المحرر الوجيز سورة النحل

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة النحل

تفسيرُ سورةِ النحل كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 248 دقيقة قراءة

تفسير سورة النحل كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ١ يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٣ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ٤

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ  ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ  ﴾ ، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا  ﴾ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا  ﴾ فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ  قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿ أمْرُ اللهِ ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ  ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.

وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا  ﴾ ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ -وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.

وقَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ  ﴾ ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿ وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ  ﴾ الآيَةُ.

وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا  ﴾ ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ.

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا  ﴾ ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ.

و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ".

وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلْأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٥ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ٦ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَـٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ٧ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨ وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ ﴿ وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ "الأنْعامُ": الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وأكْثَرُ ما يُقالُ: نِعَمٌ وأنْعامٌ لِلْإبِلِ، ويُقالُ لِلْجُمُوعِ، ولا يُقالُ لِلْغَنَمِ مُفْرَدَةً، ونَصْبُها إمّا عَطْفًا عَلى "الإنْسانَ"، وإمّا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وهو أوجُهُ.

و"الدِفْءُ": السَخانَةُ وذَهابُ البَرْدِ بِالأكْسِيَةِ، وذَكَرَ النَحّاسُ عَنِ الأُمَوِيِّ قالَ: الدِفْءُ في لُغَةِ بَعْضِهِمْ: تَناسُلُ الإبِلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ، والمَعْنى الأوَّلُ هو الصَحِيحُ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "دِفٌّ" بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها.

و"المَنافِعُ": ألْبانُها وما تَصَرَّفَ مِنها، ودُهُونُها وحَرْثُها والنَضْحُ عَلَيْها، وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ "الأكْلَ" الَّذِي هو مِن جَمِيعِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ ﴾ أيْ: في المَنظَرِ، ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ مَعْناهُ: حِينَ تَرُدُّونَها وقْتَ الرَواحِ إلى المَنازِلِ فَتَأْتِي بِطانًا مُمْتَلِئَةَ الضُرُوعِ.

و"تَسْرَحُونَ" مَعْناهُ: تُخْرِجُونَها غُدْوَةً إلى السَرْحِ، تَقُولُ: "سَرَحْتُ السائِمَةَ" إذا أرْسَلْتَها تَسْرَحُ، فَسَرَحَتْ هِيَ، كَرَجَعَ رَجَعْتُهُ، وهَذا الجَمالُ لِمالِكِها ولِمُحِبِّيهِ وعَلى حَسَدَتِهِ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: "حِينَما تُرِيحُونَ وحِينًا تَسْرَحُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حِينًا تَرِيحُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ ضَعِيفَةٌ، وأظُنُّها تَصْحِيفًا.

و"الأثْقالُ": الأمْتِعَةُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا الأجْسامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها  ﴾ ، أيْ بَنِي آدَمَ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، قالَ النَقّاشُ: ومِنهُ سُمِّي الإنْسُ والجِنُّ الثِقْلانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى بَلَدٍ ﴾ أيْ: إلى أيِّ بَلَدٍ تَوَجَّهْتُمْ بِحَسْبِ اخْتِلافِ أغْراضِ الناسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المُرادُ مَكَّةَ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى الحَجِّ.

و"الشِقُّ": المَشَقَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وذِي إبِلٍ يَسْعى ويَحْسِبُها لَهُ ∗∗∗ أخِي نَصَبٍ مِن شِقِّها ودَؤُوبِ أيْ: مِن مَشَقَّتِها.

ويُقالُ فِيها: شِقٌّ وشَقٌّ، أيْ: مَشَقَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِي، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وابْنُ أرْقَمَ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "بِشَقِّ" بِفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ مَعْنى ﴿ بِشِقِّ الأنْفُسِ ﴾ أيْ: بِذَهابِ نِصْفِها، كَأنَّها قَدْ ذابَتْ تَعَبًا ونَصَبًا، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا تَقْدِرُ عَلى كَذا إلّا بِذَهابِ جُلِّ نَفْسِكَ، وبِقِطْعَةٍ مِن كَبِدِكَ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَجازِ، وذَهَبُوا في فَتْحِ الشِينِ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: شَقَّ يَشُقُّ.

ثُمَّ أوجَبَ اللهُ رَأْفَتَهُ ورَحْمَتَهُ في هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي أذْهَبَتِ المَشَقّاتُ ورَفَعَتِ الكَلَفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ ﴾ عَطْفٌ، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ" بِالرَفْعِ في كُلِّها، وسُمِّيَتِ الخَيْلُ خَيْلًا لِاخْتِيالِها في المِشْيَةِ، أفْهَمَهُ أعْرابِيٌّ لِأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ.

وقَوْلُهُ: "وَزِينَةً" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "وَجَعَلْنا زِينَةً"، وقَرَأ أبُو عِياضٍ: "لِتَرْكَبُوها زِينَةً" دُونَ واوٍ، والنُصْبُ حِينَئِذٍ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في "تَرْكَبُوها".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ عِبْرَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللهِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ لا يُحِيطُ بِعِلْمِها بَشَرٌ، بَلْ ما يَخْفى عنهُ أكْثَرُ مِمّا يُعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلْقَ ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها في البِرِّ أرْبَعُمِائَةٍ، وبَثَّها بِأعْيانِها في البَحْرِ، وزادَ فِيهِ مِائَتَيْنِ لَيْسَتْ في البَرِّ.

وكُلُّ مَن خَصَّصَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا -كَقَوْلِ مَن قالَ: سُوسُ الثِيابِ وغَيْرَ ذَلِكَ -فَإنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنْ ما ذَكَرَهُ هو المَقْصُودُ في نَفْسِهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ هو ما أعَدَّ اللهُ في الجَنَّةِ لِأهْلِها، وفي النارِ لِأهْلِها، مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولا سَمِعَتْهُ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ ومَن ذَهَبَ مَذْهَبَهُ في كَراهِيَةِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ أو تَحْرِيمِها بِحَسْبِ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عن لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ فَكَرِهَها فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: جَعَلَ اللهُ الأنْعامَ لِلْأكْلِ وهَذِهِ لِلرُّكُوبِ، وكانَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: الخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ حَرامٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ لازِمَةٍ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، قالُوا: إنَّما ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عِظَمَ مَنافِعِ الأنْعامِ، وذَكَرَ عِظَمِ مَنافِعِ هَذِهِ وأهَمُّ ما فِيها، ولَيْسَ يَقْضِي ذَلِكَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ لِهَذِهِ لا تَدَخُلُ هَذِهِ فِيهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي إجْماعِهِمْ عَلى جَوازِ رُكُوبٍ ما ذُكِرَ لِلْأكْلِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ ما ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَلالٌ، وفي جَوازِ أكْلِها حَدِيثُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: « "كُنّا نَأْكُلُ الخَيْلَ في عَهْدِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ"» والبِغالُ والحَمِيرُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وحُجَّةُ مَن ألْحَقَ الخَيْلَ بِالبِغالِ والحَمِيرِ في الكَراهِيَةِ القِياسُ، إذْ قَدْ تَشابَهَتْ وفارَقَتِ الأنْعامَ في أنَّها لا تَجْتَرُّ، وأنَّها ذَواتُ حَوافِرَ، وأنَّها لا أكْراشَ لَها، وأنَّها مُتَداخِلَةٌ في النَسْلِ، إذِ البِغالُ بَيْنَ الخَيْلِ والحَمِيرِ، فَهَذا مِن جِهَةِ النَظَرِ، وأمّا مِن جِهَةِ الشَرْعِ فَإنَّها قُرِنَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وأُسْقِطَتِ الزَكاةُ فِيها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى اللهِ قَصْدُ السَبِيلِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ أيْضًا مِن أجْلِّ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: عَلى اللهِ تَقْوِيمُ طَرِيقِ الهُدى وتَبْيِينُهُ، وذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وبَعْثِ الرُسُلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُتَأوِّلُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ مَن سَلَكَ السَبِيلَ القاصِدَ فَعَلى اللهِ رَحْمَتُهُ ونَعِيمُهُ وطَرِيقُهُ، وإلى ذَلِكَ مَصِيرُهُ، فَيَكُونُ هَذا مَثَلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ  ﴾ ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "والشَرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"،» أيْ: لا يُفْضِي إلى رَحْمَتِكَ، و"طَرِيقٌ قاصِدٌ" مَعْناهُ: بَيِّنٌ مُسْتَقِيمٌ قَرِيبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: فَصَدَّ عن نَهْجِ الطَرِيقِ القاصِدِ والألِفُ واللامُ في "السَبِيلِ" لِلْعُهَدِ، وهي سَبِيلُ الشَرْعِ، ولَيْسَتْ لِلْجِنْسِ، ولَوْ كانَتْ لِلْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ فِيها جائِرٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنها جائِرٌ ﴾ يُرِيدُ طَرِيقَ اليَهُودِ والنَصارى وغَيْرَهم كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" يُعُودُ عَلى [السُبُلِ] الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى الآيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنَ السُبُلِ جائِرٌ"، فَأعادَ عَلَيْها وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِتَضَمُّنِ لَفْظَةِ "السَبِيلِ" بِالمَعْنى لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "مِنها" عَلى سَبِيلِ الشَرْعِ المَذْكُورَةِ، وتَكُونُ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ المُرادُ فِرَقَ الضَلالَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، كَأنَّهُ قالَ: "وَمِن بُنَياتِ الطَرِيقِ في هَذِهِ السَبِيلِ ومِن شُعَبِها جائِرٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ مَعْناهُ: لَخَلَقَ الهِدايَةَ في قُلُوبِ جَمِيعِكم ولَمْ يَضِلَّ أحَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَعَرَضَ عَلَيْكم آيَةً تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ والِاهْتِداءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ سُوءٍ لِأهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العِبادِ لَمْ يُحَصِّلْهُ الزَجّاجُ، ووَقَعَ فِيهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَمِنكم جائِرٌ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَمِنكم جائِرٌ"، والسَبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠ يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ١١ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ﴿ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَرْعَ والزَيْتُونَ والنَخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ هَذا تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ في المَطَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنهُ شَجَرٌ ﴾ أيْ: يَكُونُ مِنهُ بِالتَدْرِيجِ، إذْ يَسْقِي الأرْضَ فَيُنْبِتُ عن هَذا السَقْيِ الشَجَرَ، وهَذا مِنَ التَجَوُّزِ، كَما قالَ الشاعِرُ: أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ وكَما سَمّى الآخَرُ العُشْبَ سَماءً في قَوْلِهِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا قالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ لِكُلِّ ما يَنْبُتُ عَلى الأرْضِ: شَجَرٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَجَرِ فَإنَّهُ مُسْحِتٌ، يَعْنِي الكَلَأ.

و"تُسِيمُونَ" مَعْناهُ: تَرْعَوْنَ أنْعامَكُمْ، وسَوْمُها مِنَ الرَعْيِ، وتُسَرِّحُونَها، ويُقالُ لِلْأنْعامِ: السائِمَةُ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"،» يُقالُ: أسامَ الرَجُلُ ماشِيَتَهُ إسامَةً إذا أرْسَلَها تَرْعى، وسَوَّمَها أيْضًا فَسامَتْ هِيَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ومَشى القَوْمُ بِالعِمادِ إلى الرَزْ ∗∗∗ ∗∗∗ حى، وأعْيا المُسِيمُ أيْنَ المَساقُ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مِثْلُ ابْنِ بَزْعَةَ أو كَآخَرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أولى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ أيْ: راعِيَةُ الأجْمالِ.

وفَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ "تُسِيمُونَ" بِـ "تَرْعَوْنَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْبِتُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُنْبِتُ اللهُ، يُقالُ: نَبَتَ الشَجَرُ وأنْبَتَهُ اللهُ، ويُقالُ: أنْبَتَ الشَجَرُ بِمَعْنى نَبَتَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يَأْبى ذَلِكَ ويَتَّهِمُ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُنْبِتُ" بِنُونٍ العَظَمَةِ، وخَصَّ عَزَّ وجَلَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأرْبَعَةِ لِأنَّها أشْرَفُ ما يَنْبُتُ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ  ﴾ ، ثُمَّ أحالَ القَوْلَ عَلى الفِكْرَةِ في تَصارِيفِ النَباتِ والأشْجارِ، وهي مَوْضِعُ عِبْرَةٍ في ألْوانِها واطِّرادِ خَلْقِها وتَناسُبِ ألْطافِها فَسُبْحانَ الخَلّاقِ العَظِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ الجُمْهُورُ بِإعْمالِ "سَخَّرَ" في جَمِيعِ ما ذَكَرَ، ونَصَبَ "مُسَخَّراتٍ" عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا  ﴾ وكَما قالَ الشاعِرُ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِيِ ونَحْوَ هَذا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِرَفْعٍ هَذا كُلِّهِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "والنُجُومُ مُسَخَّراتٌ" بِالرَفْعِ، ونَصَبَ ما قَبْلَ ذَلِكَ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ عَلى رُتْبَةٍ قَدِ اسْتَمَرَّ بِها انْتِفاعُ البَشَرِ مِنَ السُكُونِ بِاللَيْلِ والمَعايِشِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِالنَهارِ، وأمّا مَنافِعُ الشَمْسِ والقَمَرِ فَأكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وأمّا النُجُومُ فَهِداياتٌ، ولِهَذا الوَجْهِ اعْتَدَتْ في جُمْلَةِ النِعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِنَ النِعْمَةِ بِها ضِياؤُها أحْيانًا، قالَ الزَجاجُ: وعَلِمَ عَدَدَ السِنِينَ والحِسابِ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "والرِياحُ مُسَخَّراتٌ" في مَوْضِعِ "والنُجُومِ".

ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ لِعِظَمِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ آيَةٌ في نَفْسِهِ لا يَشْتَرِكُ مَعَ الآخَرِ، وقالَ في الآيَةِ قَبْلُ: "لَآيَةٍ" لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا يَعُمُّ تِلْكَ الأرْبَعَةِ وهو النَباتُ، وكَذَلِكَ في ذِكْرِ ما ذَرَأ لِيَسارَتِهِ بِالإضافَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ بِمَعْنى "آياتٍ"، واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ ١٣ وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٤ وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَـٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: بَثَّ ونَشَرَ، و"الذُرِّيَّةُ" مِن هَذا في أحَدِ الأقْوالِ في اشْتِقاقِها، وقَوْلُهُ: "ألْوانُهُ" مَعْناهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَمَرِ ومِنَ الطَعامِ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ المَبْثُوثاتُ في الأرْضِ أصْنافًا عُدَّتْ في النِعْمَةِ، وظَهَرَ الِانْتِفاعُ بِها أنَّهُ عَلى وُجُوهٍ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ هي مُتَلَوِّنَةٌ حُمْرَةً وصُفْرَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِلافِ الألْوانِ حُمْرَةً وصُفْرَةً، والأوَّلُ أبْيَنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ ﴾ الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعَمِ اللهِ، وتَسْخِيرُ البَحْرِ هو تَمْكِينُ البَشَرِ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ، وتَذْلِيلِهِ لِلرُّكُوبِ والأرْفادِ وغَيْرِهِ.

والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا، كُلُّهُ يُسَمّى بَحْرًا، والبَحْرُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنهُ أكْلُ اللَحْمِ الطَرِيِّ، ومِنهُ اسْتِخْراجُ الحِلْيَةٍ، وأكْلُ اللَحْمِ يَكُونُ مِن مِلْحِهِ وعَذْبِهِ، وإخْراجُ الحِلْيَةِ إنَّما هو -فِيما عُرِفَ- مِنَ المِلْحِ فَقَطْ، ومِمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ والصَدَفُ والصُوفُ البَحَرِيُّ، وقَدْ يُوجَدُ في العَذْبِ لُؤْلُؤٌ لا يَلْبَسُ إلّا قَلِيلًا، وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُمُرُّدِ بَحْرِيًّا، وقَدْ خُطِّئَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ في وصْفِ الدُرَّةِ.

فَجاءَ بِها مِن دُرَّةٍ لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ فَجَعَلَها مِنَ الماءِ الحُلْوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمَّلْ قَوْلُهُ: "يَمُوجُ" عَلى أنَّهُ وصَّفٌ بِرِيقِها ومائِيَّتِها فَشَبَّهَهُ بِماءِ الفُراتِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى الغَرَضِ الَّذِي خُطِّئَ فِيهِ.

و"اللَحْمُ الطَرِيُّ": السَمَكُ، و"الحِلْيَةُ": ما تُقَدِّمُ، و"الفُلْكَ" هُنا جَمْعٌ، و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، و"المَخْرُ" في اللُغَةِ الصَوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِيحِ عَلى شَيْءٍ يُشَقُّ، أو يَصْحَبُ في الجُمْلَةِ الماءَ، فَيَتَرَتَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ "المَخْرُ" مِنَ الرِيحِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ السَفِينَةِ ونَحْوَها، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ السُفُنِ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: "بَناتٌ مَخْرٌ" تَشْبِيهًا، إذْ في جَرْيِها ذَلِكَ الصَوْتُ الَّذِي هو عَنِ الرِيحِ، والماءُ الَّذِي في السَحابِ وأمْرُها يُشْبِهُ أمْرَ البَحْرِ، عَلى أنَّ الزَجاجَ قَدْ قالَ: "بَناتُ البَحْرِ": سَحابٌ بَيْضٌ لا ماءَ فِيها، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: المَخْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَقُّ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ، فَهَذا بَيِّنٌ أنْ يُقالَ فِيهِ لِلْفُلْكِ: مَواخِرَ، وقالَ قَوْمٌ: "مَواخِرَ" مَعْناهُ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلَّفْظَةِ، وإنَّما أرادُوا أنَّها مَواخِرُ بِهَذِهِ الأحْوالِ، فَنَصُّوا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ؛ إذْ هي مَوْضِعُ النِعَمِ المَعْدُدَةِ؛ إذْ نَفْسُ كَوْنِ الفُلْكِ ماخِرَةً لا نِعْمَةَ فِيهِ، وإنَّما النِعْمَةُ في مَخْرِها بِهَذِهِ الأحْوالِ في التِجاراتِ، والسَفَرِ فِيها، وما يَمْنَحُ اللهُ فِيها مِنَ الأرْباحِ والمِنَنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَخْرُ" في اللُغَةِ: صُوتُ هُبُوبِ الرِيحِ، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنٍ في ماءٍ، وقالَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ: إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرَ الرِيحَ؛ أيْ: لِيَنْظُرَ في صَوْتِها في الأجْسامِ مِن أيْنَ تُهِبُّ، فَيَتَجَنَّبَ اسْتِقْبالَها لِئَلّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.

وقَوْلُهُ: "وَلِتَبْتَغُوا" عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: "تَأْكُلُوا"، وهَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ لَها تَفاصِيلُ لا تُحْصى، وفِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ الأرْباحِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ في تَسْخِيرِ البَحْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى في الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

قالَ المُتَأوِّلُونَ: "ألْقى" بِمَعْنى خَلْقَ وجَعْلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَهِيَ عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ ألْقى تَقْتَضِي أنَّ اللهَ أحْدَثَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ، لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرُ ما رُوِيَ في القِصَصِ عَنِ الحَسَنِ عن قَيْسِ بْنِ عِبادٍ أنَّ اللهَ تَعالى لِما خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلى ظَهْرِها أحَدًا، فَأصْبَحَتْ ضُحًى وفِيها رَواسِيها، و"الرَواسِي": الثَوابِتُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الوَتَدِ: وأشْعَثَ تُرْسِيهِ الوَلِيدَةَ بِالفِهْرِ و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"المَيَدُ": الِاضْطِرابُ، وقَوْلُهُ: "أنْهارًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنْهارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ "ألْقى"، ولَوْ كانَ "ألْقى" بِمَعْنى "خَلَقَ" لَمْ يَحْتَجْ إلى الإضْمارِ.

و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ في مَشْيِكم وتَصَرُّفِكم في السُبُلِ، ويُحْتَمَلُ ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ بِالنَظَرِ في هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، وهَذا التَأْوِيلُ هو البارِعُ؛ أيْ: سَخَّرَ وألْقى وجَعَلَ أنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّ البَشَرَ يَعْتَبِرُونَ ويَرْشِدُونَ، ولِتَكُونَ عَلاماتٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَعَلَـٰمَـٰتٍۢ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ١٦ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٨ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ١٩ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ٢٠ أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ ﴿ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ "عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.

وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.

ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ ، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟

والمُخاطَبَةُ: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ.

وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.

ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ.

و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ.

و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ ، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.

<div class="verse-tafsir"

إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌۭ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ٢٢ لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ٢٣ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٢٤ لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَرَمَتْ فَزارَةُ وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا.

و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ ﴾ ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ.

وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟

وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى.

فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم.

و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ٢٦ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِن القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلى الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِـ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ إلى نَمْرُوذٍ الَّذِي بَنى الصَرْحَ لِيَصْعَدَ فِيهِ إلى السَماءِ عَلى زَعْمِهِ، فَلَمّا أفْرَطَ في غُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَماءِ فَرْسَخَيْنِ عَلى ما حَكى النَقاشُ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَدَمَهُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، وانْجَعَفَ مَن أسْلَفَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: المُرادُ بِـ " الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ " جَمِيعُ مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: حالُهم كَحالِ مِن فَعَلَ بِهِ هَذا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ أيْ: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَنْحُو إلى اللُغْزِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ ﴾ ، فَإنَّكَ تَقُولُ: "انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ" وهو لَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: "انْفَسَدَ عَلَيْهِ مَتاعُهُ".

وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ.

وقَوْلُهُ: "فَأتى" أيْ: فَأتى أمْرُ اللهِ وسُلْطانُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بُنْيانَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنْيَتَهُمْ"، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "بَنِيَّتَهُمْ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "بُيُوتَهُمْ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَقْفُ" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ في الدُنْيا، ذَكَرَ في هَذِهِ حالَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: "يُخْزِيهِمْ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى إدْخالِهِمُ النارَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وأضافَهم إلى نَفْسِهِ في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ، أيْ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما قالَ تَعالى حِكايَةً: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والإضافاتُ تَتَرَتَّبُ مَعْقُولَةً ومَلْفُوظًا بِها بِأرَقِّ سَبَبٍ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا قُلْتُ قُدْنِي قالَ باللهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا فَأضافَ الإناءَ إلى حاسِيهِ.

وقَرَأ البَزِيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "شُرَكايَ" بِقِصْرِ الشُرَكاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمَدِّ وفَتْحِ الياءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالمَدِّ وياءِ ساكِنَةٍ.

وقَوْلُهُ: "تُشاقُّونَ" مَعْناهُ: تُحارِبُونَ وتُحاجُّونَ، أيْ: تَكُونُ في شَقٍّ والحَقُّ في شَقٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشاقُّونَ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحُسْنِ بِخِلافٍ، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَثَلِهِ في "الحَجَرِ" في "تُبَشِّرُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُشاقُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها.

و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ هُمِ المَلائِكَةُ فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الخِطابُ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَن آتاهُ اللهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مَن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٨ فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ٢٩ ۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ٣٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ "الَّذِينَ" نَعْتٌ لِـ "الكافِرِينَ" في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ، وخَبُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَألْقَوُا السَلَمَ ﴾ فَزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ، وقَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذا.

و"المَلائِكَةُ" يُرِيدُ القابِضِينَ لِأرْواحِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ حالٌ-.

و"السَلَمَ" هُنا: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: رَمَوْا بِأيْدِيهِمْ وقالُوا: "ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ" فَحَذَفَ "قالُوا" لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: هي مَواطِنُ، فَمَرَّةً يُقِرُّونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ: ﴿ وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ  ﴾ ، ومُرَّةً يَجْحَدُونَ كَهَذِهِ الآيَةِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُمْ: ﴿ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كَذَبُوا وقَصَدُوا الكَذِبَ اعْتِصامًا مِنهم بِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، والآخَرُ أنَّهم أخْبَرُوا عن أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ سُوءًا، فَأخْبَرُوا عن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، وهو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، وحُسْنُ الرَدِّ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا بِـ "بَلى"، أيْ يُقالُ لَهُمْ: بَلى، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ.

وإلْقاؤُهُمُ السَلَمَ ضِدُّ مُشاقَتِهِمْ قَبْلُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَهم كُفّارُ مَكَّةَ مُكْرَهِينَ إلى بَدْرٍ فَقُتِلُوا هُنالِكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِالآيَةِ الأُخْرى الَّتِي نَزَلَتْ في أُولَئِكَ بِاتِّفاقٍ مِنَ العُلَماءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَحْسُنُ قَطْعَ "الَّذِينَ" ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، فَتَأمَّلَهُ.

والقانُونُ أنْ "بَلى" تَجِيءُ بَعْدَ النَفْيِ، و"نَعَمْ" تَجِيءُ بَعْدَ الإيجابِ، وقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ التَقْرِيرِ، كَقَوْلُكَ: ألَيْسَ كَذا؟

وَنَحْوَهُ، ولا تَجِيءُ بَعْدَ نَفْيِ سِوى التَقْرِيرِ: وقَرَأ الجُمْهُورُ "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أدْغَمَ أبُو عَمْرُو: "السَلَّمَ مّا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فادْخُلُوا" مِن كَلامِ الَّذِي يَقُولُ: "بَلى"، و"أبْوابُ جَهَنَّمَ" مُفْضِيَةٌ إلى طِباقِها الَّتِي هي بَعْضٌ عَلى بَعْضٍ، والأبْوابُ كَذَلِكَ بابٌ عَلى بابٍ، و"خالِدِينَ" حالٌ، واللامُ في قَوْلِهِ: "فَلَبِئْسَ" لامُ التَأْكِيدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، وهو إجْماعٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ فِيما عَلِمْتَ أنَّ لامَ التَأْكِيدِ لا تَدَخُّلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي وإنَّما تَدْخُلُ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ، ولَكِنْ دَخَلَتْ عَلى "بِئْسَ" لَمّا لَمْ تَتَصَرَّفْ أشْبَهَتِ الأسْماءَ وبَعُدَتْ عن حالِ الفِعْلِ في هَذا، وهي بَعِيدَةٌ أيْضًا عن حالِ الفِعْلِ مِن جِهَةِ أنَّها لا تَدْخُلُ عَلى زَمانٍ.

و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، ونَعْمَ وبِئْسَ إنَّما يَدْخُلانِ عَلى مُعَرَّفٍ بِالألِفِ واللامِ، أو مُضافٍ إلى مُعَرَّفٍ بِذَلِكَ، و"المَثْوى" هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَبِئْسَ المَثْوى مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ، والمُتَكَبِّرُ هُنا هو الَّذِي أفْضى بِهِ كِبْرُهُ إلى الكُفْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى مَقالَةَ الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" عادَلَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَبِيِّ  ، وأوجَبَ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَسْتَحِقُّ لِتَتَبايَنَ المَنازِلُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ، و"ماذا" تَحْتَمِلُ ما ذَكَرَ في الَّتِي قَبْلَها، وقَوْلُهُمْ: "خَيْرًا" جَوابٌ بِحَسَبِ السُؤالِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللهِ تَعالى مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ بِالمَعْنى وعْدٌ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ إحْسانِ المُتَّقِينَ في مَقالَتِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: "خَيْرًا"، وهو تَفْسِيرٌ لِلْخَيْرِ الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: أنْزَلَ اللهُ في الوَحْيِ عَلى نَبِيِّنا خَيْرًا، أيْ: مَن أحْسَنَ في الدُنْيا بِالطاعَةِ فَلَهُ حَسَنَةٌ في الدُنْيا ونَعِيمٌ في الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثابُ عَلَيْها الرِزْقُ في الدُنْيا، ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ٣١ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٣٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ "جَنّاتُ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ بِتَقْدِيرِ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِقَوْلِهِ: "وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "جَنّاتُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ: "يَدْخُلُونَها"، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "جَنّاتَ" بِالنَصْبِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: "زَيْدًا ضَرَبْتُهُ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَدْخُلُونَها" وقَرَأ إسْماعِيلُ عن نافِعٍ: "يُدْخَلُونَها" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، ولا يَصِحُّ هَذا عن نافِعٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتَوَفّاهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: "يَتَوَفّاهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "تَوَفّاهُمْ" بِتاءٍ واحِدَةٍ في المَوْضِعَيْنِ.

و"طَيِّبِينَ" عِبارَةٌ عن صَلاحِ حالِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْمَوْتِ، وهَذا بِخِلافٍ ما قالَ في الكَفَرَةِ: "ظالِمِي أنْفُسِهِمْ"، والطَيِّبُ: الَّذِي لا خُبْثَ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ  ﴾ وقَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ بِشارَةً مِنَ اللهِ تَعالى، وفي هَذا أحادِيثٌ صِحاحٌ يَطُولُ ذِكْرُها.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِما كانَ في أعْمالكم مِن تَكَسُّبِكُمْ، وهَذا عَلى التَجَوُّزِ، عَلَّقَ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ بِأعْمالِهِمْ مِن حَيْثُ جَعَلَ الأعْمالُ أمارَةً لِإدْخالِ العَبْدِ الجَنَّةَ، ويَعْتَرِضُ في هَذا قَوْلِ رَسُولِ اللهِ  : « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ"، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولُ اللهِ؟

قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ"،» وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ بِالتَأْوِيلِ إلى مَعْنى الحَدِيثِ، ومِنَ الرَحْمَةِ والتَغَمُّدِ، أنْ يُوَفِّقَ اللهُ العَبْدَ إلى أعْمالٍ بَرَّةٍ، ومَقْصِدُ الحَدِيثِ نَفْيُ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى بِالعَقْلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِيقٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٣٣ فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٣٤ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ "يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ يَنْتَظِرُونَ، و"نَظَرَ" مَتى كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ فَإنَّما تُعَدِّيها العَرَبُ بِإلى، ومَتى لَمْ تَتَعَدَّ بِإلى) فَهو بِمَعْنى انْتَظَرَ، كَما قالَ امْرِؤُ القَيْسَ: فَإنَّكُما إنْ تَنْظُرانِي ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَهْرِ تَنْفَعُنِي لَدى أمْ جُنْدُبِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ  ﴾ ، وقَدْ جاءَ شاذًّا نَظَرَتْ بِمَعْنى الرُؤْيَةِ مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِ إلى كَقَوْلِ الشاعِرِ: باهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرُ...

نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِباءُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْتِيَهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَأْتِيَهِمْ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومَعْنى الكَلامِ أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ لِتَقْبِضَ أرْواحَهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ أو يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ ﴾ وعِيدٌ يَتَضَمَّنُ قِيامَ الساعَةِ أو عَذابَ الدُنْيا.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَذا كانَ فِعْلُ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أيْ: فَعُوقِبُوا، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا لِأنَّهُ لَمْ يُوضَعْ ذَلِكَ العِقابُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا كُفْرَهم في جِهَةِ اللهِ تَعالى، ومَيْلِهِمْ إلى الأصْنامِ والأوثانِ، فَهَذا وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: آذَوْها بِنَفْسِ فِعْلِهِمْ وإنْ كانُوا لَمْ يَقْصِدُوا ظُلْمَها ولا إذايَتَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ﴾ ، أيْ جَزاءُ ذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

"وَحاقَ" مَعْناهُ نَزَلَ وأحاطَ، وهُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ الآيَةُ جَدَلٌ مِنَ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ الكُفّارِ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ خالِقُهم ورازِقُهُمْ، فَإنَّ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، نَحْنُ مِنَ اللهِ بِمَرْأى في عِبادَتِنا الأوثانَ، واتِّخاذِها لِتَنْفَعَ وتُقَرِّبَ زُلْفى، ولَوْ كَرِهَ اللهُ فِعْلَنا لِغَيَّرَهُ مُنْذُ مُدَّةٍ، إمّا بِإهْلاكِنا وإمّا بِهِدايَتِنا.

وكانَ مِنَ الكَفّارِ فَرِيقٌ لا يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ اللهِ، فَإنْ كانَ أهْلُ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا الصِنْفِ فَكَأنَّهم أخَذُوا الحُجَّةَ عَلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن قَوْلِهِ، أيْ: إنَّ الرَبَّ الَّذِي تُثْبِتُهُ يا مُحَمَّدُ وهو عَلى ما تَصِفُهُ يَعْلَمُ ويَقْدِرُ، لا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ حالَنا، ولَوْ كَرِهَها لِغَيَّرَها.

والرَدُّ عَلى هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو في أنَّ اللهَ تَعالى يَنْهى عَنِ الكُفْرِ وقَدْ أرادَهُ بِقَوْمٍ، وإنَّما نَصَبَ الأدِلَّةَ وبَعَثَ الرُسُلَ ويَسَّرَ كُلًّا لِما حُتِمَ عَلَيْهِ، وهَذا الجِدالُ -بَيْنَ أيِّ الصِنْفَيْنِ فَرَضْتُهُ- لَيْسَ فِيهِ اسْتِهْزاءٌ، لَكِنَّ أبا إسْحاقِ الزُجاجِ قَدْ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الهُزْءِ، فَذَهَبَ أبُو إسْحاقٍ -واللهُ أعْلَمُ إلى أنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لا تَقُولُ بِالإثْمِ، ثُمَّ أقامَتِ الحُجَّةَ مِن مَذْهَبِ خَصْمِها كَأنَّها مُسْتَهْزِئَةٌ في ذَلِكَ، وهَذا جَدَلٌ مَحْضٌ، والرَدُّ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ يُشِيرُ إلى ما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ: "وَلا حَرَّمْنا" يُرِيدُونَ البَحِيرَةَ والسائِبَةَ والوَصِيلَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ هَذِهِ النَزْعَةَ قَدْ سَبَقَهُمُ الأوَّلُونَ مِنَ الكُفّارِ إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: والأمْرُ لَيْسَ عَلى ما ظَنُّوهُ مِن أنَّ اللهَ تَعالى إذا أرادَ الكُفْرَ لا يَأْمُرُ بِتَرْكِهِ، بَلْ قَدْ نَصَبَ اللهُ لِعِبادِهِ الأدِلَّةَ، وأرْسَلَ الرُسُلَ مُنْذِرِينَ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا البَلاغُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٣٦ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٣٧ وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللهَ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مَن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لَمّا أشارَ قَوْلُهُ: ﴿ فَهَلْ عَلى الرُسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ  ﴾ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ بَيْنَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنَّهُ بَعْثَ الرُسُلِ آمِرًا بِعِبادَتِهِ وتَجَنُّبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.

و"الطاغُوتَ" في اللُغَةِ كُلُّ ما عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ مِن آدَمِيٍّ راضٍ بِذَلِكَ أو حَجَرٍ أو خَشَبٍ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مِنهم مَنِ اعْتَبَرَ وهَداهُ اللهُ ونَظَرَ بِبَصِيرَتِهِ، ومِنهم مَن أعْرِضُ وكَفَرَ فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ، وهي مُؤَدِّيَةٌ إلى النارِ حَتْمًا، ومِنهم مَن أدَّتْهُ إلى عَذابِ اللهِ في الدُنْيا، ثُمَّ أحالَهم في عِلْمِ ذَلِكَ عَلى الطَلَبِ في الأرْضِ، واسْتِقْراءِ الأُمَمِ، والوُقُوفِ عَلى عَواقِبِ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ،.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَحْرِصْ ﴾ الآيَةُ، الحِرْصُ: أبْلَغُ الإرادَةِ في الشَيْءِ، وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أيْ أنَّ حِرْصَكَ لا يَنْفَعُ، فَإنَّها أُمُورٌ مَحْتُومَةٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، وشِبْلُ، ومُزاحِمُ الخُراسانِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العَطارِدِيِّ، وابْنُ سِيرِينِ: "لا يُهْدى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٍ، وذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أيْ أنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن قَضى بِإضْلالِهِ، والمَعْنى الآخَرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "يَهْدِي الرَجُلُ" بِمَعْنى "اهْتَدى"، حَكاهُ الفَرّاءُ، وفي القُرْآنِ: ﴿ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى  ﴾ ، وجَعَلَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ بِمَعْنى "يَهْتَدِي"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ والدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُهْدِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وهي ضَعِيفَةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَإنَّ اللهَ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، وحَكاها أبُو حاتِمٍ: "فَإنَّهُ لا هادِيَ لِمَن أضَلَّ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الراجِعُ إلى اسْمِ "إنَّ" مُقَدَّرٌ في "يُضِلُّ" عَلى كُلِّ قِراءَةٍ إلّا قِراءَةَ "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، أيْ: يَهْدِي اللهُ، فَإنَّ الراجِعَ مُقَدَّرٌ في "يَهْدِي".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ ضَمِيرٌ عَلى مَعْنى "مِن"، وتَقُولُ العَرَبُ: حَرَصَ يَحْرُصُ وحَرَصَ يَحْرِصُ، والكَسْرُ في المُسْتَقْبَلِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وأبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِ الراءِ في قَوْلِهِ "حَرَصَ" وقَرَأ إبْراهِيمُ: "وَإنْ تَحْرِصْ" بِزِيادَةِ الواوِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَأقْسَمُوا" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَكَرَ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاوَرَ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ في حَدِيثِهِ: "لا والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ"، فَقالَ لَهُ الكافِرُ: "أو بَعَثَ بَعْدَ المَوْتِ"؟

قالَ: "نَعَمْ"، فَأقْسَمَ الكافِرُ مُجْتَهِدًا في يَمِينِهِ أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا بَعْدَ المَوْتِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، و"جَهْدَ" مَصْدَرٌ، ومَعْناهُ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "بَلى" فَأوجَبَ بِذَلِكَ البَعْثَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "بَلى وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ" بِالرَفْعِ في المَصْدَرَيْنِ، وَأكْثَرُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ مِمّا يُجَوِّزُهُ العَقْلُ، وأثْبَتَهُ خَبَرُ الشَرِيعَةِ عَلى لِسانِ جَمِيعِ النَبِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الشِيعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وإنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُ في الدُنْيا، وهَذا هو القَوْلُ بِالرَجْعَةِ، وقَوْلُهم هَذا باطِلٌ وافْتِراءٌ عَلى اللهِ، وبُهْتانٌ مِنَ القَوْلِ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰذِبِينَ ٣٩ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُبَيِّنَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما في ضِمْنِ قَوْلِهِ: "بَلى"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "بَلى يَبْعَثُ لِيُبَيِّنَ"، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا  ﴾ ، والأوَّلُ أصْوَبُ في المَعْنى، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ كَذِبُ الكُفّارِ في إنْكارِ البَعْثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا ﴾ الآيَةُ.

"إنَّما" في كَلامِ العَرَبِ هي لِلْمُبالَغَةِ وتَحْقِيقِ تَخْصِيصِ المَذْكُورِينَ، فَقَدْ تَكُونُ -مَعَ هَذا- حاصِرَةً إذا دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وأمّا قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّما الرِبا في النَسِيئَةِ"،» وقَوْلُ العَرَبِ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ " فَبَقِيَ فِيها مَعْنى المُبالَغَةِ فَقَطْ.

و"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ هي لِلْحَصْرِ، وقاعِدَةُ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الإرادَةَ والأمْرَ اللَذَيْنِ هَمّا صِفَتانِ مِن صِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القَدِيمَةِ هُما قَدِيمانِ أزَلِيّانِ، وإنَّ ما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ لا إلى الإرادَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةٍ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذِينِكَ قَدِيمانِ، فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِـ "إذا" و"نَقُولُ".

ونَرْجِعُ الآنَ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ فَتُوَضِّحُ الوَجْهَ فِيها واحِدَةً واحِدَةً: أمّا قَوْلُهُ: "لِشَيْءٍ" فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الأشْياءَ الَّتِي هي مُرادَةٌ وقِيلَ لَها: "كُنْ" مَعْلُومٌ أنَّ الوُجُودَ يَأْتِي عَلى جَمِيعِها بِطُولِ الزَمَنِ وتَقْدِيرِ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ وُجُودُها حَتْمًا جازَ أنْ تُسَمّى "أشْياءَ" وهي في حالَةِ عَدَمٍ، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "لِشَيْءٍ" تَنْبِيهًا لَنا عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيها، أيْ إنَّ كُلَّ ما تَأْخُذُونَهُ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ فَإنَّما سَبِيلُهُ أنْ يَكُونَ مُرادًا وقِيلَ لَهُ: "كُنْ" فَكانَ، ويَكُونُ ذَلِكَ الشَيْءُ المَأْخُوذُ مِنَ المَوْجُوداتِ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ وما تَقَدَّمُ، فَبِهَذا نَتَخَلَّصُ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أرَدْناهُ ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةُ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنِفَةِ بِحَسَبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَكَأنَّهُ قالَ: "إذا ظَهَرَ المُرادُ مِنهُ"، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، ونَحْوَ هَذا مِمّا مَعْناهُ: ويَقَعُ مِنكم ما رَآهُ اللهُ تَعالى في الأزَلِ كُلِّهِ وعَلِمَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ نَقُولَ ﴾ نَزَلَ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: "قَوْلُنا"، ولَكِنْ "أنْ" مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَمَنَ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ  ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: "لَهُ" ذَهَبَ أكْثَرُ الناسِ إلى أنَّ الشَيْءَ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ كالمُخاطَبِ، وكَأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ في الأزَلِ لِجَمِيعِ ما خَلَقَ: "كُنْ" بِشَرْطِ الوَقْتِ والصِفَةِ، وقالَ الزَجاجُ: "لَهُ" بِمَعْنى: مِن أجْلِهِ، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِالمَعْنى إلى الأوَّلِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "أنْ نَقُولَ" مَجازٌ، كَما تَقُولُ: قالَ بِرَأْسِهِ فَرَفَعَهُ، وقالَ بِيَدِهِ فَضَرَبَ فُلانًا، ورَدَّ عَلى هَذا المَنزَعِ أبُو مَنصُورٍ، وذَهَبَ إلى أنَّ الأوَّلَ هو الأوَّلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَيَكُونُ" بِرَفْعِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسّائِيُّ هُنا وفي "يَسِ" "فَيَكُونُ" بِنَصْبِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أبْعَدُ عَلى التَعْقِيبِ الَّذِي يَصْحَبُ الفاءَ في أغْلَبِ حالِها، فَتَأمَّلَهُ.

وفِي هَذِهِ النُبْذَةِ ما يُطَّلَعُ مِنهُ عَلى عُيُونِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وشَرْطُ الإيجازِ مَنَعَ مِن بَسْطِ الِاعْتِراضاتِ والِانْفِصالاتِ، والمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ إعْلامُ مُنْكِرِي البَعْثِ بِهَوانِ أمْرِهِ عَلى اللهِ تَعالى وقُرْبِهِ في قُدْرَتِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٤١ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤٣ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لِمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ ورَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ الآيَةِ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرُو، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ أمْرَ أبِي جَنْدَلٍ إنَّما كانَ والنَبِيِّ  بِالمَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وأصْحابِهِمُ الَّذِينَ أُوذُوا بِمَكَّةَ وخَرَجُوا عنها، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالآيَةُ تَتَناوَلُ بِالمَعْنى كُلَّ مَن هاجَرَ أوَّلًا وآخِرًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "لِنُبَوِّئَنَّهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَبِيعُ بْنُ خَثْيَمٍ، وَأمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، وهاتانِ اللَفْظَتانِ مَعْناهُما التَقْرِيرُ في مَوْضِعٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَسَنَةُ" عِدَةٌ بِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّها كانَتِ المَدِينَةَ، وإلَيْها كانَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "حَسَنَةً"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَسَنَةُ لِسانُ الصِدْقِ الباقِي عَلَيْهِمْ في غابِرِ الدَهْرِ، وفي قَوْلِهِ: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أو "لَنُثْوِيَنَّهُمْ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ في لِسانِ الصِدْقِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ واسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ، وهَذا عَلى أنَّ "الحَسَنَةَ" هي الحَياةُ والمَثْوى، وأنَّ الفِعْلَ الظاهِرَ عامَلٌ فِيها، وقالَأبُو الفَتْحِ: نَصَبَها عَلى مَعْنى: "نُحْسِنُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ إحْسانًا"، وجُعِلَتْ "حَسَنَةٌ" مَوْضِعَ "إحْسانًا"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الحَسَنَةَ عامَّةٌ في كُلِّ أمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ يَنالُهُ ابْنُ آدَمَ، وتُخْفى الِاسْتِعارَةُ المَذْكُورَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وفي هَذا القَوْلِ يَدْخُلُ ما رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يُعْطِي المالَ وقْتَ القِسْمَةِ لِلرَّجُلِ مِنَ المُهاجِرِينَ ويَقُولُ لَهُ: خُذْ ما وعَدَكَ اللهُ في الدُنْيا ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، ويَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ النَصْرُ عَلى العَدْوِ وفَتْحُ البِلادِ وكُلُّ أمَلٍ بَلَغَهُ المُهاجِرُونَ، و"أجْرُ الآخِرَةِ" هُنا إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُونَ" عائِدٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ "يَعْلَمُونَ" كَذَلِكَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ مِن صِفَةِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللهُ، والصَبْرُ يَجْمَعُ: عَنِ الشَهَواتِ، وعَلى المَكارِهِ في اللهِ تَعالى، والتَوَكُّلِ بِتَفاصِيلِ مَراتِبِهِ، فَمُطِيلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُباحٌ حَسَنٌ، ما لَمْ يَغُلْ حَتّى يُسَبِّبَ الهَلاكَ، ومُتَوَسِّطُ يَسْعى جَمِيلًا ويَتَوَكَّلُ، وهَذا مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "قَيِّدْها وتَوَكَّلَ"،» ومُقَصِّرٌ لا نَفْعَ في تَقْصِيرِهِ، وإنَّما لَهُ ما قُدِّرَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ رَسُولًا مِنَ اللهِ تَعالى، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ  أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلى الأُمَمِ إلّا رِجالًا، ولَمْ يُرْسِلْ مَلِكًا ولا غَيْرَ ذَلِكَ، و"رِجالًا" مَنصُوبٌ بِـ "أرْسَلْنا"، و"إلّا" إيجابٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ مِن طَرِيقٍ حَفَصٍ وحْدَهُ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "فَسْألُوا؛ أيْ: قُلْ لَهم فاسْألُوا، و"أهْلُ الذِكْرِ" هُنا اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنُ.

وقالَ الأعْمَشُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيِنَةَ: المُرادُ مِن أسْلَمِ مِنهُمْ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "أهْلُ الذِكْرِ": أهَّلُ القُرْآنِ، وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ بِما ذَكَرَ، لِأنَّهم يَكْذِبُونَ هَذِهِ الصَنائِفَ، وقالَ الزَجاجُ: "أهْلُ الذِكْرِ" عامٌ في كُلِّ مَن يُعَزّى إلى عِلْمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ في هَذا كُلِّهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ يَكُونَ أهْلُ الذِكْرِ هُنا أحْبارَ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةٌ إنَّما يُخْبِرُونَ بِأنَّ الرُسُلَ مِنَ البَشَرِ، وأخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهُمْ، ولا يَتَّهِمُونَ بِشَهادَةِ لَنا لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ  قاتَلَهُمُ اللهُ، وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ مِن مَذْهَبِهِمْ، لا أنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبِ يَسْألُونَهم ويَسْتَنِدُونَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالبَيِّناتِ" مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أرْسَلْنا" في أوَّلِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا-: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ إلّا رِجالًا، فَفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، و"الزُبُرُ": الكُتُبُ المَزْبُورَةُ، تَقُولُ: "زَبَرْتَ ودَبَّرْتَ" إذا كَتَبَتْ، و"الذِكْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ: "لِتُبَيِّنَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِسَرْدِكَ نَصَّ القُرْآنِ ما نَزَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلَ وبِشَرْحِكَ ما أُشْكِلَ مِمّا نَزَلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما بَيَّنَتْهُ السُنَّةُ مِن أمْرِ الشَرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ٤٥ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ٤٦ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ ٤٧ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ ٤٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأرْضَ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ أو يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَهْدِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ المُرادُ "الَّذِينَ" في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرَ، ونَصْبُ "السَيِّئاتِ" يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يُنْصَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَأمِنَ الَّذِينَ ﴾ ، وتَكُونُ السَيِّئاتُ -عَلى هَذا- العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَخْسِفَ ﴾ بَدَلًا مِنها، والوَجْهُ الثانِي أنْ تُنْصَبَ بِـ "مَكَرُوا"، وعْدِّي "مَكَرُوا" لِأنَّهُ بِمَعْنى "عَمِلُوا" أو "فَعَلُوا"، و"السَيِّئاتُ" -عَلى هَذا- مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم مِنَ الخَسْفِ، وهو أنْ تَبْتَلَعَ الأرْضُ المَخْسُوفَ بِهِ ويُقَعَدَ بِهِ إلى أسْفَلَ، وأسْنَدَ النَقاشُ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْمًا في هَذِهِ الأُمَّةِ أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَتَدافَعُوا الإمامَةَ وتَصَلَّفُوا في ذَلِكَ فَما زالُوا كَذَلِكَ حَتّى خُسِفَ بِهِمْ.

و"تَقَلُّبِهِمْ": سَفَرُهم ومُحاوَلَتُهُمُ المَعايِشَ بِالسَفَرِ وبِالرِعايَةِ وغَيْرِها، و"المُعْجِزُ": المُفْلِتُ هَرَبًا، كَأنَّهُ عَجَّزَ طالِبَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى تَخَوُّفٍ ﴾ ، أيْ: عَلى جِهَةِ التَخَوُّفِ، والتَخَوُّفُ: التَنَقُّصُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ يَصِفُ ناقَةً: تَخَوُّفَ السَيْرَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَبْعَةِ السَفَنُ فالسَفَنُ: المِبْرَدُ، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنى "التَخَوُّفِ" في هَذِهِ الآيَةِ، وأرادَ الكُتُبَ إلى الأمْصارِ يَسْألُ عن ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ هَذا البَيْتِ، ويُرْوى أنَّهُ جاءَ فَتًى مِنَ العَرَبِ وهو قَدْ أشْكَلَ عَلَيْهِ أمْرُ لَفْظَةِ التَخَوُّفِ، فَقالَ لَهُ: يا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، إنْ أبِي يَتَخَوَّفَنِي مالِي، فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اللهُ أكْبَرُ ﴿ أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: وجامِلٍ خَوَّفَ مِن نِيبِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ زُجْرُ المُعَلّى أُصُلًا والسَفِيحْ ويُرْوى: مِن نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أُلامُ عَلى الهِجاءِ وكُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يُلاقِينِي مِنَ الجِيرانِ غُولُ تَخَوُّفَ عَدُّوَهم مالِي وأهْدى ∗∗∗ ∗∗∗ سَلاسِلَ في الحُلُوقِ لَها صَلِيلُ يُرِيدُ الأهاجِي.

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: تَخَوُّفَهم حَتّى أذَلَّ سَراتِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِطَعْنٍ ضِرارٍ بَعْدَ نَفْحِ الصَفائِحِ وهَذا التَنْقِصُ يَتَّجِهُ الوَعِيدُ بِهِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُهْلِكَهم ويُخْرِجَ أرْواحَهم عَلى تَخَوُّفٍ، أيْ أفْذاذًا، يَتَنَقَّصُهم بِذَلِكَ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ، وهَذا لا يَدَّعِي أحَدٌ أنَّهُ يَأْمَنُهُ، وكَأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما يَكُونُ بِعَذابِ ما يُلْقُونَ بَعْدَ المَوْتِ، وإلّا فَهَكَذا تَهْلَكُ الأُمَمُ كُلُّها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ، أيْ أنَّ هَذِهِ الرُتْبَةَ الثالِثَةَ مِنَ الوَعِيدِ فِيها رَأْفَةٌ ورَحْمَةٌ وإمْهالٌ لِيَتُوبَ التائِبُ ويَرْجِعَ الراجِعُ، والآخِرُ: ما قالَ الضَحاكُ: أنْ يُأْخَذَ بِالعَذابِ طائِفَةٌ أو قَرْيَةٌ ويُتْرَكُ أُخْرى، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى يَهْلَكَ الكُلُّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَخَوُّفُ هُنا مِنَ الخَوْفِ، أيْ: يَأْخُذُهم بَعْدَ تَخَوُّفٍ يَنالُهم فَيُعَذِّبُهم بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا تَكَلُّفٌ ما.

وقَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "أو لَمْ يَرَوْا" بِالياءِ، عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في العنكَبُوتِ، فَهي جارِيَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أو يَأْخُذَهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أو يَأْتِيَهُمُ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيٌّ: "أو لَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في المَوْضِعَيْنِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وذاكَ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أو لَمْ تَرَوْا، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ ابْتَدَأ بِهِ القَوْلَ آنِفًا، وقَرَأ عاصِمٌ في النَحْلِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، واخْتَلَفَ عنهُ في العنكَبُوتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن شَيْءٍ  ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ، والرُؤْيَةُ هُنا هي رُؤْيَةُ القَلْبِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِرُؤْيَةِ القَلْبِ إنَّما تَكُونُ في مَرْئِيّاتٍ بِالعَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "تَتَفَيَّأُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ عِيسى ويَعْقُوبٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَفَيَّأُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا تَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى مِثْلِ هَذا الجَمْعِ فالتَذْكِيرُ والتَأْنِيثُ فِيهِ حُسْنانِ.

و"فاءَ الظِلُّ": رَجَعَ بِعَكْسِ ما كانَ إلى الزَوالِ، وذَلِكَ أنَّ الشَمْسَ مِن وقْتِ طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَوالِ إنَّما هي في نَسْخِ الظِلِّ العامِّ قَبْلَ طُلُوعِها، فَإذا زالَتِ ابْتَدَأ رُجُوعُ الظِلِّ العامِّ، ولا يَزالُ يَنْمُو حَتّى تَغِيبَ الشَمْسُ فَيَعُمُّ، والظِلُّ المَمْدُودُ في الجَنَّةِ لَمْ يَذْكُرِ اللهُ فَيْئًا لِأنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ ذَهَبَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: فَلا الظِلُّ مِن بَرْدِ الضُحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذَوُقُ فَهُوَ عَلى المَهْيَعِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: تَتَبُّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى طُرُقٍ كَأنَّهُنَّ سُيُوبُ وكَذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ وَأمّا النابِغَةُ الجَعْدِيِّ فَقالَ: فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وفُيُوءُ الفِرْدَوْسِ ذاتُ الظِلالِ فَتَجَوَّزَ في أنْ جَعَلَ الفَيْءَ حَيْثُ لا رُجُوعَ، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: يُقالُ بَعْدَ الزَوالِ: فَيْءٌ وظِلٌّ، ولا يُقالُ قَبْلَهُ إلّا ظِلٌّ فَقَطْ، ويُقالُ: فاءَ الظِلُّ إذا رَجَعَ مِنَ النُقْصانِ إلى الزِيادَةِ، ويُعَدّى "فاءَ" بِالهَمْزَةِ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ  ﴾ ، ويُعَدّى بِالتَضْعِيفِ، فَيُقالُ: أفاءَهُ اللهُ وفَيَّأهُ، وتَفَيَّأ مُطاوِعُ فَيَّأ، ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا مِن بَعْدِ الزَوالِ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الِاعْتِبارُ فِيها مِن أوَّلِ النَهارِ إلى آخِرِهِ، فَكَأنَّ الآيَةَ جارِيَةٌ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ عَلى تَجَوُّزِ كَلامِ العَرَبِ واقْتِضائِهِ وضْعَ "تَتَفَيَّأُ" مَكانَ "تَتَنَقَّلُ" و"تَمِيلُ"، وأضافَ الظِلالَ إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما"، أو لَفْظِ "شَيْءٍ"، وهو بِالمَعْنى لِجَمِيعِ، وقَرَأ الثَقَفِيُّ: "ظُلَلُهُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وضَمِّ الظاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ ﴾ ، أفْرَدَ "اليَمِينَ" وهو يُرادُ بِهِ الجَمْعُ فَكَأنَّهُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: عَنِ الأيْمانِ والشَمائِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ: الوارِدُونَ وثَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ قالَ الآخَرُ: بِفي الشامِتِينَ الصَخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ رَزِيَّةُ شِبْلَيْ مُخَدَرٍ في الضَراغِمِ والمَنصُوبُ لِلْعِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هو كُلُّ شَخْصٍ وجِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، ولَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَمائِلِ هُنا هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ البَشَرِ، أيْ: تُقَدِّرُهُ ذا يَمِينٍ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ يَسْتَقْبِلُ أيَّ جِهَةٍ شِئْتَ ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشَمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُنْيا، فَهَذا وجْهٌ يُعَمِّمُ لَكَ ألْفاظَ الآيَةِ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينِ مِن غَدْوَةِ النَهارِ إلى الزَوالِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنَ الزَوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِمالِ، -وَهُوَ قَوْلُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ - فَإنَّما يَتَرَتَّبُ لَهُ ذَلِكَ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدِي إنَّما هو في مُسْتَقْبِلِ الجَنُوبِ، وما قالَ بَعْضُ الناسِ مِن "أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ دَفْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَوالِ، ثُمَّ الآخَرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَمائِلِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ الشَمائِلَ وأفْرَدَ اليَمِينَ" فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ يُبْطِلُ مِن جِهاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا فَأوَّلُ ذُرُورِ الشَمْسِ فالظِلُّ عن يَمِينٍ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو عَنِ الشَمائِلِ، لِأنَّها حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ وظِلالٌ مُقَطَّعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، وكانَ الظِلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ، وفي هَذا القَوْلِ تَجَوُّزٌ في تَفَيَّأ، وعَلى ما قَدَّرْنا مِنَ اسْتِقْبالِ الجَنُوبِ يَكُونُ الظِلُّ أبَدًا مُنْدَفِعًا عَنِ اليَمِينِ إلى الزَوالِ، فَإذا تَحَرَّكَ بَعْدَ فارِقِ الأيْمانِ جُمْلَةً وصارَ انْدِفاعُهُ عَنِ الشَمائِلِ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: الظِلالُ هُنا: الأشْخاصُ، وهي المُرادُ أنْفُسُها، والعَرَبُ تُعَبِّرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِلِّ، ومِنهُ قَوْلُ عَبَدَةَ بْنِ الطِيبِ: إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَحْمِ المَراجِيلُ وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: تَتَبَّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً أيْ أفْياءَ الأشْخاصِ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَدْ قَرَّرَهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا السُجُودِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو سُجُودُ عِبادَةٍ حَقِيقَةٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الضَحاكِ قالَ: إذا زالَتِ الشَمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ أو شَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِلالُ لا الأشْخاصُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الطَبَرِيُّ -: عَبَّرَ عَنِ الخُضُوعِ والطاعَةِ ومَيَلانِ الظِلالِ ودَوَرانِها بِالسُجُودِ، وكَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ نَحْوَ الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحْنَفِ و"الداخِرُ": المُتَصاغِرُ المُتَواضِعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ فِلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ومُنْجَحِرٍ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ <div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٤٩ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩ ٥٠ ۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ ٥١ وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ ٥٣ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ٥٤ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٥٥

قوله عزّ وجلّ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وقَعَتْ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ لِما يَعْقِلُ، قالَ الزَجاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ ما في السَماواتِ ﴾ يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماءِ وما في السَحابِ وما في الجَوِّ مِن حَيَوانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ ﴾ بَيِّنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مَلائِكَةَ الأرْضِ في قَوْلِهِ: "والمَلائِكَةُ".

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "والمَلائِكَةُ" هو الَّذِي يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماواتِ والأرْضِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ فِيهِ مَلَكٌ، إنَّما هو الحَيَوانُ أجْمَعُ.

وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الفَوْقِيَّةٌ الَّتِي يُوصَفُ بِها اللهُ تَعالى، فَهي فَوْقِيَّةُ القَدَرِ والعَظْمَةِ والقَهْرِ والسُلْطانِ، والآخَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ بِقَوْلِهِ: "يَخافُونَ"، أيْ: يَخافُونَ عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ عادَةَ عَذابِ اللهِ لِلْأُمَمِ إنَّما أتى مِن جِهَةِ فَوْقٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسَبِ الشَرْعِ والطاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ نَهْيٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَنِ الإشْراكِ بِهِ، ومَعْناها: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا بِما يَنِصُّهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ "تَتَّخِذُوا" قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ" وقَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدٌ وبَيانٌ بِالعَدَدِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، أنْ يُبَيِّنَ المَعْدُودَ بِذِكْرِ عَدَدِهِ تَأْكِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، لِأنَّ لَفْظَةَ الإلَهِ تَقْتَضِي الِانْفِرادَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ: المَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُفْرَدًا، أو مَعْبُودًا، أو مُطاعًا، ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ"، والثانِي قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ"، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى اعْتِذارٍ بِالتَأْكِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا  ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ  ﴾ ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ -عَلى بَعْضِ الأقْوالِ- تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "تَتَّخِذُوا"، وقَوْلُهُ: "فَإيّايَ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، لِأنَّهُ قَدْ عَمِلَ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ما في السَماواتِ ﴾ الآيَةُ، الواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَهُ" عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، و"ما" عامَّةُ جَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يَعْقِلُ ومِمّا لا يَعْقِلُ، والسَماواتُ هُنا كُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الخَلْقِ في جِهَةِ فَوْقٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ العَرْشُ والكُرْسِيُّ، و"الدِينُ": الطاعَةُ والمُلْكُ كَما قالَ زُهَيْرٌ: في دِينِ عَمْرُو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ.

فِي طاعَتِهِ ومُلْكِهِ.

و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحاكُ، وقالَ الشاعِرُ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَهْرِ أجْمَعَ واصِبًا وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: غَيَّرَتْهُ الرِيَحُ تَسْفِي بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهَزِيمٌ رَعْدُهُ واصِبُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ الوَصْبِ وهو التَعَبُ: أيْ: ولَهُ الدِينُ عَلى تَعَبِهِ ومَشَقَّتِهِ.

فَـ "واصِبٌ" -عَلى هَذا- جارٍ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا وصَبٍ، كَما قالَ: أضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنا وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الواصِبُ: الواجِبُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: الواصِبُ: الدائِمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ ﴾ تَوْبِيخٌ ولَفْظُ اسْتِفْهامٍ، ونَصَبَ "غَيْرُ" بِـ "تَتَّقُونَ"، لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَعْمَلْ في سِوى "غَيْرِ" المَذْكُورَةِ.

والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بِكُمْ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ ويَكُونُ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ﴾ ، كَأنَّهُ يَقُولُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: أتُتَّقَوْنَ غَيْرَ اللهِ ولا مُنْعِمَ عَلَيْكم سِواهُ؟

والباءُ في قَوْلِهِ: "بِكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وما نَزَلَ أو ألَمَّ، ونَحْوَ هَذا، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمِنَ اللهِ ﴾ دَخَلَتْ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "ما" الَّتِي هي بِمَعْنى "الَّذِي"، فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَرْطَ، ومَعْنى الآيَةِ التَذْكِيرُ بِأنَّ الإنْسانَ في جَلِيلِ أمْرِهِ ودَقِيقِهِ إنَّما هو في نِعْمَةِ اللهِ وَأفْضالِهِ، إيجادُهُ داخِلٌ في ذَلِكَ فَما بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِأوقاتِ المَرَضِ لِكَوْنِ الإنْسانِ الجاهِلِ يُحِسُّ فِيها قَدْرَ الحاجَةِ إلى لُطْفِ اللهِ تَعالى، و"الضُرُّ -وَإنْ كانَ يَعُمُّ كُلَّ مَكْرُوهِ- فَأكْثَرُ ما يَجِيءُ عِبارَةً عن أرْزاءِ البَدَنِ.

و"تَجْأرُونَ" مَعْناهُ تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِاسْتِغاثَةٍ وتَضَرُّعٍ، وأصْلُهُ في جُؤارِ الثَوْرِ والبَقَرَةِ وصِياحِهِما، وهو عِنْدُ جُهْدٍ يَلْحَقُها، أو في أثَرِ دَمٍ يَكُونُ مِن بَقَرٍ تُذْبَحُ، فَذَلِكَ الصُراخُ يُشَبِّهُ بِهِ انْتِحابَ الداعِي المُسْتَغِيثِ بِاللهِ إذْ رَفَعَ صَوْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: بِأبِيلٍ كُلَّما صَلّى جَأرْ والأصْواتُ تَأْتِي غالِبًا عَلى فِعالٍ أو فَعَيْلٍ.

وقَرَأ الزَهْرِيُّ "تَجَرُونَ" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ هَمْزٍ، حُذِفَتْ وأُلْقِيَتْ حَرَكُتُها عَلى الجِيمِ، كَما خُفِّفَ تَسَلُونَ مَن تَسْألُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكُمْ ﴾ ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "كَشَفَ"، وقَرَأ قَتادَةٌ: "كاشِفٌ"، ووَجْهُها أنَّها فاعِلٌ مِن واحِدٍ بِمَعْنى "كَشَفَ"، وهي ضَعِيفَةٌ.

و"الفَرِيقُ" هُنا يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ لِلْأصْنامِ أفْعالًا مِن شِفاءِ المَرَضى وجَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضُرِّ، فَهم إذا شَفاهُمُ اللهُ عَظَّمُوا أصْنامَهُمْ، وأضافُوا ذَلِكَ الشِفاءَ إلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَكْفُرُوا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللامُ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: فَصارَ أمْرُهم لِيَكْفُرُوا، وهم لَمْ يَقْصِدُوا بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ أنْ يَكْفُرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ أمْرٍ عَلى مَعْنى التَهْدِيدِ والوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ ، والكُفْرُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرَ الجُحْدِ بِاللهِ والشِرْكِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ النِعْمَةِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما ﴾ ، أيْ: بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ورَوى أبُو رافِعٍ «عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ "» بِياءٍ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةً، و"فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في الرُومِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَمَتَّعُوا" كالجَماعَةِ عَلى الأمْرِ "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، كَقِراءَةِ أبِي رافِعٍ، فَيَكُونُ "يُمَتِّعُوا" في قِراءَةِ أبِي رافِعٍ في مَوْضِعٍ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "يَكْفُرُوا" إنْ كانَتِ اللامُ لامَ "كَيْ"، ونُصْبًا بِالفاءِ في جَوابِ الأمْرِ إنَّ كانَتِ اللامُ لامَ أمْرٍ، ومَعْنى "التَمَتُّعِ" في هَذِهِ الآيَةِ: بِالحَياةِ الدُنْيا الَّتِي مَصِيرُها إلى الفَناءِ والزَوالِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ٥٦ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ سُبْحَـٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ٥٧ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ ٥٨ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٥٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنَ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "يَجْعَلُونَ" لِلْكُفّارِ، ويُرِيدُ بِـ "ما لا يَعْلَمُونَ " الأصْنامَ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ فِيهِمْ حُجَّةً ولا بُرْهانًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "يَعْلَمُونَ" الأصْنامَ، أيْ: يَجْعَلُونَ لِجَماداتٍ وهي لا تَعْلَمُ شَيْئًا- نَصِيبًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَبَّرَ عنهم بِعِبارَةِ مَن يَعْقِلُ بِحَسَبِ مَذْهَبِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُسْنِدُونَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى مَن يَعْقِلُ، وبِحَسَبِ أنَّهُ إسْنادٌ مَنفِيٌّ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

و"النَصِيبُ" المُشارُ إلَيْهِ هو ما كانَتِ العَرَبُ سَنَّتَهُ مِنَ الذَبْحِ لِأصْنامِها، والإهْداءِ إلَيْها، والقَسَمِ لَها مِنَ الغَلّاتِ.

ثُمَّ أمْرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقْسِمَ لَهم أنَّهم سَيُسْألُونَ عَلى افْتِرائِهِمْ في أنَّ تِلْكَ السُنَنَ هي الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللهٌ بِهِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، و"الفِرْيَةُ" اخْتِلاقُ الكَذِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا تَعْدِيدٌ لِقُبْحِ قَوْلِ الكُفّارِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، ورَدَّ عَلَيْهِمْ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما نِسْبَةُ النَسْلِ إلى اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، والآخِرُ أنَّهم نَسَبُوا مِنَ النَسْلِ الأخَسِّ المَكْرُوهِ عِنْدَهُمْ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما يَشْتَهُونَ ﴾ مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، وأجازَ الفَرّاءُ أنَّ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "البَناتِ"، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ هَذِهِ الآيَةَ مِن بابِ: ضَرَبَنِي، وكانَ يَلْزَمُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ: "وَلِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ"، والمُرادُ بِـ ﴿ ما يَشْتَهُونَ ﴾ الذَكُرانُ مِنَ الأولادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ ﴾ الآيَةُ.

لَمّا صَرَّحَ بِالشَيْءِ المُبَشَّرِ بِهِ حَسُنَ ذِكْرُ البِشارَةِ فِيهِ، وإلّا فالبِشارَةُ مُطْلَقَةٌ لا تَكُونُ إلّا في خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ عِبارَةٌ عَنِ العُبُوسِ والقُطُوبِ الَّذِي يَلْحَقُ المَغْمُومَ، وقَدْ يَعْلُو وجْهَ المَغْمُومِ سَوادٌ وَزَبَدٌ، وتَذْهَبُ شَراقَتُهُ، فَلِذَلِكَ يَذْكُرُ لَهُ السَوادَ.

و"كَظِيمٌ" بِمَعْنى كاظِمٍ كَعَلِيمٍ وعالِمٍ، والمَعْنى أنَّهُ يُخْفِي وجْهَهُ وهَمَّهُ بِالأُنْثى.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ ﴾ الآيَةُ، هَذا التَوارِي الَّذِي ذَكَرَ اللهَ تَعالى إنَّما هو بَعْدَ البِشارَةِ بِالأُنْثى، وما يُحْكى أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ إذا أصابَ امْرَأتَهُ الطَلْقُ؛ تَوارى حَتّى يُخْبَرَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.

فَلَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ.

ويُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِكَيْ: إذَنْ أخْبَرَ بِسارٍّ خَرَجَ، وإنْ أخْبَرَ بِسُوءٍ بَقِيَ عَلى تَوارِيهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى إحْداثِهِ.

ومَعْنى "يَتَوارى": يَتَغَيَّبُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مُدْبِرًا، أيُمْسِكُهُ أمْ يَدُسُّها؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيُمْسِكُهُ" عَلى لَفْظِ "ما"، "أمْ يَدُسُّها" عَلى مَعْنى الأُنْثى.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيُمْسِكُها"، "أمْ يَدُسُّها" عَلى مَعْنى الأُنْثى في المَوْضِعَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى هَوْنٍ" بِضَمِّ الهاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى هَوانٍ" وهي قِراءَةُ عاصِمِ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى سُوءٍ"، ومَعْنى الآيَةِ: يُدَبِّرُ: أيُمْسِكُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى هَوانٍ يَتَحَمَّلُهُ، وهَمٍّ يَتَخَلَّدُ لَهُ، أمْ يَئِدُها فَيَدْفِنُها حَيَّةً، فَهو الدَسُّ في التُرابِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهُ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ فِعْلِهِمْ وحُكْمِهِمْ بِهَذا في بَناتِهِمْ ورِزْقُ الجَمِيعِ عَلى اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦٠ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ٦١ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ٦٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "مَثَلُ" هُنا بِمَعْنى صِفَةٍ، أيْ: لِهَؤُلاءِ صِفَةُ السُوءِ، ولِلَّهِ الوَصْفُ الأعْلى، وهَذا لا يُضْطَرُّ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ اللَفْظِ، بَلْ قَوْلُهُ: "مَثَلُ" عَلى حالِهِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قالُوا: "إنِ البَناتَ لِلَّهِ" فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ مَثَلًا فالبَناتُ مِنَ البَشَرِ، وكَثْرَةُ البَناتِ عِنْدَهم مَكْرُوهٌ ذَمِيمٌ، فَهو المَثَلُ السُوءِ الَّذِي أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لَهم لَيْسَ في البَناتِ فَقَطْ، لَكِنْ لِما جَعَلُوهُ هم في البَناتِ جَعَلَهُ هو لَهم عَلى الإطْلاقِ في كُلِّ سُوءٍ، ولا غايَةَ بَعْدَ عَذابِ النارِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى ﴾ عَلى الإطْلاقِ أيْضًا، أيِ: الكَمالُ المُسْتَقِرُّ، وقالَ قَتادَةُ: المَثَلُ الأعْلى: لا إلَهَ إلّا اللهَ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ ﴾ الآيَةُ.

"يُوآخِذُ" هو يُفاعِلُ مِن أخَذَ، كَأنَّ أحَدَ المُؤاخَذِينَ يَأْخُذُ مِنَ الآخَرِ مَأْخَذًا كَما هي في حَقِّ اللهِ تَعالى، أو بِإذايَةٍ في جِهَةِ المَخْلُوقِينَ، فَيَأْخُذُ الآخَرَ مِنَ الأوَّلِ بِالمُعاقَبَةِ والجَزاءِ، وهي لُغَتانِ: واخَذَ، وآخَذَ، ويُؤاخِذُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن آخِذٍ، وأمّا كَوْنُها مِن واخَذَ فَبَيِّنٌ، والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ، ويُمْكِنُ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِشُهْرَتِها، ويُمْكِنُ الإشارَةُ لَها كَما قالَ لَبِيدُ في الشَمْسِ: حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ البِلادِ ظَلامُها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ، ولَمْ يَجْرِ لِلشَّمْسِ ذِكْرٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ ، "مَن" دَخَلَتْ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ آخَذَ الناسَ بِعِقابٍ يَسْتَحِقُّونَهُ بِظُلْمِهِمْ في كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ لَكانَ ذَلِكَ العِقابُ يَهْلَكُ مِنهُ جَمِيعُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ، فَكَأنَّهُ بِالقُحُوطِ أو بِأمْرٍ يُصِيبُهم مِنَ اللهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كادَ الجُعَلُ أنْ يَهْلَكَ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى لِيُهْزِلَ الحُوتَ في الماءِ والطَيْرَ في الهَواءِ بِذُنُوبِ العُصاةِ"،» وسَمِعَ أبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا يَقُولُ: "إنِ الظالِمَ لا يُهْلِكُ إلّا نَفْسَهُ"، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: "إنَّ اللهَ لِيُهْلِكَ الحُبارى في وُكُورِها هُزَلًا بِذُنُوبِ الظَلَمَةِ"، وقَدْ نَطَقَتِ الشَرِيعَةُ في أخْبارِها بِأنَّ اللهَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِرَّها وعاصِيها بِذُنُوبِ العُصاةِ مِنهم.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ ، يُرِيدُ: مِن أُولَئِكَ الظَلَمَةِ فَقَطْ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعاقِبُ أحَدًا بِذَنْبِ أحَدٍ، واحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى  ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَجْعَلُ العُقُوبَةَ تَقْصِدُ أحَدًا بِسَبَبِ إذْنابِ غَيْرِهِ، ولَكِنْ إذا أرْسَلَ عَذابًا عَلى أُمَّةٍ عاصِيَةٍ لَمْ يُمَكِّنِ البَرِيءَ التَخَلُّصَ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَأصابَهُ العَذابُ لا بِأنَّهُ لَهُ مُجازاةٌ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً  ﴾ ، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ  : أنَهْلَكُ وفِينا الصالِحُونَ؟

قالَ: "نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخُبْثُ".» ثُمَّ لا بُدَّ مِن تَعَلُّقِ ظُلْمٍ ما بِالأبْرِياءِ؛ وذَلِكَ بِتَرْكِ التَغْيِيرِ ومُداجَنَةِ أهْلِ الظُلْمِ ومُداوَمَةِ جِوارِهِمْ، و"الأجَلُ المُسَمّى" في هَذِهِ الآيَةِ هو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخَّصَ، وفي مَعْنى الآيَةِ ضَمائِرُ كَثِيرَةٌ تَرَكْتُها اخْتِصارًا وإيجازًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَكْرَهُونَ ﴾ يُرِيدُ البَناتَ، و"ما" في هَذا المَوْضِعِ تَقَعُ لِمَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هو صِنْفٌ، وقَرَأ الحَسَنُ: "ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ" بِسُكُونِ النُونِ خَوْفًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الكَذِبَ" بِكَسْرِ الذالِ وفَتْحِ الباءِ، فَـ "أنَّ" بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وبَعْضُ أهْلِ الشامِ بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ، و"أنَّ" مُفَعْوِلَةٌ بِـ "تَصِفُ"، و"الحُسْنى" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُرِيدُ الذُكُورَ مِنَ الأولادِ، وهو الأسْبَقُ مِن مَعْنى الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الجَنَّةَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النارَ ﴾ ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ المَكْرُوهَ ويَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: أنْتَ تَعْصِي اللهَ، وتَقُولُ -مَعَ ذَلِكَ- إنَّكَ تَنْجُو، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لِبَعِيدٍ مَعَ هَذا، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "لا جَرَمَ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ لَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وإعْرابِها بِحَسَبِ تَقْدِيرِ "جَرَمَ"، فَمِن قَدَّرَها بِـ "كَسْبِ فِعْلِهِمْ" فَهو نَصْبٌ، ومِن قَدَّرَها بِـ "وَجَبَ" فَهو رَفْعٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "إنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ: "مُفْرَطُونَ" بِفَتْحِ الراءِ وخَفِيفَةً، ومَعْناهُ: مُقَدَّمُونَ إلى النارِ والعَذابِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن نافِعٍ، وهو مَأْخُوذٌ مَن "فَرْطِ الماءِ"، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ إلى المِياهِ لِإصْلاحِ الدِلاءِ والأرْشاءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أنا فُرُطُكم عَلى الحَوْضِ"،» ومِنهُ قَوْلُ القَطّامِيِّ: واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ ∗∗∗ كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مُفْرَطُونَ" مَعْناهُ: مُخَلَّفُونَ مَتْرُوكُونَ في النارِ مَنسِيُّونَ فِيها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ هِنْدٍ، وقالَ آخَرُونَ: "مُفْرَطُونَ" مَعْناهُ: مُبْعَدُونَ في النارِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "مُفَرِّطُونَ" بِكَسْرِ الراءِ وتَشْدِيدِها وفَتْحِ الفاءِ، ومَعْناهُ: مُقَصِّرُونَ في طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَدْ رُوِيَ عنهُ فَتَحُ الراءِ مَعَ شَدِّها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مُفَرِطُونَ" بِكَسْرِ الراءِ وخِفَّتِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَجاءٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ، وأكْثَرُ أهْلِ المَدِينَةِ، أيْ: مُتَجاوِزُونَ لِلْحَدِّ في مَعاصِي اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٦٣ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٦٤ وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ٦٥ وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ ٦٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تاللهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهم بِمَن تَقَدَّمَ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ لَهم وتَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: "اليَوْمَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ الإخْبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، أيْ: لا ولِيَّ لَهم مُذْ ماتُوا واحْتاجُوا إلى الغَوْثِ إلّا الشَيْطانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ، والألِفُ واللامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ: هو ولِيُّهم في اليَوْمِ المَشْهُودِ، وهو وقْتُ الحاجَةِ والفَصْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَهو ولِيُّهُمُ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ثُمَّ انْقَطَعَتْ وِلايَتِهِ بِمَوْتِهِمْ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "اليَوْمَ" تَمْثِيلًا لِلْمُخاطِبِينَ بِمُدَّةِ حَياتِهِمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ شابٍّ تَحُضُّهُ عَلى طَلَبِ العِلْمِ: يا فُلانُ لا يَدْرُسُ أحَدٌ مِنَ الناسِ إلّا اليَوْمَ، تُرِيدُ: في مِثْلِ سِنِّكَ هَذِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِهَؤُلاءِ: فَهو ولِيُّهُمُ في مِثْلِ حَياتِكم هَذِهِ، وهي الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، وسائِرُ الآيَةِ وعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا لِتُبَيِّنَ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ورَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِلْبَيانِ، أيْ لِأجْلِ البَيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ كُفْرِ الكَفَرَةِ مِنَ الجَحْدِ بِاللهِ تَعالى، أو بِالقِيامَةِ، أو بِالنُبُوءاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَكِنَّ الإشارَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لَجَحْدِهِمِ الرُبُوبِيَّةَ، وتَشْرِيكِهِمِ الأصْنامَ في الإلَهِيَّةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أخَذَهُ بَعْدَ هَذا في إثْباتِ العِبَرِ الدالَّةِ عَلى أنَّ الأنْعامَ وسائِرَ الأفْعالِ إنَّما هي مِنَ اللهِ تَعالى لا مِنَ الأصْنامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ الآيَةُ.

لَمّا أمَرَهُ تَبْيِينِ ما اخْتَلَفَ فِيهِ نَصَّ العِبَرِ المُؤَدِّيَةِ إلى بَيانِ أمْرِ الرُبُوبِيَّةِ، فَبَدَأ بِنِعْمَةِ المَطَرِ الَّتِي هي أبْيَنُ العِبَرِ، وهي مَلاكُ الحَياةِ، وفي غايَةِ الظُهُورِ، لا يُخالِفُ فِيها عاقِلٌ، وحَياةُ الأرْضِ ومَوْتُها اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ بِالحَيَوانِ؛ إذْ هي هامِدَةٌ غَبْراءُ غَيْرُ مُنْبِتَةٍ فَهي كالمَيِّتِ، وإذْ هي مُنْبِتَةٌ مُخْضَرَّةٌ مُهْتَزَّةٌ رابِيَةٌ فَهي كالحَيِّ.

وقَوْلُهُ: "يَسْمَعُونَ" يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ هَذا المُعْتَبَرِ فِيهِ وبَيانِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ ولا نَظَرِ قَلْبٍ، وإنَّما يَحْتاجُ المُنَبَّهُ إلى أنْ يَسْمَعَ القَوْلَ فَقَطْ و"الأنْعامُ" هي الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعِزُ، و"العِبْرَةُ": الحالُ المُعْتَبَرُ فِيها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنُ مَسْعُودٍ - بِخِلافٍ- والحُسْنُ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "نَسْقِيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن أسْقا يَسْقِي، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وأهْلِ مَكَّةَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقُولُ لِمَن سَقَيْتُهُ بِالشَفَةِ أو في مَرَّةٍ واحِدَةٍ: سَقَيْتُهُ، وتَقُولُ لِمَن تَمُرُّ سَقْيَهُ أو تَمْنَحُهُ شُرْبًا: أسْقَيْتُهُ، وهَذا قَوْلُ مَن قَرَأ: "نَسْقِيكُمْ"، لِأنَّ ألْبانَ الأنْعامِ مِنَ المُسْتَمِرِّ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ مَن قالَ: "إنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنى" قَوْلِ لَبِيَدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي بَدْرٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وذَلِكَ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِالقَلِيلِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَسْقِيكُمْ" بِالياءِ، أيْ: يَسْقِيكُمُ اللهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْقِيكُمْ" بِالتاءِ، وهي ضَعِيفَةٌ، وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في سُورَةِ "المُؤْمِنُونَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ، وعَلى المَذْكُورِ، كَما قالَ الشاعِرُ: مَثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهُ وَهَذا كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ  ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ  ﴾ ، وقِيلَ: إنَّما قالَ: "بُطُونِهِ" لِأنَّ الأنْعامَ والنَعَمَ واحِدٌ فَرْدٌ، الضَمِيرُ عَلى مَعْنى النَعَمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "البَعْضِ"؛ إذِ الذُكُورُ لا ألْبانَ فِيها، فَكَأنَّ العِبْرَةَ إنَّما هي في الأنْعامِ.

و"الفَرْثُ": ما يَنْزِلُ إلى الأمْعاءِ، و"السائِغُ": المُسَهَّلُ في الشُرْبِ اللَذِيذِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سِيِّغًا" بِشَدِّ الياءِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيِّ: "سَيْغًا" بِسُكُونِ الياءِ، وهي تَخْفِيفٌ مِن "سَيْغٍ" كَمَيِّتٍ وهَيِّنٍ، ولَيْسَ وزْنُها فِعْلًا؛ لِأنَّ اللَفْظَةَ واوِيَّةٌ، فَفَعْلَ مِنها "سَوْغٌ"، ورُوِيَ أنَّ اللَبَنَ لَمْ يُشْرِقْ بِهِ أحَدٌ قَطُّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  .

<div class="verse-tafsir"

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٦٧ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِن ثَمَراتِ" عَطْفًا عَلى "الأنْعامِ"، أيْ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأنْعامِ عِبْرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "مِمّا"، أيْ: ونَسْقِيكم أيْضًا مَشْرُوباتٍ مِن ثَمَراتٍ.

وَ"السَكَرُ": ما يُسْكَرُ، هَذا هو المَشْهُورُ في اللُغَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وأرادَ "بِالسَكَرِ" الخَمْرَ، و"بِالرِزْقِ الحَسَنِ" جَمِيعَ ما يُشْرَبُ ويُؤْكَلُ حَلالًا مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ، وقالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، والشَعْبِيُّ، وأبُو رَزِينٌ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَكَرَ اللهُ نِعْمَتَهُ في السَكَرِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: السَكَرُ: المايِغُ مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ كالخَلِّ والرُبِّ والنَبِيذِ، و الرِزْقُ الحَسَنِ: العِنَبُ والتَمْرُ، قالَ الطَبَرِيُّ: والسَكَرُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: ما يُطْعَمُ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ.

ولا يَدْخُلُ الخَمْرُ فِيهِ، ولا نُسِخَ مِنَ الآيَةِ شَيْءٌ، وقالَ بَعْضُ الفِرْقَةِ الَّتِي رَأتِ السَكَرَ الخَمْرَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ دَرْكٌ؛ لِأنَّ النَسْخَ إنَّما يَكُونُ في حُكْمٍ مُسْتَقِرٍّ مَشْرُوعٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "حُرِمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، والسَكَرُ مِن غَيْرِها"،» هَكَذا رُوِيَ، والرِوايَةُ الصَحِيحَةُ بِفَتْحِ السِينِ والكافِ، أيْ: جَمِيعُ ما يُسْكِرُ مِنهُ حُرِّمَ عَلى حَدِّ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ، ورَواهُ العِراقِيُّونَ و"السُكْرُ" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ الكافِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى فَقْهِهِمْ في أنَّ ما أسْكَرُ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَقَلِيلُهُ حَلالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ ﴾ الآيَةُ.

الوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ إلْقاءُ المَعْنى مِنَ المُوحِي إلى المُوحى إلَيْهِ في خَفاءٍ، فَمِنهُ الوَحْيُ إلى الأنْبِياءِ بِرِسالَةِ المَلِكِ، ومِنهُ وحْيُ الرُؤْيا، ومِنهُ وحْيُ الإلْهامِ وهو الَّذِي ها هُنا بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والوَحْيُ أيْضًا بِمَعْنى الأمْرِ، كَما قالَ تَعالى:بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "إلى النَخْلِ" بِفَتْحِ الحاءِ، و"أنْ" في قَوْلِهِ: أنِ اتَّخِذِي مُفَسِّرَةٌ.

وقَدْ جَعَلَ اللهُ بُيُوتَ النَحْلِ في هَذِهِ الثَلاثَةِ: إمّا في الجِبالِ وكُواها، وإمّا في مُتَجَوِّفِ الأشْجارِ، وإمّا فِيما يُعَرِّشُ ابْنُ آدَمَ مِنَ الأجْباحِ والحِيطانِ ونَحْوَها.

"وَعَرَشَ" مَعْناهُ: هَيَّأ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ مِنَ اتِّفاقِ الأغْصانِ والخَشَبِ وتَرْتِيبِ ظِلالِها، ومِنهُ العَرِيشُ الَّذِي صِيغَ لِرَسُولِ اللهِ  يَوْمَ بَدْرٍ ومِن هَذا هي لَفْظَةُ العَرْشِ، ويُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ بِكَسْرِ الراءِ وضَمِّها، قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالضَمِّ، وسائِرُهم بِالكَسْرِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى الكَسْرِ، وقَرَأ بِالضَمِّ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبِيدِ بْنِ نَضْلَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: "يَعْرِشُونَ" قالَ: الكُرُومُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَمِمّا يَعْرِشُونَ" يَعْنِي: ما يَبْنُونَ مِنَ السُقُوفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِنهُما تَفْسِيرٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ثُمَّ ألْهَمَها أنَّ كُلِيِ، فَعَطَفَ "كُلِي" عَلى "اتَّخِذِي"، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: كُلِي جُزْءًا أو شَيْئًا مِن كُلِّ الثَمَراتِ، وذَلِكَ أنَّها إنَّما تَأْكُلُ النَوّارَ مِنَ الأشْجارِ.

و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وهي مَسالِكُها في الطَيَرانِ وغَيْرِهِ، وأضافَها إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هي مُلْكِهِ وخَلْقِهِ، أيْ: الَّتِي يَسَرَّ لَك رَبُّكَ.

وقَوْلُهُ: "ذُلُلًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "النَحْلِ"، أيْ: مُطِيعَةٌ مُنْقادَةٌ لِما يُسِّرَتْ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَهم يَخْرُجُونَ بِالنَحْلِ يَنْتَجِعُونَ، وهي تَتْبَعُهُمْ، وقَرَأ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَأْكُلُونَ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "السُبُلِ"، أيْ: مُسَهِّلَةً مُسْتَقِيمَةً، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها سَبِيلٌ تَسْلُكُهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى -عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ والتَنْبِيهِ عَلى العِبْرَةِ- أمْرَ العَسَلِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها ﴾ ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ العَسَلَ يَخْرُجُ مِن أفْواهِ النَحْلِ، ووَرَدَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ في تَحْقِيرِهِ لِلدُّنْيا: "أشْرَفُ لِباسِ ابْنِ آدَمَ فِيها لُعابُ دُودَةٍ، وأشْرَفُ شَرابِهِ رَجِيعُ نَحْلَةٍ".

فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ مِن غَيْرِ الفَمِ، واخْتِلافُ الألْوانِ في العَسَلِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ النَحْلِ والمَراعِي، وقَدْ يَخْتَلِفُ طَعْمُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَراعِي، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زَيْنَبَ لِلنَّبِيِّ  : "جَرَسَتْ نَحْلَهُ العُرْفُطِ"، حِينَ شَبَّهَتْ رائِحَتَهُ بِرائِحَةِ المَغافِيرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ ، الضَمِيرُ لِلْعَسَلِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، ولا يَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ عِلَّةٍ، وفي كُلِّ إنْسانٍ، بَلْ هو خَبَرٌ عن أنَّهُ يَشْفِي كَما يَشْفِي غَيْرُهُ مِنَ الأدْوِيَةِ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وعَلى حالٍ دُونَ حالٍ، فَفي الآيَةِ إخْبارٌ مُنَبَّهٌ عَلى أنَّهُ دَواءٌ لَمّا كَثُرَ الشِفاءُ بِهِ وصارَ خَلِيطًا ومُعِينًا لِلْأدْوِيَةِ والأشْرِبَةِ والمَعاجِنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ لا يَشْكُو شَيْئًا إلّا تَداوى بِالعَسَلِ، حَتّى إنَّهُ كانَ يَدْهُنُ بِهِ الدُمَّلَ والقَرْصَةَ ويَقْرَأُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَرى الشِفاءَ بِهِ عَلى العُمُومِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أيْ: فِيهِ شِفاءٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مَن أهْلِ الجَهالَةِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما يُرادُ بِها أهْلُ البَيْتِ مَن بَنِي هاشِمٍ، وأنَّهُمُ النَحْلَ، وأنَّ الشَرابَ القُرْآنُ والحِكْمَةُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم هَذا في مَجْلِسِ المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ العَبّاسِيِّ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ: جَعَلَ اللهُ طَعامَك وشَرابَكَ ما يُخْرِجُ مِن بُطُونِ بَنِي هاشِمٍ، فَأضْحَكَ الحاضِرِينَ وأبْهَتَ الآخَرَ، وظَهَرَتْ سَخافَةُ قَوْلِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ ٧٠ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٧١ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ٧٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِن الطَيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ في إيجادِنا بَعْدَ العَدَمِ وإماتَتِنا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِمَن يُنَكِّسُ مِنَ الناسِ لِأنَّهم مَوْضِعُ عِبْرَةٍ، و ﴿ أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ : آخِرُهُ الَّذِي تَفْسَدُ فِيهِ الحَواسُّ ويَخْتَلُّ النُطْقُ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالرَذِيلَةِ -وَإنَّ كانَتْ حالَةُ الطُفُولِيَّةِ كَذَلِكَ- مِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ لِأرْجاءٍ مَعَها، والطُفُولَةُ إنَّما هي بُداءَةُ والرَجاءُ مَعَها مُتَمَكِّنٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: أوَّلُ أرْذَلِ العُمْرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَلِيٍّ رَضْيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا في الأغْلَبِ، وهو لا يَنْحَصِرُ إلى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما هو بِحَسَبِ إنْسانٍ إنْسانٍ.

والمَعْنى: ومِنكم مَن يَرْتَدُّ إلى أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ مَن يَكُونُ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً وهو في أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ ابْنِ مِائَةٍ أوَ تِسْعِينَ لَيْسَ في أرْذَلِ عُمْرِهِ، واللامُ في "لِكَيْلا" يُشَبِهَ أنْ يَكُونَ لامَ صَيْرُورَةٍ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ، والمَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ بَعْدَ العِلْمِ بِالأشْياءِ إلى ألّا يَعْلَمَ شَيْئًا، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ عِلْمِهِ، لا أنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا البَتَّةَ، ولَمْ تَحُلْ "لا" بَيْنَ كَيْ ومَعْمُولِها لِتَصَرُّفِها، وأنَّها قَدْ تَكُونُ زائِدَةً.

ثُمَّ قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى عِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ، ولا تُحِيلُها الحَوادِثُ، ولا تَتَغَيَّرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ﴾ إخْبارٌ يُرادُ بِهِ العِبْرَةُ، وإنَّما هي قاعِدَةُ بُنِيَ المَثَلُ عَلَيْها، والمَثَلَ هو أنَّ المُفَضَّلَيْنِ لا يَصِحُّ مِنهم أنْ يُساهِمُوا مَمالِيكَهم فِيما أعْطَوْا حَتّى تَسْتَوِيَ أحْوالُهُمْ، فَإذا كانَ هَذا في اليَسِيرِ فَكَيْفَ تَنْسُبُونَ أنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ إلى اللهِ تَعالى أنَّهُ يَسْمَحُ بِأنْ يُشْرَكَ في أُلُوهِيَّتِهِ الأوثانُ والأنْصابُ وهم خَلْقُهُ، وغَيْرُ هَذا مِمّا عُبِدَ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وهم عَبِيدُهُ وخَلْقُهُ؟

هَذا تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحُكِيَ عنهُ أنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى جَحْدِهِمْ نِعْمَةَ اللهِ في تَنْبِيهِهِ لَهم عَلى مَثْلِ هَذا مِن مُواطِنِ النَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يَجْحَدُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْرَجُ -بِخِلافٍ عنهُ-، وهي عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، قالَ قَتادَةُ: لا يَكُونُ الجَحْدُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ آيَةُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ، و"الأزْواجُ": الزَوْجاتُ، ولا يَتَرَتَّبُ في هَذِهِ الآيَةِ الأنْواعُ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلْقَهُ حَوّاءَ مِن نَفْسِ آدَمَ وجِسْمِهِ، فَمِن حَيْثُ كانا مُبْتَدَأ الجَمِيعِ ساغَ حَمْلَ أمْرِهِما عَلى الجَمِيعِ حَتّى صارَ الأمْرُ كَأنَّ النِساءَ خُلِقْنَ مِن أنْفُسِ الرِجالِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةُ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: مِن نَوْعِكم وعَلى خِلْقَتِكُمْ، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ ﴾ ظاهِرٌ في تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في الأبْناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: "وَحَفَدَةً" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَفَدَةُ: أولادُ البَنِينَ، وقالَ الحَسَنُ: هم بَنُوكَ وبَنُو بَنِيكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الضُحى، وإبْراهِيمُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الحَفَدَةُ: الأصْهارُ، وهم قُرابَةُ الزَوْجَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَفَدَةُ: الأنْصارُ والأعْوانُ والخَدَمُ، وحَكى الزَجاجُ أنَّ الحِفْدَةَ البَناتُ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، قالَ الزَهْراوِيُّ: لِأنَّهُنَّ خَدَمُ الأبَوَيْنِ، ولِأنَّ لَفْظَةَ "البَنِينَ" لا تَدُلُّ عَلَيْهِنَّ، ألا تَرى أنَّهُنَّ لَيْسَ في قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وإنَّما الزِينَةُ في الذُكُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الحَفَدَةُ: أولادُ زَوْجَةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، ولا خِلافَ أنَّ مَعْنى "الحَفْدُ" هو الخِدْمَةُ والبِرُّ والمَشْيُ في الطاعَةِ مُسْرِعًا، ومِنهُ في القُنُوتِ: "وَإلَيْكَ نَسْعى ونُحْفِدُ"، والحَفَدانُ: خَبَبٌ فَوْقَ المَشْيِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ: حَفَدَ الوَلائِدُ بَيْنَهُنَّ وأُسْلِمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرُ: كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الفِرَقُ الَّتِي ذَكَرْتُ أقْوالَها إنَّما بَنَتْ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ جُعَلَ لَهُ مِن أزْواجِهِ بَنِينَ وحِفْدَةٍ، وهَذا إنَّما هو في الغالِبِ وعُظْمِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ إنَّما هو عَلى العُمُومِ والِاشْتِراكِ، أيْ: مِن أزْواجِ البَشَرِ جَعَلَ اللهُ لَهُمُ البَنِينَ، ومِنهم جَعَلَ الخِدْمَةِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةً فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ حَفَدَةً وحَصَّلَ تِلْكَ النِعْمَةَ، وأُولَئِكَ الحَفَدَةُ هم مِنَ الأزْواجِ، وهَكَذا تَتَرَتَّبُ النِعْمَةُ الَّتِي تَشْمَلُ جَمِيعَ العالَمِ، وتَسْتَقِيمُ لَفْظَةُ "الحَفَدَةُ" عَلى مَجْراها في اللُغَةِ، إذِ البَشَرُ بِجُمْلَتِهِمْ لا يَسْتَغْنِي أحَدٌ مِنهم عن حَفَدَةٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَفَدَةُ هُمُ البَنُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَسْتَقِيمُ عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً صِفَةً لَهُمْ، كَما لَوْ قالَ: جَعَلْنا لَهم بَنِينَ وأعْوانًا، أيْ: وهم لَهم أعْوانٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهم حَفَدَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يُرِيدُ:المُلَّذَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَطِيبُ لِمَن يُرْزَقُها، ولا يَقْتَصِرُ هُنا عَلى الحَلالِ؛ لِأنَّهم كُفّارٌ لا يَكْتَسِبُونَ بِشَرْعٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: "إنِ الرِزْقَ إنَّما يَكُونُ الحَلالُ فَقَطْ"، ولَهم تَعَلُّقُ في لَفْظَةِ "مِن" إذْ هي لِلتَّبْعِيضِ، فَيَقُولُونَ: لَيْسَ الرِزْقُ المُعَدِّدُ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ حَلالًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُؤَمِّنُونَ"، وتَجِيءُ الآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- تَوْقِيفًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ إخْبارًا مُجَرَّدًا عنهُمْ، وحُكْمًا عَلَيْهِمْ لا تَوْفِيقًا، وقَدْ يُحْتَمَلُ التَوْقِيفُ أيْضًا عَلى قِلَّةِ اطِّرادٍ في القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ٧٣ فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٧٤ ۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَـٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٧٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَقْرِيعٍ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٍ، وإظْهارٌ لِفَسادِ نَظَرِهِمْ، ووَضْعٌ لَهم مِنَ الأصْنامِ في الجِهَةِ الَّتِي فِيها سَعْيُ الناسِ وإلَيْها مَهامُّهُمْ، وهي طَلَبُ الرِزْقِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لا تَمْلِكُ إنْزالَ المَطَرِ ولا إنْباتَ نِعْمَةٍ، مَعَ أنَّها لا تَمْلِكُ ولا تَسْتَطِيعُ أنْ تُحاوِلَ ذَلِكَ مِن مُلْكِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: "رِزْقًا" مَصْدَرٌ، ونَصَبَهُ عَلى المَفْعُولِ بِـ "يُمْلِكُ".

وقَوْلُهُ: "شَيْئًا" ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ، مِن قَوْلِهِ: "رِزْقًا" و"رِزْقًا" اسْمٌ، وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ - وأبُو عَلِيٍّ مَعَهُمْ- إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: "رِزْقًا"، ولا نُقَدِّرُهُ اسْمًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا  ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ  ﴾ ﴿ يَتِيمًا  ﴾ فَنَصَبَ "يَتِيمًا" بِـ "إطْعامٌ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْلا رَجاءُ النَصْرِ مِنكَ ورَهْبَةٌ ∗∗∗ عِقابَكَ قَدْ صارُوا لَنا كالمَوارِدِ والمَصْدَرُ يَعْمَلُ مُضافًا بِاتِّفاقٍ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، ولا يَعْمَلُ إذا دَخَلَهُ الألِفُ واللامُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَوَغَّلَ في حالِ الأسْماءِ وبَعُدَ عن حالِ الفِعْلِيَّةِ، وتَقْدِيرُ الِانْفِصالِ في الإضافَةِ حَسَّنَ عَمَلَهُ، وقَدْ جاءَ عامِلًا مَعَ الألِفِ واللامِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ضَعِيفُ النِكايَةِ أعْداءَهُ وقَوْلُهُ: عَنِ الضَرْبِ مِسْمَعًا وَقَوْلُهُ تَعالى: "يَمْلِكُ" عَلى لَفْظِ "ما"، وقَوْلُهُ: "يَسْتَطِيعُونَ" عَلى مَعْناها بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكُفّارِ في الأصْنامِ أنَّها تَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" لِلَّذِينِ يَعْبُدُونَ، والمَعْنى: لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ بِبُرْهانٍ يُظْهِرُونَهُ وحُجَّةٍ يُبَيِّنُونَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَضْرِبُوا ﴾ أيْ: لا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ الأمْثالَ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: "ضَرِيبُ هَذا" أيْ مَثِيلُهُ، والضَرْبُ: النَوْعُ، تَقُولُ: الحَيَوانُ عَلى ضُرُوبٍ، وهَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا ﴾ الآيَةُ.

الَّذِي هو مِثالٌ في هَذِهِ الآيَةِ هو عَبْدٌ بِهَذِهِ الصِفَةِ مَمْلُوكٌ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المالِ ولا مِن أمْرِ نَفْسِهِ، وإنَّما هو مُسَخَّرٌ بِإرادَةِ سَيِّدِهِ مُدَبَّرٌ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ العَبِيدَ كُلَّهم بِهَذِهِ الصِفَةِ كَما انْتَزَعَ بَعْضُ مَن يَنْتَحِلُ الفِقْهَ، وقَدْ قالَ في المَثّالِ الثانِي: ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ ، فَيَلْزَمُ -عَلى هَذا الِانْتِزاعِ- أنْ يَكُونَ البُكْمُ لا شَيْءَ لَهم، وبِإزاءِ العَبْدِ في المِثالِ رَجُلٌ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ في المالِ فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِإرادَتِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْسِ المِثالِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا يُنْفِقُ بِحَسَبِ الطاعَةِ، أما إنَّهُ أشْرَفُ أنْ يَكُونَ مِثالًا.

و"الرِزْقُ": ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ في عَقِيدَتِهِ: "الرِزْقُ ما وقَعَ الِاغْتِذاءِ بِهِ"، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا التَخْصِيصِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ  ﴾ ، و ﴿ أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ النَبِيِّ  : « "جُعِلَ رِزْقِي في ظِلِّ رُمْحِي"،» وقَوْلُهُ: « "أرْزاقُ أُمَّتِي في سَنابِكِ خَيْلِها وأسِنَّةِ رِماحِها"،» فالغَنِيمَةُ كُلُّها رِزْقٌ.

والصَحِيحُ أنَّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ هو الرِزْقُ، وهو مَراتِبٌ أعْلاها ما تُغُذِّيَ بِهِ، وقَدْ حَصَرَ رَسُولُ اللهِ  وُجُوهَ الِانْتِفاعِ في قَوْلِهِ: « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكٍ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ؟"».

وفي مَعْنى اللِباسِ يَدْخُلُ الرُكُوبُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الَّذِي لَهُ هَذا المَثَلُ -فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو مِثَلُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَكَأنَّ الكافِرَ مَمْلُوكٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الطاعَةِ، فَهو لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِذَلِكَ، ويُشْبِهُ العَبْدَ المَذْكُورَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَمْثِيلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما وقَعَ في جِهَةِ الكافِرِ فَقَطْ، جَعَلَ لَهُ مَثَلًا، ثُمَّ قُرِنَ بِالمُؤْمِنِ المَرْزُوقِ، إلّا أنْ يَكُونَ المَرْزُوقُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وإنَّما هو مِثالٌ لِلْمُؤْمِنِ، فَيَقَعُ التَمْثِيلُ مِن جِهَتَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هَذا المِثالُ، والمِثالُ الآخَرُ الَّذِي بَعْدَهُ، إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى والأصْنامِ، فَتِلْكَ هي كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، واللهُ تَعالى تَتَصَرَّفُ قُدْرَتُهُ دُونَ مُعَقِّبٍ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الزَجاجُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَكُونُ مِن مَعْنى ما قَبْلَها وما بَعْدَها في تَبَيُّنِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والرَدِّ عَلى الأصْنامِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدٍ كانَ لَهُ، ورُوِيَ تَعْيِينُ غَيْرِ هَذا ولا يَصِحُّ إسْنادُهُ.

والمِثالُ لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ أحَدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المِثالِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمْ ما يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُكَ: اللهُ أكْبَرُ، وعَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، ظَهَرَتِ الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ أبَدًا ولا يُداخِلُهم إيمانٌ، ويَتَمَكَّنَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ"؛ لِأنَّ الأقَلَّ مِنَ الكَفّارِ هو الَّذِي آمَنَ مِن أُولَئِكَ، ولَوْ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيِ الآنَ لَكانَ قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ" بِمَعْنى الِاسْتِيعابِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم يَعْلَمُ قَوْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٧٦ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٧٧ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٧٨ أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٧٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ الساعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أو هو أقْرَبُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ واللهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللهُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ هَذا مَثَلٌ لِلَّهِ تَعالى والأصْنامِ، فَهي كالأبْكَمِ لا نُطْقَ لَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وهو عِيالٌ عَلى مَن والاهُ مِن قَرِيبٍ أو صَدِيقٍ، و"الكُلُّ": الثِقْلُ والمُؤَوِّنَةُ، وكُلٌّ مَحْمُولٌ فَهو كُلُّ وسُمِّي اليَتِيمُ كُلًّا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أكُولٌ لِمالِ الكُلِّ قَبْلَ شَبابِهِ ∗∗∗ إذا كانَ عَظْمُ الكُلِّ غَيْرَ شَدِيدِ كَما أنَّ الأصْنامَ تَحْتاجُ إلى أنَّ تُنْقَلُ وتُخْدَمُ ويُتَعَذَّبُ بِها، ثُمَّ لا يَأْتِي مِن جِهَتِها خَيْرٌ البَتَّةَ، هَذا قَوْلُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو مَثَلٌ لِلْكافِرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "يُوَجِّهُ"، وقَرَأ عَلْقَمَةُ: "يُوَجَّهُ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوَجِّهْهُ"، وهي خَطُّ المُصْحَفِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "تَوَجَّهَ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: "تُوَجِّهْهُ" عَلى الخِطابِ، وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ قِراءَةَ عَلْقَمَةَ لِأنَّهُ لازِمٌ، و"الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ" هو اللهُ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُؤْمِنُ، و"الصِراطُ": الطَرِيقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ الغَيْبَ لَهُ يَمْلِكُهُ ويَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أمْرُ الساعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ ﴾ إخْبارٌ بِالقُدْرَةِ، وحُجَّةٌ عَلى الكُفّارِ، والمَعْنى عَلى ما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: "ما تَكُونُ الساعَةُ وإقامَتُها في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ لَها: كُنْ"، فَلَوِ اتَّفَقَ أنْ يَقِفَ عَلى ذَلِكَ مُحَصِّلٌ مِنَ البَشَرِ لَكانَتْ مِنَ السُرْعَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ: هَلْ هي كَلَمْحِ البَصَرِ أو هي أقْرَبُ مِن ذَلِكَ؟، فَـ "أو" -عَلى هَذا- عَلى بابِها في الشَكِّ، وقِيلَ: هي لِلتَّخْيِيرِ، و"لَمْحُ البَصَرِ" هو وُقُوعُهُ عَلى المَرْئِيِّ، وقُوى هَذا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، يُرِيدُ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، ومَن قالَ: " ﴿ وَما أمْرُ الساعَةِ ﴾ أيْ: وما إتْيانُها ووُقُوعُها بِكُمْ، عَلى جِهَةِ التَخْوِيفِ مِن حُصُولِها" -فَفِيهِ بُعْدٌ وتَجُوزٌ كَثِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ مِن قَوْلِ النَبِيِّ  : « "بُعِثْتُ أنا والساعَةَ كَهاتَيْنِ"،» ومَن ذِكْرِهِ ما ذَكَرَ مِن أشْراطِ الساعَةِ ومُهْلَتَها، ووَجْهُ التَأْوِيلِ أنَّ القِيامَةَ لَمّا كانَتْ آتِيَةً ولا بُدَّ جُعِلَتْ مِنَ القُرْبِ كَلَمْحِ البَصَرِ، كَما يُقالُ: ما السَنَةُ إلّا لَحْظَةٌ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أو هو أقْرَبُ ﴾ يَرُدُّ أيْضًا هَذِهِ المَقالَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ بَيِّنَةٍ لا يُنْكِرُها عاقِلٌ، وهي نِعْمَةٌ مَعَها كُفْرُها وتَصْرِيفُها في الإشْراكِ بِالَّذِي وهَبَها، فاللهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنَ آدَمَ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، ثُمَّ جَعَلَ حَواسَّهُ الَّتِي قَدْ وهَبَها لَهُ في البَطْنِ سُلَّمًا إلى إدْراكِ المَعارِفِ لِيَشْكُرَ عَلى ذَلِكَ ويُؤْمِنَ بِالمُنْعِمِ عَلَيْهِ.

و"أُمَّهاتُ" أصْلُها أُمّاتٌ، وزِيدَتِ الهاءُ مُبالِغَةً وتَأْكِيدًا، كَما زادُوا الهاءَ في "أهْرَقْتَ الماءَ"، قالَهُ أبُو إسْحاقٍ.

وفي هَذا المَثَلِ نَظَرٌ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسّائِيُّ: "إمَّهاتِكُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي بُطُونِ مِهاتِكُمْ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: "حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِيءٌ، ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أبِي لَيْلى أصْوَبُ"، والتَرَجِّي الَّذِي في "لَعَلَّ" هو بِحَسَبِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْدِيدُ نِعَمٍ ومَوْضِعِ اعْتِبارٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَيْرِ ﴾ الآيَةُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ هُرْمُزٍ: "ألَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "ألَمْ يَرَوْا" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عنهُمْ، واخْتَلَفَ عَنِ الحَسَنِ، وعاصِمٍ، وأبِي عَمْرُو، وعِيسى الثَقَفِيِّ.

و"الجَوُّ": مَسافَةُ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هو ما يَلِي الأرْضَ مِنها، وما فَوْقَ ذَلِكَ هو اللَوْحُ، والآيَةُ عِبْرَةٌ بَيِّنَةٌ المَعْنى، تَفْسِيرُها تَكَلُّفٌ بَحْتٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًۭا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ٨٠ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَـٰنًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ٨١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمُ بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَعْدِيدِ نِعْمَةِ اللهِ عَلى الناسِ في البُيُوتِ، فَذَكَرَ أوَّلًا بُيُوتَ التَمَدُّنَ وهي الَّتِي لِلْإقامَةِ الطَوِيلَةِ، وهي عُظْمُ بُيُوتِ الإنْسانِ، وإنْ كانَ الوَصْفُ بِالسَكَنِ يَعُمُّ جَمِيعَ البُيُوتِ، و"السَكَنُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ، ومَعْناهُ: يَسْكُنُ فِيها وإلَيْها، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بُيُوتَ النَقْلَةِ والرِحْلَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُمَّ بِهِ بُيُوتَ الأُدُمِ وبُيُوتَ الشَعْرِ وبُيُوتِ الصُوفِ" لِأنَّ هَذِهِ هي مِنَ الجُلُودِ لِكَوْنِها ثابِتَةً فِيها، نَحا إلى ذَلِكَ ابْنُ سَلامٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَمِن أصْوافِها ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ، كَأنَّهُ قالَ: "جَعَلَ أثاثًا"، يُرِيدُ المَلابِسَ والوَطاءَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن جُلُودِ الأنْعامِ ﴾ بُيُوتَ الأُدُمِ فَقَطْ، ويَكُونُ ﴿ وَمِن أصْوافِها ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن جُلُودِ الأنْعامِ ﴾ ، أيْ: جَعَلَ بُيُوتًا أيْضًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أثاثًا" نَصْبًا عَلى الحالِ، و"تَسْتَخِفُّونَها" أيْ تَجِدُونَها خِفافًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "ظَعَنِكُمْ" بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسّائِيُّ بِسُكُونِ العَيْنِ، وهُما لُغَتانِ ولَيْسَ بِتَخْفِيفٍ، و"ظَعَنَ" مَعْناهُ رَحَلَ، والأصْوافُ لِلْغَنَمِ، والأوبارُ لِلْإبِلِ، والأشْعارُ لِلْمَعْزِ والبَقَرِ، ولَمْ تَكُنْ بِلادُهم بِلادَ قُطْنٍ وكَتّانٍ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تُرِكَ ذِكْرُ القُطْنِ والحَرِيرِ والكَتّانِ إعْراضًا عَنِ السَرَفِ؛ إذْ مَلْبَسُ عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ إنَّما هو الصُوفُ، وأيْضًا فَقَدْ أُشِيرُ إلى القُطْنِ والكَتّانِ في لَفْظَةِ السَرابِيلِ.

و"الأثاثُ": مَتاعُ البَيْتِ، واحِدُها أثاثَةٌ، هَذا قَوْلُ أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، وقالَ غَيْرُهُ: الأثاثُ: جَمِيعُ أنْواعِ المالِ، ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاشْتِقاقُ يُقَوِّي هَذا المَعْنى الأعَمُّ؛ لِأنَّ حالَ الإنْسانِ تَكُونُ بِالمالِ أثِيثَةً، تَقُولُ: "شَعْرٌ أثِيثٌ، ونَباتٌ أثِيثٌ" إذا كَثُرَ والتَفَّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يُرِيدُ بِهِ وقْتًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وهو بِحَسَبِ كُلِّ إنْسانٍ، إمّا بِمَوْتِهِ، وإمّا بِفَقْدِ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي هي أثاثٌ، وَمِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: أهاجَتْكَ الظَعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الزِيِّ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ الآيَةُ.

نِعَمٌ عَدَّدَها عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أحْوالِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّها الأشْياءُ المُباشِرَةُ لَهُمْ؛ لِأنَّ بِلادَهم مِنَ الحَرارَةِ وصِهْرِ الشَمْسِ بِحَيْثُ لِلظِّلِّ غِنًى عَظِيمٌ ونَفْعٌ ظاهِرٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا خَلَقَ ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْخاصِ المُظَلَّلَةِ.

و"الأكْنانُ": جَمْعُ كِنٍّ، وهو الحافِظُ مِنَ المَطَرِ والرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

و"السَرابِيلُ": جَمِيعُ ما يُلْبَسُ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ كالقَمِيصِ والقَرْقَلِ، والمُجُولِ والدِرْعِ والجَوْشَنِ والحِفَّتانِ ونَحْوَهُ.

وذَكَرَ وِقايَةَ الحُرِّ إذا هو أمْسُ في تِلْكَ البِلادِ عَلى ما ذَكَرْنا، والبَرْدُ فِيها مَعْدُومٌ في الأكْثَرِ، وإذا جاءَ في الشَتَواتِ فَإنَّما يَتَوَقّى بِما هو أكْثَفُ مِنَ السِرْبالِ مِنَ الأثاثِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، فَبَقِيَ السَرابِيلُ لِتُوقِيَ الحُرَّ فَقَطْ، قالَهُ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، ألّا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ نَبَّهَهم إلى العِبْرَةِ في البَرْدِ ولَمْ يَذْكُرْ لَهُمُ الثَلْجَ لِأنَّهُ لَيْسَ في بِلادِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِ الثَلْجَ شَيْءٌ أبْيَضٌ يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ ما رَأيْتُهُ قَطُّ، وأيْضًا فَذِكْرُ أحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما أدْرِي إذا يَمَّمَتُ أرْضًا ∗∗∗ ∗∗∗ أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي؟

وَهَذِهِ الَّتِي ذَكَرْناها هي بِلادُ الحِجازِ، وإلّا فَفي بِلادِ العَرَبِ ما فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمٍ: إذِ القَشْعُ مِن بَرْدِ الشِتاءِ تَقَعْقَعا.

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: في لَيْلَةٍ مِن جُمادى ذاتِ أنْدِيَةٍ.

البَيْتَيْنِ، وغَيْرِ هَذا، والسَرابِيلُ الَّتِي تَقِي البَأْسَ هي الدِرْعُ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ ∗∗∗ مَن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ وَقالَ أوسُ بْنُ حَجَرٍ: ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِرْعِ والسِرْبالِ.

فَهَذا يُرادُ بِهِ القَمِيصُ: و"البَأْسُ": مَسُّ الحَدِيدِ في الحَرْبِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُتِمُّ نِعْمَتَهُ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَتِمُّ نِعْمَتُهُ"، عَلى أنَّ النِعْمَةَ هي الَّتِي تَتِمُّ، رُوِيَ عنهُ "تَتِمُّ نِعَمُهُ" عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُسْلِمُونَ" مِنَ الإسْلامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تَسْلَمُونَ" مِنَ السَلامَةِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَخْصُوصَةً في بَأْسِ الحَرْبِ، وما في "لَعَلَّ" مِنَ التَرَجِّي والتَوَقُّعِ فَهو في حَيِّزِ البَشَرِ المُخاطِبِينَ، أيْ: لَوْ نَظَرَ الناظِرُ هَذِهِ الحالَ لَتَرَجّى مِنها إسْلامَهم.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ٨٢ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨٣ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ٨٤ وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٨٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عنهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى خَلْقِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، ثُمَّ قَرَّعَهم ووَبَّخَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ في هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، ويَقُولُونَ إنَّها مِن عِنْدِهِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ تَعالى، وذَلِكَ فِعْلُ المُنْكِرِ لِلنِّعْمَةِ الجاحِدِ لَها.

هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَسَمّاهم مُنْكِرِينَ لِلنِّعْمَةِ تَجَوُّزًا؛ إذْ كانَتْ لَهم أفْعالُ المُنْكِرِينَ مِنَ الكُفْرِ بِرَبِّ النِعَمِ، ولِشِرْكِهِمْ في النِعَمِ الأوثانَ عَلى وجْهٍ ما، وهو ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِلْأوثانِ مِنَ الأفْعالِ مِنَ النَفْعِ والضُرِّ، وقالَ السُدِّيُّ: النِعْمَةُ هُنا: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ووَصَفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ؛ لَأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن قَدْ داخَلَهُ الإسْلامُ ومَن أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ ويَرِدُ شَهِيدًا عَلى كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ، فَـ "شَهِيدٌ" بِمَعْنى "شاهِدٌ"، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المَعْنى: ثُمَّ يُنْكِرُونَها اليَوْمَ، ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم فَيُكَذِّبُهُمُ الشَهِيدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ لا يُؤْذَنُ ﴾ أيْ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا أيْ في المَعْذِرَةِ، وهَذا في مَوْطِنٍ دُونَ مَوْطِنٍ؛ لَأنَّ في القُرْآنِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَأْتِي تُجادِلُ عن نَفْسِها ويَتَرَتَّبُ أنْ تَجِيءَ كُلُّ نَفْسِ تَجادُلُ، فَإذا اسْتَقَرَّتْ أقْوالُهم بَعَثَ اللهُ الشُهُودَ مِنَ الأُمَمِ فَتُكَذِّبُ الكُفّارَ فَلا يُؤْذَنُ لِلْكاذِبِينَ بَعْدُ في مَعْذِرَةٍ، ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ بِمَعْنى: يُعْتَبُونَ، تَقُولُ: "عَتَبْتُ الرَجُلَ" إذا كَفَيْتَهُ ما عَتَبَ فِيهِ، كَما تَقُولُ: "أشْكَيْتُهُ ما شَكا"، كَأنَّهُ قالَ: ولا هم يُكْفَوْنَ ما يُعْتِبُونَ فِيهِ ويَشُقُّ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، تَقُولُ: أدْنَيْتُ الرَجُلَ واسْتَدْنَيْتُهُ، وقالَ قَوْمُ: لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبَ عُتْباهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ الرُجُوعَ إلى الدُنْيا فَلا يُعْطُونَ فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةُ عَمَلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ﴾ ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الظالِمِينَ في كُفْرِهِمْ إذا أراهُمُ اللهُ عَذابَ النارِ وشارَفُوها وتَحَقَّقُوا كُنْهَ شِدَّتِها، فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ لا يُخَفَّفُ بِوَجْهٍ ولا يُؤَخَّرُ عنهُمْ، وإنَّما مَقْصِدُ الآيَةِ الفَرْقَ بَيْنَ ما يَحِلُّ بِهِمْ وبَيْنَ رَزايا الدُنْيا، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَتَوَقَّعُ أمْرًا مِن خُطُوبِ الدُنْيا إلّا ولَهُ طَمَعٌ في أنْ يَتَأخَّرَ عنهُ، وأنْ يَجِيئَهُ في أخَفِّ ما يَتَوَهَّمُ بِرَجائِهِ، وكَذَلِكَ مَتى حَلَّ بِهِ كانَ طامِعًا في أنْ يَخِفَّ، وقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ في خُطُوبِ الدُنْيا كَثِيرًا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ -إذا عايَنَهُ الكافِرُ- لا طَماعِيَةً فِيهِ بِتَخْفِيفٍ ولا تَأْخِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَـٰذِبُونَ ٨٦ وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٨٧ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًۭا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ ٨٨ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ٨٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَألْقَوْا إلى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَلَمَ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم إذا رَأوا يَوْمَ القِيامَةِ بِأبْصارِهِمُ الأوثانَ والأصْنامَ وكُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ -لَأنَّها تُحْشَرُ مَعَهم تَوْبِيخًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ- أشارُوا إلَيْهِمْ وقالُوا: هَؤُلاءِ كُنّا نَعْبُدُهم مِن دُونِ اللهِ، كَأنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ تَذْنِيبَ المَعْبُودِينَ وإدْخالَهم في المَعْصِيَةِ، وأضافُوا الشُرَكاءَ إلى أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ هم جَعَلُوهم شُرَكاءَ، وهَذا كَما يَصِفُ رَجُلٌ آخَرَ بِأنَّهُ خَيْرٌ فَتَقُولُ لَهُ أنْتَ: ما فَعْلَ خَيْرُكَ؟

فَأضَفْتَهُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ وصَفَهُ هو بِتِلْكَ الصِفَةِ، والضَمِيرُ في "القَوْلِ" عائِدٌ عَلى الشُرَكاءِ، فَمَن كانَ مِنَ المَعْبُودِينَ مِنَ البَشَرِ ألْقى القَوْلَ المَعْهُودَ بِلِسانِهِ، وما كانَ مِنَ الجَماداتِ تَكَلَّمَتْ بِقُدْرَةِ اللهِ بِتَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم آلِهَةٌ وشُرَكاءُ لِلَّهِ، فَفي هَذا وقَعَ الكَذِبُ لا في العِبادَةِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: إنَّكم لَكاذِبُونَ، ما كُنّا نَدْعُوكم إلى عِبادَتِنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهم كَذَّبُوهم في التَذْنِيبِ لَهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَألْقَوْا إلى اللهِ ﴾ ، الضَمِيرُ في "ألْقَوْا" عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: ألْقَوْا إلَيْهِ الِاسْتِسْلامَ، وألْقَوْا ما بِأيْدِيهِمْ وذَلُّوا لِحُكْمِهِ ولَمْ تَكُنْ لَهم حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ، و"السَلَمَ": الِاسْتِسْلامُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَلَمَ" بِفَتْحِ اللامِ، ورَوى يَعْقُوبُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ اللامِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "السُلُمَ" بِضَمِّ السِينِ واللامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿ وَضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أنَّهُ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ اللهِ وباشَرُوا نِقْمَتَهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَنَعُوا غَيْرَهم مِنَ الدُخُولِ في الدِينِ وسُلُوكِ سَبِيلِ اللهِ زادَهم عَذابًا أجَلَّ مِنَ العَذابِ العامِّ لِجَمِيعِ الكُفّارِ عُقُوبَةً عَلى إفْسادِهِمْ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَفْتَرُونَ"، و"زِدْناهُمْ" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءَ "زِدْناهُمْ"، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَقارِبَ وحَيّاتٍ لَها أنْيابٌ كالنَخْلِ الطِوالِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: حَيّاتٌ لَها أنْيابٌ كالنَخْلِ، وعَقارِبُ كالبِغالِ الدُلْمِ، ونَحْوَ هَذا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ لِجَهَنَّمَ سَواحِلَ فِيها هَذِهِ الحَيّاتُ وهَذِهِ العَقارِبُ، فَيَفِرُّ الكُفّارُ إلى السَواحِلِ مِنَ النارِ، فَتَتَلَقّاهم هَذِهِ الحَيّاتُ والعَقارِبُ، فَيَفِرُّونَ مِنها إلى النارِ، فَتَتْبَعُهم حَتّى تَجِدَ حَرَّ النارِ فَتَرْجِعُ، قالَ: وهي في أسْرابٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ ﴾ الآيَةُ، في ضِمْنِها وعِيدٌ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْها، وهو رَسُولُها الَّذِي شاهَدَ في الدُنْيا تَكْذِيبَها وكُفْرَها، وإيمانَها وهُداها، ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللهُ شَهِيدًا مِنَ الصالِحِينَ مَعَ الرُسُلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ بِحَسْبِ أنَّ بِعْثَةَ الرُسُلِ كَذَلِكَ هي في الدُنْيا، وذَلِكَ أنَّ الرَسُولَ الَّذِي مِن نَفْسِ الأُمَّةِ في اللِسانِ والسِيرَةِ وفَهْمِ الأغْراضِ والإشاراتِ مُتَمَكِّنُ لَهُ إفْهامُهم والرَدُّ عَلى مُعانَدَتِهِمْ، ولا يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مَن هو مِنَ الأُمَّةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا مِنَ الأُمَّةِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" إشارَةً إلى هَذِهِ الأُمَّةِ.

و"الكِتابَ": القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: "تِبْيانًا" اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، كالنُقْصانِ، والمَصادِرُ في مِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ مِنها مَفْتُوحَةٌ كالتَرْدادِ والتَكْرارِ، ونُصِبَ "تِبْيانًا" عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِمّا نَحْتاجُ في الشَرْعِ ولا بُدَّ مِنهُ في المِلَّةِ، كالحَلالِ والحَرامِ والدُعاءِ إلى اللهِ والتَخْوِيفِ مِن عَذابِهِ، وهَذا حَصْرُ ما اقْتَضَتْهُ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ"، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٩٠ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ٩١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللهِ عَلَيْكم كَفِيلا إنَّ اللهِ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أجْمَعُ آيَةً في كِتابِ اللهِ آيَةٌ في سُورَةِ النَحْلِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ عن عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَرَأتْها عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَتَعَجَّبَ وقالَ: "يا آلَ غالِبٍ اتَّبِعُوهُ تُفْلِحُوا، فَواللهِ إنَّ اللهَ أرْسَلَهُ إلَيْكم لِيَأْمُرَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ"، وحَكى النَقّاشُ قالَ: كانَ يُقالُ: "زَكاةُ العَدْلِ الإحْسانُ، وزَكاةُ القُدْرَةِ العَفْوُ، وزَكاةُ الغِنى المَعْرُوفُ، وزَكاةُ الجاهِ كُتُبُ الرَجُلِ إلى إخْوانِهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: العَدْلُ هو فِعْلُ كُلِّ مَفْرُوضٍ مِن عَقائِدَ وشَرائِعَ، وسَيْرٌ مَعَ الناسِ في أداءِ الأماناتِ، وتَرْكُ الظُلْمِ، والإنْصافُ وإعْطاءُ الحَقِّ، والإحْسانُ هو فِعْلُ كُلِّ مَندُوبٍ إلَيْهِ، فَمِنَ الأشْياءِ ما هو كُلُّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ومِنها ما فُرِضَ، إلّا أنَّ حَدَّ الإجْزاءِ مِنهُ داخِلٌ في العَدْلِ، والتَكْمِيلُ الزائِدُ عَلى حَدِّ الإجْزاءِ داخِلٌ في الإحْسانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما حَكى الطَبَرِيُّ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القِسْمِ الأخِيرِ نَظَرٌ؛ لَأنَّ أداءَ الفَرائِضِ هي الإسْلامُ حَسْبَ ما فَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ  في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ هو العَدْلُ، وإنَّما الإحْسانُ: التَكْمِيلاتُ والمَندُوبُ إلَيْهِ حَسْبَ ما يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُ النَبِيِّ  لِسُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: « "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"،» فَإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّما أرادَ أداءَ الفَرائِضِ مُكَمَّلَةً.

﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي صِلَةَ الرَحِمِ، وتَعُمُّ جَمِيعَ إسْداءِ الخَيْرِ إلى القَرابَةِ.

وتَرَكُهُ مُبْهَمًا أبْلَغُ؛ لَأنَّ كُلَّ مَن وصَلَ في ذَلِكَ إلى غايَةٍ -وَإنْ عَلَتْ- يَرى أنَّهُ مُقَصِّرٌ، وهَذا المَعْنى المَأْمُورُ بِهِ في جانِبِ ذِي القُرْبى داخِلٌ تَحْتِ العَدْلِ والإحْسانِ، لَكِنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِ وحَتْمًا عَلَيْهِ.

و"الفَحْشاءِ": الزِنى -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - وغَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي شُنْعَتُها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُها أبَدًا مُتَسَتِّرٌ بِها، وكَأنَّهم خَصُّوها بِمَعانِي الفُرُوجِ و"المُنْكَرِ" أعَمُّ مِنهُ؛ لَأنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي والرَذائِلِ والإذاياتِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، و"البَغْيِ" هو إنْشاءُ ظُلْمِ الإنْسانِ والسِعايَةِ فِيهِ، وهو داخِلٌ تَحْتِ المُنْكَرِ، لَكِنَّهُ تَعالى خُصُّهُ بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ بِالناسِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا ذَنْبَ أسْرَعُ عُقُوبَةً مِن بَغْيٍ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الباغِي مَصْرُوعٌ"،» وقَدْ وعَدَ اللهُ مِن بُغِيَ عَلَيْهِ بِالنَصْرِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: « "لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَجَعَلَ اللهُ الباغِيَ مِنهُما دَكًّا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَغْيِيرُ المُنْكِرِ فَرْضٌ عَلى الوُلاةِ، إلّا أنَّ المُغَيِّرَ لا يَعِنُّ لِمَسْتُورٍ، ولا يَعْمَلُ ظَنًّا، ولا يَتَجَسَّسُ، ولا يُغَيِّرُ إلّا ما بَدَتْ صَفْحَتُهُ، ويَكُونُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ بِمَعْرُوفٍ، وهَذا كُلُّهُ لِغَيْرِ الوُلاةِ ألْزَمُ، وفَرْضٌ عَلى المُسْلِمِينَ عامَّةً، ما لَمْ يَخَفِ المُغَيِّرُ إذايَةً أو ذُلًّا، ولا يُغَيِّرُ المُؤْمِنُ بِيَدِهِ ما وجَدَ سُلْطانًا، فَإنَّ عَدِمَهُ غَيَّرَ بِيَدِهِ، إلّا أنَّهُ لا يَصِلُ إلى نَصْبِ القِتالِ والمُداراةِ وإعْمالِ السِلاحِ إلّا مَعَ الرِياسَةِ والإمامِ المُتَّبَعِ، ويَنْبَغِي لِلنّاسِ أنْ يُغَيِّرَ المُنْكِرَ مِنهم كُلُّ أحَدٍ مِنهُمْ، تَقِيٌّ وغَيْرُ تَقِيٍّ، ولَوْ لَمْ يُغَيِّرْ إلّا تَقِيٍّ لَمْ يَتَغَيَّرْ مُنْكِرٌ في الأغْلَبِ، وقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمًا بِأنَّهم لَمْ يَتَناهَوْا عنهُ، وكُلُّ مُنْكَرٍ فِيهِ مُدْخَلٌ لِلنَّظَرِ فَلا مَدْخَلَ لِغَيْرِ حَمَلَةِ العِلْمِ فِيهِ، فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ القَوْلِ في تَغْيِيرِ المُنْكِرِ تَضَمَّنَتْ ثَمانِيَةَ شُرُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ رَفَعَتْ عَلى عامِلِها إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، فَحاجَّها العامِلُ وغَلَبَها بِأنَّهم لَمْ يُثْبِتُوا عَلَيْهِ كَبِيرَ ظُلْمٍ ولا جَوْرَهُ في شَيْءٍ.

فَقامَ فَتًى مِنَ القَوْمِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللهَ أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وإنَّهُ عَدَلَ ولَمْ يُحْسِنْ، قالَ: فَعَجِبَ أبُو جَعْفَرٍ مِن إصابَتِهِ وعَزَلَ العامِلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

يَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ ﴾ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها: "افْعَلُوا كَذا وانْتَهُوا عن كَذا"، فَعَطَفَ عَلى ذَلِكَ التَقْدِيرِ قَوْلَهُ: "وَأوفُوا"، و"عَهْدُ اللهِ" لَفْظٌ لِجَمِيعِ ما يُعْقَدُ بِاللِسانِ ويَلْزَمُهُ الإنْسانُ، مِن بَيْعٍ أو صِلَةٍ أو مُواثَقَةٍ في أمْرٍ مُوافِقٍ لِلدِّيانَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ خَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ الألْفاظَ المَعْهُودَةَ الَّتِي يُقْرَنُ بِها أيْمانٌ تَهَمُّمًا بِها وتَنْبِيهًا عَلَيْها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ فِيما كانَ الثُبُوتُ فِيهِ عَلى اليَمِينِ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى وما كانَ الِانْصِرافُ عنهُ أصْوَبَ في الحَقِّ فَهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللهِ  : « "مِن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» ويُقالُ: تَوْكِيدٌ وتَأْكِيدٌ، ووَكَّدَ وَأكَّدَ، وهُما لُغَتانِ، وقالَ الزَجّاجُ: الهَمْزَةُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لَأنَّهُ لَيْسَ في وُجُودِ تَصْرِيفِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

و"كَفِيلًا" مَعْناهُ: مُتَكَفِّلًا بِوَفائِكُمْ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ في ضِمْنِ خَبَرٍ بِعِلْمِ اللهِ تَعالى بِأفْعالِ عِبادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللهِ  عَلى الإسْلامِ، رَواهُ أبُو لَيْلى عن بِرَيْدَةَ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أو نَهْيٍ عن مُنْكَرٍ، فَزادَها الإسْلامُ شِدَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما قالَ  : « "لا حِلْفَ في الإسْلامِ وما كانَ مِن حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً"،» وهَذا حَدِيثُ مَعْنى، وإنَّ كانَ السَبَبُ بَعْضَ هَذا الأشْياءِ فَألْفاظُ الآيَةِ عامَّةٌ عَلى جِهَةِ مُخاطَبَةِ العالَمِينَ أجْمَعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًۭا تَتَّخِذُونَ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٩٢ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٌ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ شَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّذِي يَحْلِفُ أو يُعاهِدُ أو يُبْرِمُ عَقْدَهُ بِالمَرْأةِ الَّتِي تَغْزِلُ غَزْلَها وتَفْتِلُهُ مُحْكَمًا، وشَبَّهَ الَّذِي يَنْقَضُ عَهْدَهُ بَعْدَ الإحْكامِ بِتِلْكَ الغازِلَةِ إذا نَقَضَتْ قَوِيَّ ذَلِكَ الغَزَلِ فَحَلَّتْهُ بَعْدَ إبْرامِهِ، ويُرْوى أنَّ امْرَأةً حَمْقاءَ كانَتْ بِمَكَّةَ تُسَمّى رَيْطَةَ بِنْتِ سَعْدٍ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَبِها وقَعَ التَشْبِيهُ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، والسُدِّيُّ، ولَمْ يُسَمِّيا المَرْأةَ، وقِيلَ: كانَتِ امْرَأةٌ مُوَسْوِسَةٌ تُسَمّى خَطِّيَّةَ تَغْزِلُ عِنْدَ الحِجْرِ وتَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ لا عَلى امْرَأةٍ مُعَيَّنَةٍ.

و"أنْكاثًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والنَكْثُ: النَقْضُ، و"القُوَّةُ" في اللُغَةِ واحِدَةُ قُوى الغَزْلِ والحَبْلِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُضَفَّرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأغْلَبِ الراجِزِ: حَبْلَ عَجُوزٍ فَتَلَتْ سَبْعُ قُوى ويُظْهِرُ لِي أنَّ المُرادَ بِالقُوَّةِ في الآيَةِ الشِدَّةُ الَّتِي تَحْدَثُ مِن تَرْكِيبِ قُوى الغَزْلِ، ولَوْ قَدَّرْناها واحِدَةَ القُوى لَمْ يَكُنْ مَعَها ما يُنْتَقَضُ أنْكاثًا، والعَرَبُ تَقُولُ: انْتَكَثَ الحَبْلُ إذا انْتَقَضَتْ قُواهُ، أمّا إنْ عُرِّفَ الغَزْلُ أنَّهُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ ولَكِنْ لَها أجْزاءٌ كَأنَّها قُوَّةٌ كَثِيرَةٌ لَهُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِن بَعْدِ إمْرارِ قُوَّةٍ.

و"الدَخَلُ": الدَغَلُ بِعَيْنِهِ، وهي الذَرائِعُ إلى الخُدَعِ والغَدْرِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْلُوفَ لَهُ مُطَمْئِنٌ فَيَتَمَكَّنُ الحالِفُ مِن ضَرِّهِ بِما يُرِيدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في العَرَبِ الَّذِينَ كانَتِ القَبِيلَةُ مِنهم إذا حالَفَتِ الأُخْرى، ثُمَّ جاءَتْ إحْداهُما قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ قَوِيَّةٌ فَداخَلَتْها غَدَرَتِ الأُولى ونَقَضَتْ مَعَها ورَجَعَتْ إلى هَذِهِ الكُبْرى، فَقالَ اللهُ تَعالى: لا تَنْقُضُوا العُهُودَ مِن أجْلِ أنْ تَكُونَ قَبِيلَةٌ أزِيدَ مِن قَبِيلَةٍ في العَدَدِ والعِدَّةِ، و"الرِبا": الزِيادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مَعْناهُ: لا تَنْقُضُوا الأيْمانَ مِن أجْلِ أنْ تَكُونُوا أرَبى مَن غَيْرِكُمْ، أيْ: أزْيَدَ خَيْرًا، فَمَعْناهُ: لا تَطْلُبُوا الزِيادَةَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِنَقْضِ العُهُودَ.

و"يَبْلُوكُمُ" مَعْناهُ: يَخْتَبِرُكُمْ، والضَمِيرُ في "بِهِ" يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الوَفاءِ الَّذِي أمَرَ اللهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرِبا، أيْ أنَّ اللهَ ابْتَلى عِبادَهُ بِالتَحاسُدِ وطَلَبِ بَعْضِهِمُ الظُهُورَ عَلى بَعْضٍ، واخْتَبَرَهم بِذَلِكَ لِيَرى مَن يُجاهِدُ نَفْسَهُ مِمَّنْ يُتْبِعُها هَواها، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هِيَ أرْبى ﴾ ، مَوْضِعُ "أرْبى" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ رَفْعٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَصْبٌ، و"هِيَ" عِمادٌ، ولا يَجُوزُ العِمادُ هُنا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لَأنَّهُ لا يَكُونُ مَعَ النَكِرَةِ، و"أُمَّةٌ" نَكِرَةٌ، وحُجَّةُ الكُوفِيِّينَ أنَّ "أُمَّةٌ" وما جَرى مَجْراها مِن أسْماءِ الأجْناسِ تَنْكِيرُها قَرِيبٌ مِنَ التَعْرِيفِ، ألّا تَرى أنَّ إدْخالَ الألِفِ واللامِ عَلَيْها لا يُخَصِّصُها كَبِيرُ تَخْصِيصٍ؟

وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ بِالأوامِرِ والنَواهِي لِيَذْهَبَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ مِنهُ تَعالى بِحَقِّ المُلْكِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ولَوْ شاءَ لَكانَ الناسُ كُلُّهم في طَرِيقٍ واحِدٍ، إمّا في هُدًى وإمّا في ضَلالَةٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى شاءَ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، ويَخُصَّ قَوْمًا بِالسَعادَةِ وقَوْمًا بِالشَقاوَةِ.

و"يُضِلُّ" و"يَهْدِي" مَعْناهُ: "يَخْلُقُ ذَلِكَ في القُلُوبِ" خِلافًا لِقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ في آخِرِ الآيَةِ بِسُؤالِ كُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ عن عَمَلِهِ، وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ، ولَيْسَ ثُمَّ سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وذَلِكَ هو المَنفِيُّ في آياتٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٩٤ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٩٥ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٩٦ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٩٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُوءَ بِما صَدَدْتُمْ عن سَبِيلِ اللهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا إنَّما عِنْدَ اللهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ كَرَّرَ النَهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَهْيِ عنهُ لِعَظْمِ مُوَقِعِهِ مِنَ الدِينِ، وتَرَدُّدِهِ في مُعاشِراتِ الناسِ، و"الدَخَلُ" -كَما قُلْنا- الغَوائِلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ﴾ اسْتِعارَةٌ لِلْمُسْتَقِيمِ الحالِ يَقَعُ في شَرٍّ عَظِيمٍ ويَسْقُطُ فِيهِ؛ لَأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ نَقَلَتِ الإنْسانَ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالٍ شَرٍّ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ كُثَيِّرٍ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ أيْ: تَنَقَّلَتُ مِن حالٍ إلى حالٍ، فاسْتَعارَ لَها الزَلَلَ، ومِنهُ يُقالُ لِمَن أخْطَأ في الشَيْءِ: زَلَّ فِيهِ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ بَعْدُ بِعَذابٍ في الدُنْيا وعَذابٍ عَظِيمٍ في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما صَدَدْتُمْ عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللهِ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى فِعْلِ ما يَجِبُ عَلى الآخْذِ تَرْكُهُ، أو تَرْكِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللهُ إلى عِبادِهِ فِيها، فَمَن أخَذَ عَلى ذَلِكَ مالًا فَقَدْ أعْطى عَهْدَ اللهِ وأخَذَ قَلِيلًا مِنَ الدُنْيا، ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ ما عِنْدَهُ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ ومَواهِبِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وعَلِمَ واهْتَدى، ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُنْيا وحالِ الآخِرَةِ بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ أو يَنْقَضِي عنها، وأنَّ الآخِرَةَ باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٍ: "وَلَنَجْزِيَنَّ" بِنُونٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "وَلَيَجْزِيَنَ" بِالياءِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: "وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ" أنَّهُ بِالنُونِ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ نافِعًا رُوِيَ عنهُ: "وَلِيَجْزِيَنَّهُمْ" بِالياءِ.

و"صَبَرُوا" مَعْناهُ: عَنِ الشَهَواتِ وعَلى مَكارِهِ الطاعَةِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَبْرِ عن شَهْوَةِ كَسْبِ المالِ بِالوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ: "بِأحْسَنِ" أيْ: بِقَدْرٍ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ أعْمالِ الطاعَةِ، ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالإيمانِ، واخْتَلَفَ الناسُ في الحَياةِ الطَيِّبَةِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هو الرِزْقُ الحَلّالُ، وقالَ الحَسَنُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي القَناعَةُ، وهَذا أطْيَبُ عَيْشِ الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - أيْضًا: هي السَعادَةُ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: الحَياةُ الطَيِّبَةُ هي حَياةُ الآخِرَةِ ونَعِيمُ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُناكَ هو الطَيِّبُ عَلى الإطْلاقِ، ولَكِنَّ ظاهَرَ هَذا الوَعْدِ أنَّهُ في الدُنْيا، والَّذِي أقُولُ: إنَّ طَيِّبَ الحَياةِ اللازِمَ لِلصّالِحِينَ إنَّما هو بِنَشاطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، فَبِهَذا تَطِيبُ حَياتُهُمْ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عنهُمْ، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ، أو قَناعَةٌ فَذَلِكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَيِّبُ فِيما ذَكَرْناهُ راتِبٌ، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ﴾ عَلى لَفْظِ "مَن"، وجاءَ قَوْلُهُ: "وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ" عَلى مَعْناها، وهَذا وعَدَ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صالِحٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أهْلِ المِلَلِ تَفاخَرُوا، وقالَ كُلٌّ مِنهُمْ: مِلَّتِي أفْضَلُ، فَعَرَّفَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أفْضَلَ المِلَلِ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨ إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ ١٠٠ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١ قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ١٠٢ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ ١٠٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً واللهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ الفاءُ في "فَإذا" واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أخَذَتْ في قِراءَةِ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى  ﴾ ، وكَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إذْ أكَلَتْ فَقُلْ بِسْمِ اللهِ.

والِاسْتِعاذَةُ نَدْبٌ عِنْدَ الجَمِيعِ، وحَكى النَقّاشُ عن عَطاءٍ أنَّ التَعَوُّذَ واجِبٌ، ولَفْظُ الِاسْتِعاذَةِ هو عَلى رُتْبَةِ الآيَةِ، وقَدْ ذَكَرْتُ الخِلافُ الَّذِي قِيلَ فِيهِ في صَدْرِ هَذا الكِتابِ.

و"الرَجِيمِ": المَرْجُومُ بِاللَعْنَةِ، وهو إبْلِيسُ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ لَهُ مَلَكَةٌ ولا رِياسَةٌ، هَذا ظاهِرُ "السُلْطانِ" عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ السُلْطانَ إنْ جَعَلْناهُ الحُجَّةَ فَلَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ في الدُنْيا عَلى أحَدٍ، لا مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَأوَّلَ مُتَأوِّلٌ: "لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ يَوْمَ القِيامَةِ"، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحَجَّةِ، لَأنَّ إبْلِيسَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى الكافِرِينَ أنَّهُ دَعاهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ فاسْتَجابُوا لَهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا سُلْطانَ ولا رِياسَةَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ هُمُ المُؤْمِنُونَ أجْمَعُونَ؛ لَأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ سُلْطانَهُ إلّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، والسُلْطانُ مَنفِيٌّ هاهُنا في الإشْراكِ؛ إذْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَلَكَةٌ ما في المَعاصِي، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ  ﴾ ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ إبْلِيسُ: ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ  ﴾ .

و"يَتَوَلَّوْنَهُ" مَعْناهُ: يَجْعَلُونَهُ ولِيًّا، والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والظاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اسْمِ إبْلِيسَ، بِمَعْنى: مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، كَما تَقُولُ لِمُعَلِّمُكَ: أنا عالِمٌ بِسَبَبِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ هم بِسَبَبِهِ مُشْرِكُونَ بِاللهِ، وهَذا الإخْبارُ بِأنْ لا سُلْطانَ لِلشَّيْطانِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِعَقِبِ الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ تَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَصْرِفُ كَيْدَهُ كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلى اللهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً ﴾ ، كانَ كَفّارُ مَكَّةَ إذا نَسَخَ اللهُ لَفْظَ آيَةٍ بِلَفْظِ أُخْرى ومَعْناها وإنَّ بَقِيَ لَفْظُها -لَأنَّ هَذا كُلُّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَبْدِيلُ- يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ، وإنَّما هو مِنَ افْتِراءِ مُحَمَّدٍ، فَهو يَرْجِعُ مَن خَطَأٍ يَبْدُو لَهُ إلى صَوابٍ يَراهُ بَعْدُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ أعْلَمَ بِما يَصْلُحُ لِلْعِبادِ بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، ثُمَّ ما يَصْلُحُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنَزِّلُ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ، وعَبَّرَ بِالأكْثَرِ مُراعاةً لِما كانَ عِنْدَ قَلِيلٍ مِنهم مَن مَوْقِفٍ وقِلَّةِ مُبالَغَةٍ في التَكْذِيبِ وظَنٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا اللَفْظُ قَرَّرَ عَلى قَلِيلٍ مِنهم أنَّهم يَعْلَمُونَ ويَكْفُرُونَ تَمَرُّدًا وعِنادًا.

وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَ أنَّ القُرْآنَ وناسِخَهُ ومَنسُوخَهُ إنَّما نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو رُوحُ القُدُسِ، لا خِلافَ في ذَلِكَ، "والقُدُسِ": المَوْضِعُ المُطَهَّرُ، فَكَأنَّ جِبْرِيلَ أُضِيفَ إلى الأمْرِ المُطَهَّرِ بِإطْلاقٍ، وسَمِّي رُوحًا إمّا لَأنَّهُ ذُو رُوحٍ مِن جُمْلَةِ رُوحِ اللهِ الَّذِي بَثَّهُ في خُلُقِهِ، وخُصَّ هو بِهَذا الِاسْمِ، وإمّا لَأنَّهُ يَجْرِي مِنَ الهِداياتِ والرِسالاتِ ومِنَ المَلائِكَةِ أيْضًا مَجْرى الرُوحِ مِنَ الأجْسادِ لِشَرَفِهِ ومَكانَتِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: القُدْسُ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: مَعَ الحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأحْكامِهِ ومَصالِحِهِ وأخْبارِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" بِمَعْنى حَقًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالحَقِّ في أنْ يَنْزِلَ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ اعْتِراضاتٌ عِنْدَ أصْحابِ الكَلامِ عَلى أُصُولِ الدِينِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ أعْجَمِيٌّ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ بِلْعامُ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يُكَلِّمُهُ ويُعَلِّمُهُ الإسْلامَ ويَرُومُهُ عَلَيْهِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يَعْلَمُ مُحَمَّدًا مِن جِهَةِ الأعاجِمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وسُفْيانُ: كانَ اسْمُ الغُلامِ يَعِيشُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الحَضْرَمِيُّ: كانَ بِمَكَّةَ غُلامانِ، أحَدُهُما اسْمُهُ جَبْرٌ، والثانِي يَسارٌ، وكانا يَقْرَآنِ بِالرُومِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  يَجْلِسُ إلَيْهِما، فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: والإشارَةُ إلى جَبْرٍ، وقالَ الضِحاكُ: الإشارَةُ إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، لَأنَّ سَلْمانَ إنَّما أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِمَكَّةَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِسانُ الَّذِي"، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "اللِسانُ الَّذِي" بِالتَعْرِيفِ وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ في راءِ "بَشَرُ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "يُلْحِدُونَ" بِضَمِّ الياءِ، مَن "ألْحَدَ" إذا مالَ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، مَن "لَحَدَ"، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ، وطَلْحَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ، وهُما بِمَعْنى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي ∗∗∗ لَيْسَ أمِيرِي بِالشَحِيحِ المُلْحِدِ يُرِيدُ: المائِلَ عَنِ الجُودِ وحالِ الرِياسَةِ.

وقَوْلُهُ: "أعْجَمِيٌّ" إضافَةٌ إلى "أعْجَمٍ"؛ لَأنَّهُ كانَ يَقُولُ: "عَجَمِيٌّ"، والأعْجَمُ: هو الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ بِعَرَبِيَّةٍ، وأمّا العَجَمِيُّ فَقَدْ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ ونِسْبَتُهُ قائِمَةٌ.

وقَوْلُهُ: "وَهَذا" إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والتَقْدِيرُ: وهَذا سَرْدُ لِسانٍ، أو نُطْقُ لِسانٍ، فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، وهَذا عَلى أنْ نَجْعَلَ اللِسانَ هُنا الجارِحَةَ، واللِسانُ -فِي كَلامِ العَرَبِ -: اللُغَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ في هَذِهِ، واللِسانُ: الخَبَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ غَيْرُ كاذِبَةٍ.

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لِسانُ السُوءِ تُهْدِيها إلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ وحِنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَحِينا وَحَكى الطَبَرِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِمْ: "بَشَرٌ" إنَّما هي إلى كاتِبٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ  ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ في أواخِرَ الآياتِ: " سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فَيَكْتُبُ هو "عَزِيزٌ حَكِيمٌ" أو نَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِسَماعِ الوَحْيِ فَيُبَدِّلُ هو بِـ "غَفُورٌ رَحِيمٌ" أو نَحْوَهُ، فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في بَعْضِ الآياتِ: هو كَما كَتَبْتَ، فَفُتِنَ وقالَ: أنا أعُلِّمُ مُحَمَّدًا وارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا نَصْرانِيٌّ أسْلَمَ وكَتَبَ ثُمَّ ارْتَدَّ وماتَ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، وإلّا فَهَذا القَوْلُ يُضَعَّفُ؛ لَأنَّ الكاتِبَ المَشْهُورَ الَّذِي ارْتَدَّ لِهَذا السَبَبِ ولِغَيْرِهِ مِن نَحْوِهِ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ العامِرِيُّ، ولِسانُهُ لَيْسَ بِأعْجَمِيٍّ، فَتَأمَّلَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤ إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ١٠٥ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١٠٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ ﴿ مَن كَفَرَ بِاللهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مَن اللهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ المَفْهُومُ مِنَ الوُجُودِ أنَّ الَّذِينَ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ولَكِنَّهُ قَدَّمَ في هَذا التَرْتِيبِ وأخَّرَ تَهَمُّمًا بِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ والتَشْنِيعِ لِخِطابِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَهْدِهِمُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ ﴾ بِمَعْنى: إنَّما يَكْذِبُ، وهَذِهِ مُقاوَمَةٌ لِلَّذِينِ قالُوا لِمُحَمَّدٍ  : "إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ"، و"إنَّما" حاصِرَةٌ أبَدًا، لَكِنَّ حَصْرَها يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَعانِي الَّتِي تَقَعُ فِيها، فَقَدْ يَرْبُطُ المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها حَقِيقِيًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وقَدْ يَقْتَضِي المَعْنى أنْ يَكُونَ حَصْرُها تَجُوُّزًا ومُبالَغَةً، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، وهَكَذا هي في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَفْتَرِي هَذا الصِنْفُ لَأنَّهم إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللهُ، كَذَّبُوا بِها، فَهَذا أفْحَشُ الكَذِبِ.

وكَرَّرَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ لِفائِدَةِ إيقاعِ الصِفَةِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِمْ، إذِ الصِفَةُ بِالشَيْءِ أبْلَغُ مِنَ الخَبَرِ بِهِ؛ لَأنَّ الصِفَةَ تَقْتَضِي الدَوامَ أكْثَرَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ، فَبَدَأ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَبَرِ ثُمَّ أكَّدَ بِالصِفَةِ، وقَدِ اعْتَرَضَ هَذا النَظَرَ مَكِّيٌّ، ولَيْسَ اعْتِراضُهُ بِالقَوِيِّ.

و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "الكاذِبُونَ"، ولَمْ يُجِزِ الزَجّاجُ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ؛ لَأنَّهُ رَأى الكَلامَ إلى آخَرَ الِاسْتِثْناءِ غَيْرَ تامٍّ، فَعَلَّقَهُ بِما قَبْلَهُ، والَّذِي أبى الزَجّاجُ سائِغٌ عَلى ما أُورِدُهُ الآنَ إنْ شاءَ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَتَأيَّدُ بِما رُوِيَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ يُرادُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، ومَقِيسُ بْنُ صَبابَةَ وأشْباهُهُما مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَلَمّا بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أمْرَ الكاذِبِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ أخْرَجَ مِن هَذِهِ الصِفَةِ القَوْمَ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ بِمَكَّةَ، وهم بِلالٌ وعَمّارٌ وسُمَيَّةُ أُمُّهُ وخَبّابٌ وصُهَيْبٌ وأشْباهُهُمْ، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ كانُوا في صَدْرِ الإسْلامِ يُؤْذُونَ مِن أسْلَمَ مِن هَؤُلاءِ لِضَعْفِهِ، ويُعَذِّبُونَهم لِيَرْتَدُوا، فَرُبَّما سامَحَهم بَعْضُهم بِما أرادُوا مِنَ القَوْلِ، رُوِيَ أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَعَلَ ذَلِكَ فاسْتَثْناهُ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَقِيَتِ الرُخْصَةُ عامَّةٌ في الأمْرِ بَعْدَهُ.

ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِأنَّ مِن شَرْح صَدْرًا بِالكُفْرِ فَعَلَيْهِمْ، وهَذا الضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ أمْرَ ابْنُ أبِي سَرْحٍ وأُولَئِكَ إنَّما كانَ ورَسُولَ اللهِ  بِالمَدِينَةِ، والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ ابْتِداءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن شَرَحَ ﴾ تَخْصِيصٌ مِنهُ، ودَخَلَ الِاسْتِثْناءُ لِما ذَكَرْنا مِن إخْراجِ عَمّارٍ وشَبَهِهِ، ودَنا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ الِاسْتِدْراكُ بِلَكِنْ.

وقَوْلُهُ: "فَعَلَيْهِمْ" خَبَرٌ عن "مَنِ" الأولى والثانِيَةِ؛ إذْ هو واحِدٌ بِالمَعْنى؛ لَأنَّ الإخْبارَ في قَوْلِهِ إنَّما قَصَدَ بِهِ الصِنْفَ الشارِحَ بِالكُفْرِ، فَـ "صَدْرًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ مَعْناهُ: انْبَسَطَ إلى الكُفْرِ بِاخْتِيارِهِ، ويُرْوى «أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ شَكا إلى رَسُولِ اللهِ  ما صُنِعَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وما سامَعَ بِهِ مِنَ القَوْلِ، فَقالَ لَهُ: "كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟" قالَ: أجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، قالَ: "فَأجِبْهم بِلِسانِكَ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، وإنْ عادُوا فَعُدْ"،» ويَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ، أمّا مَن عَذَّبَهُ كافِرٌ قادِرٌ عَلَيْهِ لِيَكْفُرَ بِلِسانِهِ، وكانَ العَذابُ يُؤَدِّي إلى قَتْلِهِ فَلَهُ الإجابَةُ بِاللِسانِ قَوْلًا واحِدًا فِيما أحْفَظُ، فَإنْ أرادَ مِنهُ الإجابَةَ بِفِعْلٍ كالسُجُودِ إلى صَنَمٍ ونَحْوَ ذَلِكَ فَفي هَذا اخْتِلافٌ فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: يُجِيبُ بِحَسْبِ التَقِيَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُجِيبُ، ويُسَلِّمُ نَفْسَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنْ كانَ الصَنَمُ نَحْوَ القِبْلَةِ أجابَ، واعْتَقَدَ السُجُودَ لِلَّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أحَراهُ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ حِينَئِذٍ حَيْثُما تَوَجَّهَ، وهَذا مُباحٌ في السَفَرِ لِتَعَبِ النُزُولِ عَنِ الدابَّةِ في التَنَقُّلِ، فَكَيْفَ لِهَذا؟

واحْتَجَّتْ فِرْقَةٌ عَلى التَفْرِيقِ في المَنعِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ"، فَقَصَرَ الرُخْصَةَ عَلى القَوْلِ دُونَ الفِعْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِحُجَّةٍ، لَأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ جَعَلَ الكَلامَ مِثالًا وهو يُرِيدُ أنَّ الفِعْلَ في حُكْمِهِ، وَأمّا الإكْراهُ في البَيْعِ والطَلاقِ والعِتْقِ والفِطْرِ في رَمَضانَ وشُرْبِ الخَمْرِ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعاصِي الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ واللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، قالَهُ مُطَرِّفٌ، ورَواهُ عن مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، ورَوَياهُ عَنِ ابْنِ القاسِمِ عن مالِكٍ، وفَرَّقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بَيْنَ ما مِنها قَوْلٌ كالعِتْقِ والطَلاقِ فَجَعَلَ فِيها التَقِيَّةَ، وقالَ: لا تَقِيَّةَ فِيما كانَ فِعْلًا كَشُرْبِ الخَمْرِ والفِطَرِ في رَمَضانَ، ولا يَحِلُّ فِعْلُها لِمُكْرَهٍ، وأمّا المَظْلُومُ فَيَضْغَطُ حَتّى يَبِيعَ مَتاعَهُ، فَذَلِكَ بَيْعٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وهو أولى بِمَتاعِهِ يَأْخُذُهُ بِلا ثَمَنٍ، ويَبِيعُ المُشْتَرِي بِالثَمَنِ ذَلِكَ الظالِمَ، فَإنْ فاتَ المَتاعُ رَجَعَ بِثَمَنِهِ أو بِقِيمَتِهِ -بِالأكْثَرِ مِن ذَلِكَ- عَلى الظالِمِ إذا كانَ المُشْتَرِي غَيْرَ عالِمٍ بِظُلْمِهِ، قالَ مُطَرِّفٌ: ومَن كانَ مِنَ المُشْتَرِينَ يَعْلَمُ حالَ المُكْرَهِ فَإنَّهُ ضامِنٌ لِما ابْتاعَ مِن رَقِيقِهِ وعُرُوضِهِ كالغاصِبِ، وأمّا مَن لا يَعْلَمُ فَلا يَضْمَنُ العُرُوضَ والحَيَوانَ، وإنَّما يَضْمَنُ ما كانَ تَلَفُهُ بِسَبَبِهِ، مِثْلَ طَعامٍ أكْلَهُ، أو ثَوْبِ لَبِسَهُ، والغَلَّةُ -إذا عَلِمَ أو لَمْ يَعْلَمْ- لَيْسَتْ لَهُ بِحالٍ، هو لَها ضامِنٌ كالغاصِبِ، وقالَهُ أصْبَغُ وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قالَ مُطَرِّفٌ: وكُلُّ ما أحْدَثَ المُبْتاعُ في ذَلِكَ مِن عِتْقٍ أو تَدْبِيرٍ أو تَحْبِيسٍ فَلا يَلْزَمُ المُكْرَهُ، ولَهُ أخْذُ مَتاعِهِ.

وأمّا الإكْراهُ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ أو جَلْدِهِ وأخْذِ مالِهِ أو بَيْعِ مَتاعِهِ فَلا عُذْرَ فِيهِ، ولا اسْتِكْراهَ في رُكُوبِ مَعْصِيَةٍ تُنْتَهَكُ مِن أحَدٍ كالزِنى والقَتْلِ أو نَحْوَهُ، قالَ مُطَرِّفٌ، وأصْبَغُ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: لا يَفْعَلُ أحَدٌ ذَلِكَ وإنْ قُتِلَ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإنْ فَعَلَ فَهو آثِمٌ ويَلْزَمُهُ الحَدُّ والقَوَدُ، وقالَ مالِكٌ: القَيْدُ إكْراهٌ، والسَجْنُ إكْراهٌ، والوَعِيدُ المُخَوِّفُ إكْراهٌ وإنْ لَمْ يَقَعْ إذا تَحَقَّقَ ظُلْمُ ذَلِكَ المُتَعَدِّي وإنْفاذُهُ لِما يَتَوَعَّدُ، ويَعْتَبِرُ الإكْراهَ عِنْدِي بِحَسْبَ هِمَّةِ المُكْرَهِ وقَدْرِهِ في الدِينِ، وبِحَسْبِ قَدْرِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ الضَرْبُ إكْراهًا في شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَلِهَذِهِ النَوازِلِ فَقْهُ الحالِ، وأمّا يَمِينُ المُكْرَهِ كَما قُلْنا فَهي غَيْرُ لازِمَةٍ، قالَ ابْنُ الماجَشُونُ: وسَواءٌ حَلَفَ فِيما هو لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى طاعَةٌ أو مَعْصِيَةٌ إذا أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ، قالَهُ أصْبَغُ، وقالَ مُطَرِّفٌ: إنْ أُكْرِهَ عَلى اليَمِينِ فِيما هو لِلَّهِ تَعالى مَعْصِيَةٌ أو فِيما لَيْسَ في فِعْلِهِ طاعَةٌ ولا مَعْصِيَةٌ فاليَمِينُ فِيهِ ساقِطَةٌ، إنْ أُكْرِهْ عَلى اليَمِينِ فِيما هو طاعَةٌ مِثْلَ أنْ يَأْخُذَ الوالِي رَجُلًا فاسِقًا فَيُكْرِهُهُ أنْ يَحْلِفَ بِالطَلاقِ أنْ لا يَشْرَبَ خَمْرًا، أو لا يَفْسُقُ، أو لا يَغُشُّ في عَمَلِهِ، أوِ الوالِدُ يُحَلِّفُ ولَدَهُ في مِثْلِ هَذا تَأْدِيبًا لَهُ فَإنَّ اليَمِينَ تَلْزَمُ وإنْ كانَ المُكْرَهُ قَدْ أخْطَأ فِيما تَكَلَّفَ مِن ذَلِكَ، وقالَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ.

وأمّا إنْ أُكْرِهَ رَجُلٌ عَلى أنْ يَحْلِفَ وإلّا أُخِذَ لَهُ مالٌ -كَأصْحابِ المَكْسِ، وظَلَمَةِ السُعاةِ، وأهْلِ الِاعْتِداءِ- فَقالَ مُطَرِّفٌ: لا تَقِيَّةَ في ذَلِكَ، وإنَّما يَدْرَأُ المَرْءُ بِيَمِينِهِ عن بَدَنِهِ لا عن مالِهِ، وقالَ ابْنُ الماجَشُونُ: لا يَحْنَثُ وإنْ دَرَأ عن مالِهِ ولَمْ يَخَفْ عَلى بَدَنِهِ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ، ورَواهُ عن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وقالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وأصْبَغُ، وابْنُ حَبِيبٍ.

قالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجَشُونُ: وإنْ بَدْرَ الحالِفُ بِيَمِينِهِ لِلْوالِي الظالِمِ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُ لِيَذُبَّ بِها عَمّا خافَ عَلَيْهِ مِن بَدَنِهِ ومالِهِ فَحَلَفَ لَهُ فَإنَّها تَلْزَمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وأصْبَغُ، وقالَ أيْضًا ابْنُ الماجَشُونُ فِيمَن أخَذَهُ ظالِمٌ فَحَلَفَ لَهُ بِالطَلاقِ البَتَّةَ مِن غَيْرِ أنْ يُحَلِّفَهُ وتَرَكَهُ وهو كاذِبٌ، وإنَّما حَلَفَ خَوْفًا مِن ضَرْبِهِ وقَتْلِهِ أو أخْذِ مالِهِ، فَإنْ كانَ إنَّما يَتَبَرَّعُ بِاليَمِينِ غَلَبَةَ خَوْفٍ ورَجاءَ النَجاةِ مِن ظُلْمِهِ فَقَدْ دَخَلَ في الإكْراهِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلى رَجاءِ النَجاةِ فَهو حانِثٌ، وإذا اتَّهَمَ الوالِي أحَدًا بِفِعْلِ أمْرٍ فَقالَ لَهُ: لا بُدَّ مِن عُقُوبَتِكَ إلّا أنْ تَحْلِفَ لِي، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مِمّا لِذَلِكَ المُكْرَهِ فِعْلُهُ -إمّا أنْ يَكُونَ طاعَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ لا طاعَةَ ولا مَعْصِيَةَ- فالتَقِيَّةُ في هَذا، وأمّا إنْ كانَ الأمْرُ مِمّا لا يَحِلُّ لَهُ فِعْلُهُ ويَكُونُ حَظْرَ الوالِي فِيهِ صَوابًا فَلا تَقِيَّةَ في اليَمِينِ، وهو حانِثٌ، قالَهُ مالِكٌ، وابْنُ الماجَشُونُ.

فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن مَسائِلِ الإكْراهِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٠٧ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ ١٠٨ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٠٩ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١١٠ ۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عن نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ والعَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والضَمِيرُ في "أنَّهُمْ" لِمَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُصَدِّقِينَ بِالآخِرَةِ، لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بَيِّنٌ، فَمِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلَّقَ فِيها العِقابَ بِتَكَسُّبِهِمْ وذَلِكَ أنَّ اسْتِحْبابَهم زِينَةَ الدُنْيا ولَذّاتِ الكُفْرِ هو التَكَسُّبُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ كُفْرَ الكافِرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العِقابُ إنَّما هو بِاخْتِراعٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَكَسُّبٍ مِنَ الكافِرِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَلى هَذا مَرَّتْ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ عُمُومٌ عَلى أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم كُفّارٌ في نَفْسِ كُفْرِهِمْ، أو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ الآيَةُ، عِبارَةٌ عن صَرْفِ اللهِ لَهم عن طَرِيقِ الهُدى، واخْتِراعِ الكَفْرِ المُظْلِمِ في قُلُوبِهِمْ، وتَغْلِيبِ الإعْراضِ عَلى نَظَرِهِمْ، فَكَأنَّهُ سَدَّ بِذَلِكَ طُرُقَ هَذِهِ الحَواسِّ حَتّى لا يُنْتَفَعَ بِها في اعْتِبارٍ وتَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ وذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الطَبْعِ والخَتْمِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ.

و"السَمْعُ": اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، ونَبَّهَ عَلى تَكَسُّبِهِمُ الإعْراضَ عَنِ النَظَرِ فَوَصَفَهم بِالغَفْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ "لا جَرَمَ" في هَذِهِ السُورَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: وكُتِبَ بِها إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وأنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ  ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ﴾ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: جاءَتِ الرِوايَةُ هَكَذا أنَّهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ خَرَجُوا، فَيَجِيءُ الجِهادُ الَّذِي ذُكِرَ في الآيَةِ جِهادُهم مَعَ رَسُولِ اللهِ  عَلى الإسْلامِ، ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ، فَمَعْنى بِالجِهادِ المَذْكُورِ جِهادُهم لِمُتَّبِعِيهِمْ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعِياشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا عِنْدِي غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مَن تابَ مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، فَتَحَ اللهُ لَهم بابَ التَوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، والحُسْنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ.

وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، وإنْ وُجِدَ فَهو ضَعِيفٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا" بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِفَتْحِها، فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَيَجِيءُ بِمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوْا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ، كَما فَعَلَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ.

والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أو عَلى الفَعْلَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها، وإنْ لَمْ يَجُرْ لَها ذَكْرٌ صَرِيحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ ﴾ ، المَعْنى: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أيْ: "كُلُّ ذِي نَفْسٍ".

ثُمَّ أجْرِي الفِعْلَ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ فَأنَّثَ العَلامَةَ، و"نَفْسٍ" الأولى هي النَفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثانِيَةُ هي بِمَعْنى الذاتِ، كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ ذاتُهُ.

﴿ وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أيْ: تُجازى، كُلُّ مَن أحْسَنَ بِإحْسانِهِ، وكُلُّ مَن أساءَ بِإساءَتِهِ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجادِلُ، مُؤْمِنَةً كانَتْ أو كافِرَةً، فَإذا جادَلَ الكَفّارُ بِكَذِبِهِمْ وجَحْدِهِمْ لِلْكُفْرِ شَهِدَتْ عَلَيْهِمُ الجَوارِحُ والرُسُلُ وغَيْرَ ذَلِكَ بِحَسْبِ الطَوائِفِ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ، ﴿ وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ ، فَتَجْتَمِعُ آياتُ القُرْآنِ بِاخْتِلافِ المُواطِنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ١١٢ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ ١١٣ فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللهُ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهُ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: القَرْيَةُ المَضْرُوبُ بِها المَثَلَ مَكَّةُ، كانَتْ بِهَذِهِ الصِفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ؛ لَأنَّها كانَتْ لا تُغْزى ولا يُغِيرُ عَلَيْها أحَدٌ، وكانَتِ الأرْزاقُ تُجْلَبُ إلَيْها، وأنْعَمَ اللهُ عَلَيْها بِرَسُولِهِ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهَذِهِ الضَمائِرِ كُلِّها أهْلُ القَرْيَةِ فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللهِ في ذَلِكَ وفي جُمْلَةِ الشَرْعِ والهِدايَةِ، فَأصابَتْهُمُ السِنُونَ والخَوْفُ وسائِرُ سَرايا رَسُولِ اللهِ  وغَزَواتِهِ، هَذا إنْ كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةٌ فَجُوعُ السِنِينَ وخَوْفُ العَذابِ مِنَ اللهِ بِحَسْبِ التَكْذِيبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَتْ هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا فَإنَّما ضُرِبَتْ لِغَيْرِها مِمّا يَأْتِي بَعْدَها لِيَحْذَرَ أنْ يَقَعَ فِيما وقَعَتْ هي فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها كانَتْ تَسْألُ في وقْتِ حَصْرِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما صَنَعَ الناسُ؟

وهي صادِرَةٌ مِنَ الحَجِّ مِن مَكَّةَ، فَقِيلَ لَها: قُتِلَ، فَقالَتْ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها القَرْيَةُ -تَعْنِي المَدِينَةَ- الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأدْخَلَ الطَبَرِيُّ هَذا عَلى أنَّ حَفْصَةَ قالَتْ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ وإنَّها هي الَّتِي ضُرِبَتْ مَثَلًا، والأمْرُ عِنْدِي لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما أرادَتْ أنَّ المَدِينَةَ قَدْ حَصَلَتْ في مَحْذُورِ المَثَلِ، وحَلَّ بِها ما حَلَّ بِالَّتِي جُعِلَتْ مَثَلًا، وكَذَلِكَ يَتَوَجَّهُ عِنْدِي في الآيَةِ أنَّها قُصِدَ بِها قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ جُعِلَتْ مَثَلًا، لَكِنَّهُ عَلى مَعْنى التَحْذِيرِ لِأهْلِها ولِغَيْرِها مِنَ القُرى إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

و"رَغَدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"أنْعُمِ" جَمْعُ نِعْمَةٍ، كَشِدَّةٍ وأشُدٍّ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: أنْعُمٌ: جَمْعُ نُعْمٍ، وهي بِمَعْنى النَعِيمِ، يُقالُ: هَذِهِ أيّامُ نُعْمٍ وطُعْمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ ﴾ اسْتِعاراتٌ، أيْ: لَمّا باشَرَهم ذَلِكَ صارَ كاللِباسِ، وهَذا كَقَوْلِ الأعْشى: إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ لِباسًا ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ لَبِسَتْ بَعْدَ الزُبَيْرِ مُجاشِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثِيابَ الَّتِي حاضَتْ ولَمْ تَغْسِلِ الدَمّا كَأنَّ العارَ لَمّا باشَرَهم وأُلْصِقَ بِهِمْ جَعَلَهم لَبِسُوهُ.قَوْلُهُ: "أذاقَها" نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ ، ونَظِيرَ قَوْلِ الشاعِرِ: دُونَكَ ما جَنَيْتَهُ فاخْشَ وذُقْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والخَوْفِ" عَطَفًا عَلى "الجُوعِ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عنهُ-: "والخَوْفَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ "لِباسَ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِباسَ الخَوْفِ والجُوعِ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَأذاقَها اللهُ الخَوْفَ والجُوعَ" ولا يُذْكَرُ "لِباسَ".

والضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ مَكَّةَ، والرَسُولِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، و"العَذابُ": الجُوعُ وأمْرُ بَدْرٍ ونَحْوَ ذَلِكَ إنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَكَّةَ وكانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وإنْ كانَتْ مَكِّيَّةً فَهو الجُوعُ فَقَطْ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ القَتْلُ بِبَدْرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنْ كانَ التَمْثِيلُ بِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "جاءَهُمْ" لِأهْلِ تِلْكَ المَدِينَةِ، ويَكُونُ هَذا مِمّا جَرى فِيها كَمَدِينَةِ شُعَيْبٍ وغَيْرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ المَذْكُورُ لِأهْلِ مَكَّةَ، فَتَأمَّلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ﴾ الآيَةُ، هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ ومَعْنى حُكْمٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَكُلُوا" لِصِلَةِ الكَلامِ واتِّساقِ الجُمَلِ، خَرَجَ مِن ذِكْرِ الكافِرِينَ والمَثَلَ عَلَيْهِمْ إلى أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِشَرْعٍ ما فَوَصَلَ الكَلامَ بِالفاءِ، ولَيْسَتِ المَعانِي مُوصَلَةً.

هَذا قَوْلٌ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلُ المَعْنى، أيْ: وأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كَهَذِهِ القَرْيَةِ، فَكُلُوا واشْكُرُوا اللهَ عَلى تَبايُنِ حالِكم مِن حالِ الكَفَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي بِسَبَبِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا قَدْ سَنُّوا في الأنْعامِ سُنَنًا، وأحَلُّوا بَعْضًا وحَرَّمُوا بَعْضًا، فَأمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ جَمِيعِ الأنْعامِ الَّتِي رَزَقَها اللهُ عِبادَهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "طَيِّبًا"، والصَحِيحُ أنَّهُ "مُسْتَلَذًّا" بَعْدَ قَوْلِهِ: "حَلالًا"، ووَقَعَ النَصُّ في هَذا عَلى المُسْتَلَذِّ إذْ فِيهِ ظُهُورُ النِعْمَةِ، وهو عِظَمُ النِعَمِ، وإنْ كانَ الحَلالُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَلَذٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَيِّبُ بِمَعْنى الحَلالِ، وكَرَّرَهُ مُبالِغَةً وتَوْكِيدًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ إقامَةٌ لِلنُّفُوسِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ فافْعَلْ كَذا، عَلى مَعْنى إقامَةِ نَفْسِهِ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِلْكُفّارِ عن طَعامٍ كانَ رَسُولُ اللهِ  بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في جُوعِهِمْ، وأنْحى الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وكَذَلِكَ هو فاسِدٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١١٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ حَصَرَتْ "إنَّما" هَذِهِ المُحَرَّماتِ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، ثُمَّ نَزَلَتِ المُحْرِماتُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "المَيْتَةَ" مُخَفَّفًا، وشَدَّدَها أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ، وهو الأصْلُ، والتَخْفِيفُ طارِئٌ عَلَيْهِ، والعامِلُ في نَصْبِها "حَرَّمَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "المَيْتَةُ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَوْنُ "ما" مُتَّصِلَةً بِـ "إنَّ" يُضَعِّفُ هَذا ويَحْكم بِأنَّها حاصِرَةٌ و"ما" كافَّةٌ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى "الَّذِي" فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً، وذَلِكَ خِلافَ خَطِّ المُصْحَفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَرَّمَ" عَلى مَعْنى: حَرَّمَ اللهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "حُرِّمَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلَهُ، وهَذا بِرَفْعِ "المَيْتَةِ" ولا بُدَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَيْتَةُ المُحَرَّمَةُ هي ما ماتَ مِن حَيَوانِ البَرِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ حَتْفَ أنْفِهِ، وأمّا ما لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ كالجَرادِ والذُبابِ والبَراغِيثِ ودُودِ التِينِ وحَيَوانِ الفُولِ وما ماتَ مِنَ الحُوتِ حَتْفَ أنْفِهِ وطَفا عَلى الماءِ فَفِيهِ قَوْلانِ في المَذْهَبِ، وما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَعِيشُ في الماءِ وفي البَرِّ كالسَلاحِفِ ونَحْوَها فَفِيهِ قَوْلانِ، والمَنعُ هُنا أظْهَرَ، إلّا أنْ يَكُونَ الغالِبُ عَلَيْهِ العَيْشَ في الماءِ.

والدَمُ المُحَرَّمُ هو المُنْسَفِحُ الَّذِي يَسِيلُ إنْ تُرِكَ مُفْرَدًا، وأمّا ما خالَطَ اللَحْمَ وسَكَنَ فِيهِ فَحَلالٌ طَبْخُ ذَلِكَ اللَحْمِ بِهِ، ولا يُكَلَّفُ أحَدٌ تَتْبَعُهُ، ودَمُ الحُوتِ مُخْتَلَفٌ في تِحْلِيلِهِ وإنْ كانَ يَنْسَفِحُ لَوْ تُرِكَ.

ولَحْمُ الخِنْزِيرِ هو مُعْظَمُهُ والمَقْصُودُ الأظْهَرُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِالذِكْرِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ وغَضارِيفِهِ، ومِن تَخْصِيصِهِ اسْتَدَلَّتْ فِرْقَةٌ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِجِلْدِهِ إذا دُبِغَ ولِبْسِهِ، والأُولى تَحْرِيمُهُ جُمْلَةً، وأمّا شِعْرُهُ فالِانْتِفاعُ بِهِ مُباحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، والأوَّلُ أرْجَحُ.

﴿ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ﴾ ، يُرِيدُ كُلَّ ما نُوِيَ بِذَبْحِهِ غَيْرُ التَقَرُّبِ إلى اللهِ والقِرَبُ إلى سِواهُ، وسَواءً تَكَلَّمَ بِذَلِكَ عَلى الذَبِيحَةِ أو لَمْ يَتَكَلَّمْ، لَكِنْ خَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِـ "أُهِلَّ"، ومَعْناهُ صَحِيحٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، وقُصِدَ الغَضُّ مِنها، وذَلِكَ أنَّها كانَتْ إذا ساقَتْ ذَبِيحَةً إلى صَنَمٍ جَهَرَتْ بِاسْمِ ذَلِكَ الصَنَمِ وصاحَتْ بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أُكْرِهَ، وقالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: اضْطَرَّهُ جُوعٌ واحْتِياجٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَمَنُ" بِضَمِّ النُونِ "اضْطُرَّ" بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَمَنِ" بِكَسْرِ النُونِ "اضْطِرَّ" بِكَسْرِ الطاءِ عَلى أنَّ الأصْلَ: "اضْطُرِرَ"، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الراءِ إلى الطاءِ وأُدْغِمَتِ الراءُ في الراءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو صاحِبُ البَغْيِ عَلى الإمامِ، أو في قَطْعِ الطَرِيقِ، وبِالجُمْلَةِ في سَفَرِ المَعاصِي، والعادِي بِمَعْناهُ في أنَّهُ يَنْوِي المَعْصِيَةَ، وقالَ الجُمْهُورُ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ مَعْناهُ: غَيْرَ مُسْتَعْمِلٍ لِهَذِهِ المُحَرَّماتِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِها، ﴿ وَلا عادٍ ﴾ مَعْناهُ: لا يَعْدُو حُدُودَ اللهِ في هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ وأعَمُّ في الرُخْصَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: باغٍ وعادٍ في الشِبَعِ والتَزَوُّدِ، واخْتَلَفَ الناسُ في صُورَةِ الأكْلِ مِنَ المَيْتَةِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الجائِزُ مِن ذَلِكَ ما يُمْسِكُ الرَمَقَ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَجُوزُ الشِبَعُ التامُّ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ -مِنهم مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ-: يَجُوزُ الشِبَعُ والتَزَوُّدُ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ في قَوْلِهِ: "عادٍ": إنَّهُ مَقْلُوبٌ مِن عائِدٍ، فَهو كَشاكِي السِلاحِ، وكَيَوْمِ راحٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِيُّ وَقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَقْتَضِي مِنهُ الإباحَةَ لِلْمُضْطَرِّ، وخَرَجَتِ الإباحَةُ في هَذِهِ الألْفاظِ تَحَرُّجًا وتَضْيِيقًا في أمْرِها، لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى عِظَمِ الخَطَرِ في هَذِهِ المُحَرَّماتِ، فَغايَةُ هَذا المُرَخَّصِ لَهُ غُفْرانُ اللهِ لَهُ وحَطُّهُ عنهُ ما كانَ يَلْحَقُهُ مِنَ الإثْمِ لَوْلا ضَرُورَتُهُ، وهَذا التَخْرِيجُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَفْهَمُهُ الفُصَحاءُ مِنَ اللَفْظِ، ولَيْسَ في المَعْنى مِنهُ شَيْءٌ، وإنَّما هو إيحاءٌ، وكَذَلِكَ جَعَلَ غايَتَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنْ لا إثْمَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ "لا إثْمَ عَلَيْهِ" وقَوْلُهُ: "هُوَ لَهُ مُباحٌ" يَرْجِعانِ إلى مَعْنى واحِدٍ فَإنَّ في هَيْئَةِ اللَفْظَيْنِ خِلافًا.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلٌۭ وَهَـٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ١١٦ مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١١٧ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ١١٨ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١١٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ وأحَلُّوا ما في بُطُونِ الأنْعامِ وإنْ كانَتْ مَيْتَةً، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ  ﴾ ، والآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ ما كانَ لَهم مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فَإنَّهُ كُلَّهُ افْتِراءٌ مِنهُمْ، ومِنهُ ما جَعَلُوهُ في الشُهُورِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "الكَذِبَ" بِفَتْحِ الكافِ والباءِ وكَسْرِ الذالِ، و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: لِوَصْفِ ألْسِنَتِكم.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وأبُو مَعْمَرٍ، والحَسَنُ: "الكَذِبِ" بِخَفْضِ الباءِ عَلى البَدَلِ مِن "ما".

وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "الكُذُبُ" بِضَمِّ الكافِ والذالِ والباءِ، عَلى صِفَةِ الألْسِنَةِ.

وقَرَأ مُسْلِمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "الكُذُبَ" بِفَتْحِ الباءِ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ كِذابٍ كَكُتُبٍ وكِتابٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ هَذا حَلالٌ ﴾ إشارَةٌ إلى مَيْتَةِ بُطُونِ الأنْعامِ وكُلِّ ما أحَلُّوا، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهَذا حَرامٌ ﴾ إشارَةٌ إلى البَحائِرِ والسَوائِبِ وكُلِّ ما حَرَّمُوا، وقَوْلُهُ: "لِتَفْتَرُوا عَلى اللهِ الكَذِبَ"، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ في فَواحِشِهِمُ الَّتِي هي إحْداها: ﴿ وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ كانَ شَرْعُهم لِاتِّباعِهِمْ سُنَنًا لا يَرْضاها اللهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، لَأنَّ مَن شَرَعَ أمْرًا فَكَأنَّهُ قالَ لِأتْباعِهِ: هَذا هو الحَقُّ، وهَذا مُرادُ اللهِ.

ثُمَّ أخْبَرَهُمُ اللهُ أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ لا يَبْلُغُونَ الأمَلَ، والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ، فَطَوْرا يَكُونُ في البَقاءِ، كَما قالَ الشاعِرُ: والمُسْيُ والصُبْحُ لا بَقاءَ مَعَهْ.

ويُشْبِهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ ، وقَدْ يَكُونُ في نَجْحِ المَساعِي، ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٌ: أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ وقَوْلُهُ: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ إشارَةٌ إلى عَيْشِهِمْ في الدُنْيا، ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا ﴾ الآيَةُ، لَمّا قَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أعْلَمَ أيْضًا بِما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِيُبَيِّنَ تَبْدِيلَهُمُ الشَرْعَ فِيما اسْتَحَلُّوا مِن ذَلِكَ وفِيما حَرَّمُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن ذِي الظُفُرِ والشُحُومِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: لَمْ نَضَعِ العُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هم طَرَقُوا إلى ذَلِكَ، وجاءَ مِن تَشَبُّثِهِمْ بِالمَعاصِي ما أوجَبَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِجَمِيعِ العالِمِ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى فِيها أنَّهُ يَغْفِرُ لِلتّائِبِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللهِ، وفَعَلُوا الأفاعِيلَ المَذْكُورَةَ، فَهم إذا تابُوا مَن كُفْرِهِمْ بِالإيمانِ، وأصْلَحُوا بِأعْمالِ الإسْلامِ، -غَفَرَ اللهُ لَهُمْ، وتَناوَلَتْ هَذِهِ -بَعْدَ ذَلِكَ- كُلَّ واقِعٍ تَحْتَ لَفْظِها مِن كافِرٍ وعاصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَهالَةُ: العَمْدُ، والجَهالَةُ عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَتْ ضِدَّ العِلْمِ، بَلْ هي تَعَدِّي الطَوْرَ ورُكُوبُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أو أجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"،» وهي الَّتِي في قَوْلِ الشاعِرِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا والجَهالَةُ الَّتِي هي ضِدُّ العِلْمِ تَصْحَبُ هَذِهِ الأُخْرى كَثِيرًا، ولَكِنْ يَخْرُجُ مِنها المُتَعَمَّدُ، وهو الأكْثَرُ، وقَلَّما يُوجَدُ في العُصاةِ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِحَظْرِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تُواقَعُ.

والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى التَوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٢٠ شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٢١ وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٢٢ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٢٣ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٢٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ لَمّا كَشَفَ اللهُ فِعْلَ اليَهُودِ وتَحَكُّمَهم في شَرْعِهِمْ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ بُعْدُهم عن شَرْعِ إبْراهِيمَ والدَعْوى فِيهِ، أنْ يَصِفَ حالَ إبْراهِيمَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ قُرَيْشٍ أيْضًا.

والأُمَّةُ في اللُغَةِ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تَقَعُ لِلْخَيْرِ، والعامَّةِ، والجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ الرَجُلُ العالِمُ أوِ المَلِكُ أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ بِالناسِ الكَثِيرِ فَيُسَمّى أُمَّةً، وعَلى هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أُمَّةً، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وقالَ في بَعْضِ أوقاتِهِ: إنْ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ لَهُ: أبُو قُرَّةَ الكَنَدِيُّ، أو فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما هو إبْراهِيمُ كانَ أُمَّةً قانِتًا، فَقالَ: أتُدْرِي ما الأُمَّةُ؟

هو مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويُطِيعُ اللهَ ورَسُولَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: سَمِّي إبْراهِيمُ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -أظُنُّهُ أبا الحَسَنِ الأخْفَشَ-: الأُمَّةُ فِعْلَةٌ مِن أمَّ يَؤُمُّ، فَهو كالهَمْزَةِ والضِحْكَةِ، أيْ: يُؤْتَمُّ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "أُمَّةً" -عَلى هَذا- صِفَةٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ اسْمٌ لَيْسَ بِصِفَةٍ.

و"القانِتُ": المُطِيعُ الدائِمُ عَلى العِبادَةِ، و"الحَنِيفُ": المائِلُ إلى الخَيْرِ والإصْلاحِ، وكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ، لِمَن يَخْتَتِنُ ويَحُجُّ البَيْتَ: حَنِيفًا، وحَذْفُ النُونِ مِن "لَمْ يَكُ" لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَحَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ ولا أدْرِ، وهو أيْضًا لِشَبَهِ النُونِ في حالِ سُكُونِها حُرُوفَ العِلَّةِ لَغُنَّتْها وخِفَّتِها وأنَّها قَدْ تَكُونُ عَلّامَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَأنَّ "لَمْ" هُنا دَخَلَتْ عَلى "يَكُنْ" في حالِ الجَزْمِ، ولا تُحْذَفُ النُونُ إذا لَمْ تَكُنْ ساكِنَةً في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ولا تُحْذَفُ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِعْرِ فَقَدْ جاءَتْ مَحْذُوفَةً، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ مُشِيرٌ إلى حالِ تَبَرُّئِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ ومُشْرِكِي اليَهُودِ، إذْ كُلُّهُمُ ادَّعاهُ، ويَلْزَمُ الإشْراكُ اليَهُودَ مِن جِهَةِ تَجْسِيمِهِمْ.

و"شاكِرًا" صِفَةٌ لِإبْراهِيمَ تابِعَةٌ ما تَقَدَّمَ، و"الأنْعُمُ": جَمْعُ نِعْمَةٍ، و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ في الدُنْيا حَسَنَةً ﴾ ، الحَسَنَةُ: لِسانُ الصِدْقِ وإمامَتُهُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أمَةٍ مُتَشِرِّعَةٍ فَهي مُقِرَّةٌ أنَّ إيمانَها إيمانُ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ قُدْوَتُها، وأنَّهُ كانَ عَلى الصَوابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ بِمَعْنى: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، أيْ: مِنَ الصالِحِينَ في أحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، أو بِمَعْنى أنَّهُ في الآخِرَةِ مِمَّنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الصالِحِينَ في الدُنْيا، وهَذا عَلى أنَّ الآيَةَ وصْفُ حالَيْهِ في الدارَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: في أعْمالِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا وصْفُ حالَتِهِ في الأعْمالِ الدُنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

الوَحْيُ إلى مُحَمَّدٍ  بِهَذا مِن جُمْلَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي آتاها اللهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وأمْرُ الفاضِلِ بِاتِّباعِ المَفْضُولِ لَمّا تَقَدَّمُ إلى الصَوابِ والعَمَلِ بِهِ، و"أنِ" في قَوْلِهِ: ﴿ أنِ اتَّبِعْ ﴾ مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَعْوِلَةً، و"المِلَّةُ": الطَرِيقَةُ في عَقائِدِ الشَرْعِ، و"حَنِيفًا" حالٌ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلِيَّةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "اتَّبِعْ" قالَ مَكِّيٌّ: ولا يَكُونُ حالًا مِن إبْراهِيمَ" ؛ لَأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَما قالَ؛ لَأنَّ الحالَ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ حُرُوفُ الخَفْضِ إذا عَمِلَتْ في ذِي الحالِ، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قائِمًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَبْتُ ﴾ ، أيْ: لَمْ يَكُنْ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإنَّما جَعَلَهُ اللهُ فَرْضًا عاقَبَ بِهِ القَوْمَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجْعَلُوا مِنَ الجُمْعَةِ يَوْمًا مُخْتَصًّا بِالعِبادَةِ، وأمَرَهم أنْ يَكُونَ الجُمْعَةَ، فَقالَ جُمْهُورُهُمْ: بَلْ يَكُونُ يَوْمَ السَبْتِ لَأنَّ اللهَ فَرَغَ فِيهِ مَن خَلْقِ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ نَقْبَلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَراجَعَهُمُ الجُمْهُورُ، فَتابَعَهُمُ الآخَرُونَ، فَألْزَمَهُمُ اللهُ يَوْمَ السَبْتِ إلْزامًا قَوِيًّا عُقُوبَةً مِنهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ثُبُوتٌ، بَلْ عَصَوْا فِيهِ وتَعَدُّوا فَأُهْلِكُهم.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّما أنْزَلْنا السَبْتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "جَعَلَ" بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى اخْتَلَفُوا في اليَوْمِ الَّذِي يَخْتَصُّ مِنَ الجُمْعَةِ، فَأخَذَ هَؤُلاءِ السَبْتَ، وهَؤُلاءِ الأحَدَ، فَهَدانا اللهُ نَحْنُ إلى يَوْمِ الجُمْعَةِ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ"،» فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ المَذْكُورُ في الآيَةِ هو الِاخْتِلافُ الَّذِي في الحَدِيثِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ١٢٥ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّـٰبِرِينَ ١٢٦ وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ١٢٧ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ١٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبِّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ ﴾ ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، أمْرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ إلى اللهِ وشَرْعِهِ بِتَلَطُّفٍ، وهو أنْ يَسْمَعَ المَدْعُوُّ حُكْمَهُ، وهو الكَلامُ الصَوابُ القَرِيبُ الواقِعُ في النَفْسِ أجْمَلُ مَوْقِعٍ، و"المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ": التَخْوِيفُ والتَوْجِيهُ والتَلَطُّفُ بِالإنْسانِ، بِأنْ يُجِلَّهُ ويُنَشِّطَهُ ويَجْعَلَهُ بِصُورَةِ مَن يَقْبَلُ الفَضائِلَ، فَهَذِهِ حالَةُ مَن يُدْعى، وحالَةُ مَن يُجادِلُ دُونَ مُخاشَنَةٍ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ دُونَ قِتالٍ، والكَلامُ يُعْطِي أنَّ جِدَّكَ وهَمَّكَ وتَعَبَكَ لا يُغْنِي؛ لَأنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ مَن يُؤْمِنُ مِنهم ويَهْتَدِي، وعِلْمَ مَن يَضِلُّ، فَجُمْلَةُ المَعْنى: اسْلُكْ هَذِهِ السَبِيلَ ولا تَلْجَأْ لِلْمُخاشَنَةِ فَإنَّها غَيْرُ مُجْدِيَةٍ، لَأنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ سَبَقَ بِالمُهْتَدِي مِنهم والضالِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَحْكَمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وألّا يَتَعَدّى مَعَ الكَفَرَةِ مَتى احْتِيجَ إلى المُخاشَنَةِ وهو مَنسُوخٌ لا مَحالَةَ.

وأمّا مَن أمْكَنَتْ مَعَهُ هَذِهِ الأحْوالُ مِنَ الكَفّارِ، ويُرْجى إيمانُهُ بِها دُونَ قِتالٍ، فَهي فِيهِ مَحْكَمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا فَهي مُحَكَّمَةٌ في جِهَةِ العُصاةِ، فَهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُوعَظَ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا ﴾ الآيَةُ، أطْبَقَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في يَوْمِ أُحُدٍ، ووَقَعَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وفي كِتابِ السِيَرِ، وذَهَبَ النُحاسُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَها مِنَ المَكِّيِّ اتِّصالًا حَسَنًا، لَأنَّها تَتَدَرَّجُ الرُتَبُ مِنَ الَّذِي يُدْعى ويُوعَظُ، إلى الَّذِي يُجادِلُ، إلى الَّذِي يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولَكِنْ ما رَوى الجُمْهُورُ أثْبَتَ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ﴾ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الآيَةِ عَلى ما رَوى الجَمْعُ «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا مَثَّلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: "لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لِأُمَثِّلُنَّ بِثَلاثِينَ -وَفِي كِتابِ النُحاسِ وغَيْرِهِ: بِسَبْعِينَ- مِنهُمْ"، فَقالَ الناسُ: إنْ ظَفَرْنا لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ثُمَّ عَزَمَ عَلى رَسُولِ اللهِ  في الصَبْرِ في الآيَةِ بَعْدَها وسَمّى الإذاياتِ في هَذِهِ الآيَةِ عُقُوبَةً، والعُقُوبَةُ حَقِيقَةً إنَّما هي الثانِيَةُ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَوِي اللَفْظانِ وتَتَناسَبُ دِيباجَةُ القَوْلِ، وهَذا بِعَكْسِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، فَإنَّ الثانِي هو المَجازِيُّ، والأوَّلُ هو الحَقِيقَةُ.

وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "وَإنْ عَقَّبْتُمْ فَعَقِّبُوا".

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ ألّا يَنالَ مِن ظالِمِيهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ، لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن ظَلَمَهُ رَجُلٌ في أخْذِ مالٍ، ثُمَّ ائْتَمَنَ الظالِمُ المَظْلُومَ عَلى مالٍ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ خِيانَتُهُ في القَدْرِ الَّذِي ظَلَمَهُ؟

-فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ ذَلِكَ"، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، واحْتَجَّتْ بِهَذِهِ الآيَةِ وعُمُومِ لَفْظِها، وقالَ مالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- وفِرْقَةٌ مَعَهُ: "لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ"، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ  : « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ".» ووَقَعَ في مُسْنَدِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما ورَدَ في رَجُلٍ زِنا بِامْرَأةِ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ الآخَرُ مِن زَوْجَةِ الثانِي بِأنْ تَرَكَها عِنْدَهُ وسافَرَ، فاسْتَشارَ الرَجُلُ رَسُولَ اللهِ  في الأمْرِ، فَقالَ لَهُ هَذا: قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَقَوّى في أمْرِ المالِ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ؛ لَأنَّ الخِيانَةَ لاحِقَةٌ في ذَلِكَ، وهي رَذِيلَةٌ لا انْفِكاكَ عنها، ولا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أنْ يَتَأسّى بِغَيْرِهِ في الرَذائِلِ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَتَجَنَّبَها لِنَفْسِهِ، وأمّا الرَجُلُ يَظْلِمُ في المالِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِصافِ دُونَ أنْ يُؤْتَمَنَ فَيُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ جائِزٌ، يَرى أنَّ اللهَ حَكَمَ لَهُ كَما لَوْ تَمَكَّنَ لَهُ بِالحُكْمِ مِنَ الحاكِمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ ، هَذِهِ عَزِيمَةٌ عَلى رَسُولِ اللهِ  في الصَبْرِ عَلى المُجازاةِ في التَمْثِيلِ بِالقَتْلى، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها مَحْكَمَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ  قالَ لِأصْحابِهِ: « "أمّا أنا فَأصْبِرُ كَما أُمِرْتُ، فَماذا تَصْنَعُونَ؟"، قالُوا: نَصْبِرُ يا رَسُولَ اللهِ كَما نُدِبْنا،» وقَوْلُهُ: ﴿ وَما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ أيْ: بِمَعُونَةِ اللهِ وتَأْيِيدِهِ لَكَ عَلى ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِمْ"، قِيلَ: يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، أيْ: لا تَتَأسَّفُ عَلى أنَّ لَمْ يُسَلِّمُوا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يَعُودُ عَلى القَتْلى: حَمْزَةَ وأصْحابِهُ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ حَزِنَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  ، والأوَّلُ أُصَوِّبُ؛ إذْ يَكُونُ عَوْدُ الضَمائِرِ عَلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي ضَيْقٍ" بِفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِها، وَرُوِيَتْ عن نافِعٍ وهو غَلَطٌ مِمَّنْ رَواهُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: الكَسْرُ والفَتْحُ في الضادِ لُغَتانِ في المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الضِيقُ مَصْدَرٌ، والضَيْقُ مُخَفَّفٌ مَن ضَيِّقٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ، وهَيْنٍ وهَيِّنٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ الضَيْقُ لُغَةً في المَصْدَرِ؛ لَأنَّهُ إنْ كانَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ لَزِمَ أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما تَقُومُ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ إذا تَخَصَّصَ المَوْصُوفُ مِن نَفْسِ الصِفَةِ، كَما تَقُولُ: "رَأيْتُ ضاحِكًا"، فَإنَّما تَخَصِّصُ الإنْسانُ، ولَوْ قُلْتَ: "رَأيْتُ بارِدًا" لَمْ يَحْسُنْ، وبِبارِدٍ مَثَّلَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ، و"ضَيِّقٍ" لا تُخَصِّصُ المَوْصُوفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالصَبْرِ مَنسُوخٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والتَأْيِيدِ، و"اتَّقَوْا" يُرِيدُ: المَعاصِي، و"مُحْسِنُونَ" مَعْناهُ: يَزِيدُونَ فِيما نُدِبَ إلَيْهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ.

نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله