكار ليس وقتاً ينفع فيه الإيمان لأن الاستفهام الإنكاري في قوة النفي، فيكون المعنى: لا إيمان الآن.

والمنفي هو إيمانٌ ينجي مَن حصل منه في الدنيا والآخرة.

وإنما لم ينفعه إيمانه لأنه جاء به في وقت حصول الموت.

وهو وقت لا يقبل فيه إيمان الكافر ولا توبة العاصي، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبتُ الآن ولا الذين يموتون وهم كفّار ﴾ [النساء: 18].

و (الآن) اسم ظرف للزمان الحاضر...

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الآن خفَّف الله عنكم ﴾ في سورة [الأنفال: 66].

وجملة: وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين} في موضع الحال من معمول (تؤمن) المحذوف، وهي موكدة لما في الاستفهام من معنى الإنكار، فإن إيمانه في ذلك الحين منكر، ويزيده إنكاراً أن صاحبه كان عاصياً لله ومفسداً للدين الذي أرسله الله إليه، ومفسداً في الأرض بالجور والظلم والتمويه بالسحر.

وصيغة: ﴿ كنتَ من المفسدين ﴾ أبلغ في الوصف بالإفساد من: وكنتَ مُفسداً، كما تقدم آنفاً، وبمقدار ما قدّمه من الآثام والفساد يشدّد عليه العذاب.

والفاء التي في قوله: ﴿ فاليوم ﴾ فاء الفصيحة، تفصح عن شرط مقدر في الكلام يدل عليه السياق.

والمعنى: فإن رمتَ بإيمانك بعد فوات وقته أن أُنجيك من الغرق فاليوم ننجيك ببدنك، والكلام جار مجرى التهكم، فإطلاق الإنجاء على إخراجه من البحر استعارة تهكمية.

وليس مسوغها التهكم المحض كما هو الغالب في نوعها، بل فيها علاقة المشابهة، لأن إخراجه إلى البر كاملاً بشكّته يشبه الإنجاء، ولكنه ضد الإنجاء، فكان بالمشابهة، استعارة، وبالضدية تهكماً، والمجرور في قوله: ﴿ ببدنك ﴾ حال.

والأظهر أن الباء من قوله: ﴿ ببدنك ﴾ مزيدة للتأكيد، أي تأكيد آية إنجاء الجسد، فيكون قوله: (بدنك) في معنى البدل المطابق من الكاف في ﴿ ننجيك ﴾ كزيادة الباء في قول الحريري: «فإذا هو أبو زيد بعينه ومَينه».

والبدَن: الجسم بدون روح وهذا احتراس من أن يظن المراد الإنجاء من الغرق.

والمعنى: ننجيك وأنت جسم.

كما يقال: دخلت عليه فإذا هو جثة، لأنه لو لم يكن المقصود الاقتصار على تلك الحالة لما كان داع للبليغ أن يزيد ذلك القيد، فإن كل زيادة في كلام البليغ يقصد منها معنى زائد، وإلا لكانت حشوا في الكلام والكلام البليغ موزون، ولغة العرب مبنية على أساس الإيجاز.

و ﴿ لمن خلفك ﴾ أي من وراءك.

والوراء: هنا مستعمل في معنى المتأخر والباقي، أي من ليسوا معك.

والمراد بهم من يخلفه من الفراعنة ومن معهم من الكهنة والوزراء، أي لتكون ذاته آية على أن الله غالب من أشركوا به، وأن الله أعظم وأقهر من فرعون وآلهته في اعتقاد القبط، إذ يرون فرعون الإله عندهم طريحاً على شاطيء البحر غريقاً.

فتلك ميتة لا يستطيعون معها الدجل بأنه رفع إلى السماء، أو أنه لم يزل يتابع بني إسرائيل، أو نحو ذلك من التكاذيب لأنهم كانوا يزعمون أن فرعون لا يُغلب، وأن الفراعنة حين يموتون إنما ينقلون إلى دار الخلود.

ولذلك كانوا يموّهون على الناس فيبنون له البيوت في الأهرام ويودعون بها لباسه وطعامه ورياشه وأنفَس الأشياء عنده، فموته بالغرق وهو يُتبع أعداءه ميتَة لا تُوَوّلُ بشيء من ذلك، فلذلك جعل كونه آية لمن خلفه علة لإخراجه من غمرة الماء ميتاً كاملاً، فهم مضطرون إلى الاعتراف بأنه غرق إذا نظروا في تلك الآية.

ولم يعدم فرعون فائدة من إيمانه، فإن الله بحكمته قدر له الخروج من غمرات الماء، فلم يبق في الماء أكلة للحيتان ولكن لفظته الأمواج، وتلك حالة أقل خزياً من حالات سائر جيشه بها ظهر نفع ما له بما حصل لنفسه من الإيمان في آخر أحواله.

وكلمة ﴿ فاليوم ﴾ مستعملة في معنى (الآن) لأن اسم اليوم أطلق على جزء من زمن الحال مجازاً بعلاقة الكلية والجزئية.

وجملة: ﴿ وإنْ كثيراً من النّاس عن آياتنا لغافلون ﴾ تذييل لموعظة المشركين، والواو اعتراضية، أو واو الحال.

والمراد منه: دفع توهم النقص عن آيات الله عندما يحرم كثير من الناس الاهتداء بها، فهي في ذاتها دلائل هدى سواء انتفع بها بعض الناس أم لم ينتفعوا فالتقصير منهم.

واعلم أن هذه الآية أصرح آية في القرآن دلالةً على أن فرعون الذي أرسل إليه موسى والذي أتبع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر قد أصابه الغرق.

وقد أشارت إليه آية سورة الأعراف وآية سورة البقرة.

وفرعون هذا هو منفطاح الثاني، ويقال له (مَيْرنْبَتَا) بياء فارسية أو (منفتاح)، أو (منيفتا) وهو ابن رعمسيس الثاني المعروف عند اليونان باسم (سَيْزُوسْتريس)، من ملوك العائلة التاسعة عشرة من الأسر الفرعونية، وكانوا في حدود سنة1491 قبل المسيح.

قال ابن جُريج: كان فرعون هذا قصيراً أحمر فلا نشك في أن منفطاح الثاني مات غريقاً في البحر، وأنه خرجت جثته بعد الغرق فدُفن في وادي الملوك في صعيد مصر.

فذكر المنقبون عن الآثار أنه وجد قبرُه هناك، وذلك يومئ إلى قوله تعالى: ﴿ فاليومَ نُنَجّيك ببدنك لتكونَ لمن خلفك آية ﴾ .

ووجود قبر له إن صح بوجه محقق، لا ينافي أن يكون مات غريقاً، وإن كان مؤرخو القبط لم يتعرضوا لصفة موته، وما ذلك إلا لأن الكهنة أجمعوا على إخفائها كيلا يتطرق الشك إلى الأمة فيما يمجد به الكهنة كل فرعون من صفات بنوة الآلهة.

وخلفتْه في ملك مصر ابنته المسماة (طوسير) لأنه تركها وابناً صغيراً.

وقد جاء ذكر غرق فرعون في التوراة في الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج بعبارات مختلفة الصراحة والإغلاق.

ومن دقائق القرآن قوله تعالى: ﴿ فاليوم نُنجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ﴾ وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون، وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن إذ كانت الآية منطبقة على الواقع التاريخي.

والظاهر أن الأمواج ألْقَت جثّته على الساحل الغربي من البحر الأحمر فعثر عليه الذين خرجوا يتقصون آثاره ممن بقُوا بعده بمدينة مصر لما استبطأوا رجوعه ورجوع جيشه، فرفعوه إلى المدينة وكان عبرة لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ مَعْنى نُنَجِّيكَ نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، والنَّجْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِجَسَدِكَ مِن غَيْرِ رُوحٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِدِرْعِكَ، وكانَ لَهُ دِرْعٌ مِن حَدِيدٍ يُعْرَفُ بِها، قالَهُ أبُو صَخْرٍ، وكانَ مَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ يُنْكِرُ غَرَقَهُ.

وَقَرَأ يَزِيدُ اليَزِيدِيُّ ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ بِالحاءِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وحَكاها عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

أنْ يَكُونَ عَلى ناحِيَةٍ مِنَ البَحْرِ حَتّى يَراهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وكانَ قَصِيرًا أحْمَرَ كَأنَّهُ ثَوْرٌ.

﴿ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً ﴾ يَعْنِي لِمَن بَعْدَكَ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ قال: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعدما غرق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ قال: بجسدك، كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون فألقي على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيراً كأنه ثور.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ قال: جسده ألقاه البحر على الساحل.

وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ قال: بدرعك، وكانت درعه من لؤلؤ يلاقي فيه الحروب.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صخر رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ قال: البدن الدرع الحديد.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جهيم موسى بن سالم رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ قال: كان لفرعون شيء يلبسه يقال له البدن يتلألأ.

وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن يونس بن حبيب النحوي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ قال: نجعلك على نجوة من الأرض كي ينظروا فيعرفوا أنك قدمت.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك...

﴾ الآية.

قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله ليكون عظة وآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ قال: لبني إسرائيل.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ فاليوم ننجيك بندائك ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني ويزيد البربري أنهما قرآ ﴿ فاليوم ننحيك ببدنك ﴾ بحاء غير معجمة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ أي: نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع، وهذا قول أبي عبيدة (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وذهب بعضهم إلى أن هذا من النجاة والتخليص، ومعنى ننجيك نخرجك من البحر بعد الغرق (١٠) (١١) (١٢) واختلفوا في معنى البدن هاهنا؛ فأهل اللغة ذهبوا إلى أن معناه الدرع (١٣) (١٤) وقال ابن الأعرابي في هذه الآية: ببدنه: بدرعه (١٥) ترى الأبدان فيها مسبغات ...

على الأبطال واليلب الحصينا (١٦) (١٧) ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ .

وقال آخرون: معنى البدن هاهنا جسده بغير روح (١٨) ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ قال: معناه بجسدك (١٩) (٢٠) وقال بعض المفسرين: إنه طفا عريانًا، وكان ناجيًا ببدنه المجرد لينظر إليه نكالًا من كان يعتقده إلهًا (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ ] (٢٤) (٢٥) قال أبو بكر: وتلخيص الحرف (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال أبو إسحاق: وإنما كان ذلك آية؛ لأنه كان يدعي أنه رب وكان يعبده قوم (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ﴾ الناس (٣١) ﴿ عَنْ آيَاتِنَا ﴾ أي: عن الإيمان بآياتنا.

(١) رواه بنحوه ابن جرير 11/ 165 - 166، والبغوي 4/ 148، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 558، وابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 61.

(٢) منهم قتادة ومجاهد وقيس بن عباد وابن جريج وغيرهم.

انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 165 - 166، "الدر المنثور" 3/ 578.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 348 بعد أن ذكر أثر قيس بن عباد: هذا موقوف، رجاله ثقات.

(٣) "مجاز القرآن"1/ 281.

(٤) لم أجد من ذكره بعد طول بحث، وقد نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 60 إلى اللغويين، وذكره ابن سيده في "المخصص" 10/ 79، ونسبه لأبي عبيد والخليل والأصمعي ونسبه الأزهري في "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3510 للزجاج وأبي زيد والنضر بن شميل.

(٥) رواه ابن الأنباري وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 570، وانظر: "زاد المسير" 4/ 60.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 32، وعبارة الزجاج تدل على أنه لم يختر هذا القول، ونصها: (ننجيك ببدنك) نلقيك عريانًا، وقيل: (ننجيك ببدنك) نلقيك على نجوة من الأرض.

(٧) "تفسير غريب القرآن" ص 204.

(٨) ساقط من (ى).

(٩) "تهذيب اللغة" (بدن) 1/ 295، وفيه: فأمر الله البحر أن يقذفه.

(١٠) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 641 - 166، وهود بن محكم 2/ 207، والسمرقندي 2/ 110، والزمخشري 2/ 251.

(١١) رواية الكلبي عن ابن عباس في "تنوير المقباس" ص 219 موافقة للقول الأول، ولم أجد من ذكر قول الكلبي هذا.

(١٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 558، وبنحوه رواه ابن جرير 11/ 166 من رواية عطية العوفي.

(١٣) انظر: "الصحاح" (بدن) 5/ 2077، "مجمل اللغة" (بدن) 1/ 119.

(١٤) "تهذيب اللغة" (بدن) 1/ 295، والنص في كتاب "العين" (بدن) 8/ 51.

(١٥) "تهذيب اللغة"، الموضع السابق.

(١٦) البيت لكعب بن مالك في "تفسير القرطبي" 8/ 380، "فتح القدير" للشوكاني 2/ 681، وبلا نسبه في "البحر المحيط" 5/ 189، "الدر المصون" 6/ 265، وليس في "ديوانه".

== والأبدان: الدروع، واليلب: الدروع اليمانية، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها على بعض، وهو اسم جنس، والواحدة: يلبة.

"الصحاح" (يلب) 1/ 240.

(١٧) "الوسيط" 2/ 558، "مفاتيح الغيب" 17/ 164.

(١٨) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 166، والثعلبي 7/ 27 أ، والبغوي 4/ 149، والزمخشري 2/ 252، "الدر المنثور" 3/ 570، واختاره الأخفش ورد القول الأول، انظر كتاب "معاني القرآن" 1/ 378.

(١٩) رواه ابن جرير 11/ 166، وابن أبي حاتم 6/ 1983، وابن المنذر وابن الأنباري في "المصاحف"، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 570.

(٢٠) لم أقف عليه، ورواية الكلبي في "تنوير المقباس" ص 219 توافق القول السابق، وأن المراد بالبدن الدرع.

(٢١) هذا قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 32.

(٢٢) يعني القول بأن المراد بالبدن الجسد.

(٢٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 27 أ.

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٥) "الوسيط" 2/ 559، وذكره ابن الجوزي 4/ 61، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهو سند الكلبي في "تفسيره"، وليس للكلبي أقوال في التفسير بل نسب ذلك كله إلى ابن عباس.

وقد ذكره أيضًا بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 219، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.

(٢٦) في (م): (الحدف).

(٢٧) ساقط من (ى).

(٢٨) لم أقف عليه (٢٩) في المصدر: قومه.

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 32.

(٣١) ساقط من (ى).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا ﴾ الخطاب لموسى وهارون على أنه لم يذكر الدعاء إلى عن موسى وحده، لكن كان موسى يدعو وهارون يؤمن على دعائه، ﴿ فاستقيما ﴾ أي اثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ ﴾ أي لحقهم يقال: تبعه حتى أتبعه، هكذا قال الزمخشري.

وقال ابن عطية أتبع بمعنى تبع وأما اتبع بالتشديد فهو: طلب الأثر، سواء أدرك أو لم يدرك ﴿ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ ﴾ يعني الله عز وجل، وفي لفظ فرعون مجهلة وتعنت لأنه لم يصرح باسم الله ﴿ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ أي قيل له: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار، وذلك لا يُقبل منك ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ أي نبعدك مما جرى لقومك من الوصول إلى قعر البحر، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض أي على موضع مرتفع ﴿ بِبَدَنِكَ ﴾ أي بجسدك جسداً بدون روح، وقيل بدرعك، وكانت له درع من ذهب يعرف بها والمحذوف في موضع الحال والباء للمصاحبة ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ﴾ : هذا ظاهر.

وفي قوله: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ ﴾ دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف إلى نفسه أنه جاوز بهم، وبنو إسرائيل هم الذين تجاوزوا، دل ذلك أنه خالق فعلهم.

وأما قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ ﴾ أي: حتى إذا غرق؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن فرعون لما انتهى إلى ساحل البحر، فرأى البحر منفرجا طرقاً، فقال: إنما انفرج البحر لي، فلما دخل غرق فعند ذلك قال غريقا: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ثم إيمانه لم يقبل في ذلك الوقت لوجهين: أحدهما: لما يحتمل أن يكون إيمانه عند رؤية البأس وخوف الهلاك، فهو إيمان دفع البأس لا إيمان حقيقة، وهو على ما أخبر عن إيمان الكفرة في الآخرة لما عاينوا العذاب؛ كقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ  ﴾ ؛ وكقوله  : ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ \[المؤمنون: 99-100\] وكقولهم: ﴿ نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ وأمثاله ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ ؛ فما عاينوا هم من العذاب أكبر وأشد مما عاين فرعون، ثم أخبر أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما كانوا يعملون لكنهم قالوا ذلك قول دفع، فعلى ذلك إيمان فرعون إيمان دفع البأس عن نفسه لا إيمان حقيقة واختيار.

والثاني: أن الإيمان والإسلام هو تسليم النفس إلى الله، فإذا آمن في وقت خرجت نفسه من يده لم يصر مسلماً نفسه إلى الله؛ إذ نفسه ليست في يده ولذلك لم يقبل الإيمان في ذلك الوقت وقت الإشراف على الهلاك.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الإيمان بالله [لا يكون إلا بالاستدلال] بالشاهد على الغائب، ولا يمكن الاستدلال بالشاهد على الغائب في ذلك الوقت؛ إذ لا يكون ذلك إلا بالنظر والتفكر [وفي ذلك الوقت لا يمكن النظر والتفكر]؛ لذلك لم يكن إيمان حقيقة، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: قوله: ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ من النجوة، أي: نلقيك على النجوة وهو مكان الارتفاع والإشراف؛ ليراه كل أحد أنه هلك ليظهر لهم أنه لم يكن إلها على ما ادعى لعنه الله، وأما سائر أبدان قومه لم تلق على النجوة ولكن بقيت في البحر.

والثاني: قيل: ﴿ نُنَجِّيكَ ﴾ أي: نخرجك من البحر ولا نتركك فيه لتكون لمن خلفك آية.

والثالث: ننجيك ببدنك ولا نتبع روحك؛ لأنه ذكر في القصة أنهم لما غرقوا هم وأغرق، أخذ إلى النار؛ كقوله: ﴿ مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  ﴾ أخبر أنه لم يهو جسده بروحه إلى النار، ولكن أخرج بدنه وهوت روحه إلى النار مع سائر قومه - والله أعلم - ليرى جسده ويظهر كذبه ولا يشتبه أمره عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل ليكون هلاكك آية، فلا يدعي أحد الربوبية والألوهية مثل ما ادعى هو، أو يقول: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ أي: من شاهدك كذلك غريقاً ملقى كان آية له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: يعني أهل مكة عن آياتنا لغافلون عن هلاك فرعون وقومه لما قالوا: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ  ﴾ [...] يقول: هم غافلون عما أصاب أولئك؛ إذ مثل هذا لا يفترى، أعني: هذه القصص.

ويحتمل ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ ، أي: كثير منهم كانوا غافلين عما أصابهم، والغفلة تكون على وجهين: أحدهما: غفلة إعراض وعناد بعد العلم به ومعرفة أن ذلك حق.

والثاني: يغفل بترك النظر والتفكر؛ فكلا الوجهين مذموم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: بوأنا أنزلنا بني إسرائيل منزل صدق.

وقال بعضهم: ﴿ بَوَّأْنَا ﴾ : هيئنا لبني إسرائيل، ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ : مهيأ صدق حسنا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ...

﴾ الآية [آل عمران: 121]، أي: تهيئ للمؤمنين.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ أي: مكناهم تمكين صدق؛ وهو كقوله: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [القصص: 5-6] يحتمل ما ذكر من التبوئة التمكين الذي ذكر في هذه الآية وقوله ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ قال بعضهم: منزل صدق، أي: كريم وقال: منزل صدق أي حسن.

ويحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أنه وعد لهم أن يمكن لهم في الأرض فأنجز ذلك الوعد، فهو مبوأ صدق أي تمكين صدق، حيث أنجز ذلك الوعد وصدق الوعد ما ذكر ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ  ﴾ الآية.

والثاني: ﴿ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ أي: مبوأ أهل صدق لأن الشام كان لم يزل منزل أهل صدق، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ...

﴾ الآية [الإسراء: 80]، أي: أخرجني مخرج أهل صدق وأدخلني مدخل أهل صدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قال أهل التأويل: يعني المن والسلوى، ولكن الطيبات هي التي طابت بها الأنفس مما حل بالشرع مما لا تبعة على أربابها مما لم يعص فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ أي: فما اختلفوا في الدين إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه حق.

وقيل: فما اختلفوا في محمد في أنه رسول الله إلا من بعد ما جاءهم العلم [أنه رسول الله وقيل: فما اختلفوا في القرآن والأديان التي أنزلها على رسوله إلا من بعد ما جاءهم العلم] أنه منزل من عند الله.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ ﴾ في موسى أنه رسول الله إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه رسول الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ..

﴾ الآية: ظاهرة من الوجوه التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: الجزاء والثواب، والثاني: في تبيين المحق من المبطل.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاليوم نخرجك -يا فرعون- من البحر، ونجعلك على مرتفع من الأرض؛ ليعتبر بك من يأتي بعدك، وإن كثيرًا من الناس عن حُججنا ودلائل قدرتنا لغافلون، لا يتفكرون فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.Q6V05"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر