الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الرعد
تفسيرُ سورةِ الرعد كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 113 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةَ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ ﴾ ، وقَوْلَهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ المَدَنِيَّ فِيها كَثِيرٌ، وكُلُّ ما نَزَلَ في شَأْنِ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، وذَكَرَهُ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في فَواتِحِ السُوَرِ وذِكْرِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَخُصُّ هَذا المَوْضِعَ مِن ذَلِكَ هو ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هي مِن قَوْلِهِ: أنا اللهُ أعْلَمُ وأرى"، ومَن قالَ: "إنَّ حُرُوفَ أوائِلَ السُوَرِ هي مِثالٌ لِحُرُوفِ المُعْجَمِ" قالَ: الإشارَةُ هُنا بِـ "تِلْكَ" هي إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "الكِتابِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ.
و"المر"-عَلى هَذا- ابْتِداءٌ، وَ"تِلْكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"آياتُ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ.
وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في "المر" تَكُونُ "تِلْكَ" ابْتِداءً، و"آياتُ" بَدَلٌ مِنهُ، ويَصِحُّ في "الكِتابِ" التَأْوِيلانِ اللَذانِ تَقَدَّما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ .
"الَّذِي" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"الحَقُّ" خَبَرُهُ، وعَلى هَذا تَأْوِيلُ مَن يَرى ﴿ المر تِلْكَ ﴾ حُرُوفَ المُعْجَمِ، و"تِلْكَ" و"آياتُ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ يَكُونُ "الَّذِي" عَطْفًا عَلى "تِلْكَ"، و"الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ"، وإذا أُرِيدَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ فالمُرادُ بِـ " الَّذِي أُنْزِلَ " جَمِيعُ الشَرِيعَةِ، ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنها وما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ.
ويَصِحُّ في "الَّذِي" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الكِتابِ"، فَإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" القُرْآنَ كانَتِ الواوُ عَطْفَ صِفَةٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الظَرِيفُ والعاقِلُ وأنْتَ تُرِيدُ شَخْصًا واحِدًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" التَوْراةَ والإنْجِيلَ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ، فَإنْ تَأوَّلْتَ -مَعَ ذَلِكَ- "المر" حُرُوفَ المُعْجَمِ رَفَعْتَ قَوْلَهُ: "الحَقُّ" عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: هو الحَقُّ، وإنْ تَأوَّلْتَها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَـ "الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ".
ومَن رَفَعَ "الحَقُّ" بِإضْمارِ ابْتِداءٍ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ إنْ شاءَ اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ ﴾ الآيَةَ.
لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ تَوْبِيخَ الكَفَرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِهِ، وبِذِكْرِ الأدِلَّةِ الداعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "تَرَوْنَها" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "السَماواتِ" فَـ "تَرَوْنَها" -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لا عَمَدَ لِلسَّماواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "العَمَدِ"، فَـ "تَرَوْنَها" عَلى هَذا- صِفَةٌ لِلْعَمَدِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: لِلسَّماواتِ عَمَدَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما يُدْرِيكَ أنَّها بِعَمَدٍ لا تُرى، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ جَبَلُ قافٍ المُحِيطُ بِالأرْضِ، والسَماءُ عَلَيْهِ كالقُبَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والحَقُّ أنْ لا عَمَدَ جُمْلَةً، إذِ العَمَدُ يَحْتاجُ إلى عَمَدٍ، ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ فَلا بُدَّ مِن وُقُوفِهِ عَلى القُدْرَةِ، وهَذا هو الظاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُمْسِكُ السَماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ ﴾ ، ونَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ.
وقالَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ: السَماءُ مُقَبَّبَةٌ عَلى الأرْضِ مِثْلَ القُبَّةِ.
وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "تَرَوْنَهُ" بِتَذْكِيرِ الضَمِيرِ.
و"العَمَدُ" اسْمُ جَمْعِ عَمُودٍ، والبابُ في جَمْعِهِ "عُمُدٌ" بِضَمِّ الحُرُوفِ الثَلاثَةِ، كَرَسُولِ ورُسُلٍ وشِهابِ وشُهُبٍ، وغَيْرِهِ.
ومِن هَذِهِ الكَلِمَةِ قَوْلُ النابِغَةِ: وخَبَّرَ الجِنِّ أنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُفّاحِ والعُمُدِ وقالَ الطَبَرِيُّ: "العَمَدُ (بِفَتْحِ العَيْنِ) جَمْعُ عَمُودٍ، كَما جُمِعَ الأدِيمُ أدَمًا"، ولَيْسَ كَما قالَ.
وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأدَمَ اسْمُ جَمْعٍ، وكَذَلِكَ نَصَّ اللُغَوِيُّونَ عَلى العَمَدِ، ولَكِنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَكَرَ الأمْرَ غَيْرَ مُتَيَقِّنٍ فاتَّبَعَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "بِغَيْرِ عُمُدٍ" بِضَمِّ العَيْنِ.
وقَوْلُهُ: "ثُمَّ" هي هُنا لِعَطْفِ الجُمَلِ لا لِلتَّرْتِيبِ، لِأنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ قَبْلَ رَفْعِ السَماواتِ، فَفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "كانَ اللهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ".» وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في كَلامِ الناسِ في الِاسْتِواءِ، واخْتِصارُهُ أنَّ أبا المَعالِي رَجَّحَ أنَّهُ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ، وقالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ وغَيْرُهُ: "اسْتَوى" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: اسْتَوْلى، والِاسْتِيلاءُ قَدْ يَكُونُ دُونَ قَهْرٍ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وقالَ سُفْيانُ: فَعَلَ فِعْلًا سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الفَرّاءُ: رَسُولُ اللهِ "اسْتَوى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فَعَلَ زَيْدٌ كَذا ثُمَّ اسْتَوى إلَيَّ يُكَلِّمُنِي"، بِمَعْنى أقْبَلَ وقَصَدَ، وحُكِيَ لِي عن أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: "العَرْشِ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- مَصْدَرُ "عَرَشَ"، فَكَأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ عَنِ الخَلِيلِ: أنَّ العَرْشَ: المُلْكُ، وهَذا يُؤَيِّدُ مَنزَعَ أبِي الفَضْلِ بْنِ النَحْوِيِّ إذْ قالَ: "العَرْشُ مَصْدَرٌ"، وهَذا خِلافَ ما مَشى عَلَيْهِ الناسُ مِن أنَّ "العَرْشَ" هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وهو الشَخْصُ الَّذِي كانَ عَلى الماءِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ الكُرْسِيُّ، وأيْضًا فَيَنْبَغِي النَظَرُ عَلى أبِي الفَضْلِ في مَعْنى الِاسْتِواءِ قَرِيبًا مِمّا هو عَلى قَوْلِ الجَمِيعِ.
وفي البُخارِيِّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "المَعْنى: عَلا عَلى العَرْشِ"، وكَذَلِكَ هي عِبارَةُ الطَبَرِيِّ، والنَظَرُ الصَحِيحُ يَدْفَعُ هَذِهِ العِبارَةَ.
وقَوْلُهُ: "وَسَخَّرَ" تَنْبِيهٌ عَلى القُدْرَةِ، و ﴿ الشَمْسَ والقَمَرَ ﴾ في ضِمْنِ ذِكْرِهِما ذِكْرُ الكَواكِبِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ كُلٌّ يَجْرِي ﴾ ، أيْ كُلُّ ما هو في مَعْنى الشَمْسِ والقَمَرِ مِنَ التَسْخِيرِ، و"كُلٌّ" لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ ظاهِرَةً أو مُقَدَّرَةً.
والأجَلُ المُسَمّى هو انْقِضاءُ الدُنْيا وفَسادُ هَذِهِ البِنْيَةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: " لِأجَلٍ مُسَمى" الحُدُودَ الَّتِي لا تَتَعَدّاها هَذِهِ المَخْلُوقاتُ، أيْ: تَجْرِي عَلى رُسُومٍ مَعْلُومَةٍ.
وَقَوْلُهُ: " يُدَبِّرُ" بِمَعْنى: يُبْرِمُ ويُنَفِّذُ، وعَبَّرَ بِالتَدْبِيرِ تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، إذِ التَدْبِيرُ إنَّما هو النَظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، وذَلِكَ مِن صِفَةِ البَشَرِ، و"الأمْرَ" عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ وما يَنْقَضِي في كُلِّ أوانٍ في السَماواتِ والأرْضِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: " يُدَبِّرُ الأمْرَ " مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُفَصِّلُ" وقَرَأ الحَسَنُ بِنُونِ العَظَمَةِ، ورَواها الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عن أبِي عَمْرٍو، وهُبَيْرَةَ عن حَفْصٍ، قالَ المَهْدَوِيُّ: ولَمْ يَخْتَلِفا في "يُدَبِّرُ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: إنَّ الحَسَنَ قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما، والنَظَرُ يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: " يُفَصِّلُ الآيّات " لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: "يُدَبِّرُ" مِن تَعْدِيدِ الآياتِ، بَلْ لَمّا تَعَدَّدَتِ الآياتُ وفي جُمْلَتِها يُدَبِّرُ الأمْرَ أخْبَرَ أنَّهُ يُفَصِّلُها لَعَلَّ الكَفَرَةَ يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، و"الآياتِ" هُنا إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ في الآيَةِ وبَعْدَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ لَمّا فَرَغَتْ آياتُ السَماءِ ذَكَرَ آياتِ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مَدَّ الأرْضَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها بَسِيطَةٌ لا كُرَوِيَّةٌ، وهَذا هو ظاهِرُ الشَرِيعَةِ.
والرَواسِي: الجِبالُ الثابِتَةُ، يُقالُ: "رَسا يَرْسُو" إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِهِ خالِداتٌ ما يُرَمْنَ وهامِدٌ ∗∗∗ وأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدَةُ بِالفِهْرِ والزَوْجُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الصِنْفُ والنَوْعُ، ولَيْسَ بِالزَوْجِ المَعْرُوفِ بِالمُتَلازِمِينَ الفَرْدَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها ﴾ الآيَةَ، وَمِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ: " والأرْضَ مَدَدْناها " الآيَةَ في (ق)، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ فَمَوْجُودٌ مِنها نَوْعانِ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يُوجَدَ في ثَمَرَةٍ أكْثَرُ مِن نَوْعَيْنِ فَغَيْرُ ضارٍّ في مَعْنى الآيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يُغْشِي" بِسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِينِ، وكَفى ذِكْرُ الواحِدِ ذِكْرَ الآخَرِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
ويُشْبِهُ أنَّ الأزْواجَ الَّتِي يُرادُ بِها الأنْواعُ والأصْنافُ والأجْناسُ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ هي اثْنانِ اثْنانِ في كُلِّ ثَمَرَةٍ ذَكَرٌ أو أُنْثى، وأشارَ إلى ذَلِكَ الفَرّاءُ عِنْدَ المَهْدَوِيِّ، وحَكى عنهُ غَيْرُهُ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: "الثَمَراتِ"، ثُمَّ ابْتَدَأ أنَّهُ جَعَلَ في الأرْضِ مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى زَوْجَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ ﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ، وهي الأجْزاءُ، وقَيَّدَ مِنها في هَذا المِثالِ ما تَجاوَرَ وقَرُبَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ لِأنَّ اخْتِلافَ ذَلِكَ في القُرْبِ أغْرَبُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجَنّاتٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَنّاتٍ" بِالنَصْبِ بِإضْمارٍ فِعْلٍ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "رَواسِيَ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ" بِالرَفْعِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الباقُونَ بِالخَفْضِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "أعْنابٍ"، وجَعَلَ الجَنَّةَ مِنَ الأعْنابِ، ومَن رَفَعَ "الزَرْعَ" فالجَنَّةُ حَقِيقَةً هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ النَواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا أيْ نَخِيلَ جَنَّةٍ، إذْ لا يُوصَفُ بِالسَحَقِ إلّا النَخْلُ.
ومَن خَفَضَ الزَرْعَ فالجَنّاتُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ لا مِنَ الزَرْعِ وحْدَهُ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ جَنَّةً إلّا إذا خالَطَتْها شَجَراتٌ.
و"صِنْوانٌ" جَمْعُ صِنْوٍ وهو الفَرْعُ يَكُونُ مَعَ الآخَرِ في أصْلٍ واحِدٍ، ورُبَّما كانَ أكْثَرَ مِن فَرْعَيْنِ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: الصِنْوانُ: المُجْتَمِعُ، وغَيْرُ الصِنْوانِ: المُتَفَرِّقُ فَرْدًا فَرْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أسْرَعَ إلَيْهِ العَبّاسُ في مُلاحاةٍ، فَجاءَ إلى النَبِيِّ فَقالَ: أرَدْتُ يا رَسُولَ اللهِ أنْ أقُولَ لِلْعَبّاسِ فَذَكَرْتُ مَكانَكَ مِنهُ فَسَكَتُّ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "يَرْحَمُكَ اللهُ يا عُمَرُ، العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» وجَمْعُ الصِنْوِ صِنْوانٌ، وهو جَمْعٌ مُكَسَّرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَسْرَةُ الصادِ في الواحِدِ لَيْسَتِ الَّتِي في الجَمْعِ، وهو جارٍ مَجْرى فُلْكٍ، وتَقُولُ: صِنْوٌ وصِنْوانٌ في الجَمْعِ بِتَنْوِينِ النُونِ وإعْرابِهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ القَوّاسِ -عن حَفْصٍ: "صُنْوانٌ" بِضَمِّ الصادِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِثْلُ ذِئْبٍ وذُؤْبانٌ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَسْرُ الصادِ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "صَنْوانٌ" بِفَتْحِ الصادِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَبْوُ وقَبْوانٌ، وإنَّما نُصَّ عَلى "الصِنْوانِ" في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها بِمَثابَةِ التَجاوُرِ في القِطَعِ تَظْهَرُ فِيهِ غَرابَةُ اخْتِلافِ الأكْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "تُسْقى" بِالتاءِ، وأمالَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ القافَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُسْقى" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يُسْقى ما ذُكِرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَضِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُفَضِّلُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُسْقى" و"يُفَضِّلُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَيُفَضَّلُ" بِالياءِ وفَتْحِ الضادِ "بَعْضُها" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وجَدْتُهُ كَذَلِكَ في لَفْظِ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ في مُصْحَفِهِ، وهو أوَّلُ مَن نَقَطَ المَصاحِفَ.
و"الأُكُلُ" اسْمُ ما يُؤْكَلُ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأكْلُ المَصْدَرُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فِي الأُكُلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن غَيْرِ واحِدٍ - ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ-: ﴿ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ أيْ: واحِدَةٌ سَبْخَةٌ والأُخْرى عَذْبَةٌ ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: قُرًى مُتَجاوِراتٌ.
وهَذا وجْهٌ مِنَ العِبْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُخْتَلِفاتٌ بِتَخْصِيصِ اللهِ لَها بِمَعانٍ، فَهي تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ولَكِنْ تَخْتَلِفُ فِيما تُخْرِجُهُ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن وصْفِهِ لَها بِالتَجاوُرِ إنَّما هو مِن تُرْبَةٍ واحِدَةٍ ونَوْعٍ واحِدٍ، والعِبْرَةُ في هَذا أُبْيَنُ، لِأنَّها مَعَ اتِّفاقِها في التُرْبَةِ والماءِ تُفَضِّلُ القُدْرَةُ والإرادَةُ بَعْضَ أُكُلِها عَلى بَعْضٍ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: « (الدَقَلُ والفارِسِيُّ والحُلْوُ والحامِضُ)،» وعَلى المَعْنى الأوَّلِ قالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، كانَتِ الأرْضُ في يَدِ الرَحْمَنِ طِينَةً واحِدَةً، فَسَطَّحَها فَصارَتْ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً فَيَنْزِلُ عَلَيْها ماءٌ واحِدٌ مِنَ السَماءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَةً وثَمَرَةً، وتُخْرِجُ هَذِهِ سَبْخَةً ومِلْحًا وخَبَثًا، فَكَذَلِكَ الناسُ خُلِقُوا مِن آدَمَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ تَذْكِرَةٌ فَرَقَّتْ قُلُوبٌ وخَشَعَتْ، وقَسَتْ قُلُوبٌ، ولَهَتْ قُلُوبٌ، ووَجَفَتْ قُلُوبٌ، قالَ الحَسَنُ: فَوَ اللهِ ما جالَسَ أحَدٌ القُرْآنَ إلّا قامَ عنهُ بِزِيادَةٍ أو نُقْصانٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ ، والتَفْضِيلُ في الأُكُلِ [يَشْمَلُ] الأذْواقَ والألْوانَ والمَلْمَسَ وغَيْرَ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ آيَةُ تَوْبِيخٍ لِلْكَفَرَةِ، أيْ: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ فَهم أهْلٌ لِذَلِكَ، وعَجَبٌ وغَرِيبٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْلُهُمْ: "أنَعُودُ بَعْدَ كَوْنِنا تُرابًا خَلْقًا جَدِيدًا"؟
ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَنزَعًا آخَرَ، أيْ: وإنْ كُنْتَ تَزِيدُ عَجَبًا فَهَلُمَّ فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ قَوْلُهم.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ -فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو مَدَّ الهَمْزَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ.
وقَرَأ نافِعٌ: "أيْذا كُنّا تُرابًا" مِثْلَ أبِي عَمْرٍو واخْتَلَفَ عنهُ في المَدِّ، وقَرَأ: "إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في اكْتِفائِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ عَنِ الثانِي، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ هَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا" بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إذا كُنّا تُرابًا" مَكْسُورَةَ الألْفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ "آئِنًا" بِهَمْزٍ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ.
فَمَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامَيْنِ فَذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ والتَحَفِّي والِاهْتِبالِ بِهَذا التَقْدِيرِ، ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الأوَّلِ فَقَطْ فَإنَّما القَصْدُ بِالِاسْتِفْهامِ المَوْضِعُ الثانِي، و"إذا" ظَرْفٌ لَهُ، و"إذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ إذا؟
ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الثانِي فَقَطْ فَهو بَيِّنٌ، والإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ" إلى القَوْمِ القائِلِينَ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ ، وتِلْكَ المَقالَةُ إنَّما هي تَقْرِيرُ مُصَمِّمٍ عَلى الجَحْدِ والإنْكارِ لِلْبَعْثِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الحَقِيقَةُ وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ في الآخِرَةِ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ ﴾ ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِهِمْ مُغَلَّلِينَ عَنِ الإيمانِ، فَهي إذًا تَجْرِي مَجْرى الطَبْعِ والخَتْمِ عَلى القُلُوبِ، وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ، فَهم مُقْمَحُونَ ﴾ ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: الأغْلالُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الأعْمالِ، أيْ: أعْمالُهُمُ الفاسِدَةُ في أعْناقِهِمْ كالأغْلالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْرِيرُ هَذا هو في التَأْوِيلِ الثانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ الآيَةَ، هَذِهِ آيَةُ تَبْيِّينٍ لِخَطَئِهِمْ في أنْ يَتَمَنَّوُا المَصائِبَ ويَطْلُبُوا سُقُوطَ كِسَفٍ مِنَ السَماءِ أو حِجارَةٍ تُمْطَرُ عَلَيْهِمْ ونَحْوَ هَذا مَعَ خُلُوِّ ذَلِكَ في الأُمَمِ ونُزُولِهِ بِأُناسٍ كَثِيرٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ لَكانَ لَهُمُ العُذْرُ.
و"المَثُلاتُ" جَمْعُ مَثُلَةٍ كَسَمُرَةٍ وسَمُراتٍ وصَدَقَةٍ وصَدَقاتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَثُلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الثاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ، وذَلِكَ جَمْعُ مَثَلَةٍ فِي الآخِرَةِ بِمَعْنى العِدَةِ بِالعُقُوبَةِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "المُثُلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ والثاءِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابَ: "المُثْلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ، وهاتانِ جَمْعُ مُثْلَةٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "المَثْلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ.
ثُمَّ رَجّى تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ .
قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: إذا تابُوا، و"شَدِيدُ العِقابِ" إذا كَفَرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن مَعْنى المَغْفِرَةِ هُنا إنَّما هُوَ: سِتْرُهُ في الدُنْيا وإمْهالُهُ لِلْكَفَرَةِ، ألا تَرى التَيْسِيرَ في لَفْظِ "مَغْفِرَةٍ"، وأنَّها مُنَكَرَّةٌ مُقَلَّلَةٌ، ولَيْسَ فِيها مُبالَغَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ ﴾ ، ونَمَطُ الآيَةِ يُعْطِي هَذا، ألا تَرى حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ بِالنارِ؟
ثُمَّ قالَ: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ"، فَلَمّا ظَهَرَ سُوءُ فِعْلِهِمْ وجَبَ في نَفْسِ السامِعِ تَعْذِيبُهم فَأخْبَرَ بِسِيرَتِهِ في الأُمَمِ وأنَّهُ يُمْهِلُ مَعَ ظُلْمِ الكُفْرِ؟
ولَمْ يَرِدْ في الشَرْعِ أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ ظُلْمَ العِبادِ.
ثُمَّ خَوَّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "لَوْلا عَفْوُ اللهِ ومَغْفِرَتُهُ لَما تَمَنّى أحَدٌ عَيْشًا، ولَوْلا عِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لَيْسَ في القُرْآنِ أرْجى مِن هَذِهِ الآيَةِ"، و"المَثُلاتُ" هي العُقُوباتُ المُنَكِّلاتُ الَّتِي تَجْعَلُ الإنْسانَ مَثَلًا يُتَمَثَّلُ بِهِ، ومِنهُ التَمْثِيلُ بِالقَتْلى، ومِنهُ المُثْلَةُ بِالعَبِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ آيَةُ غَضٍّ مِنِ اقْتِراحاتِهِمُ المُتَشَطِّطَةِ الَّتِي لَمْ يُجْرِ اللهُ بِهِ عادَةً إلّا لِلْأُمَّةِ الَّتِي حَتَّمَ بِعَذابِها واسْتِئْصالِها، والآيَةُ هُنا- يُرادُ بِها الأشْياءُ الَّتِي سَمَّتْها قُرَيْشٌ كالمَلَكِ والكَنْزِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنْذِرٌ، وهَذا الخَبَرُ قُصِدَ هو بِلَفْظِهِ والناسُ أجْمَعُونَ بِمَعْناهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُحى: المُرادُ بِالهادِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
و"هادٍ" عَطْفٌ عَلى "مُنْذِرٌ" كَأنَّهُ قالَ: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ"، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ"،» "وَهادٍ" -عَلى هَذا في هَذِهِ الآيَةِ- داعٍ إلى طَرِيقِ الهُدى.
وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ هادٍ، أيْ نَبِيٌّ يَدْعُوهُمْ، والمَقْصِدُ: فَلَيْسَ أمْرُكَ يا مُحَمَّدُ بِبِدْعٍ ولا مُنْكَرٍ"، وهَذا يُشْبِهُ غَرَضَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي -فِي هَذِهِ الآيَةِ- اللهُ عَزَّ وجَلَّ"، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.
و"هادٍ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: مُخْتَرِعٌ لِلرَّشادِ، تُطْلَقُ بِهَذا المَعْنى، ويُعْرَفُ أنَّ اللهَ تَعالى هو الهادِي مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "، ورَدَتْ «عَنِ النَبِيِّ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَأومَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ وقالَ: ("أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُشْبِهُهُ -إنَّ صَحَّ هَذا- أنَّ النَبِيَّ إنَّما جَعَلَ عَلِيًّا مِثالًا مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ وَهُداتِها إلى الدِينِ، كَأنَّهُ قالَ: يا عَلِيُّ أنْتَ وصِنْفُكَ، فَيَدْخُلُ في هَذا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وسائِرُ عُلَماءِ الصَحابَةِ عَلَيْهِمْ رِضْوانُ اللهِ أجْمَعِينَ -ثُمَّ كَذَلِكَ مِن كُلِّ عَصْرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى -عَلى هَذا-: إنَّما أنْتَ يا مُحَمَّدُ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ رُعاةٌ وهُداةٌ إلى الخَيْرِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ ما تُؤُوِّلُ في الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ وسارِبٌ بِالنَهارِ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ تَعَجُّبُ الكُفّارِ واسْتِبْعادُهُمُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ نَصَّ اللهُ في هَذِهِ الآياتِ الأمْثالَ المُنَبِّهَةَ عَلى قَدْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ هَذِهِ الواحِدَةُ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ ما تَحْمِلُ كُلُّ الإناثِ مِنَ الأجِنَّةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، وهَذِهِ البَدْأةُ تُبَيِّنُ أنَّهُ لا تَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ.
و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَحْمِلُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولَةً بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، مَفْعُولَةً أيْضًا بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "تَحْمِلُ"، وفي هَذا الوَجْهِ ضَعْفٌ.
وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَعْناهُ: ما تَنْقُصُ، وذَلِكَ مِن مَعْنى ﴿ وَغِيضَ الماءُ ﴾ وهو مِن مَعْنى النُضُوبِ، فَهي هاهُنا بِمَعْنى زَوالِ شَيْءٍ عَنِ الرَحِمِ وذَهابِهِ، فَلَمّا قابَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ فُسِّرَ بِمَعْنى النُقْصانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صُورَةِ الزِيادَةِ والنُقْصانِ -فَقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُهَرِيقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ ضَعُفَ الوَلَدُ في البَطْنِ وشَحُبَ، فَإذا أكْمَلَتِ الحامِلُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ لَمْ تَضَعْ، وبَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها زِيادَةً مِنَ الزَمَنِ يُكْمِلُ فِيها مِن جِسْمِهِ وصِحَّتِهِ ما نَقَصَ بِهِراقَةِ الدَمِ، فَهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ .
وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ غَيْضَ الرَحِمِ إرْسالُ الدَمِ عَلى الحَمْلِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ غَيْضَهُ هو نُضُوبُ الدَمِ فِيهِ وإمْساكُهُ بَعْدَ عادَةِ إرْسالِهِ بِالحَيْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى "تَغِيضُ" عَلى غَيْرِ مُقابَلَةٍ، بَلْ غَيْضُ الرَحِمِ هو بِمَعْنى الزِيادَةِ فِيهِ.
وقالَ الضَحّاكُ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُسْقِطَ المَرْأةُ الوَلَدَ، والزِيادَةُ أنْ تَضَعَهُ لِمُدَّةٍ كامِلَةٍ تامًّا في خَلْقِهِ.
وقالَ قَتادَةُ: الغَيْضُ: السِقْطُ، والزِيادَةُ البَقاءُ فَوْقَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَدْخُلُهُ التَقْدِيرُ.
و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الإدْراكاتِ، و"الشَهادَةِ": ما شُوهِدَ مِنَ الأُمُورِ، ووَضَعَ المَصادِرَ مَوْضِعَ الأشْياءِ الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها لا بُدَّ أنْ يَتَّصِفَ بِإحْدى الحالَتَيْنِ.
وقَوْلُهُ: "الكَبِيرُ" صِفَةُ تَعْظِيمٍ عَلى الإطْلاقِ، و"المُتَعالِ" مِنَ العُلُوِّ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الوَقْفِ عَلى "المُتَعالِ" -فَأثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ولَمْ يُثْبِتْها الباقُونَ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، وإثْباتُها هو الوَجْهُ والبابُ.
واسْتَسْهَلَ سِيبَوَيْهِ حَذْفَها في الفَواصِلِ كَهَذِهِ الآيَةِ قِياسًا عَلى القَوافِي في الشِعْرِ، ويَقْبُحُ حَذْفُها في غَيْرِ فاصِلَةٍ ولا شِعْرٍ، ولَكِنَّ وجْهَهُ أنَّهُ لَمّا كانَ التَنْوِينُ يُعاقِبُ الألِفَ واللامَ أبَدًا، وكانَتْ هَذِهِ الياءُ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ حَسُنَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ مُعاقِبِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ فِقْهٌ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ.
فَمِن ذَلِكَ اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في الدَمِ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ -فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ والشافِعِيُّ وأصْحابُهُ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ حَيْضٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: لَيْسَ بِحَيْضٍ، ولَوْ كانَ حَيْضًا لَما صَحَّ اسْتِبْراءُ الأمَةِ بِحَيْضٍ وهو إجْماعٌ.
ورُوِيَ عن مالِكٍ في كِتابِ مُحَمَّدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، ومِن ذَلِكَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهَرٍ، وذَلِكَ مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ﴾ وهَذِهِ السِتَّةُ أشْهُرٍ هي بِالأهِلَّةِ كَسائِرِ أشْهُرِ الشَرِيعَةِ، ولِذَلِكَ قَدْ رُوِيَ في المَذْهَبِ عن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ -وَأظُنُّهُ في كِتابِ ابْنِ حارِثٍ- أنَّهُ إنْ نَقَصَ مِنَ الأشْهُرِ السِتَّةِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، فَإنَّ الوَلَدَ يُلْحَقُ لِعِلَّةِ نَقْصِ الشُهُورِ وزِيادَتِها.
واخْتُلَفَ في أكْثَرِ الحَمْلِ فَقِيلَ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها- وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: أكْثَرُهُ حَوْلانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةُ أعْوامٍ، وفي المُدَوَّنَةِ: أرْبَعَةُ أعْوامٍ وخَمْسَةُ أعْوامٍ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ وغَيْرُهُ: سَبْعَةُ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَجْلانَ ولَدَتِ امْرَأتُهُ لِسَبْعَةِ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ الضِحّاكَ بْنَ مُزاحِمٍ بَقِيَ حَوْلَيْنِ، قالَ: فَوُلِدْتُ وقَدْ نَبَتَتْ ثَنايايَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ الآيَةَ.
سَواءٌ مَصْدَرٌ، وهو يَطْلُبُ بَعْدَهُ شَيْئَيْنِ يَتَماثَلانِ، ورَفْعُهُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو "مَن"، والمَصْدَرُ لا يَكُونُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ كَما قالَتِ الخَنْساءُ: .....................
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ: ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُنا المَعْنى: "ذُو سَواءٍ"، قالَ الزُجاجُ: كَثُرَ اسْتِعْمالُ (سَواءٍ) في كَلامِ العَرَبِ حَتّى جَرى مَجْرى اسْمِ الفاعِلِ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي كَعَدْلٍ وزُورٍ وضَيْفٍ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: "مُسْتَوٍ مِنكُمْ"، فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، وضَعَّفَ هَذا سِيبَوَيْهِ بِأنَّهُ ابْتِداءٌ بِنَكِرَةٍ.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: مُعْتَدِلٌ مِنكم في إحاطَةِ اللهِ تَعالى وعَلِمِهِ مَن أسَرَّ قَوْلَهُ فَهَمَسَ بِهِ في نَفْسِهِ ومَن جَهَرَ بِهِ فَأسْمَعَ، لا يَخْفى عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ مَعْناهُ: مَن هو بِاللَيْلِ في غايَةِ الِاخْتِفاءِ ومَن هو مُتَصَرِّفٌ بِالنَهارِ ذاهِبٌ لِوَجْهِهِ سَواءٌ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإحاطَتِهِ بِهِما.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ إلى مَعْنًى مُقْتَضاهُ: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَيْلِ والسارِبَ بِالنَهارِ هو رَجُلٌ واحِدٌ مُرِيبٌ بِاللَيْلِ ويُظْهِرُ بِالنَهارِ البَراءَةَ في التَصَرُّفِ مَعَ الناسِ، فَهَذا قِسْمٌ واحِدٌ جَعَلَ اللَيْلَ نَهارَ راحَةٍ، والمَعْنى: هَذا والَّذِي أمْرُهُ كُلُّهُ واحِدٌ بَرِيءٌ مِنَ الرَيْبِ سَواءٌ في اطِّلاعِ اللهِ تَعالى عَلى الكُلِّ.
ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ عَطْفُ السارِبِ دُونَ تَكْرارِ "مَن"، ولا يَأْتِي حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ.
والسارِبُ في اللُغَةِ المُتَصَرِّفُ كَيْفَ شاءَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: أرى كُلَّ قَوْمٍ كارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ ونَحْنُ حَلَلْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سارِبُ أيْ مُنْصَرِفٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عن جِهَةٍ، وهَذا رَجُلٌ يَفْخَرُ بِعِزَّةِ قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَتَضَمَّنَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، فالَّذِي يُسِرُّ طَرَفٌ، والَّذِي يَجْهَرُ طَرَفٌ مُضادٌّ لِلْأوَّلِ، والثالِثُ مُتَوَسِّطٌ مُتَلَوِّنٌ يَعْصِي بِاللَيْلِ مُسْتَخْفِيًا ويُظْهِرُ البَراءَةَ بِالنَهارِ، والقَوْلُ في الآيَةِ يَطَّرِدُ مَعْناهُ في الأعْمالِ، وقالَ قُطْرُبٌ - فِيما حَكى الزَجّاجُ -: "مُسْتَخْفٍ" مَعْناهُ: ظاهِرٌ، مِن قَوْلِهِمْ: "خَفَيْتُ الشَيْءَ" إذا أظْهَرْتُهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ خَفّاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلِّبِ قالَ: و"سارِبٌ" مَعْناهُ: مُتَوارٍ في سِرْبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِاللُغَةِ بَيِّنًا فَضَعِيفٌ، لِأنَّ اقْتِرانَ اللَيْلِ بِالمُسْتَخْفِي والنَهارِ بِالسارِبِ يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللهِ إنَّ اللهِ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللهِ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَحابَ الثِقالَ ﴾ ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مِن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "لَهُ" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، و"المُعَقِّباتُ" - عَلى هَذا- المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ عَلى العِبادِ أعْمالَهُمْ، والحَفَظَةُ لَهم أيْضًا، قالَهُ الحَسَنُ، ورَوى فِيهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ حَدِيثًا، وَهُوَ قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَخَعِيِّ، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- في قَوْلِهِ: "يَدَيْهِ" وما بَعْدَهُ مِنَ الضَمائِرِ عائِدٌ عَلى العَبْدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ ، و ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً للْمُعَقِّباتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَحْفَظُونَهُ مِن كُلِّ ما جَرى القَدَرُ بِانْدِفاعِهِ، فَإذا جاءَ المَقْدُورُ الواقِعُ أسْلَمَ المَرْءَ إلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن جَهَرَ بِهِ ومَن ﴾ وكَذا باقِي الضَمائِرِ الَّتِي في الآيَةِ، قالُوا: و"المُعَقِّباتُ" -عَلى هَذا- حَرَسُ الرَجُلِ وجَلاوِزَتُهُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ، قالُوا: والآيَةُ -عَلى هَذا- في الرُؤَساءِ الكافِرِينَ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وجَماعَةٍ، قالَ عِكْرِمَةُ، هي المَواكِبُ خَلْفَهُ وأمامَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي قَبْلَ هَذا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلْعَبْدِ المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى: جَعَلَ اللهُ لَهُ، وهَذا التَأْوِيلُ عِنْدِي أقْوى، لِأنَّ غَرَضَ الآيَةِ إنَّما هو التَنْبِيهُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ، فَذَكَرَ اسْتِواءَ مَن هو مُسْتَخْفٍ ومَن هو سارِبٌ وأنَّ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنَ اللهِ تَحَفَظُهُ في كُلِّ حالٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ هَذِهِ الحالَةَ مِنَ الحِفْظِ لِلْعَبْدِ حَتّى يُغَيِّرَ ما بِنَفْسِهِ، وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ لَيْسَتِ الضَمائِرُ لِمُعَيَّنٍ مِنَ البَشَرِ.
وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ في النَبِيِّ ، ونَزَلَتْ في حِفْظِ اللهِ لَهُ مِن أرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، وعامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ في القِصَّةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذا في ذِكْرِ الصَواعِقِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ ألْفاظُها تَنْطَبِقُ عَلى مَعْنى القِصَّةِ فَيُضَعِّفُ القَوْلَ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فَيَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُ" عَلَيْهِ.
و"المُعَقِّباتُ": الجَماعاتُ الَّتِي يُعْقُبُ بَعْضُها بَعْضًا، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ هي المَلائِكَةُ، ويَنْظُرُ هَذا إلى قَوْلِ النَبِيِّ : « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ المَغْرِبِ والصُبْحِ"،» وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي هي الحَرَسُ والوَزَعَةُ الَّذِينَ لِلْمُلُوكِ.
والمُعَقِّباتُ جَمْعُ مُعَقِّبَةٍ، وهي الجَماعَةُ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ الأُخْرى، والتَعْقِيبُ بِالجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ حالٌ تَعْقُبُها حالٌ أُخْرى مِن نَوْعِها، وقَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ النَوْعِ، ومِنهُ مُعاقَبَةُ الرُكُوبِ، ومُعْقِبُ عُقْبَةِ القِدْرِ، والمُعاقَبَةُ في الأزْواجِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: وكَرُّنا الخَيْلَ في آثارِهِمْ رُجُعًا ∗∗∗ كُسَّ السَنابِكِ مِن بِدْءٍ وتَعْقِيبٍ وقَرَأ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ عَلى المِنبَرِ: "لَهُ المَعاقِيبُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرُ مُعْقِبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ القافِ كَمُطْعِمٍ ومَطاعِيمُ ومُقْدِمٍ ومَقادِيمُ، وهي قِراءَةُ أبِي البَرَهْسَمِ، فَكَأنَّ مُعْقِبًا جُمِعَ عَلى مَعاقِبَةٍ ثُمَّ جُعِلَتِ الياءُ في مَعاقِيبَ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ في مَعاقِبَةٍ.
والمُعَقِّبَةُ لَيْسَتْ جَمْعَ مُعَقِّبٍ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وشَبَّهَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ ورِجالٍ ورِجالاتٍ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ لِأنَّ تِلْكَ كَجَمَلٍ وجِمالٍ وجِمالاتٍ، ومُعَقِّبَةٌ ومُعَقِّباتٌ إنَّما هي كَضارِبَةٌ وضارِباتٌ.
وَفِي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ورَقِيبٌ مِن خَلْفِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَرَقِيبًا مِن خَلْفِهِ"، وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "مُعَقِّباتٌ مِن خَلْفِهِ ورَقِيبٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: "يَحْفَظُونَهُ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَحْرُسُونَهُ ويَذُبُّونَ عنهُ: فالضَمِيرُ مَعْمُولُ الحِفْظِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَعْنى حِفْظِ الأقْوالِ وتَحْصِيلِها، فَفي اللَفْظَةِ حِينَئِذٍ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْفَظُونَ أعْمالَهُمْ، ويَكُونُ هَذا حِينَئِذٍ مِن بابِ ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جَرِيجٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ -مَن جَعَلَ "يَحْفَظُونَهُ" بِمَعْنى يَحْرُسُونَهُ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ يُرادُ بِهِ المُعَقِّباتُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَـ "مِن أمْرِ اللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَرْفُوعٍ وهي "المُعَقِّباتُ"، ويُحْتَمَلُ هَذا التَأْوِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ مَعَ التَأْوِيلِ الأوَّلِ في "يَحْفَظُونَهُ"، ومَن تَأوَّلَ الضَمِيرَ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى العَبْدِ وجَعَلَ "المُعَقِّباتِ" الحَرَسَ وجَعَلَ الآيَةَ في رُؤَساءِ الكافِرِينَ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ بِمَعْنى: يَحْفَظُونَهُ بِزَعْمِهِ مِن قَدَرِ اللهِ ويَدْفَعُونَهُ في ظَنِّهِ عنهُ، وذَلِكَ لِجَهالَتِهِ بِاللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا التَأْوِيلِ جَعَلَها المُتَأوِّلُ في الكافِرِينَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَـ ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِكَ: "حَفِظْتُ زَيْدًا مِنَ الأسَدِ"، فَـ "مِنَ الأسَدِ" مَعْمُولٌ لِـ "حَفِظْتُ".
وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى بِـ ﴿ أمْرِ اللهِ ﴾ أيْ يَحْفَظُونَهُ مِمّا أمَرَ اللهُ، وهَذا تَحَكُّمٌ في التَأْوِيلِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: الحِفْظُ مِن أمْرِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذا.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ-: "يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللهِ".
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ بِأنْ يُعَذِّبَهم ويَمْتَحِنَهم مُعاقِبًا حَتّى يَقَعَ مِنهم تَكَسُّبٌ لِلْمَعاصِي وتَغْيِيرُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن طاعَةِ اللهِ، وهَذا مَوْضِعُ تَأمُّلٍ، لِأنَّهُ يُداخِلُ هَذا الخَبَرَ ما قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ مِن أخْذِ العامَّةِ بِذُنُوبِ الخاصَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -وَقَدْ قِيلَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصالِحُونَ؟
- قالَ: (نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ).» إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ﴾ مَعْناهُ: حَتّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ إمّا مِنهم وإمّا مِنَ الناظِرِ لَهم أو مِمَّنْ هو مِنهم بِسَبَبٍ، كَما غَيَّرَ اللهُ تَعالى بِالمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الرُماةِ ما بِأنْفُسِهِمْ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أمْثالِ الشَرِيعَةِ، فَلَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ يَنْزِلُ بِأحَدٍ عُقُوبَةٌ إلّا بِأنْ يَتَقَدَّمَ مِنهُ ذَنْبٌ، بَلْ قَدْ تَنْزِلُ المَصائِبُ بِذُنُوبِ الغَيْرِ، وثَمَّ أيْضًا مَصائِبُ يُرِيدُ اللهُ بِها أجْرَ المُصابِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ تَغْيِيرًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهُ إذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ، ولا حِفْظَ مِنهُ، وهَذا أُجْرِيَ في مَقامِ التَنْبِيهِ عَلى عادَةِ اللهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، والشَرُّ والخَيْرُ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ إذا أرادَهُما اللهُ بِعَبْدٍ لَمْ يُرَدَّ، لَكِنَّهُ خَصَّ السُوءَ بِالذِكْرِ لِيَكُونَ في الآيَةِ تَخْوِيفٌ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "والٍ" - فَأمالَهُ بَعْضُهم ولَمْ يُمِلْهُ بَعْضُهُمْ، والوالِي: الَّذِي يَلِي أمْرَ الإنْسانِ كالوَلِيِّ، وهُما مِنَ الوِلايَةِ كَعَلِيمٍ وعالِمٍ مِنَ العِلْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى القُدْرَةِ، "والبَرْقَ" رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ مِخْراقٌ بِيَدِ مَلَكٍ يَزْجُرُ بِهِ السَحابَ، وهَذا أصَحُّ ما رُوِيَ فِيهِ، وَرُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: البَرْقُ: اصْطِكاكُ الأجْرامِ، وهَذا عِنْدِي مَرْدُودٌ، وقالَ أبُو الجَلْدِ في هَذِهِ الآيَةِ: البَرْقُ الماءُ، وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ لَمّا كانَ داعِيَةَ الماءِ، وكانَ خَوْفُ المُسافِرِينَ مِنَ الماءِ وطَمَعُ المُقِيمِ فِيهِ عَبَّرَ في هَذا القَوْلِ عنهُ بِالماءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ، مَن قالَ ذَلِكَ في الماءِ فَهو عَلى ما تَقَدَّمَ، والظاهِرُ أنَّ الخَوْفَ إنَّما هو مِن صَواعِقِ البَرْقِ، والطَمَعَ في المَطَرِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
و"السَحابُ" جَمْعُ سَحابَةٍ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الصِفَةِ.
و"الثِقالَ" مَعْناهُ: يَحْمِلُ الماءَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والعَرَبُ تَصِفُها بِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: فَما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ القَطا ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّ المَصابِيحَ حُورانُها بِأحْسَنَ مِنها ولا مُزْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفُ أدْجانُها والدَلُوحُ: المُثْقَلَةُ.
وَ"الرَعْدُ" مَلَكٌ يَزْجُرُ السَحابَ بِصَوْتِهِ، وصَوْتُهُ- هَذا المَسْمُوعَ تَسْبِيحٌ، والرَعْدُ اسْمُ المَلَكِ، وقِيلَ: (الرَعْدُ) اسْمُ صَوْتِ المَلَكِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ كانَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ قالَ: « "اللهُمَّ لا تُهْلِكْنا بِغَضَبِكَ، ولا تَقْتُلْنا بِعَذابِكَ، وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ".» ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ أنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا الرَعْدَ قالُوا: "سُبْحانَ مَن سَبَّحْتَ لَهُ"، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ قالَ: "سُبْحانَ مَن سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"،» وقالَ ابْنُ أبِي زَكَرِياءَ: « "مَن قالَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ لَمْ تُصِبْهُ صاعِقَةٌ"،» وقِيلَ في الرَعْدِ أيْضًا: إنَّهُ رِيحٌ يَخْتَنِقُ بَيْنَ السَحابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّها نَزَعاتُ الطَبِيعِيِّينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المَلاحِدَةِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَلَكَ إذا غَضِبَ وزَجَرَ السَحابَ اضْطَرَبَتْ مِن خَوْفِهِ فَيَكُونُ البَرْقُ، وتَحْتَكُّ فَتَكُونُ الصَواعِقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَواعِقَ ﴾ الآيَةَ.
قِيلَ: إنَّهُ أدْخَلَها في التَنْبِيهِ عَلى القُدْرَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ساقَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جَرِيجٍ: كانَ سَبَبُ نُزُولِها قِصَّةَ أرْبَدَ أخِي لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةٍ، لِأُمِّهِ وعامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وكانَ مِن أمْرِهِما فِيما رُوِيَ «أنَّهُما قَدِما عَلى رَسُولِ اللهِ فَدَعَواهُ أنْ يَجْعَلَ الأمْرَ بَعْدَهُ إلى عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ويَدْخُلا في دِينِهِ فَأبى، فَقالَ عامِرٌ: فَتَكُونُ أنْتَ عَلى أهْلِ المَدَرِ وأنا عَلى أهْلِ الوَبَرِ -فَأبى، فَقالَ لَهُ عامِرٌ: فَماذا تُعْطِينِي؟
فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "أُعْطِيكَ أعِنَّةَ الخَيْلِ فَإنَّكَ رَجُلٌ فارِسٌ، فَقالَ لَهُ عامِرٌ: واللهِ لَأمْلَأنَّها عَلَيْكَ خَيْلًا ورِجالًا حَتّى آخُذَكَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "يَأْبى اللهُ ذَلِكَ وأبْناءُ قَيْلَةَ، فَخَرَجا مِن عِنْدِهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لَوْ قَتَلْناهُ ما انْتَطَحَ فِيهِ عنزانِ، فَتَآمَرا في الرُجُوعِ لِذَلِكَ، فَقالَ عامِرٌ لِأرْبَدَ: أنا أشْغَلُهُ لَكَ بِالحَدِيثِ واضْرِبْهُ أنْتَ بِالسَيْفِ، فَجَعَلَ عامِرٌ يُحَدِّثُهُ وأرْبَدُ لا يَصْنَعُ شَيْئًا، فَلَمّا انْصَرَفا قالَ لَهُ عامِرٌ: واللهِ يا أرْبَدُ لا خِفْتُكَ أبَدًا، ولَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ أرْبَدُ: واللهِ لَقَدْ أرَدْتُ إخْراجَ السَيْفِ فَما قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ، ولَقَدْ كُنْتُ أراكَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أفَأضْرِبُكَ ؟
فَمَضَيا لِلْحَشْدِ عَلى النَبِيِّ ، فَأصابَتْ أرْبَدَ صاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ،» فَفي ذَلِكَ يَقُولُ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخُوهُ: أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أرْهَبُ نَوْءَ السِماكِ والأُسُدِ فَجَّعَنِي الرَعْدُ والصَواعِقُ بِالـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـفارِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَجُدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ صُحارٍ العَبْدِيِّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ جَبّارًا مِن جَبابِرَةِ العَرَبِ بَعَثَ إلَيْهِ النَبِيُّ لِيُسْلِمَ، فَقالَ: أخْبِرُونِي عن إلَهِ مُحَمَّدٍ، أمِن لُؤْلُؤٍ هو أو مِن ذَهَبٍ؟
فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ صاعِقَةٌ ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ جاءَ إلى النَبِيِّ يُناظِرُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ نَزَلَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْ قِحْفَ رَأْسِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ ﴾ ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى جِدالِ اليَهُودِيِّ المَذْكُورِ، وتَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، أو إلى جِدالِ الجَبّارِ المَذْكُورِ، ويَجُوزُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ عَلى غَيْرِ سَبَبٍ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ ﴾ إشارَةً إلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ جُلِبَتْ لَهم هَذِهِ التَنْبِيهاتُ.
و"المِحالِ": القُوَّةُ والإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ المَجْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـدِ عَظِيمُ النَدى شَدِيدُ المِحالِ ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ∗∗∗ ومِحالُهم عَدْوًا مِحالَكَ وقَرَأ الأعْرَجُ، والضَحّاكُ: "المَحالِ" بِفَتْحِ المِيمِ بِمَعْنى المَحالَةِ، وهي الحِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في "ذِكْرِ" المَثَلِ: "المَرْءُ يُعَزُّ لا مَحالَةَ"، وهَذا كالِاسْتِدْراجِ والمَكْرِ ونَحْوِهِ، وهَذِهِ اسْتِعاراتٌ في ذِكْرِ اللهِ تَعالى، والمِيمُ إذا كُسِرَتْ أصْلِيَّةٌ، وإذا فُتِحَتْ زائِدَةٌ، ويُقالُ: مَحَلَ الرَجُلُ بِالرَجُلِ: إذا مَكَرَ بِهِ وأخَذَهُ بِسِعايَةٍ شَدِيدَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مَن دُونِهِ أولِياءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُلُماتُ والنُورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ ﴾ الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " ﴿ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ لا إلَهَ إلّا اللهُ".
وما كانَ مِنَ الشَرِيعَةِ في مَعْناهُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هِيَ التَوْحِيدُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْناها: لَهُ دَعْوَةُ العِبادِ بِالحَقِّ ودُعاءُ غَيْرِهِ مِنَ الأوثانِ باطِلٌ.
وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" يُرادُ بِهِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، والضَمِيرُ في "يَدْعُونَ" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ونَحْوِهِمْ مِنَ العَرَبِ، ورَوى اليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ " تَدْعُونَ مِن دُونِهِ " بِالتاءِ مِن فَوْقُ، و"يَسْتَجِيبُونَ" بِمَعْنى يُجِيبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ ومَعْنى الكَلامِ: والَّذِينَ يَدْعُونَهُمُ الكَفّارُ في حَوائِجِهِمْ ومَنافِعِهِمْ لا يُجِيبُونَ بِشَيْءٍ.
ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى مِثالًا لِإجاباتِهِمْ بِالَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نَحْوَ الماءِ ويُشِيرُ إلَيْهِ بِالإقْبالِ إلى فِيهِ، فَهو لا يَبْلُغُ فَمَهُ أبَدًا، فَكَذَلِكَ إجابَةُ هَؤُلاءِ والِانْتِفاعُ بِهِمْ لا يَقَعُ.
وقَوْلُهُ: "هُوَ" يُرِيدُ بِهِ الماءَ وهو البالِغُ، والضَمِيرُ في "بالِغِهِ" لِلْفَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هُوَ" يُرِيدُ بِهِ الفَمَ وهو البالِغُ أيْضًا، والضَمِيرُ في "بالِغِهِ" لِلْماءِ، لِأنَّ الفَمَ لا يَبْلُغُ الماءَ أبَدًا عَلى تِلْكَ الحالِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن دُعاءِ الكافِرِينَ أنَّهُ في ضَلالٍ لا يُفِيدُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يُغْنِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ الآيَةَ.
يَحْتَمِلُ ظاهِرُ هَذِهِ الألْفاظِ أنَّهُ جَرى في طَرِيقِ التَنْبِيهِ عَلى قُدْرَةِ اللهِ، وتَسْخِيرِ الأشْياءِ لَهُ فَقَطْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ طَعْنٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ وحاضِرِي مُحَمَّدٍ ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ أنْتُمْ لا تُوقِنُونَ ولا تَسْجُدُونَ فَإنَّ جَمِيعَ مَن فِي السَمَواتِ والأرْضِ لَهم سُجُودٌ لِلَّهِ تَعالى، وإلى هَذا الِاحْتِمالِ نَحا الطَبَرِيُّ، و"مَن" تَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ عُمُومًا، وسُجُودُهم طَوْعٌ بِلا خِلافٍ، وأمّا أهْلُ الأرْضِ فالمُؤْمِنُونَ مِنهم داخِلُونَ في مَن وسُجُودُهم طَوْعٌ، وأمّا سُجُودُ الكَفَرَةِ فَهو الكُرْهُ، وذَلِكَ عَلى نَحْوَيْنِ مِن هَذا المَعْنى، فَإنْ جَعَلْنا السُجُودَ هَذِهِ الهَيْئَةَ المَعْهُودَةَ فالمُرادُ مِنَ الكَفَرَةِ مَن يَضُمُّهُ السَيْفُ إلى الإسْلامِ -كَما قالَ قَتادَةُ - فَيَسْجُدُ كَرْهًا، إمّا نِفاقًا، وإمّا أنْ يَكُونَ الكُرْهُ أوَّلَ حالِهِ فَتَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الصِفَةُ وإنْ صَحَّ إيمانُهُ بَعْدُ، وإنْ جَعَلْنا السُجُودَ الخُضُوعَ والتَذَلُّلَ عَلى حَسَبِ ما هو في اللُغَةِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: ..............................
∗∗∗ تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ فَيَدْخُلُ الكَفّارُ أجْمَعُونَ في "مَن"، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ إلّا ويَلْحَقُهُ مِنَ التَذَلُّلِ والِاسْتِكانَةِ بِقُدْرَةِ اللهِ أنْواعٌ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى بِحَسَبَ رَزاياهُ واعْتِباراتِهِ، وقالَ النَحّاسُ، والزَجّاجُ: إنَّ الكُرْهَ يَكُونُ في سُجُودِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكَسَلِ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ اللَفْظُ يَقْتَضِي هَذا فَهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى المَقْصُودِ بِالآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ إخْبارٌ عن أنَّ "الظِلالَ" لَها سُجُودٌ لِلَّهِ تَعالى بِالبِكْرِ والعَشِيّاتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ ، قالَ: وذَلِكَ هو فَيْؤُهُ بِالعَشِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "ظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ طَوْعًا وهو كارِهٌ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "يَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ حِينَ يَفِيءُ عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ"، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّ "الظِلالَ" هُنا يُرادُ بِها الأشْخاصُ، وضَعَّفَهُ أبُو إسْحاقَ.
و"الآصالِ" جَمْعُ أصِيلٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو مَصْدَرُ آصَلْنا، أيْ: دَخَلْنا في الأصِيلِ، كَأصْبَحْنا وأمْسَيْنا.
ورُوِيَ أنَّ الكافِرَ إذا سَجَدَ لِصَنَمِهِ فَإنَّ ظِلَّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى حِينَئِذٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.
جاءَ السُؤالُ والجَوابُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن ناحِيَةٍ واحِدَةٍ، إذْ كانَ السُؤالُ والتَقْرِيرُ عن أمْرٍ واضِحٍ لا مُدافَعَةَ لِأحَدٍ فِيهِ مُلْتَزِمٍ لِلْحُجَّةِ، فَكانَ السَبْقُ إلى الجَوابِ أفْصَحَ في الِاحْتِجاجِ وأسْرَعَ في قَطْعِهِمْ مِنِ انْتِظارِ الجَوابِ مِنهُمْ، إذْ لا جَوابَ إلّا هَذا الَّذِي وقَعَ البِدارُ إلَيْهِ.
وقالَ مَكِّيٌّ: جَهِلُوا الجَوابَ وطَلَبُوهُ مِن جِهَةِ السائِلِ فَأعْلَمَهم بِهِ السائِلُ، فَلَمّا تَقَيَّدَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللهَ تَعالى هو رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وقَعَ التَوْبِيخُ عَلى اتِّخاذِهِمْ مِن دُونِهِ أولِياءَ مُتَّصِفِينَ بِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ أنْفُسَهم ولا يَضُرُّونَها، وهَذِهِ غايَةُ العَجْزِ، وفي ضِمْنِ هَذا الكَلامِ: "وَتَرَكْتُمُوهُ وهو الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ"، ولَفْظَةُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
ثُمَّ مَثَّلَ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ -بَعْدَ هَذا- بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "تَسْتَوِي الظُلُماتُ" بِالتاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَسْتَوِي" بِالياءِ، فالتَأْنِيثُ أحْسَنُ لِأنَّهُ مُؤَنَّثٌ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ عامِلِهِ بِشَيْءٍ، والتَذْكِيرُ شائِعٌ لِأنَّهُ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والفِعْلُ مُقَدَّمٌ، وشَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكافِرَ بِالأعْمى والكَفْرَ بِالظُلُماتِ، وشَبَّهَتِ المُؤْمِنَ بِالبَصِيرِ والإيمانَ بِالنُورِ.
ثُمَّ وقَّفَهم بَعْدُ، هَلْ رَأوا خَلْقًا لِغَيْرِ اللهِ فَحَمَلَهم ذَلِكَ واشْتِباهَهم بِما خَلَقَ اللهُ عَلى أنْ جَعَلُوا إلَهًا غَيْرَ اللهِ.
ثُمَّ أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالإفْصاحِ بِصِفاتِ اللهِ تَعالى في أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا عُمُومٌ في اللَفْظِ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في كُلِّ ما هو خَلْقُ اللهِ تَعالى، ويَخْرُجُ عن ذَلِكَ صِفاتُ ذاتِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، والقُرْآنُ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَةِ مِن حَيْثُ لا مَوْجُودَ إلّا بِهِ، وهو في وُجُودِهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ المَوْجُوداتِ، لا إلَهَ إلّا هو العَلِيُّ العَظِيمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أو مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ ﴾ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِهِ، ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ جَعَلَهُ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، والإيمانِ والكُفْرِ والشَكِّ في الشَرْعِ واليَقِينِ بِهِ.
"ماءً": يُرِيدُ بِهِ المَطَرَ، و"الأودِيَةُ": ما بَيْنَ الجِبالِ مِنَ الِانْخِفاضِ والخَنادِقِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "بِقَدَرِها" يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِما قَدَّرَ لَها مِنَ الماءِ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ ما تَحْمِلُهُ عَلى قَدْرِ صِغَرِها وكِبَرِها وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بِقَدَرِها" بِفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ بِسُكُونِها.
و"الزَبَدُ": ما يَحْمِلُهُ السَيْلُ مِن غُثاءٍ ونَحْوِهُ وما يَرْمِي بِهِ ضِفَّتَيْهِ مِنَ الحَبابِ المُلْتَبِكِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: والبَحْرُ حِينَ تَهُبُّ الرِيحُ شامِيَّةً ∗∗∗ فَباطِلٌ ويَرْمِي العِبْرَ بِالزَبَدِ و"الرابِي": المُنْتَفِخُ الَّذِي قَدْ رَبا، ومِنهُ الرَبْوَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمِمّا" خَبَرُ ابْتِداءٍ، والِابْتِداءُ قَوْلُهُ: "زَبَدٌ" و"مِثْلَهُ" نَعْتٌ لِـ "الزَبَدُ"، والمَعْنى: ومِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها ابْتِغاءَ الحُلِيِّ -وَهِيَ الذَهَبُ والفِضَّةُ- ابْتِغاءَ الِاسْتِمْتاعِ بِما في المَرافِقِ -وَهِيَ الحَدِيدُ والرَصاصُ والنُحاسُ ونَحْوُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ مِن هَذِهِ أيْضًا -إذا أُحْمِي عَلَيْها- يَكُونُ زَبَدٌ مُماثِلٌ لِلزَّبَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى ذَلِكَ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، أيْ أنَّ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُهُ الأرْضُ فَيَقَعُ النَفْعُ بِهِ هو كالحَقِّ، والزَبَدَ الَّذِي يَجْفُو ويَنْفِشُ ويَذْهَبُ هو كالباطِلِ، وكَذَلِكَ ما يَخْلُصُ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ ونَحْوِها هو كالحَقِّ، وما يَذْهَبُ في الدُخانِ هو كالباطِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فِي النارِ ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا كَذا، قالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: ومَنَعُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "يُوقِدُونَ" لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النارِ، وتَعْلِيقُ حَرْفِ الجَرِّ بِـ "يُوقِدُونَ" يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ حالٍ مِن حالٍ أُخْرى.
وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ إلى تَعَلُّقِهِ بِـ "يُوقِدُونَ"، وقالَ: قَدْ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ ولَيْسَ في النارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ ﴾ فَذَلِكَ البِناءُ الَّذِي أمَرَ بِهِ يُوقَدُ عَلَيْهِ ولَيْسَ في النارِ لَكِنْ يُصِيبُهُ لَهَبُها.
وقَوْلُهُ: "جُفاءً" مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: "جَفَأتِ القِدْرُ" إذا غَلَتْ حَتّى خَرَجَ زَبَدُها وذَهَبَ.
وقَرَأ رُؤْبَةُ: "جُفالًا" مِن قَوْلِهِمْ: "جَفَلَتِ الرِيحُ السَحابَ" إذا حَمَلَتْهُ وفَرَّقَتْهُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْتَبَرُ قِراءَةُ الأعْرابِ في القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَنْفَعُ الناسَ ﴾ يُرِيدُ الخالِصَ مِنَ الماءِ ومِن تِلْكَ الأحْجارِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمُ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ: "تُوقِدُونَ" بِالتاءِ، أيْ أنْتُمْ أيُّها المُوقِدُونَ، وهي صِفَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ الناسِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، وأهْلُ الكُوفَةِ "يُوقِدُونَ" بِالياءِ، عَلى الإشارَةِ إلى الناسِ.
و"جُفاءً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الشَرْعَ والدِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسالَتْ أودِيَةٌ ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُلُوبَ، أيْ: أخَذَ النَبِيلُ بِحَظِّهِ والبَلِيدُ بِحَظِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ واللهُ أعْلَمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يَنْحُو إلى أقْوالِ أصْحابِ الرُمُوزِ، وقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الغَزالِيُّ وأهْلُ ذَلِكَ الطَرِيقِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِ اللَفْظِ عن مَفْهُومِ كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ، وإنَّ صَحَّ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّما قَصَدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مَعْناهُ: الحَقُّ الَّذِي يَتَقَرَّرُ في القُلُوبِ، والباطِلُ: الَّذِي يَعْتَرِيها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ دَعاهُمُ اللهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ دِينِهِ.
و"الحُسْنى": هي الجَنَّةُ، ويَدْخُلُ في هَذا النَصْرُ في الدُنْيا ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ وكُلُّ ما يَخْتَصُّ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِن نِعَمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴾ هُمُ: الكَفَرَةُ.
و ﴿ سُوءَ الحِسابِ ﴾ هو التَقَصِّي عَلى المُحاسِبِ، وأنْ لا يَقَعَ في حِسابِهِ مِنَ التَجاوُزِ.
قالَهُ حَوْشَبٌ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، وَفَرْقَدٌ السَبْخِيُّ وغَيْرُهُ.
و"المَأْوى)" حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْكُنُ، و"المِهادُ" ما يُفْتَرَشُ ويُلْبَسُ بِالجُلُوسِ والرُقادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، والمَعْنى: أيَسْتَوِي مَن هَداهُ اللهُ تَعالى فَآمَنَ بِكَ وعَلِمَ صِدْقَ نُبُوَّتِكَ ومَن لَمْ يَهْتَدِ ولا رُزِقَ بَصِيرَةً فَبَقِيَ عَلى كُفْرِهِ؟
فَمَثَّلَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ بِالعَمى، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ، وهي -بَعْدَ هَذا- مِثالٌ في جَمِيعِ العالَمِ.
و"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، أيْ: إنَّما يَتَذَكَّرُ فَيُؤْمِنُ ويُراقِبُ اللهَ مَن لَهُ لُبٌّ وتَحْصِيلٌ.
ثُمَّ أخَذَ تَبارَكَ وتَعالى في وصْفِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسَّرَهم لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ اسْمُ لِلْجِنْسِ، أيْ بِجَمِيعِ عُهُودِهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهُ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الألْفاظِ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جِنْسَ المَواثِيقِ، أيْ: إذا عَقَدُوا في طاعَةِ اللهِ عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ، قالَ قَتادَةُ: وتَقَدَّمَ اللهُ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عنهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى مِيثاقٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ وقْتَ مَسْحِهِ عَلى ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ.
ووَصْلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ظاهِرَهُ في القَراباتِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطاعاتِ، وسُوءُ الحِسابِ هو أنْ يَتَقَصّى، ولا تَقَعُ فِيهِ مُسامَحَةٌ ولا تَغَمُّدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدارِ ﴾ الصَبْرُ لِوَجْهِ اللهِ يَدْخُلُ في الرَزايا والأسْقامِ والعِباداتِ، وعَنِ الشَهَواتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَ"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، و"الوَجْهُ" في هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرُهُ الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ تَعالى بِالحَسَناتِ لِتَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ، وهَذا كَما تَقُولُ: خَرَجَ الجَيْشُ لِوَجْهِ كَذا، وهَذا أظْهَرُ ما فِيهِ، مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ، و"إقامَةُ الصَلاةِ" هي الإتْيانُ بِها عَلى كَمالِها، والصَلاةُ هُنا هي المَفْرُوضَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْفَقُوا" يُرِيدُ بِهِ مُواساةَ المُحْتاجِ، و"السِرُّ" هو فِيما أُنْفِقَ تَطَوُّعًا، و العَلانِيَةُ فِيما أُنْفِقَ مِنَ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، لِأنَّ التَطَوُّعَ كُلَّهُ الأفْضَلُ فِيهِ التَكَتُّمُ.
وقَوْلُهُ ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ ﴾ أيْ: ويَدْفَعُونَ مَن رَأوا مِنهُ مَكْرُوهًا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بِقَوْلِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" شِرْكَهُمْ، وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بِالسَلامِ غَوائِلَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالجُمْلَةِ لا يُكافِئُونَ الشَرَّ بِالشَرِّ، وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ الجاهِلِيَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأنْصارِ ثُمَّ هي عامَّةٌ -بَعْدَ ذَلِكَ- في كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عُقْبى دارِ الدُنْيا، ثُمَّ فَسَّرَ "العُقْبى" بِقَوْلِهِ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ إذِ العُقْبى تَعُمُّ حالَةَ الخَيْرِ وحالَةَ الشَرِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عُقْبى دارِ الآخِرَةِ لِدارِ الدُنْيا، أيِ: العُقْبى الجَنَّةُ في الدارِ الآخِرَةِ هي لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنّاتُ عَدْنٍ"، وقَرَأ النَخَعِيُّ: "جَنَّةُ عَدْنٍ يُدْخَلُونَها" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، و"جَنّاتُ" بَدَلٌ مِن "عُقْبى" وتَفْسِيرٌ لَها.
و"عَدْنٍ" هي مَدِينَةُ الجَنَّةِ ووَسَطُها، ومِنها "جَنّاتُ الإقامَةِ"، مِن "عَدَنَ في المَكانِ" إذا أقامَ فِيهِ طَوِيلًا، ومِنهُ المَعادِنُ، وجَنّاتُ عَدْنٍ يُقالُ: هي سَكَنُ الأنْبِياءِ والشُهَداءِ والعُلَماءِ فَقَطْ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ويُرْوى أنَّ لَها خَمْسَةَ آلافِ بابٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن صَلَحَ ﴾ أيْ: مَن عَمِلَ صالَحًا وآمَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ: أيْ مَن صَلَحَ لِذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ تَعالى وسابِقِ عِلْمِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ في صِفَةِ دُخُولِ المَلائِكَةِ أحادِيثَ لَمْ نُطَوِّلْ بِها لِضَعْفِ أسانِيدِها، والمَعْنى: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فَحَذَفَ "يَقُولُونَ" تَخْفِيفًا وإيجازًا لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: هَذا بِما صَبَرْتُمْ، والمَعْنى في ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَنِعْمَ" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ أيْ: أنْ أُعْقِبُوا الجَنَّةَ مِن جَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلى حَدِيثٍ ورَدَ وهُوَ: « "أنَّ كُلَّ رَجُلٍ في الجَنَّةِ فَقَدْ كانَ لَهُ مَقْعَدٌ مَعْرُوفٌ في النارِ فَصَرَفَهُ اللهُ عنهُ إلى النَعِيمِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهُ: هَذا مَكانُ مَقْعَدِكَ فَبَدَّلَكَ اللهُ مِنهُ الجَنَّةَ بِإيمانِكَ وطاعَتِكَ وصَبْرِكَ"».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدارِ ﴾ ﴿ اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُنْيا وما الحَياةُ الدُنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مِن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مِن أنابَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللهِ ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ ﴾ هَذِهِ صِفَةُ حالَةٍ مُضادَّةٍ لِلْمُتَقَدِّمَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ أنَّهُ رُوِيَ: « "إذا لَمْ تَمْشِ إلى قَرِيبِكَ بِرِجْلِكَ ولَمْ تُواسِهِ بِمالِكَ فَقَدْ قَطَعْتَهُ"،» وقالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ: سَألْتُ أبِي عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُنْيا ﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ؟
قالَ: لا، ولَكِنَّ الحَرُورِيَّةَ هُمُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْعَلُ فِيهِمُ الآيَتَيْنِ.
و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللهِ ومِنَ الخَيْرِ جُمْلَةً، و ﴿ سُوءُ الدارِ ﴾ ضِدُّ ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ ، والأظْهَرُ في الدارِ هُنا أنَّها دارُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الدُنْيا عَلى ضَعْفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ ﴾ الآيَةُ.
لَمّا أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ تَقَدَّمَتْ صِفَتُهُ بِأنَّ لَهُمُ اللَعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدارِ أنْحى بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أغْنِيائِهِمْ، وحَقَّرَ شَأْنَهم وشَأْنَ أمْوالِهِمْ، والمَعْنى أنَّ هَذا كُلَّهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، يَهَبُ الكافِرُ المالَ لِيُهْلِكَهُ بِهِ، ويَقْدِرُ عَلى المُؤْمِنِ لِيُعْظِمَ بِذَلِكَ أجْرَهُ وذُخْرَهُ.
وقَوْلُهُ: "وَيَقْدِرُ" التَقْدِيرُ، فَهو مُناقِضٌ لِـ "يَبْسُطُ"، ثُمَّ اسْتَجْهَلَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُنْيا ﴾ وهي بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ مَتاعٌ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ، يُسْتَمْتَعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَفْنى.
و"المَتاعُ": ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِمّا لا يَبْقى، وقالَ الشاعِرُ: تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شَيْئًا ∗∗∗ سَبَقَتْ بِهِ المَماتَ هو المَتاعُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، هَذا رَدٌّ عَلى مُقْتَرَحِي الآياتِ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، كَسُقُوطِ السَماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: سَيِّرْ عَنّا الأخْشَبَيْنِ، واجْعَلْ لَنا البِطاحَ مَحارِثَ ومُغْتَرَسًا كالأُرْدُنِّ، وأحْيِ لَنا مُضِيًّا وأسْلافَنا، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ أنَّ آياتِ الِاقْتِراحِ لَمْ تَجْرِ عادَةً الأنْبِياءُ بِالإتْيانِ بِها إلّا إذا أرادَ اللهُ تَعْذِيبَ قَوْمٍ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ لا تَكُونُ مَعَهُ ضَرُورَةُ إيمانِكم ولا هُداكُمْ، وإنَّما الأمْرُ بِيَدِ اللهِ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلى طاعَتِهِ والإيمانِ بِهِ مَن أنابَ إلى الطاعَةِ وآمَنَ بِالآياتِ الدالَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عَلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، أو عَلى مُحَمَّدٍ .
و"الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن أنابَ ﴾ ، وطُمَأْنِينَةُ القُلُوبِ هي الِاسْتِكانَةُ والسُرُورُ بِذِكْرِ اللهِ والسُكُونُ بِهِ كَمالًا بِهِ، ورِضًى بِالثَوابِ عَلَيْهِ، وجَوْدَةُ اليَقِينِ.
ثُمَّ اسْتَفْتَحَ الإخْبارُ بِأنَّ طُمَأْنِينَةَ القُلُوبِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، وفي هَذا الإخْبارِ حَضٌّ وتَرْغِيبٌ في الإيمانِ، والمَعْنى: أنَّ بِهَذا تَقَعُ الطُمَأْنِينَةُ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، بَلْ رُبَّما كُفِرَ بَعْدَها فَنَزَلَ العَذابُ كَما سَلَفَ في بَعْضِ الأُمَمِ.
و"الَّذِينَ" الثانِي ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الأُولى.
و"طُوبى" ابْتِداءً و"لَهُمْ" خَبَرَهُ.
وطُوبى اسْمٌ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُهُ ابْتِداءً، وهي فُعْلى مَنِ الطِيبِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ بِها مَذْهَبَ الدُعاءِ، وقالَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ رَفْعُ "وَحُسْنُ"، قالَ ثَعْلَبٌ: وقُرِئَ: "وَحُسْنَ" بِالنَصْبِ، فَـ "طُوبى" -عَلى هَذا- مَصْدَرٌ، كَما قالُوا: سَقْيًا لَكَ، ونَظِيرُهُ مِنَ المَصادِرِ: الرُجْعى والعُقْبى.
قالَ ابْنُ سِيدَةَ: والطُوبى جَمْعُ طَيِّبَةٍ -عن كُراعٍ-، ونَظِيرُهُ كُوسى في جَمْعِ كَيِّسَةٍ، وصُوفى في جَمْعِ صَيِّفَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي قَرَأ: "وَحُسْنَ" بِالنَصْبِ هو يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "طُوبى" -فَقِيلَ: مَعْناهُ: خَيْرٌ لَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: نِعْمَ لَهُمْ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: غِبْطَةٌ لَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طُوبى اسْمُ الجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَشْجُوحٍ: اسْمُ الجَنَّةِ طُوبى بِالهِنْدِيَّةِ، وقِيلَ: طُوبى اسْمُ شَجَرَةٍ في الجَنَّةِ، وبِهَذا تَواتَرَتِ الأحادِيثُ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "طُوبى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، يَسِيرُ الراكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ ".» وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ وعن مُغِيثِ بْنِ سُمَيِّ، وعَتَبَةَ بْنِ عَبْدٍ يَرْفَعُهُ أخْبارًا مُقْتَضاها أنَّ هَذِهِ الشَجَرَةَ لَيْسَ دارٌ في الجَنَّةِ دارَ إلّا وفِيها مِن أغْصانِها، وأنَّها تُثْمِرُ بِثِيابِ أهْلِ الجَنَّةِ، وأنَّها تَخْرُجُ مِنها الخَيْلُ بِسُرُجِها ولُجُمِها، ونَحْوُ هَذا مِمّا لَمَّ يَثْبُتْ سَنَدُهُ.
و"المَآبُ": المَرْجِعُ والمالُ، مِن آبَ يَؤُوبُ، ويُقالُ في طُوبى: طِيبى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهُ إنَّ اللهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ الكافُ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ ﴾ ، أيْ: كَما أنْفَذَ اللهُ هَذا كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ، هَذا قَوْلٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَعْنى: كَما أجْرَيْنا العادَةَ بِأنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي، لا الآياتُ المُقْتَرَحَةُ، فَكَذَلِكَ أيْضًا فِعْلُنا في هَذِهِ الأُمَّةِ، أرْسَلْناكَ إلَيْها بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ حِينَ عاهَدَهم رَسُولُ اللهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ الكِتابَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، فَقالَ قائِلُهُمْ: نَحْنُ لا نَعْرِفُ الرَحْمَنَ ولا نَقْرَأُ اسْمَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ "الرَحْمَنَ" هُنا يُرادُ بِهِ اللهُ تَعالى وذاتُهُ، ونَسَبَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ بِهِ عَلى الإطْلاقِ، وقِصَّةُالحُدَيْبِيَةَ وقِصَّةُ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ مَعَ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، إنَّما هي عن إبايَةِ الِاسْمِ فَقَطْ، وهُرُوبٌ عن هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفُوها إلّا مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالتَصْرِيحِ بِالدِينِ والإفْصاحِ بِالدَعْوَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ ، و"المَتابُ": المَرْجِعُ كالمَآبِ، لِأنَّ التَوْبَةَ: الرُجُوعُ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ الآيَةُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ الإخْبارَ عنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَلَ قُرْآنٌ سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ، هَذا تَأْوِيلُ الفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّ قُرْآنًا يَكُونُ صِفَتُهُ كَذا لَما آمَنُوا بِوَجْهٍ، وقالَ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: «إنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ : أزِحْ عَنّا، أو سَيِّرْ جَبَلَيْ مَكَّةَ فَقَدْ ضَيَّقا عَلَيْنا، واجْعَلْ لَنا أرْضًا قِطَعَ غِراسَةٍ وحَرْثٍ، وأحْيِ لَنا آباءَنا وأجْدادَنا وفُلانًا وفُلانًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» في ذَلِكَ مُعْلِمَةً أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ ولَكِنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى، بَلْ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ الَّذِي يُصْنَعُ بِهِ هَذا، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَعْظِيمَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يُحَرِّرُ فَصاحَةَ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ يُعَضِّدُ التَأْوِيلَ الأخِيرَ ويَتَرَتَّبُ مَعَ الآخَرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِمَعْنى: يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ هَوازِنَ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ "هَبِيلٍ" حَيٌّ مِنَ النَخَعِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِياحِيِّ: أقُولُ لَهم بِالشِعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اليَأْسُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَ إيمانَهم في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةُ، عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ قالَ في هَذِهِ: أفَلَمْ يَيْأسِ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ شاءَ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا؟
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَأْيَسْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ".
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ أنَّهم لا يَزالُونَ تُصِيبُهم قَوارِعُ مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ وغَزَواتِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: "وَلا يَزالُ الَّذِينَ ظَلَمُوا"، ثُمَّ قالَ: ﴿ أو تَحُلُّ ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ، وعَزاهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: أو تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: "أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دِيارِهِمْ" بِالجَمْعِ.
وَوَعْدُ اللهِ -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْمٍ- فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآيَةُ عامَّةٌ في الكُفّارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ حالَ الكَفَرَةِ هَكَذا هي أبَدًا، ووَعْدُ اللهِ قِيامُ الساعَةِ، و"القارِعَةُ": الرَزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها بِفَظاعَتِها كالقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ المالِ وكَشْفِ الحَرِيمِ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ .
هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكُ يا مُحَمَّدُ بِما تَرى مِن قَوْمِكَ وتَلْقى مِنهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا نَكِيرٍ، قَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، و"أمْلَيْتُ لَهُمْ": أيْ: مَدَدْتُ المُدَّةَ وأطَلْتُ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدْراجِ، وهو مِنَ المُلاوَةِ مِنَ الزَمَنِ، ومِنهُ: تَمَلَّيْتُ حَسَنَ العَيْشِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَعْجِيبٌ، في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنَ هادٍ ﴾ ﴿ لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ واقٍ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النارُ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ ﴾ ، والمَعْنى: أفَمَن هو هَكَذا أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؟
هَذا تَأْوِيلٌ، ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ ، كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ أهْلٌ أنْ يَنْتَقِمَ ويُعاقِبَ أمْ لا؟
و"الأنْفُسُ" مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو قائِمٌ عَلى الكُلِّ أيْ مُحِيطٌ بِهِ لِيُقَرِّبَ المَوْعِظَةَ مِن حِسِّ السامِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ حالَ كَسْبِها لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ عِنْدَ نَظَرِ الآيَةِ في أعْمالِهِ وكَسْبِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ أيْ: سَمُّوا مَن لَهُ صِفاتٌ يَسْتَحِقُّ بِها الأُلُوهِيَّةَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ القَوْلِ وقَرَّرَ: هَلْ تُعْلِمُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ، وقَرَأالحَسَنُ: "هَلْ تُنْبِئُونَهُ" بِإسْكانِ النُونِ وتَخْفِيفِ الباءِ.
و"أمْ" هي بِمَعْنى "بَلْ"، و"ألِفُ الِاسْتِفْهامِ"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ".
ثُمَّ قَرَّرَهم بَعْدُ، هَلْ يُرِيدُونَ تَجْوِيزَ ذَلِكَ بِظاهِرٍ مِنَ الأمْرِ؟
لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لَهُ إلْباسٌ ما ومَوْضِعٌ مِنَ الِاحْتِمالِ، وما لَمْ يَكُنْ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ فَقَطْ فَلا شُبْهَةَ لَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "مَكْرُهُمْ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "زَيَّنَ" عَلى بِنايَةٍ لِلْفاعِلِ "مَكْرَهُمْ" بِالنَصْبِ، أيْ: زَيَّنَ اللهُ.
و"مَكْرُهُمْ": لَفْظٌ يَعُمُّ أقْوالَهم وأفْعالَهُمُ الَّتِي كانَتْ بِسَبِيلِ مُناقَضَةِ الشَرْعِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَصُدُّوا" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى تَعَدِّي الفِعْلِ، وقَرَأ الباقُونَ هُنا وفي "حم المُؤْمِنِ" "وَصَدُّوا" بِفَتْحِها، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: صَدُّوا أنْفُسَهم أو صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدُّوا" بِكَسْرِ الصادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ الآيَةٌ وعِيدٌ، أيْ: لَهم عَذابٌ في دُنْياهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والجُدُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا امْتَحَنَهُمُ اللهُ بِهِ، ثُمَّ لَهم عَذابٌ أشَقُّ مِن هَذا كُلِّهِ وهو الِاحْتِراقُ بِالنارِ.
و"أشَقُّ" أصْعَبُ، مِنَ المَشَقَّةِ، و"الواقِي": هو الساتِرُ عَلى جِهَةِ الحِمايَةِ، مِنَ الوِقايَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَوْمٌ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةُ، وهَذا مِن قَوْلِكَ: "مَثَّلْتُ الشَيْءَ" إذا وصَفْتَهُ لِأحَدٍ وقَرَّبْتَ عَلَيْهِ فَهْمَ أمْرِهِ، ولَيْسَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لَها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ أيِ الوَصْفُ الأعْلى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى الَّذِي يَتَحَصَّلُ في النَفْسِ مِثالًا لِلْجَنَّةِ هو جَرْيُ الأنْهارِ وأنَّ أُكُلَها دائِمٌ، ورافِعُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُقَدَّرٌ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم أو يُنَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ورافِعُهُ عِنْدَ الفَرّاءِ قَوْلُهُ: "تَجْرِي" أيْ: صِفَةُ الجَنَّةِ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أنَّ "مَثَلُ" مُقْحَمٌ، وأنَّ التَقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْثالَ الجَنَّةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "أُكُلُها" مَعْناهُ: ما يُؤْكَلُ فِيها، و"العُقْبى" والعاقِبَةُ والعاقِبُ: حالٌ تَتْلُو أُخْرى قَبْلَها.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.،وَقِيلَ: التَقْدِيرُ في صَدْرِ الآيَةِ: "مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي"، قالَهُ الزَجّاجُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- ضَرْبَ مَثَلٍ لِجَنَّةِ النَعِيمِ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا واقٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عُنِيَ بِهِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وشَبَهِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى مَدَحَهم بِأنَّهم لِشِدَّةِ إيمانِهِمْ يُسَرُّونَ بِما يَرِدُ عَلى النَبِيِّ مِن مُباحاتِ الشَرْعِ، وقالَ قَتادَةُ: عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، و" ما أُنْزِلَ إلَيْكَ " يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الشَرْعِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ:" بِالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ" اليَهُودُ والنَصارى، وذَلِكَ أنَّهم لَهم فَرَحٌ بِما يُنْزَلُ عَلى النَبِيِّ مِن تَصْدِيقِ شَرائِعِهِمْ وذِكْرِ أوائِلِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَضْعُفُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ هَمَّهم بِهِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِمْ فَلا يُعْتَدُّ بِفَرَحِهِمْ، ويَضْعُفُ أيْضًا بِأنَّ اليَهُودَ والنَصارى يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وقَدْ فَرَّقَ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ.
و"الأحْزابُ" قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى والمَجُوسُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ، وأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَطْرَحَ اخْتِلافَهُمْ، وأنْ يَصْدَعَ بِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِعِبادَةِ اللهِ وتَرْكِ الإشْراكِ والدُعاءِ إلَيْهِ، اعْتِقادُ المَآبِ إلَيْهِ، وهو الرُجُوعُ عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ: "وَكَذَلِكَ"، المَعْنى: كَما يَسَّرْنا هَؤُلاءِ لِلْفَرَحِ وهَؤُلاءِ لِإنْكارِ البَعْضِ، كَذَلِكَ ﴿ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ ، ويُحْتَمَلُ المَعْنى: والمُؤْمِنُونَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِهِ لِفَهْمِهِمْ لَهُ وسُرْعَةَ تَلَقِّيهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكَ جَعَلْناهُ، أيْ: سَهَّلْناهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ وتَفَضَّلْنا.
و"حُكْمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والحُكَمُ: ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي، وجَعَلَهُ عَرَبِيًّا لَمّا كانَتِ العِبارَةُ عنهُ بِالعَرَبِيَّةِ.
ثُمَّ خاطَبَ مُحَذِّرًا مِنِ اتِّباعِ أهْواءِ هَذِهِ الفِرَقِ الضالَّةِ، والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وهو بِالمَعْنى يَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ عَلى: "واقِي" و"هادِي" و"والِي" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "والجُمْهُورُ يَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ، وهو الوَجْهُ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ.
في صَدْرِها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ، ورَدٌّ عَلى المُقْتَرَحِينَ مِن قُرَيْشٍ بِالمَلائِكَةِ، المُتَعَجِّبِينَ مِن بَعْثَةِ اللهِ بَشَرًا رَسُولًا، فالمَعْنى: أنَّ بَعْثَكَ يا مُحَمَّدُ لَيْسَ بِبِدْعٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، لَفْظُهُ لَفْظُ النَهْيِ والزَجْرِ، والمَقْصِدُ بِهِ إنَّما هو النَفْيُ المَحْضُ، لَكِنَّهُ نَفْيُ تَأْكِيدٍ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ عن أمْرٍ واقِعٍ تَحْتَ قُدْرَةِ المَنهِيِّ فَهي زَجْرٌ، ومَتى لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ مُؤَكِّدٌ.
و ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَأْذَنَ اللهُ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ كائِنٌ فِيها إلّا ولَهُ أجْلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وكُلُّ أجَلٍ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن كَتْبِهِ الآجالَ الَّتِي لِلْأشْياءِ عامَّةً، وقالَ الضَحّاكُ، والفَرّاءُ: المَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا العَكْسُ غَيْرُ لازِمٍ، ولا وجْهَ لَهُ، إذِ المَعْنى تامٌّ في تَرْتِيبِ القُرْآنِ، بَلْ يُمْكِنُ هَدْمُ قَوْلِهِما بِأنَّ الأشْياءَ الَّتِي كَتَبَها اللهُ أزَلِيَّةً باقِيَةً كَتَنْعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ وغَيْرِهِ يُوجَدُ كِتابُها ولا أجْلَ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُثَبِّتُ" بِتَشْدِيدِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ تَخَبَّطَ الناسُ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ، والَّذِي يَتَلَخَّصُ بِهِ مُشْكِلُها: أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي قَدَّرَها اللهُ تَعالى في الأزَلِ، وعَلِمَها بِحالٍ ما، لا يَصِحُّ فِيها مَحْوٌ ولا تَبْدِيلٌ، وهي الَّتِي كُتِبَتْ في أُمِّ الكِتابِ، وسَبَقَ بِها القَضاءُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأمّا الأشْياءُ الَّتِي قَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُبَدِّلُ فِيها ويَنْقُلُ كَغَفْرِ الذُنُوبِ بَعْدَ تَقْرِيرِها، وكَنَسْخِ آيَةٍ بَعْدَ تِلاوَتِها واسْتِقْرارِ حُكْمِها فَفِيها يَقَعُ المَحْوُ والتَثْبِيتُ فِيما يُقَيِّدُهُ الحَفَظَةُ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمّا إذا رُدَّ الأمْرُ إلى القَضاءِ والقَدَرِ فَقَدْ مَحا اللهُ ما مَحا وثَبَّتَ ما ثَبَّتَ، وجاءَتِ العِبارَةُ مُسْتَقْبَلَةً لِمَحْيِ الحَوادِثِ، وهَذِهِ الأُمُورُ فِيما يُسْتَأْنَفُ مِنَ الزَمانِ، فَيَنْتَظِرُ البَشَرُ ما يَمْحُو أو ما يُثْبِتُ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ خَوْفُهم ورَجاؤُهم ودُعاؤُهُمْ، وقالَتْ فُرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: هي في آجالِ بَنِي آدَمَ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى في لَيْلَةِ القَدْرِ -وَقِيلَ: لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبانَ- يَكْتُبُ آجالَ المَوْتى، فَيُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ المَوْتى، وقالَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ: العاشِرُ مِن رَجَبٍ هو يَوْمُ يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ في الآجالِ أو غَيْرِها لا مَعْنى لَهُ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنَ الأقْوالِ هُنا ما كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يُغَيِّرُ الأُمُورَ عَلى أحْوالِها، أعْنِي ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُغَيَّرَ عَلى ما قَدَّمْناهُ، فَيَمْحُو مِن تِلْكَ الحالَةِ ويُثْبِتُهُ في الَّتِي نَقَلَهُ إلَيْها، ورُوِيَ عن عُمْرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما كانا يَقُولانِ في دُعائِهِما: "اللهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا في دِيوانِ الشَقاوَةِ فامْحُنا وأثْبِتْنا في دِيوانِ السَعادَةِ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وَتُثْبِتُ"، وهَذا دُعاءُ في غُفْرانِ الذُنُوبِ وعَلى جِهَةِ الجَزَعِ مِنهُما.
أيِ: اللهُمَّ إنْ كُنّا شَقِينا بِمَعْصِيَتِكَ، وكُتِبَتْ عَلَيْنا ذُنُوبٌ وشَقاوَةٌ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ والطاعَةِ، وفي لَفْظِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ -فِي بَعْضِ الرِواياتِ- بَعْضٌ مِن هَذا، ولَمْ يَكُنْ دُعاؤُهُما البَتَّةَ في تَبْدِيلٍ سابِقِ القَضاءِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما ذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ قالُوا: لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ في هَذا الأمْرِ قُدْرَةٌ ولا حَظٌّ، فَنَزَلَتْ ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ أيْ: رُبَّما أذِنَ اللهُ مِن ذَلِكَ كَما تَكْرَهُونَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَأْذَنُ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ، إلّا السَعادَةَ والشَقاوَةَ والآجالَ فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوُ ما أصَّلْناهُ أوَّلًا في الآيَةِ.
وحُكِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن كِتابٍ حاشى أُمِّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَهُ الَّذِي لا يُغَيِّرُ مِنهُ شَيْئًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَمْحُو كُلَّ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ كُلَّ ما أرادَ، ونَحْوُ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي هي سَهْلَةُ المُعارَضَةِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ أنَّ كَعْبًا قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ لَأنْبَأتُكَ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ: وما هِيَ؟
قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ ، وذَكَرَ أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ هو الَّذِي قالَ هَذِهِ المَقالَةَ المَذْكُورَةَ عن كَعْبٍ، وذَلِكَ عِنْدِي- لا يَصِحُّ عن عَلِيٍّ.
واخْتَلَفَتْ أيْضًا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الذِكْرُ، وقالَ كَعْبٌ: هو عِلْمُ اللهِ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ القَضاءُ فِيها بِما هو كائِنٌ، وسَبَقَ ألّا يُبَدَّلَ، ويَبْقى المَحْوُ والتَثْبِيتُ في الأُمُورِ الَّتِي سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى وتُثْبَتَ، قالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ أُمُّ الكِتابِ ﴾ : الحَلالُ والحَرامُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ "إنْ" شَرْطٌ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"، وهي قَبْلَ الفِعْلِ، فَصارَتْ بَعْدُ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في القِسْمِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: "واللهِ لَتَخْرُجَنَّ"، فَلِذَلِكَ يَحْسُنُ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في قَوْلِكَ "نُرِيَنَّكَ" لِحُلُولِها هُنا مَحَلَّ اللامِ هُناكَ، ولَوْ لَمْ تَدْخُلْ "ما" لَما جازَ ذَلِكَ إلّا في الشِعْرِ.
وخُصَّ "البَعْضُ" بِالذِكْرِ إذْ مَفْهُومٌ أنَّ الأعْمارَ تَقْصُرُ عن إدْراكِ جَمِيعِ ما تَأْتِي بِهِ الأقْدارُ مِمّا يُوعَدُ بِهِ الكُفّارُ، وكَذَلِكَ أعْطى الوُجُودَ، ألّا تَرى أنَّ أكْثَرَ الفُتُوحِ إنَّما كانَ بَعْدَ النَبِيِّ ، و"أوَ" عاطِفَةٌ.
وقَوْلُهُ: "فَإنَّما" جَوابُ الشَرْطِ، ومَعْنى الآيَةِ: إنْ تَبْقَ يا مُحَمَّدُ لِتَرى، أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ إنَّما يَلْزَمُكَ البَلاغُ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: "نَعِدُهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَضارَّ الَّتِي تَوَعَّدَ بِها الكُفّارَ، فَأطْلَقَ فِيها لِفْظَةَ الوَعْدِ لَمّا كانَتْ تِلْكَ المَضارُّ مَعْلُومَةً مُصَرَّحًا بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الوَعْدَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في إهْلاكِ الكُفْرِ، ثُمَّ أضافَ الوَعْدَ إلَيْهِمْ لَمّا كانَ في شَأْنِهِمْ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "يَرَوْا" عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وهُمُ المُتَقَدِّمُ ضَمِيرُهم في قَوْلِهِ: "نَعِدُهُمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿ نَأْتِي الأرْضَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقُدْرَةِ والأمْرِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ .
و"الأرْضُ" يُرِيدُ بِهِ اسْمَ الجِنْسِ، وقِيلَ: يُرِيدُ أرْضَ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ، وهَذا بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَنْقُصُها" وقَرَأ الضَحّاكُ: "نُنَقِّصُها" وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أطْرافِها ﴾ ، مَن قالَ: " إنَّها أرْضُ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ" قالَ: مَعْناهُ: ألَمْ يَرَوْا أنا نَأْتِي أرْضَ هَؤُلاءِ بِالفَتْحِ عَلَيْكَ فَنَنْقُصُها بِما يَدْخُلُ في دِينِكَ مِنَ القَبائِلِ والبِلادِ المُجاوِرَةِ لَهُمْ، فَما يُؤَمِّنُهم أنْ نُمَكِّنَكَ مِنهم أيْضًا كَما فَعَلْنا بِمُجاوَرِيهِمْ؟
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وهَذا القَوْلُ لا يَتَأتّى إلّا بِأنْ نُقَدِّرَ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَدِينَةِ.
ومَن قالَ: "إنَّ "الأرْضَ" اسْمُ جِنْسٍ" جَعَلَ الِانْتِقاصَ مِنَ الأطْرافِ بِتَخْرِيبِ العُمْرانِ الَّذِي يُحِلُّهُ اللهُ بِالكَفَرَةِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ البَشَرِ، وهَلاكِ الثَمَراتِ، ونَقْصِ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الِانْتِقاصُ هو بِمَوْتِ الأخْيارِ والعُلَماءِ، قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ يَدْخُلُ في لَفْظِ الآيَةِ.
والطَرَفُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: خِيارُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "العُلُومُ أودِيَةٌ، في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها حُسِرْتَ، فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا"، يَعْنِي خِيارًا.
وجُمْلَةُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ المَوْعِظَةُ وضَرْبُ المَثَلِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا فَيَقَعَ مِنهُمُ اتِّعاظَ، وألْيَقُ ما يَقْصِدُ لَفْظُ الآيَةِ هو تَنْقُصُ الأرْضُ بِالفُتُوحِ عَلى مُحَمَّدٍ .
وقَوْلُهُ: ﴿ لا مُعَقِّبَ ﴾ أيْ: لا رادَّ ولا مُناقِضَ يَتَعَقَّبُ أحْكامَهُ، أيْ: يَنْظُرُ في أعْقابِها، أمُصِيبَةٌ هي أمْ لا؟
وسُرْعَةُ حِسابِ اللهِ واجِبَةٌ لِأنَّها بِالإحاطَةِ لَيْسَتْ بِعَدَدٍ.
وَ"المَكْرُ": ما يَتَمَرَّسُ بِالإنْسانِ ويَسْعى عَلَيْهِ، عَلِمَ بِذَلِكَ أو لَمْ يَعْلَمْ، فَوَصَفَ اللهُ تَعالى الأُمَمَ الَّتِي سَعَتْ عَلى أنْبِيائِها، كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُحَمَّدٍ بِالمَكْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ ، أيِ العُقُوباتِ الَّتِي أحَلَّها بِهِمْ، وسَمّاها مَكْرًا عَلى عُرْفِ تَسْمِيَةِ المُعاقَبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ونَحْوِ هَذا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ في طَيِّ إخْبارٍ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدارِ ﴾ ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "الكافِرُ" عَلى الإفْرادِ، وهو اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "الكُفّارُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "الكافِرُونَ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "الَّذِينَ كَفَرُوا"، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ قُبَلَ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: ويُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدٍ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، ويَقُولُونَ: لَسْتَ مُرْسَلًا مِنَ اللهِ، وإنَّما أنْتَ مُدَّعٍ، قُلْ لَهُمْ: ﴿ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ، و"بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: كَفى اللهُ، و"شَهِيدٌ" بِمَعْنى: شاهِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ ، قِيلَ: يُرِيدُ اليَهُودَ والنَصارى الَّذِينَ عِنْدَهُمُ الكُتُبَ الناطِقَةَ السابِقَةَ بِرَفْضِ الأصْنامِ وتَوْحِيدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، يُرِيدُ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وتَمِيمٍ الدارِيِّ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ خاصَّةً، قالَ هُوَ: فِيَّ نَزَلَتْ ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ الأخِيرانِ لا يَسْتَقِيمانِ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ: لا يَصِحَّ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ لِكَوْنِها مَكِّيَّةً، وكانَ يَقْرَأُ: ﴿ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .
وَقِيلَ: يُرِيدُ اللهَ تَعالى، كَأنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِاللهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ صِفَةَ تَعْظِيمٍ، ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلَ بِأنَّ فِيهِ عَطْفَ الصِفَةِ عَلى المَوْصُوفِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ وإنَّما تُعْطَفُ الصِفاتُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَقْدِيرُ: أعْدَلَ وأمْضى قَوْلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ "شَهِيدًا"، ويُرادُ بِذَلِكَ اللهُ تَعالى.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والحَكَمُ، وغَيْرُهُمْ: "وَمِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ" بِكَسْرِ المِيمِ مِن (مِن) وخَفْضِ الدالِّ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، والحُسْنُ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَمِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ" بِكَسْرِ المِيمِ والدالِ، وبِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللامِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعِ "الكِتابُ"، وهَذِهِ القِراءاتُ يُرادُ فِيها اللهُ تَعالى، لا يَحْتَمِلُ لَفْظُها غَيْرَ ذَلِكَ.
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ