المحرر الوجيز سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الإسراء

تفسيرُ سورةِ الإسراء كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 270 دقيقة قراءة

تفسير سورة الإسراء كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًۭا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ١

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ: قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ  ﴾ ، نَزَلَتْ حِينَ جاءَ رَسُولَ اللهِ  وفْدُ ثَقِيفَ، وحِينَ قالَتِ اليَهُودُ: "لَيْسَتْ هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ"، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ  ﴾ ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ  ﴾ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "إنَّهُنَّ مِنَ العَتاقِ، الأُوَلِ، وهُنَّ مَنَّ تِلادِي"، يُرِيدُ أنَّهُنَّ مِن قَدِيمِ كَسْبِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنَ آياتِنا إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أسْرى بِعَبْدِهِ، وهو مُحَمَّدٌ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: سَرى بِعَبْدِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ "أسْرى" مُعَدّاةٌ بِالهَمْزِ إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أسْرى المَلائِكَةُ بِعَبْدِهِ، وذَلِكَ لَأنَّهُ يُقْلِقُ أنْ يُسْنَدَ "أسْرى" -وَهُوَ بِمَعْنى "سَرى"- إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، إذْ هو فِعْلٌ يُعْطِي النَقْلَةَ كَمَشى وجَرى وأحْضَرَ وانْتَقَلَ، فَلا يَحْسُنُ إسْنادُ شَيْءٍ مِن هَذا ونَحْنُ نَجِدُ مَندُوحَةً، فَإذا صَرَّحَتِ الشَرِيعَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذا النَحْوِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحَدِيثِ: « "أتَيْتُهُ سَعْيًا، وأتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"» حُمِلَ ذَلِكَ بِالتَأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ المُخَلِّصِ مِن نَفْيِ الحَوادِثِ، و"أسْرى" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- تَخْرُجُ فَصِيحَةً كَما ذَكَرْنا، ولا تَحْتاجُ إلى تَجَوُّزِ قَلَقٍ في مِثْلِ هَذا اللَفْظِ، فَإنَّهُ ألْزَمُ لِلنَّقْلَةِ مَن "أتَيْتُهُ" و ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهُمْ  ﴾ .

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أسْرى" بِمَعْنى: "سَرى" عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ  ﴾ .

ووَقَعَ الإسْراءُ في جَمِيعِ مُصَنَّفاتِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عَنِ الصَحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، فَهو مِنَ المُتَواتِرِ بِهَذا الوَجْهِ.

وذَكَرَ النَقّاشُ مِمَّنْ رَواهُ عِشْرِينَ صَحابِيًّا، فَرَوى جُمْهُورُ الصَحابَةِ، وتَلَقّى جُلُّ العُلَماءِ مِنهم أنَّ الإسْراءَ كانَ بِشَخْصِهِ  ، وأنَّهُ رَكِبَ البُراقُ مِن مَكَّةَ ووَصَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ.

ورَوى حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمْ يَنْزِلْ عَنِ البُراقِ في بَيْتِ المَقْدِسِ ولا دَخَلَهُ، - قالَ حُذَيْفَةُ: ولَوْ صَلّى فِيهِ لَكُتِبَتْ عَلَيْكُمُ الصَلاةُ فِيهِ- وأنَّهُ رَكِبَ البُراقَ بِمَكَّةَ ولَمْ يَنْزِلْ عنهُ حَتّى انْصَرَفَ إلى بَيْتِهِ إلّا في صُعُودِهِ إلى السَماءِ.

وقالَتْ عائِشَةُ ومُعاوِيَةُ: إنَّما أُسْرِيَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللهِ  ، ولَمْ يُفارِقْ شَخْصُهُ مَضْجَعَهُ، وإنَّها كانَتْ رُؤْيا رَأى فِيها الحَقائِقَ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وجَوَّزَهُ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَدِيثُ مُطَوَّلٌ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا نَصَّهُ في هَذا الكِتابِ، ورُكُوبُ البُراقِ عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ يَكُونُ مِن جُمْلَةِ ما رُئِيَ في النَوْمِ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: البُراقُ هو دابَّةُ إبْراهِيمَ الَّذِي كانَ يَزُورُ عَلَيْهِ البَيْتَ الحَرامَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدانِ: يَجِيءُ مِن يَوْمِهِ ويَرْجِعُ، وذَلِكَ مِن مَسْكَنِهِ بِالشامِ.

والصَحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، ولَوْ كانَتْ مَنامَةً ما أمْكَنَ قُرَيْشًا أنْ تُشَنِّعَ، ولا فُضِّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالتَصْدِيقِ، ولا قالَتْ لَهُ أمْ هانِيءٍ: لا تُحَدِّثُ الناسَ بِهَذا فَيُكَذِّبُوكَ، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الدَلائِلِ.

واحْتَجَّ لِقَوْلِ عائِشَةَ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا الرُؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَحْتَمِلُ القَوْلَ الآخَرَ؛ لَأنَّهُ يُقالُ لِرُؤْيَةِ العَيْنِ: رُؤْيا.

واحْتَجَّ أيْضًا بِأنْ في بَعْضِ الأحادِيثِ: « "فاسْتَيْقَظْتُ وأنا في المَسْجِدِ الحَرامِ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَرُدَّ مِنَ الإسْراءِ إلى نَوْمٍ.

واعْتُرِضَ قَوْلُ عائِشَةَ بِأنَّها كانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تُشاهِدْ ولا حَدَّثَتْ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا مُعاوِيَةُ فَكانَ كافِرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، غَيْرَ مُشاهِدٍ لِلْحالِ، صَغِيرًا، ولَمْ يُحَدِّثْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سُبْحانَ" مَصْدَرٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ؛ لَأنَّهُ لا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ، ولِمَ يَجِيءْ مِنهُ فَعَلَ، وسَبَّحَ مَعْناهُ: قالَ سُبْحانَ اللهِ، فَلَمْ تُسْتَعْمَلْ سَبَّحَ إلّا إشارَةً إلى سُبْحانَ، ولَمْ يَتَصَرَّفْ لَأنَّ في آخِرِهِ زائِدَتَيْنِ، وهو مَعْرِفَةٌ بِالعَلَمِيَّةِ وإضافَتُهُ لا تَزِيدُهُ تَعْرِيفًا، هَذا كُلُّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُهُ عَلى النِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: يا سُبْحانَ الَّذِي أسْرى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ.

«وَرَوى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الفَيّاضُ أحَدُ العَشْرَةِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ  : ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟

فَقالَ: "تَنْزِيهٌ لِلَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ"،» والعامِلُ فِيهِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي هو مِن مَعْناهُ لا مِن لَفْظِهِ إذْ يَجُرُّ مِن لَفْظِهِ فَعَلَ، وذَلِكَ مِثْلَ: "قَعَدَ القُرْفُصاءَ واشْتَمَلَ الصَمّاءَ"، فالتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: أُنَزِّهُ اللهَ تَنْزِيهًا، فَوَقَعَ "سُبْحانَ" مَكانَ قَوْلِكَ: تَنْزِيهًا.

وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أسْرى" فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، عَدّاهُ هُنا بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: أسَرى الرَجُلُ وسَرى إذا سارَ بِاللَيْلِ بِمَعْنى.

وقَدْ ذَكَرْتُ ما يَظْهَرُ في اللَفْظِ مِن جِهَةِ العَقِيدَةِ.

وقَرَأ حُذَيْفَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ .

قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ المَسْجِدَ المُحِيطَ بِالكَعْبَةِ نَفْسِها، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ: هو الَّذِي يُعْرَفُ إذا ذُكِرَ هَذا الِاسْمُ، ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "بَيْنَما أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النائِمِ واليَقْظانِ"،» وذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الكَشِّيِّ في تَفْسِيرِهِ، عن سُفْيانَ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: أُسْرِيَ بِالنَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المَسْجِدِ الحَرامِ" مَكَّةُ كُلُّها، واسْتَنَدُوا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ  ﴾ ، وعَظُمَ المَقْصِدُ هُنا إنَّما هو مَكَّةُ.

ورَوى بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ عن أُمِّ هانِئٍ أنَّها قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ  لَيْلَةَ الإسْراءِ في بَيْتِي، ورُوِيَ بَعْضُها عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "خَرَجَ سَقْفُ بَيْتِي"،» وهَذا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللهُ عنها.

وكانَ الإسْراءُ فِيما قالَ مُقاتِلٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: بِعامٍ ونِصْفٍ، قالَهُ عُرْوَةُ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وكانَ ذَلِكَ في رَجَبٍ، وقِيلَ: في لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، والنَبِيُّ  ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، والمُتَحَقِّقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ شَقِّ الصَحِيفَةِ، وقِيلَ: بَيْعَةُ العَقَبَةِ، ووَقَعَ في الصَحِيحَيْنِ لِشَرِيكِ بْنِ أبِي نَمْرٍ وهُمٌ في هَذا المَعْنى، فَإنَّهُ رَوى حَدِيثَ الإسْراءِ فَقالَ فِيهِ: "وَذَلِكَ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ".

ولا خِلافَ بَيْنِ المُحَدِّثِينَ أنَّ هَذا وهُمٌ مِن شَرِيكٍ.

و"المَسْجِدِ الأقْصى" مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وسَمّاهُ "الأقْصى" أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ أقْصى بُيُوتِ اللهِ الفاضِلَةِ مِنَ الكَعْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأقْصى": البَعِيدُ، دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ، ويَكُونُ المَقْصِدُ إظْهارَ العَجَبِ في الإسْراءِ إلى هَذا البُعْدِ في لَيْلَةٍ.

والبَرَكَةُ حَوْلَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما النُبُوَّةُ والشَرائِعُ والرُسُلُ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ القُطْرِ وفي نَواحِيهِ ونَوادِيهِ، والأُخْرى النِعَمُ مِنَ الأشْجارِ والمِياهِ والأرْضِ المُفِيدَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ الشامَ بِها، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ بارَكَ فِيما بَيْنُ العَرِيشِ إلى الفُراتِ، وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَقْدِيسِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ يُرِيدُ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا بِعَيْنِهِ آياتِنا في السَماواتِ، والمَلائِكَةِ، والجَنَّةِ، والسِدْرَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا رَآهُ تِلْكَ اللَيْلَةَ مِنَ العَجائِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ آيَةً، أيْ: يَكُونُ النَبِيُّ  آيَةً في أنْ يَصْنَعَ اللهُ لِبَشَرٍ هَذا الصُنْعَ، وتَكُونُ الرُؤْيَةُ -عَلى هَذا- رُؤْيَةَ قَلْبٍ.

ولا خِلافَ أنَّ في هَذا الإسْراءِ فُرِضَتِ الصَلَواتُ الخَمْسُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ وعِيدٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ الإسْراءِ، فَهي إشارَةٌ لَطِيفَةٌ بَلِيغَةٌ إلى ذَلِكَ، أيْ: هو السَمِيعُ لِما تَقُولُونَ، البَصِيرُ بِأفْعالِكم.

<div class="verse-tafsir"

وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًۭى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِى وَكِيلًۭا ٢ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًۭا شَكُورًۭا ٣ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا ٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ ﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ عَطَفَ قَوْلَهَ تَعالى: "وَآتَيْنا" عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ أسْرى بِعَبْدِهِ  ﴾ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: أسْرَيْنا بِعَبْدِنا وأرَيْناهُ آياتِنا، و"الكِتابَ": التَوْراةُ، والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ عَلى "الكِتابَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى " مُوسى " عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّخِذُوا" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: كَراهِيَةَ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِألا تَتَّخِذُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: أيْ، كَما قالَ: ﴿ أنِ امْشُوا واصْبِرُوا  ﴾ ، فَهي في هَذا مَعَ أمْرٍ، وهي في آياتِنا هَذِهِ مَعَ نَهْيٍ، والمَعْنى في هَذِهِ التَقْدِيراتِ: جَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا تَتَّخِذُوا يا ذَرِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ذُرِّيَّةَ" مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" زائِدَةً، ويُضْمَرُ في الكَلامِ قَوْلٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَتَّخِذُوا، وَأمّا أنْ يُضْمَرَ القَوْلُ ولا تَجْعَلَ "أنْ" زائِدَةً فَلا يَتَّجِهُ؛ لَأنَّ ما بَعْدَ القَوْلِ إمّا أنْ يَكُونَ جُمْلَةً تُحْكى، وإمّا أنْ يَكُونَ تَرْجَمَةً عن كَلامٍ لا هو بِعَيْنِهِ، فَيَعْمَلُ القَوْلُ في التَرْجَمَةِ كَما تَقُولُ -لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ-: قُلْتَ حَقًّا، وقَوْلُهُ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تَتَّخِذُوا" عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "ألّا يَتَّخِذُوا" بِالياءِ عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعِيسى، وأبِي رَجاءٍ.

و"الوَكِيلُ" فَعِيلَ مِنَ التَوَكُّلِ، أيْ: مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ في الأُمُورِ، فَهو يُؤَلِّهُهُ بِهَذا الوَجْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: "وَكِيلًا": شَرِيكًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُرِّيَّةَ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ عامِرٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ، ومُجاهِدٌ أيْضًا بِكَسْرِها، وكُلُّ هَذا بِشَدِّ الراءِ والياءِ، ورُوِيَتْ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ بِفَتْحِ الذالِ وتَسْهِيلِ الراءِ وشَدِّ الياءِ، عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، و"ذُرِّيَّةَ" وزْنُها فَعُولَةٌ، أصْلُها "ذُرُورَةٌ"، أُبْدِلَتِ الراءُ الثانِيَةُ ياءً وأُدْغِمَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ الراءُ لِتُناسِبِ الياءِ، وكُلِّ هَؤُلاءِ قَرَءُوا: "ذُرِّيَّةَ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، إمّا عَلى المَفْعُولِ بِـ "يَتَّخِذُوا"، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ لا يُتَّخَذَ بَشَرٌ إلَهًا مِن دُونِ اللهِ، وإمّا عَلى النِداءِ، أيْ: يا ذَرِّيَّةَ، فَهي مُخاطَبَةٌ لِلْعالَمِ، قالَ قَوْمٌ: وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ألّا تَتَّخِذُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ولا يَجُوزُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ؛ لَأنَّ الفِعْلَ لِغائِبٍ والنِداءَ لِمُخاطَبٍ، والخُرُوجُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ إنَّما يُسْتَسْهَلُ مَعَ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المُرادِ، وفي النِداءِ لا دَلالَةَ إلّا عَلى غايَةِ التَكَلُّفِ، وإمّا عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ أعْنِي، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "وَكِيلًا"، وهَذا أيْضًا فِيهِ تَكَلُّفٌ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ذَرِّيَّةُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "يَتَّخِذُوا"، وهَذا أيْضًا يَتَوَجَّهُ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ، ولا يَجُوزُ عَلى القِراءَةِ بِالتاءِ؛ لَأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مِن ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ، لَوْ قُلْتُ: "ضَرَبْتُكَ زَيْدًا" عَلى البَدَلِ لَمْ يَجُزْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ الناسِ الَّذِينَ عَناهم في الآيَةِ بِحَسْبِ الخِلافِ المَذْكُورِ، ولَأنَّ في هَذِهِ العِبارَةِ تَعْدِيدَ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في الإنْجاءِ المُؤَدِّي إلى وُجُودِهِمْ، ويَقْبُحُ الكُفْرُ والعِصْيانُ مَعَ هَذِهِ النِعْمَةِ، والَّذِينَ حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ وأنْسَلُوا هم بَنُوهُ لِصُلْبِهِ؛ لَأنَّهُ آدَمُ الأصْغَرُ، وكُلُّ مِن عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مَن نَسَلِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وإنْ كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَنْسَلْ.

قالَ النَقّاشُ: اسْمُ نُوحٍ عَبْدُ الجَبّارِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: اسْمُهُ فَرَجٌ، ووَصَفَهُ بِالشُكْرِ لَأنَّهُ كانَ يَحْمَدُ اللهَ في كُلِّ حالٍ، وعَلى كُلِّ نِعْمَةٍ، عَلى المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والبِرازِ وغَيْرِ ذَلِكَ،  .

قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي مَرْيَمَ، وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى "قَضَيْنا" فَرَغْنا، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: "قَضَيْنا" هُنا بِمَعْنى: أخْبَرْنا، وحُكِيَ عن آخَرِينَ أنَّهم قالُوا: "قَضَيْنا" مَعْناهُ: في أُمِّ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُلْبِسُ في هَذا المَكانِ تَعْدِيَةُ "قَضَيْنا" بِـ "إلى"، وتَلْخِيصُ الكَلامِ عِنْدِي أنَّ هَذا الأمْرَ هو مِمّا قَضاهُ اللهُ تَعالى في أُمِّ الكِتابِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وألْزَمَهم إيّاهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِهِ في التَوْراةِ عَلى لِسانِ مُوسى، فَلَمّا أرادَ هُنا الإعْلامَ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا في إيجازٍ جَعَلَ "قَضَيْنا" دالَّةً عَلى النُفُوذِ في أُمِّ الكِتابِ، وقَرَنَ بِها "إلى" دالَّةً عَلى إنْزالِ الخَيْرِ بِذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ والمَعْنى المَقْصُودُ مَفْهُومٌ خِلالَ هَذِهِ الألْفاظِ، ولِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مَرَّةً بِأنْ قالَ: ﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ مَعْناهُ: أعْلَمْناهُمْ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ و"الكِتابِ" هُنا التَوْراةُ؛ لَأنَّ القَسَمَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لَتُفْسِدُنَّ" غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ مَعَ أنْ يُجْعَلَ "الكِتابُ" هو اللَوْحُ المَحْفُوظُ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ الرَياحِيِّ: "فِي الكُتُبِ" عَلى الجَمْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَةُ الناسِ عَلى الإفْرادِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَتُفْسِدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ "لَتَفْسُدُنَّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ السِينِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: "لَتُفْسَدُنَّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الدالِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَتَعْلُنَّ" أيْ: لَتَتَكَبَّرُنَّ عن طاعَةِ الآمِرِينَ بِطاعَةِ اللهِ، وتَطْلُبُونَ في الأرْضِ العُلُوَّ والفَسادَ، وتَظْلِمُونَ مَن قَدَرْتُمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، ونَحْوَ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومُقْتَضى هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وطُغْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى عِنْدَهم في الرُسُلِ والكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أمَةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهُمْ، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُهُورِ، فَيَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِعَمِ، والظُلْمُ والقَتْلُ، والكُفْرُ بِاللهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم وَتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، وأعْطى الوُجُودَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذا الأمْرَ كُلَّهُ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ المَرَّتَيْنِ: آخِرُ الأولى وأوَّلُ الثانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَبَّدًا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًۭا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ فَجَاسُوا۟ خِلَـٰلَ ٱلدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًۭا مَّفْعُولًۭا ٥ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ٦ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ لِيَسُـۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَلِيُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوْا۟ تَتْبِيرًا ٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولا ﴾ ﴿ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا ﴾ ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ أُولاهُما عائِدٌ عَلى قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ وعَبَّرَ عَنِ الشَرِّ بِـ (الوَعْدِ) لَأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ المُعاقَبَةِ، وإذا لَمْ يَجِئِ (الوَعْدُ) مُطْلَقًا فَجائِزٌ أنْ يَقَعَ في الشَرِّ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "عَبِيدًا"، واخْتَلَفَ الناسُ في العَبِيدِ المَبْعُوثِينَ وفي صُورَةِ الحالِ اخْتِلافًا شَدِيدًا مُتَباعِدًا.

عُيُونُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَصَوْا وقَتَلُوا زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ فَغَزاهم سَنْحارِيبُ مَلِكُ بابِلَ، كَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَزاهم جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ أنَّهُ قالَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ: غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خُرْدُوشُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا قائِدٌ لِخُرْدُوشَ اسْمُهُ هُورْزاذانُ، وكَفَّ عن بَنِي إسْرائِيلَ وسَكَنَ بِرِعايَةِ دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وقِيلَ: غَزاهم أوَّلًا صَخّابِينُ مَلِكُ رُومَةَ، وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرُ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفَرَسِ وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ تَعْلَمْهُ الفُرْسُ ؛ لَأنَّهُ كانَ يُداخِلُهُمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ وبَعَثَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتْلَهم وجَلاهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعِهِ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَزاهم بُخْتُنَصَّرُ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ حِينَ عَصَوْا وقَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ، وصُورَةُ قَتْلِهِ أنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأتِهِ، فَنَهاهُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ عن ذَلِكَ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى امْرَأتِهِ، فَزَيَّنَتْ بِنْتَها وجَعَلَتْها تَسْقِي المَلِكَ الخَمْرَ، وقالَتْ لَها: إذا راوَدَكِ المَلِكُ عن نَفْسِكِ فَتَمْنَعِي حَتّى يُعْطِيَكِ المَلِكُ ما تَتَمَنَّيْ، فَإذا قالَ لَكِ: تَمَنَّيْ عَلَيَّ ما أرَدْتِ، فَقُولِي لَهُ: رَأسَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ ذَلِكَ، فَرَدَّها المَلِكُ مَرَّتَيْنِ، وأجابَها في الثالِثَةِ، فَجِيءَ بِالرَأْسِ في طَسْتِ ولِسانُهُ يَتَكَلَّمُ ويَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ، وجَرى دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَنْقَطِعْ، فَجَعَلَ المَلِكُ عَلَيْهِ التُرابَ حَتّى ساوى سُورَ المَدِينَةِ والدَمُ يَنْبَعِثُ، فَلَمّا غَزاهُمُ المَلِكُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ -بِحَسَبِ الخِلافِ فِيهِ- قَتَلَ مِنهم عَلى الدَمِ حَتّى سَكَنَ بَعْدَ قَتْلِ سَبْعِينَ ألْفًا.

هَذا مُقْتَضى هَذا الخَبَرِ، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ، فَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ أشْعِياءَ وعَظَهم وذَكَّرَهُمُ اللهَ ونِعَمَهُ في مَقامٍ طَوِيلٍ نَصَّهُ الطَبَرِيُّ، وذَكَرَ أشْعِياءُ في آخِرِهِ مُحَمَّدًا  وبَشَّرَ بِهِ، فابْتَدَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَفَرَّ مِنهُمْ، فَلَقِيَ شَجَرَةً فَتَفَلَّقَتْ لَهُ حَتّى دَخَلَها فالتَأمَتْ عَلَيْهِ، فَعَرَضَ الشَيْطانُ عَلَيْهِمْ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ، فَأخَذُوا مِنشارًا فَنَشَرُوا الشَجَرَةَ وقَطَّعُوهُ في وسَطِها فَقَتَلُوهُ، فَحِينَئِذٍ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ.

وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ عن قَتادَةَ قَصَصًا أنَّ زَكَرِيّا هو صاحِبُ الشَجَرَةِ، وأنَّهم قالُوا لَمّا حَمَلَتْ مَرْيَمُ قالُوا: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ مِنهم حَتّى دَخَلَ في الشَجَرَةِ فَنَشَرُوهُ.

ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ حَفِيدَ سَنْحارِيبَ المَلِكِ الأوَّلِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا هو سابُورُ ذُو الأكْتافِ.

وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِينَ عادُوا ثَلاثَةَ أمْلاكٍ مِن فارِسٍ: سَنْدابادانِ وشَهْرَيازانِ وآخَرَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما جاءَهم في الأُولى عَسْكَرٌ مِن فارِسٍ فَجاسَ خِلالَ الدِيارِ وتَقَلَّبَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قِتالٌ ولا قَتْلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ انْصَرَفَتْ عنهُمُ الجُيُوشُ، وظَهَرُوا وأُمِدُّوا بِالأمْوالِ والبَنِينِ حَتّى عَصَوْا وطَغَوْا، فَجاءَهم في المَرَّةِ الثانِيَةِ مِن قَتَلَهم وغَلَبَهم عَلى بَيْضَتِهِمْ وأهْلَكَهم آخِرَ الدَهْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَجاسُوا خِلالَ الدِيارِ ﴾ ، وهي المَنازِلُ والمَساكِنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يَرُدُّ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في المَرَّةِ الأُولى غَلَبَةٌ ولا قِتالٌ، وهَلْ يُدْخَلُ المَسْجِدُ إلّا بَعْدَ غَلَبَةٍ وقِتالٍ؟

وقَدْ قالَ مُؤَرِّخٌ.

جاسُوا خِلالَ الأزِقَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَصَصًا طَوِيلًا، مِنهُ ما يَخُصُّ الآياتِ، وأكْثَرُهُ لا يَخُصُّ، وهَذِهِ المَعانِي لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَعَثْنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ بَعْثَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البِعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا أُلْقِيَ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي غَزاهم.

وقَرَأ الناسُ: "فَجاسُوا" بِالجِيمِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَحاسُوا" بِالحاءِ، وهَمّا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والدُخُولِ قَسْرًا، ومِنهُ الحَواسُّ، وقِيلَ لِأبِي السَمالِ: إنَّما القِراءَةُ "جاسُوا" بِالجِيمِ، فَقالَ: جاسُوا وحاسُوا واحِدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى تَخَيُّرٍ لا عَلى رِوايَةٍ، ولِهَذا لا تَجُوزُ الصَلاةُ بِقِراءَتِهِ وقِراءَةِ نُظَرائِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِلالَ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "خَلَلَ"، ونَصْبَهُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الظَرْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ عِبارَةٌ عَمّا قالَ اللهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ، وجَعَلَ "رَدَدْنا" مَوْضِعَ "نَرُدُّ" إذْ وقْتُ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللهِ في غايَةِ الثِقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عن مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، وهَذِهِ الكَرَّةُ هي بَعْدَ الجَلْوَةِ الأُولى كَما وصَفْنا، فَغَلَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ ومَلَكُوا فِيهِ، وحَسُنَتْ حالُهم بُرْهَةً مِنَ الدَهْرِ، وأعْطاهُمُ اللهُ الأمْوالَ والأولادَ، وجَعَلَهم إذا نَفَرُوا إلى أمْرِ أكْثَرِ الناسِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وصَيَّرْناكم أكْثَرَ عَدَدٍ نافِرٍ مِنهم.

قالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ نَفِيرًا في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"نَفِيرًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفَرٍ، كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ، وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: وجَعَلْناكم أكْثَرَ نافِرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ النَفِيرَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ الَّذِي يَنْفِرُ، سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ قالَ تُبَّعٌ الحِمْيَرِيُّ: فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وبِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا وَقالُوا: "لا في العِيرِ ولا في النَفِيرِ"، يُرِيدُونَ جَمْعَ قُرَيْشٍ الخارِجَ مِن مَكَّةَ إلى بَدْرٍ.

فَلَمّا قالَ اللهُ تَعالى لَهُمْ: إنِّي سَأفْعَلُ بِكم هَكَذا عَقَّبَ ذَلِكَ بِوَصِيَّتِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ والمَعْنى: إنَّكم بِعَمَلِكم تُؤْخَذُونَ، لا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا ولا تَشَرُّعا إلَيْكُمْ، و ﴿ وَعْدُ الآخِرَةِ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ المَرَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ، اللامُ لامُ أمْرٍ، وقِيلَ: المَعْنى بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا، فَهي لامُ "كَيْ" كُلُّها، والضَمِيرُ لِلْعِبادِ أُولِي البَأْسِ الشَدِيدِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَسُوءُوا" بِالياءِ، جَمْعٌ وهَمْزَةٌ بَيْنَ واوَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَسُوءَ" بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ -وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِنَسُوءَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لِنَسُوأنَّ" بِنُونٍ خَفِيفَةٍ، وهي لامُ الأمْرِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَيَسُوأنَّ"، بِفَتْحِ اللامِ وهي لامُ القَسَمِ- والفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لِيُسِيءَ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ، وفي مُصْحَفِ أنَسٍ: "لِيَسُوءَ وجْهَكُمْ" عَلى الإفْرادِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ الوُجُوهَ لَأنَّها المَواضِعُ الدالَّةُ عَلى ما بِالإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.

و"المَسْجِدَ": مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ.

و"تَبَّرَ" مَعْناهُ: أفْسَدَ وأهْلَكَ بِغَشَمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما عَلَوْا ﴾ أيْ: ما تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ ومَلَكُوهُ مِنَ البِلادِ، وقِيلَ: "ما" ظَرْفِيَّةٌ، والمَعْنى: مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ عَلى البِلادِ.

و"تَبَّرَ" تَحْرِيرُهُ: رَدُّ الشَيْءِ فُتاتًا كَتِبْرِ الذَهَبِ والحَرِيرِ ونَحْوَهُ، وهو تَفْتِيتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًۭا كَبِيرًۭا ٩ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ١٠ وَيَدْعُ ٱلْإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلْخَيْرِ ۖ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًۭا ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِبَقِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ عَسى رَبُّكُمْ ﴾ إنْ أطَعْتُمْ في أنْفُسِكم واسْتَقَمْتُمْ ﴿ أنْ يَرْحَمَكُمْ ﴾ و"عَسى" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وهَذِهِ العِدَةُ لَيْسَتْ بِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي بِأنْ يَرْحَمَ المُطِيعَ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ الطاعَةِ اتِّباعُهم لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِمُحَمَّدٍ  ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وعادُوا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَعادَ عِقابُ اللهِ تَعالى، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذُلَّ وقَتَلَهُمْ، وأذَلَّهم بِيَدِ كُلِّ أُمَّةٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةَ مُلُوكٍ.

و"الحَصِيرُ" فَعِيلٌ مِنَ الحَصْرِ، فَهي بِمَعْنى السَجْنِ، أيْ: تَحْصُرُهُمْ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، ويُقالُ: الحَصِيرُ أيْضًا مِنَ الحَصْرِ لِلْمَلِكِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ومَقامَةِ غُلْبِ الرِقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ وَيُقالُ لِجَنْبَيِ الإنْسانِ: حَصِيرانِ لَأنَّهُما يَحْصُرانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرْماحِ: قَلِيلًا تَتَلّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ وقالَ الحَسَنُ: "الحَصِيرُ" في الآيَةِ أرادَ بِهِ ما يُفْتَرَشُ ويَبْسُطُ كالحَصِيرِ المَعْرُوفِ عندَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ الحَصِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي ﴾ الآيَةُ.

"يَهْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: يُرْشِدُ، ويَتَوَجَّهُ فِيها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: يَدْعُو، و"الَّتِي" يُرِيدُ بِها الحالَةَ والطَرِيقَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لِلَّتِي هي أقْوَمُ ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أعَمُّ، وكَلِمَةُ الإخْلاصِ وغَيْرَها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ داخِلَةٌ في الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ حالٍ تُجْعَلُ بِإزائِها، والِاخْتِصارُ عَلى "أقْوَمُ" ولَمْ يَذْكُرْ: "مِن كَذا" إيجازٌ، والمَعْنى مَفْهُومٌ، أيْ: لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ ما غايَرَها، فَهي النِهايَةُ في القِوامِ، وقَيَّدَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ الصالِحاتِ إذْ هو كَمالُ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ، والمُؤْمِنُ المُفْرِدُ في العَمَلِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصالِحاتِ، و"الأجْرُ الكَبِيرُ": الجَنَّةُ، وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: "فَضْلٌ كَبِيرٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ" فَهو الجَنَّةُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُبَشِّرُ"، و"إنَّ" الثانِيَةَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وهي داخِلَةٌ في جُمْلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ.

بَشَّرَهُمُ القُرْآنُ بِالجَنَّةِ، وأنَّ الكَفّارَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا مَسَرَّةٌ لَهُمْ، وفي هَذِهِ البِشارَةِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالمَعْنى، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُبَشِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطُلْحَةُ: "وَيُبَشِّرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.

و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أحْضَرْنا وأعْدَدْنا، ومِنهُ العَتادُ.

و"الألِيمُ": المُوجِعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ ﴾ .

سَقَطَتِ الواوُ مَن "يَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ لَأنَّهم كَتَبُوا المَسْمُوعَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ الناسُ مِنَ الدُعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ في وقْتِ الغَضَبِ والضَجَرِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهم يَدْعُونَ بِالشَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما يَدْعُونَ بِالخَيْرِ في وقْتِ التَثَبُّتِ، فَلَوْ أجابَ اللهُ دُعاءَهم أهْلَكَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى يَصْفَحُ ولا يُجِيبُ دُعاءَ الضَجِرِ المُسْتَعْجِلِ.

ثُمَّ عَذَرَ بَعْضَ العُذْرِ في أنَّ الإنْسانَ لَهُ عَجَلَةٌ فِطْرِيَّةٌ، و"الإنْسانُ" هُنا، قِيلَ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِحَسْبِ ما في الخْلْقِ مِن ذَلِكَ.

قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: إشارَتُهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في أنَّهُ لَمّا نَفَخَ الرُوحَ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقَيْهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا لِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأشارَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ.

والمَعْنى: فَأنْتُمْ ذَوُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ  جَعَلَ أسِيرًا في قَيْدٍ في بَيْتِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَسَمِعَتْ سَوْدَةُ أنِينَهُ فَأشْفَقَتْ، فَقالَتْ لَهُ: ما بالُكَ؟

فَقالَ: ألَمُ القَيْدِ، فَقامَتْ فَأرْخَتْ مِن رَبْطِهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ نامَتْ، فَتَحَيَّلَ في الِانْحِلالِ وفَّرَ، فَطَلَبَهُ النَبِيُّ  عِنْدَ الصُبْحِ فَأُخْبِرَ الخَبَرَ، فَقالَ: "قَطَعَ اللهُ يَدَيْها"، فَفَزِعَتْ سَوْدَةُ ورَفَعَتْ يَدَيْها نَحْوَ السَماءِ وهي تَخافُ الإجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ دُعائِي في مِثْلِ هَذا رَحْمَةً عَلى المَدْعُوِّ لَهُ؛ لَأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ وأعَجَلُ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَيْها".» وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ قُرَيْشٍ، قالُوا: ﴿ اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ  ﴾ الآيَةُ، وكانَ الأُولى أنْ يَقُولُوا: "فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا بِهِ"، فَذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مُعاتَبَةُ الناسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوا ولَجُّوا في الدُعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوَهُ في حالَةِ الخَيْرِ ويَلْزَمَهُ الكُلُّ، مِن ذِكْرِ اللهِ تَعالى وحَمْدِهِ والرَغْبَةِ إلَيْهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ يُقَصِّرُ حِينَئِذٍ، فَإذا مَسَّهُ الضُرُّ ألَحَّ واسْتَعْجَلَ الفَرَجَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ ٱلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةًۭ لِّتَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍۢ فَصَّلْنَـٰهُ تَفْصِيلًۭا ١٢ وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًۭا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣ ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًۭا ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَيْلَ وجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا ﴾ ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا ﴾ ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ "الآيَةُ": العَلامَةُ المَنصُوبَةُ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا"، قالَتْ فِيهِ فِرْقَةٌ: سَبَبُ تَعْقِيبِ الفاءِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ والقَمَرَ مُضِيئَيْنِ، فَمَحا بَعْدَ ذَلِكَ القَمَرَ، مَحاهُ جِبْرِيلُ بِجَناحَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَمِن هُنالِكَ كَلَفُهُ وكَوْنُهُ مُنِيرًا فَقَطْ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ الظاهِرُ-: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا" إنَّما يُرِيدُ: في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأتْ بِالأُسِّ ثُمَّ تابَعَتْ"، فَلا تُرِيدُ بِالفاءِ التَعْقِيبَ، وظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي أرْبَعَ آياتٍ، لا سِيَّما لِمَن بَنى عَلى أنَّ القَمَرَ هو المَمْحُوُّ، والشَمْسُ هي المُبْصِرَةُ، فَأمّا إنْ قَدَّرَ المَمْحُوَّ في ظَلامِ اللَيْلِ والإبْصارَ في ضَوْءِ النَهارِ أمْكَنَ أنْ تَتَضَمَّنَ الآيَةُ آيَتَيْنِ فَقَطْ، عَلى أنْ يَكُونَ فِيها طَرَفٌ مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" مِثْلَ قَوْلِكَ: "لَيْلٌ نائِمٌ وقائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ ويُقامُ فِيهِ، وكَذَلِكَ: "آيَةٌ مُبْصِرَةٌ" أيْ: يُبْصِرُ فِيها ومَعَها.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، فَقالَ ابْنُ الكَوّاءِ: ما السَوادُ الَّذِي في القَمَرِ؟

فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: قاتَلَكَ اللهُ، هَلّا سَألَتْ عن أمْرِ دِينِكَ وآخِرَتِكَ؟

ذَلِكَ مَحْوُ اللَيْلِ.

وجَعَلَ اللهُ تَعالى النَهارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغِيَ الناسُ الرِزْقَ وفَضْلَ اللهِ، وجَعَلَ القَمَرُ مُخالِفًا لِحالِ الشَمْسِ لِيُعْلَمَ بِهِ العَدَدَ مِنَ السِنِينَ والحِسابَ لِلْأشْهَرِ والأيّامِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ القَمَرِ لا مِن جِهَةِ الشَمْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " كُلَ شَيْءٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وقِيلَ: "وَكُلَّ" عَطْفٌ عَلى "والحِسابَ"، فَهو مَعْمُولُ "لِتَعْلَمُوا"، و"التَفْصِيلُ": البَيانُ بِأنَّ تُذْكَرَ فُصُولُ ما بَيْنَ الأشْياءِ وتُزالُ أسْبابُها حَتّى يَتَمَيَّزَ الصَوابُ مِنَ الشُبْهَةِ العارِضَةِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي ﴾ الآيَةُ.

قَوْلُهُ: "كُلَّ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُجاهِدٍ "طَيْرَهُ في عُنُقِهِ".

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "طائِرَهُ": ما قُدِّرَ عَلَيْهِ ولَهُ، وخاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن عادَتِها التَيَمُّنُ والتَشاؤُمُ بِالطَيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِباءِ وحَيَوانِ الفَلَواتِ، وسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِيرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في أوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ قَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ وتَكَسُّبُهُ في عُنُقِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ -إذْ هُما مُتَلازِمانِ- بِالطائِرِ)، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في أُمُورٍ: "عَلى الطائِرِ المَيْمُونِ"، و"بِأسْعَدَ طائِرٍ"، ومِنهُ ما طارَ في المُحاجَّةِ والسَهْمِ، كَقَوْلٍ أمِّ العُلا الأنْصارِيَّةِ: "فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  في الهِجْرَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا، وَأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الطَيْرِ الَّتِي تَقْضِي عِنْدَهم بِلِقاءِ الخَيْرِ والشَرِّ، وأبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ)".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ جَرى أيْضًا عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ في أنْ تَنْسُبَ ما كانَ إلْزامًا، وقِلادَةً، وأمانَةً، ونَحْوَ هَذا -إلى العُنُقِ، كَقَوْلِهِمْ: "دَمِي في عُنُقِ فُلانٍ" وكَقَوْلِ الأعْشى: قَلَّدَتُكَ الشِعْرَ يا سَلامَةَ ذا الـ ∗∗∗ تَّفْضالِ، والشَيْءُ حَيْثُما جُعِلا وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوَهُ جَعْلُهم ما كانَ تَكَسُّبًا وجِنايَةً وإثْمًا مَنسُوبًا إلى اليَدِ؛ إذْ هي الأصْلُ في التَكَسُّبِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والناسُ: "وَنُخْرِجُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "كِتابًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ "كِتابًا"، أيْ طائِرُهُ الَّذِي كَنّى بِهِ عن عَمَلِهِ يَخْرُجُ لَهُ ذا كِتابٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ -مِن هَؤُلاءِ: "كِتابٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: "وَيُخْرَجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ- عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

"كِتابًا"، أيْ: طائِرُهُ.

وقَرَأ أيْضًا: "كِتابٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، أيْ: يُخْرِجُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فِي عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا".

وهَذا الكِتابُ هو عَمَلُ الإنْسانِ وخَطِيئاتُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَلْقاهُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وخِفَّةِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يُلَقّاهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ القافِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ- وأبِي جَعْفَرِ الجَحْدَرِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ "يُقالُ لَهُ" اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ.

و"الحَسِيبُ": الحاسِبُ، ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "يا ابْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلِكانِ كَرِيمانِ، أحَدُهُما عن يَمِينِكِ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخِرُ عن شِمالِكَ يَحْفَظُ سَيِّآتِكَ، فامْلِكْ ما شِئْتْ أو أقْلِلْ أو أكْثِرْ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا تَلْقاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، قَدْ عَدَلَ واللهِ فِيكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي ذَكَرَ الحَسَنُ يَكُونُ الطائِرُ ما يَتَحَصَّلُ مَعَ آدَمَ مِن عَمَلِهِ في قَبْرِهِ، فَتَأمَّلْ لَفْظَهُ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ : إنَّهُ سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.

<div class="verse-tafsir"

مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا ١٥ وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًۭا ١٦ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِنۢ بَعْدِ نُوحٍۢ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِنَ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُحاسَبُ عن نَفْسِهِ لا عن غَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ -  - وإثْمُكم عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: إنَّ الوَلِيدَ لا يَحْمِلُ آثامَكُمْ، وإنَّما إثْمُ كُلِّ واحِدٍ عَلَيْهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ، والإشارَةُ بِالضَلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

و"وَزَرَ" مَعْناهُ: حَمَلَ، و"الوِزْرُ": الثِقْلُ، ومِنهُ: وزِيرُ السُلْطانِ، أيِ: الَّذِي يَحْمِلُ ثُقْلَ دَوْلَتِهِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ نَزَعَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها في الرَدِّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما هي أنَّ التَعْذِيبَ إنَّما يَقَعُ إذا كانَ البُكاءُ مِن سُنَّةِ المَيِّتِ وتُسَبُّبُهُ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: هَذا في حُكْمِ الدُنْيا، أيْ إنَّ اللهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عامٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا المَعْنى أنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ الإعْلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى مَعَ الأُمَمِ في الدُنْيا، وبِهَذا يَقْرُبُ الوَعِيدُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ.

ويُؤَيِّدُ هَذا ما يَجِيءُ بَعْدُ مِن وصْفِهِ ما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ اللهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ، ومِن إعْلامِهِ بِكَثْرَةٍ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، ومَعَ هَذا فالظاهِرُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنَ النَظَرِ، أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ فِي الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرُسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ  ﴾ ﴿ قالُوا بَلى  ﴾ ، وظاهِرُ "كُلَّما" الحَصْرُ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ  ﴾ ، وأمّا مِن جِهَةِ النَظَرِ فَإنَّ بِعْثَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَوْحِيدِ، وبَعْثِ المُعْتَقِداتِ في بَنِيهِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، مَعَ سَلامَةِ البَصَرِ، يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العالِمِ الإيمانَ واتِّباعَ شَرِيعَةِ اللهِ، ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ في مُدَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ غَرَقِ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا يُعْطِي احْتِمالُ ألْفاظِها نَحْوَ هَذا، ويَجُوزُ مَعَ الفَرْضِ وُجُودُ قَوْمٍ لَمْ تَصِلْهم رِسالَةٌ، ومِنهم أهْلُ الفَتَراتِ الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودَهم بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَبْعَثُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى المَجانِينِ والأطْفالِ، فَحَدِيثٌ لَمْ يَصِحُّ، ولا يَقْتَضِيهِ ما تَقْضِيهِ الشَرِيعَةُ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾ الآيَةُ.

في مُصْحَفِ أُبَيِّ "بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها"، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ المُجْتَمِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِن: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، إذا جَمَعْتُهُ، ولَيْسَتْ مَن "قَرَأ" الَّذِي هو مَهْمُوزٌ، وإنْ كانَ فِيهِما جَمِيعًا مَعْنى الجَمْعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَرْنا" عَلى صِيغَةِ الماضِي، مِن: أمَرَ ضِدَّ نَهى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُما-: "آمَرْنا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: كَثَّرْنا، ورُوِيتُ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وعَنِ الأعْرَجِ، وقَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا، وآمَرَهُمُ اللهُ تَعالى فَيَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِخِلافٍ-: "أمَّرْنا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مَعْناها: أمَرْناهم بِالطاعَةِ فَعَصَوْا وفَسَقُوا فِيها، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والثانِيَةُ مَعْناها: كَثَّرْناهُمْ، والثالِثَةُ هي مِنَ الإمارَةِ، أيْ: مَلَّكْناهم عَلى الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "الجَيِّدُ في "أمَرْنا" أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَثَّرْنا، يَتَعَدّى الفِعْلُ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: رَجَعَ ورَجَعْتُهُ، وشَتِرَتْ عَيْنُهُ وشَتَرْتُها، فَتَقُولُ: أمَرَ القَوْمُ وأمَّرَهُمُ اللهُ، أيْ كَثَّرَهُمْ، و"آمَرْنا" مُبالَغَةٌ في "أمْرَنا" بِالهَمْزَةِ، و"أمَّرْنا" مُبالَغَةٌ فِيهِ بِالتَضْعِيفِ، ولا وجْهَ لِكَوْنِ "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ؛ لِأنَّ رِياسَتَهم لا تَكُونُ إلّا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، والإهْلاكُ إنَّما يَكُونُ في مُدَّةِ واحِدٍ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُتْرَفَ وغَيْرَهَ، فَخَصَّ المُتْرَفَ بِالذِكْرِ إذْ فِسْقُهُ هو المُؤَثِّرُ في فَسادِ القَرْيَةِ وهم عُظْمُ الضَلالَةِ وسِواهم تَبِعَ لَهم.

وأمّا "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ فَمُتَوَجِّهٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يُرِيدَ إمارَةَ المُلْكِ، بَلْ كَوْنُهم يَأْمُرُونَ ويُؤْتَمَرُ لَهُمْ؛ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَن يَأْمُرُ الإنْسانَ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا-: هو أمِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إذا كانَ هادِيَ الفَتى في البِلا ∗∗∗ دِ صَدْرَ القَناةِ أطاعَ الأمِيرا ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ أمْرِهِ بِالِاسْتِقادَةِ مِن لَطْمَةِ عَمْرُو بْنِ العاصِ: إنَّ عَلَيَّ أمِيرًا لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُ، أرادَ مُعاوِيَةُ أباهُ، وأرادَ الأعْشى أنَّهُ إذا شاخَ الإنْسانُ وعَمِي واهْتَدى بِالعَصا أطاعَ كُلَّ مَن يَأْمُرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذْ هم ∗∗∗ ∗∗∗ خِطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ وَأيْضًا فَلَوْ أرادَ إمارَةَ المُلْكِ في الآيَةِ لَحَسُنَ المَعْنى؛ لِأنَّ الأُمَّةَ إذا مَلَّكَ اللهُ عَلَيْها مُتْرَفًا فَفَسَقَ، ثُمَّ ولِيَ مَثَلَهُ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ، عَظُمَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ واسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَزَلَ بِهِمْ عَلى الرَجُلِ الأخِيرِ مِن مُلُوكِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أمِرْنا" بِكَسْرِ المِيمِ، وحَكاها النَحاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ولا أتَحَقَّقُ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ؛ إلّا إنْ كانَ "أمِرَ القَوْمُ" يَتَعَدّى بِلَفْظِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "أمِرَ بَنُو فُلانٍ" إذا كَثُرُوا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإنْ أُمِرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ والنَفَدِ ومِنهُ: (لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ )، ورَدَّ الفَرّاءُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ حُكِيَ "أمِرَ" مُتَعَدِّيًا عن أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، و"المُتْرَفُ" الغَنِيُّ مِنَ المالِ المُتَنَعِّمُ، والتُرْفَةُ: النِعْمَةُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَرْيَةً بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ ﴾ أيْ وعِيدُ اللهِ لَها الَّذِي قالَهُ رَسُولُهم.

و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الآثارِ وهَدْمِ البِناءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: وكانَ لَهم كَبَكْرِ ثَمُودٍ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهَمْ دَمارا وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ ﴾ الآيَةُ، "كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا"، وهَذا الذِكْرُ لِكَثْرَةِ مَن أهْلَكَ اللهُ مِنَ القُرُونِ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ ووَعِيدٌ، أيْ: لَسْتُمْ بِبَعِيدٍ مِمّا حَصَلُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ إذا أنْتُمْ كَذَّبْتُمْ نَبِيَّكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْنِ -فَقالَ ابْنُ سِيرِينِ عَنِ النَبِيِّ  : أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي أوفى: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقالَتْ طائِفَةٌ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ  : « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي".»«وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ في خَتْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: وضَعَ رَسُولُ اللهِ  يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: "سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا"، قُلْتُ: كَمُ القَرْنُ؟

قالَ: "مِائَةُ سَنَةٍ"،» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: فَما زِلْنا نُعِدُّ لَهُ حَتّى أكْمَلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وماتَ رَحِمَهُ اللهُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِرَبِّكَ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: كَفى بِرَبِّكَ، وهَذِهِ الباءُ إنَّما تَجِيءُ في الأغْلَبِ في مَدْحٍ أو ذَمٍّ، وكَأنَّها تُعْطِي مَعْنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ، أيْ: ما أكْفاهُ في هَذا، وقَدْ تَجِيءُ "كَفى" بِدُونِ باءٍ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وكَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ ويُخْبِرُنِي عن غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا <div class="verse-tafsir"

مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًۭا مَّدْحُورًۭا ١٨ وَمَنْ أَرَادَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًۭا ١٩ كُلًّۭا نُّمِدُّ هَـٰٓؤُلَآءِ وَهَـٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ٢٠ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ وَلَلْـَٔاخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍۢ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًۭا ٢١ لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًۭا مَّخْذُولًۭا ٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ ﴿ وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا ﴾ ﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءِ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ المَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ الدُنْيا العاجِلَةَ، ولا يَعْتَقِدُ غَيْرَ هَذا، ولا يُؤْمِنُ بِآخِرَةِ، فَهو يُفَرِّغُ أمَلَهُ ومُعْتَقَدَهُ لِلدُّنْيا، فَإنَّ اللهَ تَعالى يُعَجِّلُ لِمَن يُرِيدُ مِن هَؤُلاءِ ما يَشاءُ هَذا المُرِيدُ، أو ما يَشاءُ اللهُ تَعالى -عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "نَشاءُ" بِالنُونِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَن نُرِيدُ ﴾ شَرْطٌ كافٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى جَهَنَّمَ لِجَمِيعِ مَن يُرِيدُ العاجِلَةَ -عَلى جِهَةِ الكَفْرِ- مَن أعْطاهُ فِيها ما يَشاءُ ومَن حَرَمَهُ.

قالَ أبُو إسْحاقٍ الفَزارِيُّ: لِمَن نُرِيدُ هَلَكَتَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَشاءُ" بِالنُونِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا: "يَشاءُ" بِالياءِ.

و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ المُذَلَّلُ المَسْخُوطُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أرادَ الآخِرَةَ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ومَن أرادَ الآخِرَةَ إرادَةَ يَقِينٍ بِها وبِاللهِ وبِرِسالَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَبِطٌ بِتَلازُمٍ.

ثُمَّ شَرَطَ في مُرِيدِ الآخِرَةِ أنْ يَسْعى لَها سَعْيَها، وهو مُلازِمَةُ أعْمالِ الخَيْرِ وأقْوالِهِ عَلى حُكْمِ الشَرْعِ وطُرُقِهِ، فَأُولَئِكَ يَشْكُرُ اللهُ سَعْيَهُمْ، ولا يَشْكُرُ اللهُ عَمَلًا ولا سَعْيًا إلّا أثابَ عَلَيْهِ وغَفَرَ بِسَبَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في حَدِيثِ الرَجُلِ الَّذِي سَقى الكَلْبَ العاطِشَ، «فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلا نُمِدُّ ﴾ الآيَةُ.

نَصَبَ "كُلًّا" بِـ "نُمِدُّ".

وأمْدَدْتُ الشَيْءَ إذا زِدْتُ فِيهِ مَن غَيْرِ نَوْعِهِ، ومَدَدْتُ إذا زِدْتَ فِيهِ مِن نَوْعِهِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: مَدَّ وأمَدَّ.

و"هَؤُلاءِ" بَدَلٌ مِن "كُلًّا"، فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عَطاءِ رَبِّكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الطاعاتِ لِمَن يُرِيدُ الآخِرَةَ، والمَعاصِي لِمَن يُرِيدُ العاجِلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالعَطاءِ رِزْقَ الدُنْيا، وهَذا هو تَأْوِيلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وقَتادَةَ، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَرْزُقُ في الدُنْيا مُرِيدِي الآخِرَةَ المُؤْمِنِينَ، ومُرِيدِي العاجِلَةَ مِنَ الكافِرِينَ، ويَمُدُّهم بِعَطائِهِ مِنها، وإنَّما يَقَعُ التَفاضُلُ والتَبايُنُ في الآخِرَةِ، ويَتَناسَبُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ، أيْ إنَّ رِزْقَهُ في الدُنْيا لا يَضِيقُ عن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ وقَلَّما تَصْلُحُ هَذِهِ العِبارَةُ لِمَن يَمُدُّ بِالمَعاصِي الَّتِي تُوبِقُهُ.

و"المَحْظُورُ": المَمْنُوعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ آيَةٌ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ العَطاءَ في الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها هو الرِزْقُ، وفي ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ أنْ يَنْظُرَ مُحَمَّدٌ  إلى تَفْضِيلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِبَعْضٍ عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ونَحْوَهُ مِنَ الصُوَرِ والشَرَفِ والجاهِ والحُظُوظِ، وبَيِّنٌ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ الَّذِي يَنْظُرُ إلَيْهِ النَبِيُّ  أنْ أعْطى اللهُ قَوْما الطاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى الجَنَّةِ، وأعْطى آخَرِينَ الكُفْرَ المُؤَدِّيَ إلى النارِ، وهَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ، وهَذا إنَّما هو النَظَرُ في تَفْضِيلِ فَرِيقٍ عَلى فَرِيقٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ فالنَظَرُ في تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلى شَخْصٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِنَ الكافِرِينَ كَيْفَما قَرَنَتْهُما.

ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ التَفْصِيلَ الأكْبَرَ إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أكْبَرُ دَرَجاتٍ ﴾ لَيْسَ في اللَفْظِ: "مِن أيِّ شَيْءٍ" لَكِنَّهُ في المَعْنى -وَلا بُدَّ- أكْبَرُ دَرَجاتٍ مِن كُلِّ ما يُضافُ بِالوُجُودِ أو بِالفَرْضِ إلَيْها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكْبَرُ تَفْضِيلا ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذِهِ الدَرَجاتِ والتَفْضِيلَ إنَّما هو فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "إنَّ بَيْنَ أعْلى الجَنَّةِ وأسْفَلِها دَرَجَةً كالنَجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبَها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: وقَدْ رَضّى اللهُ الجَمِيعَ فَما يَغْبِطُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَتَمَنّى ذَلِكَ بَدَلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ.

الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، و"الذَمُّ" هُنا لاحِقٌ مِنَ اللهِ تَعالى ومِن ذَوِي العُقُولِ في أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَجْعَلُ عُودًا أو حَجَرًا أفْضَلَ مِن نَفْسِهِ، ويَخُصُّهُ بِالكَرامَةِ، ويَنْسُبُ إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ، ويُشْرِكُهُ مَعَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ.

و"الخِذْلانُ" في هَذا يَكُونُ بِإسْلامِ اللهِ تَعالى، وألّا يَكْفُلَ لَهُ بِنَصْرٍ، و"المَخْذُولُ": الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن يَجِبُ أنْ يَنْصُرَهُ، و"الخاذِلُ" مِنَ الظِباءِ الَّتِي تَتْرُكُ ولَدَها، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الراعِي: ؎ قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ∗∗∗ وسَعى فَلَمْ أرَ مِثْلَهُ مَخْذُولا <div class="verse-tafsir"

۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا ٢٣ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًۭا ٢٤ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًۭا ٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا ﴾ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا ﴾ "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ هي بِمَعْنى: أمَرَ وألْزَمَ وأوجَبَ عَلَيْكُمْ، وهَكَذا قالَ الناسُ.

وأقُولُ: المَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أمْرَهُ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ ، ولَيْسَ في هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أمْرٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى عِبادَةِ اللهِ، فَذَلِكَ هو المَقْضِيُّ، لا نَفْسَ العِبادَةِ.

و"قَضى" في كَلامِ العَرَبِ: أتَمَّ المَقْضِيُّ مُحْكَمًا، والمَقْضِيُّ هُنا هو الأمْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَصّى"، وهي قِراءَةُ أصْحابِهِ وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَخْعِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

وقالَ الضَحاكُ: تَصَحَّفَ عَلى قَوْمٍ "وَصّى" بِـ "قَضى" حِينَ اخْتَلَطَتِ الواوُ بِالصادِّ وقْتَ كَتْبِ المُصْحَفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ بِسَنَدٍ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثْلَ قَوْلِ الضَحاكِ، وقالَ عن مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ: إنَّهُ قالَ: "إنَّ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَنُورًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ  ﴾ .

ثُمَّ ضَعَّفَ ابْنُ حاتِمٍ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ ذَلِكَ، وقالَ: "لَوْ قُلْنا هَذا لَطَعَنَ الزَنادِقَةُ في مُصْحَفِنا".

والضَمِيرُ في ﴿ تَعْبُدُوا ﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَضى السَلَفُ والجُمْهُورُ، وسَألَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: قُضِيَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ -وَكانَ فَصِيحًا-: ما قَضى اللهُ أيْ: ما أمَرَ اللهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الناسُ، تَكَلَّمَ الحَسَنُ في القَدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "قَضى" عَلى مَشْهُورِها في الكَلامِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "تَعْبُدُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنْ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ عَطْفًا عَلى "أنِ" الأُولى، أيْ: أمَرَ اللهُ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأنَّ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَهم بِقَضاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أمَرَهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ و"إمّا" شَرْطِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَبْلُغَنَّ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانِ "يَبْلُغَنْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْلُغانِّ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وهي النُونُ الثَقِيلَةُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، ولَيْسَتْ بِنُونِ تَثْنِيَةٍ، فَعَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: أحَدُهُما" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَبْلُغانِّ"، وهو بَدَلٌ مُقَسِّمٌ كَقَوْلِ الشاعِرِ: وكُنْتُ كَذِي رَجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورَجُلٍ رَمى فِيها الزَمانُ فَشَلَّتْ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أحَدُهُما" فاعِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿ أو كِلاهُما ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقَدْ ذَكَرَ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، وسِيبَوَيْهِ لا يَرى لِهَذِهِ اللُغَةَ مَدْخَلًا في القُرْآنِ الكَرِيمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "أُفِ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَرْكِ التَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى: "أُفٍّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "أُفَّ" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "أُفُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "أُفَ" خَفِيفَةً، وهَذا كُلُّهُ بِناءٌ، إلّا أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تُعْطِي التَنْكِيرَ، كَما تَقُولُ: "إيهِ".

وفِيها لُغاتٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: "أُفٌّ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ، عَلى أنَّ هارُونَ حَكاها قِراءَةً وأُفًّا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ، و"أُفِي" بِياءٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ، حَكاها الأخْفَشُ الكَبِيرُ، و"أُفا" بِألْفٍ بَعْدَ الفَتْحَةِ، و"أُفَّ" بِسُكُونِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ، و"أُفُ" مِثْلَ رَبْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُمِيلُ "أُفا"، ومِنهم مَن يَزِيدُ فِيها هاءَ السَكْتِ فَيَقُولُ: "أُفاهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى اللَفْظَةِ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، كَأنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: أضْجَرُ، أو: أتَقَذَّرُ، أو: أكْرَهُ، أو نَحْوَ هَذا، يُعَبِّرُ إيجازًا بِهَذِهِ اللَفْظَةِ فَتُعْطِي مَعْنى الفِعْلِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ اللَفْظَةَ مَثَلًا لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُقابِلَ بِهِ الآباءَ مِمّا يَكْرَهُونَ، فَلَمْ تُرَدْ هَذِهِ اللَفْظَةَ في نَفْسِها وإنَّما هي مِثالُ الأعْظَمِ مِنها والأقَلِّ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ المَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَذْكُورِ.

و"الِانْتِهارُ إظْهارُ الغَضَبِ في الصَوْتِ واللَفْظِ.

و"القَوْلُ الكَرِيمُ": الجامِعُ لِلْمَحاسِنِ، مِنَ اللِينِ وجَوْدَةِ المَعْنى وتَضَمُّنِ البِرِّ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، تُرِيدُ أنَّهُ جَمُّ المَحاسِنِ.

و"الأُفُّ": وسَخُ الأظْفارِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ مَعْناهُ: إذا رَأيْتَ مِنهُما في حالِ الشَيْخِ الغائِطَ والبَوْلَ الَّذِي رَأياهُ مِنكَ في حالِ الصِغَرِ، فَلا تَقْذِرْهُما، وتَقُولُ: أُفٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ ما تَقْتَضِيهِ.

قالَ أبُو السَرّاجِ التُجِيبِي: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ قَدْ عَرِفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ، ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟

قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيِ: اقْطَعْهُما جانِبَ الذُلِّ مِنكَ، ودَيِّثْ لَهُما نَفْسَكَ وخُلُقَكَ.

وبُولِغَ بِذِكْرِ الذُلِّ هُنا ولَمْ يَذْكُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وذَلِكَ بِحَسَبِ عِظَمِ الحَقِّ هُنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الذُلِّ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "الذِلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، و"الذِلُّ" في الدَوابِّ ضِدُّ "الصُعُوبَةِ"، ومِنهُ: الجَمَلُ الذَلُولُ، والمَعْنى يَتَقارَبُ.

ويَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مَعَ أبَوَيْهِ في حَيِّزِ ذِلَّةٍ في أقْوالِهِ وسَكَناتِهِ ونَظَرِهِ، ولا يُحِدُّ لَهُما بَصَرَهُ، فَإنَّ تِلْكَ هي نَظْرَةُ الغاضِبِ.

وفي الحَدِيثِ«أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "أبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ" قالُوا: مَن يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ أو أحَدَهُما فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الرَحْمَةِ ﴾ ، "مِنَ" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ إنَّ هَذا الخَفْضَ يَكُونُ مِنَ الرَحْمَةِ المُسْتَكِنَّةِ في النَفْسِ، لا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالتَرَحُّمِ عَلى آبائِهِمْ، وذِكْرِ مِنَنِهِما عَلَيْهِ في التَرْبِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَذَكُّرَ تِلْكَ الحالَةِ مِمّا يُزِيدُ الإنْسانَ إشْفاقًا لَهُما، وحَنانًا عَلَيْهِما، وهَذا كُلُّهُ في الأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ، وقَدْ نَهى القُرْآنُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ الأمْواتِ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا لَفْظُ النَسْخِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ أيْ: مِنَ اعْتِقادِ الرَحْمَةِ بِهِما والحُنُوِّ عَلَيْهِما، أو مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْعَلُونَ ظاهِرَ بِرِّهِما رِياءً.

ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِالغُفْرانِ مَعَ شَرْطِ الصَلاحِ والأوبَةِ بَعْدَ الأوبَةِ إلى طاعَةِ اللهِ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في "الأوّابِينَ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ المُصْلِحُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المُسَبِّحُونَ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُطِيعُونَ المُحْسِنُونَ، وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  سُئِلَ عَنِ الصَلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقالَ: "تِلْكَ صَلاةُ الأوّابِينَ".» وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ ونَحْوَهُ.

وقالَ عَوْنُ العَقِيلِيِّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الضُحى.

وحَقِيقَةُ اللَفْظَةِ أنَّها مِن: آبَ يُؤَوِّبُ إذا رَجَعَ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم لَهم رُجُوعٌ إلى طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ لَزِمَ عُرْفَها أهْلُ الصَلاحِ.

قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هو العَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ.

وفَسَّرَ الجُمْهُورُ "الأوّابِينَ" بِالراجِعِينَ إلى الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِقَوْلِهِ: "غَفُورًا لِلْأوّابِينَ" الزَلَّةَ والفَلْتَةَ تَكُونُ مِنَ الرَجُلِ إلى أحَدِ أبَوَيْهِ، وهو لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها بِقَلْبِهِ، ولا عَلِمَها اللهُ مِن نَفْسِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "خَفْضُ الجَناحِ" هو ألّا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ يُرِيدانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ٢٦ إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًۭا ٢٧ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًۭا مَّيْسُورًۭا ٢٨ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًۭا مَّحْسُورًا ٢٩ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا ٣٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَياطِينِ وكانَ الشَيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ عنهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا ﴾ ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "ذِي القُرْبى" فَقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ وصِيَّةٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِصِلَةِ قَرابَتِهِمْ، خُوطِبَ بِذَلِكَ النَبِيُّ  والمُرادُ الأُمَّةُ.

و"الحَقُّ" في هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَيَّنُ لَهُ مِن صِلَةِ الرَحِمِ، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمُواساةُ عِنْدَ الحاجَةِ بِالمالِ والمَعُونَةِ بِكُلِّ وجْهٍ.

قالَ بِنَحْوِ هَذا: الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهم.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ في هَذِهِ: هم قُرابَةُ النَبِيِّ  ، أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهم مِن بَيْتِ المالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ، ويُعَضِّدُهُ العَطْفُ بِالمِسْكِينَ وابْنِ السَبِيلِ.

و"ابْنُ السَبِيلِ" هُنا يَعُمُّ الغَنِيُّ والفَقِيرُ؛ إذْ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ وإنِ اخْتَلَفا، و"ابْنُ السَبِيلِ" في آيَةِ الصَدَقَةِ أخَصُّ.

و"التَبْذِيرُ": إنْفاقُ المالِ في إفْسادٍ، أو في سَرَفٍ في مُباحٍ، وهو مِنَ البَذْرِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: "المُبَذِّرِينَ" أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ أهْلَ مَكَّةَ مُعَيَّنِينِ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إخْوانَ" يَعْنِي: أنَّهم في حُكْمِهِمْ؛ إذِ المُبْذِرُ ساعٍ في فَسادٍ، والشَيْطانُ أبَدًا ساعٍ في فَسادٍ، والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ مِن غَيْرِ النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿ أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ  ﴾ ، والإخْوَةُ: جَمْعُ أخٍ في النَسَبِ، وقَدْ يَشِذُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ  ﴾ ، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَحاكُ: "إخْوانُ الشَيْطانِ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى كُفْرَ الشَيْطانِ لِيَقَعَ التَحْذِيرُ مِنَ التَشَبُّهِ بِهِ في الإفْسادِ مُسْتَوْعِبًا بَيِّنًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تُعْرِضَنَّ ﴾ الآيَةُ.

الضَمِيرُ في "عنهُمُ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَساكِينِ وبَنِي السَبِيلِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  في هَذِهِ الآيَةِ -إذا سَألَهُ مِنهم أحَدٌ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ ما يُعْطِيهِ، فَقابَلَهُ رَسُولُ اللهِ  بِالإعْراضِ تَأدُّبًا مِنهُ في أنْ لا يَرُدُّهُ تَصْرِيحًا، وانْتِظارًا لِرِزْقٍ مِنَ اللهِ تَعالى يَأْتِي فَيُعْطِي مِنهُ -أنْ يَكُونَ يُؤْنِسُهُ بِالقَوْلِ المَيْسُورِ، وهو الَّذِي فِيهِ التَرْجِيَةُ بِفَضْلِ اللهِ، والتَأْنِيسُ بِالمِيعادِ الحَسَنِ، والدُعاءُ في تَوْسِعَةِ اللهِ تَعالى وعَطائِهِ.

ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَقُولُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ -إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي-: « "يَرْزُقُنا اللهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ"،» فالرَحْمَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الرِزْقُ المُنْتَظَرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ: الأجْرُ والثَوابُ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا يَسْألُونَ رَسُولَ اللهِ  فَيَأْبى أنْ يُعْطِيَهُمْ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مِنهم نَفَقَةَ المالِ في فَسادٍ، فَكانَ يُعْرِضُ عنهم رَغْبَةَ الأجْرِ في مَنعِهِمْ، لِئَلّا يُعِينُهم عَلى فَسادِهِمْ، فَأمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا يَتَضَمَّنُ الدُعاءَ في الفَتْحِ لَهم والإصْلاحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ الأوَّلِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرِ وصِنْفِهِ، و"المَيْسُورُ" مَفْعُولٌ مِن لَفْظَةِ اليُسْرِ، تَقُولُ: يَسَّرَتْ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ عن قالُونَ: "كَلَّ البُصْطِ" بِالصادِّ، ورَواهُ الأعْشى عن أبِي بَكْرٍ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ المَقْبُوضَةِ جُمْلَةً عَنِ الإنْفاقِ المُتَّصِفَةِ بِالبُخْلِ الغَلُّ إلى العُنُقِ، واسْتُعِيرَ لِلْيَدِ الَّتِي تَسْتَنْفِدُ جَمِيعَ ما عِنْدَها غايَةَ البَسْطِ، ضِدُّ الغِلِّ، وكُلُّ هَذا في إنْفاقِ الخَيْرِ، وأمّا إنْفاقُ الفَسادِ فَقَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ حَرامٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّقِ.."» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ.

والمَلامَةُ هُنا لاحِقَةٌ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَجِدُ ما يُعْطِي.

و"المَسْحُورُ": المُقْعَدُ الَّذِي قَدِ اسْتُنْفِدَتْ قُوَّتُهُ، تَقُولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إذا أتْعَبْتَهُ حَتّى لَمْ تَبْقَ لَهُ قُوَّةٌ، فَهو حَسِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَهُنَّ الوَجا لِمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى السُرى ∗∗∗ ولا زالَ مِنها طالِعٌ وحَسِيرُ ومِنهُ: البَصَرُ الحَسِيرُ، وهو الكالُّ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: لا تُمْسِكُ عَنِ النَفَقَةِ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فِيما نَهَيْتُكَ عنهُ.

وقالَ قَتادَةُ: التَبْذِيرُ: النَفَقَةُ في مَعْصِيَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ إنْسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في حَقٍّ لَمْ يَكُنْ تَبْذِيرًا، ولَوْ أنْفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبْذِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، ولا يُعْطِي البَسْطُ مَعْنًى لَمْ يُبِحْ فِيما نُهِيَ عنهُ، ولا يُقالُ في المَعْصِيَةِ: "وَلا تُبَذِّرُ"، وإنَّما يُقالُ: "وَلا تُنْفِقُ ولَوْ بِاقْتِصادٍ وقِوامٍ"، ولِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّهُما قالا: "التَبْذِيرُ: الإنْفاقُ في غَيْرِ حَقٍّ"، فَهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَعْصِيَةَ والسَرَفُ المُباحَ، وإنَّما نَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اسْتِفْراغِ الجُهْدِ فِيما يَطْرَأُ أوَّلًا مِن سُؤالِ المُؤْمِنِينَ؛ لِئَلّا يَبْقى مَن يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ لا شَيْءَ لَهُ، ولِئَلّا يُضَيِّعُ المُنْفِقُ عِيالًا، ونَحْوَهُ ومِن كَلامِ الحِكْمَةِ: "ما رَأيْتُ قَطُّ سَرَفًا إلّا ومَعَهُ حَقٌّ مُضَيَّعٌ"، وهَذِهِ مِن آياتٍ فِقْهِ الحالِ، ولا يُبَيِّنُ حُكْمَها إلّا بِاعْتِبارِ شَخْصٍ مِنَ الناسِ.

قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِزْقَ ﴾ ، المَعْنى: كُنْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى ما رُسِمَ لَكَ مِنَ الِاقْتِصادِ وإنْفاقِ القَوّامِ، ولا يُهِمُّنَّكَ فَقْرَ مَن تَراهُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ بِمَرْأى مِنَ اللهِ وبِمَسْمَعٍ، وبِمَشِيئَةٍ.

و"يَقْدِرُ" مَعْناهُ: يُضَيِّقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ ، أيْ: يَعْلَمُ مَصْلَحَةَ قَوْمٍ في الفَقْرِ، ويَعْلَمُ مَصْلَحَةَ آخَرِينَ في الغِنى.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -وَحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى حالِ العَرَبِ الَّتِي كانَتْ يُصْلِحُها الفَقْرُ، وكانَتْ إذا شَبِعَتْ طَغَتْ وقَتَلَتْ غَيْرَها وأغارَتْ، وإذا كانَ الجُوعُ والقَحْطُ شَغَلَهم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًۭٔا كَبِيرًۭا ٣١ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا ٣٢ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًۭا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا ٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أولادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا ﴾ قَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلا تُقَتِّلُوا" بِتَضْعِيفِ الفِعْلِ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ  ﴾ ، ويُقالُ: كانَ جَهْلُهم يَبْلُغُ إلى أنْ يُغِزَّ واحِدٌ مِنهم كَلْبَهُ ويَقْتُلَ ولَدَهُ، و"خَشْيَةَ" نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، و"الإمْلاقُ": الفَقْرُ وعَدَمُ المالِ، أمْلَقَ الرَجُلُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقاتُ، وهي الحِجارَةُ العِظامُ المُلْسُ السُودُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِطْئًا" بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ، وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "خَطَأً" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وهاتانِ قِراءَتانِ مَأْخُوذَتانِ مِن: خَطِئَ إذا أتى الذَنْبُ عَلى عَمَدٍ، فَهِيَ: كَحِذْرٍ وحَذَرَ ومِثْلٍ ومَثَلَ وشِبْهٍ وشَبَهَ اسْمٌ ومَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: الخِطْءُ فاحِشَةٌ والبَرُّ نافِلَةٌ ∗∗∗ كَعَجْوَةٍ غُرِسَتْ في الأرْضِ تُؤْتَبَرُ قالَ الزَجّاجُ: خُطِئَ الرَجُلُ يَخْطَأُ خِطْئًا، مِثْلُ: أثِمَ يَأْثَمُ إثْمًا، فَهَذا هو المَصْدَرُ، وخَطَأُ اسْمٌ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَطِئَ مَعْناهُ واقِعُ الذَنْبِ مَعَ التَعَمُّدِ، وأخْطَأ إذا واقَعَةُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخْطَأْنا  ﴾ ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وقَدْ يَقَعُ هَذا مَوْضِعَ هَذا وهَذا مَوْضِعَ هَذا، فَأخْطَأ بِمَعْنى تَعَمَّدَ في قَوْلِ الشاعِرِ: عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ كَرِيمٌ لا يَلِيقُ بِكَ الذُمُومُ وخُطِئَ بِمَعْنى لَمْ يَتَعَمَّدْ في قَوْلِ الآخَرِ: والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذا هُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ خَطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَطْأ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ وهَمْزِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "خِطاءً" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ ومَدِّ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وشِبْلٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وخالِدِ بْنِ إلْياسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ-، قالَ النَحاسُ: ولا أعْرِفُ لِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهًا، وكَذَلِكَ جَعَلَها أبُو حاتِمٍ غَلَطًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي مَصْدَرٌ مِن خاطَأ يُخاطِئُ وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ، ولَكِنْ وجَدْنا تَخاطَأ، وهو مُطاوِعُ خاطَأ، فَدَلَّنا عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَخَطَأتِ النَبْلُ أحْشاءَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وأخَّرَ يَوْمِي فَلَمْ أعْجَلِ وقَوْلُ الآخَرِ في صِفَةِ كَمْأةٍ: تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مِنقَعِ الماءِ راسِبُ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أولادَهم يُخاطِئُونَ الحَقَّ والعَدْلَ.

وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "خَطاءً" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ والمَدِّ في الهَمْزَةِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ هَذا فِي اللُغَةِ، وهو غَلَطٌ غَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الخَطّاءُ مِن "أخْطَأتْ" بِمَنزِلَةِ العَطاءِ مِن "أعْطَيْتُ"، هو اسْمٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-: "خَطَأ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ مُنَوَّنَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والزَهْرِيُّ: "خِطًا" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ كالَّتِي قَبْلَها، وهاتانِ مُخَفَّفَتانِ مِن: خَطَأً وخِطَأٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِنا ﴾ تَحْرِيمٌ، والزَنِي يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فَمِن قِصْرِهِ الآيَةُ، وهي لُغَةُ جَمِيعِ كِتابِ اللهِ، ومِن مَدِّهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: أبا حازِمٍ مَن يَزِنُ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَن يَشْرَبُ الخُرْطُومَ يُصْبَحُ مُسَكَّرا ويُرْوى: أبا خالِدٍ، و"الفاحِشَةُ": ما يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ المَعاصِي لِقُبْحِهِ.

و"سَبِيلًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، التَقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا، أيْ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا ﴾ وما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ جَزْمٌ بِالنَهْيِ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ  ﴾ ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْرَعُ لِلْمَعْنى.

والألِفُ واللامُ الَّتِي في "النَفْسَ" هي لِلْجِنْسِ، و"الحَقُّ" الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو ما فَسَّرَهُ النَبِيُّ  في قَوْلِهِ: « "لا يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلّا إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أو زِنى بَعْدَ إحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ أُخْرى".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَّصِلُ بِها أشْياءٌ هي راجِعَةٌ إلَيْها، فَمِنها قَطْعُ الطَرِيقِ لِأنَّهُ في مَعْنى قَتْلِ النَفْسِ، وهي الحِرابَةُ، ومِن ذَلِكَ الزَنْدَقَةُ، ومَسْألَةُ تَرْكِ الصَلاةِ لِأنَّها في مَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ومِنهُ قَتْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَنَعَةَ الزَكاةِ، وقَتْلُ مَنِ امْتَنَعَ في المُدُنِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَظْلُومًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: بِغَيْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.

و"الوَلِيُّ: القائِمُ بِالدَمِ وهو مَن ولَدَ المَيِّتَ، أو ولَدَهُ المَيِّتُ، أو جَمَعَهُ وإيّاهُ أبٌ، ولا مَدْخَلَ لِلنِّساءِ في وِلايَةِ الدَمِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ولَهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أخِرَيْنِ.

و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ والمُلْكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَخْيِيرِ في قَبُولِ الدِيَةِ أوِ العَفْوِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحًّاكُ.

وقالَ قَتادَةُ: "السُلْطانُ": القَوْدُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "فَلا يُسْرِفُ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيِ الوَلِيِّ، لا يَتَعَدّى أمْرَ اللهِ، والتَعَدِّي هو أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ مِن سائِرِ القَبِيلَةِ، أو يَقْتُلُ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، وغَيْرِ وذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي، وهَذا كُلُّهُ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَحْذِيرُ مِنهُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إنَّ مِن أعْتى الناسِ عَلى اللهِ ثَلاثَةٌ: رَجُلُ قُتِلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ، أو قُتِلَ بِدَحَنِ الجاهِلِيَّةِ، أو قُتِلَ في حَرَمِ اللهِ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يُسْرِفْ ﴾ القاتِلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: فَلا يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُسْرِفِينَ بِأنْ يَقْتُلَ نَفْسًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ في سِياقِ هَذا الحُكْمِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَلا تُسْرِفُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ حُذَيْفَةَ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، ومُجاهِدٍ -بِخِلافٍ والأعْمَشِ، وجَماعَةٍ.

قالَ الطَبَرِيُّ: عَلى مَعْنى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَتِهِ بَعْدَهُ، أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الوَلِيُّ، أيْ: فَلا تُسْرِفُ أيُّها الوَلِيُّ في قَتْلِ أحَدٍ مُتَحَصِّلٍ في هَذا الحُكْمُ.

وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَرّاجُ صاحِبُ الدَعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ: "فَلا يُسْرِفُ" بِضَمِّ الفاءِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ لا عَلى مَعْنى النَهْيِ.

والمُرادُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الوَلِيُّ فَقَطْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ في القِراءَةِ نَظَرٌ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ إنَّ ولِيَ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا".

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ، وقِيلَ: عَلى المَقْتُولِ، وهو عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَصْرِ تُقابِلُ أبَدًا الظُلْمَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَنَصْرُ المَظْلُومِ وإبْرارُ القَسَمِ"،» وكَقَوْلِهِ  : « "انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظْلُومًا"،» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ.

وقِيلَ: عَلى القَتْلِ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ المَقْصِدِ.

وقالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِشَأْنِ القَتْلِ، وهي مَكِّيَّةٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۚ وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا ٣٤ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًۭا ٣٥ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا ٣٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ ﴿ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عنهُ مَسْؤُولا ﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأوصِياءِ الَّذِينَ هم مُعَدُّونَ لِقُرْبِ مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ هي لِمَن تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ مِن غَيْرِ وصِيٍّ، و"اليَتِيمُ": الفَرْدُ مِنَ الأبْناءِ، واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، يُقالُ: يَتَمَ الصَبِيُّ يَيْتَمُ إذا فَقَدَ أباهُ.

قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: اليُتْمُ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمِّ.

وفي كِتابِ الماوَرْدِي: أنَّ اليُتْمَ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأُمِّ أيْضًا، وجَمْعُ اليَتِيمِ أيْتامٌ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وشَهِيدٍ وأشْهادٍ، ويُجْمَعُ يَتامى كَأسِيرٍ وأسارى، كَأنَّها في الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ غَلَبَةً،.

قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ "يَتْمانِ" في "يَتِيمٍ"، وأنْشَدَ في ذَلِكَ.

فَبِتُّ أُشَوِّي صِبْيَتِي وحَلِيلَتِي ∗∗∗ طَرِيًّا وجَرْوُ الذِئْبِ يَتْمانُ جائِعُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَتامى"جَمْعُ "يَتْمانِ".

وفي الحَدِيثِ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ يُرِيدُ: إلّا بِأحْسَنِ الحالاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في الوَصِيِّ الغَنِيِّ، أنْ يُثَمِّرَ المالَ ويُحَوِّطَهُ، ولا يَحْبِسُ مِنهُ شَيْئًا عَلى جِهَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ.

هَذا هو الوَرَعُ، والأولى ألّا أنْ يَكُونَ يَشْتَغِلُ في مالِ اليَتِيمِ ويَشِحُّ عَلَيْهِ، فالفِقْهُ أنْ تَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً.

وأمّا الوَصِيُّ الفَقِيرُ الَّذِي يَشْغَلُهُ مالُ اليَتِيمِ عن مَعاشِهِ، فاخْتَلَفَ الناسُ في أكْلِهِ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ، كَيْفَ هُوَ؟

فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَتَسَلَّفُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرَ رَدَّ فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا يَشْرَبُ الماءَ مِن مالِ اليَتِيمِ، قِيلَ: فَما مَعْنى: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ ؟

قالَ: إنَّما ذَلِكَ لِخِدْمَتِهِ وغَسْلِ ثَوْبِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْرَبُ إلّا بِتِجارَةٍ ولا يَسْتَقْرِضُ مِنهُ، قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ مِن مالِ نَفْسِهِ.

وقالَ أبُو يُوسُفَ: لَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَأْكُلُ مِنهُ الشَرْبَةَ مِنَ اللَبَنِ، والطُرْفَةَ مِنَ الفاكِهَةِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَخْدِمُهُ، ويَلُوطُ الحَوْضَ، ويَجِدُّ النَخْلَ، ويَنْشُدُ الضالَّةَ، فَيَأْكُلُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكَ في الحَلْبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: يَأْكُلُ مِنهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ بُلْغَةً مِنَ العَيْشِ بِتَعَبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلتَّقَلُّلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ: يَأْخُذُ مِنهُ أُجْرَةً بِقَدْرِ تَعَبِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها تَدْخُلُ فِيما هو أحْسَنُ.

وكَمالُ تَفْسِيرِ هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ بِحَسَبِ ألْفاظِ تِلْكَ الآياتِ، وفي الخَبَرِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِما نَزَلَتْ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَجَنَّبُوا الأكْلَ مَعَهم في صَحِيفَةٍ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ غايَةَ الإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ ما بَعْدَ الغايَةِ قَدْ سَنَّتْهُ آيَةٌ أُخْرى، وما بَعْدُ هَذِهِ الغاياتِ أبَدًا مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أو يَقْتَضِيَ ذَلِكَ الإنْصافَ في النازِلَةِ، ومِثْلُ هَذا «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "أنا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ  بِيَدِي، وبَعَثْتُ بِها، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ  شَيْءٌ أحُلَّهُ اللهُ لَهُ حَتّى نَحَرَ الهَدْيَ".» و"الأشُدَّ": جَمْعُ (شَدَّ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ: قُواهُ في العَقْلِ والتَجْرِبَةِ والنَظَرِ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ البُلُوغِ، فالأشُدَّ في مَذْهَبِ مالِكٍ إقْرانُ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ أو ما يَقُومُ مَقامَهُ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، والرُشْدُ في المالِ.

واخْتُلِفَ، هَلْ مِن شُرُوطِ ذَلِكَ الرُشْدِ في الدِينِ عَلى قَوْلَيْنِ: فابْنُ القاسِمِ لا يُراعِيهِ إذا كانَ ضابِطًا لِمالِهِ، وراعاهُ غَيْرُهُ مِن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الأشُدَّ هو البُلُوغُ فَقَطْ، فَلا حَجْرَ عِنْدِهِ عَلى بالِغٍ إلّا أنْ يَعْرِفَ مِنهُ السَفَهَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَسْتُ مِن هَذا التَقْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى ثِقَةٍ.

وقالَ أبُو إسْحاقٍ الزَجّاجُ: الأشُدُّ في قَوْلِهِ أنْ يَأْتِيَ عَلى الصَبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما أرادَ أنَّهُ بَعْضُ ما قِيلَ في حَدِّ البُلُوغِ لِمَن لا يَحْتَلِمُ، وأمّا أنْ يَكُونَ بالِغًا رَشِيدًا فَلا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ حَتّى يَبْلُغَ هَذِهِ المُدَّةَ فَشَيْءٌ لا أحْفَظُ مَن يَقُولُهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِالعَهْدِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ عَهْدٍ وعَقْدٍ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ رَبِّهِ، أو بَيْنَهُ وبَيْنَ المَخْلُوقِينَ في طاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ أيْ: مَطْلُوبًا مِمَّنْ عُهِدَ إلَيْهِ أو عُوهِدَ، هَلْ وفّى بِهِ أمْ لا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ التَجَرِ الوَزْنِ والكَيْلِ أنْ يُعْطُوا الحَقَّ في كَيْلِهِمْ ووَزْنِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقِفُ في السُوقِ ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ المَوالِي، إنَّكم وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلاكُ الناسِ قَبْلَكُمْ، هَذا المِكْيالُ وهَذا المِيزانُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لا يُقالُ لَهُ: "أوفِ الكَيْلَ"، هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ، و"القِسْطاسُ" قالَ الحَسَنُ: هو القَبّانُ، ويُقالُ فِيهِ: القَفّانِ، وهو القاسَطُونَ، ويُقالُ القَرْطَسُونُ، وقِيلَ: القِسْطاسُ المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أو كَبِيرًا، وقالَ مُجاهِدٌ: القِسْطاسُ: العَدْلُ، وكانَ يَقُولُ: هي لُغَةٌ رُومِيَّةٌ، فَكَأنَّ الناسَ قِيلَ لَهُمْ: زِنُوا بِمَعْدَلَةٍ في وزْنِكم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "القُسْطاسُ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "القِسْطاسُ"، وهُما لُغَتانِ، واللَفْظَةُ مِنهُ لِلْمُبالِغَةِ مِنَ القِسْطِ، والمُرادُ بِها في الآيَةِ جِنْسُ المَوازِينِ العَدْلَةِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: "إنَّما قَرَأ بِكَسْرِ القافِ أهْلُ الكُوفَةِ، وكُلُّ قِراءَةٍ لا تُجاوِزُ الكُوفَةَ إلى الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ فاقْرَأْ بِغَيْرِها".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالقِصْطاسِ" بِالصادِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ مَذْهَبُ مُجاهِدٍ في هَذا وفي مِيزانِ القِيامَةِ، وكُلِّ ذَلِكَ، أنَّها اسْتِعاراتٌ لِلْعَدْلِ، وقَوْلُهُ: "مِيزانُ القِيامَةِ" مَرْدُودٌ، وعَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ.

وسَمِعْتُ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: رَأيْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ عَمْرُو بْنِ العاصِ يَعِظُ الناسَ في الوَزْنِ، فَقالَ في جُمْلَةِ كَلامِهِ: إنَّ هَيْئَةَ اليَدِ بِالمِيزانِ عِظَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الأصابِعَ تَجِيءُ مِنها صُورَةُ المَكْتُوبَةِ: ألْفٌ ولا مانِ وهاءٌ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ جَمِيلٌ.

و"التَأْوِيلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَآلُ، قالَهُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "التَأْوِيلُ" مَصْدَرُ تَأوَّلَ، أيْ: يَتَأوَّلُ عَلَيْكُمُ الخَيْرُ في جَمِيعِ أُمُورِكم إذا أحْسَنْتُمْ في الكَيْلِ والوَزْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِنَ الكَيْلِ والوَزْنِ تَحَرِّي الحَقِّ، فَإنْ غُلِبَ الإنْسانُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ لِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِن تَطْفِيفٍ شاذٍّ، لَمْ يَقْصِدْهُ، فَذَلِكَ نَزْرٌ مَوْضُوعٌ عنهُ إثْمُهُ، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ الِانْفِكاكُ عنهُ في وُسْعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ مَعْناهُ: ولا تَقُلْ ولا تَتَّبِعْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنَّها لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعِظَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "نَحْنُ بَنُو النَضْرِ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا"،» وتَقُولُ: فَلانٌ قِفْوَتِي، أيْ: مَوْضِعُ تُهْمَتِي، وتَقُولُ: "رُبَّ سامِعِ عِذْرَتِي ولَمْ يَسْمَعْ قِفْوَتَيْ" أيْ: ما رَمَيْتُ بِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِلَّذِي يُفْشِي سِرَّهُ ويَعْتَذِرُ مِن ذَنْبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ المُعْتَذَرُ إلَيْهِ.

وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ مَعْناهُ: ولا تَرْمِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: ومِثْلُ الدُمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَقافِيا وَقالَ الكُمَيْتُ: ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا وأصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ مِنَ اتِّباعِ الأثَرِ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الأثَرَ، ويُشْبِهُ أنَّ هَذا مِنَ "القَفا"، ومِنهُ قافِيَةُ الشِعْرِ لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وتَقُولُ: "قُفْتُ الأثَرَ"، ومِن هَذا: هو القائِفُ، وتَقُولُ: "فُقْتُ الأثَرَ" بِتَقْدِيمِ الفاءِ عَلى القافِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَلَعُّبِ العَرَبِ في بَعْضِ الألْفاظِ، كَما قالُوا: "رَعَمْلِي" في "لَعَمْرِي"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: قَفا وقافَ، مِثْلُ عَتا وعاتَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولا تَتَّبِعْ لِسانَكَ مِنَ القَوْلِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ إلى أنَّ قَفا وقافَ مِثْلَ جَذَبَ وجَبَذَ، فَهَذِهِ الآيَةُ بِالجُمْلَةِ تَنْهى عن قَوْلِ الزُورِ والقَذْفِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ الرَدِيئَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَقْفُ"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ -فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "وَلا تَقُفْ" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الفاءِ.

وقَرَأ الجَرّاحُ: "والفَوادَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وعَبَّرَ عَنِ "السَمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ" بِـ "أُولَئِكَ" لِأنَّها حَواسُّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْؤُولَةً، فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عنها بِـ "أُولَئِكَ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ : إنَّهُ إنَّما قالَ: "رَأيْتُهُمْ" في نُجُومٍ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَها بِالسُجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عنها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ.

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمّا يُعْقَلُ وعَمًّا لا يُعْقَلُ بِالإدْراكِ، وأنْشَدَ هو والطَبَرِيُّ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِوى ∗∗∗ ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ فَأمًّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقٍ عَنِ اللُغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِوايَةُ "الأقْوامُ"، والضَمِيرُ في "عنهُ" يَعُودُ عَلى ما لَيْسَ لِلْإنْسانِ بِهِ عِلْمٌ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ، وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى "كُلٌّ" الَّتِي هي لِلسَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ الإنْسانَ عَمّا حَواهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وفُؤادُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَذِهِ كانَ الإنْسانُ عنهُ مَسْؤُولًا، أيْ عَمّا حَصَلَ لِهَؤُلاءِ مِنَ الإدْراكاتِ، ووَقَعَ مِنها مِنَ الخَطايا، فالتَقْدِيرُ "عن أعْمالِها مَسْؤُولًا"، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًۭا ٣٧ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًۭا ٣٨ ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًۭا مَّدْحُورًا ٣٩ أَفَأَصْفَىٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنَـٰثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًۭا ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضِ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا ﴾ ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ ﴿ أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "مَرَحًا" بِفَتْحِ الراءِ، مَصْدَرٌ مِن: مَرِحَ يَمْرَحُ إذا تَبَخْتَرَ مَسْرُورًا بِدُنْياهُ مُقْبِلًا عَلى راحَتِهِ، فَهَذا هو المَرَحُ، فَنُهِيَ الإنْسانُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَشْيُهُ في الأرْضِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْطَعَ الأرْضَ وتَمْسَحَها بِمَشْيِكَ، ولَنْ تَبْلُغَ أطْوالَ الجِبالِ فَتَنالُها طُولًا، فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَوِي في الأرْضِ بِمَشْيِكَ فَقَصْرُكَ نَفْسَكَ عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ مِنَ المَشْيِ والتَصَرُّفِ أولى وأحَقُّ.

وخُوطِبَ النَبِيُّ  بِهَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ الناسُ كُلُّهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإقْبالُ الإنْسانِ عَلى الصَيْدِ ونَحْوَهُ تَنْزِهًا دُونَ حاجَةٍ إلى ذَلِكَ داخِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا الرَجُلُ يَسْتَرِيحُ في اليَوْمِ النادِرِ والساعَةِ مِن يَوْمِهِ فَيَجُمُّ فِيها نَفْسَهُ في التَفَرُّجِ والراحَةِ لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى شُغْلٍ مِنَ البِرِّ كَقِراءَةِ عِلْمٍ أو صَلاةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِداخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقَرَأتْ فِرْقَةٌ -فِيما حَكى يَعْقُوبُ-: "مَرِحًا" بِكَسْرِ الراءِ عَلى بِناءِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا المَعْنى يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ولَكِنْ يَحْسُنُ مَعَها مَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مَعَ القِراءَةِ الأولى، وهو بِهَذِهِ القِراءَةِ ألْيَقُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا ﴾ أرادَ بِذَلِكَ: أيُّها المَرِحُ المُخْتالُ الفَخُورُ، لا تَخْرِقِ الأرْضَ، ولا تَطاوُلِ الجِبالَ بِفَخْرِكَ وكِبَرِكَ، وذَهَبَ بِالألْفاظِ إلى هَذا المَعْنى، ويَحْسُنُ ذَلِكَ مَعَ القِراءَةِ بِكَسْرِ الراءِ مِنَ المَرَحِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ نُهِيَ حِينَئِذٍ عَنِ التَخَلُّقِ بِالمَرَحِ في كُلِّ أوقاتِهِ؛ إذِ المَشْيُ في الأرْضِ لا يُفارِقُهُ، فَلَمْ يُنْهَ إلّا عن يَكُونُ مَرَحًا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى إنَّما نُهِيَ مَن لَيْسَ بِمَرَحٍ عن أنْ يَمْشِيَ في بَعْضِ أوقاتِهِ مَرَحًا، فَيَتَرَتَّبُ في المَرَحِ -بِكَسْرِ الراءِ- أنْ يُؤْخَذَ بِمَعْنى المُتَكَبِّرِ المُخْتالِ.

وخَرْقُ الأرْضِ: قَطْعُها، والخَرْقُ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وخَرْقٍ تَجاوَزْتُ مَجْهُولَهُ ∗∗∗ بِوَجْناءَ خَرْقِ تَشَكّى الكَلالا ويُقالُ لِثُقْبِ الأرْضِ: خَرْقٌ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: وقاتِمُ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرِقْ وَقَرَأ الجَرّاحُ، والأعْرابِيُّ: "لَنْ تَخْرُقَ الأرْضَ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُغَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "سَيِّئَةً"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: "سَيِّئُهُ" عَلى إضافَةِ "سَيِّئٍ" إلى الضَمِيرِ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الأُولى- إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا نُهِيَ عنهُ، كَقَوْلِ: أُفٍّ، وقَذْفِ الناسِ، والمَرَحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن بِرٍّ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ اخْتَصَّ ذِكْرُ السَيِّئِ مِنهُ بِأنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئُهُ" بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ فَإعْرابُ قِراءَتِهِ بَيِّنٌ و"سَيِّئٌ" اسْمُ "كانَ"، و"مَكْرُوهًا" خَبَرُهُ، وأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئَةً" فَهي الخَبَرُ لِـ "كانَ".

واخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَكْرُوهًا" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كانَ" حَمَلَهُ عَلى لَفْظِ "كُلُّ"، و"سَيِّئَةً" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى في جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَعْتٌ لِـ "سَيِّئَةً" لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكِّرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ المُؤَنَّثَ إذا ذُكِّرَ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ وِفْقَهُ، وإنَّما التَساهُلُ أنْ يَتَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى المُؤَنَّثِ وهو في صِيغَةِ ما يُسْنَدُ إلى المُذَكَّرِ، ألّا تَرى أنَّ قَوْلَ الشاعِرِ: فُلًّا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَهُمْ؟

ولَوْ قالَ قائِلٌ: أبْقَلَ أرْضٌ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكِنْ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَكْرُوهًا" أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "سَيِّئُهُ"، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذَكَرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "سَيِّئُهُ".

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "كانَ سَيِّئاتُهُ"، ورُوِيَ عنهُ "كانَ سَيِّئاتُ" بِغَيْرِ هاءٍ، ورُوِيَ عنهُ "كانَ خَبِيثُهُ".

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ النَواهِيَ كُلُّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ  ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَيِّنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ ﴾ الآيَةُ.

الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الآدابِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها حِكْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ وخَلْقِهِ لَهم مَحاسِنُ الأخْلاقِ.

و"الحِكْمَةُ": قَوانِينُ المَعانِي المُحْكَمَةِ والأفْعالُ الفاضِلَةُ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَواهِي.

والخُطّابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ كُلُّ مِن سَمْعِ الآيَةِ مِنَ البَشَرِ، و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلْعَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَرَّرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، أيْ: أنْتُمْ أيُّها البَشَرُ لَكُمُ الأعْلى مِنَ النَسْلِ ولِلَّهِ البَناتُ؟

فَلَمّا ظَهَرَ هَذا التَباعُدُ الَّذِي في قَوْلِهِمْ عَظَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَسادَ ما يَقُولُونَهُ وشُنْعَتَهُ، ومَعْناهُ: عَظِيمًا في المُنْكَرِ والوَخامَةِ.

و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: جَعَلَكم أصْحابَ الصَفْوَةِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ لِأنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، مِن أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا۟ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًۭا ٤١ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٌۭ كَمَا يَقُولُونَ إِذًۭا لَّٱبْتَغَوْا۟ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلًۭا ٤٢ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا ٤٣ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا ﴾ ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، عَلى مَعْنى: صَرَّفْنا فِيهِ الحِكَمَ والمَواعِظَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِتَخْفِيفِ الراءِ عَلى مَعْنى: صَرَفْنا فِيهِ الناسَ إلى الهُدى بِالدُعاءِ إلى اللهِ، وقالَ بَعْضُ مَن شَدَّدَ الراءَ: إنَّ قَوْلَهُ: "فِي" زائِدٌ، والتَقْدِيرُ: صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَذَّكَّرُوا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، ويَحْيى، والأعْمَشِ.

وما في ضِمْنِ الآيَةِ مِن تَرَجٍّ وطَماعِيَةٍ فَهو في حَقِّ البَشَرِ وبِحَسَبِ ظَنِّهِمْ فِيمَن يَفْعَلُ اللهُ مَعَهُ هَذا.

و"النُفُورُ" عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الإعْراضِ، تَشْبِيهًا بِنُفُورِ الدابَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مَصْدَرٌ لا غَيْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ في الإنْجِيلِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ شَوَّقْناكم فَلَمْ تَشْتاقُوا، ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ ﴾ الآيَةُ، إحْبارٌ بِالحُجَّةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا ﴾ فَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: لِطَلَبِ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ الزُلْفى إلى ذِي العَرْشِ، والقِرْبَةِ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، فَيَكُونُ "السَبِيلُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا  ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والنَقّاشُ وقالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، أبُو مَنصُورُ وغَيْرُهُ-: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا في إفْسادِ مُلْكِهِ ومُضاهاتِهِ في قُدْرَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، وجارِيَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا  ﴾ ، وتَقْتَضِبُ شَيْئًا مِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُهُ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: إنّا لَوْ فَرَضْناهُ لِفَرْضِنا أنْ يُرِيدَ أحَدُهُما تَسْكِينَ جِسْمٍ، والآخِرُ تَحْرِيكَهُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ تَنْفُذَ الإرادَتانِ، ومُسْتَحِيلٌ ألّا تَنْفُذَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَإذا تَمَّتْ إرادَةُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَإنَّ الَّذِي لَمْ تَتِمُّ إرادَتُهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قُلْنا نَفْرِضُهُما لا يَخْتَلِفانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُما جائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، والجائِزُ في حُكْمِ الواقِعِ.

ودَلِيلٌ آخَرُ، إنَّهُ لَوْ كانَ الِاثْنانِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونُوا ثَلاثَةً، وكَذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ودَلِيلٌ آخَرُ: إنَّ الجُزْءَ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المُخْتَرَعاتِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلّا قُدْرَةٌ واحِدَةٌ لا يَصِحُّ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ يَخْتَرِعُهُ واحِدٌ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرْحُها بِحَسَبِ التَقَصِّي يَطُولُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "كَما يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَما تَقُولُونَ" بِالتاءِ.

و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُهُ، فَهو بِمَعْنى التَنْزِيهِ، فَمَوْضِعُها هُنا مَوْضِعُ "تَنَزَّهَ"، فَلِذَلِكَ عُطِفَ الفِعْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: "وَتَعالى".

و"التَعالِي" تَفاعُلٌ، أمّا في المُشاهِدِ في الأجْرامِ فَهو مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صَعَدَ في مَنزِلِهِ أو في جَبَلٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ يُعالِيهِ، وهو يُعالِي ويَرْتَقِي، وأمّا في جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَعالِي هو بِالقَدَرِ لا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "عَمّا يَقُولُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

و"عُلُوًّا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، فَهو كَقَوْلِهِ سُبْحانُهُ ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: يُنَزِّهُهُ عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي لَكُمْ، والِاشْتِراكِ الَّذِي أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ، السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ، ثُمَّ أعادَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَسْبِيحُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ والإنْسَ والجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الأشْياءَ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ أيْ: يُنَزِّهُ اللهَ ويَحْمَدُهُ ويُمَجِّدُهُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَسْبِيحِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَجُوُّزٌ، ومَعْناهُ إنْ كُلَّ شَيْءٍ تَبْدُو فِيهِ صَنْعَةُ الصانِعِ الدالَّةُ عَلَيْهِ، فَتَدْعُو رُؤْيَةُ ذَلِكَ إلى التَسْبِيحِ مِنَ المُعْتَبَرِ، ومِن حُجَّةِ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ  ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مِن شَيْءٍ" لَفْظُ عُمُومٍ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ حَيٍّ ونامٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الجَماداتِ البَحْتَةِ، فَمِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ، وقالَ يَزِيدُ الرَقاشِي لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ، وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ؟

قالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أنَّ الشَجَرَةَ في زَمانِ نُمُوِّها واعْتِدالِها كانَتْ تُسَبِّحُ، فَمُذْ صارَتْ خِوانًا مَدْهُونًا أو نَحْوَهُ صارَتْ جَمادًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لا يَسْمَعُهُ البَشَرُ ولا يَفْقَهُونَهُ، ولَوْ كانَ التَسْبِيحُ ما قالَهُ الآخَرُونَ مِن أنَّهُ أثَرُ الصَنْعَةِ لَكانَ أمْرًا مَفْهُومًا، والآيَةُ تَنْطِقُ بِأنَّ هَذا التَسْبِيحَ لا يُفْقَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَفْقَهُونَ ﴾ الكُفّارَ والغَفَلَةَ، أيْ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ فَلا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأشْياءِ.

وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في التَوْراةِ، ذَكَرَ فِيهِ ألْفَ شَيْءٍ مِمّا يُسَبِّحُ، سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ، سَبَّحَتْ لَهُ الأرْضُ، سَبَّحَ كَذا، سَبَّحَ كَذا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "يُسَبِّحُ لَهُ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: "تُسَبِّحُ لَهُ" بِالتاءِ.

والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إمْلائِهِ لَهُمْ، وصَفْحِهِ عنهم في الدُنْيا، وإمْهالِهِ لَهُمْ، مَعَ شَنِيعِ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا يُنَزِّهُهُ عنهُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، فَلِذَلِكَ أمْهَلَكم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ حِجَابًۭا مَّسْتُورًۭا ٤٥ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًۭا ٤٦ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰٓ إِذْ يَقُولُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ٤٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ نَبِيَّهُ  أنَّهُ يَحْمِيهِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ كانُوا يُؤْذُونَهُ في وقْتِ قِراءَتِهِ القُرْآنَ وصَلاتِهِ في المَسْجِدِ، ويُرِيدُونَ مَدَّ اليَدِ إلَيْهِ، وأحْوالُهم في هَذا المَعْنى مَشْهُورَةٌ.

والمَعْنى الآخَرُ أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ الكَفَرَةِ وبَيْنَ فَهْمِ ما يَقْرَؤُهُ مُحَمَّدٌ  حِجابًا، فالآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- في مَعْنى الَّتِي بَعْدَها، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ هُما آيَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "مَسْتُورًا" أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْحِجابِ، أيْ مَسْتُورًا عن أعْيُنِ الخَلْقِ، فَلا يُدْرِكُهُ أحَدٌ بِرُؤْيَةِ كَسائِرِ الحُجُبِ، وإنَّما هو مِن قُدْرَةِ اللهِ وكِفايَتِهِ وإضْلالِهِ بِحَسَبِ التَأْوِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: مَسْتُورًا بِهِ، عَلى حَذْفِ العائِدِ، وقالَ الأخْفَشُ: "مَسْتُورًا" بِمَعْنى: ساتِرٍ، كَمَشْؤُمِ ومَيْمُونِ، بِمَعْنى: شائِمٍ ويَأْمَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا -لِغَيْرٍ داعِيَةٍ إلَيْهِ- تَكَلُّفٌ، ولَيْسَ مِثالُهُ بِمُسَلَّمٍ.

وقِيلَ: هو عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ المُبالَغَةَ أبَدًا إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِنَ اللَفْظِ الأوَّلِ، فَلَوْ قالَ حِجابًا حاجِبًا لَكانَ التَنْظِيرُ صَحِيحًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ الآيَةُ.

"الأكِنَّةُ": جَمْعُ كِنانٍ، وهو ما غَطّى الشَيْءَ، ومِنهُ كِنانَةُ النُبْلِ، و"الوَقْرُ": الثِقْلُ في الأُذُنِ المانِعُ مِنَ السَمْعِ، فَهو الصَمَمُ، وهَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ لِلْإضْلالِ الَّذِي حَفَّهُمُ اللهُ بِهِ، فَعَبَّرَ عن كَثْرَةٍ ذَلِكَ وعِظَمِهِ بِأنَّهم بِمَثابَةٍ مَن غُطِّيَ قَلَبُهُ وصُمَّتْ أُذُنُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَوْحِيدِ في القُرْآنِ أثْناءَ قِراءَتِكَ فَرَّ كُفّارُ مَكَّةَ مِن سَماعِ ذَلِكَ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا؛ إذْ فِيهِ رَفْضُ آلِهَتِهِمْ واطْراحِها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: «إنْ مَلَأ قُرَيْشٍ دَخَلُوا عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  ، فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: قُولُوا: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ، وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ، فَوَلَّوْا ونَفَرُوا،» فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأنْ تَكُونَ الآيَةُ وصْفَ حالِ الفارِّينَ عنهُ في وقْتِ تَوْحِيدِهِ في قِراءَتِهِ أبْيَنُ وأجْرى مَعَ اللَفْظِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نُفُورًا" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نافِرٍ، كَشاهِدٍ وشُهُودٍ؛ لِأنَّ فَعَوْلًا مِن أبْنِيَةِ فاعِلٍ في الصِفاتِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيْ: نافِرِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ ، "أنْ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ، أيْ: كَراهَةَ أنْ، أو مُنِعَ أنْ، والضَمِيرُ في "يَفْقَهُوهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ الشَياطِينَ، وأنَّهم يَفِرُّونَ مِن قِراءَةِ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ أنَّ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ في اللَفْظِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "إذا نُودِيَ بِالصَلاةِ أدْبَرَ الشَيْطانُ لَهُ خُصاصٌ"».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَسْتَمِعُ بِحِرْصٍ وإقْبالٍ، أو بِإعْراضٍ وتَغافُلٍ واسْتِخْفافٍ، فالضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "ما" وهي بِمَعْنى "الَّذِي"، والمُرادُ بِالَّذِي ما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاسْتِخْفافِ والإعْراضِ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ هو مُلازِمُهُمْ، يَفْضَحُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهُمْ، والعامِلُ في "إذِ" الأُولى وفي المَعْطُوفَةِ عَلَيْها "يَسْتَمِعُونَ" الأُولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ هم نَجْوى ﴾ وصَفَهم بِالمَصْدَرِ، كَما قالُوا: قَوْمُ رِضى وعَدْلٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ هم نَجْوى ﴾ اجْتِماعُهم في دارِ النَدْوَةِ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا" الظاهِرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ، فَشَبَّهُوا الخِبالَ الَّذِي عِنْدَهُ بِزَعْمِهِمْ وأقْوالَهُ الوَخِيمَةَ بِرَأْيِهِمْ بِما يَكُونُ مِنَ المَسْحُورِ الَّذِي قَدْ خَبَلَ السِحْرُ عَقَلَهُ وأفْسَدَ كَلامُهُ.

وتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- شَبِيهَةً بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "بِهِ جِنَّةٌ" ونَحْوَ هَذا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "مَسْحُورًا" مَعْناهُ: ذا سَحْرٍ، وهي الرِئَةُ، يُقالُ لَها: "سَحْرٌ وسُحْرٌ" بِضَمِّ السِينِ، ومِنهُ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ  بَيْنَ سِحْرِي ونَحْرِي".» ومِنهُ قَوْلُهم لِلْجَبانِ "انْتَفَخَ سَحْرُهُ" لِأنَّ الجازِعَ تَنْتَفِخُ رِئَتُهُ، فَكَأنَّ مَقْصِدَ الكُفّارِ بِهَذا التَشْبِيهِ عَلى أنَّهُ بَشَرٌ، أيْ: ذا رِئَةٍ، قالَ: ومِن هَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن يَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ: "مَسْحُورٌ ومُسَحَّرٌ"، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ونُسْحَرُ بِالطَعامِ وبِالشَرابِ وقَوْلُ لَبِيدِ: فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ وَمِنهُ: السُحُورُ، وهو إلى هَذِهِ اللَفْظَةِ أقْرَبُ مِنهُ إلى السِحْرِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ كالصَبُوحِ مِنَ الصَباحِ، والآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مِنَ السِحْرِ بِكَسْرِ السِينِ، لِأنَّ (......) حِينَئِذٍ في قَوْلِهِمْ ضُرِبَ مَثَلٌ لَهُ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السِحْرِ الَّذِي هو الرِئَةِ، ومِنَ التَغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ، فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ، بَلْ هي صِفَةُ حَقِيقَةٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ٤٨ وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا ٤٩ ۞ قُلْ كُونُوا۟ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ٥٠ أَوْ خَلْقًۭا مِّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًۭا ٥١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ ﴿ قُلْ كُونُوا حِجارَةً أو حَدِيدًا ﴾ ﴿ أو خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلِ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ ضَرْبُ المَثَلِ لَهُ هو قَوْلُهُمْ: مَسْحُورٌ، ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، مُتَكَهِّنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مُتَيَقِّنًا بِأحَدِ هَذِهِ، فَإنَّما كانَتْ مِنهم عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ أنَّ أقْرَبَ هَذِهِ الأُمُورُ عَلى تَخَيُّلِ الطارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ، ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِالضَلالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، فَتَجْرِي الآيَةُ مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً  ﴾ ونَحْوَ هَذا.

والآخَرُ: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ، وَإطْفاءِ نُورِ اللهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ لَكَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهَذا مِنهم تَعَجُّبٌ وإنْكارٌ واسْتِبْعادٌ.

و"الرُفاتُ" مِنَ الأشْياءِ: ما مَرَّ عَلَيْهِ الزَمَنُ حَتّى بَلَغَ بِهِ غايَةَ البِلى، وقَرَّبَهُ مِن حالَةِ التُرابِ، يُقالُ: رُفِتَ رَفْتًا فَهو مَرْفُوتٌ، وفُعالٌ بِناءُها لِهَذا المَعْنى، كالحُطامِ والفُتاتِ والرُضاضِ والدُقاقِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "رُفاتًا": غُبارًا، وقالَ مُجاهِدٌ: تُرابًا.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذَيْنِ الاسْتَفْهامَيْنِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أئَذا، أئَنا" جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرُو يَمُدُّ الهَمْزَةَ، ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدَّةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ الأُولى مِثْلَ أبِي عَمْرُو، واخْتَلَفَ عنهُ في المَدِّ، وقَرَأ الثانِيَةَ: "إنّا" مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُ في اكْتِفائِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ مِنَ الثانِي، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "أئِذا كُنّا".

"أئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إذا كُنّا" مَكْسُورَةَ الألْفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ "آئِنّا" يَهْمِزُ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ، ورُوِيَ عنهُ مِثْلُ قِراءَةِ حَمْزَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي سُورَةِ الرَعْدِ تَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ و"جَدِيدٌ" صِفَةٌ لِما قَرُبَ حُدُوثُهُ مِنَ الأشْياءِ، وهَكَذا يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، فَيُقالُ: مِلْحَفَةٌ جَدِيدُ، وقَوْلُهُمْ: جَدِيدَةٌ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُونُوا حِجارَةً أو حَدِيدًا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَأتِّي لا بُدَّ مِن بَعْثِكم.

وقَوْلُهُ: "كُونُوا" هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَعْجِيزَ، مِن أنْواعِ لَفْظَةِ: افْعَلْ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهُمْ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَعْجِيزُ حَيْثُ يُقْضى بِالأمْرِ فِعْلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فادْرَءُوا عن أنْفُسِكُمُ المَوْتَ  ﴾ ونَحْوَهُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها: كُونُوا بِالتَوَهُّمِ والتَقْدِيرِ كَذا وكَذا، الَّذِي فَطَرَكم كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالخَلْقِ الَّذِي يَكْبُرُ في الصُدُورِ السَماواتُ والأرْضُ والجِبالُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: أرادَ المَوْتَ، وقالَ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ: بَلْ أحالَ عَلى فِطْرَتِهِمْ عُمُومًا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ بَدَأ بِشَيْءٍ صُلْبٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أقْوى مِنهُ، ثُمَّ أحالَ عَلى فِطْرَتِهِمْ إنْ شاءَ، وفي أشَدَّ مِنَ الحَدِيدِ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.

ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ في الإعادَةِ بِالفِطْرَةِ الأُولى مِن حَيْثُ خَلَقَهم واخْتَرَعَهم مِن تُرابٍ، وكَذَلِكَ يُعِيدُهم إذا شاءَ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ: "فَسَيُنْغِضُونَ" مَعْناهُ: يَرْفَعُونَ ويَخْفِضُونَ يُرِيدُ عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والِاسْتِهْزاءُ.

قالَ الزَجّاجُ: تَحْرِيكُ مَن يُبْطِلُ الشَيْءَ ويَسْتَبْطِئُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنَغْضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا ويُقالُ: نَغَضَتِ السِنُّ إذا تَحَرَّكَتْ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ: ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ تَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ قالَ الطَبَرِيُّ، وابْنُ سَلّامٍ: و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، فالمَعْنى: وهو قَرِيبٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ إنَّما هي مِنَ النَبِيِّ  ، ولَكِنَّها بِأمْرِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيُقَرِّبُها ذَلِكَ مِنَ الوُجُوبِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ"،» وفي ضِمْنِ اللَفْظَةِ تَوَعُّدٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا ٥٢ وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلْإِنسَـٰنِ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا ٥٣ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًۭا ٥٤ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا ٥٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أو إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَبِيِّينَ عَلى بَعْضَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا ﴾ "يَوْمَ": بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "قَرِيبًا"، ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هو يَوْمٌ، جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَتى هُوَ  ﴾ ويُرِيدُ: يَدْعُوكم مِن قُبُورِكم بِالنَفْخِ في الصُوَرِ لِيُقامَ الساعَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ ﴾ أيْ: بِالقِيامِ والعَوْدَةِ والنُهُوضِ نَحْوَ الدَعْوَةِ، وقَوْلُهُ: "بِحَمْدِهِ"، حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: بِأمْرِهِ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: بِطاعَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، ولا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، وإنَّما مَعْنى "بِحَمْدِهِ": إمّا أنَّ جَمِيعَ العالَمِينَ -كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ - يَقُومُونَ وهم يَحْمِدُونَ اللهَ تَعالى ويُمَجِّدُونَهُ لِما يَظْهَرُ لَهم مِن قُدْرَتِهِ، وإمّا أنَّ قَوْلَهُ: "بِحَمْدِهِ" هو كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ إذا خاصَمْتُهُ أوَ حاوَرْتُهُ في عِلْمٍ: قَدْ أخْطَأْتُ بِحَمْدِ اللهِ، وكانَ النَبِيُّ  يَقُولُ لَهم في هَذِهِ الآياتِ: « "عَسى أنَّ الساعَةَ قَرِيبَةٌ، يَوْمَ تُدْعَوْنَ فَتَقُومُونَ، بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ الآنَ، وذَلِكَ بِحَمْدِ اللهِ عَلى صِدْقِ خَبَرِي"،» نَحا هَذا النَحْوَ الطَبَرِيُّ، ولَمْ يُخَلِّصْهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لَمّا رَجَعُوا إلى حالَةِ الحَياةِ وتَصَرُّفِ الأجْسادِ، وقْعَ لَهم ظَنٌّ أنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عن حالِ الدُنْيا إلّا قَلِيلًا، لِمَغِيبِ عِلْمِ مِقْدارِ الزَمَنِ عنهُمْ؛ إذْ مَن في الآخِرَةِ لا يُقَدِّرُ زَمَنَ الدُنْيا؛ إذْ هم لا مَحالَةَ أشَدُّ مُفارَقَةً لَها مِنَ النائِمِينَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ عَوَّلَ الطَبَرِيُّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ  ﴾ ﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ .

والمَعْنى الآخَرُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: يَوْمَ تُدْعَوْنَ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِ اللهِ، وتَتَيَقَّنُونَ أنَّكم إنَّما لَبِثْتُمْ قَلِيلًا، مِن حَيْثُ هو مُنْقَضٍ مُنْحَسِرٍ، وهَذا كَما يُقالُ في الدُنْيا بِأسْرِها: مَتاعٌ قِيلَ، فَكَأنَّهُ قِلَّةَ قَدَرٍ، عَلى أنَّ الظَنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ يُقْلِقُ هاهُنا؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ قَدْ وقَعَ.

وإنَّما يَجِيءُ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ فِيما لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الكَوْنِ والوُجُودِ، وفي الكَلامِ تَقْوِيَةٌ لِلْبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّها المُكَذِّبُ بِالحَشْرِ الَّذِي تَعْتَقِدُ أنَّكَ لا تُبْعَثُ أبَدًا لا بُدَّ أنْ تُدْعى لِلْبَعْثِ فَتَقُومُ وتَرى أنَّكَ إنَّما لَبِثْتُ قَلِيلًا مُنْقَضِيًا مُنْصَرِمًا، وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهم لَمّا رَأوا هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ احْتَقَرُوا الدُنْيا فَظَنُّوا أنَّهم لَبِثُوا فِيها قَلِيلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ .

اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "يَقُولُوا"، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "وَقُلْ لِعِبادِي، إنَّكَ إنْ تَقُلْ لَهم يَقُولُوا"، وهَذا عَلى أصْلِهِ في أنَّ الأمْرَ لا يُجابُ، وإنَّما يُجابُ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ: أنَّ الأمْرَ يُجابُ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى هاهُنا: "يَقُولُوا" إنَّما هو جَوابُ "قُلْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَصِحُّ المَعْنى عَلى هَذا بِأنْ يَجْعَلَ "قُلْ" مُخْتَصَّةً بِهَذِهِ الألْفاظِ، عَلى مَعْنى أنْ يَقُولَ لَهُمُ النَبِيُّ  : "قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ"، وإنَّما يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ "قُلْ" أمْرًا بِالمُحاوَرَةِ في هَذا المَعْنى بِما أمْكَنَ مِنَ الألْفاظِ، كَأنَّهُ قالَ: "بَيِّنْ لِعِبادِي"، فَيَكُونُ ثَمَرَةَ ذَلِكَ القَوْلِ والبَيانِ قَوْلُهُمُ الَّتِي هي أحْسَنُ، وهَذا المَعْنى يُجَوِّزُهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ الَّذِي قَدَّمْنا.

ومَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ أنْ "يَقُولُوا" جَوابٌ لِأمْرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: "وَقُلْ لِعِبادِي قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ يَقُولُوا" فَحُذِفَ وطُوِيَ الكَلامُ.

ومَذْهَبُ الزَجّاجُ أنْ "يَقُولُوا" جَزْمٌ بِالأمْرِ، بِتَقْدِيرِ: "قُلْ لِعِبادِي لِيَقُولُوا"، فَحُذِفَتِ اللامُ لِتَقَدُّمِ الأمْرِ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ في "الحِلْيَتاتِ" في تَضاعِيفَ كَلامِهِ: أنَّ مَذْهَبَ أبِي عُثْمانَ المازِنِيِّ في "يَقُولُوا" أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ حَلَّ مَحَلَّ المَبْنِيِّ الَّذِي هو فِعْلُ الأمْرِ؛ لِأنَّ المَعْنى: "قُلْ لِعِبادِي: قُولُوا".

واخْتَلَفَ الناسُ في ﴿ الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، ويَلْزَمُ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: لِعِبادِي يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ الخَلْقِ؛ لِأنَّ جَمِيعُهم مَدْعُوٌّ إلى "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، ويَجِيءُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ غَيْرَ مُناسِبٍ لِلْمَعْنى إلّا عَلى تَكَرُّهٍ، بِأنْ يَجْعَلَ "بَيْنَهُمْ" بِمَعْنى "خِلالَهم وأثْناءَهُمْ"، ويَجْعَلُ "النَزْعَ" بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والإضْلالِ.

وقالَ الجُمْهُورُ: الَّتِي هي أحْسَنُ هي المُحاوَرَةُ الحُسْنى، بِحَسَبِ المَعْنى مَعْنى، قالَ الحَسَنُ: "يَقُولُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكَ، يَرْحَمُكَ اللهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِعِبادِي" خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ  ، "وَكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا"، ثُمَّ اخْتَلَفُوا -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ فِيما بَيْنَهم بِحُسْنِ الأدَبِ، وخَفْضِ الجَناحِ، وإلانَةِ القَوْلِ، واطِّراحِ نَزَغاتِ الشَيْطانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ بِإلانَةِ القَوْلِ لِلْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، أيّامَ المُهادَنَةِ.

وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَتَمَهُ بَعْضُ الكَفَرَةِ، فَسَبَّهُ عُمَرُ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَكادَ أنْ يُثِيرَ فِتْنَةً، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْزَغُ" بِفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَنْزَغُ" بِكَسْرِ الزايِ، عَلى الأصْلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: "لَعَلَّها لُغَةٌ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ".

ومَعْنى النَزْغِ حَرَكَةُ الشَيْطانِ بِسُرْعَةٍ لِيُوجِبَ فَسادًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» فَهَذا يُخْرِجُ اللَفْظَةَ عَنِ الوَسْوَسَةِ، وعَداوَةِ الشَيْطانِ البَيِّنَةِ هي قِصَّتُهُ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ فَيِما بَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ الَّتِي قَبْلَها هي ما بَيْنَ العِبادِ المُؤْمِنِينَ وكُفّارِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ هي لِكَفّارِ مَكَّةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ ، فَكَأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُخاشِنُوا الكُفّارَ في الدِينِ، ثُمَّ قالَ لِلْكُفّارِ: إنَّهُ أعْلَمَ بِهِمْ، ورَجّاهم وخَوَّفَهُمْ، ومَعْنى "يَرْحَمْكُمْ" بِالتَوْبَةِ عَلَيْكم مِنَ الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ.

ثُمَّ قالَ النَبِيُّ  : فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، ولَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلى إيمانِهِمْ ولا بُدَّ، فَتَتَناسَبُ الآياتُ بِهَذا التَأْوِيلِ.

ثُمَّ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَماواتِ والأرْضِ وهو الَّذِي فَضَّلَ بَعْضَ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ، فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ  ، وإلى اسْتِبْعادِ قُرَيْشٍ أنْ يَكُونَ الرَسُولُ بَشَرًا، والمَعْنى: لا تُنْكِرُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ وأنْ أُوتِيَ قُرْآنًا، فَقَدْ فُضِّلَ النَبِيُّونَ، وأُوتِيَ داوُدُ زَبُورًا، فاللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.

وتَفْضِيلُ بَعْضُ الرُسُلِ هو إمّا بِهَذا الإخْبارِ المُجْمَلِ دُونَ أنْ يُسَمّى المَفْضُولُ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ لَنا أنْ نَقُولَ: مُحَمَّدٌ أفْضَلُ البَشَرِ، وقَدْ نَهى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن تَعْيِينِ أحَدٍ مِنهم في قِصَّةِ مُوسى ويُونُسَ، وإمّا أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ مُقَسَّمًا بَيْنَهُمْ: أُعْطِيَ هَذا التَكْلِيمُ، وأُعْطِيَتْ هَذِهِ الخُلَّةُ، ومُحَمَّدٌ الخَمْسُ، وعِيسى الإحْياءُ، فَكُلُّهم مَفْضُولٌ في وجْهٍ، فاضِلٌ عَلى الإطْلاقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِمَن في السَماواتِ ﴾ .

الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "عَلِمَ بِمَن في السَماواتِ"، ذَهَبَ إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَلَّقَها بِـ "أعْلَمُ" لاقْتَضى أنَّهُ لَيْسَ بِأعْلَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَلْزَمُ، ويَصِحُّ تَعَلُّقُها بِـ "أعْلَمُ"، ولا يَلْتَفِتُ لِدَلِيلِ الخُطّابِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زَبُورًا" بِفَتْحِ الزايِ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو قَلِيلٌ، لَمْ تَجِيءُ إلّا في قَرُوعٍ ورَكُوبٍ وحَلُوبٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "زَبُورًا" بِضَمِّ الزايِ، ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ جَمْعُ زَبُورٍ بِحَذْفِ الزائِدِ، كَما قالُوا في جَمْعِ طَرِيقٍ: طُرُوقٌ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ زَبُرٍ، كَأنَّ ما جاءَ بِهِ داوُدُ جُزِّئَ أجْزاءً، كُلُّ جُزْءٍ مِنها زَبْرٌ، سُمِّيَ بِمَصْدَرِ زَبَرَ يَزْبُرُ، ثُمَّ جَمَعَ تِلْكَ الأجْزاءِ عَلى زُبُورٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: "آتَيْنا داوُدَ كِتابًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "زَبْرٍ" الَّذِي هو العَقْلُ وسَدادُ النَظَرِ، لِأنَّ داوُدَ أُوتِيَ مِنَ المَواعِظِ والوَصايا كَثِيرًا، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  في آخِرِ كِتابِ مُسْلِمٍ: « "وَأهْلُ النارِ خَمْسَةٌ: الضَعِيفُ الَّذِي لا زَبْرَ لَهُ"،» قالَ قَتادَةُ: زَبُورُ داوُدَ مَواعِظٌ وحِكَمٌ ودُعاءٌ، لَيْسَ فِيهِ حَلالٌ ولا حَرامٌ.

<div class="verse-tafsir"

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ٥٦ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًۭا ٥٧ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًۭا ٥٨ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا ٥٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُرِّ عنكم ولا تَحْوِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا ﴾ ﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أو مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا ﴾ ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ الناقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ الَّذِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  أنْ يَقُولَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسُوا عَبَدَةَ الأصْنامِ، وإنَّما هم عَبَدَةُ مَن يَعْقِلُ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي في عَبَدَةِ العُزَيْرِ والمَسِيحِ وأمِّهِ ونَحْوَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي في عَبَدَةِ الشَمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْزِ والمَسِيحِ وأُمِّهِ ونَحْوَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنُ مَسْعُودٍ: هي في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: هي في عَبَدَةِ شَياطِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  ، فَأسْلَمَ أُولَئِكَ الشَياطِينُ، و بَقِيَ عَبَدَتُهم يَعْبُدُونَهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ].

فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ: ادْعُوا عِنْدَ الشَدائِدِ والضُرِّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ، فَإنَّهم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَهُ ولا تَحْوِيلَهُ عنكُمْ، ثُمَّ أخْبَرَهم -عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ-، أو أخْبَرَ النَبِيُّ  -عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: "يَدَّعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ- أنَّ هَؤُلاءِ المَعْبُودِينَ يَطْلُبُونَ التَقَرُّبَ إلى اللهِ والتَزَلُّفَ إلَيْهِ، وأنَّ هَذِهِ حَقِيقَةَ حالِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إلى رَبِّكَ".

والضَمِيرُ في "رَبِّهِمُ" لِلْمُتَّبَعِينَ أو لِلْجَمِيعِ.

و"الوَسِيلَةُ" هي القُرْبَةُ وسَبَبُ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ، وتَوَسُّلُ الرَجُلِ إذا طُلِبَ الدُنُوِّ والنَيْلَ لِأمْرٍ ما، وقالَ عنتَرَةُ: إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكَ وسِيلَةٌ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن سَألَ اللهَ لِي الوَسِيلَةَ...

الحَدِيثُ"».

و"أيُّهُمُ" ابْتِداءٌ، و"أقْرَبُ" خَبَرُهُ، و"أُولَئِكَ" يُرادُ بِهِ المَعْبُودُونَ.

وهو ابْتِداءٌ خَبَرُهُ "يَبْتَغُونَ" والضَمِيرُ في "يَدْعُونَ" لِلْكُفّارِ، وفي "يَبْتَغُونَ" لِلْمَعْبُودِينَ، والتَقْدِيرُ: نَظَرُهم ووَكْدُهم أيُّهم أقْرَبُ، وهَذا كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في حَدِيثِ الرايَةِ بِخَيْبَرٍ: "فَباتَ الناسُ يُدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها"، أيْ: يَتَبارَوْنَ في طَلَبِ القُرْبِ، وطَفَّفَ الزَجّاجُ في هَذا المَوْضِعِ فَتَأمَّلْهُ.

وَقالَ ابْنُ فَوْرِكِ، وغَيْرُهُ: إنَّ الكَلامَ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ راجِعٌ إلى النَبِيِّينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، و"يَدْعُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ الدُعاءِ بِمَعْنى الطَلَبَةِ إلى اللهِ تَعالى، والضَمائِرُ لَهم في "يَدْعُونَ" وفي "يَبْتَغُونَ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ الآيَةُ.

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ مَدِينَةٌ مِنَ المُدُنِ إلّا هي هالِكَةٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ بِالمَوْتِ والفَناءِ، هَذا مَعَ السَلامَةِ وأخَذَها جُزْءًا، أو هي مُعَذَّبَةٌ مَأْخُوذَةٌ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، فَهَذا عُمُومٌ في كُلِّ مَدِينَةٍ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِيلَ: المُرادُ الخُصُوصُ، [والتَقْدِيرُ] وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ وُجِدَ في كِتابِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِقْراءُ البِلادِ المَعْرُوفَةِ اليَوْمَ، وذَكَرَ لِهَلاكِ كُلِّ قُطْرٍ مِنها صِفَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ عنوَهْبِ بْنِ مُنَبَّهَ، فَذَكَرَ فِيهِ أنَّ هَلاكَ الأنْدَلُسِ وخَرابَها يَكُونُ بِسَنابِكِ الخَيْلِ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وتَرَكَتْ سائِرَها لِعَدَمِ الصِحَّةِ في ذَلِكَ، والمَعْلُومُ أنَّ كُلَّ قَرْيَةٍ تَهْلَكُ إمّا مِن جِهَةِ القُحُوطِ والخَسْفِ غَرَقًا، وإمّا مِن جِهَةِ الفِتَنِ، أو مِنهُما، وصِوَرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ تَعالى، فَأمّا ما هَلَكَ بِالفِتْنَةِ فَمِن ظُلْمٍ ولا بُدَّ، إمّا في كُفْرٍ أو مَعاصٍ أو تَقْصِيرٍ في دِفاعٍ، وأمّا القَحْطُ فَيُصِيبُ اللهُ بِهِ مَن يَشاءُ وكَذَلِكَ الخَسْفُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُهْلِكُوها" الضَمِيرُ لَها وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الأهْلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أو مُعَذِّبُوها ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُ إلّا الأهْلُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يُرِيدُ: في سابِقِ القَضاءِ وما خَطَّهُ القَلَمُ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ.

و"المَسْطُورُ": المَكْتُوبُ أسْطارًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ العِبارَةُ في "مَنعِنا" هي عَلى ظاهِرِ ما تَفْهَمُ العَرَبُ، فَسَمّى سَبْقَ قَضائِهِ بِتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَ وتَعْذِيبِهِ مَنعًا.

و"أنِ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والثانِيَةُ في مَوْضِعِ رَفْعِ، والتَقْدِيرُ: وما مَنَعْنا الإرْسالَ إلّا التَكْذِيبُ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا عَلى رَسُولِ اللهِ  أنْ يُجْعَلَ لَهُمُ الصَفا ذَهَبا، واقْتَرَحَ بَعْضُهم أنْ يُزِيلَ عنهُمُ الجِبالَ حَتّى يَزْرَعُوا الأرْضَ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلى مُحَمَّدٍ  : إنْ شِئْتَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَإنْ تَأخَّرُوا عَنِ الإيمانِ عاجَلَتْهُمُ العُقُوبَةُ، وإنْ شِئْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ، عَسى أنْ أجْتَبِيَ مِنهم مُؤْمِنِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "بَلْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ يا رَبُّ"، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا الاسْتِيناءُ؛ إذْ أنَّهُ قَدْ سَلَفَتْ عادَتُهُ بِمُعاجَلَةِ الأُمَمِ الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الآيَةُ المُقْتَرَحَةُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.

قالَ الزَجّاجُ: أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَوْعِدَ كَفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ الساعَةُ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهُمْ  ﴾ ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَنْظُرُ إلى ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ ثَمُودَ احْتِجاجًا إنَّ قالَ مِنهم قائِلٌ: نَحْنُ كُنّا نُؤْمِنُ لَوْ جاءَتْنا آيَةٌ اقْتَرَحْناها ولا نَكْفُرُ بِوَجْهٍ، فَذِكْرَ اللهُ تَعالى ثَمُودَ، بِمَعْنى: لا تَأْمَنُونَ أنْ تَظْلِمُوا بِالآيَةِ كَما ظَلَمَتْ ثَمُودُ بِالناقَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَمُودَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَ هارُونُ: أهْلُ الكُوفَةِ يُنَوِّنُونَ (ثَمُودًا) في كُلِّ وجْهٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُنَوِّنُ العامَّةُ والعُلَماءُ بِالقِراءاتِ "ثَمُودَ" في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وفي أرْبَعَةُ مُواطِنَ ألِفٌ مَكْتُوبَةٌ، ونَحْنُ نَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: مَعَها إبْصارٌ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وَجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً  ﴾ ، أيْ: مَعَها إبْصارٌ مِمَّنْ يَنْظُرُ، وهَذا عِبارَةٌ عن بَيانِ أمْرِها ووُضُوحِ إعْجازِها.

وقَرَأ قَوْمٌ: "مُبْصَرَةً" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الصادِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، ومَعْناهُ: مُتَبَيَّنَةً، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَبْصَرَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ والصادِ، وهي مَفْعَلَةٌ مِنَ البَصَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عنتَرَةَ: والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ ، أيْ: وضَعُوا الفِعْلَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، أيْ: بِعَقْرِها، وقِيلَ: بِالكُفْرِ في أمْرِها.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يُرْسِلُ بِالآياتِ غَيْرِ المُقْتَرَحَةِ تَخْوِيفًا لِلْعِبادِ، وهي آياتٌ مَعَها إمْهالٌ لا مُعاجَلَةٌ فَمِن ذَلِكَ الكُسُوفُ والرَعْدُ والزَلْزَلَةُ وقَوْسُ قُزَحٍ وغَيْرُ ذَلِكَ.

قالَ الحَسَنُ: والمَوْتُ الذَرِيعُ، ورُوِيَ أنَّ الكُوفَةَ رَجَفَتْ في مُدَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: أيُّها الناسُ، إنَّ رَبَّكم يَسْتَعْتِبُكم فَأعْتِبُوهُ، ومِن هَذا «قَوْلِ النَبِيِّ  في الكُسُوفِ: "فافْزَعُوا إلى الصَلاةِ"» الحَدِيثُ، وآياتُ اللهِ المُعْتَبَرُ بِها ثَلاثَةُ أقْسامٍ: فَقِسْمٌ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ؛ إذْ حَيْثُما وضَعْتَ نَظَرَكَ وجَدْتَ آيَةً، وهُنا فِكْرَةُ العُلَماءِ، وقِسْمٌ مُعْتادٌ غِبًّا كالرَعْدِ والكُسُوفِ ونَحْوَهُ، وهُنا فِكْرَةُ الجَهَلَةِ فَقَطْ، وقِسْمٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ النُبُوَّةِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ بِهِ تَوَهَّما لِما سَلَفَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِىٓ أَرَيْنَـٰكَ إِلَّا فِتْنَةًۭ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلْقُرْءَانِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَـٰنًۭا كَبِيرًۭا ٦٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالناسِ وما جَعَلْنا الرُؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالناسِ ﴾ أيْ: في مَنعِكَ يا مُحَمَّدُ وحِياطَتُكَ وحِفْظِكَ، فالآيَةُ إخْبارٌ لَهُ بِأنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الكَفَرَةِ، آمِنٌ أنْ يُقْتَلَ أو يُنالَ بِمَكْرُوهٍ عَظِيمٍ، أيْ: فَلْتُبْلِّغُ رِسالَةَ رَبِّكَ ولا تَتَهَيَّبُ أحَدًا مِنَ المَخْلُوقِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ بَيِّنٌ جارٍ مَعَ اللَفْظِ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، والسُدَيِّ، إلّا أنَّهُ لا يُناسَبُ ما بَعْدَهُ مُناسِبَةً شَدِيدَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مُناسِبًا لِما بَعْدَهُ، تَوْطِئَةٌ لَهُ، فَأقُولُ: اخْتَلَفَ الناسُ في الرُؤْيا -فَقالَ الجُمْهُورُ: هي رُؤْيا عَيْنٍ ويَقَظَةٍ، وهي ما رَأْهُ رَسُولُ اللهِ  في لَيْلَةِ الإسْراءِ، قالُوا: فَلَمّا أخْبَرَ رَسُولُ اللهِ  صَبِيحَةَ الإسْراءِ بِما رَأى في تِلْكَ اللَيْلَةِ مِنَ العَجائِبِ، قالَ الكُفّارُ: إنَّ هَذا لِعَجِيبٌ، تَخُبُّ الحُداةُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ شَهْرَيْنِ إقْبالًا وإدْبارًا، ويَقُولُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- إنَّهُ جاءَهُ مِن لَيْلَةٍ وانْصَرَفَ عنهُ، فافْتَتَنَ بِهَذا التَلْبِيسِ قَوْمٌ مِن ضَعْفَةِ المُسْلِمِينَ فارْتَدُّوا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالناسِ ﴾ ، أيْ: في إضْلالِهِمْ وهِدايَتِهِمْ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُيَسَّرٍ لِما خُلِقَ لَهُ، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ أنْتَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ، ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ قِيلَ لَكَ: لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، إنَّ اللهَ مُحِيطٌ بِهِمْ، مالِكٌ لِأمْرِهِمْ، وهو جَعَلَ هَذِهِ فِتْنَةً لِيَكْفُرَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الكُفْرُ.

وسُمِّيَتِ الرُؤْيَةُ في هَذا التَأْوِيلِ رُؤْيا إذْ هُما مَصْدَرانِ مِن: رَأى.

قالَ النَقّاشُ: جاءَ ذَلِكَ عَلى اعْتِقادِ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّها مَنامَةٌ وإنْ كانَتِ الحَقِيقَةُ غَيْرَ ذَلِكَ.

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرُؤْيا في الإسْراءِ رُؤْيا مَنامٍ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى خِلافِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي بِفَسادِهِ، وذَلِكَ أنَّ رُؤْيا المَنامِ لا فِتْنَةَ فِيها، وما كانَ أحَدٌ لِيُنْكِرَها، وقَدْ ذَكَرَ هَذا مُسْتَوْعِبًا في صَدْرِ السُورَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الرُؤْيا الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ هي رُؤْيا رَسُولِ اللهِ  أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، فَعَجَّلَ في سَنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، فَرُدَّ، فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآياتُ.

وَقالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: إنَّما هَذِهِ الرُؤْيا أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَرى بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزَوُنَّ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ وما اسْتَجْمَعَ ضاحِكًا مِن يَوْمَئِذٍ حَتّى ماتَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُخْبِرَةً أنَّ ذَلِكَ مِن تَمَلُّكِهِمْ وصُعُودِهِمْ عَلى المَنابِرِ، إنَّما يَجْعَلُها اللهُ فِتْنَةً لِلنّاسِ وامْتِحانًا.

ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحاطَ بِالناسِ ﴾ ، أيْ: بِإقْدارِهِ، وأنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ نافِذٌ، فَلا تَهْتَمُّ بِما يَكُونُ بَعْدَكَ مِن ذَلِكَ.

وقَدْ قالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ في خُطْبَتِهِ في شَأْنِ بَيْعَتِهِ لِمُعاوِيَةَ: ﴿ وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ نَظَرٌ، ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الرُؤْيا عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ولا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ولا مُعاوِيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "الرُؤْيا"، أيْ: جَعَلَنا الرُؤْيا والشَجَرَةَ فِتْنَةً، و"الشَجَرَةَ" هُنا -فِي قَوْلِ الجُمْهُورِ- هي شَجَرَةُ الزَقُّومِ، وذَلِكَ أنَّ أمْرَها لَمّا نَزَلْ في سُورَةِ الصافّاتِ قالَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرِهِ: هَذا مُحَمَّدٌ يَتَوَعَّدُكم بِنارٍ تُحْرِقُ الحِجارَةَ ثُمَّ يَزْعُمُ أنَّها تَنْبُتُ الشَجَرُ، وما نَعْرِفُ الزَقُّومَ إلّا التَمْرُ بِالزُبْدِ، ثُمَّ أمَرَ أبُو جَهْلٍ جارِيَةً لَهُ فَأحْضَرَتْ تَمْرًا وزَبَدًا وقالَ لِأصْحابِهِ: تَزَقَّمُوا، فافْتَتَنَ أيْضًا بِهَذِهِ المَقالَةِ بَعْضُ الضُعَفاءِ، فَأخْبَرَ اللهُ نَبِيَّهُ  أنَّهُ إنَّما جَعَلَ الإسْراءَ وذِكْرَ شَجَرَةِ الزَقُّومِ اخْتِبارًا لِيَكْفُرَ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الكُفْرُ، ويُصَدِّقُ مَن سَبَقَ لَهُ الإيمانُ، كَما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصَدِيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قِيلَ لَهُ صَبِيحَةَ الإسْراءِ: إنْ صاحِبَكَ يَزْعُمُ أنَّهُ جاءَ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ وانْصَرَفَ مِنهُ، فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ، فَقِيلَ لَهُ: أفَتُصَدِّقُ قَبْلَ أنْ تَسْمَعَ مِنهُ؟

فَقالَ: أيْنَ عُقُولُكُمْ؟

أنا أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَماءِ فَكَيْفَ لا أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ بَيْتِ المَقْدِسِ، والسَماءُ أبْعَدُ مِنها بِكَثِيرٍ؟

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: الشَجَرَةُ إشارَةٌ إلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ في الرُؤْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُحْدَثٌ، ولَيْسَ هَذا عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، ولا مَثْلِهِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ -عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما-: إنَّ الشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ: يَعْنِي: المَلْعُونُ آكُلُها لِأنَّها لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ: "المَلْعُونَةُ" هُنا: فَأكَّدَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي القُرْآنِ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَلْعُونَةُ: المُبْعَدَةُ المَكْرُوهَةُ، وهَذا أرادَ؛ لِأنَّهُ لَعَنَها بِلَفْظِ اللَعْنَةِ المُتَعارَفِ، وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وأيْضًا فَما يَنْبُتُ في أصْلِ الجَحِيمِ، فَهو في نِهايَةِ البُعْدِ مِن رَحْمَةِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ ﴾ ، يُرِيدُ: إمّا كُفّارُ مَكَّةَ، وإمّا المُلُوكُ مِن بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَ الخِلافَةِ الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ  : « "الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُودًا"،» والأوَّلُ مِنهُما أصْوَبُ كَما قُلْنا قَبْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا ﴾ يُرِيدُ كُفْرَهم وانْتِهاكَهم فِيهِ، كَقَوْلِ أبِي جَهْلٍ في الزَقُّومِ والتَزَقُّمِ، فَقَدْ قالَ النَقّاشُ: إنَّ في ذَلِكَ نَزَلَتْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي نَحْوِهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَيُخَوِّفُهُمْ" بِالياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُخَوِّفُهُمْ" بِالنُونِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًۭا ٦١ قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًۭا ٦٢ قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءًۭ مَّوْفُورًۭا ٦٣ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌۭ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًۭا ٦٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا ﴾ ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا ﴾ ﴿ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قُلْنا، وكَذَلِكَ "إذْ" في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعِ ذِكْرُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ وأمْرِ السُجُودِ لَهُ.

واخْتَلَفَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ فَقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ "إبْلِيسَ" لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ.

وقَوْلُهُ: "طِينًا" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا.

وقاسَ إبْلِيسُ في هَذِهِ النازِلَةِ فَأخْطَأ؛ وذَلِكَ أنَّهُ رَأى الفَضِيلَةَ لِنَفْسِهِ مِن حَيْثُ رَأى النارَ أفْضَلَ مِنَ الطِينِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ في الأشْياءِ إنَّما تَكُونُ حَيْثُ خَصَّصَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يُنْظَرُ إلى أُصُولِها.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي أمَرَهُ اللهُ تَعالى، فَأخَذَ مِن أدِيمِ الأرْضِ طِينَةً، فَخَلَقَ آدَمَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ.

وكُفْرُ إبْلِيسَ في أنَّهُ جَهَلَ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللهِ تَعالى حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وكانَ أصْلُ ذَلِكَ الحَسَدُ ولِذَلِكَ قِيلَ: "أوَّلُ ما عُصِيَ اللهُ تَعالى بِالحَسَدِ"، وظَهَرَ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ ﴾ و ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ  ﴾ حَسْبَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، فَهَذا هو النَصُّ بِأنَّ فِعْلَكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.

والكافُ في قَوْلِهِ: "أرَأيْتَكَ" هي كافُ خِطابٍ ومُبالِغَةٍ في التَنْبِيهِ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ فَهي زائِدَةٌ.

ومَعْنى "أرَأيْتُ" كَأتَأمَّلْتُ، ونَحْوَهُ: كَأنَّ المُخاطِبَ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبَرَنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هُوَ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَهُ الزَجاجُ في آياتِنا، ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وما في هَذِهِ فَهي كَما قُلْتُ، ولَيْسَ الَّتِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أخَّرْتَنِي" بِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا هو الأصْلُ، ولَيْسَ هَذا المَوْضِعُ كالقافِيَةِ الَّتِي يَحْسُنُ فِيها الحَذْفُ، كَمِثْلِ قَوْلِ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مَن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنَّ؟

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو بِالياءِ في الوَصْلِ وبِحَذْفِها في الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أخَّرْتَنِ" بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِياءِ "قاضٍ" ونَحْوَهُ، لِكَوْنِها ياءً مُتَطَرِّفَةً قَبْلَها كَسْرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: "لَأحْتَنِكَنَّ" مَعْناهُ: لِأمِيلَنَّ ولَأجُرَّنَّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن تَحْنِيكِ الدابَّةِ، وهو أنْ يُشَدَّ عَلى حَنَكِها بِحَبْلٍ أو غَيْرِهِ فَتَنْقادُ، والسَنَةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أيْ: تَجْتَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ جُهْدًا إلى جُهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وجَنَّفَتْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذا الشِعْرِ قالَ الطَبَرِيُّ في "لَأحْتَنِكَنَّ": لِأسْتَأْصِلُنَّ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في ذَلِكَ بِـ "لِأسْتَوْلِيَنَّ"، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِأُضِلَّنَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَدَلُ اللَفْظِ لا تَفْسِيرُ.

وحَكَمَ إبْلِيسُ بِهَذا الحُكْمِ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ رَأى الخِلْقَةَ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وما اقْتَرَنَ بِها مِنَ الشَهَواتِ والعَوارِضِ كالغَضَبِ ونَحْوَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى القَلِيلَ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يُصْلَبُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "اذْهَبْ" وما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ هو صِيغَةُ افْعَلْ، مِنَ التَهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ و"تَبِعَكَ" مَعْناهُ: في طَرِيقِ الكُفْرِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ.

فالآيَةُ في الكُفّارِ وفِيمَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"المَوْفُورُ": المُكْتَمِلُ.

و"اسْتَفْزِزْ" مَعْناهُ: اسْتَخَفَّ واخْدَعْ حَتّى يَقَعَ في إرادَتِكَ، تَقُولُ: اسْتَفَزَّنِي فُلانٌ في كَذا، إذا خَدَعَكَ حَتّى تَقَعَ في أمْرٍ أرادَهُ، ومِنَ الخِفَّةِ قِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ فَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ وَ "الصَوْتُ" هُنا قِيلَ: هو الغِناءُ والمَزامِيرُ والمَلاهِي؛ لِأنَّها أصْواتٌ كُلُّها مُخْتَصَّةٌ بِالمَعاصِي، فَهي مُضافَةٌ إلى الشَيْطانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدُعائِكَ إيّاهم إلى طاعَتِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَوْتُهُ دُعاءُ كُلِّ عاصٍ إلى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ "الصَوْتُ" يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأجْلِبْ" أيْ: هَوِّلْ، والجَلَبَةُ: الصَوْتُ الكَثِيرُ المُخْتَلِطُ الهائِلُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "واجْلُبْ" بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللامِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ لَهُ مِنَ الجِنِّ خَيْلًا ورُجْلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: المُرادُ فُرْسانُ الناسُ ورَجّالَتُهُمُ المُتَصَرِّفُونَ في الباطِلِ، فَإنَّهم كُلُّهم أعْوانٌ لِإبْلِيسَ عَلى غَيْرِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرَجْلِكَ" بِسُكُونِ الجِيمِ، وهو جَمْعُ راجِلٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وشارِبٍ وشَرْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَرَجِلِكَ" بِكَسْرِ الجِيمِ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرُو -بِخِلافٍ عنهُ- وهي صِفَةٌ، تَقُولُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا، أيْ غَيْرَ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أما أُقاتِلُ عن دِينِي عَلى فَرَسِي ∗∗∗ ∗∗∗ ولا كَذا رَجُلًا إلّا بِأصْحابِ؟

وَقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: "بِخَيْلِكَ ورِجالِكَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ يَصْنَعُها الناسُ بِالمالِ، فَإنَّ ذَلِكَ المَصْرِفَ في المَعْصِيَةِ هو خَطُّ إبْلِيسَ، فَمِن ذَلِكَ السَجائِرُ وشَبَهُها، ومِن ذَلِكَ مَهْرُ البَغِيِّ وثَمَنُ الخَمْرِ وحُلْوانُ الكاهِنِ والرِبا وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُوجَدُ في الناسِ دَأْبًا، وقَوْلَهُ: "والأولادِ" عامٌّ لِكُلِّ ما يُصْنَعُ في أمْرِ الذُرِّيَّةِ مِنَ المَعاصِي، فَمِن ذَلِكَ الإيلادُ بِالزِنا، ومِن ذَلِكَ تَسْمِيَتُهم عَبَدَ شَمْسٍ، وعَبْدَ الحارِثٍ، وأبا الكُوَيْفِرِ، وكُلَّ اسْمٍ مَكْرُوهٍ، ومِن ذَلِكَ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، ومِن ذَلِكَ صَبْغِهِمْ في أدْيانِ الكُفْرِ، وغَيْرِ هَذا، وما أدْخَلَ النَقّاشُ مِن وطْءِ الجِنِّ وأنَّهُ يُحَبِّلُ المَرْأةَ مِنَ الإنْسِ فَضَعِيفٌ كُلُّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعِدْهُمْ" أيْ: مَنِّهِمْ بِما لا يَتِمُّ لَهُمْ، وبِأنَّهم غَيْرُ مَبْعُوثِينَ، فَهَذا مُشارَكَةٌ في النُفُوسِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَعِدُهم غُرُورًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يُغْنِي عنهم شَيْئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِإبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "عِبادِي" يُرِيدُ المُؤْمِنِينَ في الكُفْرِ، والمُتَّقِينَ في المَعاصِي، وخَصَّهم بِأنَّهُمُ العِبادُ، وإنْ كانَ اسْمًا عامًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ، مِن حَيْثُ قَصَدَ تَشْرِيفَهم والتَنْوِيهَ بِهِمْ، كَما يَقُولُ رَجُلٌ لِأحَدِ بَنِيهِ إذا رَأى مِنهُ ما يُحِبُّ: "هَذا ابْنِي"، عَلى مَعْنى التَنْبِيهِ مِنهُ والتَشْرِيفِ لَهُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "هَذا خالِيَ، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خالَهُ-".» و"السُلْطانُ": المَلِكِيَّةُ والتَغَلُّبُ، وتَفْسِيرُهُ هُنا بِالحُجَّةِ قَلِقٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وكَفى بِرَبِّكَ يا مُحَمَّدُ حافِظا لِلْمُؤْمِنِينَ وقَيِّمًا عَلى هِدايَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا ٦٦ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ كَفُورًا ٦٧ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًۭا ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ وَكِيلًا ٦٨ أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًۭا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا۟ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِۦ تَبِيعًۭا ٦٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا ﴾ ﴿ أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أو يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا ﴾ ﴿ أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا ﴾ "الإزْجاءُ": سُوقُ الثَقِيلِ السَيْرِ؛ إمّا لِضَعْفٍ أو ثِقَلِ حَمْلٍ أو غَيْرِهِ، فالإبِلُ الضِعافُ تُزْجى، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: عَلى زَواحِفَ تُزْجِيها مَحاسِيرِ والسَحابُ تُزْجى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا  ﴾ ، والبِضاعَةُ المُزْجاةُ هي الَّتِي تَحْتاجُ لِاخْتِلالِها أنْ تُساقَ بِشَفاعَةٍ وتُدْفَعَ بِمُعاوِنٍ إلى الَّذِي يَقْبِضُها، وإزْجاءُ الفُلْكِ سُوقُهُ بِالرِيحِ اللَيِّنَةِ والمَجادِيفِ.

و"الفُلْكُ" هُنا جَمْعٌ.

و"البَحْرُ": الماءُ الكَثِيرُ عَذْبًا كانَ أو مِلْحًا، وقَدْ غَلُبَ الِاسْمُ عَلى هَذا المَشْهُورِ والفُلْكُ تَجْرِي فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ البَحْرَ وطَلَبَ الأجْرِ في حَجٍّ أو غَزْوٍ أو نَحْوَهُ، ولا خِلافَ في جَوازِ رُكُوبِهِ لِلْحَجِّ والجِهادِ والمَعاشِ، واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ لِلْحَجِّ، أعْنِي الكَثِيرَ مِنهُ.

واخْتُلِفَ في كَراهِيَتِهِ لِلثَّرْوَةِ وتَزِيدًا لِمالٍ، وقَدْ أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ  بِرُكُوبِهِ لِلْغَزْوِ في حَدِيثِ أُمِّ حَرامٍ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "البَحْرُ لا أرْكَبُهُ أبَدًا"،» وهو حَدِيثٌ يَحْتَمِلُ أنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَوْقِيفٌ عَلى آلاءِ اللهِ وفَضْلِهِ عِنْدَ عِبادِهِ.

وَ"الضُرُّ" لِفَظٍّ يَعُمُّ خَوْفَ الغَرَقِ، والإمْساكَ في المَشْيِ، وأهْوَلُ حالاتِهِ اضْطِرابُهُ وتَمَوُّجُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ضَلَّ" مَعْناهُ: تَلِفَ وفَقَدَ، وهي عِبارَةُ تَحْقِيرٍ لِمَن يَدَّعِي إلَهًا مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ إنَّما يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ أنَّها شافِعَةٌ، وأنَّ لَها فَضْلًا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم بِالفِطْرَةِ يَعْلَمُ عِلْمًا لا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ أنَّ الأصْنامَ لا فِعْلَ لَها في الشَدائِدِ العِظامِ، فَوَفَقَهُمُ اللهُ مِن ذَلِكَ عَلى حالَةِ البَحْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفُورًا" أيْ بِالنِعَمِ.

و"الإنْسانُ" هُنا لِلْجِنْسِ، وكُلُّ أحَدٍ لا يَكادُ يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَعالى كَما يَجِبُ.

وقالَ الزَجّاجُ: "الإنْسانُ" يُرادُ بِهِ الكُفّارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ بارِعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: أفَأمِنتُمْ أيُّها المُعْرِضُونَ الناسُونَ الشِدَّةَ حِينَ صِرْتُمْ إلى الرَخاءِ أنْ يَخْسِفَ اللهُ بِكم مَكانَكم مِنَ البَرِّ؛ إذا أنْتُمْ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ في البَحْرِ والبَرِّ.

و"الحاصِبُ": العارِضُ الرامِي بِالبَرَدِ والحِجارَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا ∗∗∗ ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: تَرْمِي العِضاةُ بِحاصِبٍ مِن ثَلْجِها ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى يَبِيتَ عَلى العِضاهِ جِفالًا وَمِنهُ الحاصِبُ الَّذِي أصابَ قَوْمَ لُوطٍ.

والحَصْبُ: الرَمْيُ بِالحَصْباءِ، وهي الحِجارَةُ الصِغارُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَخْسِفُ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يَخْسِفُ اللهُ، وكَذَلِكَ "يُرْسِلَ" و"يُعِيدَكُمْ" و"فَيُرْسِلُ" و "فَيُغْرِقَكُمْ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو ذَلِكَ كُلَّهُ بِالنُونِ، وقَرَأ - أبُو جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٌ: "فَتُغْرِقَكُمْ" بِالتاءِ، أيِ الرِيحِ.

وقَرَأ حَمِيدٌ "فَنُغْرِقْكُمْ" بِالنُونِ حَفِيفَةً، وأدْغَمَ القافَ في الكافِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "فَنُغَرِّقَكُمْ" بِشَدِّ الراءِ.

و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ، و"القاصِفُ": الَّذِي يَكْسَرُ كُلَّ ما يُلْقى ويَقْصِفُهُ.

و"تارَةً" جَمْعُها تاراتٌ وتِيَرٌ، ومَعْناها: مَرَّةٌ أُخْرى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "مِنَ الرِياحِ" بِالجَمْعِ.

و"التَبِيعُ": الَّذِي يَطْلُبُ ثَأْرًا أو دَيْنًا أو نَحْوَ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: غَدْوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فَكَأنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ ضَوامِنُ عُزْمٍ لَزَّهُنَّ تَبِيعُ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إذا اتَّبَعَ أحَدُكم عَلى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ"،» فالمَعْنى: لا تَجِدُونَ مَن يَتَّبِعُ فِعْلَنا بِكم ويَطْلُبُ نُصْرَتَكم.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًۭا ٧٠ يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًۭا ٧١ وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا ٧٢ وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًۭا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًۭا ٧٣ وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًۭٔا قَلِيلًا ٧٤ إِذًۭا لَّأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًۭا ٧٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ﴾ "كَرَّمْنا" تَضْعِيفُ "كَرَمَ"، فالمَعْنى: جَعَلَنا لَهم كَرَمًا، أيْ شَرَفًا وفَضْلًا، وهَذا هو كَرَمُ نَفْيِ النُقْصانِ، لا كَرَمَ المالِ، وإنَّما هو كَما تَقُولُ: "ثَوْبٌ كَرِيمٌ"، أيْ: جَمَّةٌ مَحاسِنُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها عَلى بَنِي آدَمَ ما خَصَّهم بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَوانِ.

والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ.

حَمَلَهم في البَرِّ والبَحْرِ مِمّا لا يَصْلُحُ لِحَيَوانٍ سِوى بَنِي آدَمَ أنْ يَكُونَ يَحْمِلُ بِإرادَتِهِ وقَصْدِهِ وتَدْبِيرِهِ في البَرِّ والبَحْرِ جَمِيعًا.

والرِزْقُ مِنَ الطَيِّباتِ، ولا يَنْتَفِعُ فِيهِ حَيَوانٌ انْتِفاعَ بَنِي آدَمَ ؛ لِأنَّهم يَكْسِبُونَ المالَ خاصَّةً دُونَ الحَيَوانِ، ويَلْبَسُونَ الثِيابَ، ويَأْكُلُونَ المَرْكَباتِ مِنَ الأطْعِمَةِ، غايَةُ كُلِّ حَيَوانٍ أنْ يَأْكُلَ لَحْمًا نَيِّئًا، أو طَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ.

و"الرِزْقُ": كُلُّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: التَفْضِيلُ هو أنْ يَأْكُلَ بِيَدَيْهِ؛ وسائِرُ الحَيَوانِ بِالفَمِ.

وقالَ غَيْرُهُ: وأنْ يَنْظُرَ مِن إشْرافٍ أكْثَرَ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ويَمْشِي قائِمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَفْضِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُحْذِقٍ، وذَلِكَ لِلْحَيَوانِ مِن هَذا النَوْعِ ما كانَ يُفَضِّلُ بِهِ ابْنَ آدَمَ، كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ وشَجاعَةِ الأسَدِ وكَرَمِ الدِيكِ، وإنَّما التَكْرِيمُ والتَفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وبِهِ يَعْرِفُ اللهَ تَعالى، ويَفْهَمُ كَلامَهُ ويُوصِلُ إلى نَعِيمِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنِ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، ويُحْتَمَلُ التَساوِي، وإنَّما صَحَّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخْرى مِنَ الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ الآيَةُ.

يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "يَوْمَ" أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أو فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: ولا يُظْلَمُونَ يَوْمَ نَدْعُو، ثُمَّ فَسَّرَهُ "يُظْلَمُونَ" الآخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "وَفَضَّلْناهُمْ"، وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيَّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّمُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدَرُ، إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ؛ إذْ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا  ﴾ ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ "نَدْعُوا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ .

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَدْعُو" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَدْعُو" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يَدْعُو اللهُ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُدْعَوْ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الواوِ، وأصْلُها: يُدْعى، ولَكِنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يَقْلِبُونَ هَذِهِ الألِفَ واوًا فَيَقُولُونَ: أفْعَوْ، وحُبْلَوْ.

ذَكَرَ هاتَيْنِ أبُو الفَتْحِ وأبُو عَلِيٍّ في تَرْجَمَةِ أعْمى بَعْدُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: يُدْعَوْ كُلُّ.

وذَكَرَ أبُو عَمْرُو الدانِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "يُدْعى كُلُّ" و"الأُناسُ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

وقَوْلُهُ: "بِإمامِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِاسْمِ إمامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مَعَ إمامِهِمْ، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ويا أتْباعَ فِرْعَوْنَ، ونَحْوَ هَذا، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي تَجِيءُ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَها إمامُها مَن هادٍ أو مُضِلٍّ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإمامِ فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: نَبِيُّهُمْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُتَّبَعُهم مَن هادٍ ومُضِلٍّ.

ولَفْظَةُ "الإمامِ" تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّ الإمامَ هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ ويُهْتَدى بِهِ في القَصْدِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِنّاءِ: إمامٌ، قالَ الشاعِرُ يَصِفُ قَدْحًا: وقَوَّمْتُهُ حَتّى إذا تَمَّ واسْتَوى ∗∗∗ كَمُخَّةِ ساقٍ أو كَمَتْنِ إمامِ وَمِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ: إمامٌ؛ لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِهِ في المَقاصِدِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى المُرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ حَقِيقَةٌ في أنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ صَحائِفَ تَتَطايَرُ وتُوضَعُ في الأيْمانِ لِأهْلِ الإيمانِ، وفي الشَمائِلِ لِأهْلِ الكُفْرِ، وتُوضَعُ في أيْمانِ المُذْنِبِينَ الَّذِينَ يَنْفُذُهُمُ الوَعِيدُ، فَسَيَسْتَفِيدُونَ مِنها أنَّهم غَيْرُ مُخَلَّدِينَ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ، عِبارَةٌ عَنِ السُرُورِ بِها، أيْ: يُرَدِّدُنَها ويَتَناقَلُونَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ، أيْ: ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، حُكْمُ المَسْكُوتِ عنهُ كَحُكْمِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُبْخَسُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ شَيْئًا، و"الفَتِيلُ" هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلَ في القِلَّةِ وتَفاهَةِ القَدْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ الآيَةُ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إشارَةٌ إلى النِعَمِ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ، أيْ: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هَذِهِ النِعَمِ والإيمانِ بِمُسْدِيها فَهو في أُمُورِ الآخِرَةِ وشَأْنِها أعْمى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمَلُ "أعْمى" الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الأوَّلِ، عَلى أنَّهُ تَشْبِيهٌ بِأعْمى البَصَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ تَفْضِيلٍ، أيْ أشَدُّ عَمى، و"العَمى" في هَذِهِ الآيَةِ هو عَمى القَلْبِ في الأوَّلِ والثانِي، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدارِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبَرِهِ والإيمانِ بِآياتِهِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ: فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أعْمى، عَلى مَعْنى أنَّهُ حَيْرانٌ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ صَوابٌ، ولا يَلُوحُ لَهُ نُجُحٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: في الآخِرَةِ أعْمى عن حُجَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ ووَقْتُ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَعالى، فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ حِيرَةً وأعْمى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ، ورَأى مَخايِلَ العَذابِ.

وبِهَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ مُعادَلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، مَن ذَكَرَ مَن يُؤْتى كِتابُهُ بِيَمِينِهِ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ بِمَعْنى: "فِي شَأْنِ الآخِرَةِ" لَمْ تُطْرَدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "أعْمى" في المَوْضِعَيْنِ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ- في المَوْضِعَيْنِ بِإمالَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإمالَةِ الأوَّلِ وفَتْحِ الثانِي، وتَأوَّلَهُ بِمَعْنى: "أشَدُّ عَمى"، ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ.

قالَ أبُو عَمْرُو: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و"أعْمى" لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: أعْمى مِن كَذا، فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا: "مِن كَذا" عَلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما جَعَلَهُ في الآخِرَةِ أضَلَّ سَبِيلًا، لِأنَّ الكافِرَ في الدُنْيا مُمْكِنٌ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُو، وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهو أضَلُّ سَبِيلًا، وأشَدُّ حِيرَةً، وأقْرَبُ إلى العَذابِ.

وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "لا يُقالُ أعْمى مِن كَذا، كَما يُقالُ: ما أيْداهْ" إنَّما هو في عَمى العَيْنُ الَّذِي لا تَفاضُلُ فِيهِ، وأمّا في عَمى القَلْبِ فَيُقالُ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقَعُ فِيهِ التَفاضُلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ العَمى الأوَّلَ هو عَمى العَيْنِ عَنِ الهُدى.

وهَذا بَيِّنُ الِاخْتِلالِ، واللهٌ المُعِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لَيَفْتِنُونَكَ" لامُ تَأْكِيدٍ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ الفَرّاءِ بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إنَّما"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كادُوا" قِيلَ: هو لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، فَأمّا لِقُرَيْشٍ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ أوثانَنا، عَلى جِهَةِ التَشَرُّعِ بِذَلِكَ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُظْهِرَ لَهم ذَلِكَ وقَلْبُهُ مُنْكِرٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ  في نَفْسِهِ: وما عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ لَهم ذَلِكَ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ ما في نَفْسِي؟

وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ وغَيْرُهُ: إنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لَيْلَةً فَعَظَّمُوهُ وقالُوا لَهُ: أنْتَ سَيِّدُنا، ولَكِنْ: أقْبِلْ عَلى بَعْضِ أمْرِنا ونُقْبِلُ عَلى بَعْضِ أمْرِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  ﴾ .

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ الآيَةَ قِيلَ: إنَّما هِي فِيما أرادُوهُ مِن طَرْدِ فُقَراءِ أصْحابِهِ.

وأمّا لِثَقِيفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لِأنَّهم طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ  أنْ يُؤَخِّرَهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ سَنَةً يَعْبُدُونَ فِيها اللاتَ، وقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ ما يُهْدى لَها، ولَكِنْ إنْ خِفْتَ أنْ تُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْكَ العَرَبُ فَقُلْ: أوحى اللهُ ذَلِكَ إلَيَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

ويَلْزَمُ قائِلُ هَذا القَوْلِ أنْ يَجْعَلَ الآيَةَ مَدَنِيَّةً، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ، ورَوى قائِلُو الأقْوالِ الأُخَرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَمِيعُ ما أُرِيدَ مِنَ النَبِيِّ  بِحَسَبِ هَذا الِاخْتِلافِ قَدْ أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ خِلافَهُ، إمّا في مُعْجِزٍ، وإمّا في غَيْرِ مُعْجِزٍ، وفِعْلُهُ هو -إنَّ لَوْ وقَعَ- افْتِراءٌ عَلى اللهِ، إذْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ إنَّما هي كُلُّها شَرْعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى ما نَجّاهُ اللهُ تَعالى مِنهُ مِن مُخالَفَةِ الكُفّارِ والوِلايَةِ لَهم.

وقَوْلُهُ " لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ " الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ عَلى النَبِيِّ  ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ "الرُكُونُ": شَدُّ الظَهْرِ إلى الأمْرِ، أوِ الحَزْمُ عَلى جِهَةِ السُكُونِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِالرُكْنِ مِنَ الجُدْرانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿ أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ  ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْكَنُ" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَرْكُنُ" بِضَمِّ الكافِ.

ورَسُولُ اللهِ  لَمْ يَرْكَنْ، لَكِنَّهُ كادَ بِحَسْبِ هَمِّهِ بِمُوافَقَتِهِمْ طَمَعًا مِنهُ في اسْتِئْلافِهِمْ، وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ مَعْناهُ: لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عنكَ أنَّكَ رَكَنْتَ، ونَحْوَ هَذا، ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى نَفْيِ الهَمِّ بِذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، فَحَمَّلَ اللَفْظَ ما لا يَحْتَمِلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ.

وهَذا الهَمُّ مِنَ النَبِيِّ  إنَّما كانَتْ خَطِرَةً مِمّا لا يُمْكِنُ دَفْعَهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: "كِدْتَ"، وهي تُعْطِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكُونًا، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ إذْ كانَتِ المُقارَبَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُها "كِدْتَ" قَلِيلَةً، خَطِرَةً لَمْ تَتَأكَّدْ في النَفْسِ، وهَذا الهَمُّ هو كَهَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، والقَوْلُ فِيهِما واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ يُبْطِلُ أيْضًا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضِحاكُ: يُرِيدُ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ هَذا الذَنْبُ مِن عُقُوبَتِنا في الدُنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ لَكَ، وهَذا التَضْعِيفُ شائِعٌ مَعَ النَبِيِّ  في أجْرِهِ وألَمِهِ وعِقابِ أزْواجِهِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًۭا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٧٦ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ٧٧ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا ٧٨ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا ٧٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مَن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا ﴾ ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ إلى غَسَقِ اللَيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ قالَ حَضْرَمِيُّ: الضَمِيرُ في "كادُوا" لِيَهُودَ المَدِينَةِ وناحِيَتِها، كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللهِ  فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ بِالشامِ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُومَ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فاخْرُجْ إلَيْها فَإنَّ اللهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ رَسُولَهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا.

وحَكى النِقاشُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ، وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ فَرَجَعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشامِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "كادُوا" هو لِقُرَيْشٍ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ اسْتِفْزازَهم هو ما كانُوا أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، و"الأرْضُ" -عَلى هَذا- عامَّةٌ في الدُنْيا، كَأنَّهُ قالَ: يُخْرِجُوكَ مِنَ الدُنْيا، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ هي أرْضٌ مَخْصُوصَةٌ، إمّا مَكَّةُ وإمّا المَدِينَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أو يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ  ﴾ ، وإمّا مَعْناهُ: مِنَ الأرْضِ الَّتِي بِها تَصَرُّفُهم وتَمَتُّعُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: واسْتِفْزازُ قُرَيْشٍ هو ما كانُوا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ، كَما ذَهَبُوا قَبْلُ إلى حَصْرِهِ في الشِعْبِ.

ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ونَفَّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدَ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا خَلْفَهُ إلّا قَلِيلًا يَوْمَ بَدْرٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ اللهُ اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وألّا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِ اللهِ  في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ مِنَ الأرْضِ بِإذْنِ اللهِ تَعالى لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ يُسْلِمُ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ، قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا، فَذَهَبَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في "يَلْبَثُونَ" عامٌّ في جَمِيعِهِمْ.

وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذًا لا يَلْبَثُوا" بِحَذْفِ النُونِ وإعْمالِ "إذًا"، وسائِرُ القُرّاءِ ألْغَوْها وأثْبَتُوا النُونَ.

وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "يُلَبَّثُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الباءِ وفَتْحِ اللامِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عن يَعْقُوبَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ.

وقَرَأ عَطاءٌ: "بَعْدَكَ إلّا قَلِيلًا"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خَلْفَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، الكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "خِلافَكَ"، والمَعْنى واحِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَقَبَ الرَذاذُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ  ﴾ ، عَلى بَعْضِ تَأْوِيلاتِهِ، أيْ: بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ  ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ قَدْ لَزِمَ حَذْفُ المُضافِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ في آياتِنا: "خِلافَ خُرُوجِكَ"، وفي بَيْتِ الشاعِرِ: "خِلافَ انْبِساطِ الشَمْسِ" أو نَحْوَهُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: أصابُوا هَذِهِ الظُرُوفَ تُضافُ إلى الأسْماءِ الأعْيانِ الَّتِي لَيْسَتْ أحْداثًا، فَلَمْ يَسْتَحِبُّوا إضافَتَها إلى غَيْرِ ما جَرى عَلَيْهِ كَلامُهُمْ، كَما أنَّها لَمّا جَرَتْ مَنصُوبَةً في كَلامِهِمْ تَرَكُوها عَلى حالِها إذا وقَعَتْ في غَيْرِ مَوْقِعِ النَصْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنّا مِنّا الصالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سُنَّةَ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ الفِراءَ: نَصَبَهُ عَلى حَذْفِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى: "كَسُنَّةِ"، فَحَذَفَ الكافَ ونَصَبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُهُ عَلى هَذا أنْ لا يَقِفَ عَلى قَوْلِهِ: "قَلِيلًا".

ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ أنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعالى في الأُمَمِ الخالِيَةِ وعادَتَهُ أنَّها إذا أخْرَجَتْ نَبِيَّها مِن بَيْنِ أُظْهِرِها نالَها العَذابُ، واسْتَأْصَلَها الهَلاكُ، فَلَمْ تَلْبَثْ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ.

فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو بُرْدَةِ، والحُسْنُ، والجُمْهُورُ: "دُلُوكُ الشَمْسِ": زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظَهْرِ والعَصْرِ، و"غَسَقِ اللَيْلِ" أُشِيرَ بِهِ إلى المَغْرِبِ والعَشاءِ، و"قُرْآنَ الفَجْرِ" أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُبْحِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- تَعُمُّ جَمِيعَ الصَلَواتِ" ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظَهْرَ"،»«وَرَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ  خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَمْسُ، فَقالَ: "اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَمْسُ".» وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "دُلُوكُ الشَمْسِ": غُرُوبُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ.

و"غَسَقِ اللَيْلِ": اجْتِماعُ ظُلْمَتِهِ، فالإشارَةُ إلى العَتْمَةِ، و"قُرْآنَ الفَجْرِ": صَلاةُ الصُبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ -عَلى التَأْوِيلِ- إلى الظَهْرِ والعَصْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِعُمُومِهِ الصَلَواتِ، وهُما مِن جِهَةِ اللُغَةِ حُسْنانِ، وذَلِكَ أنَّ "الدُلُوكَ" هو المَيْلُ في اللُغَةِ، فَأوَّلُ الدُلُوكِ هو الزَوالُ، وآخِرُهُ هو المَغْرِبُ، ومِن وقْتِ الزَوالِ إلى الغُرُوبِ يُسَمّى دُلُوكًا، لِأنَّها في حالَةِ مَيْلٍ، فَذَكَرَ اللهُ الصَلَواتِ الَّتِي في حالَةِ الدُلُوكِ وعِنْدَهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الظَهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ المَغْرِبُ داخِلَةً في "غَسَقِ اللَيْلِ"، ومِنَ الدُلُوكِ الَّذِي هو المَيْلُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: أيُدالِكُ الرَجُلُ امْرَأتَهُ؟

يُرِيدُ: أيَمِيلُ بِها إلى المُطْلِ في دَيْنِها؟

فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: نَعَمْ، إذا كانَ مُلْحِفًا، أيْ: عَدِيمًا، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَواتِي تَقُودُها ∗∗∗ ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَوالِكِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: هَذا مَكانُ قَدَمَيْ رَباحِ ∗∗∗ ∗∗∗ غَدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحِ وَيُرْوى "بِراحِ" بِكَسْرِ الباءِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأصْمَعِيُّ، وأبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: مَعْناهُ: بِراحَةِ الناظِرِ يَسْتَكْفِ بِها أبَدًا لِيَنْظُرَ كَيْفَ مَيْلُها وما بَقِيَ لَها، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الحَجّاجِ: والشَمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ ∗∗∗ أدْفَعُها بِالراحِ كَيْ تَزَحْلَفا وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: "دَلَكَتْ بِراحِ، يَعْنِي: بِراحِ مَكانًا".

قالَ: فَإنْ كانَ هَذا مِن تَفْسِيرِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهو أعْلَمُ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ راوٍ فَأهْلُ الغَرِيبِ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

ويُرْوى البَيْتُ الأوَّلُ: "غَدْوَةً حَتّى هَلَكَتْ بَراحِ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى وزْنِ قَطامِ وحِزامِ، وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَمْسِ.

و"غَسَقُ اللَيْلِ": اجْتِماعُهُ وتَكاثُفُ ظُلْمَتِهِ، قالَ الشاعِرُ: آبَ هَذا اللَيْلُ إذْ غَسَقًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَسَقُ اللَيْلِ: بَدْؤُهُ.

ونُصِبَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واقْرَأْ قُرْآنَ، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَطْفًا عَلى "الصَلاةِ"، أيْ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، وعَبَّرَ عن صَلاةِ الصُبْحِ خاصَّةً بِالقُرْآنِ لِأنَّ القُرْآنَ هو عُظْمُها، إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُودٌ بِها.

ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ قَوْلُهُ: "قُرْآنَ" عَلى الإغْراءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ مَعْناهُ: يَشْهَدُهُ حَفَظَةُ النَهارِ وحَفَظَةُ اللَيْلِ مِنَ المَلائِكَةِ حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ"» الحَدِيثِ بِطُولِهِ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ.

وعَلى القَوْلِ بِذَلِكَ مَضى الجُمْهُورُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ ابْنِ عَسْكَرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي الدَرْداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ مَشْهُودًا ﴾ ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: (يَشْهَدُهُ اللهُ ومَلائِكَتُهُ)، وذَكَرَ في ذَلِكَ الحَدِيثِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَيْلِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا لَيْسَ بِقَوِيٍّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ ﴾ ، "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والتَقْدِيرُ: ووَقْتًا مِنَ اللَيْلِ، أيْ: وأقِمْ وقْتًا مِنَ اللَيْلِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ مُطْلَقٌ، كَما هو الضَمِيرُ مُطْلَقٌ، لَكِنْ جَرى مُضافًا إلى الفَجْرِ.

و"تَهَجَّدْ" مَعْناهُ: اطْرَحِ الهُجُودَ عنكَ، والهُجُودُ: النَوْمُ، يُقالُ: هَجَدَ يَهْجُدُ -بِضَمِّ الجِيمِ- هُجُودًا إذا نامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا طَرَقَتْنا والرِفاقُ هُجُودٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَوالِ تَجُودُ ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: فَحَيّاكِ وُدٌّ ما هَداكِ لِفِتْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُوصٍ بِأعْلى ذِي طُوالَةِ هُجَّدِ وهَذا الفِعْلُ جارٍ مَجْرى: تَحَرَّبَ وتَحَرَّجَ وتَأثَّمَ وتَحَنَّثَ، ومِثْلُهُ ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ  ﴾ ، فَمَعْناهُ: تَنْدَمُونَ، أيْ تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي انْبِساطُ النَفْسِ وسُرُورُها، يُقالُ: رَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ كَثِيرَ السُرُورِ والضَحِكِ، فالمَعْنى: ووَقْتًا مِنَ اللَيْلِ اسْهَرْ بِهِ في صَلاةٍ وقِراءَةٍ، وقالَ الأسْوَدُ، وعَلْقَمَةُ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ: التَهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ، وقالَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: إنَّما التَهَجُّدُ بَعْدَ رَقْدَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: التَهَجُّدُ ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: زِيادَةٌ لَكَ في الفَرْضِ، قالُوا: وكانَ قِيامُ اللَيْلِ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ هَذا عَلى جِهَةِ النَدْبِ في التَنَفُّلِ، ويَكُونُ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ، كَخِطابِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ ﴾ .

وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما هي نافِلَةٌ لِلنَّبِيِّ  ؛ لِأنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، والناسُ يَحُطُّونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ خَطاياهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ النَبِيَّ  مُنْذُ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلُ مِنَ العَمَلِ، وقُرَبًا أشْرَفَ مِن نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ إمّا أنْ تُجْبَرَ بِها فَرائِضُهُمْ، وإمّا أنْ تُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهُمْ، وقَدْ يُتَصَوَّرُ مَن لا ذَنْبَ لَهُ يَنْتَفِلُ، فَيَكُونُ تَنَفُّلُهُ فَضْلًا، كَنَصْرانِيٍّ يُسَلِّمُ وصَبِيٍّ يَحْتَلِمُ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِرَسُولِهِ  ، وهو أمْرُ الشَفاعَةِ الَّذِي يَتَدافَعُهُ الأنْبِياءُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

والحَدِيثُ بِطُولِهِ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ الَّذِي لَهُ في مَرْضاةِ جَمِيعِ العالَمِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ".» و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، و"مَقامًا" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن غَرِيبِ حَدِيثِ الشَفاعَةِ اقْتِضابُهُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ صَدْرَ الحَدِيثِ يَقْتَضِي أنَّ النَبِيَّ  يُسْتَنْهَضُ لِلشَّفاعَةِ في أنْ يُحاسَبَ الناسُ، ويَنْطَلِقُونَ مِنَ المَوْقِفِ، فَيَذْهَبُ لِذَلِكَ، ويَنُصُّ بِأثَرِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ شَفَعَ في إخْراجِ المُذْنِبِينَ مِنَ النارِ، فَمَعْناهُ الِاقْتِضابُ والِاخْتِصارُ؛ لِأنَّ الشَفاعَةَ في المُذْنِبِينَ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ الحِسابِ والزَوالِ مِنَ المَوْقِفِ ودُخُولِ قَوْمٍ الجَنَّةَ ودُخُولِ قَوْمٍ النارَ، وهَذِهِ الشَفاعَةُ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ، بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « " المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ هَذا عَلى ما قُلْناهُ: لِأُمَّتِهِ وغَيْرِها، أو يُقالَ: كُلٌّ مِنهُما مَقامٌ مَحْمُودٌ.

وقالَ النَقّاشُ: لِرَسُولِ اللهِ  ثَلاثُ شَفاعاتٍ: العامَّةُ، وشَفاعَةٌ في السَبْقِ إلى الجَنَّةِ، وشَفاعَةٌ في أهْلِ الكَبائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَشْهُورُ أنَّهُما شَفاعَتانِ فَقَطْ.

حَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ مِنها مُجاهِدٌ أنَّها قالَتِ: المَقامُ المَحْمُودُ هو أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُجْلِسُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مَعَهُ عَلى عَرْشِهِ، ورَوَتْ في ذَلِكَ حَدِيثًا، وعَضَّدَ الطَبَرِيُّ جَوازَ ذَلِكَ بِشَطَطٍ مِنَ القَوْلِ، وهو لا يَخْرُجُ إلّا عَلى تَلَطُّفٍ في المَعْنى، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يُنْكَرُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُرْوى، والعِلْمُ يَتَأوَّلُهُ.

وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي داوُدٍ السِجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدُنا مُتَّهَمٌ، ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَتَحَدَّثُونَ بِهَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍۢ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍۢ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَـٰنًۭا نَّصِيرًۭا ٨٠ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًۭا ٨١ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌۭ وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًۭا ٨٢ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسًۭا ٨٣ قُلْ كُلٌّۭ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًۭا ٨٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلُ كانَ زَهُوقًا ﴾ ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَرُّ كانَ يَئُوسًا ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والأحْسَنُ فِيها أنْ يَكُونَ دُعاءً في أنْ يُحْسِنَ اللهُ حالَتَهُ في كُلِّ ما يَتَناوَلُ مِنَ الأُمُورِ، ويُحاوِلُ مِنَ الأسْفارِ والأعْمالِ، ويَنْتَظِرُ مِن تَصَرُّفِ المَقادِيرِ في المَوْتِ والحَياةِ، فَهي عَلى أتَمَّ عُمُومٍ، مَعْناها: رَبِّ أصْلَحِ لِي وِرْدِي في كُلِّ الأُمُورِ وصَدْرِي، وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ إلى أنَّها في غَرَضٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: أرادَ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ في هَذا التَأْوِيلِ المُتَأخِّرِ في الوُقُوعِ، فَإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في القَوْلِ لِأنَّ الإخْراجَ مِن مَكَّةَ هو المُتَقَدِّمُ، اللهُمَّ إنَّ مَكانَ الدُخُولِ والفِرارِ هو الأهَمُّ.

وقالَ أبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ: أدْخِلْنِي في أمْرِ تَبْلِيغِ الشَرْعِ، وأخْرِجْنِي مِنهُ بِالإعْدادِ التامِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإدْخالُ بِالمَوْتِ في القَبْرِ، والإخْراجِ البَعْثُ.

وما قَدَّمْتُ مِنَ العُمُومِ التامِّ الَّذِي يَتَناوَلُ هَذا كُلَّهُ أصْوَبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُدْخَلَ" و "مُخْرَجَ" بِضَمِّ المِيمِ، فَهو جَرى عَلى: أدْخِلْنِي وأخْرِجْنِي.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وقَتادَةُ، وحَمِيدٌ: "مَدْخَلَ" و"مَخْرَجَ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو غَيْرُ جارٍ عَلى: أدْخِلْنِي، ولَكِنَّ التَقْدِيرَ: "أدْخَلَنِي فَأدْخُلُ مَدْخَلَ"، لِأنَّهُ إنَّما يَجْرِي عَلى دَخَلَ، و"الصِدْقُ" هُنا صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ واسْتِيعابَ المَدْحِ، كَما تَقُولُ: "رَجُلُ صِدْقٍ" أيْ: جامِعٌ لِلْمَحاسِنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: حُجَّةً، يُرِيدُ: تَنْصُرُنِي بِبَيانِها عَلى الكُفّارِ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: يُرِيدُ: مَنَعَةً ورِياسَةً وسَيْفًا يَنْصُرُ دِينَ اللهِ تَعالى، فَطَلَبَ رَسُولُ اللهِ  ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ إيّاهُ بِهِ رَغْبَةً في نَصْرِ الدِينِ، فَرُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أنْجَزَ لَهُ في حَياتِهِ وتَمَّمَهُ بَعْدَ وفاتِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ الآيَةَ.

قالَ قَتادَةُ: "الحَقُّ": القُرْآنُ، و"الباطِلُ": الشَيْطانُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَقُّ" الإيمانُ، و"الباطِلُ": الكُفْرُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الحَقُّ: الجِهادُ، و"الباطِلُ": الشِرْكُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والصَوابُ تَعْمِيمُ اللَفْظِ بِالغايَةِ المُمْكِنَةِ، فَيَكُونُ التَعْبِيرُ: جاءَ الشَرْعُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، وزَهَقَ الكُفْرُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى فِيهِ، و"الباطِلُ": كُلُّ ما لا تُنالُ بِهِ غايَةٌ نافِعَةٌ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كانَ زَهُوقًا ﴾ ، لَيْسَتْ "كانَ" إشارَةً إلى زَمَنٍ مَضى، بَلِ المَعْنى: كانَ وهو يَكُونُ، وهَذا كَقَوْلِكِ: كانَ اللهُ عالِمًا قادِرًا، ونَحْوَ هَذا.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَسْتَشْهِدُ بِها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقْتَ طَعْنِهِ الأصْنامَ، وسُقُوطِها لِطَعْنِهِ إيّاها بِمِخْصَرَةٍ، حَسْبَما في السِيرَةِ لِابْنِ هِشامٍ وفي غَيْرِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُنَزِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَيُنْزِلُ" بِالياءِ خَفِيفَةً، ورَواها المَرُوزِيُّ عن حَفْصٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ القُرْآنِ ﴾ ، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِنَ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ ونُنَزِّلُ ما فِيهِ شِفاءٌ مِنَ "القُرْآنِ"، وأنْكَرَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ تَحَفَّظَ مِن أنْ يَلْزَمَهُ أنَّ بَعْضَهُ لا شِفاءَ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ يَلْزَمُهُ هَذا، بَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ بِحَسْبِ أنَّ إنْزالَهُ إنَّما هو مُبَعَّضٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ" شَيْئًا شَيْئًا ما فِيهِ كُلُّهُ شِفاءٌ.

واسْتِعارَتُهُ الشِفاءَ لِلْقُرْآنِ هو بِحَسْبَ إزالَتِهِ لِلرَّيْبِ، وكَشْفِهِ غِطاءَ القَلْبِ لِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدالَّةِ عَلى اللهِ تَعالى، المُقَرِّرَةِ لِشَرْعِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشِفاءِ نَفْعُهُ مِنَ الأمْراضِ بِالرُقى والتَعْوِيذِ ونَحْوِهِ، وكَوْنُهُ رَحْمَةً ظاهِرَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِمْ عَمًى؛ إذْ هم مُعَرَّضُونَ بِحالَةِ مَن لا يَفْهَمُ ولا يُلَقَّنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ ﴾ الآيَةَ.

"الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ لا يُرادُ بِهِ العُمُومُ، وإنَّما يُرادُ بِهِ بَعْضُهُ وهُمُ الكَفَرَةُ، وهَذا كَما تَقُولُ عِنْدَ غَضَبٍ: "لا خَيْرَ في الأصْدِقاءِ ولا أمانَةَ في الناسِ"، فَأنْتَ تُعَمِّمُ مُبالِغَةً، ومُرادُكَ البَعْضُ، وهَذا بِحَسْبِ ذِكْرِ الظالِمِينَ والخَسارِ في الآيَةِ، قِيلَ: فاتَّصَلَ ذِكْرُ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامّا لِلْجِنْسِ، عَلى مَعْنى: إنَّ هَذا الخُلُقَ الذَمِيمَ في سَجِيَّتِهِ، فالكافِرُ يُبالِغُ في الإعْراضِ، والعاصِي يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنهُ.

وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  في مُؤْمِنٍ: « "فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللهُ عنهُ".» ومَعْنى "أعْرَضَ" ولّانا عُرْضَهُ، "وَنَأى" أيْ: بَعُدَ، وهَذِهِ، وهَذا اسْتِعارَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ يَفْعَلُ أفْعالَ المُعْرِضِ النائِي في تَرْكِهِ الإيمانَ بِاللهِ وشُكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَناءَ"، ومَعْناهُ: نَهَضَ مُتَباعِدًا، هَذا قَوْلُ طائِفَةٍ، وقالَ أُخْرى: هو قَلْبُ الهَمْزَةِ بَعْدَ الألْفِ مِن "نَأى" بِعَيْنِهِ، وهي لُغَةٌ كَرَأى وراءَ، ونَحْوَ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ رامٍ: حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ ∗∗∗ وناءَ في شِقِّ الشِمالِ كاهِلُهُ أيْ: نَهَضَ مُتَوَرِّكًا عَلى شِمالِهِ.

والَّذِي عِنْدِي أنَّ "ناءَ" و"نَأى" فِعْلانِ مُتَبايِنانِ.

وناءَ بِجانِبِهِ عِبارَةٌ عَنِ التَحَيُّرِ والِاسْتِبْدادِ، و"ناءَ" عِبارَةٌ عَنِ البُعْدِ والفِراقِ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى الكَفَرَةَ بِأنَّهم إذا مَسَّهم شَرٌّ مِن مَرَضٍ أو مُصِيبَةٍ في مالٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ يَئِسُوا مِن حَيْثُ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، ولا يَرْجُونَ تَصَرُّفَ أقْدارِهِ.

ثُمَّ قالَ عَزَّ وجَلَّ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ ، أيْ: طَرِيقَتُهُ وبِحَسْبِ نِيَّتِهِ ومَذْهَبِهِ الَّذِي يُشْبِهُهُ.

وهو شَكْلٌ لَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ دَلالَةً عَلى أنَّ "الإنْسانَ" أوَّلًا لَمْ يُرَدْ بِهِ العُمُومُ، أيْ أنَّ الكُفّارَ بِهَذِهِ الصِفاتِ، والمُؤْمِنُونَ بِخِلافِها، وكُلٌّ مِنهم يَعْمَلُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، والرَبُّ تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِي.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى طَبِيعَتِهِ، وقالَ أيْضًا: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: عَلى ناحِيَتِهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى حِدَتِهِ وعَلى ما يَنْوِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: عَلى دِينِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأرْجَحُ هَذِهِ العِباراتِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا ﴾ تَوَعُّدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا ٨٥ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا ٨٦ إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًۭا ٨٧ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا ٨٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُوحِ قُلِ الرُوحِ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِن العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في "يَسْألُونَكَ" قِيلَ: هو لِلْيَهُودِ وأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، «وَرَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ، فَمَرَّ عَلى حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ - ويُرْوى عَلى خَرِبٍ- وإذا فِيهِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَإنْ أجابَ فِيهِ عَرَفْتُمْ أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّهُ كانَ عِنْدَهم في التَوْراةِ أنِ الرَوْحَ مِمّا انْفَرَدَ اللهُ بِعِلْمِهِ، ولا يُطْلِعُ عَلَيْهِ أحَدًا مِن عِبادِهِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألُوهُ لِئَلّا يَأْتِي فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي -واللهُ أعْلَمُ- مِن أنَّهُ لا يُفَسِّرُهُ فَتَقْوى الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في نُبُوَّتِهِ، قالَ: فَسَألُوهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ  مُتَوَكِّئًا عَلى عَسِيبٍ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمُ الآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: نَسْألُ عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- أهْلَ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ، فَأرْسَلُوا إلَيْهِمْ إلى المَدِينَةِ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ اليَهُودُ: جَرِّبُوا بِثَلاثِ مَسائِلَ، سَلُوهُ عن أهْلِ الكَهْفِ وعن ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُوحِ، فَإنَّ فَسِرَّ الثَلاثَةَ فَهو كَذّابٌ، وإنَّ سَكْتَ عَنِ الرُوحِ فَهو نَبِيٌّ، فَسَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ الرُوحِ، فَيُرْوى أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُمْ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِهِ"، ولَمْ يَقِلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فاسْتَمْسَكَ الوَحْيُ عنهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُعاتَبَةً عَلى وعْدِهِ لَهم دُونَ اسْتِثْناءٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الرُوحِ المَسْؤُولِ عنهُ، أيُّ رُوحٍ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: وقَعَ السُؤالُ عَنِ الرُوحِ الَّتِي في الأشْخاصِ الحَيَوانِيَّةِ، ما هِيَ؟

فالرُوحُ اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وهَذا هو الصَوابُ، وهو المُشْكِلُ الَّذِي لا تَفْسِيرَ لَهُ.

وقالَ قَتادَةُ: الرُوحُ المَسْؤُولُ عنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَكْتُمُهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وجْهٍ في كُلِّ وجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ لِسانٍ، لِكُلِّ لِسانٍ سَبْعُونَ ألْفَ لُغَةٍ، يُسَبِّحُ اللهَ سُبْحانَهُ بِكُلِّ تِلْكَ اللُغاتِ، فَيُخْلَقُ مِن كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ المَلائِكَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

وما أظُنُّ هَذا القَوْلَ يَصِحُّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرُوحُ القُرْآنُ، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُفَسِّرَةٌ، والأوَّلُ أظْهَرُها وأصْوَبُها.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" اسْمُ جِنْسٍ لِلْأُمُورِ، أيِ: الرَوْحُ مِن جُمْلَةِ أُمُورِ اللهِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، فَهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، والثانِي أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيِ: الرَوْحُ مِمّا أمَرَ اللهُ تَعالى أمْرًا بِالكَوْنِ فَكانَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "وَما أُوتُوا"، ورَواها ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما أُوتِيتُمْ".

واخْتُلِفَ فِيمَن خُوطِبَ بِذَلِكَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السائِلُونَ فَقَطْ، تَرْجَمَ الطَبَرِيُّ بِذَلِكَ، ثُمَّ أدْخَلَ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عن قَتادَةُ أنَّهُمُ اليَهُودُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ اليَهُودُ بِجُمْلَتِهِمْ، وعَلى هَذا هي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: العالَمُ كُلُّهُ، وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى لَهُ: ﴿ قُلِ الرُوحُ ﴾ إنَّما هو أمْرٌ بِالقَوْلِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ إذْ كَذَلِكَ هي أقْوالُهُ كُلُّها، وعَلى ذَلِكَ تَمَّتِ الآيَةُ مِن مُخاطَبَةِ الكُلِّ.

ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَعالى لِلنَّبِيِّ  ولِجَمِيعِ الناسِ.

ويَتَّصِفُ ما عِنْدَ جَمِيعِ الناسِ مِنَ العِلْمِ بِالقِلَّةِ بِإضافَتِهِ إلى عِلْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي عِنْدَنا مِن عِلْمِها طَرَفٌ يَسِيرٌ جِدًّا، كَما قالَ الخَضْرُ عَلَيْهِ السَلامُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلائِقِ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ"، وأرادَ الخَضْرُ عِلْمَ اللهِ بِهَذِهِ المَوْجُوداتِ الَّتِي عِنْدَ البَشَرِ مِن عِلْمِها طَرَفٌ يَسِيرٌ جِدًّا نِسْبَةً إلى ما يَخْفى عنهُمْ، نِسْبَةَ النُقْطَةِ إلى البَحْرِ، وأمّا عِلْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى الإطْلاقِ فَغَيْرُ مُتَناهٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَجَوُّزُ في قَوْلِ الخَضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ: "كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ"، أيْ: إنّا لا يَنْقُصُ عِلْمُنا شَيْئًا مِن عِلْمِ اللهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ مَثَّلَ بِنَقْرَةِ العُصْفُورِ في عَدَمِ النَقْصِ؛ إذْ نَقْصُهُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَكَأنَّهُ مَعْدُومٌ، فَهَذا احْتِمالٌ، ولَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ لِرَسُولِ اللهِ  : كَيْفَ لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا وقَدْ أُوتِينا التَوْراةَ وهي الحِكْمَةُ، ومَن أُوتِيَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا؟

فَعارَضَهم رَسُولُ اللهِ  بِعِلْمِ اللهِ فَغُلِبُوا، وقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللهِ  في بَعْضِ الأحادِيثِ بِقَوْلِهِ: "كُلًّا".

يَعْنِي أنَّ المُرادَ بِـ "أُوتِيتُمْ" جَمِيعَ العالِمِ، وذَلِكَ أنَّ يَهُودَ قالَتْ لَهُ: أنَحْنُ عَنَيْتَ أمْ قَوْمَكَ؟

فَقالَ: "كُلًّا"، وفي هَذا المَعْنى نَزَلَتْ: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ  ﴾ ، حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةَ، فِيها شِدَّةٌ عَلى النَبِيِّ  ، وهي عِتابٌ عَلى قَوْلِهِ: "غَدًا أُعْلِمُكُمْ"، فَأُمِرَ بِأنْ يَقُولَ: إنِ الرُوحَ مِن أمْرِ رَبِّي، فَيُذْعِنُ بِالتَسْلِيمِ لِلَّهِ في أنَّهُ يُعْلِمُ بِما شاءَ، ويُمْسِكُ عن عِبادِهِ ما شاءَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: وما أُوتِيتُمْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ وجَمِيعُ الخَلائِقِ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، فاللهُ تَعالى يُعْلِمُ مَن عِلْمِهِ بِما شاءَ، ويَدَعُ ما شاءَ، ولَئِنْ شاءَ لَذَهَبَ بِالوَحْيِ الَّذِي أتاكَ، ثُمَّ لا ناصِرَ لَكَ مِنهُ، فَلَيْسَ بِعَظِيمٍ ألّا تَجِيءَ بِتَفْسِيرٍ في الرُوحِ الَّذِي أرْدَتْ تَفْسِيرَهُ لِلنّاسِ ووَعَدَتْهم بِذَلِكَ.

ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَتَخْرُجُ رِيحٌ حَمْراءُ مِن قِبَلِ الشامِ فَتُزِيلُ القُرْآنَ مِنَ المَصاحِفِ ومِنَ الصُدُورِ، وتَذْهَبُ بِهِ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أرادَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِتِلاوَةِ الآيَةِ أنْ يُبْدِيَ أنَّ الأمْرَ جائِزُ الوُقُوعِ لِيَظْهَرَ مِصْداقُ خَبَرِهِ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأمْرِ في الِانْتِصارِ أوِ المُخاصَمَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن وُجُودِ النَفْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا رَحْمَةً" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ يُمْسِكُ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ يُخَصِّصُ تَخْصِيصًا ما، ولَيْسَ كالمُتَّصِلِ؛ لِأنَّ المُتَّصِلَ يُخَصِّصُ مِنَ الجِنْسِ أوِ الجُمْلَةِ، والمُنْقَطِعَ يُخَصِّصُ أجْنَبِيًّا مِن ذَلِكَ، ولا يُنْكِرُ وُقُوعَ المُنْقَطِعِ في القُرْآنِ إلّا أعْجَمِيٌّ، وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ خُوَيْزٍ مِقْدادٍ.

ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كِبَرَ فَضْلِهِ في اخْتِصاصِهِ بِالنُبُوَّةِ، وحِمايَتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ ﴾ الآيَةَ.

سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ قالَتْ لِرَسُولِ اللهِ  : يا مُحَمَّدُ.

جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِ هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُصَرِّحَةُ بِالتَعْجِيزِ، المُعْلِمَةُ بِأنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ إنْسًا وجِنًّا لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.

والعَجْزُ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في النَظْمِ والرَصْفِ لِمَعانِيهِ، وعِلَّةُ ذَلِكَ الإحاطَةُ الَّتِي لا يَتَّصِفُ بِها إلّا اللهُ تَعالى.

والبَشَرُ مُقَصِّرٌ ضَرُورَةً بِالجَهْلِ والنِسْيانِ والغَفْلَةِ وأنْواعِ النَقْصِ، فَإنَّ نَظْمَ كَلِمَةٍ خَفِيٌّ عنهُ -لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنا- ألْيَقُ الكَلامِ بِها في المَعْنى، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ في صَدْرِ هَذا الدِيوانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتُونَ ﴾ بِمِثْلِهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"لا" مُتَلَقِّيَةٌ قَسَمًا، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَئِنِ" مُؤَذِّنَهٌ غَيْرُ لازِمَةٍ، قَدْ تُحْذَفُ أحْيانًا، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ اللامُ مُؤَكِّدَةً فَقَطْ، ويَجِيءُ الفِعْلُ المَنفِيُّ مَجْزُومًا، وهَذا اعْتِمادٌ عَلى الشَرْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْمَشِ: لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عن غَبِّ مَعْرَكَةٍ ∗∗∗ لا تُلْفِنا عن دِماءِ القَوْمِ نَنْتَقِلُ و"الظَهِيرُ": المُعِينُ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ  ﴾ الآيَةَ.

فالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفَهِمَتِ العَرَبُ بِخُلُوصِ فَهْمِها في مَيْزِ الكَلامِ ودُرْبَتِها بِهِ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ ولا كُلُّ مَن خالَطَتْهُ حَضارَةٌ، فَفَهِمُوا العَجْزَ عنهُ ضَرُورَةً ومُشاهَدَةً، وعَلِمَهُ الناسُ بَعْدَهُمُ اسْتِدْلالًا ونَظَرًا، ولِكُلٍّ حَصَلَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ، لَكِنْ لَيْسَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وهَذا كَما عَلِمَتِ الصَحابَةُ شَرْعَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأعْمالَهُ مُشاهَدَةً عِلْمَ ضَرُورَةٍ، وعَلِمْنا نَحْنُ المُتَواتِرَ مِن ذَلِكَ بِنَقْلِ التَواتُرِ، فَحَصَلَ لِلْجَمِيعِ القَطْعُ، لَكِنَّ في مَرْتَبَتَيْنِ، وفَهِمَ إعْجازَ القُرْآنِ أرْبابُ الفَصاحَةِ الَّذِينَ لَهم غَرائِبُ في مَيْزِ الكَلامِ.

ألا تَرى إلى فَهْمِ الفَرَزْدَقِ شِعْرَ جَرِيرٍ في شِعْرِ ذِي الرُمَّةِ في قَوْلِهِ: يَعُدُّ الناسِبُونَ إلى تَمِيمٍ.

الأبْياتَ كُلَّها.

وألا تَرى قِصَّةَ جَرِيرٍ في نَوادِرِهِ مَعَ الفَرَزْدَقِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: عَلامَ تَلَفَّتِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: تَلَفَّتُ أنَّها تَحْتَ ابْنِ قَيْنٍ.

وألا تَرى إلى قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ"؟

وألا تَرى إلى اسْتِدْلالِ الآخَرِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ  ﴾ ، فَقالَ: إنَّ الزِيارَةَ تَقْتَضِي الِانْصِرافَ.

ومِنهُ عِلْمُ بَشّارٍ بِقَوْلِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في شِعْرِ الأعْشى: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ.

وَمِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْأصْمَعِيِّ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يُقْسِمَ؟

ومِن فَهْمِهِمْ أنَّهم بِبَدائِهِهِمْ يَأْتُونَ بِكَلِمَةٍ مَنثُورَةٍ تَفْضُلُ المُنَقَّحَ مِنَ الشِعْرِ، وأمْثِلَةُ ذَلِكَ مَحْفُوظَةٌ، ومِن ذَلِكَ أجْوِبَتُهُمُ المُسْكِتَةُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بَراعَتِهِمْ في الفَصاحَةِ وكَوْنِهِمْ فِيها النِهايَةَ، كَما كانَ السِحْرُ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والطِبُّ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهم مَعَ هَذِهِ الأفْهامِ أقَرُّوا بِالعَجْزِ، ولَجَأ المُحادُّ مِنهم إلى السَيْفِ، ورَضِيَ بِالقَتْلِ والسِباءِ وكَشْفِ الحُرَمِ، وهو كانَ يَجِدُ المَندُوحَةَ عن ذَلِكَ بِالمُعارَضَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ التَحَدِّي بِالعَشْرِ السُورِ، والتَحَدِّي بِالسُورَةِ، إنَّما وقَعَ كُلُّهُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في النُظُمِ خاصَّةً، وقَيَّدَ العَشْرَ بِالِافْتِراءِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى، فَدَعاهم بِعَقِبِ ذِكْرِ ذَلِكَ إلى الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرِياتٍ، ولَمْ يَذْكُرِ الِافْتِراءَ في السُورَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ عنهم ذِكْرُ ذَلِكَ قَبْلُ، بَلْ قالَ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ  ﴾ ، عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ ذِكْرُ السُورَةِ مَعَ ذِكْرِهِمُ الِافْتِراءَ في سُورَةِ هُودٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في هَذا المَوْضِعِ - فَقِيلَ: دُعُوا إلى السُورَةِ المُماثِلَةِ في النَظْمِ والغُيُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ، وكانَ ذَلِكَ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، فَلَمّا عَسُرَ عَلَيْهِمْ خُفِّفَ بِالدَعْوَةِ إلى المُفْتَرَياتِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَنْحَلُّ عِنْدَ تَحْصِيلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًۭا ٨٩ وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا ٩٠ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَعِنَبٍۢ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا ٩١ أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ ﴿ أو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا ﴾ ﴿ أو تُسْقِطَ السَماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أو تَأْتِيَ بِاللهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى فَضْلِ اللهِ في القُرْآنِ عَلى العالَمِ، وتَوْبِيخٍ لِلْكُفّارِ مِنهم عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ.

و"تَصْرِيفِ القَوْلِ" هو تَرْدِيدُ البَيانِ عَنِ المَعْنى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِفَتْحِ الراءِ خَفِيفَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ بِـ "صَرَّفْنا" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ صَرَفْنا في هَذا القُرْآنِ التَنْبِيهَ والعِبَرَ مِن كُلِّ مَثَلٍ ضَرَبْناهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً زائِدَةً، التَقْدِيرُ: ولَقَدْ صَرَفْنا كُلَّ مَثَلٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِ الكَفّارِ الكُفْرَ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفي العِبارَةِ بِـ "أبى" تَغْلِيظٌ، والكُفْرُ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ هو مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى، وبِالتَكَسُّبِ والدُءُوبِ هو مِنَ الإنْسانِ.

و"كُفُورًا" مَصْدَرٌ كالخُرُوجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ الآيَةَ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى تُفَجِّرَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حَتّى تَفْجُرَ" بِفَتْحِ التاءِ وَضَمِّ الجِيمِ، وفي القُرْآنِ "فانْفَجَرَتْ"، وانْفَجَرَ مُطاوِعُ فَجَرَ، فَهَذا مِمّا يُقَوِّي القِراءَةَ الثانِيَةَ، وأمّا الأُولى فَتَقْتَضِي المُبالَغَةَ في التَفْجِيرِ.

و"اليَنْبُوعُ": الماءُ النابِعُ، وهي صِفَةُ مُبالَغَةٍ إنَّما تَقَعُ لِلْماءِ الكَثِيرِ.

وطَلَبَتْ قُرَيْشٌ هَذا مِن رَسُولِ اللهِ  بِمَكَّةَ، وإيّاها عَنَوْا بِـ "الأرْضِ"، وإنَّما يُرادُ بِإطْلاقِ لِفْظَةِ الأرْضِ هُنا الأرْضُ الَّتِي يَكُونُ فِيها المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ  ﴾ ، فَإنَّما يُرادُ: مَن أرْضِ تَصَرُّفِهِمْ وقَطْعِهِمُ السُبُلَ ومَعاشِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا اقْتِراحُهم بِالجَنَّةِ إنَّما هو بِمَكَّةَ لِامْتِناعِ ذَلِكَ فِيها، وإلّا فَفي سائِرِ البِلادِ كانَ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ، وإنَّما طالَبُوهُ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الجَدْبِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنَّةً".

وقُرِئَ: "حَبَّةٌ" ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتُفَجِّرَ" تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ  ﴾ ، و"خِلالَها" ظَرْفٌ، ومَعْناهُ: أثْناءُها وفي داخِلِها.

ورُوِيَ في قَوْلِ هَذِهِ المَقالَةِ لِرَسُولِ اللهِ  حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مُقْتَضاهُ «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والنَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وغَيْرَهم مِن مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ وساداتِها اجْتَمَعُوا فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يُمَلِّكُوهُ -إنْ أرادَ- المُلْكَ، ويَجْمَعُوا لَهُ كَثِيرًا مِنَ المالِ إنْ أرادَ الغِنى، أو يُطِبُّوهُ إنْ كانَ بِهِ داءٌ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ، فَدَعاهم رَسُولُ اللهِ  عِنْدَ ذَلِكَ إلى اللهِ، وقالَ: "إنَّما جِئْتُكم مِن عِنْدِ اللهِ بِأمْرٍ فِيهِ صَلاحُ دِينِكم ودُنْياكُمْ، فَإنْ سَمِعْتُمْ وأطَعْتُمْ فَحَسَنٌ، وإلّا صَبَرْتُ لِأمْرِ اللهِ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وبَيْنَكم بِما شاءَ"، فَقالُوا لَهُ حِينَئِذٍ: فَإنْ كانَ ما تَزْعُمُهُ حَقًّا فَفَجِّرْ يَنْبُوعًا ونُؤْمِنُ لَكَ، ولْتَكُنْ لَكَ جَنَّةٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كَلَّفُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : "هَذا كُلُّهُ إلى اللهِ، ولا يَلْزَمُنِي هَذا ولا غَيْرُهُ، وإنَّما أنا مُسْتَسْلِمٌ لِأمْرِ اللهِ تَعالى.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو مَعْنى الحَدِيثِ، وفي الألْفاظِ اخْتِلافٌ ورِواياتٌ مُتَشَعِّبَةٌ يَطُولُ سَوْقُ جَمِيعِها، فاخْتَصَرْتُ لِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو تُسْقِطَ السَماءَ ﴾ الآيَةَ.

قَرَأ الجُمْهُورُ: "أو تُسْقِطَ" بِضَمِّ التاءِ، "السَماءَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "أو تَسْقُطَ السَماءُ" بِرَفْعِ "السَماءِ" وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿ كَما زَعَمْتَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَلا عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كِسْفًا" بِسُكُونِ السِينِ، إلّا في الرُومِ فَإنَّهم حَرَّكُوها، ومَعْناها: قَطْعًا واحِدًا، قالَ مُجاهِدٌ: السَماءُ جَمِيعًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "كَسَفْتُ الثَوْبَ" ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، فالكِسَفُ -بِفَتْحِ السِينِ- المَصْدَرُ، والكِسَفُ: الشَيْءُ المَقْطُوعُ، قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: أو تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا طِبَقًا، واشْتِقاقُهُ مِن: كَسَفْتُ الشَيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُغَةِ "كَسَفَ" بِمَعْنى "غَطّى"، وإنَّما هو بِمَعْنى "قَطَعَ"، وكَأنَّ كُسُوفَ الشَمْسِ والقَمَرِ قَطْعٌ مِنهُما، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "كِسَفًا" بِفَتْحِ السِينِ، أيْ: قِطَعًا، جَمْعُ "كِسْفَةٍ".

وقَوْلُهُ: "قَبِيلًا" مَعْناهُ: مُقابِلَةً وعِيانًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: ضامِنًا وزَعِيمًا بِتَصْدِيقِكَ، ومِنهُ القُبالَةُ، وهي الضَمانُ، والقَبِيلُ: والمُتَقَبِّلُ الضامِنُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَوْعًا وجِنْسًا لا نَظِيرَ لَهُ عِنْدَنا.

وقَرَأ الأعْرَجُ: "قُبُلًا" وهو بِمَعْنى المُقابَلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌۭ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَـٰبًۭا نَّقْرَؤُهُۥ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًۭا رَّسُولًۭا ٩٣ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًۭا رَّسُولًۭا ٩٤ قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌۭ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًۭا رَّسُولًۭا ٩٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أو تَرْقى في السَماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا ﴾ ﴿ وَما مَنَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ مَلَكًا رَسُولا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: "الزُخْرُفَ": الذَهَبُ في هَذا المَوْضِعِ، والزُخْرُفُ: ما تُزُيِّنُ بِهِ، كانَ بِذَهَبٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ: ﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها  ﴾ ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ "أو يَكُونُ لَكَ بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ".

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: في الهَواءِ عُلُوًّا، والعَرَبُ تُسَمِّي الهَواءَ عُلُوًّا سَماءً، لِأنَّهُ في حَيِّزِ السُمُوِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا السَماءَ المَعْرُوفَةَ، وهو الظاهِرُ؛ لِأنَّهُ أعْلَمَهم أنَّ إلَهَ الخَلْقِ فِيها، وأنَّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُها.

و"تَرْقى" مَعْناهُ: تَصْعَدُ، والرُقِيُّ: الصُعُودُ.

ويُرْوى أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، فَإنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللهِ  : إنّا لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكُتّابٍ - أرادَ هُنا كِتابَهُ- فِيهِ: مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ.

ورُوِيَ أنَّ جَماعَتَهم طَلَبَتْ هَذا النَحْوَ مِنهُ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: ﴿ سُبْحانَ رَبِّي ﴾ ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ مِنَ الإتْيانِ مَعَ المَلائِكَةِ قَبِيلًا، ومِن أنْ يُخاطِبَكم بِكِتابٍ كَما أرَدْتُمْ، ومِن أنْ أقْتَرِحَ أنا عَلَيْهِ هَذِهِ الأشْياءَ، وهَلْ أنا إلّا بِشَرٌ مِنكم أُرْسِلُتُ إلَيْكم بِالشَرِيعَةِ، فَإنَّما عَلَيَّ التَبْلِيغُ فَقَطْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "قالَ سُبْحانَ رَبِّيَ"، عَلى مَعْنى الخَبَرِ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ سَبَّحَ عِنْدَ قَوْلِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَنَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَلَهُّفِ مِنَ النَبِيِّ  ، كَأنَّهُ يَقُولُ مُتَعَجِّبًا مِنهُمْ: ما شاءَ اللهُ كانَ، ما مَنَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا هَذِهِ العِلَّةُ النَزِرَةُ واسْتِبْعادُ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى حُجَّةٍ، وبِعْثَةُ البَشَرِ رُسُلًا غَيْرُ بِدَعٍ ولا غَرِيبٍ، فَبِها يَقَعُ الإفْهامُ والتَمَكُّنُ مِنَ النَظَرِ، كَما لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَسْكُنُونَها "مُطْمَئِنِّينَ" أيْ: وادِعِينَ فِيها مُقِيمِينَ لَكانَ الرَسُولُ إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، لِيَقَعَ الإفْهامُ، وأمّا البَشَرُ فَلَوْ بُعِثَ إلَيْهِمْ مَلَكٌ لَنَفَرَتْ طِباعُهم مِن رُؤْيَتِهِ، ولَمْ تَحْتَمِلْهُ أبْصارُهُمْ، ولا تَجَلَّدَتْ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وإنَّما اللهُ أجْرى أحْوالَهم عَلى مُعْتادِها.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًۭا ٩٦ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًۭا وَبُكْمًۭا وَصُمًّۭا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًۭا ٩٧ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًۭا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًا ٩٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أولِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ رُوِيَ أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  المَقالاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، مِن عَرْضِ المُلْكِ عَلَيْهِ والغِنى وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالُوا لَهُ في آخِرِ قَوْلِهِمْ: فَلْتَجِئْ مَعَكَ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ تَشْهَدُ لَكَ بِصِدْقِكَ في نُبُوَّتِكَ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ: فَمَن يَشْهَدُ لَكَ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى أقْوالِهِمْ إنَّما هو طَلَبُ شَهادَةٍ دُونَ أنْ يَذْكُرُوها، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتِ الآيَةُ، أيِ: اللهُ يَشْهَدُ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ، الَّذِي لَهُ الخَبَرُ والبَصَرُ بِجَمِيعِنا، صادِقَنا وكاذِبِنا.

ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ إلى خَلْقِ اللهِ واخْتِراعِهِ الهُدى والضَلالَ في قُلُوبِ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ بِيَدِي مِن أمْرِكم أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أولِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ وعِيدٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى الوُجُوهِ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وهَذا قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هي اسْتِعاراتٌ، إمّا لِأنَّهم مِنَ الحَيْرَةِ والهَمِّ والذُهُولِ يُشْبِهُونَ أصْحابَ هَذِهِ الصِفاتِ، وإمّا مِن حَيْثُ لا يَرَوْنَ ما يَسُرُّهُمْ، ولا يَسْمَعُونَ، ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ.

وقِيلَ: هي حَقِيقَةٌ كُلُّها، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، ثُمَّ يَرُدُّ اللهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم وسَمْعَهم ونُطْقَهُمْ، فَعِنْدَ رَدِّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ يَرَوْنَ النارَ، ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها، ويَتَكَلَّمُونَ بِكُلِّ ما حُكِيَ عنهم في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ لِلْمُنْصَرِفِ عن أمْرٍ خائِفًا مَهْمُومًا: انْصَرَفَ عَلى وجْهِهِ، ويُقالُ لِلْبَعِيرِ: كَأنَّما يَمْشِي عَلى وجْهِهِ، ومَن قالَ ذَلِكَ في الآيَةِ حَقِيقَةً قالَ: أقْدَرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى النَقْلَةِ عَلى الوُجُوهِ، كَما أقْدَرَهم في الدُنْيا عَلى النَقْلَةِ عَلى الأقْدامِ، وفي هَذا المَعْنى حَدِيثٌ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَمْشِي الكافِرُ عَلى وجْهِهِ؟

قالَ: "ألَيْسَ الَّذِي أمْشاهُ في الدُنْيا عَلى رَجُلَيْنِ قادِرًا أنْ يُمَشِّيَهُ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ"؟» قالَ قَتادَةُ: بَلى وعِزَّةِ رَبِّنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما خَبَتْ ﴾ أيْ: كُلَّما فَرَغَتْ مِن إحْراقِهِمْ، فَيَسْكُنُ اللهِيبُ القائِمُ عَلَيْهِمْ قَدْرَ ما يُعادَوْنَ ثُمَّ يَثُورُ، فَتِلْكَ زِيادَةُ السَعِيرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالزِيادَةُ في حَيِّزِهِمْ، وأمّا جَهَنَّمُ فَعَلى حالِها مِنَ الشِدَّةِ لا يُصِيبُها فُتُورٌ.

و"خَبَتِ النارُ" مَعْناهُ: سَكَنَ اللهَبُ والجَمْرُ عَلى حالِهِ، و"خَمَدَتْ" مَعْناهُ: سَكَنَ الجَمْرُ وضَعُفَ، و"هَمَدَتْ" مَعْناهُ: طُفِيَتْ جُمْلَةً، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: لِمَنِ النارُ قُبَيْلَ الصُبْـ ∗∗∗ ـحِ عِنْدَ البَيْتِ ما تَخْبُو إذا ما أُخْمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗....

عَلَيْها المَندَلُ الرَطْبُ؟

ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وسْطُهُ كاليَراعِ أو سُرُجِ المِجْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـدَلِ حِينًا يَخْبُو وحِينًا يُنِيرُ وَمِنهُ قَوْلُ القَطامِيِّ: فَيَخْبُو ساعَةً ويَهُبُّ ساعًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ ﴾ ، الآيَةُ إشارَةٌ إلى الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ بِجَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يَعُمُّ الدَلائِلَ والحُجَجَ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ويَعُمُّ آياتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وما تُضَمَّنُ مِن خَبَرٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ.

ثُمَّ عَظُمَ عَلَيْهِمْ أمْرُ إنْكارِ البَعْثِ، وخَصَّهُ بِالذِكْرِ مَعَ كَوْنِهِ في عُمُومِ الكُفْرِ بِآياتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ التَعْظِيمُ لَهُ، والتَنْبِيهُ عَلى خَطارَةِ الكُفْرِ في إنْكارِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في الاِسْتِفْهامَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

و"الرُفاتُ": بَقِيَّةُ الشَيْءِ الَّتِي قَدْ أصارَها البِلى إلى حال التُرابِ، و"البَعْثُ": تَحْرِيكُ الشَيْءِ الساكِنِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم هو عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِلْمُحالِ بِزَعْمِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

۞ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًۭا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًۭا ٩٩ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًۭا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًۭا ١٠٠ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًۭا ١٠١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنَّ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظالِمُونَ إلا كُفُورًا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ فِيما اسْتَبْعَدُوهُ مِنَ البَعْثِ، وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا عَلى خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي البَشَرُ جُزْءٌ مِنها، فَهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم أنْ يُقِرُّوا بِخَلْقِهِ لِلْكُلِّ وإخْراجِهِ مِن خُمُولِ العَدَمِ ويُنْكِرُونَ إعادَتَهُ لِلْبَعْضِ؟

فَحَصَلَ الأمْرُ في حَيِّزِ الجَوازِ.

وأخْبَرَ الصادِقُ الَّذِي قامَتْ دَلائِلُ مُعْجِزاتِهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ.

والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ القَلْبِ، و"الأجَلُ" ها هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القِيامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أجْلَ المَوْتِ، والأجْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الآجالِ.

ومَقْصِدُ هَذا الكَلامِ بَيانُ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ومُلْكِهِ لِخَلْقِهِ، وبِتَقْرِيرِ ذَلِكَ يَقْوى جَوازُ بَعَثِهِ لَهم حِينَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ وجُنُوحِهِمْ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آنِفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ الآيَةَ.

حُكْمُ "لَوْ" أنْ يَلِيَها الفِعْلُ، إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالتَقْدِيرُ هُنا: قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ، فَـ "أنْتُمْ" رُفِعَ عَلى تَبَعِ الضَمِيرِ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والنِعَمُ الَّتِي تُصْرَفُ في الأرْزاقِ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ رَحْمَةٌ.

و"الإنْفاقُ" المَعْرُوفُ: إذْهابُ المالِ.

وهو مُؤَدٍّ إلى الفَقْرِ، فَكَأنَّ المَعْنى: خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ.

وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "أنْفَقَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: افْتَقَرَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ مَعْناهُ: مُمْسِكًا، يُرِيدُ أنَّ في طَبْعِهِ ومُنْتَهى نَظَرِهِ أنَّ الأشْياءَ تَتَناهى وتَفْنى، فَهو لَوْ مَلَكَ خَزائِنَ رَحْمَةِ اللهِ لَأمْسَكَ خَشْيَةَ الفَقْرِ، وكَذَلِكَ يَظُنُّ أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَقِفُ دُونَ البَعْثِ، والأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قُدْرَتُهُ لا تَتَناهى، فَهو يَخْتَرِعُ مِنَ الخَلْقِ ما يَشاءُ، ويَخْتَزِنُ مِنَ الرَحْمَةِ الأرْزاقَ، فَلا يَخافُ نَفاذَ خَزائِنِ رَحْمَتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ تَلْتَبِسُ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبِلَها، واللهُ ولِيُّ التَوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ، ومِنَ الإقْتارِ قَوْلُ أبِي داوُدَ: لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولَكِنْ ∗∗∗ فَقْدُ مَن قَدْ رُزِئْتُهُ الإعْدامُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ .

اتَّفَقَ المُتَأوِّلُونَ والرُواةُ أنَّ الآياتِ الخَمْسَ الَّتِي في سُورَةِ الأعْرافِ هي مِن هَذِهِ التِسْعِ، وهِيَ: الطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ.

واخْتَلَفُوا في الأرْبَعِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي يَدُهُ، ولِسانُهُ حِينَ انْحَلَّتْ عُقْدَتُهُ، وعَصاهُ، والبَحْرُ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هِيَ: البَحْرُ، والعَصا، والطَمْسَةُ، والحَجَرُ، وقالَ: سَألَنِي عن ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: وما الطَمْسَةُ؟

فَقُلْتُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ عَلَيْهِما السَلامُ، فَطَمَسَ اللهُ أمْوالَهم ورَدَّها حِجارَةً.

فَقالَ عُمَرُ: وهَلْ يَكُونُ الفِقْهُ إلّا هَكَذا؟

ثُمَّ دَعا بِخَرِيطَةٍ فِيها غَرائِبُ كانَتْ لِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوانٍ جَمَعَها بِمِصْرَ، فاسْتَخْرَجَ مِنها الحَوْزَةَ والبَيْضَةَ والعَدَسَةَ، وهي كُلُّها أحْجارٌ كانَتْ مِن بَقايا أمْوالِ فِرْعَوْنَ، وقالَ الضَحّاكُ: هي إلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، والشَعْبِيُّ: هي العَصا، واليَدُ، والسُنُونَ، ونَقْصُ الثَمَراتِ.

وقالَ الحَسَنُ: هي العَصا في كَوْنِها ثُعْبانًا، واليَدُ، والسُنُونَ، وتَلْقَفُ العَصا ما يَأْفِكُونَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي السُنُونَ في بَوادِيهِمْ، ونَقْصُ الثَمَراتِ في قُراهُمْ، واليَدِ، والعَصا.

ورَوى مَصْرِفٌ عن مالِكٍ أنَّها العَصا، واليَدُ، والجَبَلُ إذْ نَتَقَ، والبَحْرُ.

ورَوى ابْنُ وهْبٍ عنهُ مَكانُ البَحْرِ الحَجَرُ، والَّذِي يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّ مِن آياتِ مُوسى -إذْ هي كَثِيرَةٌ جِدًّا تَنِيفُ عَلى أرْبَعٍ وعِشْرِينَ- تِسْعًا بِالذِكْرِ، ووَصَفَها بِالبَيانِ ولَمْ يُعَيِّنْها، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها بِحَسْبَ اجْتِهادِهِمْ في بَيانِها، أو رِواياتِهِمُ التَوْقِيفِيَّةِ في ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما أُرِيدَ بِها آياتُ التَوْراةِ الَّتِي هي أوامِرُ ونَواهٍ، ورَوى في هَذا صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ «أنْ يَهُودِيًّا مِن يَهُودِ المَدِينَةِ قالَ لِآخَرَ: سِرْ بِنا إلى هَذا النَبِيِّ نَسْألُهُ عن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ-، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: لا تَقُلْ إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ صارَ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ، قالَ: فَسارا إلى رَسُولِ اللهِ  : فَسَألُوهُ، فَقالَ: هي ألّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْخَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِبا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةٌ يَهُودٌ: ولا تَعُدُوا في السَبْتِ.» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ: "فَسَلْ" عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَألَ يَسْألُ"، وهَذا كُلُّهُ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ  ، أيِ: اسْألْ مُعاصِرِيكَ عَمّا أعْلَمْناكَ بِهِ مِن غَيْبِ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إذْ جاءَهُمُ  ﴾ ، يُرِيدُ: آباءَهُمْ، وأدْخَلَهم في الضَمِيرِ إذْ هم مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ إحالَتُهُ إيّاهُ عَلى سُؤالِهِمْ بِطَلَبِ إخْبارِهِمْ والنَظَرِ في أحْوالِهِمْ وما في كُتُبِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا  ﴾ ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَعِظُهُ: سَلِ الأُمَمَ الخالِيَةَ هَلْ بَقِيَ مِنها مُخَلَّدٌ؟

ونَحْوَ هَذا مِمّا يُجْعَلُ النَظَرُ فِيهِ مَكانَ السُؤالِ.

قالَ الحَسَنُ: سُؤالُكَ نَظَرُكَ في القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَسَألَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: سَألَ مُوسى فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ طَلَبَهم لِيُنْجِيَهم مِنَ العَذابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا"، اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، أيْ: إنَّكَ قَدْ سُحِرْتَ فَكَلامُكَ مُخْتَلٌّ وما تَأْتِي بِهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ.

وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حِجابًا مَسْتُورًا  ﴾ ، وكَما قالُوا: مَشْؤُومٌ ومَيْمُونٌ، وإنَّما هُوَ: شايِمٌ ويامِنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَتَخَرَّجُ إلّا عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا سِحْرٍ مَلَكْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فَأنْتَ تَأْتِي بِهَذِهِ الغَرائِبِ لِذَلِكَ.

وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ تَنْقُصُ، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ "مَسْحُورًا" مَفْعُولًا عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ساحِرٌ يُعارِضُنا، "أمّا" ما حُكِيَ عنهم أنَّهم قالُوا لَهُ -عَلى جِهَةِ المَدْحِ-: ﴿ يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ  ﴾ فَإمّا أنْ يَكُونَ القائِلُونَ هُنالِكَ لَيْسَ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ لَكِنَّهُ تَنَقُّلٌ مَن تَنَقُّصِهِ إلى تَعْظِيمِهِ.

وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًۭا ١٠٢ فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًۭا ١٠٣ وَقُلْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ لِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًۭا ١٠٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ ﴿ فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا ﴾ ﴿ وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا ﴾ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرِهِ، أنَّهُ قَرَأ: "عَلِمْتُ" بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَضْمُومَةً، وقالَ: "وَما عَلِمَ عَدُوُّ اللهِ قَطُّ، وإنَّما عَلِمَمُوسى ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَقَوّى هَذِهِ القِراءَةُ لِمَن تَأوَّلَ "مَسْحُورًا" عَلى بابِهِ، فَلَمّا رَماهُ فِرْعَوْنُ بِأنَّهُ قَدْ سُحِرَ فَفَسَدَ نَظَرُهُ وعَقْلُهُ وكَلامُهُ، رَدَّ هو عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ، بَلْ مُحَرِّرٌ لِما يَأْتِي بِهِ.

وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَقَدْ عَلِمْتَ" بِتاءِ المُخاطَبِ مَفْتُوحَةً، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَماهُ بِأنَّهُ يَكْفُرُ عِنادًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن قالَ بِوُقُوعِ الكُفْرِ عِنادًا فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وجَعْلُها كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ  ﴾ ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيٌّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ وهِيَ، بَعْدُ مُعَرَّضَةٌ لِلِاحْتِمالِ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إبْلاغًا عَلى فِرْعَوْنَ في التَوْبِيخِ، أيْ: أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذا، وهي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عن عِلْمِ فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَصائِرُ" جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي الطَرِيقَةُ، أيْ طَرائِقَ يُهْتَدى بِها، وكَذَلِكَ غَلَبَ عَلى البَصِيرَةِ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في طَرِيقَةِ النَفْسِ في نَظَرِها واعْتِقادِها، ونَصْبُ "بَصائِرَ" عَلى الحالِ.

و"المَثْبُورُ": المُهْلِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هو المَغْلُوبُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المَخْبُولُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَلْعُونِ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ يَجْزَعُ، ويُؤْمَرُ بِالقَوْلِ اللَيِّنِ، ويَطْلُبُ الوَزِيرَ، فَلَمّا تَقَوَّتْ نَفْسُهُ بِقُوى النُبُوَّةِ وتَجَلَّدَ قابَلَ فِرْعَوْنَ بِأكْثَرَ مِمّا أمَرَهُ بِهِ، بِحَسْبَ اجْتِهادِهِ الجائِزِ لَهُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اجْتَرَأ مُوسى أنْ يَقُولَ لَهُ فَوْقَ ما أمَرَهُ اللهُ بِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَثْبُورُ: المَغْلُوبُ المُخَرَّعُ، وما كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِيَكُونَ لَعّانًا، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزِبَعْرى: إذْ أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الـ ∗∗∗ ـغَيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ ﴾ الآيَةَ.

"يَسْتَفِزُّهُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَخِفُّهم ويُقْلِقُهُمْ، إمّا بِقَتْلٍ أو بِإجْلاءٍ، و"الأرْضُ" هي أرْضُ مِصْرَ، وقَدْ تَقَدِّمَ أنَّهُ مَتى ذُكِرَتِ "الأرْضُ" عُمُومًا فَإنَّما يُرادُ بِها ما يُناسِبُ القِصَّةَ المُتَكَلَّمُ فِيها، وقَدْ يَحْسُنُ عُمُومُها في بَعْضِ القِصَصِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واقْتَضَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ فِرْعَوْنَ، وإنَّما ذَكَرَتْ عُظْمَ الأمْرِ وخَطِيرَهُ، وذَلِكَ طَرَفاهُ: أرادَ فِرْعَوْنُ غَلَبَتَهم وقَتْلَهُمْ، وهَذا كانَ بَدْءَ الأمْرِ، "فَأغْرَقَهُ" اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وأغْرَقَ جُنُودَهُ، وهَذا كانَ نِهايَةَ الأمْرِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ بِسُكْنى أرْضِ الشامِ.

و ﴿ وَعْدُ الآخِرَةِ ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

و"اللَفِيفُ": الجَمْعُ المُخْتَلِطُ الَّذِي قَدْ لُفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَيْسَ ثَمَّ قَبائِلُ ولا انْحِيازٌ.

قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، ولا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ١٠٥ وَقُرْءَانًۭا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍۢ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًۭا ١٠٦ قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًۭا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَـٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًۭا ١٠٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ  ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ آنِفًا، وأشارَ بِالضَمِيرِ إلى القُرْآنِ عَلى ذِكْرٍ مُتَقَدِّمٍ لِشُهْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: مَعْناهُ: بِالواجِبِ الَّذِي هو المَصْلَحَةُ والسَدادُ لِلنّاسِ بِالحَقِّ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَبِالحَقِّ نَزَلَ ﴾ يُرِيدُ: بِالحَقِّ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وأخْبارِهِ، فَبِهَذا التَأْوِيلِ يَكُونُ تَكْرارُ اللَفْظِ لِمَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الطَبَرِيٌّ إلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: بِأخْبارِهِ وأوامِرِهِ، وبِذَلِكَ نَزَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنًا".

مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدُ، أيْ: وفَرَقْنا قُرْآنًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ في "أرْسَلْناكَ"، مِن حَيْثُ كانَ إرْسالُ هَذا وإنْزالُ هَذا لِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَرَقْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، ومَعْناهُ: بَيَّنّاهُ وأوضَحْناهُ وجَعَلْناهُ فُرْقانًا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والشَعْبِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ - وحَمِيدٌ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "فَرَّقْناهُ" بِتَشْدِيدِ الراءِ، إلّا أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَرَّقْناهُ عَلَيْهِ لِتَقْرَأهُ"، أيْ: أنْزَلْناهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لا جُمْلَةً واحِدَةً، ويَتَناسَقُ هَذا المَعْنى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَقْرَأهُ عَلى الناسِ عَلى مُكْثٍ ﴾ ، وهَذا كانَ مِمّا أرادَ اللهُ مِن نُزُولِهِ بِأسْبابٍ تَقَعُ في الأرْضِ مِن أقْوالٍ وأفْعالٍ في أزْمانٍ مَحْدُودَةٍ مُعَيَّنَةٍ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، في كَمِّ القُرْآنِ مِنَ المُدَّةِ؟

فَقِيلَ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وقالَ قَتادَةُ: في عِشْرِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بِحَسْبِ الخِلافِ في سِنِّ رَسُولِ اللهِ  ، وذَلِكَ أنَّ الوَحْيَ جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وتَمَّ بِمَوْتِهِ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ: لا يَصِحُّ عَنِ الحَسَنِ، واللهُ أعْلَمُ.

وَتُأوِّلُ فِرْقَةٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عَلى مُكْثٍ ﴾ ، أيْ: عَلى تَرَسُّلٍ في التِلاوَةِ وتَرْتِيلٍ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ، أيْ: عَلى مُكْثٍ وتَطاوُلٍ في المُدَّةِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلا ﴾ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمَعْنى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في ألْفاظِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى ضَمِّ المِيمِ مِن "مُكْثٍ"، ويُقالُ: "مَكْثٌ" و"مُكْثٌ" بِضَمِّ المِيمِ، ومِكْثٌ بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ آيَةُ تَحْقِيرٍ لِلْكُفّارِ، وفي ضِمْنِهِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ، والمَعْنى: إنَّكم لَسْتُمْ بِحُجَّةٍ، فَسَواءٌ عَلَيْنا آمَنتُمْ أمْ كَفَرْتُمْ، وإنَّما ضَرَرُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكُمْ، وإنَّما الحُجَّةُ أهْلُ العِلْمِ مِن قَبْلِهِ، هم بِالصِفَةِ المَذْكُورَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ومَن جَرى مَجْراهُما، وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الكِتابِ جَلَسُوا وهم عَلى دِينِهِمْ فَتَذاكَرُوا أمْرَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ فَخَشَعُوا وسَبَّحُوا لِلَّهِ وسَجَدُوا لَهُ، وقالُوا: هَذا وقْتُ نُبُوَّةِ المَذْكُورِ في التَوْراةِ، وهَذِهِ صِفَتُهُ، ووَعْدُ اللهِ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وجَنَحُوا إلى الإسْلامِ هَذا الجُنُوحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ مُحَمَّدٌ  ، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، حَسَبَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ .

وقِيلَ: الضَمِيرانِ لِمُحَمَّدٍ  ، واسْتَأْنَفَ ذِكْرَ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ ، أيْ: لِناحِيَتِها، وهَذا كَما تَقُولُ: ساقِطٌ لِلْيَدِ والفَمِ، أيْ: لِناحِيَتِهِما وعَلَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لِلْوُجُوهِ، وقالَ الحَسَنُ: لِلِّحى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأذْقانُ أسافِلُ الوُجُوهِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ اللَحْيانِ، وهي أقْرَبُ ما في رَأْسِ الإنْسانِ إلى الأرْضِ لا سِيَّما عِنْدَ سُجُودِهِ، وقالَ الشاعِرُ: فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ و"إنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا ﴾ هي عِنْدَ سِيبَوَيْهَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ.

واللامُ بَعْدَها لامُ التَوْكِيدِ، وهي عِنْدَ الفَرّاءِ النافِيَةُ واللامُ بِمَعْنى: إلّا.

ويَتَوَجَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤْمِنُوا ﴾ مُخَلِّصًا لِلْوَعِيدِ دُونَ التَحْقِيرِ.

والمَعْنى: فَسَتَرَوْنَ ما تُجازَوْنَ بِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ- بِمَن تَقَدَّمُ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: إنَّ الناسَ لَمْ يَكُونُوا كَما أنْتُمْ في الكُفْرِ، بَلْ كانَ الَّذِينَ أُوتُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ والكُتُبَ المُنَزَّلَةَ في الجُمْلَةِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما نَزَّلْ عَلَيْهِمْ خَشَعُوا وآمَنُوا.

<div class="verse-tafsir"

وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًۭا ۩ ١٠٩ قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَـٰنَ ۖ أَيًّۭا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا ١١٠ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّۭ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا ١١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا ﴾ ﴿ قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ هَذِهِ مُبالَغَةٌ في صِفَتِهِمْ، ومَدْحٌ لَهُمْ، وحَضٌّ لِكُلِّ مَن تَرَسَّمَ بِالعِلْمِ وحَصَّلَ مِنهُ شَيْئًا أنْ يَجْرِيَ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ التَيْمِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَن أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يُبْكِهِ لِخَلِيقٌ ألّا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى نَعَتَ العُلَماءَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ  ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ ﴾ الآيَةَ.

سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللهِ  يَدْعُو: يا اللهُ، يا الرَحْمَنُ، فَقالُوا: كانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنا بِدُعاءِ إلَهٍ واحِدٍ، وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ مَكِّيٌّ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللهِ  لَيْلَةً، فَقالَ في دُعائِهِ: يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ -وَكانَ بِاليَمامَةِ رَجُلٌ يُسَمّى الرَحِمانُ- فَقالَ ذَلِكَ السامِعُ: ما بالُ مُحَمَّدٍ يَدْعُو رَحْمَنَ اليَمامَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّها أسْماءٌ لِشَيْءٍ واحِدٍ، فَإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِاللهِ فَهو ذَلِكَ، وإنْ دَعَوْتُمُوهُ بِالرَحْمَنِ فَهو ذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيًّا مَن تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى"، أيْ: ولَهُ سائِرُ الأسْماءِ الحُسْنى، أيِ الَّتِي تَقْتَضِي أفْضَلَ الأوصافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ بِتَوْقِيفٍ، لا يَصْحُ وضْعُ اسْمِ اللهِ تَعالى إلّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ الحَدِيثِ.

وقَدْ رُوِيَ: « "إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا"»...

الحَدِيثُ، ونَصَّها كُلَّها التِرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أيَّ الأسْماءِ تَدْعُو بِهِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.

ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللهِ  ألّا يَجْهَرَ بِصَلاتِهِ، وألّا يُخافِتَ بِها، وهو الإسْرارُ الَّذِي يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ بِهِ، هَذِهِ هي حَقِيقَتُهُ، ولَكِنَّهُ في الآيَةِ عِبارَةٌ عن خَفْضِ الصَوْتِ وإنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى ما ذَكَرْناهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الصَلاةِ"، ما هِيَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هي الدُعاءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي قِراءَةُ القُرْآنِ في الصَلاةِ، فَهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَقْدِيرُ: ولا تَجْهَرْ بِقِراءَةِ صَلاتِكَ، قالَ: والسَبَبُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  جَهَرَ بِالقُرْآنِ فَسَمِعَهُ المُشْرِكُونَ فَسَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ  بِالوَسَطِ، لِيَسْمَعَ أصْحابُهُ المُصَلُّونَ مَعَهُ ويَذْهَبَ عنهُ أذى المُشْرِكِينَ.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الأعْرابُ يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُسِرُّ قِراءَتَهُ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَجْهَرُ بِها، فَقِيلَ لَهُما في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما أُناجِي رَبِّي وهو يَعْلَمُ حاجَتِي، وقالَ عُمَرُ: أنا أطْرَحُ الشَيْطانَ وأُوقِظُ الوَسْنانَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا، وقِيلَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اخْفِضْ أنْتَ قَلِيلًا.

وقالَتْ عائِشَةُ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنها: الصَلاةُ يُرادُ بِها في هَذِهِ الآيَةِ التَشَهُّدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: المُرادُ: لا تُحْسِنْ صَلاتَكَ في الجَهْرِ، ولا تُسِئْها في السِرِّ، بَلِ اتَّبِعْ طَرِيقًا وسَطًا يَكُونُ دائِمًا في كُلِّ حالَةٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ النَهْيُ عَمّا يَفْعَلُهُ أهْلُ الإنْجِيلِ والتَوْراةِ مَن رَفْعِ الصَوْتِ أحْيانًا فَيَرْفَعُ الناسُ مَعَهُ، ويَخْفِضُ أحْيانًا فَيَسْكُتُ مَن خَلْفَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الآيَةِ: إنَّ مَعْناها: ولا تَجْهَرْ بِصَلاةِ النَهارِ، ولا تُخافِتْ بِصَلاةِ اللَيْلِ، وابْتَغِ سَبِيلًا مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ كَما رُسِمَ لَكَ، ذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، والزَهْراوِيُّ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمْ يُخافِتْ مَن أسْمَعَ أُذُنَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ارْفَعْ أنْتَ قَلِيلًا" يَرُدُّ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِي قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ هو أصْلُ اللُغَةِ، ويُسْتَعْمَلُ الخُفُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ في أرْفَعَ مِن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى اليَهُودِ والنَصارى والعَرَبِ في قَوْلِهِمْ أفْذاذًا: "عُزَيْرٌ وعِيسى والمَلائِكَةُ ذَرِّيَّةٌ لِلَّهِ"، سُبْحانَهُ وتَعالى عن أقْوالِهِمْ ورادَّةٌ عَلى العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: "لَوْلا أولِياءُ اللهِ لِذُلَّ"، وقَيَّدَ لَفْظُ الآيَةِ نَفِيَ الوِلايَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَرِيقِ الذُلِّ، وعَلى جِهَةِ الِانْتِصارِ؛ إذْ وِلايَتُهُ مَوْجُودَةٌ بِتَفَضُّلِهِ ورَحْمَتِهِ لِمَن والى مِن صالِحِ عِبادِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لَمْ يُحالِفْ أحَدًا، ولا ابْتَغَ نَصْرَ أحَدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ أبْلَغُ لَفْظَةٍ لِلْعَرَبِ في مَعْنى التَعْظِيمِ والإجْلالِ، ثُمَّ أكَّدَها بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لَها، وإبْلاغًا في مَعْناها.

وَرَوى مُطْرِفٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: "افْتُتِحَتِ التَوْراةُ بِفاتِحَةِ سُورَةِ الأنْعامِ، وخُتِمَتْ بِخاتِمَةِ هَذِهِ السُورَةِ".

نَجُزَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله