الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الحجر
تفسيرُ سورةِ الحجر كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 107 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ "الر"، تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، و"تِلْكَ" يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ بِحَسْبِ بَعْضِ الأقْوالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى الحِكَمِ والعِبَرِ ونَحْوَها الَّتِي تَضَمَّنَتْها آياتُ التَوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَطَفَ القُرْآنَ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "الكِتابُ" في الآيَةِ ما نَزَلَ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ، ثُمَّ تُعْطَفُ الصِفَةُ عَلَيْهِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: "رُبَما" بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأها عَلى الوَجْهَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، ورُوِيَ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ "رُبَّتَما" بِزِيادَةِ التاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ، و"رُبَّما" لِلتَّقْلِيلِ، وقَدْ تَجِيءُ شاذَّةً لِلتَّكْثِيرِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ مِن تِلْكَ، ومِنهُ: رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يابْنَ لُؤَيٍّ.
وأنْكَرُ الزُجاجُ أنْ تَجِيءَ "رُبَّ" لِلتَّكْثِيرِ.
و"ما" الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْها "رُبَّ" قَدْ تَكُونُ اسْمًا نَكِرَةً بِمَنزِلَةِ "شَيْءٍ"، وذَلِكَ إذا كانَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما تَكْرَهُ النُفُوسُ مِنَ الأُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ التَقْدِيرُ: رُبَّ شَيْءٍ.
وقَدْ تَكُونُ حَرْفًا كافًّا لِـ "رُبَّ" ومُوَطِّئًا لَها لِتَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ، إذْ لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ تَدَخُّلَ إلّا عَلى الأسْماءِ، وذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ضَمِيرٌ عائِدٌ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُبَّما أوفَيْتُ في عَلَمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْفَعن ثَوْبِي شَمالُاتُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ تَدْخُلَ "ما" عَلى "مِن" كافَّةً في نَحْوِ قَوْلِهِ: "وَكانَ رَسُولُ اللهِ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"، ونَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ قالَ الكِسائِيُّ، والفِراءُ: البابُ في "رُبَّما" أنْ تَدْخُلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي، ودَخَلَتْ هُنا عَلى المُسْتَقْبَلِ إذْ هَذِهِ الأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى لَمّا كانَتْ صادِقَةً واقِعَةً ولا بُدَّ تَجْرِي مَجْرى الماضِي الواقِعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَدْخُلُ "رُبِّ" عَلى الماضِي الَّذِي يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وتَدْخُلُ عَلى العَكْسِ.
والظاهِرُ في "رُبَما" في هَذِهِ الآيَةِ أنْ "ما" حَرْفٌ كافٍّ، هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمًا، ويَكُونُ في "يَوَدُّ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ، التَقْدِيرُ: رُبَّ ودٍّ، أو شَيْءٌ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ويَكُونُ ﴿ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ بَدَلًا مِن "ما".
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: رُبَّما كانَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا لا يُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ، لَأنَّ "كانَ" لا تُضْمَرُ عِنْدَهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الوَقْتِ الَّذِي يَوَدُّ فِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ -فَقالَتْ فَرِقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ في الدُنْيا، حَكى ذَلِكَ الضِحاكُ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لا يَقِينَ لِلْكافِرِ حِينَئِذٍ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عِنْدَ مُعايَنَةِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا بَيِّنٌ؛ لَأنَّ حُسْنَ حالِ المُسْلِمِينَ ظاهِرٌ فَيُوَدُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ ومَعْرِفَتِهِمْ بِدُخُولِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، واحْتُجَّ لِهَذا القَوْلِ بِحَدِيثٍ رُوِيَ في هَذا مِن طَرِيقِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وهو «أنَّ اللهَ تَعالى إذا أدْخَلَ عُصاةَ المُسْلِمِينَ النارَ نَظَرَ إلَيْهِمُ الكُفّارُ فَقالُوا: ألَيْسَ هَؤُلاءِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟
فَماذا أغْنَتْ عنهم لا إلَهَ إلّا اللهُ؟
فَيَغْضَبُ اللهُ تَعالى لِقَوْلِهِمْ، فَيَقُولُ: أخْرَجُوا مِنَ النارِ كُلَّ مُسْلِمٍ؟
قالَ رَسُولُ اللهِ : "فَحِينَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ".» وهَذا يَقِينُهم فِيهِ مُتَمَكِّنٌ بِحُسْنِ حالِ المُسْلِمِينَ، فَمِن حَيْثُ هَذا كُلُّهُ واحِدٌ في كُلِّ قَوْلٍ فَـ "رُبَما" لِلتَّقْلِيلِ، لَأنَّهم كانُوا في الدُنْيا لا يَوَدُّونَ الإسْلامَ في كُلِّ أوقاتِهِمْ، ومِن حَيْثُ مَوْطِنُ الآخِرَةِ يَدُومُ وِدُّهم فِيهِ جَعَلَ بَعْضَ الناسِ "رُبَما" هَذِهِ لِلتَّكْثِيرِ، إذْ كَلَّما تَذَكَّرَ أمْرَهُ ودَّ لَوْ كانَ مُسْلِمًا.
و"لَوَ" في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لِلتَّمَنِّي، ويَدْخُلُها الِامْتِناعُ مِنَ الشَيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ بِإضْمارٍ يُوَضِّحُهُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهم ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ فَيَنْجَوْنَ النِجاءَ الَّذِي مانِعُهُ أنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ العِبَرِ في هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ الوابِصِيِّ الَّذِي في ذَيْلِ الأمالِي، ومُقْتَضاهُ أنَّهُ ارْتَدَّ ونَسِيَ القُرْآنَ إلّا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وما فِيهِ مِنَ المُهادَنَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعِيدٌ ثانٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: الأوَّلُ في الدُنْيا، والثانِي في الآخِرَةِ، فَكَيْفَ تَطِيبُ حَياةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الوَعِيدَيْنِ؟
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ ﴾ أيْ يَشْغَلُهم أمَلُهم في الدُنْيا والتَزَيُّدُ فِيها عَنِ النَظَرِ والإيمانِ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها ﴾ الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَبْطِئْنَّ هَلاكَهُمْ، فَلَيْسَ مِن قَرْيَةٍ إلّا مُهْلَكَةٌ بِأجْلٍ وكِتابٍ.
ومَعْنى [مَعْلُومٌ] مَحْدُودٌ، والواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَها" هي واوُ الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إلّا لَها" بِغَيْرِ واوٍ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هَذِهِ الواوُ هي الَّتِي تُعْطِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها في اللَفْظِ هي في الزَمانِ قَبْلَ الحالَةِ الَّتِي قَبِلَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" يُرادُ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، ويُرْوى أنَّ القائِلِينَ كانُوا: عَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والنَضِرَ بْنَ الحارِثِ وأشْباهَهُما، وقَرَأ الأعْمَشُ: "يا أيُّها الَّذِي أُلْقِيَ إلَيْهِ الذِكْرُ".
وقَوْلُهُمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ كَلامٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ، أيْ بِزَعْمِكَ ودَعْواكَ، وهَذِهِ المُخاطَبَةُ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ جاهِلٍ أرادَ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيما لا يُحْسِنُ: يا أيُّها العالَمُ لا تُحْسِنُ تَتَوَضَّأُ.
و"لَوْما" بِمَعْنى "لَوْلا" فَتَكُونُ تَحْضِيضًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَكُونُ دالَّةً عَلى امْتِناعِ شَيْءٍ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، كَما قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: لَوْلا الحَياءُ ولَوْما الدِينُ عِبْتُكُما ∗∗∗ بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "ما تَنْزِلُ المَلائِكَةُ" بِفَتْحِ التاءِ والرَفْعِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التاءَ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: "نُنَزِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "المَلائِكَةَ" نَصْبًا، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: بِالرِسالَةِ والعَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: كَما يَجِبُ ويَحِقُّ مِنَ الوَحْيِ والمَنافِعِ الَّتِي أراها اللهُ لِعِبادِهِ، لا عَلى اقْتِراحِ كافِرٍ، ولا بِاخْتِيارِ مُعْتَرِضٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ عادَةَ اللهِ في الأُمَمِ مِن أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةِ اقْتِراحٍ إلّا ومَعَها العَذابُ في أثَرِها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وكَأنَّ الكَلامَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِحَقٍّ وواجِبٍ لا بِاقْتِراحِكُمْ، وأيْضًا فَلَوْ نَزَلَتْ لَمْ يُنْظَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالعَذابِ، أيْ: لَمْ يُؤَخِّرُوا، والنَظِرَةُ: التَأْخِيرُ، والمَعْنى: فَهَذا لا يَكُونُ إذْ كانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، أو يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ ﴾ رَدٌّ عَلى المُسْتَخِفِّينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ ، وهَذا كَما يَقُولُ لَكَ رَجُلٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ: "يا عَظِيمَ القَدْرِ"، فَتَقُولُ لَهُ عَلى جِهَةِ الرَدِّ والنَجْهِ: نَعَمْ أنا عَظِيمُ القَدْرِ، ثُمَّ تَأْخُذُ في قَوْلِكَ، فَتَأمَّلْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ: نَحْفَظُهُ مِن أذاكُمْ، ونَحُوطُهُ مِن مَكْرِكم وغَيْرِهِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ ولَمْ يَنْسِبْهُ، وفي ضِمْنِ هَذِهِ العُدَّةِ كانَ رَسُولُ اللهِ حَتّى أظْهَرَ اللهُ بِهِ الشَرْعَ وحانَ أجْلُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والمَعْنى: لَحافِظُونَ مِن أنْ يُبَدَّلَ أو يُغَيَّرَ كَما جَرى في سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وفي آخِرِ ورَقَةٍ مِنَ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ التَبْدِيلَ فِيها إنَّما كانَ في التَأْوِيلِ، وأمّا في اللَفْظِ فَلا، وظاهِرُ آياتِ القُرْآنِ أنَّهم بَدَّلُوا اللَفْظَ، ووَضْعُ اليَدِ عَلى آيَةِ الرَجْمِ هو في مَعْنى تَبْدِيلِ الألْفاظِ.
وقِيلَ: لَحافِظُونَ بِاخْتِزانِهِ في صُدُورِ الرِجالِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وعَرْضُ أُسْوَةٍ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكَ يا مُحَمَّدُ بِما يَفْعَلُهُ قَوْمُكَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنّا إرْسالُ الرُسُلِ في شِيَعِ الأوَّلِينَ، وكانَتْ تِلْكَ سِيرَتُهم في الِاسْتِهْزاءِ بِالرُسُلِ، و"الشِيَعُ" جَمْعُ شِيعَةٍ، وهي الفِرْقَةُ التابِعَةُ لِرَأْسٍ، إمّا مَذْهَبٌ أو رَجُلٌ أو نَحْوَهُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَيَّعْتُ النارَ إذا اسْتَدَمْتُ وقَدَها بِحَطَبٍ أو غَيْرِهِ، فَكَأنَّ الشِيعَةَ تَصِلُ أمْرَ رَأْسِها وتُظْهِرُهُ وتَمُدُّهُ بِمَعُونَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ تَقْتَضِي "رُسُلًا"، ثُمَّ اخْتَصَرَ ذِكْرَهم لِدَلالَةِ ظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴾ ﴿ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الِاسْتِهْزاءِ أوالشِرْكِ ونَحْوَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ زَيْدٍ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، وتَكُونُ باءَ السَبَبِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى "الذِكْرِ المَحْفُوظِ" المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ وهو القُرْآنُ، أيْ: مُكَذَّبًا بِهِ مَرْدُودًا مُسْتَهْزَءًا بِهِ نُدْخِلُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدًا عَلَيْهِ أيْضًا، أيْ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "نَسْلُكُهُ" عائِدًا عَلى الِاسْتِهْزاءِ والشِرْكِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، فَيَخْتَلِفُ عَلى هَذا عَوْدُ الضَمِيرَيْنِ، والمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْظُرُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.
و"نَسْلُكُهُ" مَعْناهُ نَدْخُلُهُ، يُقالُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ إذا أدْخَلَتْهُ فِيهِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لِمَ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في أمْرٍ عَصِيبِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شَلّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُرُدا وَمِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ يَصِفُ حُمُرُ وحْشٍ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ قالَ الزُجاجُ: ويُقْرَأُ: "نُسْلِكُهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ اللامِ.
و"المُجْرِمِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن خُتِمَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الوَتِيرَةِ، وتَقُولُ: سَلَكْتُ الرَجُلَ في الأمْرِ وأسْلَكْتُهُ، بِمَعْنى واحِدٍ، ويُرْوى: حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ وكَفَرَةِ العَصْرِ المَخْتُومِ عَلَيْهِمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَظَلُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلَيْهِمْ، وهو أبْلَغُ في إصْرارِهِمْ، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ.
و"يَعْرُجُونَ" مَعْناهُ: يَصْعَدُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَعْرُجُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، والمَعارِجِ: الأدْراجُ، ومِنهُ المِعْراجُ، ومِنهُ قَوْلُ كَثِيرٍ: إلى حَسْبٍ عَوْدٍ بَنى المَرْءَ قَبْلَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ أبُوهُ لَهُ فِيهِ مَعارِجُ سُلَّمِ وَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ ﴾ ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: "وَلَوْ رَأوُا المَلائِكَةَ يَصْعَدُونَ ويَتَصَرَّفُونَ في بابٍ مَفْتُوحٍ في السَماءِ، لَما آمَنُوا"، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ كَثِيرٍ: "سُكِّرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وشَدِّ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وقَرَأ ابْنُ الزَهْرِيِّ بِفَتْحِ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "سُحِّرَتْ أبْصارُنا"، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ انْتِقالًا إلى دَرَجَةٍ عُظْمى مِن سِحْرِ العَقْلِ.
وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتِ الرِيحُ تَسْكَرُ سُكُورًا" إذا رَكَدَتْ ولَمْ تَنْفَذْ لِما كانَتْ بِسَبِيلِهِ أوَّلًا، وتَقُولُ: "سَكِرَ الرَجُلِ مِنَ الشَرابِ يَسْكَرُ سُكْرًا": إذا تَغَيَّرَتْ حالُهُ ورَكَدَ ولَمْ يَنْفُذْ فِيما لِلْإنْسانِ أنْ يَنْفُذَ فِيهِ، ومِن هَذا المَعْنى: "سَكْرانُ لا يَبِتُّ"، أيْ: لا يَقْطَعُ أمْرًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "سَكَرَتُ الفَتْقَ في مَجارِي الماءِ سَكْرًا" إذا طَمَسَتْهُ وصَرَفَتِ الماءَ عنهُ فَلَمْ يَنْفُذْ لِوَجْهِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ اللَفْظَةُ: "سُكِّرَتْ" بِشَدِّ الكافِ إذا كانَتْ مِن سُكْرِ الشَرابِ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَهي فِعْلٌ عُدِّيَ بِالتَضْعِيفِ، وإنْ كانَتْ مَن سَكْرِ مَجارِي الماءِ فَتَضْعِيفُها لِلْمُبالَغَةِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، لَأنَّ المُخَفَّفَ مَن فَعْلِهُ مُتَعَدٍّ، ورَجَّحَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ، لَأنَّ "الأبْصارَ" جَمْعٌ، والتَثْقِيلُ مَعَ الجَمْعِ أكْثَرُ، كَما قالَ: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ ، ومَن قَرَأ: "سَكِرَتْ" بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الكافِ، فَإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَن سَكِرَ الماءُ فَهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، وإنْ كانَتْ مَن سَكِرَ الشَرابُ، أو مِن سُكُورِ الرِيحِ فَيَضْمَنا أنَّ الفِعْلَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ إلى أنْ نَنْزِلَهُ مُتَعَدِّيًا، ويَكُونُ هَذا الفِعْلُ مِن قَبِيلِ: رَجَعَ زَيْدٌ ورَجَعَهُ غَيْرَهُ، وغارَتِ العَيْنُ وغارَها الرَجُلُ، فَتَقُولُ -عَلى هَذا-: سَكِرَ الرَجُلُ وسَكَرَهُ غَيْرُهُ، وسَكَرَتِ الرِيحُ وسَكَرَها شَيْءٌ غَيْرَها، ومَعْنى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهُمْ: أيْ غُيِّرَتْ أبْصارُنا عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، فَهي لا تُعْطِينا حَقائِقَ الأشْياءِ كَما كانَتْ تَفْعَلُ.
وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عن هَذِهِ اللَفْظَةِ بِقَوْلِهِ: غُشِيَ عَلى أبْصارِنا، وقالَ بَعْضُهُمْ: عُمِّيَتْ أبْصارُنا، وهَذا ونَحْوَهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى لا يَرْتَبِطُ بِاللَفْظِ، ويُقالُ أيْضًا: هَؤُلاءِ المُبْصِرُونَ عُرُوجَ المَلائِكَةِ أو عُرُوجَ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ: "سُكِّرَتْ أبْصارُنا" بَلْ سُحِرْنا حَتّى لا نَعْقِلَ الأشْياءَ كَما يَجِبُ، أيْ صَرِفَ فِينا السِحْرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ ﴾ ﴿ وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ﴾ ﴿ إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ لِما ذَكَرَ أنَّهم لَوْ رَأوا الآيَةَ المَذْكُورَةَ قَبْلُ في السَماءِ لَعانَدُوا فِيها عَقِبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وإنَّ في السَماءِ لَعِبْرًا مَنصُوبَةً غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُورَةِ، وكُفْرُهم بِها، وإعْراضُهم عنها إصْرارٌ مِنهم وعُتُوٌّ، والبُرُوجُ: المَنازِلُ، واحِدُها بُرْجٌ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِظُهُورِهِ ووُضُوحِهِ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ ظُهُورُها وبُدُوُّها، والعَرَبُ تَقُولُ: "بَرُجَ الشَيْءُ" إذا ظَهَرَ وارْتَفَعَ.
وحِفْظُ السَماءِ هو بِالرَجْمِ بِالشُهُبِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الأحادِيثُ الصِحاحُ، قالَ رَسُولُ اللهِ : « "إنَّ الشَياطِينَ تَقْرُبُ مِنَ السَماءِ أفْواجًا قالَ: فَيَنْفَرِدُ المارِدُ مِنها، فَيَعْلُو فَيَسْمَعُ فَيُرْمى بِالشِهابِ، فَيَقُولُ لِأصْحابِهِ وهو يَلْهَثُ: إنَّهُ مِنَ الأمْرِ كَذا وكَذا، فَيَزِيدُ الشَيْطانُ في ذَلِكَ، ويُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ مِائَةً"،» ونَحْوَ هَذا الحَدِيثِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ الشُهُبَ تَجْرَحُ وتُؤْذِي ولا تَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ: تَقْتُلُ، وفي الأحادِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَجْمَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ ولَكِنَّهُ اشْتَدَّ في وقْتِ الإسْلامِ، وحَفِظَ السَماءَ حِفْظًا تامًّا.
وقالَ الزَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؛ بِدَلِيلٍ أنَّ الشُعَراءَ لَمْ يُشَبَّهُوا بِهِ في السُرْعَةِ إلّا بَعْدَ الإسْلامِ، وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنّا لا نَرى الرَجْمَ بِالنُجُومِ قَبْلَ الإسْلامِ، و"رَجِيمٍ" بِمَعْنى مَرْجُومٍ، فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَإمّا مِن رَجْمِ الشُهُبِ، وإمّا مِنَ الرَجْمِ الَّذِي هو الشَتْمُ والذَمُّ.
ويُقالُ: تَبِعْتُ الرَجُلَ واتَّبَعْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ، و"إلّا" بِمَعْنى لَكِنْ، هَذا قَوْلٌ، والظاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الحِفْظِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى عن أبِيهِ: إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَمْعَ فَإنَّها لَمْ تُحْفَظْ مِنهُ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ الأرْضَ كانَتْ تَتَكَفَّأُ بِأهْلِها كَما تَتَكَفَّأُ السَفِينَةُ فَثَبَّتَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالجِبالِ، ويُقالُ: رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا رَسَخَ وثَبَتَ، وقَوْلُهُ: "مَوْزُونٍ"، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: مُقَدَّرٌ مُحَدَّدٌ بِقَصْدٍ وإرادَةٍ، فالوَزْنُ عَلى هَذا مُسْتَعارٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ ما يُوزَنُ حَقِيقَةً كالذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُوزَنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ.
و"المَعايِشُ" جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقَرَأها الأعْمَشُ بِالهَمْزِ، وكَذَلِكَ رَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ، والوَجْهُ تَرْكُ الهَمْزِ، لَأنَّ أصْلَ ياءِ "مَعِيشَةٍ" الحَرَكَةُ، فَيَرُدُّها إلى الأصْلِ الجَمْعُ، بِخِلافِ "مَدِينَةٍ ومَدائِنَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى ثَلاثَةِ أوجُهٍ: أحَدُها أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "مَعايِشَ"، كَأنَّ اللهَ تَعالى عَدَّدَ النِعَمَ في المَعايِشِ وهي ما يُؤَكِّلُ ويُلْبَسُ، ثُمَّ عَدَّدَ النِعَمَ في الحَيَوانِ والعَبِيدِ والضِياعِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ الناسُ ولَيْسَ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ، والوَجْهُ الثانِي: أنْ تَكُونَ "مَن" مَعْطُوفَةً عَلى مَوْضِعِ الضَمِيرِ في "لَكُمْ"، وذَلِكَ أنَّ التَقْدِيرَ: وأعَشْناكم وأعَشْنا أُمَمًا غَيْرَكم مِنَ الحَيَوانِ، وكَأنَّ الآيَةَ -عَلى هَذا- فِيها اعْتِبارٌ وعَرْضُ آيَةٍ، والوَجْهُ الثالِثُ أنْ تَكُونَ "مَن" مَنصُوبَةً بِإضْمارِ فِعْلٍ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ وتَقْدِيرُهُ: وأعَشْنا مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعٍ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "لَكُمْ"، وهَذا قَلَقٌ في النَحْوِ، لَأنَّهُ العَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَجْرُورِ وفِيهِ قُبْحٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، وأنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهو المَطَرُ خاصَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنَّ تَكُونَ أعَمَّ مِن هَذا في كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، و"الخَزائِنُ" المَواضِعُ الحاوِيَةُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ الماءَ والرِيحَ ونَحْوَ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ، وهو ظاهِرٌ في قَوْلِهِمْ في الرِيحِ: "عَتَتْ عَلى الخَزائِنِ، وانْفَتَحَ مِنها قَدْرُ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ كانَ قَدْرُ مُنْخَرِ الثَوْرِ لَأهْلَكَ الأرْضَ"، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ كَوْنَها في القُدْرَةِ هو خَزْنُها، فَإذا شاءَ اللهُ أوجَدَها، وهَذا أيْضًا ظاهِرٌ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ، وهو لازِمٌ في الأعْراضِ إذا عَمَّمْنا لِفَظَةَ "شَيْءٍ"، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فالقُدْرَةُ تَسَعُهُ وتُتْقِنُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نُنَزِّلُهُ ﴾ ، ما كانَ مِنَ المَطَرِ ونَحْوَهُ فالإنْزالُ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ، وما كانَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَإيجادُهُ والتَمْكِينُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ إنْزالٌ عَلى تَجَوُّزٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَما نُرْسِلُهُ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ"، وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ رُوِيَ فِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ لَيْسَ عامٌ أكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنْ يَنْزِلُهُ اللهُ في مَواضِعَ دُونَ مَواضِعَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَمُومِ ﴾ يُقالُ: لُقِّحَتِ الناقَةُ والشَجَرَةُ فَهي لاقِحَةٌ إذا حَمَلَتْ، والرِياحُ تُلَقِّحُ الشَجَرَ والسَحابَ، فالوَجْهُ في الرِيحِ أنَّها مُلَقِّحَةٌ لا لاقِحَةٌ، وتَتَّجِهُ صِفَةُ الرِياحِ بِـ [لَواقِحَ] عَلى أرْبَعَةِ أوجُهٍ: أوَّلُها وأُولاها أنَّ جَعْلَها لاقِحَةً حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ الرِيحَ مِنها ما فِيهِ عَذابٌ أو ضُرٌّ أو نارٌ، ومِنها ما فِيهِ رَحْمَةٌ أو مَطَرٌ أو نَصْرٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ، فَإذا بِها تَحْمِلُ ما حَمَّلَتْها القُدْرَةُ، أو ما عَلَّقَتْهُ مِنَ الهَواءِ أوِ التُرابِ أوِ الماءِ الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ، فَهي لاقِحَةٌ بِهَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَتْ أيْضًا تُلَقِّحُ غَيْرَها وتُصَيِّرُ إلَيْهِ نَفْعَها، والعَرَبُ تُسَمِّي الجَنُوبَ الحامِلَ واللاقِحَةَ، وتُسَمِّي الشَمالَ الحائِلَ والعَقِيمَ ومَحْوَةً لَأنَّها تَمْحُو السَحابَ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "الرِيحُ الجَنُوبُ مِنَ الجَنَّةِ، وهي اللَواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ، وفِيها مَنافِعُ لِلنّاسِ"،» ومِن هَذا قَوْلٌ الطِرْماحِ: قَلِقٌ لِأفْنانِ الرِيا ∗∗∗ حِ لِلاقِحٍ مِنها وحائِلِ وقَوْلُ أبِي وجْزَةَ: .......................
مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ..
فَجَعَلَها حامِلًا بِنَسْلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَخْرُجُ هَذا عَلى أنَّها مُلَقِّحَةٌ فَلا حُجَّةَ فِيهِ.
والثانِي أنْ يَكُونَ وصْفُها بِـ [لَواقِحَ] مِن بابِ قَوْلِهِمْ: "لَيْلٌ نائِمٌ"، أيْ: فِيهِ نَوْمٌ ومَعَهُ، "وَيَوْمٌ عاصِفٌ"، ونَحْوَهُ، فَهَذا عَلى طَرِيقِ المَجازِ.
والثالِثُ أنْ تُوصَفَ الرِياحُ بِـ [لَواقِحَ] عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لُقَحٍ، كَقَوْلِ النابِغَةِ: كَلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ أيْ: ذِي نَصْبٍ.
والرابِعُ أنْ يَكُونَ [لَواقِحَ] جَمْعَ "مُلَقِّحَةٍ" عَلى حَذْفِ زَوائِدِهِ، فَكَأنَّهُ "لَقِحَةٌ" فَجَمَعَها كَما تَجْمَعُ "لاقِحَةٌ"، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَبَّيْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وأشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ وإنَّما طَوَّحَتْهُ المَطاوِحُ، وعَلى هَذا النَحْوِ فَسَّرَها أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ"، وكَذَلِكَ العِبارَةُ عنها في كِتابِ البُخارِيٍّ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ مُلَقِّحَةً".
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرِياحَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الرِيحَ" بِالإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، ومَثَّلَها الطَبَرِيُّ بِقَوْلِهِمْ: "قَمِيصُ أخْلاقٍ، وأرْضُ أغْفالٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مِن حَيْثُ هو أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ تَجْمَعُ صِفَتَهُ، فَكَذَلِكَ "رِيحٌ لَواقِحٌ" لَأنَّها مُتَفَرِّقَةُ الهُبُوبِ، وكَذَلِكَ "دارٌ بِلاقِعَ"، أيْ: كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها بَلْقَعٌ.
وقالَ الأعْمَشُ: إنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "وَأرْسَلْنا الرِياحَ تَلْقَحُ"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "الرِيحُ مِن نَفَسِ الرَحْمَنِ".» ومَعْنى الإضافَةِ هُنا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، كَما قالَ: "مِن رُوحِي"، ومَعْنى "مِن نَفْسِ الرَحْمَنِ" أيْ مِن تَنْفِيسِهِ وإزالَتِهِ الكُرَبَ والشَدائِدَ، فَمِنَ التَنْفِيسِ بِالرِيحِ النَصْرُ بِالصَبا، ودُرُورُ الأرْزاقِ بِها، وما لَها مِنَ الخِدْمَةِ في الأرْزاقِ وجَلْبِ الأمْطارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ عَدُّهُ، ولَقَدْ حُدِّثَتْ أنَّ ابْنَ أبِي قُحافَةَ رَحِمَهُ اللهُ فَسَّرَ هَذا الحَدِيثَ نَحْوَ هَذا، وأنْشَدَ في تَفْسِيرِهِ: فَإنَّ الصِبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها وهَذا مِن جُمْلَةِ التَنْفِيسِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: أسْقى وسَقى بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَ لَبِيدٌ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ فَجاءَ بِاللُغَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمّا إذا كانَ مِن سَقْيِ الشَفَةِ خاصَّةً فَلا يُقالُ إلّا سَقى، وأمّا إنْ كانَ لِسَقْيِ الأرْضِ والثِمارِ وجُمْلَةِ الأشْياءِ فَيُقالُ: أسْقى، وأمّا الداعِي لِأرْضٍ أو غَيْرِها بِالسَقْيِ فَإنَّما يُقالُ فِيهِ: أسْقى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وقَفَتْ عَلى رَسْمٍ لِمِيَّةَ ناقَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ بَيْتَ لَبِيدٍ دُعاءٌ، وفِيهِ اللُغَتانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَضَمَّنَتِ العِبْرَةَ والدَلالَةَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وما يُوجِبُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي مَن نَشاءُ بِإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ونَرُدُّهُ عِنْدَ البَعْثِ مِن مَرْقَدِهِ مَيِّتًا، ونُمِيتُ بِإزالَةِ الحَياةِ عَمَّنْ كانَ حَيًّا.
﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ أيْ: لا يَبْقى شَيْءٌ سِوانا، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِمَن تُقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ وبِمَن تَأخَّرَ في الزَمَنِ، مِن لَدُنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأعْلَمَ أنَّهُ هو الحاشِرُ لَهُمُ، الجامِعُ لِعَرْضِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَباعُدِهِمْ في الأقْطارِ والأزْمانِ، وأنَّ حِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ يَأْتِيانِ بِهَذا كُلِّهِ عَلى أتَمِّ غاياتِهِ الَّتِي قَدَّرَها وأرادَها.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "يَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِهَذا سِياقُ مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ أيْ: في الطاعَةِ والبِدارِ إلى الإيمانِ والخَيْراتِ، و"المُسْتَأْخِرِينَ" بِالمَعاصِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ اللَفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَلَيْسَ يَطَّرِدُ سِياقُ مَعْنى الآيَةِ إلّا كَما قَدَّمْنا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو الجَوْزاءِ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ ﴾ الآيَةُ في «قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ مَعَ النَبِيِّ ، وكانَتِ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ تُصَلِّي وراءَهُ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمُ يَتَقَدَّمُ في الصُفُوفِ لِئَلّا تَفْتِنَهُ، وكانَ بَعْضُهم يَتَأخَّرُ لِيَسْرِقَ النَظَرَ إلَيْها في الصَلاةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَقَدَّمَ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْنُ الوارِثُونَ ﴾ وما تَأخَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ ﴾ يُضَعِّفُ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ، لَأنَّها تُذْهِبُ إيصالَ المَعْنى، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ لِعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ﴾ الآيَةُ.
"الإنْسانَ" هُنا لِلْجِنْسِ، والمُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ، ودَخَلَ مِن بَعْدَهُ في ذَلِكَ إذْ هو مِن نَسَلُهُ.
و"الصَلْصالُ" الطِينُ الَّذِي إذا جَفَّ صَلْصَلَ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، مِنها مَن قالَ: هو طِينُ الخَزَفِ، ومِنها قَوْلُ الفَرّاءِ: هو الطِينُ الحُرِّ يُخالِطُهُ رَمْلٌ دَقِيقٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُلِقَ مِن ثَلاثَةٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ، وهو اللازِقُ والجَيِّدُ، ومِن صَلْصالٍ، وهو الأرْضُ الطَيِّبَةُ يَقَعُ عَلَيْها الماءُ ثُمَّ يَنْحَسِرُ فَتُشَقَّقُ وتَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ، ومِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وهو الطِينُ في الحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ الوَجْهُ -عَلى هَذا المَعْنى- أنْ يُقالَ: "صَلّالٌ"، لَكِنْ ضُوعِفَ الفِعْلُ مِن فائِهِ، وأُبْدِلَتْ إحْدى اللامَيْنِ مِن "صَلّالٍ" صادا، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ والزُبَيْدِيُّ، ونَحْوَهُما عَلى نَحْوِ البَصْرَةِ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُما فِعْلانِ مُتَبايِنانِ، وكَذَلِكَ قالُوا في ثَرّارٍ وثَرْثارَةٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: تَقُولُ: صَلَّ الخَزَفُ ونَحْوَهُ إذا صَوَّتَ بِتَمْدِيدٍ، فَإذا كانَ في صَوْتِهِ تَرْجِيعٌ كالجَرَسِ ونَحْوَهُ قُلْتَ: صَلْصَلَ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: فِيها العَناجِيجُ تَرْدِي في أعِنَّتِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُعْثًا تُصَلْصِلُ في أشْداقِها اللُجُمُ وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "صَلْصالٍ" هُنا إنَّما هو مِن: "صَلَّ اللَحْمُ" إذا أنْتَنَ، فَجَعَلُوا مَعْنى "صَلْصالٍ" و"حَمَأٍ" في لُزُومِ النَتَنِ شَيْئًا واحِدًا.
و"المَسْنُونُ" قالَ مَعْمَرٌ: مَعْناهُ: المُنْتِنُ، وهو مَن "أسِنَ الماءُ" إذا تَغَيَّرَ، والتَصْرِيفُ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْنُونُ: الرَطْبُ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: سَنَّ ذُرِّيَّتَهُ عَلى خَلْقِهِ، الَّذِي يَتَرَتَّبُ في "مَسْنُونٍ" إمّا أنْ يَكُونَ: مَحْكُوكٌ مُحْكَمُ العَمَلِ أمْلَسُ السَطْحِ، فَيَكُونُ مِن مَعْنى المُسِنِّ والسِنّانِ، وقَوْلُهُمْ: "سَنَنْتُ السِكِّينَ، وسَنَنْتُ الحَجَرَ" إذا أحْكَمْتَ مَلْسَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ثُمَّ دافَعْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـراءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ أيْ: مُحْكَمُ الإمْلاسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَصْبُوبِ: تَقُولُ: "سَنَنْتُ التُرابَ والماءَ" إذا صَبَبْتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِمَن حَضَرَ وفاتَهُ: "إذا أدْخَلْتُمُونِي في قَبْرِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُرابَ سَنًّا"، ومِن هَذا سَنُّ الغارَةِ.
وقالَ الزَجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ عَلى سُنَّةِ الطَرِيقِ، لَأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ إذا فارَقَ الماءَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: مَنَّ حَمَأٍ مَصْبُوبٍ يُوضَعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ عَلى مِثالٍ وصُورَةٍ.
"والجانَّ" يُرادُ بِهِ جِنْسُ الشَياطِينِ، ويُسَمَّوْنَ جِنَّةً وجانًّا وجِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العَيْنِ، وسُئِلَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم فَقالَ: هم أجْناسٌ، فَأمّا خالِصُ الجِنِّ فَهم رِيحٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَمُوتُونَ ولا يَتَوالَدُونَ، ومِنهم أجْناسٌ تَفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، مِنها السَعالِي والغُولُ وأشْباهُ ذَلِكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الجَأْنَ" بِالهَمْزِ، والمُرادُ بِهَذِهِ الخِلْقَةِ إبْلِيسُ أبُو الجِنِّ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن جَمِيعِ أنْواعِ التُرابِ، الطَيِّبِ والخَبِيثِ، والأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي سُورَةِ البَقَرَةِ إيعابُ هَذا.
وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ" لَأنَّ إبْلِيسَ خُلِقَ قَبْلَ آدَمَ بِمُدَّةٍ، وخُلِقَ آدَمُ آخِرَ الخَلْقِ.
و"السَمُومِ" فِي كَلامِ العَرَبِ إفْراطُ الحَرِّ حَتّى يَقْتُلَ، مِن نارٍ أو شَمْسٍ أو رِيحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَمُومُ بِاللَيْلِ، والحَرُورُ بِالنَهارِ، وأمّا إضافَةُ النارِ إلى السَمُومِ في هَذِهِ الآيَةِ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النارُ أنْواعًا ويَكُونُ السَمُومُ أمْرًا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنها فَتَصِحُّ الإضافَةُ حِينَئِذٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا فَيُخَرَّجُ هَذا عَلى قَوْلِهِمْ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"دارُ الآخِرَةِ" عَلى حَذْفِ مُضافٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ ﴿ إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ "إذْ" نُصِبَتْ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ، و"البَشَرُ" ها هَنا آدَمُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي وجْهُ الجِلْدِ في الأشْهَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَأنْقُوا البَشَرَةَ".» وقِيلَ: البَشَرَةُ ما يَلِي اللَحْمَ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "إنَّما يُعاتَبُ الأدِيمُ ذُو البَشَرَةِ"، لَأنَّ تِلْكَ الجِهَةَ هي الَّتِي تُبَشِّرُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ بِعَجَبٍ عِنْدَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ، فَهي أجْسامٌ لِطافٌ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يَخْلُقُ جِسْمًا حَيًّا ذا بَشَرَةٍ، وأنَّهُ يَخْلُقُهُ مِن صَلْصالٍ، والبِشْرُ والبِشارَةُ أيْضًا أصْلُهُما البَشَرَةُ لَأنَّهُما فِيها يَظْهَرانِ.
و"سَوَّيْتُهُ" مَعْناهُ: كَمَّلْتُهُ وأتْقَنَتْهُ حَتّى إذا اسْتَوَتْ أجْزاؤُهُ عَلى ما يَجِبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن رُوحِي ﴾ إضافَةُ خَلْقٍ ومُلْكٍ إلى خالِقٍ مالِكٍ، أيْ: مِنَ الرُوحِ الَّذِي هو لِي، ولَفْظَةُ الرُوحِ هُنا لِلْجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "فَقَعُوا" مَن وقَعَ يَقَعُ، وفُتِحَتِ القافُ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُقَوِّي أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ إنَّما كانَ عَلى المَعْهُودِ عِنْدَنا، لا أنَّهُ خُضُوعٌ وتَسْلِيمٌ وإشارَةٌ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ، وشَبَّهُوهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وهَذا البَيْتُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ السُجُودُ فِيهِ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "خَلَقَ اللهُ مَلائِكَةً وأمَرَهم بِالسُجُودِ لِآدَمَ فَأبَوْا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَأمَرَهم بِالسُجُودِ فَأطاعُوا إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ كانَ مِنَ الأوَّلِينَ"، وقَوْلُهُ: "مِنَ الأوَّلِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الأوَّلِينَ في حالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في أنَّهُ بَقِيَ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ هو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، يَتَضَمَّنُ الآخَرُ ما تَضَمَّنَ الأوَّلُ، وقالَ غَيْرُهُ: "كُلُّهُمْ" لَوْ وقَفَ عَلَيْهِ لَصَلَحَتْ لِلِاسْتِثْناءِ، وصَلَحَتْ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ مَعَ أنْ يَكُونَ البَعْضُ لَمْ يَسْجُدْ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: "كُلُّ الناسِ يَعْرِفُ كَذا"، وهو يُرِيدُ أنَّ المَذْكُورَ أمْرٌ مُشْتَهِرٌ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" رَفَعَ الِاحْتِمالَ في أنْ يَبْقى مِنهم أحَدٌ، واقْتَضى الكَلامُ أنْ جَمِيعَهم سَجَدَ، وقالَ المُبَرِّدُ: لَوْ وقَفَ عَلى" كُلُّهُمْ" لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" دَلَّ عَلى أنَّهم سَجَدُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واعْتَرِضَ قَوْلُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "أجْمَعُونَ" حالًا.
بِمَعْنى "مُجْتَمِعِينَ"، ويَلْزَمُهُ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "أجْمَعُونَ" هُنا عَلى أنْ يَقْرُبَ مِنَ التَنْكِيرِ إذْ هو مَعْرِفَةٌ لِكَوْنِهِ يُلْزِمُ اتِّباعَ المَعارِفِ، والقِراءَةُ بِالرَفْعِ تَأْبى قَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مَنَ الأوَّلِ، وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى الخِلافِ في إبْلِيسَ، هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا؟
والظاهِرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ ومِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَ المَلائِكَةَ بِالسُجُودِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُذْنِبْ في تَرْكِ السُجُودِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما كانَ مِن قَبِيلِ الجِنِّ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ مَلِكًا، ونَسَبَ ابْنُ فَوْرِكٍ القَوْلَ إلى المُعْتَزِلَةِ، وتَعَلَّقَ مَن قالَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ: " كانَ مِنَ الجِنِّ "، وقالَتِ الفِرْقَةُ الأُخْرى: لا حُجَّةَ في هَذا لَأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُسَمّى جِنًّا لِاسْتِتارِها وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ سَمّاهُ إبْلِيسَ، وإنَّما كانَ اسْمُهُ قَبْلُ عَزازِيلُ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الإبْعادُ، أيْ: يا مُبْعَدُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إبْلِيسُ كانَ اسْمُهُ، ولَيْسَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ، بَلْ هو أعْجَمِيٌّ، ويَقْضِي بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا لَكانَ كَإجْفِيلٍ، مِن أجَفَلَ، وغَيْرَهُ، ولَكانَ مُنْصَرِفًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ألا تَكُونَ ﴾ ، "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والأصْلُ: "مالَكَ ألّا تَكُونَ"، وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ ﴾ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ كُفْرِهِ عِنْدَ الحُذّاقِ، لَأنَّ إبايَتَهُ إنَّما هي مَعْصِيَةٌ فَقَطْ، وأمّا تَعْلِيلُهُ فَإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقًا مَفْضُولًا وكَلَّفَ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُ أنْ يَذِلَّ لَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا جَوْرٌ"، وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ لِما ظَنَّ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ ظَنَّ أنَّ نَفْسَهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ مِن حَيْثُ النارُ يَأْكُلُ الطِينَ، فَقاسَ وأخْطَأ في قِياسِهِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ إنَّما هي حَيْثُ جَعَلَها اللهُ المالِكُ لِلْجَمِيعِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكَ اللَعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ الضَمِيرُ في "مِنها" لِلْجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها، في القِصَّةِ تَتَضَمَّنُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى صِيغَةِ المَلائِكَةِ.
و"الرَجِيمُ" المَشْؤُومُ، أيِ: المَرْجُومُ بِالقَوْلِ والشَتْمِ، و ﴿ يَوْمِ الدِينِ ﴾ يَوْمُ الجَزاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا وسَألَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأعْطاهُ اللهُ إيّاها إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ- فَقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يَكُونُ آخِرَ مَن يَمُوتُ مِنَ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ إلى وقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ولا مَرْسُومٍ بِقِيامَةٍ ولا غَيْرَها، بَلْ عِلْمُهُ عِنْدَ اللهِ وحْدَهُ.
وقِيلَ: بَلْ أمْرُهُ كانَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا -وَإنْ كانَ رُوِيَ- فَهو ضَعِيفٌ.
والمُنْظَرُ: المُؤَخَّرُ.
وقَوْلُهُ: "رَبِّ" مَعَ كُفْرِهِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّهُ يُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ والخَلْقِ، وهو الظاهِرُ مِن حالِهِ وما تَقْتَضِيهِ فِيهِ الآياتُ والأحادِيثُ، وهَذا لا يَدْفَعُ في صَدْرِ كُفْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أغْوَيْتَنِي ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "أقْسَمَ بِالإغْواءِ"، كَأنَّهُ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "رَبِّ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وقَضائِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالسَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: "رَبِّ واللهِ لَأُغْوِيَنَّهم بِسَبَبِ إغْوائِكَ لِي ومِن أجْلِهِ وكَفاءً لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجَلُّدًا مِنهُ ومُبالَغَةً في الجِدِّ، أيْ: "بِحالِي هَذِهِ وبُعْدِي مِنَ الخَيْرِ واللهِ لَأفْعَلَنَّ ولَأُغْوِيَنَّ"، ومَعْنى ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ﴾ أيِ الشَهَواتُ والمَعاصِي.
والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِذُرِّيَّةِ آدَمَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، فالقِصَّةُ بِجُمْلَتِها حَيْثُ وقَعَتْ كامِلَةً تَتَضَمَّنُهُمْ، والإغْواءُ: الإضْلالُ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم أنْتَ لِعِبادَتِكَ وتَقْواكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا الإيمانَ بِكَ وبِرُسُلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ، القائِلُ هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ، وقَرَأ الضِحاكُ، وحُمَيْدٌ، والنَخَعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ" مِنَ العُلُوِّ والرِفْعَةِ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى الإخْلاصِ، لَمّا اسْتُثْنِيَ إبْلِيسُ مِن أخْلَصَ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا الإخْلاصُ طَرِيقٌ رَفِيعٌ مُسْتَقِيمٌ لا تَنالُ أنْتَ بِإغْوائِكَ أهْلَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيَّ" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى انْقِسامِ الناسِ إلى غاوٍ ومُخْلِصٍ، لَمّا قَسَّمَ إبْلِيسُ الناسَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا طَرِيقٌ إلَيَّ، أيْ: هَذا أمْرٌ مَصِيرُهُ إلَيَّ، والعَرَبُ تَقُولُ: "طَرِيقُكَ في هَذا الأمْرِ عَلى فُلانٍ"، أيْ: إلَيْهِ يَصِيرُ النَظَرُ في أمْرِكَ.
وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ ﴾ ، والآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- خَبَرٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا.
ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن سَلامَةِ عِبادِهِ المُتَّقِينَ مِن إبْلِيسَ، وخاطَبَهُ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ ولا مَلَكَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن قَوْلِهِ: "عِبادِي" الخُصُوصُ في أهْلِ الإيمانِ والتَقْوى لا عُمُومُ الخَلْقِ، وبِحَسْبِ هَذا يَكُونُ ﴿ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ ﴾ مُسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ، والتَقْدِيرُ: لَكِنْ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، وإنْ أخَذْنا العِبادَ عامًّا في عُبّادِ الناسِ، إذْ لَمْ يُقَدِّرُ اللهُ لِإبْلِيسَ سَلَّطانا عَلى أحَدٍ، فَإنّا نُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ في الأقَلِّ في القَدْرِ مِن حَيْثُ لا قَدْرَ لِلْكُفّارِ، والنَظَرُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وإنَّما الغَرَضُ ألّا نَقَعَ في اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ مِنَ الأقَلِّ وإنْ كانَ الفُقَهاءُ قَدْ جَوَّزُوهُ، وقالَ أبُو المَعالِي: لَيْسَ مَعْرُوفًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، وهَذِهِ الآيَةُ أمْثَلُ ما احْتَجَّ بِهِ مُجَوِّزُوهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ عَلى ما بَيَّنْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ أيْ مَوْضِعُ اجْتِماعِهِمْ، والمَوْعِدُ يَتَعَلَّقُ بِزَمانٍ ومَكانٍ، وقَدْ يُذْكَرُ المَكانُ ولا يُحَدَّدُ زَمانُ المَوْعِدِ.
و"أجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وفِيهِ مَعْنى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ ﴾ قِيلَ: إنَّ النارَ بِجُمْلَتِها سَبْعَةُ أطْباقٍ، أعْلاها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحَطْمَةُ، ثُمَّ السَعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ وفِيهِ أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، وإنَّ في كُلِّ طِبْقِ مِنها بابًا، فالأبْوابُ -عَلى هَذا- بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وعَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النارِ جُمْلَةً بِجَهَنَّمَ، إذْ هي أشْهَرُ مَنازِلَها وأوَّلُها، وهي مَوْضِعُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَخْلُدُونَ، ولِهَذا رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ وتَبْلى.
وقِيلَ: إنَّ النارَ أطْباقٌ كَما ذَكَرْنا، لَكِنَّ الأبْوابَ السَبْعَةَ كُلَّها في جَهَنَّمَ عَلى خَطِّ اسْتِواءٍ، ثُمَّ يُنْزَلُ مِن كُلِّ بابٍ إلى طَبَقَةِ الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ.
واخْتَصَرْتُ ما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ الأبْوابِ، وفي هَواءِ النارِ، وفي كَيْفِيَّةِ الحالِ، إذْ هي أقْوالٌ كَثِيرَةٌ أكْثَرُها لا يَسْتَنِدُ، وهي في حَيِّزِ الجائِزِ، والقُدْرَةُ أعْظَمُ مِنها، عافانا اللهُ مِن نارِهِ، وتَغَمَّدَنا بِرَحْمَتِهِ بِمَنِّهِ.
وقَوْلُهُ: "جُزْءٌ"، قَرَأ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ، وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "جُزٌّ" بِشَدِّ الزايِ دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ القَعْقاعِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾ ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ ﴾ ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما أعَدَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ عَقِبَ ذِكْرِهِ ما أعَدَّ لِأهْلِ النارِ لِيَظْهَرَ التَبايُنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَعُيُونٍ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ، والجَرّاحُ، وأبُو واقِدٍ، ويَعْقُوبُ -فِي رِوايَةٍ رُوَيْسٍ- بِكَسْرِ العَيْنِ، مِثْلَ بِيُوتٍ وشِيُوخٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ادْخُلُوها" عَلى الأمْرِ بِمَعْنى يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوها، وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: "أُدْخِلُوها" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الخاءِ وضَمِّ التَنْوِينِ في "عُيُونٍ" ألْقى عَلَيْهِ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ.
و"السَلامُ" هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السَلامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَحِيَّةَ، و"الغِلُّ": الحِقْدُ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنْهُ يَنْزِعَ الغِلَّ مِن قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ، ولَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مَوْطِنًا، وجاءَ في بَعْضِ الحَدِيثِ أنَّ ذَلِكَ عَلى الصِراطِ، وجاءَ في بَعْضِها أنَّ ذَلِكَ عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ، وفي لَفْظِ بَعْضِها أنَّ الغِلَّ لَيَبْقى عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ كَمَعاطِنِ الإبِلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ ذَلِكَ تَمْثِيلًا بِلَوْنٍ يَخْلُقُهُ هُناكَ ونَحْوَهُ، وهَذا كَحَدِيثِ ذَبْحٍ المَوْتِ، وقَدْ يُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُسَلَّ مِنَ الصُدُورِ، ولِذَلِكَ جَواهِرُ سُودٍ فَيَكُونُ كَمُبارَكِ الإبِلِ، وجاءَ في بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّ نَزْعَ الغِلِّ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ اسْتِقْرارِهِمْ في الجَنَّةِ، والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ اللهَ يَنْزِعُهُ في مَوْطِنٍ مِن قَوْمٍ، وفي مَوْطِنٍ مِن آخَرِينَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ والزُبَيْرُ مِمَّنْ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ، وذُكِرَ أنَّ ابْنًا لِطَلْحَةَ كانَ عِنْدَهُ، فاسْتَأْذَنَ الأشْتَرُ فَحَبَسَهُ مُدَّةً، ثُمَّ أذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقالَ: ألِهَذا حَبَسْتَنِي؟
وكَذَلِكَ لَوْ كانَ ابْنُ عُثْمانَ حَبَسْتَنِي لَهُ؟
فَقالَ عَلَيٌّ: نَعَمْ، إنِّي أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُبَيْرُ مِمَّنْ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ ﴾ الآيَةُ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُسْتَأْذِنَ غَيْرُ الأشْتَرِ.
و"إخْوانًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهَذِهِ أُخُوَّةُ الدِينِ والوُدِّ.
والأخُ مِن ذَلِكَ يُجْمَعُ عَلى إخْوانٍ وإخْوَةٍ، والأخُ مِنَ النَسَبِ يَجْمَعُ إخْوَةً وآخاءً، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأيُّ بَنِي الآخاءِ تَصْفُو مَذاهِبُهُ؟
و"السُرُرِ": جَمْعُ سَرِيرٍ، و"مُتَقابِلِينَ" الظاهِرُ أنَّ مَعْناهُ: في الوُجُوهِ، إذِ الأُسْرَةُ مُتَقابِلَةٌ، فَهي أحْسَنُ في الزِينَةِ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَنْظُرُ أحَدُهم في قَفا صاحِبِهِ، وقِيلَ: مُتَقابِلِينَ في المَوَدَّةِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ.
و"النَصَبُ": التَعَبُ، يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، ومِنَ الكَثِيرِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "نَبِّئْ" مَعْناهُ: أعْلِمْ، و"عِبادِي" مَفْعُولٌ بِـ "نَبِّئْ"، وهي تَتَعَدّى إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، فَـ "عِبادِي" مَفْعُولٌ، و"أنَّ" تَسُدَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ الباقِيَيْنِ، واتُّفِقَ ذَلِكَ وهي وما عَمِلَتْ فِيهِ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، ألّا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أعْجَبَنِي أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ" إنَّما المَعْنى: أعْجَبَنِي انْطِلاقُ زَيْدٍ، لَأنَّ دُخُولَها إنَّما هو عَلى جُمْلَةِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، فَسَدَّتْ تِلْكَ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وقَدْ يَتَعَدّى "نَبَّأ" إلى مَفْعُولَيْنِ فَقَطْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن أنْبَأكَ هَذا ﴾ ، وتَكُونُ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: أخْبِرْ وعَرِّفْ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ.
وهَذِهِ آيَةُ تَرْجِيَةٍ وتَخْوِيفٍ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللهِ لَما تَوَرَّعَ مِن حَرامٍ، ولَوْ يَعْلَمُ قَدْرَ عَذابِهِ لَبَخِعَ نَفْسَهُ"»، ورُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سَبَبَها أنَّ رَسُولَ اللهِ جاءَ إلى جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ عِنْدَ بابِ بَنِي شَيْبَةَ في الحَرَمِ فَوَجَدَهم يَضْحَكُونَ، فَزَجْرَهم ووَعَظَهُمْ، ثُمَّ ولّى، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَنِ اللهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أتُقَنِّطُ عِبادِي؟
وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللهِ إلَيْهِمْ وأعْلَمَهم.
ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا السَبَبَ لَكانَ ما قَبْلَها يَقْتَضِيها، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما في النارِ وما في الجَنَّةِ فَأكَّدَ تَعالى تَنْبِيهَ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَبِّئْهم عن ضَيْفِ إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ ﴾ ﴿ قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضالُّونَ ﴾ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَنَبِّهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ بَعْدَ انْصِرامِ الغَرَضِ الأوَّلِ، و"الضَيْفُ" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ النَحّاسُ وغَيْرُهُ: التَقْدِيرُ: عن أصْحابِ ضَيْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُغْنِي عن هَذا أنَّ هَذا المَصْدَرَ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ، كَما فُعِلَ في "رَهْنٍ" ونَحْوَهُ، والمُرادُ بِالضَيْفِ هُنا المَلائِكَةُ الَّذِينَ جاؤُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وبَشَّرُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ-، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهم.
وقَوْلُهُ: "سَلامًا" مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا، أو نُسَلِّمُ سَلامًا، والسَلامُ هُنا التَحِيَّةُ، وقَوْلُهُ: "سَلامًا" حِكايَةُ قَوْلِهِمْ، فَلا يَعْمَلُ القَوْلُ فِيهِ، وإنَّما يَعْمَلُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لَيْسَ يُحْكى بِعَيْنِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن قالَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ": قُلْتَ حَقًّا، ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا مِنكم وجِلُونَ ﴾ أيْ: فَزِعُونَ، وإنَّما وجِلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنهم لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِمُ العِجْلَ الحَنِيذَ فَلَمْ يَرَهم يَأْكُلُونَ، وكانَ عِنْدَهُمُ العَلامَةُ المُؤْمِنَةُ أكْلُ الطَعامِ، وكَذَلِكَ هو في غابِرِ الدَهْرِ أمَنَةٌ لِلنّازِلِ والمَنزُولِ بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَوْجَلْ" مُسْتَقْبَلُ "وَجِلَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مَن "أوجَلَ"، لَأنَّ "وَجِلَ" لا يَتَعَدّى، وكانَتْ هَذِهِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ إسْماعِيلَ بِمُدَّةٍ، وقَوْلُ إبْراهِيمَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ﴾ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّهُما حِينَئِذٍ وُهِبَهُما، بَلْ قَبْلَ الحَمْدِ بِكَثِيرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أبَشَّرْتُمُونِي" بِألْفِ اسْتِفْهامٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "بَشَّرْتُمُونِي" بِغَيْرِ ألْفٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ ﴾ أيْ: في حالَةٍ قَدْ مَسَّنِي الكِبَرُ فِيها، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "الكُبْرُ" بِضَمِّ الكافِ وسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُبَشِّرُونَ" بِفَتْحِ النُونِ الَّتِي هي عَلامَةُ الرَفْعِ، والفِعْلُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- غَيْرُ مُعَدّى، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "تُبَشِّرُونِّي" بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِشَدِّ النُونِ دُونَ ياءٍ، وهَذِهِ القِراءَةُ أُدْغِمَتْ فِيها نُونُ العَلامَةِ في النُونِ الَّتِي هي لِلْمُتَكَلِّمِ مُوطِئَةً لِلْياءِ، وقَرَأ نافِعٌ: "تُبَشِّرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وغَلَّطَ أبُو حاتِمٍ نافِعًا في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: إنَّ شاهِدَ الشِعْرِ في هَذا اضْطِرارٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَمْلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ حُذِفَتِ النُونُ الَّتِي لِلْمُتَكَلِّمِ، وكُسِرَتِ النُونُ الَّتِي هي عَلامَةُ الرَفْعِ بِحَسْبِ الياءِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْها، ونَحْوَ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ -أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ -: تَراهُ كالثَغامِ يُعَلُّ مِسْكًا ∗∗∗ يَسُرُّ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أبِالمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ مُلاقٍ -لا أباكِ- تُخَوِّفِينِي؟
ومِن حَذْفِ هَذِهِ النُونِ قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ ومُصْعَبًا ابْنِيِ الزُبَيْرِ، وكانَ عَبْدُ اللهِ يُكَنّى أبا خُبَيْبٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ "فَبِمَ تَبْشُرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الشِينِ.
وقَوْلُ إبْراهِيمَ: ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ لِكِبَرِهِما، أو عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِالمَسَرّاتِ لِمُضِيِّ العُمْرِ واسْتِيلاءِ الكِبَرِ.
قالَ مُجاهِدٌ: عَجِبَ مَن كِبَرِهِ ومَن كِبَرِ امْرَأتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سِنِّهِ وقْتَ البِشارَةِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ شِدَّةٌ ما، أيْ: أبْشِرْ بِما بُشِّرْتَ بِهِ ودَعْ غَيْرَ ذَلِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "القانِطِينَ"، والقُنُوطُ: أتَمُّ اليَأْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ، ورُوِيَتْ عن عَمْرٍو: "القَنِطِينَ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "وَمَن يَقْنَطُ" بِفَتْحِ النُونِ في كُلِّ القُرْآنِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِكَسْرِها، وكُلُّهم قَرَأ: "مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا" بِفَتْحِ النُونِ، ورَدَّ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ أهْلِ الحَرَمَيْنِ، وأنْكَرَ أنْ يُقالَ: "قَنِطَ" بِكَسْرِ النُونِ، ولَيْسَ كَما قالَ، لَأنَّهم لا يُجْمِعُونَ إلّا عَلى قَوِيٍّ في اللُغَةِ مَرْوِيٍّ عِنْدَهُمْ، وهي قِراءَةٌ فَصِيحَةٌ، يُقالُ: قَنَطَ يَقْنِطُ، وقَنِطَ يَقْنَطُ، مِثْلَ: نَقَمَ ونَقِمَ، وقَرَأ الأعْمَشُ هُنا: "يَقْنِطُ" بِكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ: "مِن بَعْدِ ما قَنِطُوا" بِكَسْرِ النُونِ أيْضًا، فَقَرَأ بِاللُغَتَيْنِ، وقَرَأ الأشْهَبُ: "يَقْنُطُ" بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ أيْضًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴾ القائِلُ هَنا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: "فَما خَطْبُكُمْ"؟
سُؤالٌ فِيهِ عُنْفٌ ما، كَما تَقُولُ لِمَن تُنْكِرُ حالَهُ: ماذا دَهاكَ؟
وما مُصِيبَتُكَ؟
وأنْتَ إنَّما تُرِيدُ اسْتِفْهامًا عن حالِهِ فَقَطْ، لَأنَّ "الخَطْبُ" لَفْظَةٌ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الشِدادِ، عَلى أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ: ﴿ أيُّها المُرْسَلُونَ ﴾ ، وكَوْنُهم أيْضًا قَدْ بَشَّرُوهُ، يَقْتَضِي أنَّهُ قَدْ كانَ عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةٌ حِينَ قالَ: ﴿ فَما خَطْبُكُمْ ﴾ ؟
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ فَما خَطْبُكُمْ ﴾ مَعَ هَذا أنَّهُ أضافَ الخَطْبَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم حَمَلَتُهُ إلى القَوْمِ المُعَذَّبِينَ.
أيْ: ما هَذا الخَطْبُ الَّذِي تَحْمِلُونَهُ؟
وإلى أيِّ أُمَّةٍ؟
و"القَوْمُ المُجْرِمُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلَ مَدِينَةِ سَدُومٍ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ، والمُجْرِمُ: الَّذِي يَجُرُّ الجَرائِمَ ويَرْتَكِبُ المَحْظُوراتِ، وأصْلُ جَرَمَ وأجْرَمَ: كَسَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقِ أيْ: كَسْبُ عِقابٍ في قُنَّةِ شامِخٍ، ولَكِنَّ اللَفْظَةَ خُصَّتْ في عُرْفِها بِالشَرِّ، لا يُقالُ لِكاسِبِ الأجْرِ مُجْرِمٌ.
وقَوْلُهُمُ: ﴿ إلا آلَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، و"الآلُ": القَوْمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلى المُضافِ إلَيْهِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وهَذا نَصٌّ في أنَّ لَفْظَةَ "آلٍ" لَيْسَتْ لَفْظَةَ "أهْلٍ" كَما قالَ النُحاسُ، ويَجُوزُ -عَلى هَذا إضافَةُ "آلٍ" إلى الضَمِيرِ وأمّا "أُهِيلٌ" فَتَصْغِيرُ "أهْلٍ"، واحْتَرَزُوا بِهِ عن تَصْغِيرِ "آلٍ"، فَرَفَضُوا "أوَيْلًا".
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لَمُنَجُّوهُمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَخْفِيفِ، والضَمِيرُ في "مُنَجُّوهُمْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، وانْحَذَفَتِ النُونُ لِلْمُعاقَبَةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النَحْوِيِّينَ، وقالَ الأخْفَشُ: الضَمِيرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وانْحَذَفَتِ النُونُ لَأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اتِّصالِ هَذا الضَمِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا امْرَأتَهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ بَعْدَ اسْتِثْناءٍ، وهُما مُنْقَطِعانِ فِيما حَكى بَعْضُ النُحاةِ، لَأنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا امْرَأتَهُ الكافِرَةَ مِن آلِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، لَأنَّها قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ داخِلَةٌ في اللَفْظِ الَّذِي هو "الآلُ"، ولَيْسَ كَذَلِكَ "الآلُ" مَعَ المُجْرِمِينَ، فَيَظْهَرُ الِاسْتِثْناءُ الأوَّلُ مُنْقَطِعًا، والثانِي مُتَّصِلًا، والِاسْتِثْناءُ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ يَرُدُّ المُسْتَثْنى الثانِي في حُكْمِ أمْرِ الأوَّلِ، ومَثَّلَ بَعْضُ الناسِ في هَذا بِقَوْلِكَ: "عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلّا عَشَرَةَ دَراهِمَ إلّا دِرْهَمَيْنِ"، فَرَجَعَتِ الدِرْهَمانِ في حُكْمِ التِسْعِينَ دِرْهَمًا.
وقالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، لَأنَّهُ مِن خَلْقِ الكَلامِ ورَدِّهِ، إذْ لَهُ طَرِيقٌ إلى أداءِ المَعْنى بِأجْمَلَ مِن هَذا التَحْلِيقِ، وهو أنْ يَقُولَ: "عِنْدِي مِائَةٌ إلّا ثَمانِيَةً"، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِثالًا لِلْآيَةِ قَوْلُكَ: "ضَرَبْتُ بَنِي تَمِيمَ إلّا بَنِي دارِمَ إلّا حاجِبًا"، لَأنَّ "حاجِبًا" مَن بَنِي دارِمَ، فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى الأوَّلُ في ضِمْنِهِ ما لا يَجْرِي الحَكَمُ عَلَيْهِ، والضَرُورَةُ تُدْخِلُهُ في لَفْظِهِ، ولا يُمْكِنُنا العِبارَةَ عنهُ دُونَ ذَلِكَ الَّذِي لا يَجْرِي الحُكْمُ عَلَيْهِ، اضْطَرَرْتُ إلى اسْتِثْناءٍ ثانٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَزْعَةُ المُبَرِّدِ في هَذا نَبِيلَةٌ.
وقَرَأ جَمِيعُهم سِوى عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "قَدَّرْنا" بِتَشْدِيدِ الدالِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِها وثَقَّلَ في رِوايَةِ حَفْصٍ، والتَخْفِيفُ يَكُونُ بِمَعْنى التَثْقِيلِ، كَما قالَ الهُذَلِيُّ أبُو ذُؤَيْبٍ: ومُفْرِهَةٍ عنسٍ قَدَرْتُ لِساقِها ∗∗∗ ∗∗∗ فَخَرَّتْ كَما تَتّابَعُ الرِيحُ بِالقُفْلِ يُرِيدُ: قَدَّرْتُ ضَرْبِي لِساقِها، وكَقَوْلِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الِاسْتِخارَةِ: « "واقَدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كانَ"،» ويَكُونُ أيْضًا بِمَعْنى: يَسِّرْ ووَفِّقْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِقُنْدُهارَ ومَن تُقْدَرْ مَنِيَّتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِقُنْدُهارَ يُرَجَّمْ دُونَهُ الخَبَرُ وَكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّها" بِسَبَبِ اللامِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: "لَمِنَ"، و"الغابِرُ": الباقِي في الدَهْرِ وغَيْرِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ النَحّاسُ -: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ في الماضِي وفي الباقِي، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي لِلْبَقاءِ، أيْ: مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ ﴾ الآياتُ.
تَقَدَّمَ القَوْلُ وذِكْرُ القَصَصِ في أمْرِ لُوطٍ، وصُورَةِ لِقاءِ الرُسُلِ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ الرُسُلَ كانُوا ثَلاثَةً: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ.
وقَوْلُهُ: "مُنْكَرُونَ" أيْ لا تُعْرَفُونَ في هَذا القُطْرِ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَحْذِيرٌ، وهو مِن نَمَطِ ذَمِّهِ لِقَوْمِهِ، وجَرْيِهِ إلى ألّا يُنْزِلَ هَؤُلاءِ القَوْمَ في تِلْكَ المَدِينَةِ خَوْفًا مِنهُ أنْ يَظْهَرَ سُوءُ فِعْلِهِمْ وطَلَبِهِمُ الفَواحِشَ، فَقالَتِ الرُسُلُ لِلُوطٍ: بَلْ جِئْناكَ بِما وعَدَكَ اللهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وهو الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ ولا يُحَقِّقُونَهُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فاسْرِ" بِوَصْلِ الألْفِ، وفِرْقَةٌ بِقَطْعِها، يُقالُ: سَرى وأسْرى بِمَعْنى إذا سارَ لَيْلًا، قالَ النابِغَةُ: أسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ فَجَمَعَ بَيْنَ اللُغَتَيْنِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ: "فَسِرْ بِأهْلِكَ"، وهَذا الأمْرُ بِالسُرى هو عَنِ اللهِ تَعالى، أيْ: يُقالُ لَكَ، و"القِطْعُ": الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِقِطَعٍ" بِفَتْحِ الطاءِ، حَكاهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ ﴾ أيْ: كُنْ خَلْفَهم وفي ساقِهِمْ حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ ولا تَلْوِي.
و"حَيْثُ" في مَشْهُورِها ظَرْفُ مَكانٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أُمِرَ لُوطٌ أنْ يَسِيرَ إلى زُغَرٍ، وقِيلَ: إلى مَوْضِعِ نَجاةٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ عِنْدِنا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "حَيْثُ" قَدْ تَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا بَيْتَ طَرَفَةَ: لِلْفَتى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهُ كَأنَّهُ قالَ: مُدَّةَ مَشْيِهِ وتَنَقُّلِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن حَيْثُ أُمِرَ أنْ يَسْرِيَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: "حَيْثُ تُؤْمَرُ"، ونَحْنُ لا نُجِدُ في الآيَةِ أمْرًا لَهُ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ ﴾ أمْكَنَ أنْ تَكُونَ "حَيْثُ" ظَرْفَ زَمانٍ.
و"يَلْتَفِتْ" مَأْخُوذٌ مِنَ الِالتِفاتِ الَّذِي هو نَظَرُ العَيْنِ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا يَنْظُرُ أحَدٌ وراءَهُ، ونُهُوا عَنِ النَظَرِ مَخافَةَ الغَفْلَةِ وتَعَلُّقِ النَفْسَ بِمَن خُلِّفَ، وقِيلَ: بَلْ لِئَلّا تَتَفَطَّرُ قُلُوبُهم مِن مُعايَنَةِ ما جَرى عَلى القَرْيَةِ في رَفْعِها وطَرْحِها، وقِيلَ: "يَلْتَفِتْ" مَعْناهُ: يَلْوِي، مِن قَوْلِكَ: "لَفَتُّ الأمْرَ" إذا لَوَيْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْقَصِيدَةِ: لَفِيتَةٌ، لَأنَّها مَلْوِيٌّ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ﴾ ﴿ واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ ﴾ ﴿ قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ ﴿ لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ.
و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى.
و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ.
وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا.
وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَؤُلاءِ بَناتِي ﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ: لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ وقَوْلُ الآخَرِ: لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى وكَقَوْلِ الآخَرِ: لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها وقالَ الأعْشى: ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُ مالِكٍ في "لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ.
وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ.
وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ وقالَ آخَرُ: وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ وقالَ آخَرُ: إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ ﴾ ﴿ فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾ ﴿ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ ﴾ "الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو....
نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ وَقَوْلُ جَرِيرٍ: وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ: ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ: وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و ﴿ أصْحابُ الحِجْرِ ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا يَنْحِتُونَ ﴾ الآيَةُ.
يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ.
المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: السَبْعُ هُنا هي السَبْعُ الطِوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والمص، والأنْفالُ مَعَ بَراءَةَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بَلِ السابِعَةُ يُونُسَ: ولَيْسَتِ الأنْفالُ وبَراءَةُ مِنها.
و"المَثانِي" - عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- القُرْآنُ كُلُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ ﴾ ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّ القَصَصَ والأخْبارَ تَثَنّى فِيهِ وتَرَدَّدَ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي مَلِيكَةَ، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وجَماعَةٌ: السَبْعُ هُنا هي آياتُ الحَمْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُنَّ سَبْعٌ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هُنَّ سَبْعٌ دُونَ البَسْمَلَةِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ونَصُّهُ: «قالَ أُبَيٌّ: قالَ لِي رَسُولُ اللهِ : "ألّا أُعَلِّمُكَ يا أُبَيُّ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلَها" ؟
قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "إنِّي لِأرْجُوَ أنْ لا تَخْرُجُ مِن ذَلِكَ البابِ حَتّى تَعْلَمَها"، فَقامَ رَسُولُ اللهِ وقُمْتُ مَعَهُ، ويَدِي في يَدِهِ، وجَعَلَتْ أُبْطِئُ مَخافَةَ أنْ أخْرُجَ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، السُورَةُ الَّتِي وعَدْتَنِيها؟
فَقالَ: "كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ في الصَلاةِ؟" قالَ: فَقَرَأتْ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ حَتّى أكْمَلْتُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَقالَ: "هِيَ هِيَ، وهي السَبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ"،» كَذا أو نَحْوَهُ، ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وهو مَرْوِيٌّ في البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ عن أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى أيْضًا.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ « "أنَّها السَبْعُ المَثانِي، وأُمُّ القُرْآنِ، وفاتِحَةُ الكِتابِ"،» وفي كِتابِ الزَهْراوِيِّ: "وَلَيْسَ فِيها بَسْمَلَةٌ".
و"المَثانِي" -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، فَـ "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ الحَمْدَ نَفْسَها، كَما قالَ: ﴿ الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ ﴾ فَـ "مِنَ" لِبَيانِ الجِنْسِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّها يُثْنى بِها عَلى اللهِ تَعالى، جَوَّزَهُ الزُجاجُ، وفي هَذا القَوْلِ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَأنَّ اللهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُعْطِها لِغَيْرِها، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "المَثانِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والقُرْآنَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "سَبْعًا".
وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "سَبْعًا" أيْ سَبْعَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ خَوَّلْناكَ فِيها شَرَفَ المَنزِلَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وهِيَ: مُرْ، وانْهَ، وبَشِّرْ، وأنْذِرْ، واضْرِبِ الأمْثالَ، واعْدُدِ النِعَمَ، وفُضَّ الغُيُوبَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: السَبْعُ المَثانِي هي آيَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ، وقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ وما نَزَلَ مِنَ السَبْعِ الطَوالِ شَيْءٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ الآيَةُ.
حَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ بِالِاسْتِغْناءِ بِكِتابِ اللهِ عن جَمِيعِ زِينَةِ الدُنْيا، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ"،» أيْ: يَسْتَغْنِي بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْناكَ عَظِيمًا خَطِيرًا، فَلا تَنْظُرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الدُنْيا وزِينَتِها الَّتِي مَتَّعْنا بِها أنْواعًا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَرَأى أنَّ أحَدًا أُعْطِيَ أفْضَلَ مِمّا أُعْطِيَ فَقَدْ عَظَّمَ صَغِيرًا وصَغَّرَ عَظِيمًا"،» وكَأنَّ مَدَّ العَيْنِ يَقْتَرِنُ بِهِ تَمَنٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ المَيْلِ إلى زِينَةِ الدُنْيا بِمَدِّ العَيْنِ.
و"الأزْواجُ" هُنا: الأنْواعُ والأشْباهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: لا تَتَأسَّفْ لِكُفْرِهِمْ وهَلاكِهِمْ، واصْرِفْ وجْهَكَ وتَحَفِّيَكَ إلى مَن آمَنَ بِكَ، واخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: لَيِّنْ جَناحَكَ وَوَطِئَ أكْنافَكَ.
و"الجَناحُ": الجانِبُ والجَنْبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ ، فَهو أمْرٌ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ، والجُنُوحُ: المَيْلُ.
﴿ وَقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ المُبِينُ ﴾ ، أيْ: تَمَسَّكْ بِهَذا القَدْرِ العَظِيمِ الَّذِي وهَبْناكَ، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَما" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وقُلْ إنِّي أنا النَذِيرُ بِعَذابٍ كالَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى المُقْتَسِمِينَ، والكافُ اسْمٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وهو عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لَأنَّ "كَما" لَيْسَتْ مِمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ، بَلْ هو مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيَنْفَصِلُ الكَلامُ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ هَذا القَوْلُ بِأنْ نُقَدِّرَ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لَهُ: تُنْذِرُ عَذابًا كَما، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما قالَ قَبْلَكَ رُسُلُنا، وأنْزَلَنا عَلَيْهِمْ كَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُلْ أنا النَذِيرُ كَما أنْزَلْنا في الكُتُبِ أنَّكَ سَتَأْتِي نَذِيرًا، وهَذا عَلى أنَّ "المُقْتَسِمِينَ" أهْلُ الكِتابِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المُقْتَسِمِينَ".
مَن هُمْ؟
-فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمُ صالِحٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهَّلَهُ، فالمُقْتَسِمُونَ -عَلى هَذا- مِنَ القَسَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُقْتَسِمُونَ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ، وجُعِلُوا كِتابَ اللهِ أعْضاءً، آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقالَ نَحْوَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُقْتَسِمُونَ هم مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الطُرُقَ وقْتَ المَواسِمِ لِيُعَرِّفُوا الناسَ بِحالِ مُحَمَّدٍ ، وجَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا وشِعْرًا وكِهانَةً، فَعَضَهُوهُ بِهَذا وعَضُّوهُ أعْضاءً بِهَذا التَقْسِيمِ.
وَقالَ عِكْرِمَةُ: المُقْتَسِمُونَ هم قَوْمٌ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِسُوَرِ القُرْآنِ، ويَقُولُ الرَجُلُ مِنهُمْ: هَذِهِ السُورَةُ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: وهَذِهِ لِي.
وقَوْلُهُ: "عِضِينَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"جَعَلُوا" بِمَعْنى "صَيَّرُوا"، أيْ بِألْسِنَتِهِمْ ودَعْواهُمْ، وأظْهَرَ ما فِيهِ أنَّهُ جَمْعُ عِضَةٍ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ الشَيْءِ، والجَماعَةُ مِنَ الناسِ كَثُبَةٍ وثُبِينَ، وعِزَةٍ وعِزِينَ، وأصْلُها عِضَهَةٌ وثُوبَةٌ، فالياءُ والنُونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، كَما قالُوا سَنَةُ وسُنُونَ، إذْ أصْلُها سَنْهَةٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الأعْضاءِ، أيْ عَضَّوْهُ فَجَعَلُوهُ أقْسامًا وأعْضاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الراجِزِ: ولَيْسَ دِينُ اللهِ بِالمُعَضّى.
وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: "عِضِينَ" مَأْخُوذٌ مِنَ العَضَهِ وهو السَبُّ المُفْحِشُ، فَقُرَيْشٌ عَضَهُوا كِتابَ اللهِ بِقَوْلِهِمْ: هو شِعْرٌ، هو سِحْرٌ، هو كِهانَةٌ، وهَذا هو اخْتِيارُ الكِسائِيِّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عِضِينَ" جَمْعُ عِضَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسِّحْرِ خاصَّةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: لِلْماءِ مِن عِضاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ.
وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: العَضَهُ: السِحْرُ، وَهم يَقُولُونَ لِلسّاحِرَةِ: العاضِهَةُ، وفي الحَدِيثِ: « "لَعَنَ اللهُ العاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"،» وهو اخْتِيارُ الفِراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن قالَ: "جَعَلُوهُ أعْضاءً" فَإنَّما أرادَ: قَسَّمُوهُ كَما تُقَسَّمُ الجَزُورُ أعْضاءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، ضَمِيرٌ عامٌّ، ووَعِيدٌ مَحْضٌ يَأْخُذُ كُلَّ أحَدٍ مِنهُ بِحَسْبِ جُرْمِهِ وعِصْيانِهِ، فالكافِرُ يُسْألُ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وعَنِ الرُسُلِ، وعن كُفْرِهِ وقَصْدِهِ، والمُؤْمِنُ العاصِي يُسْألُ عن تَضْيِيعِهِ، والإمامُ عن رَعِيَّتِهِ، وكُلُّ مُكَلَّفٍ عَمّا كُلِّفَ القِيامَ بِهِ، وفي هَذا أحادِيثُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يُسْألُ العِبادُ كُلُّهم عن خَلَّتَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، وبِماذا أجابُوا المُرْسَلِينَ.
وقالَ في تَفْسِيرِها أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: إنَّ السُؤالَ عن "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ النَبِيِّ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، قالَ: يُقالُ لَهُمْ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا؟
قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ مَعْناهُ: لا يُقالُ لَهُ: ما أذْنَبْتَ؟
لَأنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ، ونَفْيُ السُؤالِ هو نَفْيُ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، وإيجابُ السُؤالِ هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لَهم والتَوْبِيخِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ ﴿ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ﴾ "اصْدَعْ": مَعْناهُ: أنْفِذْ وصَرِّحْ بِما بُعِثْتَ بِهِ، والصَدْعُ: التَفْرِيقُ بَيْنَ مُلْتَحِمٍ، كَصَدْعِ الزُجاجَةِ ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المُصَرِّحَ بِقَوْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ يَصْدَعُ بِهِ ما سِواهُ مِمّا يُضادُّهُ، والصَدِيعُ: الصُبْحُ، لَأنَّهُ يَصْدَعُ اللَيْلَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أنْ يُجْهَرَ بِالقُرْآنِ في الصَلاةِ.
وفِي "تُؤْمَرُ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، تَقْدِيرُهُ: تُؤْمَرُ بِهِ، أو تُؤْمَرُهُ، وفي هَذَيْنَ تَنازُعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ مِن آياتِ المُهادَناتِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ كَفاهُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ مِن كَفّارِ مَكَّةَ بِبَوائِقَ أصابَتْهُمْ، لَمْ يَسْعَ بِها مُحَمَّدٌ، ولا تَكَلَّفَ فِيها مَشَقَّةً.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ أبُو زَمْعَةَ، والأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، ومِن خُزاعَةَ الحارِثُ بْنُ الطُلاطِلَةَ، وهو ابْنُ غَيْطَلَةَ، وهو ابْنُ قَيْسٍ.
قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ ابْنَ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ اخْتَلَفا في رَجُلٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو الحارِثُ بْنُ غَيْطَلَةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الحارِثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقالَ الزُهْرِيُّ: صَدَقا، أُمُّهُ غَيْطَلَةَ وأبُوهُ قَيْسٌ، وذَكَرَ الشَعْبِيُّ في المُسْتَهْزِئِينَ هَبّارَ بْنَ الأُسُودِ، وذَلِكَ وهْمٌ، لَأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا ثَمانِيَةً، كُلُّهم ماتَ قَبْلَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ في المَسْجِدِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجاءَ الوَلِيدُ فَأومَأ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ إلى ساقِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ العاصِي فَأومَأ إلى أخْمَصِهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ جاءَ أبُو زَمْعَةَ فَأومَأ إلى عَيْنِهِ، ثُمَّ مَرَّ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأومَأ إلى رَأْسَهِ وقالَ: كُفِيتَ، ثُمَّ الحارِثُ فَأومَأ إلى بَطْنِهِ وقالَ: كُفِيتَ، وكانَ الوَلِيدُ قَدْ مَرَّ بِقَيْنٍ في خُزاعَةَ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِن نَبْلِهِ بِإزارِهِ فَجُرْحَ ساقُهُ، ثُمَّ بَرِئَ، فانْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الخَدْشُ بَعْدَ إشارَةِ جِبْرِيلَ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّ السَهْمَ قَطْعَ أكْحَلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقْسِمٌ.
ورَكِبَ العاصِي بَغْلَةً في حاجَةٍ، فَلَمّا جاءَ يَنْزِلُ وضَعَ أخْمُصَهُ عَلى شِبْرِقَةٍ، فَوَرِمَتْ قَدَمُهُ فَماتَ، وعَمِيَ أبُو زَمْعَةَ، وكانَ يَقُولُ: دَعا عَلِيَّ مُحَمَّدٌ بِالعَمى فاسْتُجِيبَ لَهُ، ودَعَوْتُ عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ طَرِيدًا شَرِيدًا فاسْتُجِيبَ لِي، وتَمَخَّضَ رَأْسُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَيْحًا فَماتَ، وامْتَلَأ بَطْنُ الحارِثِ ماءً فَماتَ حِينًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي ذِكْرِ هَؤُلاءِ وكِفايَتِهِمُ اخْتِلافٌ بَيْنَ الرُواةِ، وفي صِفَةِ أحْوالِهِمْ وما جَرى لَهُمْ، جَلَبْتُ أصَحَّهُ مُخْتَصَرًا طَلَبًا لِلْإيجازِ.
ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَنْبَهم في الكُفْرِ، واتِّخاذَ الأصْنامِ آلِهَةً مَعَ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ﴾ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ وتَسْلِيَةٍ عن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وإنْ كانَتْ مِمّا يُقْلِقُ، وضِيقُ الصَدْرِ يَكُونُ مِنَ امْتِلائِهِ غَيْظًا بِما يَكْرَهُ الإنْسانُ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِمُلازَمَةِ الطاعَةِ، وأنْ تَكُونَ مَسْلاتَهُ عِنْدَ الهُمُومِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ المَصْلَيْنِ، فَذَكَرَ مِنَ الصَلاةِ حالَةَ القُرْبِ مِنَ اللهِ تَعالى وهي السُجُودُ، وهي أكْرَمُ حالاتِ الصَلاةِ وأقَمْنُها بِنَيْلِ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ: « "كانَ رَسُولُ اللهِ إذا حِزْبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ"،» فَهَذا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أخْذٌ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"اليَقِينُ": المَوْتُ، بِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ عِنْدَ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ: "أمّا هو فَقَدْ رَأى اليَقِينَ"»، وَيُرْوى: « "فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ"،» ولَيْسَتِ اليَقِينُ مِن أسْماءِ المَوْتِ، وإنَّما العِلْمُ بِهِ يَقِينٌ لا يَمْتَرِي فِيهِ عاقِلٌ، فَسَمّاهُ هُنا يَقِينًا تَجَوُّزًا، أيْ: يَأْتِيكَ الأمْرُ اليَقِينُ عِلْمُهُ ووُقُوعُهُ، وهَذِهِ الغايَةُ مَعْناها: مُدَّةُ حَياتِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ في النَصْرِ الَّذِي وُعِدْتَهُ.
نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ