المحرر الوجيز سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة إبراهيم

تفسيرُ سورةِ إبراهيم كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 103 دقيقة قراءة

تفسير سورة إبراهيم كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

الٓر ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ١ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْكَـٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍ ٢ ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍۭ بَعِيدٍۢ ٣

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا  ﴾ إلى آخَرَ الآيَتَيْنِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، والنَقّاشٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ اللهِ الَّذِي لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، و"كِتابٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هَذا كِتابٌ، وهَذا عَلى أكْثَرِ الأقْوالِ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وأمّا مَن قالَ فِيها: "إنَّها كِنايَةٌ عن حُرُوفِ المُعْجَمِ"، فَـ "كِتابٌ" مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ: "الر"، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ.

وقَوْلُهُ: "أنْزَلْناهُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "الكِتابِ"، قالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ، وأبُو المَعالِي، وغَيْرُهُما: إنَّ الإنْزالَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالكَلامِ القَدِيمِ الَّذِي هو صِفَةُ الذاتِ، لَكِنْ بِالمَعانِي الَّتِي أفْهَمَها اللهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الكَلامِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "لِتُخْرِجَ" أسْنَدَ الإخْراجَ إلى النَبِيِّ  مِن حَيْثُ لَهُ فِيهِ المُشارِكَةُ بِالدُعاءِ والإنْذارِ، وحَقِيقَتُهُ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ والهِدايَةِ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيِّ  ، وعَمَّ "الناسَ" إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِآياتِ القُرْآنِ الَّتِي اقْتَرَنَ بِها ما نُقِلَ تَواتُرًا مِن دَعَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ العالَمَ كُلَّهُ، ومِن بَعْثَتِهِ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ، عَلِمَ ذَلِكَ الصَحابَةُ مُشاهَدَةً، ونُقِلَ عنهم تَواتَرًا، فَعُلِمَ قَطْعًا والحَمْدُ لِلَّهِ.

واسْتُعِيرَ الظُلُماتُ لِلْكَفْرِ والنُورُ لِلْإيمانِ تَشْبِيهًا، وقَوْلُهُ: ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ بِهِ وتَمْكِينِهِ لَهم.

و"إلى" في قَوْلِهِ: ﴿ إلى صِراطِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى النُورِ ﴾ ، أيْ إلى المَحَجَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى طاعَةِ اللهِ والإيمانِ بِهِ ورَحْمَتِهِ، فَأضافَها إلى اللهِ بِهَذِهِ المُتَعَلِّقاتِ، و ﴿ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِهَذا المَوْضِعِ، فالعِزَّةُ مِن حَيْثُ الإنْزالِ لِلْكُتُبِ، وما في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ، واسْتِيجابِ الحَمْدِ مِن جِهَةِ بَثِّ هَذِهِ النِعَمِ عَلى العالَمِ في نَصْبِ هِدايَتِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "اللهُ الَّذِي" بِرَفْعِ اسْمِ اللهِ عَلى القَطْعِ والِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "الَّذِي"، ويَصِحُّ رَفْعُهُ عَلى تَقْدِيرِ: "هُوَ اللهُ الَّذِي"، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الهاءِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ، ورَوى الأصْمَعِيُّ وحْدَهُ هَذِهِ القِراءَةَ عن نافِعٍ، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ عن هَذا بِأنْ قالَ: التَقْدِيرُ: "إلى صِراطِ اللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ثُمَّ قَدَّمَ الصِفاتِ وأبْدَلَ مِنها المَوْصُوفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا كانَتْ هَكَذا فَلَيْسَتْ بَعْدُ بِصِفاتٍ عَلى طَرِيقَةِ صِناعَةِ النَحْوِ، وإنْ كانَتْ بِالمَعْنى صِفاتَهُ ذُكِرَ مَعَها أو لَمْ يُذْكَرْ.

وَقَوْلُهُ: "وَوَيْلٌ" مَعْناهُ: وشِدَّةٌ وبَلاءٌ ونَحْوُهُ، أيْ يَلْقُونَهُ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ يَنالُهُمُ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الدُنْيا، هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: "وَوَيْلٌ"، وقالَ بَعْضٌ: "وَيْلٌ" اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَبَرٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ، ثُمَّ لَوْ كانَ هَذا لَقَلِقَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ مِن عَذابٍ ﴾ ، وإنَّما يَحْسُنُ تَأوَّلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ  ﴾ وما أشْبَهَهُ، وأمّا هُنا فَإنَّما يَحْسُنُ في "وَيْلٌ" أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، ورَفْعُهُ عَلى نَحْوِ رَفْعِهِمْ "سَلامٌ عَلَيْكَ" وشَبَهَهُ.

و"الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الكافِرِينَ"، وقَوْلُهُ: "يَسْتَحِبُّونَ" مِن صِفَةِ الكافِرِينَ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم قَبْلُ، والمَعْنى: يُؤْثِرُونَ دُنْياهم وكَفْرَهم وتَرْكَ الإذْعانِ لِلشَّرْعِ عَلى رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وسُكْنى جَنَّتِهِ.

وقَوْلُهُ: "يَصُدُّونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَدّى وأنْ يَقِفَ، والمَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مُسْتَقِلُّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ" و"صَدَّ غَيْرَهُ"، ومِن تَعْدِيَتِهِ قَوْلُ الشاعِرِ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا و ﴿ سَبِيلِ اللهِ ﴾ طَرِيقَةُ هُداهُ وشَرْعُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُهُ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ مِنَ التَأْوِيلِ: أظْهَرُها أنْ يُرِيدَ: ويَطْلُبُونَها في حالَةِ عِوَجٍ مِنهم.

ولا يُراعى إنْ كانُوا بِزَعْمِهِمْ عَلى طَرِيقِ نَظَرٍ وبِسَبِيلِ اجْتِهادٍ واتِّباعِ الأحْسَنِ، فَقَدْ وصَفَ اللهُ تَعالى حالَهم تِلْكَ بِالعِوَجِ، وكَأنَّهُ قالَ: ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ الَّتِي هي بِالحَقِيقَةِ نَبِيلَةٌ، ويَطْلُبُونَها عَلى عِوَجٍ في النَظَرِ.

والتَأْوِيلُ الثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَطْلُبُنَّ لَها عِوَجًا يَظْهَرُ فِيها، أيْ: يَسْعَوْنَ عَلى الشَرِيعَةِ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَـ "عِوَجًا" مَفْعُولٌ.

والتَأْوِيلُ الثالِثُ أنْ تَكُونَ اللَفْظَةُ مِنَ البَغْيِ عَلى مَعْنى: ويَبْغُونَ عَلَيْها أو فِيها عِوَجًا، ثُمَّ حُذِفَ الجارُ، وفي هَذا بَعْضُ القَلَقِ.

وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُغَةِ: العِوَجُ -بِكَسْرِ العَيْنِ- في الدِينِ والأُمُورِ، وبِالجُمْلَةِ في المَعانِي، والعَوَجُ -بِفَتْحِ العَيْنِ في الأجْرامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُعْتَرَضُ هَذا القانُونُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا  ﴾ ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا  ﴾ ، وقَدْ تَتَداخَلُ اللَفْظَةُ مَعَ الأُخْرى، ووَصْفُ الضَلالِ بِالبُعْدِ عِبارَةٌ عن تَعَمُّقِهِمْ فِيهِ وصُعُوبَةِ خُرُوجِهِمْ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ ٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللهُ مِن يَشاءُ ويَهْدِي مِن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ وطَعْنٌ عَلى المُسْتَغْرِبِينَ أمْرَ مُحَمَّدٍ  ، أيْ: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ، وإنَّما أرْسَلْناكَ لِتُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ عَلى عادَتِنا في رُسُلِنا في أنْ نَبْعَثَهم بِألْسِنَةِ أُمَمِهِمْ لِيَقَعَ التَكَلُّمُ بِالبَيانِ والعِبارَةِ المُتَمَكِّنَةِ، ثُمَّ يَكُونُ تَبايُنُ الناسِ مِن غَيْرِ أهْلِ اللِسانِ عِيالًا في التَبْيِينِ عَلى أهْلِ اللِسانِ الَّذِي يَكُونُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وجَعَلَ اللهُ العِلَّةَ في إرْسالِ الرُسُلِ بِألْسِنَةِ قَوْمِهِمْ طَلَبَ البَيانِ، ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "فَيُضِلُّ"، أيْ إنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما غايَتُهُ أنْ يُبَلِّغَ ويُبَيِّنَ، ولَيْسَ فِيما كُلِّفَ أنْ يَهْدِيَ ويُضِلَّ، ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ يُنْفِذُ فِيهِ سابِقَ قَضائِهِ، ولَهُ في ذَلِكَ العِزَّةُ الَّتِي لا تُعارَضُ، والحِكْمَةُ الَّتِي لا تُعَلَّلُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنِ اعْتَرَضَ أعْجَمِيٌّ بِأنْ يَقُولَ: مَن أيْنَ يُبَيِّنُ هَذا الرَسُولُ لِي الشَرِيعَةَ وأنا لا أفْهَمُهُ؟

قِيلَ لَهُ: أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللِسانِ يُعَبِّرُونَ لَكَ، وفي ذَلِكَ كِفايَتُكَ، وإنْ قالَ: ومَن أيْنَ تَتَبَيَّنُ لِي المُعْجِزَةَ وأفْهَمُ الإعْجازَ وأنا لا أفْهَمُ اللُغَةَ؟

قِيلَ لَهُ: الحُجَّةُ عَلَيْكَ إذْعانُ أهْلِ الفَصاحَةِ والَّذِينَ كانُوا يُظَنُّ بِهِمْ أنَّهم قادِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، وبِإذْعانِهِمْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلى البَشَرِ، كَما قامَتِ الحُجَّةُ في مُعْجِزَةِ مُوسى بِإذْعانِ السَحَرَةِ، وفي مُعْجِزَةِ عِيسى بِإذْعانِ الأطِبّاءِ.

و"اللِسانُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- يُرادُ بِهِ اللُغَةُ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "بِلِسْنِ قَوْمِهِ" بِسُكُونِ السِينِ دُونَ ألْفٍ، كَرِيشٍ ورِياشٍ، ونَقُولُ: لِسْنٌ ولِسانٌّ في "اللُغَةِ"، فَأمّا العُضْوُ فَلا يُقالُ فِيهِ: لِسْنٌ بِسُكُونِ السِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ.

آياتُ اللهِ هي العَصا، واليَدُ، وسائِرُ التِسْعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: بِأنْ أخْرِجْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأمّا "الظُلُماتُ والنُورُ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وهَذا عَلى ظاهِرِ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهم كانُوا قَبْلَ بَعْثِ مُوسى فِيهِمْ أشْياعًا مُتَفَرِّقِينَ في الدِينِ فَفَرْعٌ مَعَ القِبْطِ في عِبادَةِ فِرْعَوْنَ، وكُلُّهم عَلى غَيْرِ شَيْءٍ، وهَذا مَذْهَبُ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وإنَّ صَحَّ أنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ونَحْوَ هَذا فالظُلُماتُ: الذُلُّ والعُبُودِيَّةُ، والنُورُ: العِزَّةُ بِالدِينِ والظُهُورُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وأكْثَرُ الآياتِ في رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّها إنَّما كانَتْ إلى بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً في مَعْنى الشَرْعِ لَهُمْ، وأمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ بِفُرُوعِ الدِيانَةِ، وإلى فِرْعَوْنَ وأشْرافِ قَوْمِهِ في أنْ يَنْظُرُوا ويَعْتَبِرُوا في آياتِ مُوسى فَيُقِرُّوا بِاللهِ تَعالى ويُؤْمِنُوا بِهِ وبِمُوسى وبِمُعْجِزَتِهِ، ويَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَهُ، ويُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَتَرَتَّبُ هَذا مِنهم إلّا بِإيمانٍ بِهِ.

وأمّا أنْ تَكُونَ رِسالَتُهُ إلَيْهِمْ لِمَعْنى اتِّباعِهِ والدُخُولِ في شَرْعِهِ فَلَيْسَ هَذا بِظاهِرِ القِصَّةِ، ولا كَشَفَ الغَيْبُ ذَلِكَ، ألّا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَ عنهم بِبَنِي إسْرائِيلَ فَلَوْ لَمْ يُتْبَعْ لَمَضى بِأُمَّتِهِ؟

وألّا تَرى أنَّهُ لَمْ يَدْعُ القِبْطَ بِجُمْلَتِهِمْ وإنَّما كانَ يُحاوِرُ أُولِي الأمْرِ؟

وأيْضًا فَلَيْسَ دُعاؤُهُ لَهم عَلى حَدِّ دُعاءِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ- أُمَمَهم في مَعْنى كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، بَلْ في الِاهْتِداءِ والتَزَكِّي وإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ لَوْ كانَتْ دَعْوَتُهُ لِفِرْعَوْنَ والقِبْطِ عَلى حُدُودِ دَعْوَتِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَلِمَ كانَ يَطْلُبُ بِأمْرِ اللهِ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ كانَ يَطْلُبُ أنْ يُؤْمِنَ الجَمِيعُ ويَتَشَرَّعُوا بِشَرْعِهِ ويَسْتَقِرَّ الأمْرُ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ مَبْعُوثًا إلى القِبْطِ لَرَدَّهُ اللهُ إلَيْهِمْ حِينَ غَرِقَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، ولَكِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَّتَهُ لَهُ فَلَمْ يُرِدَّ إلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتَجَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بُعِثَ إلى جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ آيَةٍ: ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ  ﴾ ، و ﴿ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ  ﴾ واللهُ أعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللهِ ﴾ الآيَةُ.

أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى أنْ يَعِظَ قَوْمَهُ بِالتَهْدِيدِ بِنِقَمِ اللهِ الَّتِي أحَلَّها بِالأُمَمِ الكافِرَةِ قَبْلَهُمْ، وبِالتَعْدِيدِ لِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في المَواطِنِ المُتَقَدِّمَةِ، وعَلى غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِهِ، لِيَكُونَ جَرْيُهم عَلى مِنهاجِ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهَرَبُهم مِن طَرِيقِ الَّذِينَ حَلَّتْ بِهِمُ النَقَماتُ، وعَبَّرَ عَنِ النِعَمِ والنِقَمِ بِالأيّامِ إذْ هي في أيّامٍ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَعْظِيمُ هَذِهِ الكَوائِنِ المُذَكَّرِ بِها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُمْ: يَوْمٌ عَصِيبٌ، ويَوْمٌ عَبُوسٌ، ويَوْمٌ بَسّامٌ، وإنَّما الحَقِيقَةُ وصْفُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الشِدَّةِ أوِ السُرُورِ، وحَكى الطَبَرِيَّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: أيّامُ اللهِ: نِعَمُهُ، وعن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: أيّامُ اللهِ: نِقَمُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظَةُ "الأيّامِ" تَعُمُّ المَعْنَيَيْنِ، لِأنَّ التَذْكِيرَ يَقَعُ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ إنَّما أرادَ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ناظِرٍ لِنَفْسِهِ، فَأخَذَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِ صِفَتَيْنِ تَجْمَعانِ أكْثَرَ الخِصالِ، وتَعُمّانِ أجْمَلَ الأفْعالِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ ٦ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ ٧ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ٨ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِعَمِ، وكانَ يَوْمُ الإنْجاءِ عَظِيمًا لِعِظَمِ الكائِنِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وقَصَصُها بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ، غَيْرَ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: "وَيُذَبِّحُونَ" وفي البَقَرَةِ: "يُذَبِّحُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، فَهُناكَ فُسِّرَ (سُوءُ العَذابِ) بِأنَّهُ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ، وهُنا دَلَّ بِـ (سُوءِ العَذابِ) عَلى أنْواعٍ غَيْرِ التَذْبِيحِ والِاسْتِحْياءِ، وعُطِفَ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ عَلَيْها.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَذْبَحُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والباءُ مُخَفَّفَةٌ.

و"البَلاءُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المِحْنَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الِاخْتِبارَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

و(تَأذَّنَ) بِمَعْنى: أذَّنَ، أيْ: أعْلَمَ، وهو مِثْلُ: أكْرَمَ وتَكَرَّمَ، وأوعَدَ وتَوَعَّدَ، وهَذا الإعْلامُ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وقَضاءٍ قَدْ سَبَقَهُ، وما في "تَفَعَّلَ" هَذِهِ مِنَ المُحاوَلَةِ والشُرُوعِ إذا أُسْنِدَتْ إلى البَشَرِ مَنفِيٌّ في جِهَةِ اللهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: تَعَلَّمَ بِمَعْنى: أعْلَمَ، فَمَرْفُوضُ الماضِي عَلى ما ذَكَرَ يَعْقُوبُ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَعَلَّمْ - أبَيْتَ اللَعْنَ..........................

ونَحْوِهِ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الزِيادَةُ عَلى الشُكْرِ لَيْسَتْ في الدُنْيا، وإنَّما هي مِن نِعَمِ الآخِرَةِ، والدُنْيا أهْوَنُ مِن ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وصَحِيحٌ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وأنْ يَزِيدَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ عَلى شُكْرِهِ مِن نِعَمِ الدُنْيا، وأنْ يَزِيدَهُ أيْضًا مِنهُما جَمِيعًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْجِيَةٌ وتَخْوِيفٌ، ومِمّا يَقْضِي بِأنَّ الشُكْرَ مُتَضَمِّنَ الإيمانِ أنَّهُ عادَلَهُ بِالكُفْرِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ كُفْرَ النِعَمِ لا كُفْرَ الجَحْدِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُما قالا: مَعْنى الآيَةِ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ هو قَوِيٌّ حَسَنٌ فَتَأمَّلْهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ.

في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِشَرْطِ كُفْرِهِمْ وتَوْبِيخٌ، وذَلِكَ بَيِّنٌ في الصِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ وصَفَ بِهِما نَفْسَهُ تَبارَكَ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: "لَغَنِيٌّ" يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَهم وعَظَمَتَهُ.

وقَوْلُهُ: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ المَحامِدَ كُلَّها دائِمًا كَذَلِكَ في ذاتِهِ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، فَكُفْرُكم أنْتُمْ بِإلَهٍ هَذِهِ حالُهُ غايَةُ التَخَلُّفِ والخِذْلانِ، وفي قَوْلِهِ أيْضًا: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ أنَّهُ ذُو آلاءٍ عَلَيْكم أيُّها الكافِرُونَ بِهِ كانَ يَسْتَوْجِبُ بِها حَمْدَكُمْ، فَكُفْرُكم بِهِ مَعَ ذَلِكَ أذْهَبُ في الضَلالِ، وهَذا تَوْبِيخٌ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِقَمِ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ ﴾ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا  ﴾ ، وفي مِثْلِ هَذا قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كَذَبَ النَسّابُونَ مِن فَوْقِ عَدْنانَ"،» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ زَمَنِ مُوسى وبَيْنَ زَمَنِ نُوحٍ قُرُونٌ ثَلاثُونَ لا يَعْلَمُهم إلّا اللهُ"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الوُقُوفُ عَلى عِدَّتِهِمْ بِعِيدٌ، ونَفْيُ العِلْمِ بِها جُمْلَةً أصَحُّ، وهو لَفْظُ القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ بِحَسَبِ احْتِمالِ اللَفْظِ، و"الأيْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى الجَوارِحِ، وقَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى أيْدِي النِعَمِ فِيما ذُكِرَ، عَلى أنَّ "الأيْدِي" هي الجَوارِحُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: رَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ عَضًّا عَلَيْها مِنَ الغَيْظِ عَلى الرُسُلِ، ومُبالَغَةً في التَكْذِيبِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ ابْنٍ عَبّاسٍ: عَجِبُوا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، والعَضُّ مِنَ الغَيْظِ مَشْهُورٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ  ﴾ ، وقالَ الشاعِرُ: قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا وقالَ الآخَرُ: لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ودِقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عَوَّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ ومِمّا ذُكِرَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ورَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ الرُسُلِ تَسْكِينًا لَهُمْ، ودَفْعًا في صَدْرِ قَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أشْنَعُ في الرَدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُسُلِ والنَيْلِ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الألْفاظُ مَعْنًى رابِعًا، وهو أنْ يُتَجَوَّزَ في لَفْظِ الأيْدِي، أيْ إنَّهم رَدُّوا أقْوالَهم ومُكافَحَتَهم ومُدافَعَتَهم فِيما قالُوهُ بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَكْذِيبِ، فَكَأنَّ المَعْنى: رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ، أيْ في أقْوالِهِمْ، وعَبَّرَ عن جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي إذِ الأيْدِي مَوْضِعٍ لِشَدِّ المُدافَعَةِ والمُرادَّةِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ قَوْلًا ضَعِيفًا، وهو أنَّ المَعْنى: أخَذُوا أيْدِيَ الرُسُلِ فَجَعَلُوها في أفْواهِ الرُسُلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي لا وجْهَ لَهُ.

ومِمّا ذُكِرَ عَلى أنَّ "الأيْدِي" أيادِي النِعَمِ ما ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وذَلِكَ أنَّهم رَدُّوا مِنَ الرُسُلِ في الإنْذارِ والتَبْلِيغِ بِأفْواهِهِمْ، أيْ بِأقْوالِهِمْ، فَوَصَلَ الفِعْلُ بِـ "فِي" عِوَضَ وُصُولِهِ بِـ "الباءِ"، ورَوِيَ نَحْوُهُ عن مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والمَشْهُورُ جَمْعُ "يَدِ" النِعْمَةِ عَلى "أيادٍ"، ولا يُجْمَعُ عَلى "أيْدٍ"، إلّا أنَّ جَمْعَهُ عَلى "أيْدٍ" لا يَكْسِرُ بابًا ولا يَنْقُضُ أصْلًا وبِحَسْبِنا أنَّ الزَجّاجَ قَدَّرَهُ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ -عَلى هَذا- مَعْنًى ثانِيًا، أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ: رَدُّوا إنْعامَ الرُسُلِ في أفْواهِ الرُسُلِ، أيْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، كَما تَقُولُ لِمَن لا يُعْجِبُكَ كَلامُهُ: أمْسِكْ يا فُلانُ كَلامَكَ في فِيكَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ أيْدِي الرُسُلِ أقْوالًا ساغَ هَذا فِيها، كَما تَقُولُ: كَسَرْتُ كَلامَ فَلانٍ في فَمِهِ، أيْ: رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ وقَطَعْتُهُ بِقِلَّةِ القَبُولِ وبِالرَدِّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: رَدُّوا نِعَمَ الرُسُلِ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ بِالتَكْذِيبِ والنَجْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم شَكُّوا في صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ وأقْوالِهِمْ أو كَذَّبُوها، وتَوَقَّفُوا في إمْضاءِ أحَدِ المُعْتَقَدَيْنِ، ثُمَّ ارْتابُوا بِالمُعْتَقَدِ الواحِدِ في صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، فَجاءَهم شَكٌّ مُؤَكَّدٌ بِارْتِيابٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرَّفٍ: " مِمّا تَدْعُوَنّا " بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ١٠ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَـٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١١ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللهَ وعَلى اللهَ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ أفِي اللهِ ﴾ مُقَدَّرٌ فِيهِ ضَمِيرٌ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَحْوِيِّينَ: أفِي إلاهِيَّتِهِ شَكٌّ؟

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أفِي وحْدانِيِّتِهِ شَكٌّ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وزَعَمَ بَعْضُ الناسِ أنَّ أبا عَلِيٍّ إنَّما فَزِعَ إلى هَذِهِ العِبارَةِ حِفْظًا لِلِاعْتِزالِ، وزَوالًا عَمّا تَحْتَمِلُهُ لَفْظَةُ "الإلاهِيَّةِ" مِنَ الصِفاتِ بِحَسْبِ عُمُومِها، ولَفْظَةُ الوَحْدانِيَّةِ مُخَلِّصَةٌ مِن ذَلِكَ الِاحْتِمالِ.

و"الفاطِرُ": المُخْتَرِعُ المُبْتَدِئُ، وسَوْقُ هَذِهِ الصِفَةِ احْتِجاجٌ عَلى الشاكِّينَ، أيِ الشَكِّ فِيمَن هَذِهِ صِفَتُهُ، فَساقَ الصِفَةَ الَّتِي هي مَنصُوبَةٌ لِرَفْعِ الشَكِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ، ذَهَبَ بَعْضُ النُحاةِ إلى أنَّها زائِدَةٌ، وسِيبَوَيْهِ يَأْبى أنْ تَكُونَ زائِدَةً، ويَراها لِلتَّبْعِيضِ، وهو مَعْنًى صَحِيحٌ، وذَلِكَ أنَّ الوَعْدَ وقَعَ بِغُفْرانِ الشِرْكِ وما مَعَهُ مِنَ المَعاصِي، وبَقِيَ ما يَسْتَأْنِفُهُ أحَدُهم بَعْدَ إيمانِهِ مِنَ المَعاصِي مَسْكُوتًا عنهُ لِيَبْقى مَعَهُ في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، فالغُفْرانُ إنَّما يُقَدِّمُهُ الوَعْدُ في البَعْضِ، فَصَحَّ مَعْنى "مِن".

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ ، قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ  ﴾ الآيَةُ، وجَلَبْتُ هَذِهِ هُناكَ بِسَبَبِ ما يَظْهَرُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنَ التَعارُضِ، ويَلِيقُ هُنا أنْ نَذْكُرَ مَسْألَةَ المَقْتُولِ: هَلْ قُطِعَ أجَلُهُ أمْ ذَلِكَ هو أجْلُهُ المَحْتُومُ عَلَيْهِ؟

فالأوَّلُ هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، والثانِي قَوْلُ أهْلِ السُنَّةِ، فَتَقُولُ المُعْتَزِلَةُ: "إنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ لَعاشَ، وهَذا سَبَبُ القَوَدِ"، وقالَتْ فَرِقَّةٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ: "لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ لَماتَ حَتْفَ أنْفِهِ"، قالَ أبُو المَعالِي: "وَهَذا كُلُّهُ تَخَبُّطٌ، وإنَّما هو أجْلُهُ الَّذِي سَبَقَ في القَضاءِ أنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ عَلى تِلْكَ الصِفَةِ، فَمُحالٌ أنْ يَقَعَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإنْ فَرَضْنا أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ، وفَرَضْنا مَعَ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى سَبَقَ بِأنَّهُ لا يَقْتُلُهُ بَقِيَ أمْرُهُ في حَيِّزِ الجَوازِ في أنْ يَعِيشَ أو يُقْتَلَ أو كَيْفَ ما كانَ عِلْمُ اللهِ تَعالى يَسْبِقُ فِيهِ.

وقَوْلُ الكَفَرَةِ: ﴿ إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ فِيهِ اسْتِبْعادٌ لِبِعْثَةِ البَشَرِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: بَلْ أرادُوا إحالَتَهُ، وذَهَبُوا مَذْهَبَ البَراهِمَةِ أو مَن يَقُولُ مِنَ الفَلاسِفَةِ: إنَّ الأجْناسَ لا يَقَعُ فِيها هَذا التَبايُنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ كَلامِهِمْ لا يَقْتَضِي أنَّهم أغْمَضُوا هَذا الإغْماضَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْتُ أنَّهم طَلَبُوا مِنهُمُ الإتْيانَ بِآيَةٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ، ولَوْ كانَتْ بَعْثَتُهم عِنْدَهم مُحالًا لَما طَلَبُوا مِنهم حُجَّةً، ويُحْتَمَلُ أنَّ طَلَبَهم مِنهُمُ السُلْطانَ إنَّما هو عَلى جِهَةِ التَعْجِيزِ، أيْ: بِعْثَتُكم مُحالٌ وإلّا فَأْتُوا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، أيْ: إنَّكم لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ أبَدًا، فَيَتَقَوّى بِهَذا الِاحْتِمالِ مَنَحاهم إلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، المَعْنى: صَدَقْتُمْ في قَوْلِكُمْ: "إنّا بَشَرٌ" في الأشْخاصِ والخِلْقَةِ، لَكِنْ تَبايَنّا بِفَضْلِ اللهِ تَعالى ومَنِّهِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ، فَفارَقُوهم بِالمَعْنى، بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ  ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ في المَعْنى لا في الهَيْئَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ ، هَذِهِ العِبارَةُ إذا قالَها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، أو قِيلَتْ لَهُ فِيما يَقَعُ تَحْتَ مَقْدُورِهِ فَمَعْناها النَهْيُ والحَظْرُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ فِيما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَمَعْناها نَفْيُ ذَلِكَ الأمْرِ جُمْلَةً، وكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ المَهْدَوِيُّ: لَفْظُها لَفْظُ الحَظْرِ ومَعْناها النَفْيُ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلْيَتَوَكَّلْ" لامُ الأمْرِ، وقَرَأها الجُمْهُورُ ساكِنَةً، وقَرَأها الحَسَنُ مَكْسُورَةً، وتَحْرِيكُها بِالكَسْرِ هو أصْلُها، وتَسْكِينُها طَلَبٌ لِلتَّخْفِيفِ، ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، ولِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ لامِ كَيِ الَّتِي أُلْزِمَتِ الحَرَكَةُ إجْماعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ ﴾ الآيَةُ، وقَفَهُمُ الرُسُلُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ عَلى تَعْلِيلٍ في أنْ لا يَتَوَكَّلُوا عَلى اللهِ وهو قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهَداهم طَرِيقَ النَجاةِ، وفَضَّلَهم عَلى خَلْقِهِ، ثُمَّ أقْسَمُوا أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الصَبْرُ عَلى الإذايَةِ في ذاتِ اللهِ تَعالى.

و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما آذَيْتُمُونا ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي حَرْفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِانْفِرادِها، إلّا أنَّها اسْمٌ مَعَ ما اتَّصَلَ بِها مِنَ المَصْدَرِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "ما" المَصْدَرِيَّةُ بِانْفِرادِها اسْمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونُ في "آذَيْتُمُونا" ضَمِيرٌ عائِدٌ تَقْدِيرُهُ: آذَيْتُمُوناهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُضَمَّ بِهِ بِسَبَبِ إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ١٤ وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ ١٥ مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ ١٦ يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ ﴾ ﴿ واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ ﴾ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: "أو" هُنا بِمَعْنى: "إلّا أنْ"، كَما هي في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْناكَ إنَّما ∗∗∗ نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا وتَحْتَمِلُ "أو" في الآيَةِ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها لِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، لِأنَّهم حَمَلُوا رُسُلَهم عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، ولا يَحْتَمِلُ بَيْتُ امْرِئِ القَيْسِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُحاوِلْ أنْ يَمُوتَ فَيُعْذَرَ، فَتَخَلَّصَتْ بِمَعْنى "إلّا أنْ" ولِذَلِكَ نُصِبَ الفِعْلُ بَعْدَها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى "حَتّى" في الآيَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "لَألْزَمَنَّكَ أو تَقْضِيَنِي حَقِّي"، وفي قَوْلِهِ: "لا يَقُومُ زَيْدٌ أو يَقُومَ عَمْرٌو"، وفي هَذِهِ المُثُلِ كُلِّها يَحْسُنُ تَقْدِيرُ "إلّا أنَّ".

والعَوْدَةُ أبَدًا إنَّما هي إلى حالَةٍ قَدْ كانَتْ، والرُسُلِ ما كانُوا قَطُّ في مِلَّةِ الكُفْرِ، فَإنَّما المَعْنى: أو لَتَعُودُنَّ في سُكُوتِكم عَنّا إغْفالًا، وذَلِكَ عِنْدَ الكُفّارِ كَوْنٌ في مِلَّتِهِمْ، وخَصَّصَ تَعالى الظالِمِينَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذْ جائِزٌ أنْ يُؤْمِنَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ قالُوا المَقالَةَ ناسٌ، فَإنَّما تَوَعَّدَ بِالإهْلاكِ مَن خَلَصَ لِلظُّلْمِ.

وقَوْلُهُ: "وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ" الخُطّابُ لِلْحاضِرِينَ والمُرادُ هم وذَرِّيَّتُهُمْ، ويَتَرَتَّبُ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: "وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى"، أيْ: يُؤَخِّرْكم وأعْقابَكُمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لَيُهْلِكَنَّ" و"لَيُسْكِنَنَّكُمْ" بِالياءِ فِيهِما، وقَوْلُهُ: "مَقامِي" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ مِنَ القِيامِ عَلى الشَيْءِ بِالقُدْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الظَرْفَ لِقِيامِ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الآخِرَةِ، فَإضافَتُهُ إذا كانَ مَصْدَرًا إضافَةُ المَصَدَرِ إلى الفاعِلِ، وإضافَتُهُ إذا كانَ ظَرْفًا إضافَةُ الظَرْفِ إلى حاضِرِهِ، أيْ: مَقامَ حِسابِي، فَجائِزٌ قَوْلُهُ: "مَقامِي"، وجائِزٌ لَوْ قالَ: "مَقامِهِ"، وجائِزٌ لَوْ قالَ: "مَقامَ العَرْضِ والحِسابِ"، وهَذا كَما تَقُولُ: "دارُ الحاكِمِ، ودارُ الحُكْمِ، ودارُ المَحْكُومِ عَلَيْهِ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "مَقامِي" مَجازٌ، حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسابِ.

و"الِاسْتِفْتاحُ": طَلَبُ الحُكْمِ، والفَتّاحُ: الحاكِمُ، والمَعْنى: إنَّ الرُسُلَ اسْتَفْتَحُوا، أيْ: سَألُوا اللهَ تَعالى إنْفاذَ الحُكْمِ بِنَصْرِهِمْ وتَعْذِيبِ الكَفَرَةِ، وقِيلَ: بَلِ اسْتَفْتَحَ الكُفّارُ، عَلى نَحْوِ قَوْلِ قُرَيْشٍ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا  ﴾ ، وعَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ في بَدْرٍ: "اللهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ، وأتانا بِما لا يُعْرَفُ فَأحِنْهُ الغَداةَ" هَذا قَوْلُ أبِي دُرَيْدٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "واسْتَفْتِحُوا" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِلرُّسُلِ، قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

و"خابَ" مَعْناهُ: خَسِرَ ولَمْ يَنْجَحْ، و"الجَبّارُ": المُتَعَظِّمُ في نَفْسِهِ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُجْبِرُ الناسَ عَلى ما يَكْرَهُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو المَفْهُومُ مِنَ اللَفْظِ.

وعَبَّرَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ عَنِ "الجَبّارِ" بِأنَّهُ الَّذِي يَأْبى أنْ يَقُولَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، و"العَنِيدُ": الَّذِي يُعانِدُ ولا يَنْقادُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن ورائِهِ ﴾ ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: "مِن أمامِهِ"، وعَلى ذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ  ﴾ ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: أتُوعِدُونِي وراءَ بَنِي رِياحٍ...

كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَداكَ دُونِي ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، و"الوَراءُ" ها هُنا عَلى بابِهِ، أيْ: هو ما يَأْتِي بَعْدُ في الزَمانِ، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ في هَذِهِ الحَوادِثِ بِالأمامِ والوَراءِ إنَّما هو بِالزَمانِ، وما تَقَدَّمَ فَهو أمامٌ، وهو بَيْنَ اليَدِ، كَما تَقُولُ في التَوْراةِ والإنْجِيلِ: إنَّهُما بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، والقُرْآنُ وراءَهُما عَلى هَذا، وما تَأخَّرَ في الزَمانِ هو وراءَ المُتَقَدِّمِ، ومِنهُ قَوْلُهم لِوَلَدِ الوَلَدِ: الوَراءُ، وهَذا الجَبّارُ العَنِيدُ وُجُودُهُ وكُفْرُهُ وأعْمالُهُ في وقْتٍ ما، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ في الزَمانِ يَأْتِيهِ أمْرُ جَهَنَّمَ، قالَ وتَلْخِيصُ هَذا أنْ يُشَبَّهَ الزَمانُ بِطَرِيقٍ تَأْتِي الحَوادِثُ مِن جِهَتِهِ الواحِدَةِ مُتَتابِعَةً، فَما تَقَدَّمَ فَهو أمامٌ، وما تَأخَّرَ فَهو وراءُ المُتَقَدِّمِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ وراءَهُمْ  ﴾ أيْ غَصْبُهُ وتَغَلُّبُهُ يَأْتِي بَعْدَ حَذَرِهِمْ وتَحَفُّظِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسْقى مِن ماءٍ ﴾ ، ولَيْسَ بِماءٍ، لَكِنْ لَمّا كانَ بَدَلَ الماءِ في العُرْفِ عِنْدَنا.

ثُمَّ نَعَتْهُ بِـ "صَدِيدٍ"، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ.

و"الصَدِيدُ": القَيْحُ والدَمُ، وهو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَحّاكُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ﴾ عِبارَةٌ عن صُعُوبَةِ أمْرِهِ عَلَيْهِمْ، ويُرْوى أنَّ الكافِرَ يُؤْتى بِالشَرْبَةِ مِن شَرابِ أهْلِ النارِ فَيَتَكَرَّهُها، فَإذا أُدْنِيَتْ مِنهُ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإذا شَرِبَها قَطَّعَتْ أمْعاءَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ مُفَرَّقٌ في آياتٍ مِن كِتابِ اللهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ أيْ مِن كُلِّ شَعْرَةٍ في بَدَنِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ، وقِيلَ: مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ السِتِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما هو بِمَيِّتٍ ﴾ ، أيْ: لا يُراحُ بِالمَوْتِ.

وباقِي الآيَةِ كَأوَّلِها، ووَصْفُ العَذابِ بِالغَلِيظِ مُبالَغَةٌ، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: العَذابُ الغَلِيظُ: حَبْسُ الأنْفاسِ في الأجْسادِ، وقِيلَ: إنَّ الضَمِيرَ في "وَرائِهِ" هُنا هو لِلْعَذابِ المُتَقَدِّمِ.

<div class="verse-tafsir"

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلْبَعِيدُ ١٨ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ١٩ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ اخْتُلِفَ في الشَيْءِ الَّذِي ارْتَفَعَ بِهِ "مَثَلُ"، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ التَقْدِيرَ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ، أو يُقَصُّ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ أنَّهُ ابْتِداءٌ خَبَرُهُ "كَرَمادٍ" والتَقْدِيرُ عِنْدَهُمْ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَّرُوا كَرَمادٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يَرى إلْغاءَ "مَثَلُ"، وأنَّ المَعْنى: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ، وقِيلَ: هو ابْتِداءٌ، و"أعْمالُهُمُ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"كَرَمادٍ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذا عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: المُتَحَصِّلُ في النَفْسِ الَّذِينَ كَفَرُوا، هَذِهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ، وهِيَ: أعْمالُهم كَرَمادٍ، وهَذا يَطَّرِدُ عِنْدِي في تَقْدِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: " مَثَلُ الجَنَّةِ "، وشُبِّهَتْ أعْمالُ الكَفَرَةِ ومَساعِيهِمْ -فِي فَسادِها وقْتَ الحاجَةِ وتَلاشِيها- بِالرَمادِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِيحُ وتُفَرِّقُهُ لِشِدَّتِها، حَتّى لا يَبْقى أثَرٌ، ولا يَجْتَمِعَ مِنهُ شَيْءٌ، ووَصَفَ اليَوْمَ بِالعُصُوفِ وهي مِن صِفَةِ الرِيحِ بِالحَقِيقَةِ لَمّا كانَتْ في اليَوْمِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ ويَوْمًا شَمْسًا فَأعْمالُ الكَفَرَةِ لِتَلاشِيها لا يَقْدِرُونَ مِنها عَلى شَيْءٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وأبُو جَعْفَرَ: "الرِياحُ"، والباقُونَ: "الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا ومَعْناهُ مُسْتَوْفى بِحَمْدِ اللهِ.

وقَوْلُهُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلى مِثْلِ هَذا الغَرَرِ، و ﴿ الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ : الَّذِي قَدْ تَعَمَّقَ فِيهِ صاحِبُهُ وأبْعَدَ عن لاحِبِ النَجاةِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ وابْنُ أبِي بَكْرٍ: "فِي يَوْمِ عاصِفٍ: بِإضافَةِ "يَوْمٍ" إلى "عاصِفٍ"، وهَذا بَيِّنٌ.

وقَرَأ السُلَمِيُّ: "ألَمْ تَرْ" بِسُكُونِ الراءِ، بِمَعْنى: "ألَمْ تَعْلَمْ"، مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ خَلَقَ السَماواتِ ﴾ ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خالِقُ السَماواتِ"، فَوْجْهُ الأوَّلِ أنَّهُ فِعْلٌ قَدْ مَضى، فَذُكِرَ كَذَلِكَ، ووَجْهُ الثانِيَةِ: أنَّهُ كَـ ﴿ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ و ﴿ فالِقُ الإصْباحِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: بِما يَحِقُّ في وُجُودِهِ مِن جِهَةِ مَصالِحِ عِبادِهِ، وإنْفاذِ سابِقِ قَضائِهِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ وعَلى قُدْرَتِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيْ يُعْدِمْكم ويَطْمِسْ آثارَكم.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ: مِن فَرِقَ بَنِي آدَمَ، ويَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أيْ بِمُمْتَنِعٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَـٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ ٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللهِ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ مَعْناهُ: صارُوا بِالبِرازِ، وهي الأرْضُ المُتَّسِعَةُ كالبَراحِ والعَراءِ والخَبارِ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِجَمْعِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: "تَبَعًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فَيَكُونُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "يَوْمُ عَدْلٍ ويَوْمُ حَرْبٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "تابِعٌ" عَلى نَحْوِ "غايِبٌ وغَيَبٌ"، وهو تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ.

وفَسَّرَ الناسُ "الضُعَفاءُ" بِالأتْباعِ، و"المُسْتَكْبِرِينَ" بِالقادَةِ وأهْلِ الرَأْيِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ مِنَ الغَناءِ، وهي المَنفَعَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الإنْسانِ لِلْآخَرِ في الدِفاعِ وغَيْرِهِ.

والألِفُ في قَوْلِهِ: "أجَزِعْنا" ألِفُ التَسْوِيَةِ ولَيْسَتْ بِألِفِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: "أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا"، و"المَحِيصُ": المَفَرُّ والمَلْجَأُ، مَأْخُوذٌ مِن "حاصَ يَحِيصُ" إذا نَفَرَ وفَرَّ، ومِنهُ في حَدِيثِ هِرَقْلَ: (فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وعن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ أهْلَ النارِ يَقُولُونَ: إنَّما نالَ أهْلُ الجَنَّةِ الرَحْمَةَ بِالصَبْرِ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، فَلْنَصْبِرْ، فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلا يَنْتَفِعُونَ، فَيَقُولُونَ: فَلْنَجْزَعْ، فَيَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ ويَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ أُخْرى، فَلا يَنْتَفِعُونَ، فَيَقُولُونَ هَذا القَوْلَ الَّذِي في الآيَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم يَقُولُونَها في مَوْقِفِ العَرْضِ وقْتَ البُرُوزِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٢ وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ٢٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الشَيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ المُرادُ ها هُنا "بِالشَيْطانِ" إبْلِيسُ الأقْدَمُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ في حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ قالَ: « "يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ خَطِيبانِ: أحَدُهُما إبْلِيسُ، يَقُومُ في الكَفَرَةِ بِهَذِهِ الألْفاظِ، والثانِي عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، يَقُومُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ » وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَقُومُ إبْلِيسُ خَطِيبُ السُوءِ، الصادِقُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى مَعْنى هَذِهِ الرِواياتِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ: تَعَيَّنَ قَوْمٌ لِدُخُولٍ النارِ، وقَوْمٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في المَوْقِفِ.

ورُوِيَ في حَدِيثٍ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما يَقُومُ بِهَذِهِ الألْفاظِ في النارِ عَلى أهْلِها عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ ما لَنا مِن مَحِيصٍ  ﴾ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ، أيْ: حَصَلَ أهْلُ النارِ في النارِ، وأهْلُ الجَنَّةِ، وهو تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ.

و"قُضِيَ" قَدْ يُعَبَّرُ بِها في الأُمُورِ عن فِعْلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ  ﴾ ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِها عن عَزْمٍ عَلى أنْ يَفْعَلَ كَقَوْلُهُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ  ﴾ .

و"الوَعْدُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الخَيْرِ، أيْ إنَّ اللهَ وعَدَهُمُ النَعِيمَ إنْ آمَنُوا، ووَعَدَهم إبْلِيسُ الظَفَرَ والأمَلَ إنْ كَذَّبُوا، ومَعْلُومٌ اقْتِرانُ وعْدِ اللهِ بِوَعِيدِهِ، واتَّفَقَ أنْ لَمْ يَتَّبِعُوا طَلَبَ وعْدِ اللهِ فَوَقَعُوا في وعِيدِهِ، وجاءَ مِن ذَلِكَ كَأنَّ إبْلِيسَ أخْلَفَهم.

والسُلْطانُ: الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى: إلّا أنَّ النائِبَ عَنِ السُلْطانِ أنْ دَعْوَتُكُمْ، فَيَكُونُ هَذا في المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ: .....................

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ أيْ: رَأيْتُمْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ بِبَصِيرَتِكُمْ، واعْتَقَدْتُمُوهُ الرَأْيَ، وأتى نَظَرُكم عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ هَذا المَكانَ يَبْطُلُ مِنهُ التَقْلِيدُ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ ضَعْفٌ عَلى احْتِمالِها، والتَقْلِيدُ وإنَّ كانَ باطِلًا فَفَسادُهُ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسُلْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ الغَلَبَةَ والقُدْرَةَ والمُلْكَ، أيْ: ما اضْطَرَرْتُكم ولا خَوَّفْتُكم بِقُوَّةٍ مِنِّي، بَلْ عَرَضْتُ عَلَيْكم شَيْئًا فَأتى رَأْيُكم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَلُومُونِي ﴾ يُرِيدُ بِزَعْمِهِ: إذْ لا ذَنْبَ لِي، ﴿ وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ في سُوءِ نَظَرِكم وقِلَّةِ تَثَبُّتِكُمْ، فَإنَّكم إنَّما أتَيْتُمُ اتِّباعِي عن بَصِيرَةٍ مِنكم وتَكَسُّبٍ.

و"المُصْرِخُ": المُغِيثُ، والصارِخُ: المُسْتَغِيثُ.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كانَ الصُراخُ لَهُ قَطْعُ الظَنابِيبِ فَيُقالُ: "صَرَخَ الرَجُلُ وأصْرَخَ غَيْرَهُ"، وأمّا "الصَرِيخُ" فَهو مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ البَرِيحِ، وَيُوصَفُ بِهِ كَما يُقالُ: "رَجُلٌ عَدْلٌ" ونَحْوِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "بِمُصْرِخِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ تَشْبِيهًا بِياءِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: بِمُصْرِخِيِّهِ، ورَّدَ الزَجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: هي رَدِيئَةٌ مَرْذُولَةٌ، وقالَ فِيها القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: إنَّها صَوابٌ، ووَجَّهَها أبُو عَلِيٍّ، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ أبا عَمْرٍو حَسَّنَها، وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ عَلى أبِي عَمْرٍو.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أشْرَكْتُمُونِ ﴾ أيْ: مَعَ اللهِ تَعالى في الطاعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُفْرَدَ اللهُ بِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي الآنَ كافِرٌ بِإشْراكِكم إيّايَ مَعَ اللهِ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَبِرٍّ مِنهُ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ الأقْدَمِ، فَتَكُونُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، يُرِيدُ "اللهَ" تَعالى، أيْ: خَطِيئَتِي قَبْلَ خَطِيئَتِكم فَلا إصْراخَ عِنْدِي، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُدْخِلَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَأُدْخِلُ" عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: يَقُولُها اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ ما عَلا مِنها كالغُرَفِ والمَبانِي والأشْجارِ وغَيْرِهِ، و"الخُلُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الدَوامِ، و"الإذْنُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ والإمْضاءِ.

وقَوْلُهُ: "تَحِيَّتُهُمْ" مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الضَمِيرِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا، و"تَحِيَّتُهُمْ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"سَلامٌ" ابْتِداءٌ ثانٍ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، والجَمِيعُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خالِدِينَ"، أو يَكُونُ صِفَةً لِـ "جَنّاتٍ".

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ ٢٤ تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ ٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةً أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَماءِ ﴾ ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ بِمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمْ، و"مَثَلًا" مَفْعُولٌ لِـ "ضَرَبَ"، و"كَلِمَةً" مَفْعُولٌ أوَّلٌ بِها، و"ضَرَبَ" هَذِهِ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها بِمَنزِلَةِ "جَعَلَ" ونَحْوِهِ، إذْ مَعْناها، جَعَلَ ضَرْبَها، وقالَ المَهْدَوِيُّ: "مَثَلًا" مَفْعُولٌ، و"كَلِمَةً" بَدَلٌ مِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنَّما أوهَمَ في هَذا قِلَّةُ التَحْرِيرِ في "ضَرَبَ" هَذِهِ.

والكافُ في قَوْلِهِ: "كَشَجَرَةٍ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُشَبَّهَةٌ بِشَجَرَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: الكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ هي "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، مَثَّلَها اللهُ بِالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ وهي النَخْلَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وفَضْلُها وما يَصْدُرُ عنها مِنَ الأفْعالِ الزَكِيَّةِ والخَبِيثَةِ وما يَتَحَصَّلُ عَلَيْها مِن عَفْوِ اللهِ ورَحْمَتِهِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَماءِ مِن قِبَلِ العَبْدِ، ويَتَنَزَّلُ مِنها قِبَلَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "ثابِتٌ أصْلُها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَثَّلَ اللهُ بِالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ المُؤْمِنَ نَفْسَهُ، إذِ الكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ لا تَقَعُ إلّا مِنهُ، فَكَأنَّ الكَلامَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ وقائِلُها، وكَأنَّ المُؤْمِنَ ثابِتٌ في الأرْضِ، وأفْعالُهُ وأقْوالُهُ صاعِدَةٌ، فَهو كَشَجَرَةٍ فَرْعُها في السَماءِ، وما يَكُونُ أبَدًا مِنَ المُؤْمِنِ مِنَ الطاعَةِ أو عَلى الكَلِمَةِ مِنَ الفَضْلِ والأجْرِ والغُفْرانِ هو بِمَثابَةِ الأكْلِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ كُلَّ حِينٍ، وقَوْلُهُ عَنِ الشَجَرَةِ: ﴿ وَفَرْعُها في السَماءِ ﴾ أيْ: في الهَواءِ نَحْوَ السَماءِ، وهَذا كَما تَقُولُ عَنِ المُسْتَطِيلِ: نَحْوَ الهَواءِ، وفي الحَدِيثِ: "خَلَقَ اللهُ آدَمَ طُولُهُ في السَماءِ سِتُّونَ ذِراعًا"، والقَيْدُودَةُ: الطَوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ انْقادَ وامْتَدَّ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الشَجَرَةُ الطَيِّبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: النَخْلَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ فِي أحادِيثَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ إلّا أنَّها كُلُّ ما اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ فَيَدْخُلُ فِيهِ النَخْلَةُ وغَيْرُها، وقَدْ شَبَّهَ الرَسُولَ عَلَيْهِ السَلامُ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَتَعَذَّرُ أيْضًا أنْ يُشَبِّهَ بِشَجَرَتِها، و"الأُكُلُ": الثَمَرُ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ "أُكُلَها" بِضَمِّ الكافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ ، الحِينُ في اللُغَةِ: القَطِيعُ مِنَ الزَمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَهْرِ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ  ﴾ ، وَقَدْ تَقْتَضِي لَفْظَةُ "الحِينِ" بِقَرِينَتِها تَحْدِيدًا كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ، قالُوا: مَن حَلَفَ ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴾ أيْ: كُلَّ سَنَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ: أيْ كُلَّ سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: الحِينُ: شَهْرانِ، لِأنَّ النَخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿ كُلَّ حِينٍ ﴾ أيْ: كُلَّ غَدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ ومَتى أُرِيدَ جَناها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَكَذا يُشْبِهُها المُؤْمِنُ الَّذِي هو في جَمِيعِ أيّامِهِ في عَمَلٍ، والكَلِمَةُ الَّتِي أخْرَجَها والصادِرُ عنها مِنَ الأعْمالِ مُسْتَمِرٌّ، فَيُشْبِهُ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما شَبَّهَ المُؤْمِنَ أوِ الكَلِمَةَ بِالشَجَرَةِ في حالِ إثْمارِها، إذْ تِلْكَ أفْضَلُ أحْوالِها، وتَأوَّلَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ أنَّ أُكُلَ الطَلْعِ في الشِتاءِ، وأنَّ أُكُلَ الثَمَرِ في كُلِّ وقْتٍ مِن أوقاتِ العامِ وهو إتْيانُ أُكُلٍ وإنَّ فارَقَ النَخْلَ، وإنْ فَرَضْنا التَشْبِيهَ بِها عَلى الإطْلاقِ وهي إنَّما تُؤْتِي في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ فالمَعْنى: كَشَجَرَةٍ لا تَخْلُ بِما جُعِلَتْ لَهُ مِنَ الإتْيانِ بِالأُكُلِ في الأوقاتِ المَعْلُومَةِ، فَكَذَلِكَ هو المُؤْمِنُ لا يَخْلُ بِما يُسِرُّ لَهُ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، أوِ الكَلِمَةِ الَّتِي لا تَغِيبُ بَرَكَتُها والأعْمالُ الصادِرَةُ عنها، بَلْ هي في حِفْظِ النِظامِ كالشَجَرَةِ الطَيِّبَةِ في حِفْظِ وقْتِها المَعْلُومِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ومِن قالَ: "الحِينُ سَنَةٌ" راعى أنَّ ثَمَرَ النَخْلَةِ وجَناها إنَّما يَأْتِي كُلَّ سَنَةٍ، ومَن قالَ: "سِتَّةُ أشْهُرٍ" راعى مِن وقْتِ جَدادِ النَخْلَةِ إلى حَمْلِها مِنَ الوَقْتِ المُقْبِلِ، وقِيلَ: إنَّ التَشْبِيهَ وقَعَ بِالنَخْلِ الَّذِي يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ في العامِ، ومَن قالَ: "شَهْرَيْنِ" قالَ: هي مُدَّةُ الجَنْيِ في النَخْلِ، وكُلُّهم أفْتى بِقَوْلِهِ في الإتْيانِ عَلى الحِينِ.

وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً"، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ هي كَلِمَةُ الكُفْرِ وما قارَبَها مِن كَلامِ السُوءِ في الظُلْمِ وَنَحْوِهِ، و"كالشَجَرَةِ خَبِيثَة "، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هي شَجَرَةُ الحَنْظَلِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَبِيِّ  ، وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ المِثالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي الثَوْمُ، وقالَ الزَجّاجُ: هي الكَشُوثا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَجْمِ، ولَيْسَتْ مِنَ الشَجَرِ، واللهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَجَرَةِ، فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الثَوْمِ والبَصَلِ: « "مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَجَرَةِ"،» وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ كُلَّها ضَعِيفَةٌ وإنْ لَمْ تَخْبُثِ، اللهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: اجْتُثَّتْ بِالخِلْقَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ولَمْ يَخْلُقْ هَذِهِ الشَجَرَةَ عَلى وجْهِ الأرْضِ".

والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ إذا وُجِدَتْ فِيها هَذِهِ الأوصافِ، فالخُبْثُ هو أنْ تَكُونَ كالعِضاةِ، أو كَشَجَرَةِ السَمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ، أيِ اقْتُلِعَتْ جُثَّتُها بِنَزْعِ الأُصُولِ، وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْنِ والضَعْفِ فَتَقْلِبُها أقَلُّ رِيحٍ.، فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ ولا يُغْنِي عنهُ، كَهَذِهِ الشَجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدٍ -أو لِلْجَهْلِ بِها- أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنى غَيْرُ باقِيَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧ ۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًۭا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ ٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ٢٩ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثابِتِ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللهُ الظالِمِينَ ويَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ ﴾ ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ ﴾ ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النارِ ﴾ القَوْلُ الثابِتُ في الحَياةِ الدُنْيا وفي الأخَرَةِ كَلِمَةُ الإخْلاصِ والنَجاةُ مِنَ النارِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" والإقْرارُ بِالنُبُوَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ العالَمَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ طاوُسُ، وقَتادَةُ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ هي مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ هي وقْتُ سُؤالِهِ في القَبْرِ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: ﴿ فِي الحَياةِ الدُنْيا ﴾ هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَبِيِّ  في لَفْظٍ مُتَأوَّلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ في مُدَّةِ وُجُودِ الدُنْيا، وقَوْلُهُ: " في الآخِرَةِ " هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ.

والأوَّلُ أحْسَنُ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

و"الظالِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكافِرُونَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ عادَلَ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وعادَلَ التَثْبِيتَ بِالإضْلالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِهَذا التَقْسِيمِ المُتَقَدِّمِ، وكَأنَّ امْرَءًا رَأى التَقْسِيمَ فَطَلَبَ في نَفْسِهِ عِلَّتَهُ فَقِيلَ لَهُ: ﴿ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ﴾ بِحَقِّ المُلْكِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في صِفَةِ مُساءَلَةِ العَبْدِ في قَبْرِهِ أحادِيثَ مِنها ما وقَعَ في الصَحِيحِ، وهي مِن عَقائِدَ الدِينِ، وأنْكَرَتْ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، ولَمْ تَقُلْ بِأنَّ العَبْدَ يُسْألُ في قَبْرِهِ، وجَماعَةُ السُنَّةِ تَقُولُ: إنَّ اللهَ يَخْلُقُ لَهُ في قَبْرِهِ إدْراكاتٍ وتَحْصِيلًا، إمّا بِحَياةٍ كالمُتَعارَفَةِ وإمّا بِحُضُورِ النَفْسِ وإنْ لَمْ تَتَلَبَّسْ بِالجَسَدِ كالعُرْفِ، كُلُّ هَذا جائِزٌ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، غَيْرَ أنَّ في الأحادِيثِ إنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِعالِ، ومِنها أنَّهُ يَرى الضَوْءَ كالشَمْسِ دَنَتْ لِلْغُرُوبِ، وفِيها: أنَّهُ يُراجِعُ، وفِيها: فَتُعادُ رُوحُهُ إلى جَسَدِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُ الحَياةَ، فَسُبْحانَ رَبِّ هَذِهِ القُدْرَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا ﴾ ، هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مِثالٍ مِنَ الظالِمِينَ، والتَقْدِيرُ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللهِ كُفْرًا، وهَذا كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، ونِعْمَةُ اللهِ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ودِينُهُ، أنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلى قُرَيْشٍ فَكَفَرُوا النِعْمَةَ ولَمْ يَقْبَلُوها وتَبَدَّلُوا بِها الكُفْرَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرَةُ قُرَيْشٍ جُمْلَةً، هَذا بِحَسْبِ ما اشْتُهِرَ مِن حالِهِمْ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.

ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أنَّها نَزَلَتْ في الأفْجَرَيْنِ مِن قُرَيْشٍ: بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَّيَّةَ، قالَ عُمْرُ: فَأمّا بَنُو المُغِيرَةِ فَكُفُّوا يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا بَنُو أُمِّيَّةٍ فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها فِيهِ نَزَلَتْ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وإنَّما أرادَ أنَّها تَحْصُرُ مَن فَعَلَ فِعْلَ جَبَلَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأحَلُّوا قَوْمَهُمْ ﴾ أيْ: مَن أطاعَهم وكانَ مَعَهم في التَبْدِيلِ، فَكَأنَّ الإشارَةَ والتَعْنِيفَ إنَّما هي لِلْرُؤُوسِ والأعْلامِ، و[البَوارُ] الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي ∗∗∗ راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ قالَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ هو وغَيْرُهُ: إنَّهُ يُرْوى لِابْنِ الزِبَعْرى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "البَوارِ" الهَلاكَ في الآخِرَةِ فَفَسَّرَهُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها ﴾ ، أيْ: يَحْتَرِقُونَ في حَرِّها ويَحْتَمِلُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "البَوارِ" الهَلاكَ في الدُنْيا بِالقَتْلِ والخِزْيِ فَتَكُونُ "الدارُ" قَلِيبَ بَدْرٍ ونَحْوَهُ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَتْلى بَدْرٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "جَهَنَّمَ" نَصْبًا عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: "زَيْدًا ضَرَبْتُهُ" بِإضْمارِ فِعْلٍ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، و"القَرارُ" مَوْضِعُ اسْتِقْرارِ الإنْسانِ.

و"الأنْدادُ" جَمْعُ نِدٍّ، وهو المِثْلُ والشَبِيهُ المُناوِئُ، والمُرادُ الأصْنامُ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُضِلُّوا" بِضَمِّ الياءِ لامُ كَيْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لِيَضِلُّوا" بِفَتْحِ الياءِ، أيْ هم أنْفُسُهُمْ، فاللامُ -عَلى هَذا- لامُ عاقِبَةٍ وصَيْرُورَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، أيْ: يُضِلُّوا غَيْرَهم.

وأمْرُهم بِالتَمَتُّعِ هو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَـٰلٌ ٣١ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَـٰرَ ٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ ٣٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ: مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ.

ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ ﴾ الآيَةُ.

و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.

و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ.

ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ.

و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الثَمَراتِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو مُجَرَّدًا لِلْمُضِرّاتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رَزَقًا لَكم مِنَ الثَمَراتِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "مِن" زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِكَوْنِها في الجَوابِ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ.

و"الفُلْكُ" جَمْعُ فُلْكٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ مِرارًا.

وقَوْلُهُ: "بِأمْرِهِ" مَصْدَرٌ مِن أمَرَ يَأْمُرُ، وهَذا راجِعٌ إلى الكَلامِ القائِمِ بِالذاتِ، كَقَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْبِحارِ والأرْضِ وسائِرِ الأشْياءِ: "كُنْ" عِنْدَ الإيجادِ، إنَّما مَعْناهُ: كُنْ بِحالِ كَذا، وعَلى وتِيرَةِ كَذا، وفي هَذا تَدْرِيجُ دَوَرانِ الفُلْكِ يَنْطَوِي تَسْخِيرَ البَحْرِ وتَسْخِيرَ الرِياحِ، وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ فَتَفَجُّرُها في كُلِّ بَلَدٍ وانْقِيادُها لِلسَّقْيِ وسائِرِ المَنافِعِ.

و"دائِبَيْنِ" مَعْناهُ: مُتَمادِيَيْنِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِصاحِبِ الجَمَلِ الَّذِي بَكى وَأجْهَشَ إلَيْهِ: (إنَّ هَذا الجَمَلَ شَكا إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ)» أيْ تُدِيمُهُ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في الطُلُوعِ والغُرُوبِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ الَّتِي لا تُحْصى كَثْرَةً، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ -يَرْفَعُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللهِ، وهَذا قَوْلٌ إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَسْخِيرِ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: "سَخَّرَ"، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا بِعِيدٌ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ، أيْ إنَّ الإنْسانَ بِجُمْلَتِهِ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ ويُنْتَفَعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدَ هَذا في واحِدٍ مِنَ الناسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِعَمُ في البَشَرِ، فَيُقالُ بِحَسْبِ هَذا لِلْجَمِيعِ: "أُوتِيتُمْ كَذا" عَلى جِهَةِ التَعْدِيدِ لِلنِّعْمَةِ، وقِيلَ المَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ أنْ لَوْ سَألْتُمُوهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، و"ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "سَألْتُمُوهُ" عائِدًا عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، ويَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى "الَّذِي"، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ" بِتَنْوِينِ "كُلٍّ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وسَلامٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، والمَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ قَبْلُ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ لِمَعْنى الِانْتِفاعِ بِهِ، فَـ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "آتاكُمْ".

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "ما" نافِيَةٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، أيْ: أعْطاكم مِن كُلٍّ شَيْئًا، ما سَألْتُمُوهُ، والمَفْعُولُ الثانِي هو قَوْلُنا: "شَيْئًا"، فَعَدَّدَ عَلى هَذِهِ- النِعْمَةَ في تَفْضِيلِهِ بِما لَمْ يَسْألْهُ البَشَرُ مِنَ النِعَمِ، وكانَ ما سَألُوهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرُ الضَحّاكِ.

وأمّا القِراءَةُ الأولى بِإضافَةِ "كُلِّ" إلى "ما" فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المَفْعُولِ الثانِي: جُزْءًا أو شَيْئًا أو نَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها  ﴾ أيْ: لِكَثْرَتِها وعِظَمِها في الحَواسِّ والقُوى والإيجادِ مِنَ العَدَمِ إلى الهِدايَةِ إلى لِإيمانٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إنَّ حَقَّ اللهِ أثْقَلُ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ العِبادُ، ونِعَمَهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصِيَها العِبادُ، ولَكِنْ أصْبِحُوا تَوّابِينَ وأمْسُوا تَوّابِينَ.

وقالَ أبُو الدَرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَوْعَ والجِنْسَ، المَعْنى: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ، وهي الظُلْمُ والكُفْرُ، فَإنَّ كانَتْ هَذِهِ الخِلالُ مِن جاحِدٍ فَهي بِصِفَةٍ، وإنْ كانَتْ مِن عاصٍ فَهي بِصِفَةٍ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ ٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣٦ رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ٣٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ ﴾ ﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِن الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِن الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، و"البَلَدُ": مَكَّةُ، و"آمِنًا" مَعْناهُ: فِيهِ أمْنٌ، فَوَصْفُهُ بِالأمْنِ تَجَوُّزًا، كَما قالَ: ﴿ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ  ﴾ ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ و"اجْنُبْنِي" مَعْناهُ: وامْنَعْنِي، يُقالُ: جَنَبَهُ كَذا وجَنَّبَهُ وأجْنَبَهُ إذا مَنَعَهُ مِنَ الأمْرِ وحِماهُ مِنهُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والثَقَفِيُّ: "وَأجْنِبْنِي" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ النُونِ.

و"بَنِيَّ" أرادَ بَنِي صُلْبِهِ، ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمْ، وأمّا باقِي نَسْلِهِ فَقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ، وهَذا الدُعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ، فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا؟

لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ.

و"الأصْنامُ" هي المَنحُوتَةُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ فَهي أوثانٌ، قالَهُ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، ونَسَبَ إلى الأصْنامِ أنَّها أضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ الناسِ تَجَوُّزًا إذْ كانَتْ عُرْضَةَ الإضْلالِ والأسْبابِ المَنصُوبَةِ لِلْغَيِّ، وعَلَيْها تَنْشَأُ الأعْمالُ، وحَقِيقَةُ الإضْلالِ إنَّما هي لِمُخْتَرِعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن عَصانِي ﴾ ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ وإذا كانَ ذَلِكَ، كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِتَوْبَتِكَ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يُؤْمِنُوا، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِكافِرٍ، ولَكِنْ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ  ، قالَ قَتادَةُ: اسْمَعُوا قَوْلَ الخَلِيلِ، واللهِ ما كانُوا طَعّانِينَ ولا لَعّانِينَ، وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللهِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  ﴾ ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ حَدِيثًا إلى النَبِيِّ  أنَّهُ تَلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثُمَّ دَعا لِأُمَّتِهِ، فَبُشِّرَ فِيهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ يَقُولُ: مَن يَأْمَنُ عَلى نَفْسِهِ بَعْدَ خَوْفِ الخَلِيلِ عَلى نَفْسِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنْ سارَّةَ لَمّا غارَتْ بِهاجَرَ بَعْدَ أنْ ولَدَتْ إسْماعِيلَ تَعَذَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِما، فَرَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشامِ إلى بَطْنِ مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ تَعالى، فَلَمّا ولّى دَعا بِمُضَمَّنِ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما صَنَعَتْ وسائِرُ خَبَرِ إسْماعِيلَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِيَرِ وغَيْرِهِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ مِن ذُرِّيَّتِي ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ بِالشامِ.

و"الوادِي": ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ ماءٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ عَلِمَ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ لا يُضَيِّعُ هاجَرَ وابْنَها في ذَلِكَ الوادِي، وأنَّهُ يَرْزُقُهُما الماءَ، وإنَّما نَظَرَ النَظَرَ البَعِيدَ لِلْعاقِبَةِ فَقالَ: ﴿ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾ ، ولَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ مِنَ اللهِ لَقالَ: "غَيْرِ ذِي ماءٍ" عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ حالُ الوادِي عِنْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ البَيْتُ قَدْ كانَ قَدِيمًا عَلى ما رُوِيَ قَبْلَ الطُوفانِ، وكانَ عِلْمُهُ عِنْدَ إبْراهِيمَ، وإمّا أنْ يَكُونَ قالَها لَمّا كانَ قَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ سَيَبْنِي هُنالِكَ بَيَّتًا لِلَّهِ تَعالى فَيَكُونُ مُحَرَّمًا، والمَعْنى: مُحَرَّمًا عَلى الجَبابِرَةِ وأنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ ويُسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وجَمْعُهُ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "لِيُقِيمُوا" يَدُلُّ عَلى أنَّ اللهَ قَدْ أعْلَمَهُ أنَّ ذَلِكَ الطِفْلَ سَيُعَقِّبُ هُنالِكَ ويَكُونُ لَهُ نَسْلٌ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُقِيمُوا" هي لامُ "كَيْ"، هَذا هو الظاهِرُ فِيها، عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أسْكَنْتُ"، والنِداءُ اعْتِراضٌ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لامَ أمْرٍ، كَأنْ رَغِبَ إلى اللهِ أنْ يُوَفِّقَهم بِإقامَةِ الصَلاةِ، ثُمَّ ساقَ عِبارَةً مُلْزَمَةً لَهم إقامَةَ الصَلاةِ، وفي اللَفْظِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بَعْضُ تَجَوُّزٍ يَرْبُطُهُ المَعْنى ويُصْلِحُهُ.

و"الأفْئِدَةُ": القُلُوبُ، جَمْعُ فُؤادٍ.

سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإنْفادِهِ، مَأْخُوذٌ مِن: فَأدَ، ومِنهُ المُفْتَأدُ وهو مُسْتَوْقِدُ النارِ حَيْثُ يُشْوى اللَحْمُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "فاجْعَلْ أفْيِدَةً" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الناسِ ﴾ تَبْعِيضٌ، ومُرادُهُ: المُؤْمِنُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ إبْراهِيمُ: "أفْئِدَةَ الناسِ" لازْدَحَمَتْ عَلى البَيْتِ فارِسٌ والرُومُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "لَحَجَّتْهُ اليَهُودُ والنَصارى".

و"تَهْوِي" مَعْناهُ: تَسِيرُ بِجِدٍّ وقَصْدٍ مُسْتَعْجَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا رَمَيْتَ بِهِ الفِجاجَ رَأيْتَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يَهْوِي مَخارِمَها هُوِيَّ الأجْدَلِ ومِنهُ البَيْتُ المَرْوِيُّ: تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَأجَناسِها وقَرَأ سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "تُهْوِي" بِضَمِّ التاءِ، مِن أهْوى، وهو الفِعْلُ المَذْكُورُ مُعَدّى بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ومُجاهِدٌ (تَهْوِي) بِفَتْحِ التاءِ والواوِ، ويُعَدّى هَذا الفِعْلَ -وَهُوَ مِنَ الهَوى- بِـ "إلى"، لِما كانَ مُقْتَرِنًا بِسَيْرٍ وقَصْدٍ، ورُوِيَ عن مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدِ الطائِفِيِّ أنَّهُ لَمّا دَعا عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُرْزَقَ سُكّانُ مَكَّةَ مِنَ الثَمَراتِ بَعَثَ اللهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فاقْتَلَعَ بِجَناحِهِ قِطْعَةً مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ -مِنَ الأُرْدُنَ - فَجاءَ بِها وطافَ حَوْلَ البَيْتِ بِها سَبْعًا، ووَضْعَها قُرَيْبَ مَكَّةَ، فَهي الطائِفُ، وبِهَذِهِ القِصَّةِ سُمِّيَتْ، وهي مَوْضِعُ ثَقِيفٍ، وبِها أشْجارٌ وثَمَراتٌ.

<div class="verse-tafsir"

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ٣٨ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩ رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ٤٠ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ٤١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ﴾ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُعاءِ ﴾ ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ ﴾ ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ ﴾ مَقْصِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِصارِهِ في الدُعاءِ، وتَفْوِيضِهِ إلى ما عَلِمَ اللهُ مِن رَغائِبِهِ وحِرْصِهِ عَلى هِدايَةِ بَنِيهِ والرِفْقِ بِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الثَناءِ عَلى اللهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، وإلى حَمْدِهِ عَلى هِباتِهِ، وهَذِهِ مِنَ الآياتِ المُعْلِمَةِ أنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ هو عَلى التَفْصِيلِ التامِّ.

ورُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿ عَلى الكِبَرِ ﴾ أنَّهُ لَمّا وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا، ورُوِيَ أقَلُّ مِن هَذا، وإسْماعِيلُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ فِيما رُوِيَ، وبِحَسْبِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ .

دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ كانَ مُثابِرًا عَلَيْهِ، مُتَمَسِّكًا بِهِ، ومَتى دَعا الإنْسانُ في مِثْلِ هَذا فَإنَّما القَصْدُ إدامَةُ ذَلِكَ الأمْرِ واسْتِمْرارِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ: "دُعاءِ رَبَّنا" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "دُعايَ" بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ إثْباتَ الياءِ في الوَصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِوالِدَيَّ"، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا مِن إبْراهِيمَ قَبْلَ يَأْسِهِ مِن إيمانِ أبِيهِ وتَبَيُّنِهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَأرادَ أباهُ وأُمَّهُ لِأنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ ونُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ لِأنَّ أُمَّهُ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ أرادَ آدَمَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلِوالِدِي" بِإفْرادِ الأبِ وحْدَهُ، وهَذا يَدْخُلُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَأْوِيلاتِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِوَلَدَيَّ" عَلى أنَّهُ دُعاءٌ لِإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلِأبَوَيَّ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يُعْمُرَ: "وَلِوُلْدِي" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، والوُلْدُ لُغَةً في الوَلَدِ، ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوُلْدُ جَمْعَ وُلَدٍ، لا كَأُسْدٍ في جَمْعِ أسَدٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِلْحِسابِ، فَأسْنَدَ القِيامَ لِلْحِسابِ إيجازًا إذِ المَعْنى مَفْهُومٌ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يُرِيدَ قِيامَ الحِسابِ نَفْسَهُ، ويَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى ظُهُورِهِ وتَلَبُّسِ العِبادِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ بِهِ كَما تَقُولُ: قامَتِ السُوقُ، وقامَتِ الصَلاةُ، كَما قالَ: وقامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍۢ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَـٰرُ ٤٢ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌۭ ٤٣ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍۢ ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ ﴿ وَأنْذِرِ الناسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها فِيها وعِيدٌ لِلظّالِمِينَ، وتَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِينَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ: "تَحْسَبَنَّ" لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ بِالنَهْيِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَحْسَبَ مِثْلَ هَذا، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَلا تَحْسَبِ اللهَ غافِلًا" بِإسْقاطِ النُونِ، وكَذَلِكَ: "فَلا تَحْسَبِ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ"، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "نُؤَخِّرُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُؤَخِّرُهُمْ" بِالياءِ، أيِ اللهُ تَعالى.

وتَشْخَصُ مَعْناهُ: تُحِدَّ النَظَرَ لِفَزَعِ، ولِفَرْطِ ذَلِكَ بِشَخْصِ المُحْتَضِرِ.

و"المُهْطِعُ": المُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وذَلِكَ بِذِلَّةٍ واسْتِكانَةٍ، كَإسْراعِ الأسِيرِ الخائِفِ ونَحْوِهِ، وهَذا هو أرْجَحُ الأقْوالِ، وقَدْ تُوصَفُ الإبِلُ بِالإهْطاعِ عَلى مَعْنى الإسْراعِ، وقَلَّما يَكُونُ إسْراعُها إلّا خَوْفَ السَوْطِ ونَحْوَهُ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كَأنَّ عِنانَهُ ∗∗∗ في رَأْسِ جِذْعٍ مَن أوالِ مُشَذَّبٍ وَمِن ذَلِكَ قَوْلُ عُمْرانَ بْنِ حَطّانَ: إذا دَعانا فَأهْطَعْنا لِدَعْوَتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ داعٍ سَمِيعٌ فَلَفُّونا وساقُونا ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُفَرَّغٍ: بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم ∗∗∗ ∗∗∗ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَماعِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: بِمُسْتَهْطِعٍ رَسْلٍ كَأنَّ جَدِيلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِقَيْدُومِ رَعْنٍ مِن صَوامٍ مُمَنَّعُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الضُحى: الإهْطاعُ: شِدَّةُ النَظَرِ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَدْ يَكُونُ الإهْطاعُ لِلْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا: الإسْراعُ وإدامَةُ النَظَرِ.

و"المُقْنِعُ" هو الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَدْمًا بِوَجْهِهِ نَحْوَ الشَيْءِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: / يُباكِرْنَ العِضاهَ بِمُقْنَعاتٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحَدَأِ الوَقِيعِ يَصِفُ الإبِلَ بِالإقْناعِ عِنْدَ رَعْيِها أعالِي الشَجَرِ.

وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وُجُوهُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السَماءِ، لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى أحَدٍ، وذَكَرَ المُبَرِّدُ فِيما حُكِيَ عن أنَّ الإقْناعَ يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى خَفْضِ الرَأْسِ مِنَ الذِلَّةِ، والأوَّلُ أشْهَرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ أيْ: لا يَطْرِفُونَ مِنَ الحَذَرِ والجَزَعِ وشِدَّةِ الحالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ تَشْبِيهٌ مَحْضٌ، لِأنَّها لَيْسَتْ بِهَواءٍ حَقِيقَةً، وجِهَةُ التَشْبِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في فَراغِ الأفْئِدَةِ مِنَ الخَيْرِ والرَجاءِ والطَمَعِ في الرَحْمَةِ، فَهي مُنْخَرِقَةٌ مُشْبِهَةٌ الهَواءَ في تَفَرُّغِهِ مِنَ الأشْياءِ وانْخِراقِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في اضْطِرابِ أفْئِدَتِهِمْ وجَيَشانِها في صُدُورِهِمْ، وأنَّها تَجِيءُ وتَذْهَبُ وتَبْلُغُ -عَلى ما رُوِيَ- حَناجِرَهُمْ، فَهي في ذَلِكَ كالهَواءِ الَّذِي هو أبَدًا في اضْطِرابٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ يُشَبَّهُ قَلْبُ الجَبانِ وقَلَّبُ الرَجُلِ المُضْطَرِبِ في أُمُورِهِ بِالهَواءِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ولا تَكُ مِن أخْدانِ كُلِّ يَراعَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ هَواءٍ كَسَقْبِ النابِ جَوْفًا مَكاسِرُهْ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ: ألّا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ وَمِن ذَلِكَ قَوْلٌ زُهَيْرٍ: كَأنَّ الرَحْلَ مِنهُ فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الظِلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءُ فالمَعْنى أنَّهُ في غايَةِ الخِفَّةِ في إجْفالِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرِ الناسَ ﴾ الآيَةُ.

المُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِـ "أنْذِرْ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأنَّ القِيامَةَ لَيْسَتْ بِمَوْطِنِ إنْذارٍ.

وقَوْلُهُ: "فَيَقُولُ" رُفِعَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "يَأْتِيهِمُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مَعْناهُ: يُقالُ لَهُمْ، فَحَذَفَ ذَلِكَ إيجازًا إذِ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَكم مِن زَوالٍ ﴾ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ نَقْلُ المَعْنى، و ﴿ مِن زَوالٍ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ الأرْضِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ: لا بَعْثَ مِنَ القُبُورِ، وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى ما حَكى عنهم في قَوْلِهِ: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ ٤٥ وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ٤٦ فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍۢ ٤٧ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ٤٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكم الأمْثالَ ﴾ ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللهِ مَكْرَهم وإنْ كانَ مَكْرَهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أيُّها المُعْرِضُونَ عن آياتِ اللهِ مِن جَمِيعِ العالَمِ سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ السالِفَةِ فَنَزَلَتْ بِهِمُ المُثُلاتُ، فَكانَ قَوْلُكُمُ الِاعْتِبارَ والِاتِّعاظَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَتَبَيَّنَ" بِتاءٍ، وقَرَأ السُلَمِيُّ -فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ -: "وَنُبَيِّنْ" بِنُونِ عَظْمَةٍ مَضْمُومَةٍ وجَزْمٍ عَلى مَعْنى: أو لَمْ نُبَيِّنْ، عَطْفٌ عَلى ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا  ﴾ ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ النُونِ ورَفْعِ النُونِ الأخِرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: وعِنْدَ اللهِ عِقابُ مَكْرِهِمْ، أو جَزاءُ مَكْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والضَمِيرُ لِمُعاصِرِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلظَّلَمَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والضَمِيرُ لِلَّذِينِ سَكَنَ في مَنازِلِهِمْ.

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى الكِسائِيِّ: ﴿ وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ بِكَسْرِ اللامِ مَن لِتَزُولَ وفَتْحِ الثانِيَةِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وجَماعَةٍ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "إنْ" نافِيَةً بِمَعْنى "ما"، ومَعْنى الآيَةِ تَحْقِيرُ مَكْرِهِمْ، وأنَّهُ ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ الشَرائِعُ والنُبُوّاتُ وأقْدارُ اللهِ بِها الَّتِي هي كالجِبالِ في ثُبُوتِها وقُوَّتِها، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وتَحْتَمِلُ عِنْدِي هَذِهِ القِراءَةُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى تَعْظِيمِ مَكْرِهِمْ، أيْ: وإنْ كانَ شَدِيدًا إنَّما يَفْعَلُ لِتَذْهَبَ بِهِ عِظامُ الأُمُورِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "لَتَزُولُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى ورَفْعِ الثانِيَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "إنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، ومَعْنى الآيَةِ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ أنَّهُ مِمّا يُشْقى بِهِ، ويُزِيلُ الجِبالَ مِن مُسْتَقَرّاتِها بِقُوَّتِهِ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى أبْطَلَهُ ونَصَرَ أولِياءَهُ، وهَذا أشَدُّ في العِبْرَةِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ"، ويَتَرَتَّبُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ في "لِتَزُولَ" ما تَقَدَّمَ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلَوْلا كَلِمَةُ اللهِ لَزالَ مِن مَكْرِهِمُ الجِبالُ"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم جَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ إشارَةً إلى ما فَعَلَ نَمْرُوذُ، إذْ عَلَّقَ التابُوتَ بَيْنَ الأنْسُرِ ورَفَعَ لَها اللَحْمَ في أطْرافِ الرِماحِ بَعْدَ أنْ أجاعَها، ودَخَلَ هو وحاجِبُهُ في التابُوتِ فَعَلَتْ بِهِما الأنْسُرُ حَتّى قالَ لَهُ النَمْرُودُ: ماذا تَرى؟

قالَ: أرى بَحْرًا وجَزِيرَةً، يُرِيدُ الدُنْيا المَعْمُورَةَ، ثُمَّ قالَ: ماذا تَرى؟

قالَ: أرى غَمامًا ولا أرى جَبَلًا، فَكَأنَّ الجِبالَ زالَتْ عن نَظَرِ العَيْنِ بِهَذا المَكْرِ، وذُكِرَ ذَلِكَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيٍّ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها ضَعْفٌ مِن طَرِيقِ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ أنَّ تَصْعَدُ الأنْسُرُ كَما وصَفَ، وبِعِيدٌ أنْ يُغَرِّرَ أحَدٌ بِنَفْسِهِ في مِثْلِ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ ﴾ الآيَةُ.

تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيِّ  ولِغَيْرِهِ مَن أُمَّتِهِ، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ  مِمَّنْ يَحْسَبُ مِثْلَ هَذا، ولَكِنْ خَرَجَتِ العِبارَةُ هَكَذا، والمُرادُ بِما فِيها مِنَ الزَجْرِ مَن شارَكَ النَبِيَّ  في أنْ قَصَدَ تَثْبِيتَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِفَ وعْدِهِ" بِالإضافَةِ "رُسُلَهُ" بِالنَصْبِ، وأضافَ "مُخْلِفَ" إلى "الوَعْدِ" إذْ لِلْإخْلافِ تَعَلُّقٌ بِالوَعِيدِ عَلى تَجَوُّزٍ، وإنَّما حَقِيقَةُ تَعَلُّقِهِ بِالرُسُلِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: تَرى الثَوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِلِّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَمْسِ أجْمَعُ وكَقَوْلِكَ: "هَذا مُعْطِي زَيْدٍ دِرْهَمًا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ" بِنَصْبِ "الوَعْدِ" وخَفْضِ "الرُسُلِ" عَلى الإضافَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ ذَكَرَها الزَجّاجُ وضَعَّفَها، وهي تَحُولُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، وهي كَقَوْلِ الشاعِرِ: فَزَجَجْتُها بِمَزَجَّةِ ∗∗∗ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَهْ وَأمّا إذا حِيلَ في مِثْلِ هَذا بِالظَرْفِ فَهو أشْهَرُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها وقالَ آخَرُ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا...

يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ والمَعْنى: لا تَحْسَبْ يا مُحَمَّدُ أنْتَ ومَنِ اعْتَبَرَ بِالأمْرِ مِن أُمَّتِكَ وغَيْرِهِمْ أنَّ اللهَ لا يُنْجِزُ وعْدَهُ في نَصْرِ رُسُلِهِ وإظْهارِهِمْ، ومُعاقَبَةِ مَن كَفَرَ بِهِمْ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللهَ عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ مِنهُ شَيْءٌ، ذُو انْتِقامٍ مِنَ الكَفَرَةِ، لا سَبِيلَ إلى عَفْوِهِ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ ﴾ الآيَةُ.

"يَوْمَ" ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، ورُوِيَ في "تَبْدِيلِ الأرْضِ" أقْوالٌ: مِنها في الصَحِيحِ أنَّ اللهَ يُبَدِّلُها هَذِهِ الأرْضَ بِأرْضٍ عَفْراءَ بَيْضاءَ كَأنَّها قُرْصَةُ النَقِيِّ، وفي الصَحِيحِ أنَّ اللهَ يُبَدِّلُها خُبْزَةُ يَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِنها مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ورُوِيَ أنَّها تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ، ورُوِيَ أنَّها أرْضٌ كالفِضَّةِ مِن بَياضِها، ورُوِيَ أنَّها تُبَدَّلَ مِن نارٍ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تَبْدِيلُ الأرْضِ هو نَسْفُ جِبالِها، وتَفْجِيرُ بِحارِها، وتَغْيِيرُها حَتّى لا يُرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، فَهَذِهِ حالٌ غَيْرُ الأُولى، وبِهَذا وقَعَ التَبْدِيلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وسَمِعْتُ مِن أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ التَبْدِيلَ يَقَعُ في الأرْضِ، ولَكِنْ يُبَدَّلُ لِكُلِّ فَرِيقٍ بِما تَقْتَضِيهِ حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يَكُونُ عَلى خُبْزٍ يَأْكُلُ مِنهُ بِحَسْبِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وفَرِيقٌ يَكُونُ عَلى فِضَّةٍ -إنَّ صَحَّ السَنَدُ بِها-، وفَرِيقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ عَلى نارٍ، ويَجُوزُ هَذا مِمّا كُلُّهُ واقِعٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ التَبْدِيلَ يَكُونُ بِأرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ لَمْ يُعْصَ اللهُ فِيها، ولا سُفِكَ فِيها دَمٌ، ولَيْسَ فِيها مَعْلَمٌ لِأحَدٍ.

ورُوِيَ فِيها عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "المُؤْمِنُونَ وقْتَ التَبْدِيلِ في ظِلِّ العَرْشِ"»، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "الناسُ وقْتَ التَبْدِيلِ عَلى الصِراطِ"،» وعنهُ أنَّهُ قالَ: « "الناسُ حِينَئِذٍ أضْيافُ اللهِ فَلا يُعْجِزُهم ما لَدَيْهِ".» و"بَرَزُوا" مَأْخُوذٌ مِنَ البِرازِ، أيْ: ظَهَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُوارِيهِمْ بِناءٌ ولا حِصْنٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِذِكْرِ هَذِهِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ٤٩ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍۢ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ٥٠ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٥١ هَـٰذَا بَلَـٰغٌۭ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ٥٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ ﴿ سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ ﴾ ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ المُجْرِمُونَ هُمُ الكُفّارُ، و"مُقَرَّنِينَ" مَرْبُوطِينَ في قَرَنٍ وهو الحَبَلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رُؤُوسُ الإبِلِ والبَقَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وابْنُ اللَبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ و"الأصْفادُ" الأغْلالُ، واحِدُها صَفَدٌ، يُقالُ: صَفَدَهُ وأصْفَدَهُ وصَفَّدَهُ إذا غَلَّلَهُ، والِاسْمُ الصِفادُ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: وزَيْدُ الخَيْلِ قَدْ لاقى صِفادًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَعَضُّ بِساعِدٍ وبِعَظْمِ ساقِ وكَذَلِكَ يُقالُ في العَطاءِ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ.

فَلَمْ أُعَرِّضْ -أبَيْتَ اللَعْنَ- بِالصَفْدِ.

وَ "السَرابِيلُ": القُمُصُ، و"القَطِرانُ" هو الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ، ولِلنّارِ فِيهِ اشْتِعالٌ شَدِيدٌ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ قُمُصَ أهْلِ النارِ مِنهُ، ويُقالُ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطاءِ، وبِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وعَلَيٌّ، والحُسْنُ بِخِلافٍ- وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَلْقَمَةُ، وسِنّانُ بْنُ سَلَمَةَ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: " قَطْرٍ آنٍ"، والقَطْرُ: القَصْدِيرُ، وقِيلَ: النُحاسُ.

ورُوِيَ عن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِالقَطْرانِ، ولَكِنَّهُ النُحاسُ يُسَرْبَلُونَهُ، و"آنٍ" صِفَةٌ، وهو الذائِبُ الحارُّ الَّذِي قَدْ تَناهى حَرُّهُ، قالَ الحَسَنُ: قَدْ سُعِّرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ فَتَناهى حَرُّهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وُجُوهَهُمْ" بِالنَصْبِ "النارُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالعَكْسِ، فالأوَّلُ عَلى نَحْوِ: ﴿ واللَيْلِ إذا يَغْشى  ﴾ فَهي حَقِيقَةُ الغَشَيانِ، والثانِي عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: يُغْشَوْنَ حَتّى ما تَهِرُّ كِلابُهم ∗∗∗ ∗∗∗ لا يَسْألُونَ عَنِ السَوادِ المُقْبِلِ فَهِيَ بِتَجَوُّزٍ في الغَشَيانِ، كَأنَّ وُرُودَ الوُجُوهِ عَلى النارِ غَشَيانٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ ﴾ أيْ: لِكَيْ يَجْزِيَ اللهُ واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أُنَفِّذُ عَلى المُجْرِمِينَ هَذا العِقابَ لِيَكُونَ في ذَلِكَ جَزاءُ المُسِيءِ عَلى إساءَتِهِ، وجاءَ مِن لَفْظَةِ الكَسْبِ بِما يَعُمُّ المُسِيءَ والمُحْسِنَ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ المُحْسِنَ أيْضًا يُجازى بِإحْسانِهِ خَيْرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ أيْ: فاصِلَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ بِالإحاطَةِ الَّتِي لَهُ بِدَقِيقِ أمْرِهِمْ وجَلِيلِها، لا إلَهَ غَيْرُهُ، وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ العِبادَ في وقْتٍ واحِدٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؟

قالَ: كَما يَرْزُقُهم في وقْتٍ واحِدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ والوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ، ووَصَفَهُ بِالمَصْدَرِ في قَوْلِهِ: "بَلاغٌ"، والمَعْنى: هَذا ذُو بَلاغٍ لِلنّاسِ، وهو لِيُنْذَرُوا بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِيُنْذَرُوا" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الذالِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ عِمارَةَ، وأحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أُسَيْدٍ: "وَلِيَنْذَرُوا" بِفَتْحِ الياءِ والذالِ، تَقُولُ العَرَبُ: "نَذَرْتُ بِكَذا" إذا أشْعَرْتُ بِهِ، وتَحَرَّزَتْ مِنهُ، وأعْدَدْتُ لَهُ.

ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

انْتَهى تَفْسِيرُ سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ بَشِيرًا ونَذِيرًا وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله