المحرر الوجيز سورة الكهف

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الكهف

تفسيرُ سورةِ الكهف كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 249 دقيقة قراءة

تفسير سورة الكهف كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ ١ قَيِّمًۭا لِّيُنذِرَ بَأْسًۭا شَدِيدًۭا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًۭا ٢ مَّـٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدًۭا ٣ وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ٤ مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍۢ وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةًۭ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًۭا ٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّ أوَّلَ السُورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: "جُرُزًا"، والأوَّلُ أصَحُّ.

وهِيَ مِن أفْضَلِ سُوَرِ القُرْآنِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "ألا أُخْبِرُكم بِسُورَةٍ (مَلَأ) عِظَمُها ما بَيْنَ السَماواتِ والأرْضِ، ولِمَن جاءَ بِها مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ذَلِكَ"؟

قالُوا: أيُّ سُورَةٍ هي يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "سُورَةُ الكَهْفِ، مَن قَرَأ بِها يَوْمَ الجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ الأُخْرى -وَزِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في رِوايَةِ أنَسٍ -، ومَن قَرَأ بِها أُعْطِيَ نُورًا بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، ووُقِيَ بِها فِتْنَةَ القَبْرِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ﴿ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ﴾ ﴿ ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا ﴾ ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا ﴾ ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ كانَ حَفْصٌ عن عاصِمٍ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: "عِوَجًا" سَكْتَةً خَفِيفَةً، وعِنْدَ "مَرْقَدِنا" في يَسِ، وسَبَبُ هَذِهِ البُداءَةِ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا سَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ: الرُوحِ والكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ -حَسْبَما أمَرَتْهم بِهِنَّ يَهُودٌ- قالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : "غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ سُؤالِكُمْ"، ولَمْ يُقَلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أمْسَكَ عنهُ الوَحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَرَكَهُ رَئِيُّهُ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ مِنَ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَجَزَ عن أكاذِيبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ  ، وبَلَغَ مِنهُ، فَلَمّا أنْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي أرادَ اللهُ تَعالى عِتابَ مُحَمَّدٍ  - عَلَيْهِ، جاءَ الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى بِجَوابِ الأسْئِلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فافْتُتِحَ الوَحْيُ بِـ" الحَمْد للَّه الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ "، أيْ: بِزَعْمِكم أنْتُمْ يا قُرَيْشُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يُحِبُّ مُساءَتَكَ فَلا يَرى إلّا نِعْمَتَكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيَّ وفَعَلَ بِي كَذا، عَلى جِهَةِ النِعْمَةِ عَلَيْهِ.

و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ أيْ: لَمْ يُزِلْهُ عن طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ، وُ "العِوَجُ" فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الأُمُورِ والطُرُقِ وما لا يُحِسُّ مُنْتَصِبًا شَخْصًا، و"العَوَجُ" بِفَتْحِ العَيْنِ في الأشْخاصِ، كالعَصا والحائِطِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ولَمْ يَجْعَلْهُ مَخْلُوقًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ يَعُمُّ هَذا وجَمِيعَ ما ذَكَرَ مِن أنَّهُ لا تَناقُضَ فِيهِ، ومِن أنَّهُ لا خَلَلَ ولا اخْتِلافَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قَيِّمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ "الكِتابِ"، فَهو بِمَعْنى التَقْدِيمِ مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، واعْتَرَضَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ .

ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَنصُوبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ، أو جَعَلَهُ قَيِّمًا، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَحابَةِ: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنْ جَعْلَهُ قَيِّمًا"، قالَهُ قَتادَةُ، ومَعْنى "قِيَمٍ" مُسْتَقِيمٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ بِتَصْرِيفِها.

ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "قِيَمٍ" قِيامَهُ بِأمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى العالَمِ، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النِذارَةِ والبِشارَةِ اللَذَيْنِ عَمّا العالَمَ.

و"البَأْسُ الشَدِيدُ": عَذابُ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ مَعَهُ في النِذارَةِ عَذابُ الدُنْيا بِبَدْرٍ وغَيْرِها، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، والمَعْنى: لِيُنْذَرَ العالَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن لَدُنْهُ" أيْ: مِن عِنْدِهِ ومِن قَبْلِهِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَدُنْهُ" بِضَمِّ الدالِّ وسُكُونِ النُونِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مِن لَدْنِهِ" بِسُكُونِ الدالِ وإشْمامِ الضَمِّ فِيها وكَسْرِ النُونِ والهاءِ.

وفي "لَدُنْ" لُغاتٌ، يُقالُ: "لَدُنْ" مِثْلُ سَبُعْ، و"لَدْنُ" بِسُكُونِ الدالِ، و"لُدْنُ" بِضَمِّ اللامِ، و"لَدَنُ" بِفَتْحِ اللامِ والدالِ، وهي لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى السُكُونِ، ويَلْحَقُها حَذْفُ النُونِ مَعَ الإضافَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ، وطَلْحَةُ: "وَيَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ لَهم أجْرًا ﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنَّ لَهم أجْرًا، و"الأجْرُ الحَسَنُ": نَعِيمُ الجَنَّةِ، ويَتَقَدَّمُهُ خَيْرُ الدُنْيا.

و"ماكِثِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَهُمْ"، و"أبَدًا" ظَرْفٌ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى زَمَنٍ غَيْرِ مُتَناهٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ أشَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أمْرِ اليَهُودِ قُرَيْشًا بِسُؤالِ رَسُولِ اللهِ  عَنِ المَسائِلِ الثَلاثِ، ويَنْبَغِي أنْ نَنُصَّ كَيْفَ كانَ ذَلِكَ.

ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسَنَدٍ أنَّهُ قالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، إلى أحْبارِ يَهُودٍ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا لَهُما: سَلاهم عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، وصِفا لَهم صِفَتَهُ، فَإنَّهم أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم ما لَيْسَ عِنْدَنا مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، فَخَرَجا حَتّى أتَيا المَدِينَةَ، فَسَألا أحْبارَ اليَهُودِ عن رَسُولِ اللهِ  ، فَقالَتْ لَهُما أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عن ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عن فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ الأوَّلِ، وما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟

فَإنَّهم كانَ لَهم حَدِيثٌ عَجِيبٌ، وسَلُوهُ عن رَجُلٍ طَوّافٍ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، ما كانَ نَبَؤُهُ؟

وسَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَأقْبَلَ النَضِرُ وعُقْبَةُ إلى مَكَّةَ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ  عن ذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ ما ذَكَرْناهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا ﴾ الآيَةَ.

أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ هم بَعْضُ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ، والنَصارى في المَسِيحِ، وبَعْضُ العَرَبِ في المَلائِكَةِ.

والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "قالُوا" المُتَقَدِّمُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: قالُوا جاهِلِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الوَلَدِ"، أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي ادَّعَوْهُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "وَلَدًا"، قالَهُ المَهْدَوِيُّ، وهو مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُهُ إلّا القائِلُ، وهم لَيْسَ في قَصْدِهِمْ أنْ يَصِفُوهُ.

والصَوابُ عِنْدِي أنَّهُ نَفْيٌ مُؤْتَنِفٌ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِهِ بِجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلا مَوْضِعَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا التَأْوِيلُ أذَمُّ لَهُمْ، وأقْضى بِالجَهْلِ التامِّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ الطَبَرِيٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا لآبائِهِمْ ﴾ ، يُرِيدُ الَّذِينَ أخَذَ هَؤُلاءِ هَذِهِ المَقالَةَ عنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَبُرَتْ كَلِمَةً" بِنَصْبِ "كَلِمَةٍ"، كَما تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، وفَسَّرَ الكَلِمَةَ وصْفُها بِالخُرُوجِ مِن أفْواهِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُها عَلى التَفْسِيرِ عَلى حَدِّ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُها عَلى الحالِ، والتَقْدِيرُ: كَبُرَتْ فِرْيَتُهم -أو نَحْوَ هَذا- كَلِمَةً، وسُمِّيَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ هي مَقالَةٌ واحِدَةٌ، كَما يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَقالَةُ قائِمَةٌ في النَفْسِ مَعْنًى واحِدًا فَيَحْسُنُ أنْ تُسَمّى كَلِمَةً.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ مَحِيضٍ، والقَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "كَلِمَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِـ "كَبُرَتْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا ﴾ ، أيْ: ما يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا، فَهي النافِيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا ٦ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةًۭ لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ٧ وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا ٨ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا ﴾ ﴿ إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ ﴿ وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ ﴿ أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ  ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَلَعَلَّكَ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ بِمَعْنى الإنْكارِ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَكُنْ كَذَلِكَ.

و"الباخِعُ نَفْسَهُ" هو مُهْلِكُها وجْدًا وحُزْنًا عَلى أمَرٍّ ما، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ ∗∗∗ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المُقادِرُ يُرِيدُ: "نَحَّتْهُ" فَخَفَّفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى آثارِهِمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ فَصِيحَةٌ، مِن حَيْثُ لَهم إدْبارٌ وتَباعُدٌ عَنِ الإيمانِ، وإعْراضٌ عَنِ الشَرْعِ، فَكَأنَّهم مِن فَرْطِ إدْبارِهِمْ قَدْ بَعُدُوا فَهو في آثارِهِمْ يَحْزَنُ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِهَذا الحَدِيثِ ﴾ ، أيْ: بِالقُرْآنِ الَّذِي نُحَدِّثُكَ بِهِ، و"أسَفًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، قالَ الزَجّاجُ: والأسَفُ: المُبالَغَةُ في حُزْنٍ أو غَضَبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأسَفُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- الحُزْنُ؛ لِأنَّهُ عَلى مَن لا يَمْلِكُهُ ولا هو تَحْتَ يَدِ الأسِفِ، ولَوْ كانَ الأسَفُ مِن مُقْتَدِرٍ عَلى مَن هو في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ لَكانَ غَضَبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا آسَفُونا  ﴾ ، أيْ: أغْضَبُونا، وإذا تَأمَّلْتَ هَذا في كَلامِ العَرَبِ اطَّرَدَ، وذَكَرَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وقالَ قَتادَةُ هُنا: "أسَفًا": غَضِبا، وقالَ مُجاهِدٌ: "أسَفًا": جَزِعا، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: حَزِنا، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الأعْشى: أرى رَجُلًا مِنكم أسَيْفا كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا يُرِيدُ: حَزِينًا كَأنَّهُ مَقْطُوعُ اليَدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها ﴾ الآيَةَ بَسْطٌ في التَسْلِيَةِ، أيْ: لا تَهْتَمَّ لِلدُّنْيا وأهْلَها، فَأمْرُها وأمْرُهم أقَلُّ لِفَنائِهِ وذَهابِهِ، فَإنّا إنَّما جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً وامْتِحانًا وخِبْرَةً.

واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الرِجالَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزِينَةَ الخُلَفاءُ والعُلَماءُ والأُمَراءُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ النِعَمَ والمَلابِسَ والثِمارَ والخُضْرَةَ والمِياهَ ونَحْوَ هَذا مِمّا فِيهِ زِينَةٌ، ولَمْ تَدْخُلْ في هَذا الجِبالُ الصُمُّ وكُلُّ ما لا زَيْنَ فِيهِ كالحَيّاتِ والعَقارِبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، ولَيْسَ شَيْءٌ إلّا وفِيهِ زِينَةٌ مِن جِهَةِ خَلْقِهِ وصَنْعَتِهِ وإحْكامِهِ، وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "الدُنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُنْيا، واتَّقُوا النِساءَ"».

و"زِينَةً" مَفْعُولٌ ثانٍ، أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِحَسْبِ مَعْنى "جَعَلَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا ﴾ مَعْناهُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، وفي هَذا وعِيدٌ ما.

قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: أحْسَنُهم عَمَلًا: أزْهَدُهم فِيها، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَسْقَلانِيُّ: أحْسَنُ عَمَلًا: أتْرَكُ لَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: أحْسَنُ العَمَلِ: أخْذٌ بِحَقٍّ، وإنْفاقٌ في حَقٍّ مَعَ الإيمانِ، وأداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، والإكْثارُ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ ، أيْ: يَرْجِعُ كُلُّ ذَلِكَ تُرابًا غَيْرَ مُتَزَيِّنٍ بِنَباتٍ ونَحْوِهِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ الَّتِي لا شَيْءَ فِيها مِن عِمارَةٍ وزِينَةٍ، وهي البَلْقَعُ، وهَذِهِ حالَةُ الأرْضِ العامِرَةِ بِالزَيْنِ، ولا بُدَّ لَها مِن هَذا في الدُنْيا جُزْءًا جُزْءًا مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ يَعُمُّها ذَلِكَ بِأجْمَعِها عِنْدَ القِيامَةِ، يُقالُ: جَرَزَتِ الأرْضُ بِقَحْطٍ أو جَرادٍ أو نَحْوِهِ إذا ذَهَبَ نَباتُها وبَقِيَتْ لا شَيْءَ فِيها ولا نَفْعَ.

وأرْضُونَ أجْرازٌ.

وقالَ الزَجّاجُ: الجُرُزُ: الأرْضُ الَّتِي لا تَنْبُتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: الَّتِي لَمْ تَنْبُتْ.

و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: التُرابُ خاصَّةٌ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ الطَيِّبَةُ، وقِيلَ: الصَعِيدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ مِنَ الأرْضِ المُنْخَفِضَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتَ ﴾ الآيَةَ.

مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ في "أمْ" إذا جاءَتْ قَبْلَ أنَّ تَتَقَدَّمُها ألْفُ اسْتِفْهامٍ أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" و"ألْفُ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أحَسِبَتْ؟

إضْرابًا عَنِ الحَدِيثِ الأوَّلِ واسْتِفْهامًا عَنِ الثانِي.

وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا مَعْنى الكَلامِ فَقالَ الطَبَرِيٌّ: هو تَقْرِيرٌ لِلنَّبِيِّ  عَلى حِسابِهِ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ أتَوْا عَجَبًا، بِمَعْنى إنْكارُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أيْ: لا تُعَظِّمْ ذَلِكَ بِحَسْبِ ما عَظَّمَهُ عَلَيْكَ السائِلُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، فَإنَّ سائِرَ آياتِ اللهِ أعْظَمُ مِن قِصَّتِهِمْ وأشْنَعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقٍ.

وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا لَهُ، هَلْ عَلِمَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ عَجَبًا؟

بِمَعْنى إثْباتُ أنَّهم عَجِبٌ، وتَكُونُ فائِدَةُ تَقْرِيرِهِ جَمْعَ نَفْسِهِ لِلْأمْرِ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يَقُولَ: لَمْ أحْسَبْ ذَلِكَ ولا عَلِمْتُهُ، فَيُقالُ لَهُ وصْفُهم عِنْدَ ذَلِكَ، والتَجَوُّزُ في هَذا التَأْوِيلِ هو في لَفْظَةِ "حَسِبْتَ"، فَتَأمَّلْهُ.

و"الكَهْفُ": الثُقْبُ المُتَّسِعُ في الجَبَلِ، وما لَمْ يَتَّسِعْ مِنها فَهو غارٌ.

وحَكى النَحّاسُ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: "الكَهْفُ": الجَبَلُ، وهَذا غَيْرُ شَهِيرٍ في اللُغَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الرَقِيمِ" -فَقالَ كَعْبٌ: الرَقِيمُ: القَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الرَقِيمُ": الوادِي الَّذِي كانَ بِإزائِهِ، وهو وادٍ بَيْنَ عَصَبانَ وأيَلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هو الجَبَلُ الَّذِي فِيهِ "الكَهْفُ".

وقالَ السَدِّيُّ: "الرَقِيمُ": الصَخْرَةُ الَّتِي كانَتْ عَلى "الكَهْفِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الرَقِيمُ": كِتابٌ مَرْقُومٌ كانَ عِنْدَهُمْ، فِيهِ الشَرْعُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ مِن دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: مِن دِينٍ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كِتابٌ عَمّى اللهُ عَلَيْنا أمْرَهُ ولَمْ يَشْرَحْ لَنا قِصَّتَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الرَقِيمُ": كِتابٌ في لَوْحِ نُحاسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في لَوْحَيْنِ مِن رَصاصٍ كَتَبَ فِيهِما القَوْمُ الكُفّارُ الَّذِينَ فَرَّ الفِتْيَةُ مِنهم قِصَّتَهُمْ، وجَعَلُوها تارِيخًا لَهُمْ، ذَكَرُوا وقْتَ فَقْدِهِمْ، وكَمْ كانُوا، وبَنِي مَن كانُوا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "الرَقِيمُ" لَوْحٌ مِن حِجارَةٍ كَتَبُوا فِيهِ قِصَّةَ أصْحابِ "الكَهْفِ" ووَضَعُوهُ عَلى بابِ الكَهْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الرِوَياتِ أنَّهم كانُوا قَوْمًا مُؤَرِّخِينَ لِلْحَوادِثِ، وذَلِكَ مِن قَبْلِ المَمْلَكَةِ، وهو أمْرٌ مُفِيدٌ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَقْمِ، ومِنهُ: ﴿ كِتابٌ مَرْقُومٌ  ﴾ ، وَمِنهُ "الأرْقَمُ" لِتَخْطِيطِهِ، ومِنهُ: "رَقْمَةُ الوادِي"، أيْ: مَكانُ جَرْيِ الماءِ وانْعِطافِهِ، يُقالُ: عَلَيْكَ بِالرَقْمَةِ وخَلِّ الضَفَّةِ.

وقالَ النَقّاشُ عن قَتادَةَ: "الرَقِيمُ": دَراهِمُهُمْ، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والشَعْبِيُّ: "الرَقِيمُ": الكَلْبُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: "الرَقِيمُ": الدَواةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَقِيمُ كانَ لِفِتْيَةٍ آخَرِينَ في السَراةِ جَرى لَهم ما جَرى لِأصْحابِ "الكَهْفِ".

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ما أدْرِي ما "الرَقِيمُ"، أكِتابٌ أمْ بُنْيانٌ؟

ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: كَلُّ القُرْآنِ أعْلَمُهُ إلّا: الحَنانُ، والأوّاهُ، والرَقِيمُ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا ١٠ فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا ١١ ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ ٱلْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓا۟ أَمَدًۭا ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا ﴾ ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ ﴿ ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا ﴾ "الفِتْيَةُ" فِيما رُوِيَ: قَوَّمٌ مِن أبْناءِ أشْرافِ مَدِينَةِ دَقْيُوسَ المَلِكِ الكافِرِ، ويُقالُ فِيهِ: دَقْلَيُوسُ، ويُقالُ: دَقْيَنُوسُ.

ورُوِيَ أنَّهم كانُوا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ بِالذَهَبِ، وهم مِنَ الرُومِ واتَّبَعُوا دِينَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: كانُوا قَبْلَ عِيسى، وأمّا أسْماؤُهم فَهي أعْجَمِيَّةٌ والسَنَدُ في مَعْرِفَتِها واهٍ، ولَكِنَّ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هي هَذِهِ: مَكْسَيْلَمِينا، وهو أكْبَرُهم والمُتَكَلِّمُ عنهُمْ، ومَجْسَيْلَمِينِيا، وتَمْلِيخا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ الَّذِي مَضى بِالوَرِقِ إلى المَدِينَةِ عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِن رَقْدَتِهِمْ.

ومَرْطُوسُ، وكُشُوطُوقُشُ، وبَيْرُونُسُ، ودِينَمُوسُ، ويُطُونُسُ.

واخْتَلَفَ الرُواةُ في قِصَصِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وكَيْفَ كانَ اجْتِماعُهم وخُرُوجُهم إلى الكَهْفِ، وأكْثَرَ المُؤَرِّخُونَ في ذَلِكَ، ولَكِنْ نَخْتَصِرُ مِن حَدِيثِهِمْ، ونَذْكُرُ ما لا تَسْتَغْنِي الآيَةُ عنهُ، ونَذْكُرُ مِنَ الخِلافِ عُيُونَهُ بِحَوْلِ اللهِ.

رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ كانُوا في دِينِ مَلِكٍ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَذْبَحُ لَها، ويَكْفُرُ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ تابَعَهُ عَلى ذَلِكَ أهْلُ المَدِينَةِ، فَوَقَعَ لِلْفَتِيَّةِ عِلْمٌ مِن بَعْضِ الحَوارِيِّينَ -حَسْبَما ذَكَرَهُ النَقّاشُ - أو مِن بَعْضِ مُؤْمِنِي الأُمَمِ قَبْلَهم -بِحَسْبِ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ-، فَآمَنُوا بِاللهِ، ورَأوا بِبَصائِرِهِمْ قَبِيحَ فِعْلِ الناسِ، فَأخَذُوا نُفُوسَهم بِالتِزامِ الدِينِ وعِبادَةِ اللهِ تَعالى، فَرُفِعَ أمْرُهم إلى المَلِكِ، وقِيلَ لَهُ: إنَّهم قَدْ فارَقُوا دِينَكَ، واسْتَخَفُّوا بِآلِهَتِكَ وكَفَرُوا بِها، واسْتَحْضَرَهُمُ المَلِكُ في مَجْلِسِهِ، وأمْرِهِمْ بِاتِّباعِ دِينِهِ والذَبْحِ لِآلِهَتِهِ، وتَوَعَّدَهم عَلى فِراقِ ذَلِكَ بِالقَتْلِ، فَقالُوا لَهُ -فِيما رُوِيَ-: ﴿ رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ  ﴾ .

ورُوِيَ أنَّهم قالُوا نَحْوَ هَذا الكَلامِ، ولَيْسَ بِهِ، فَقالَ لَهُمُ المَلِكُ: إنَّكم شَبابٌ أغْمارٌ، لا عُقُولَ لَكُمْ، وأنا لا أعْجَلُ بِكم بَلْ أسَتَأْنِي، فاذْهَبُوا إلى مَنازِلِكم فَدَبِّرُوا أمْرَكم وارْجِعُوا إلى أمْرِي، وضَرَبَ لَهم في ذَلِكَ أجَلًا، ثُمَّ إنَّهُ سافَرَ خِلالَ الأجَلِ، فَتَشاوَرَ الفِتْيَةُ في الهُرُوبِ بِأدْيانِهِمْ، فَقالَ لَهم أحَدُهُمْ: إنِّي أعْرِفُ كَهْفًا في جَبَلِ كَذا كانَ أبِي يُدْخِلُ فِيهِ غَنَمَهُ، فَلْنَذْهَبْ إلَيْهِ فَنَخْتَفِي فِيهِ حَتّى يَفْتَحَ اللهُ لَنا، فَخَرَجُوا -فِيما رُوِيَ- يَلْعَبُونَ بِالصَوْلَجانِ والكُرَةِ، وهم يُدَحْرِجُونَها إلى نَحْوِ طَرِيقِهِمْ لِئَلّا يَشْعُرُ الناسُ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مُثَقَّفِينَ فَحَضَرَ عِيدُ خَرَجُوا لَهُ فَرَكِبُوا في جُمْلَةِ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا في اللَعِبِ بِالصَوْلَجانِ حَتّى خَلَصُوا بِذَلِكَ.

ورَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ أمْرَ أصْحابِ الكَهْفِ إنَّما كانَ أنَّهم كانُوا مِن أبْناءِ الأشْرافِ، فَحَضَرَ عِيدٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ، فَرَأى الفِتْيانُ ما يَمْتَثِلُهُ الناسُ في ذَلِكَ العِيدِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ والذَبْحِ لَها، فَوَقَعَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى مُفارَقَةِ الناسِ لِئَلّا يَنالَهُمُ العَذابُ مَعَهُمْ، فَزايَلُوا الناسَ وذَهَبُوا إلى الكَهْفِ.

ورَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أمْرَهم إنَّما كانَ أنْ حَوارِيًّا لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ إلى مَدِينَةِ أصْحابِ الكَهْفِ يُرِيدُ دُخُولَها، فَأجَّرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِ الحَمّامِ، فَكانَ يَعْمَلُ فِيهِ، فَرَأى صاحِبُ الحَمّامِ في أعْمالِهِ بَرَكَةً عَظِيمَةً، فَألْقى إلَيْهِ بِكُلِّ أمْرٍ، وعَرَفَ ذَلِكَ الرَجُلَ فِتْيانٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فَنَشَرَ فِيهِمُ الإيمانَ، وعَرَّفَهُمُ اللهَ تَعالى، فَآمَنُوا واتَّبَعُوهُ عَلى دِينِهِ، واشْتَهَرَتْ خِلْطَتُهم بِهِ، فَأتى يَوْمًا إلى ذَلِكَ الحَمّامِ ولَدُ المَلِكِ بِامْرَأةٍ بَغِيٍّ أرادَ الخَلْوَةَ بِها، فَنَهاهُ ذَلِكَ الحَوارِيُّ فانْتَهى، ثُمَّ جاءَهُ مَرَّةً أُخْرى فَنَهاهُ وشَتَمَهُ، فَأمْضى عَزْمَهُ في دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ البَغْيِ، فَدَخَلَ فَماتا بِهِ جَمِيعًا، فاتُّهِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وأصْحابُهُ بِقَتْلِهِ، فَفَرُّوا جَمِيعًا حَتّى دَخَلُوا الكَهْفَ.

وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا فَتِيَّةً مِن أبْناءِ العُظَماءِ مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوائِبَ، قَدْ داخَلَهُمُ الإيمانُ أفْذاذًا.

وأزْمَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الفِرارَ بِدِينِهِ مِن بَلَدِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَهُمُ اللهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لِما أرادَهُ بِهِمْ، فَخَرَجَ أحَدُهم فَجَلَسَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ عَلى بُعْدٍ مِنَ المَدِينَةِ، فَخَرَجَ ثانٍ، فَلَمّا رَأى الجالِسَ جَلَسَ إلَيْهِ، ثُمَّ الثالِثُ، ثُمَّ الباقُونَ حَتّى كَمُلَ جَمِيعُهم في ظِلِّ الشَجَرَةِ، فَألْقى اللهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّ غَرَضَهم واحِدٌ، فَتَساءَلُوا، فَفَزِعَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وتَكَتَّمُوا، ثُمَّ تَراضَوْا بِرَجُلَيْنِ مِنهُمْ، وقالُوا: انْفَرَدا وتَواثَقا ولْيُفْشِ كُلُّ واحِدٌ مِنكُما سِرَّهُ إلى صاحِبِهِ، فَإنِ اتَّفَقْتُما كُنّا مَعَكُما، فَنَهَضا بَعِيدًا فَأفْصَحا بِالإيمانِ والهُرُوبِ بِالدِينِ، فَرَجَعا وفَضَحا الأمْرَ، وتابَعَهُما الآخَرُونَ، ونَهَضُوا إلى الكَهْفِ.

وأمّا الكَلْبُ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ كَلْبَ صَيْدٍ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّهم وجَدُوا في طَرِيقِهِمْ راعِيًا لَهُ كَلْبٌ، فاتَّبَعَهُمُ الراعِي عَلى رَأْيِهِمْ، وذَهَبَ الكَلْبُ مَعَهُمْ، واسْمُ الكَلْبِ حَمِرانِ، وقِيلَ: قِطْمِيرُ.

فَدَخَلُوا الغارَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ.

فَرَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ اللهَ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن سَتْرِهِمْ، وخَفِيَ عَلى أهْلِ المَمْلَكَةِ مَكانُهُمْ، وعَجِبَ الناسُ مِن غَرابَةِ فَقْدِهِمْ فَأرْخَوْا ذَلِكَ ورَقَّمُوهُ في لَوْحِينَ مَنَّ رَصاصٍ أو نُحاسٍ، وجَعَلُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ، فِيهِ أسْماؤُهم وأسْماءُ آبائِهِمْ وذِكْرِ شَرَفِهِمْ، وأنَّهم فُقِدُوا بِصُورَةِ كَذا في وقْتِ كَذا.

وقِيلَ: إنَّ الَّذِي كَتَبَ هَذا وتَهَمَّمَ بِهِ رَجُلانِ قاضِيانِ مُؤْمِنانِ يَكْتُمانِ إيمانَهُما مِن أهْلِ بَيْتِ المَمْلَكَةِ، وتَسَتَّرا بِذَلِكَ ودَفَنا اللَوْحَيْنِ عِنْدَهُما، وقِيلَ عَلى الرِوايَةِ: إنَّ المَلِكَ أتى بابَ الغارِ، وأنَّهُما دَفَنا ذَلِكَ في بِناءِ المَلِكِ عَلى الغارِ.

ورَوَتْ فَرِقَةٌ أنَّ المَلِكَ لَمّا ذَهَبَ الفِتْيَةُ أمَرَ بِقَصِّ آثارِهِمْ، فانْتَهى ذَلِكَ بِمُتَّبِعِيهِمْ إلى بابِ الغارِ، فَعُرِّفَ المَلِكُ فَرَكِبَ في جُنْدِهِ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِالدُخُولِ عَلَيْهِمْ، فَهابَ الرِجالُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ وُزَرائِهِ: ألَسْتَ أيُّها المَلِكُ إنْ أخْرَجْتَهم قَتَلْتَهُمْ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأيُّ قَتَلَةٍ أبْلَغُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، ابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الغارِ ودَعْهم يَمُوتُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، وضَرَبَ اللهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن تَأْمِينِهِمْ، وأرَّخَ الناسُ أمَرَهم في اللَوْحَيْنِ، أو أرَّخَهُ الرَجُلانِ بِحَسْبِ الخِلافِ، واسْمُ أحَدِ الرَجُلَيْنِ -فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ - نِيدُرُوسُ، واسْمُ الآخَرِ رُوقُاسُ.

ورُوِيَ أنَّ هَذا المَلِكَ الَّذِي فَرَّ الفِتْيَةُ مِن دِينِهِ كانَ قَدِ امْتَحَنَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ أحَسَّ بِهِمْ، يَقْتُلُهم ويُعَلِّقُهم أشْخاصًا ورُؤُوسًا عَلى أسْوارِ مَدِينَتِهِ، وكانَ يُرِيدُ أنْ يَذْهَبَ في ذَلِكَ كَما ذَكَرَ- دِينُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ هو وقَوْمُهُ مِنَ الرُومِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمّا أوَوْا إلى الكَهْفِ، أيْ: دَخَلُوهُ وجَعَلُوهُ مَأْوًى لَهم ومَوْضِعَ اعْتِصامٍ، دَعَوُا اللهَ تَعالى بِأنْ يُؤْتِيَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، وهي الرِزْقُ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، وأنْ يُهَيِّئَ لَهم مَن أمْرِهِمْ رَشَدًا، أيْ: خَلاصًا جَمِيلًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "رُشْدًا" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، والأوَّلُ أرْجَحُ لِشِبْهِها بِفَواصِلِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ.

وهَذا الدُعاءُ مِنهم كانَ في أمْرِ دُنْياهُمْ، وألْفاظُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن رُشْدِ الآخِرَةِ ورَحْمَتِها.

ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ دُعاءَهُ في أمْرِ دُنْياهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقَطْ، فَإنَّها كافِيَةٌ.

ويَحْتَمِلُ ذِكْرُ الرَحْمَةِ أنْ يُرادَ بِها أمْرُ الآخِرَةِ.

وقَدِ اخْتَصَرْتُ هَذا القَصَصَ، ولَمْ أغْفُلْ مِن مُهِمِّهِ شَيْئًا بِحَسَبِ اجْتِهادِي.

واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ الآيَةَ، عِبارَةٌ عن إلْقاءِ اللهِ تَعالى النَوْمَ عَلَيْهِمْ، ويُعَبِّرُ عن هَذا ونَحْوِهِ بِالضَرْبِ لِتَتَبَيَّنَ قُوَّةَ المُباشِرَةِ وشِدَّةَ اللُصُوقِ في الأمْرِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ والإلْزامَ.

ومِنهُ ضَرْبُ الذُلِّ والمَسْكَنَةِ، ومِنهُ ضَرْبُ البَعْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العنكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ فَهَذا يُسْتَعْمَلُ في اللُزُومِ البَلِيغِ.

وأمّا تَخْصِيصُ الآذانِ بِالذِكْرِ فَلِأنَّها الجارِحَةُ الَّتِي مِنها عَظُمَ فَسادُ النَوْمِ، وقَلَّما يَنْقَطِعُ نَوْمُ نائِمٍ إلّا مِن جِهَةِ أُذُنِهِ، ولا يَسْتَحْكِمُ نَوْمٌ إلّا مَعَ تَعَطُّلِ السَمْعِ، ومِن ذِكْرِ الأُذُنِ في النَوْمِ قَوْلُهُ  : « "ذَلِكَ رَجُلٌ بالَ الشَيْطانُ في أُذُنِهِ"،» أشارَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى رَجُلٍ طَوِيلِ النَوْمِ، لا يَقُومُ بِاللَيْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَدَدًا" نَعْتٌ لِلسِّنِينِ، والقَصْدُ بِهِ العِبارَةُ عَنِ التَكْثِيرِ، أيْ: تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ، وهي ذاتُ عَدَدٍ.

قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "عَدَدًا" عَلى المَصْدَرِ.

و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ بَعْدَ سُكُونٍ، وهَذا مُطَّرِدٌ مَعَ لَفْظَةِ البَعْثِ حَيْثُ وقَعَتْ، وقَدْ يَكُونُ السُكُونُ في الشَخْصِ، أو عَنِ الأمْرِ المَبْعُوثِ فِيهِ وإنْ كانَ الشَخْصُ مُتَحَرِّكًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَعْلَمَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِ ذَلِكَ الشَيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا عَلى نَحْوِ كَلامِ العَرَبِ، أيْ: لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا، وإلّا فَقَدَ كانَ اللهُ تَعالى عَلِمَ أيَّ الحِزْبَيْنِ أحْصى الأمَدَ.

وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "لِيَعْلَمَ" بِالياءِ.

و"الحِزْبانِ": الفَرِيقانِ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الحِزْبَ الواحِدَ هُمُ الفِتْيَةُ إذا ظَنُّوا لُبْثَهم قَلِيلًا، والحِزْبَ الثانِيَ هم أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بَعَثَ الفِتْيَةَ عَلى عَهْدِهِمْ حِينَ كانَ عِنْدَهُمُ التارِيخُ بِأمْرِ الفِتْيَةِ.

وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ الكافِرِينَ اخْتَلَفا في مُدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَرْتَبِطُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "أحْصى" فالظاهِرُ الجَيِّدُ فِيهِ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، و"أمَدًا" مَنصُوبٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِ، و"الأمَدُ": الغايَةُ، ويَأْتِي عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لِلْمُدَّةِ غايَةٌ هي أمَدُها عَلى الحَقِيقَةِ.

وقالَ الزَجّاجُ: "أحْصى" هو أفْعَلُ، و"أمَدًا -عَلى هَذا- نُصِبَ عَلى التَفْسِيرِ، ويَلْحَقُ هَذا القَوْلُ مِنَ الِاخْتِلالِ أنَّ "أفْعَلَ" لا يَكُونُ مِن فِعْلٍ رُباعِيٍّ إلّا في الشاذِّ، و"أحْصى" فِعْلٌ رُباعِيٌّ.

ويَحْتَجُّ لِقَوْلِ أبِي إسْحاقَ بِأنَّ "أفْعَلَ" مِنَ الرُباعِيِّ مُذَكَّرٌ، كَقَوْلِكَ: ما أعْطاهُ لِلْمالِ وآتاهُ لِلْخَيْرِ، «وَقالَ النَبِيُّ  في صَفِّهِ جَهَنَّمَ: "هِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"،»«وَقالَ في صِفَةِ حَوْضَهُ عَلَيْهِ السَلامُ: "أبْيَضُ مِنَ اللَبَنِ"،» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهُوَ لِما سِواها أضْيَعُ"، وهَذِهِ كُلُّها "أفْعَلُ" مِنَ الرُباعِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "أمَدًا" مَعْناهُ: غايَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: نَصْبُ "أمَدًا" بِـ "لَبِثُوا"، وهَذا غَيْرُ مُتَّجَهٍ.

<div class="verse-tafsir"

نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًۭى ١٣ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَـٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا ١٤ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَـٰنٍۭ بَيِّنٍۢ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ١٥ وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأْوُۥٓا۟ إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًۭا ١٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى ﴾ ﴿ وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ ﴿ هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا ﴾ ﴿ وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا ﴾ لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا  ﴾ اخْتِلافًا وقَعَ في أمْرِ الفِتْيَةِ عَقَّبَ بِالخَبَرِ عن أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَن أمْرِهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي وقَعَ.

وفي مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ جَوابُ قُرَيْشٍ عن سُؤالِهِمُ الَّذِي أمَرَتْهم بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ و"القَصُّ": الإخْبارُ بِأمْرٍ يُسْرَدُ، لا بِكَلامٍ يُرْوى شَيْئًا شَيْئًا، لِأنَّ تِلْكَ المُخاطَبَةَ لَيْسَتْ بِقِصَصٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزِدْناهم هُدًى ﴾ أيْ: يَسَّرْناهم لِلْعَمَلِ الصالِحِ، والِانْقِطاعِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُباعَدَةِ الناسِ، والزُهْدِ في الدُنْيا، وهَذِهِ زِياداتٌ عَلى الإيمانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ عَزْمٍ وقُوَّةِ صَبْرٍ أعْطاها اللهُ لَهُمْ، ولَمّا كانَ الفَزَعُ وخَوْرُ النَفْسِ يُشْبِهُ بِالتَناسُبِ الِانْحِلالَ، حَسُنَ في شِدَّةِ النَفْسِ وقُوَّةِ التَصْمِيمِ أنْ يُشْبِهَ الرَبْطَ، ومِنهُ يُقالُ: "فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ" إذا كانَ لا تَفْتَرِقُ نَفْسُهُ عِنْدَ الجَزَعِ والحَرْبِ وغَيْرِها، ومِنهُ الرَبْطُ عَلى قَلْبِ أُمِّ مُوسى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قامُوا فَقالُوا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا وصْفُ مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكافِرِ؛ فَإنَّهُ مَقامٌ يَحْتاجُ إلى الرَبْطِ عَلى القَلْبِ، حَيْثُ طُلِبُوا عَلَيْهِ، وخالَفُوا دِينَهُ، ورَفَضُوا في ذاتِ اللهِ هَيْبَتَهُ.

والمَعْنى الثانِي أنْ يُعَبِّرَ بِالقِيامِ عَنِ انْبِعاثِهِمْ بِالعَزْمِ إلى الهُرُوبِ إلى اللهِ تَعالى ومُنابَذَةِ الناسِ، كَما تَقُولُ: "قامَ فَلانٌ إلى أمْرِ كَذا" إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي هِيَ: ﴿ قامُوا فَقالُوا ﴾ تَعَلَّقَتِ الصُوفِيَّةُ في القِيامِ والقَوْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذْ قامُوا قِيامًا فَقالُوا".

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِ رَبِّنا إلَهًا، و"الشَطَطُ": الجَوْرُ وتَعِدِي الحَدِّ والغُلُوُّ بِحَسْبِ أمْرٍ أمْرٍ، ومِنهُ: "اشْتَطَّ الرَجُلُ في السَوْمِ" إذا طَلَبَ في سِلْعَتِهِ فَوْقَ قِيمَتِها، ومِنهُ: شُطُوطُ النَوى والبُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا يا لِقَوْمِي قَدِ اشْتَطَّ عَوازِلِي ∗∗∗ ويَزْعُمْنَ أنْ أودى بِحَقِّيَ باطِلِي وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَؤُلاءِ قَوْمُنا ﴾ مَقالَةٌ يُصْلِحُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالُوا في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَوْلا يَأْتُونَ ﴾ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى التَعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ تَحْضِيضٌ عَلى ما لا يُمْكِنُ؛ وإذا لَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أنْ يُلْتَفَتْ إلى دَعْواهم.

و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ مُحَلِّقَةٌ.

ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ الداعِينَ مَعَ اللهِ آلِهَةً وظُلْمَهم بِقَوْلِهِ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ-: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾ الآيَةَ.

إنْ كانَ "القِيامُ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ قامُوا ﴾ عَزْمًا -كَما تَضْمَنُ التَأْوِيلَ الواحِدَ، وكانَ "القَوْلُ" مِنهم فِيما بَيْنَهم -فَهَذِهِ المَقالَةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ عِنْدَ قِيامِهِمْ؛ وإنْ كانَ "القِيامُ" المَذْكُورُ مَقامَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ فَهَذِهِ المَقالَةُ لا يَتَرَتَّبُ أنْ تَكُونَ مِن "مَقالِهِمْ" بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، بَلْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذْ قامُوا فَقالُوا ﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ: إذْ عَزَمُوا ونَفَّذُوا لِأمْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللهَ"، إنْ فَرْضَنا الكَفّارَ الَّذِينَ فَرَّ أهْلُ الكَهْفِ مِنهم لا يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى، ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، إنَّما يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ في أصْنامِهِمْ فَقَطْ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ فَرَضْناهم يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُ العَرَبُ، لَكِنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم مَعَهُ في العِبادَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِزالَ وقَعَ في كُلِّ ما يَعْبُدُ الكُفّارُ إلّا في جِهَةِ اللهِ تَعالى وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، قالَ قَتادَةُ: هَذا تَفْسِيرُها، قالَ هارُونُ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى ما قالَ قَتادَةُ تَكُونُ "إلّا" بِمَنزِلَةِ "غَيْرِ"، و"ما" مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "اعْتَزَلْتُمُوهُمْ" ومُضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إذْ فارَقْنا الكَفّارَ وانْفَرَدْنا بِاللهِ تَعالى فَلْنَجْعَلِ الكَهْفَ مَأْوًى، ونَتَّكِلْ عَلى اللهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَبْسُطُ لَنا رَحْمَتَهُ، ويَنْشُرُها عَلَيْنا، ويُهَيِّئُ لَنا مِن أمْرِنا مِرْفَقًا، وهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ بِحَسْبِ الدُنْيا، وعَلى ثِقَةٍ كانُوا مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ آخِرَتِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مَرْفِقًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ كالرِفْقِ فِيما حَكى أبُو زَيْدٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِرْفَقًا" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ويُقالانِ جَمِيعًا في الأمْرِ وفي الجارِحَةِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ "المُرْفَقُ" مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: "المَرْفَقُ" بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وهُما بَعْدُ لُغَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍۢ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّۭا مُّرْشِدًۭا ١٧ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًۭا وَهُمْ رُقُودٌۭ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌۭ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ ۚ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًۭا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًۭا ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الشَمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عن كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ مِن يَهْدِ اللهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا ﴾ ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا ﴾ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اقْتِضابٌ يُبَيِّنُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وتَقْدِيرُهُ: فَآوَوْا وضَرَبَ اللهُ عَلى آذانِهِمْ، ومَكَثُوا كَذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَزّاوَرُ" بِتَشْدِيدِ الزايِ وإدْغامِ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَزاوَرُ" بِتَخْفِيفِها، بِتَقْدِيرِ: تَتَزاوَرُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ: (تَزْوَرُّ) في وزْنٍ تَحْمَرُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "تَزْوارُّ" بِألْفٍ بَعْدِ الواوِ.

ومَعْنى اللَفْظَةِ عَلى كُلِّ هَذا التَصْرِيفِ: تَعْدِلُ وتَرُوغُ وتَمِيلُ، وهَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، أمّا إنَّ الأخْفَشَ قالَ: "تَزْوَرُّ" مَعْناهُ: تَنْقَبِضُ، والزَوْرُ: المَيْلُ، والأزْوَرُ في العَيْنِ: المائِلُ النَظَرِ إلى ناحِيَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ العَيْنِ، كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عنتَرَةَ: فازْوَرَّ مِن وقَعَ القَنا بِلَبانِهِ ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أنَّ النَبِيَّ  رَأى في سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ ازْوِرارًا عن سَرِيرَيْ جَعْفَرٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْرِضُهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَقْرِضُهُمْ" بِالياءِ، أيِ الكَهْفِ، كَأنَّهُ مِنَ القَرْضِ وهو القَطْعُ، أيْ: يَقْتَطِعُهُمُ الكَهْفُ بِظِلِّهِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ.

وجُمْهُورُ مَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهم شَمْسٌ البَتَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَيَتَأوَّلُونَ "تَقْرِضُهُمْ" بِمَعْنى: تَتْرُكُهُمْ، أيْ: كَأنَّها عِنْدَهُ تَقْطَعُ كُلَّ ما لا تَنالُهُ عن نَفْسِها، وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِالتاءِ تَأوَّلَتْ أنَّها كانَتْ بِالعَشِيِّ تَنالُهم فَكَأنَّها "تَقْرِضُهُمْ"، أيْ تَقْتَطِعُهم مِمّا لا تَنالُهُ، وقالُوا: كانَ في مَسِّها لَهم بِالعَشِيِّ صَلاحٌ لِأجْسامِهِمْ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أجْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِمالًا وعن أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ ومِنهُ: أقْرِضْنِي دِرْهَمًا، أيِ: اقْطَعْهُ لِي مِن مالِكَ.

وهَذِهِ الصِفَةُ مَعَ الشَمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَبُّورِ، وهم في زاوِيَتِهِ.

وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ قالَ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْناهُ، غَيْرَ أنَّ الكَهْفَ كانَ مَسْتُورَ الأعْلى مِنَ المَطَرِ.

وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ فِعْلَ الشَمْسِ كانَ آيَةً مِنَ اللهِ تَعالى دُونَ أنْ يَكُونَ بابُ الكَهْفِ إلى جِهَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذاتَ اليَمِينِ ﴾ ﴿ وَذاتَ الشِمالِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الكَهْفِ، بِأنْ تُقَدِّرَ بابَ الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ إنْسانٍ، فَإنَّ الشَمْسَ تَجِيءُ مِنهُ أوَّلَ النَهارِ عن يَمِينٍ وآخِرَهِ عن شِمالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الشَمْسِ وذاتَ شِمالِها، بِأنْ نُقَدِّرَ الشُعاعَ المُمْتَدَّ مِنها إلى الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ الإنْسانِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ أوضَحُ.

و"الفَجْوَةُ": المُتَّسِعُ، وجَمْعُها فِجاءٌ، قالَ قَتادَةُ: في فَضاءٍ مِنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَسِيرُ العَنَقَ، فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ فِي فَجْوَةٍ مِنهُ ﴾ : في مَكانٍ داخِلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ ﴾ الإشارَةُ إلى الأمْرِ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى قَوْلِ الزَجّاجِ "إنَّ الشَمْسَ كانَتْ تَزاوَرُ وتَقْرِضُ دُونَ حِجابٍ" تَكُونُ الإشارَةُ إلى هَذا المَعْنى خاصَّةً.

ثُمَّ تابَعَ بِتَعْظِيمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ والتَسْلِيمِ لَهُ وما يَقْتَضِي صَرْفَ الآمالِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ﴾ الآيَةَ.

صِفَةُ حالٍ قَدْ نَقَضَتْ، وجاءَتْ أفْعالُها مُسْتَقْبِلَةً تَجَوُّزًا واتِّساعًا.

و"أيْقاظًا" جَمْعُ يَقِظٍ، كَعَضُدٍ وأعْضادٍ، وهو المُنْتَبِهُ.

قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نائِمُونَ، فَلِذَلِكَ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ، وقِلَّةِ التَغَيُّرِ، وذَلِكَ أنَّ الغالِبَ عَلى النُوّامِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ تَقْتَضِي النَوْمَ، ورَبَّ نائِمٍ عَلى أحْوالٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ عن حالَةِ اليَقَظَةِ، فَيَحْسَبُهُ الرائِي يَقْظانًا وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنِ، ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في أنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِمُ التَيَقُّظَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُقَلِّبُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَقَلُّبُهُمْ" بِالتاءِ المَفْتُوحَةِ وضَمَّ اللامَ والباءَ، وهو مَصْدَرٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.

وحَكى ابْنُ جِنِّيٍّ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ، وقالَ: هَذا نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: وتَرى، أو تُشاهِدُ تَقَلُّبَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبُو حاتِمٍ أثْبَتُ.

ورَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ التَقَلُّبَ هو الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

وهَذا -وَإنْ كانَ التَقَلُّبُ لِمَن صادَفَ رُؤْيَتَهُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ- فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لَمْ تَسُقْهُ إلّا خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ هَذا التَقْلِيبُ مَرَّتَيْنِ في السَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَبْعِ سِنِينَ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قُلِّبُوا في التِسْعِ الأواخِرِ، وأمّا في الثَلاثِمِائَةِ فَلا.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ تَقَلُّبَهم إنَّما كانَ حِفْظًا مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَوْ مَسَّتْهُمُ الشَمْسُ لَأحْرَقَتْهُمْ، ولَوْلا التَقْلِيبُ لِأكْلَتِهِمُ الأرْضُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وآيَةُ اللهِ تَعالى في نَوْمِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ وحَياتِهِمْ دُونَ تَغَذٍّ أذْهَبُ في الغَرابَةِ مِن حِفْظِهِمْ مَعَ مَسِّ الشَمْسِ ولُزُومِ الأرْضِ، ولَكِنَّها رِواياتٌ تَخْتَلِفُ وتُتَأمَّلُ بَعْدُ، وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التَقَلُّبَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وفَعَلَ مَلائِكَتِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإقْدارِ اللهِ إيّاهم عَلى ذَلِكَ وهم في غَمْرَةِ النَوْمِ لا يَنْتَبِهُونَ كَما يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنَ النُوّامِ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مَوْتى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَكَلْبُهُمْ".

أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ كَلْبٌ حَقِيقَةً، كانَ لِصَيْدِ أحَدِهِمْ فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانَ لِراعٍ مُرُوا عَلَيْهِ فَصَحِبَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ في جامِعِ مِصْرَ يَقُولُ عَلى مِنبَرِ وعْظِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وسِتِّينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: إنَّ مَن أحَبَّ أهْلَ الخَيْرِ نالَ مِن بَرَكَتِهِمْ، كَلْبٌ أحَبَّ أهْلَ فَضَلٍ وصَحِبَهم فَذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ.

وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، وَقِيلَ: كانَ أحْمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ رَجُلًا طَبّاخًا لَهُمْ، حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ أحَدُهُمْ، وكانَ قَعَدَ عِنْدَ بابِ الغارِ طَلِيعَةً لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَسُمِّي بِاسْمِ الحَيَوانِ المُلازِمِ لِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الناسِ، كَما سُمِّيَ النَجْمُ التابِعُ لِلْجَوْزاءِ كَلْبًا لِأنَّهُ مِنها كالكَلْبِ مِنَ الإنْسانِ، ويُقالُ لَهُ: كَلْبُ الجَبّارِ.

أمّا أنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ ذِكْرُ بَسْطِ الذِراعَيْنِ فَإنَّهُما في العُرْفِ مِن صِفَةِ الكَلْبِ حَقِيقَةً، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَلا يَبْسُطْ أحَدُكم ذِراعَيْهِ في السُجُودِ انْبِساطَ الكَلْبِ"،» وقَدْ حَكى أبُو عُمَرَ المُطَرِّزُ في كِتابِ اليَواقِيتِ أنَّهُ قُرِئَ: "وَكالِبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" هَذا الرَجُلُ، عَلى ما رُوِيَ؛ إذْ بَسْطُ الذِراعَيْنِ واللُصُوقِ بِالأرْضِ مَعَ رَفْعِ الوَجْهِ لِلتَّطَلُّعِ هي هَيْئَةُ الرَبِيئَةِ، المُسْتَخْفِي بِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" الكَلْبَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ باسِطٌ ذِراعَيْهِ ﴾ أعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّها حِكايَةٌ، ولَمْ يَقْصِدِ الإخْبارَ عن فِعْلِ الكَلْبِ.

و"الوَصِيدُ": العَتَبَةُ الَّتِي لِبابِ الكَهْفِ، أو مَوْضِعُها حَيْثُ لَيْسَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: الوَصِيدُ: الفَناءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الوَصِيدُ: البابُ، وقالَ ابْنٌ جُبَيْرٍ أيْضًا: الوَصِيدُ: التُرابُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والبابُ المُوصَدُ هو المُغْلَقُ، أيْ: قَدْ وقَفَ عَلى وصِيدِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما حَفَّهم مِنَ الرُعْبِ واكْتَنَفَهم مِنَ الهَيْبَةِ، وقَرَأ: "لَوِ اطَّلَعَتْ" بِكَسْرِ الواوِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "لَوُ اطَّلَعَتْ" بِضَمِّها، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لَمُلِّئَتْ" بِشَدِّ اللامِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالِغَةِ، أيْ: مُلِئَتْ ثُمَّ مُلِئَتْ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَمُلِئَتْ" بِتَخْفِيفِ اللامِ، والتَخْفِيفُ أشْهَرُ في اللُغَةِ، وقَدْ جاءَ التَثْقِيلُ في قَوْلِ المُخَبَّلِ السَعْدِيِّ: وإذْ فَتَكَ النُعْمانُ بِالناسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَمُلِّئَ مِن كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ سَلاسِلُهُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما حَفَّهم هَذا الرُعْبُ لِطُولِ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ والزَجّاجُ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ولَوْ كانَتْ حالُهم هَكَذا، لَمْ يَقُولُوا: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ، وإنَّما الصَحِيحُ في أمْرِهِمْ، أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ لَهُمُ الحالَةَ الَّتِي قامُوا عَلَيْها لِتَكُونَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ فِيهِمْ آيَةٌ، فَلَمْ يَبْلَ لَهم ثَوْبٌ، ولا تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ، ولا أنْكَرَ الناهِضُ إلى المَدِينَةِ إلّا مَعالِمَ الأرْضِ والبِناءِ، ولَوْ كانَتْ في نَفْسِهِ حالَةٌ يُنْكِرُها لَكانَتْ عَلَيْهِ أهَمَّ، ولِرُوِيَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رُعْبًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ "رُعُبًا" بِضَمِّها أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًۭا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍۢ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ١٩ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴾ ﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أو يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في جِهَتِهِمْ والعِبْرَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمْ.

و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ عن سُكُونٍ، واللامُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لِيَتَساءَلُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ؛ لِأنَّ بَعْثَهم لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ تَساؤُلِهِمْ، وقَوْلُ القائِلِ: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ هَجَسَ بِخاطِرِهِ طُولُ نَوْمِهِمْ، واسْتَشْعَرَ أنَّ أمْرَهم خَرَجَ عَنِ العادَةِ بَعْضَ الخُرُوجِ، وظاهِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُمُ انْتَبَهُوا في حالٍ مِنَ الوَقْتِ والهَواءِ الزَمَنِيِّ لا تُبايِنُ الَّتِي نامُوا فِيها، وأمّا أنْ يُحَدِّدَ الأمْرَ جِدًّا فَذَلِكَ بِعِيدٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِوَرَقِكُمْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِوَرْقِكُمْ" بِسُكُونِ الراءِ، وهُما لُغَتانِ، وحَكى الزَجّاجُ قِراءَةَ "بِوِرْقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ إدْغامٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ، وإنَّما هو إخْفاءٌ؛ لِأنَّ الإدْغامَ مَعَ سُكُونِ الراءِ مُتَعَذِّرٌ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ القافَ في الكافِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ مَعَ تَحْرِيكِ الراءِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "بَوارِقِكُمُ"، اسْمُ جَمْعٍ كالجائِلِ والباقِرِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِوِرِقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ والراءِ والإدْغامِ.

ويُرْوى أنَّهُمُ انْتَبَهُوا أحْيانًا، وأنَّ المَبْعُوثَ هو تَمْلِيخا، ورُوِيَ أنَّهم نامُوا لَيْلَةً واحِدَةً وبَعَثُوا تَمْلِيخا في صَبِيحَتِها.

ورُوِيَ أنَّ بابَ الكَهْفِ انْهَدَمَ بِناءُ الكُفّارِ مِنهُ لِطُولِ السِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ راعِيًا هَدَمَهُ لِيُدْخِلَ فِيهِ غَنَمَهُ.

فَأخَذَ تَمْلِيخا ثِيابًا مُنْكِرَةً رَثَّةً ولَبِسَها، وخَرَجَ مِنَ الكَهْفِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ البِناءَ المَهْدُومَ؛ إذْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالأمْسِ، ثُمَّ مَشى فَجَعَلَ يَذْكُرُ الطَرِيقَ والمَعالِمَ ويَتَحَيَّرُ، وهو في ذَلِكَ لا يَشْعُرُ شُعُورًا تامًّا، بَلْ يُكَذِّبُ ظَنَّهُ فِيما تَغَيَّرَ عِنْدَهُ، حَتّى بَلَغَ بابَ المَدِينَةِ، فَرَأى عَلى بابِها أمارَةَ الإسْلامِ فَزادَتْ حَيْرَتُهُ وقالَ: كَيْفَ هَذا بِبَلَدِ دَقْنَيُوسَ وبِالأمْسِ كُنّا مَعَهُ حَيْثُما كُنّا؟

فَنَهَضَ إلى بابٍ آخَرَ فَرَأى نَحْوًا مِن ذَلِكَ حَتّى مَشى الأبْوابَ كُلَّها، فَزادَتْ حَيْرَتُهُ ولَمْ يُمَيِّزْ بَشَرًا، وسَمِعَ الناسَ يُقْسِمُونَ باسِمِ عِيسى فاسْتَرابَ بِنَفْسِهِ وظَنَّ أنَّهُ جُنَّ وانْفَسَدَ عَقْلُهُ، فَبَقِيَ حَيْرانَ يَدْعُو اللهَ تَعالى، ثُمَّ نَهَضَ إلى بائِعِ الطَعامِ الَّذِي أرادَ شِراءَهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ بِعْنِي مِن طَعامِكَ بِهَذا الوَرِقِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَراهِمَ كَأخْفافِ الرُبَعِ فِيما يُذْكَرُ، فَعَجِبَ لَها البَيّاعُ ودَفَعَها إلى آخَرَ بِعَجَبِهِ، وتَعاطاها الناسُ وقالُوا لَهُ: هَذِهِ دَراهِمُ عَهْدِ فُلانٍ المَلِكِ، مِن أيْنَ أنْتَ؟

وكَيْفَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟

فَجَعَلَ يَبْهَتُ ويَعْجَبُ، وقَدْ كانَ بِالبَلَدِ مَشْهُورًا هو وفِتْيَتُهُ، فَقالَ: ما أعْرِفُ غَيْرَ أنِّي وأصْحابِي خَرَجْنا بِالأمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَقالَ الناسُ: هَذا مَجْنُونٌ، اذْهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَذُهِبَ بِهِ حَتّى جِيءَ بِهِ المَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ دِقْنَيُوسَ الكافِرَ تَأنَّسَ، وكانَ ذَلِكَ المَلِكُ مُؤْمِنًا فاضِلًا يُسَمّى تَيْرُوسِيسُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أيْنَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟

فَقالَ لَهُ: إنَّما خَرَجْتُ أنا وأصْحابِي أمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَأوَيْنا إلى الكَهْفِ الَّذِي في جَبَلِ أنْجِلُوسَ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ قالَ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ-: لَعَلَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم أيُّها الناسُ آيَةً، فَلْنَسِرْ إلى الكَهْفِ مَعَهُ حَتّى نَرى أصْحابَهُ، فَسارَ.

ورُوِيَ أنَّهُ أو بَعْضَ جُلَسائِهِ قالَ: هَؤُلاءِ هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ أُرِّخَ أمْرُهم عَلى عَهْدِ دِقْنَيُوسَ المَلِكِ وكُتِبَ عَلى لَوْحِ النُحاسِ بِبابِ المَدِينَةِ، فَسارَ المَلِكُ إلَيْهِمْ، وسارَ الناسُ مَعَهُ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ تَمْلِيخا: أدْخُلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُرْعَبُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، وأعْلَمَهم بِالأمْرِ وأنَّ الأُمَّةَ أمَةُ إسْلامٍ، فَرُوِيَ أنَّهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى المَلِكِ وعَظَّمُوهُ وعَظَّمَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كَهْفِهِمْ، وأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى أنَّهم ماتُوا حَيْثُ حَدَّثَهم تَمْلِيخا، فانْتَظَرَهُمُ الناسُ، فَلَمّا أبْطَأ خُرُوجُهم دَخَلَ الناسُ إلَيْهِمْ، فَرُعِبَ كُلُّ مِن دَخَلَ، ثُمَّ أقْدَمُوا فَوَجَدُوهم مَوْتى، فَتَنازَعُوا بِحَسْبِ ما يَأْتِي في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

وفِي هَذا القَصَصِ مِنَ اخْتِلافِ الرِواياتِ والألْفاظِ ما تَضِيقُ بِهِ الصُحُفُ، فاخْتَصَرْتُهُ وذَكَرْتُ المُهِمَّ الَّذِي تَتَفَسَّرُ بِهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، واعْتَمَدْتُ ا لْأصَحَّ، واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.

وفِي هَذِهِ البِعْثَةِ بِالوَرَقِ الوِكالَةُ وصِحَّتُها، وقَدْ وكَّلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أخاهُ عَقِيلًا عِنْدَ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلْيَنْظُرْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِها.

و"أزْكى" مَعْناها أكْثَرُ، فِيما ذَكَرَ عِكْرِمَةُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: خَيْرٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ: أطْيَبُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ: أحَلُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مِن جِهَةِ ذَبائِحِ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهُ أرادَ شِراءَ زَبِيبٍ، وقِيلَ: بَلْ شِراءَ تَمْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلْيَتَلَطَّفْ"، أيْ: في اخْتِفائِهِ وتُحِيُّلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِيَتَلَطَّفْ" بِكَسْرِ اللامِ.

والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ آلِ دِقْنَيُوسَ، و ﴿ إنْ يَظْهَرُوا ﴾ مَعْناهُ: يَثْقَفُوكم بَعْلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى قَتْلِهِمْ لَوْ ظَفِرَ بِهِمْ.

والرَجْمُ فِيما سَلَفَ هي كانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- قِتْلَةُ مُخالِفِ دِينِ الناسِ، إذْ هي أشَفى لِحَمَلَةِ ذَلِكَ الدِينِ، ولَهم فِيها مُشارَكَةٌ، وقالَ حَجّاجٌ: "يَرْجُمُوكُمْ" مَعْناهُ بِالقَوْلِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنَـٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ عَلَيْهِم بُنْيَـٰنًۭا ۖ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًۭا ٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ وأنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرَهم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَذَلِكَ" إلى بَعْثِهِمْ لِيَتَساءَلُوا، أيْ: كَما بَعَثْناهم أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ.

و"أعْثَرَ" تَعْدِيَةُ "عَثَرَ" بِالهَمْزَةِ، وأصْلُ العِثارِ في القَدَمِ، فَلَمّا كانَ العاثِرُ في الشَيْءِ مُشَبِّهًا لَهُ شُبِّهَ بِهِ، مِن شِبْهِ الِعِلْمٍ بِشَيْءٍ عَنَّ لَهُ وثارَ بَعْدَ خَفائِهِ، والضَمِيرُ في "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّذِينَ بُعِثَ أهْلُ الكَهْفِ عَلى عَهْدِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيٌّ، وذَلِكَ أنَّهم -فِيما رُوِيَ- دَخَلَتْهم حِينَئِذٍ فِتْنَةٌ في أمْرِ الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، فَشَكَّ في ذَلِكَ بَعْضُ الناسِ واسْتَبْعَدُوهُ، وقالُوا: إنَّما تُحْشَرُ الأرْواحُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مِلْكِهِمْ وبَقِيَ حَيْرانَ لا يَدْرِي كَيْفَ يُبَيِّنُ أمْرَهُ لَهم حَتّى لَبِسَ المُسُوحَ وقَعَدَ عَلى الرَمادِ، وتَضَرَّعَ إلى اللهِ في حُجَّةٍ وبَيانٍ، فَأعْثَرَ اللهُ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، فَلَمّا بَعَثَهُمُ اللهُ، وتَبَيَّنَ الناسُ أمْرَهم سُرَّ المَلِكُ، ورَجَعَ مَن كانَ شَكَّ في بَعْثِ الأجْسامِ إلى اليَقِينِ بِهِ، وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ ﴾ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ في "إذْ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-، "أعْثَرْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "لِيَعْلَمُوا".

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: يَجْعَلُ اللهُ تَعالى أمْرَهم آيَةً لَهم دالَّةً عَلى بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ابْتِداءً خَبَرٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثُوا عَلى عَهْدِهِمْ، والعامِلُ فِي "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ: "فَقالُوا"، ويَكُونُ المَعْنى:فَقالُوا إذْ يَتَنازَعُونَ: ابْنُوا عَلَيْهِمْ، والتَنازُعُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما هو في أمْرِ البِناءِ والمَسْجِدِ لا في أمْرِ القِيامَةِ.

و"الرَيْبُ": الشَكُّ، والمَعْنى أنَّ الساعَةَ في نَفْسِها وحَقِيقَتِها لا شَكَّ فِيها، وإنْ كانَ الشَكُّ قَدْ وقَعَ لِناسٍ فَذَلِكَ لا يَلْحَقُها مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ قِيلَ: إنِ التَنازُعَ إنَّما هو في أنِ اطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ فَقالَ بَعْضُهُمْ: أمْواتٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أحْياءٌ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ القَوْمِ ذَهَبَ إلى طَمْسِ الكَهْفِ عَلَيْهِمْ، وتَرْكِهِمْ فِيهِ مُغَيَّبِينَ، فَقالَتِ الطائِفَةُ الغالِبَةُ عَلى الأمْرِ: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ ، فاتَّخَذُوهُ، وقالَ قَتادَةُ: "الَّذِينَ غَلَبُوا هُمُ الوُلاةُ".

وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "غُلِبُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي دَعَتْ إلى البُنْيانِ إنَّها كانَتْ أرادَتْ بِناءَ بَيْعَةٍ أو مَصْنَعٍ لِكُفْرِهِمْ، فَمانَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقالُوا: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ .

ورُوِيَ عن عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ اللهَ تَعالى عَمّى عَلى الناسِ حِينَئِذٍ أمْرَهم وحَجَبَهم عنهُمْ، فَلِذَلِكَ دَعا إلى بِناءِ البُنْيانِ لِيَكُونَ مَعْلَمًا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ٢٢ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌۭ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًۭا ٢٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا ﴾ ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَيَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلُ التَوْراةِ مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ هَذا الِاخْتِلافَ المَنصُوصَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَةٌ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثَلاثٌ" بِإدْغامِ التاءِ في الثاءِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "خَمْسَةَ" بِفَتْحِ المِيمِ اتِّباعًا لِعَشَرَةَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (خِمِسَةَ) بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ مَعْناهُ: ظَنًّا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الرَجْمِ، كَأنَّ الإنْسانَ يَرْمِي المَوْضِعَ المُشْكَلَ المَجْهُولَ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، يَرْجُمُهُ بِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ، ومِن هَذا: التُرْجُمانُ، وتَرْجَمَةُ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ ∗∗∗ وما هو عنها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ طَرِيقُ النَحْوِيِّينَ فِيها أنَّها واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ في آخِرِ إخْبارٍ عن عَدَدِهِمْ، لِتَفْصِلَ أمْرَهُمْ، وتَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا نِهايَةُ ما قِيلَ، ولَوْ سَقَطَتْ لَصَحَّ الكَلامُ،[ ولَوْ كانَتْ فِيما قَبْلَ مِن قَوْلِهِ: "رابِعُهُمْ" و"سادِسُهُمْ" لَصَحَّ الكَلامُ]، وتَقُولُ فِرْقَةٌ مِنها ابْنُ خالَوَيْهَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، أنَّ قُرَيْشًا كانْتْ تَقُولُ في عَدَدِها: سِتَّةً، سَبْعَةً، وثَمانِيَةً، تِسْعَةً، فَتَدْخُلُ الواوُ في الثَمانِيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها، وهي في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ  ﴾ ،وَقَوْلُهُ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها  ﴾ ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ  ﴾ فَتَوُهِّمَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّها واوُ الثَمانِيَةِ ولَيْسَتْ بِها، بَلْ هي لازِمَةٌ لا يَسْتَغْنِي الكَلامُ عنها.

وَقَدْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ أنْ يَرُدَّ عِلْمَ عِدَّتِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عالِمَ ذَلِكَ مِنَ البَشَرِ قَلِيلٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: "أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، وكانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُسْتَدَلُّ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ لَمّا حَكى قَوْلَ مَن قالَ ثَلاثَةً وخَمْسَةً قَرَنَ بِالقَوْلِ أنَّهُ رَجَمَ بِالغَيْبِ، فَقَدَحَ ذَلِكَ فِيهِما، ثُمَّ حَكى هَذِهِ المَقالَةَ ولَمْ يَقْدَحْ فِيها بِشَيْءٍ، بَلْ تَرَكَها مُسَجَّلَةً، وأيْضًا فَيُقَوِّي ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَمانِيَةِ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ حَيْثُ عَدَدُ الثَمانِيَةِ صَحِيحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، أيْ: بِظاهِرِ ما أوحَيْناهُ إلَيْكَ وهو رَدُّ عِلْمِ عِدَّتِهِمْ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: مَعْنى الظاهِرِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، ونَحْوَ هَذا، ولا يَحْتَجُّ هو عَلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في ذَلِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِراءً في باطِنٍ مِنَ الأمْرِ، وقالَ التَبْرِيزِيُّ: "ظاهِرًا" مَعْناهُ: ذاهِبًا، وأنْشَدَ: وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنكَ عارُها.

ولَمْ يُبِحْ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُمارِيَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلا مِراءً ﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ يُمارِيهِ أهْلُ الكِتابِ سُمِّيَتْ مُراجَعَتُهُ لَهم مِراءً، ثُمَّ قَيَّدَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ فَفارَقَ المِراءَ الحَقِيقِيَّ المَذْمُومَ.

و"المِراءُ" مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهو الشَكُّ، فَكَأنَّهُ المُشاكَكَةُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ ﴾ يَعْنِي: في عِدَّتِهِمْ، وحُذِفَتِ العُدَّةُ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ﴾ الآيَةَ.

عاتَبَ اللهُ تَعالى فِيها نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْلِهِ لِلْكُفّارِ: غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ أسْئِلَتِكُمْ، ولِمَ يَسْتَثْنِي في ذَلِكَ، فاحْتَبَسَ عنهُ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأرْجَفَ الكَفّارُ بِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُورَةُ مُفَرِّجَةً، وأُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يَقُولَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ: إنِّي أفْعَلُ غَدًا كَذا وكَذا إلّا وأنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِشَيْءٍ" بِمَنزِلَةِ "فِي"، أو كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ ، في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ "إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ"، أو إلّا أنْ تَقُولَ "إنْ شاءَ اللهُ".

فالمَعْنى: إلّا أنْ تَذْكُرَ مَشِيئَةَ اللهِ، فَلَيْسَ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ مِنَ القَوْلِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلا تَقُولَنَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ورَدَّ عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ ألّا يُحْكى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: مَعْناهُ والإشارَةُ بِهِ إلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ: ولْتَسْتَثْنِ بَعْدَ مُدَّةٍ إذا نَسِيَتِ الِاسْتِثْناءَ أوَّلًا لِتَخْرُجَ مِن جُمْلَةِ مَن لَمْ يُعَلِّقْ فِعْلَهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَكَلَّمَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في الِاسْتِثْناءِ في اليَمِينِ، والآيَةُ لَيْسَتْ في الأيْمانِ، وإنَّما هي في سُنَّةِ الِاسْتِثْناءِ في غَيْرِ اليَمِينِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها يَنْبَغِي أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَمِيعُ أصْحابِهِ -فِيما عَلِمْتُ- وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَيَقُولُونَ: لا يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ويُسْقِطُ الكَفّارَةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ.

وقالَ عَطاءٌ: لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ في قَدْرِ حَلْبِ الناقَةِ الغَزِيرَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: إنِ اسْتَثْنى قَبْلَ أنْ يَقُومَ فَلَهُ ثَنَياهُ.

وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ في ذَلِكَ الأمْرِ، وقالَهُ ابْنُ راهَوَيْهَ.

وقالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ الحالِفُ في مَجْلِسِهِ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَقَطْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَنْفَعُ أبَدًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الناسُ في التَأْوِيلِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَقالَ الطَبَرِيٌّ وغَيْرِهِ: إنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْفَعُ في أنْ يَجْعَلَ الحالِفَ في رُتْبَةِ المُسْتَثْنِينَ بَعْدَ سَنَةٍ مِن حَلِفِهِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عنهُ، قالَ الطَبَرِيٌّ: ولا أعْلَمَ أحَدًا يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) يَقُولُ بِسُقُوطِ الكَفّارَةِ، قالَ ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن حِلَفَ عَلى يَمِينٍ ثُمَّ رَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ يُسْقِطُ الكَفّارَةَ لَكانَ أخَفَّ عَلى الأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الكَفّارَةِ فائِدَةٌ.

وقالَ الزَهْراوِيُّ: إنَّما تَكَلَّمَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بَعْدَ سَنَةٍ لِمَن قالَ: أنا أفْعَلُ كَذا، لا لِحالِفٍ أرادَ حَلَّ يَمِينِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَتْ فِرْقَةُ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سُقُوطُ الكَفّارَةِ، وألْزَمُوا كُلَّ مَن يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) إسْقاطَ الكَفّارَةِ، ورَدُّوا عَلى القَوْلِ بَعْدَمِ إلْزامِهِ، ولَيْسَ الِاسْتِثْناءُ إلّا في اليَمِينِ بِاللهِ، لا يَكُونُ في طَلاقٍ ونَحْوِهِ، ولا في مَشْيٍ إلى مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٌ.

وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، وطاوُسٌ وحَمّادٌ: الِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ جائِزٌ، ولَيْسَ في اليَمِينِ الغَمُوسِ اسْتِثْناءٌ يَنْفَعُ، ولا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ بِالقَلْبِ، وإنَّما يَكُونُ قَوْلًا ونُطْقًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ الآيَةَ.

قالَ مُحَمَّدٌ الكُوفِيُّ المُفَسِّرُ: إنَّها بِألْفاظِها مِمّا أُمِرَ أنْ يَقُولَها كُلٌّ مَن لَمْ يَسْتَثْنِ، وإنَّها كَفّارَةٌ لِنِسْيانِ الِاسْتِثْناءِ.

وقالَ الجُمْهُورُ: هو دُعاءٌ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ هَذا التَخْصِيصِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَهْدِينِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَهْدِينَ" دُونَ ياءٍ في الوَصْلِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.

والإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَقَعُ مِن ناسِي الِاسْتِثْناءُ وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: عَسى أنْ يُيَسِّرَ اللهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِي أقْرَبَ مِن دَلِيلِ أصْحابِ الكَهْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما قَدَّمْتُهُ أصْوَبُ، أيْ: عَسى أنْ يُرْشِدَنِي فِيما اسْتَقْبَلَ مِن أمْرِي.

وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، لِأنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَدَّدُ الناسُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، واللهُ المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِا۟ئَةٍۢ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًۭا ٢٥ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا ٢٦ وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًۭا ٢٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ قالَ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، وغَيْرُهُما: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، واحْتَجّا بِأنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وفي مُصْحَفِهِ: "وَقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ"، وذَلِكَ عِنْدَ قَتادَةَ -عَلى غَيْرِ قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ- عَطْفٌ عَلى ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ  ﴾ ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ رَدًّا عَلى مَقالِهِمْ وتَفْنِيدًا لَهُمْ، قالالطَبَرِيٌّ: "وَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ وجْهٌ مَفْهُومٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أيْنَ ذَهَبَ بِهَذا القائِلِ؟

وما الوَجْهُ المَفْهُومُ البارِعُ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ خَبَرًا عن لُبْثِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ  ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ بِخَبَرِهِ، هَذا هو الحَقُّ مِن عالَمِ الغَيْبِ، فَلْيَزُلِ اخْتِلافُكم أيُّها المُتَخَرِّصُونَ.

وقالَ المُحَقِّقُونَ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ﴾ الآيَةُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ بَعْدَ الإخْبارِ: ﴿ قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ -فَقالَ الطَبَرِيٌّ: إنْ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى لَهم مِنَ المُدَّةِ بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ إلى مُدَّةِ النَبِيِّ  ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ في كَوْنِهِمْ نِيامًا، وأنَّ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ لِلْبَشَرِ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "لَبِثُوا" الأوَّلُ يُرِيدُ: في نَوْمِ الكَهْفِ، و"لَبِثُوا" الثانِي يُرِيدُ: بَعْدَ الإعْثارِ مَوْتى إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أو إلى وقْتِ عِدَمِهِمْ بِالبِلى، عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ لَمْ تَدْرِ الناسُ أهِيَ ساعاتٌ أمْ أيّامٌ أمْ جُمَعٌ أمْ شُهُورٌ أمْ أعْوامٌ، واخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ بِحَسْبِ ذَلِكَ، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ، يُرِيدُ: في التِسْعِ، فَهي -عَلى هَذا- مُبْهَمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ كَلامِ العَرَبِ والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّها أعْوامٌ، والظاهِرُ مِن أمْرِهِمْ أنَّهم قامُوا ودَخَلُوا الكَهْفَ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَسِيرٍ، وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةً.

وحَكى النَقّاشُ ما مَعْناهُ أنَّهم لَبِثُوا ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِحِسابِ الأُمَمِ، فَلَمّا كانَ الإخْبارُ هُنا لِلنَّبِيِّ العَرَبِيِّ  ذُكِرَتِ التِسْعُ؛ إذِ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ السِنِينَ القَمَرِيَّةِ، فَهَذِهِ الزِيادَةُ هي ما بَيْنَ الحِسابَيْنِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "مِائَةٍ" ونَصْبِ "سِنِينَ" عَلى البَدَلِ مِن "ثَلاثِمِائَةٍ"، أوَعَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: عَلى التَفْسِيرِ والتَمْيِيزِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِإضافَةِ "مِائَةٍ" إلى "السِنِينَ" وتَرْكِ التَنْوِينِ، وكَأنَّهم جَعَلُوا "سِنِينَ" بِمَنزِلَةِ "سَنَةٍ"؛ إذِ المَعْنى بِهِما واحِدٌ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذْ هَذِهِ الأعْدادُ الَّتِي تُضافُ في الشُهُورِ إلى الآحادِ نَحْوَ ثَلاثِمِائَةِ رَجُلٍ أو ثَوْبٍ قَدْ تُضافُ إلى الجُمُوعِ، وانْحى أبُو حاتِمٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "ثَلاثَمِائَةِ سُنُونَ"، بِالواوِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "تَسْعًا" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تِسْعًا" بِكَسْرِ التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ ، أيْ: ما أبْصَرَهُ وأسْمَعَهُ، قالَ قَتادَةُ: لا أحَدَ أبْصَرُ مِنَ اللهِ تَعالى ولا أسْمَعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِباراتٌ عَنِ الإدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿ أبْصِرْ بِهِ ﴾ أيْ: بِوَحْيِهِ وإرْشادِهِ، هُداكَ وحُجَجُكَ والحَقُّ مِنَ الأُمُورِ، وأسْمِعْ بِهِ العالَمَ، فَتَكُونانِ أمْرَيْنِ لا عَلى وجْهِ التَعَجُّبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: هَذِهِ قُدْرَتُهُ وحْدَهُ، لَمْ يُوالِهِمْ غَيْرُهُ بِتَلَطُّفٍ لَهُمْ، ولا اشْتَرَكَ مَعَهُ أحَدٌ في هَذا الحُكْمِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  مِنَ الكَفّارِ ومُشاقِّيهِ، وتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا بِتَهْدِيدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يُشْرَكُ في حُكْمِهِ أحَدًا" بِالياءِ مِن تَحْتِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، عَلى جِهَةِ النَهْيِ لِلنَّبِيِّ  ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَلا تُشْرِكْ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ﴾ .

وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلا يُشْرِكْ" بِالياءِ مِن تَحْتِ وبِالجَزْمِ، قالَ يَعْقُوبُ: لا أعْرِفُ وجْهَهُ.

وحَكى الطَبَرِيٌّ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ﴾ فَقَطْ، قالَ الناسُ: أهِيَ أشْهُرٌ أمْ أيّامٌ أمْ أعْوامٌ؟

فَنَزَلَتْ ﴿ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا هَلْ دامَ أهْلُ الكَهْفِ وبَقِيَتْ أشْخاصُهم مَحْفُوظَةً بَعْدَ المَوْتِ؟

فاخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ذَلِكَ -فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ مَرَّ بِالشامِ في بَعْضِ غَزَواتِهِ مَعَ ناسٍ عَلى مَوْضِعِ الكَهْفِ وجَبَلِهِ، فَمَشى الناسُ إلَيْهِ فَوَجَدُوا عِظامًا، فَقالُوا: هَذِهِ عِظامُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ لَهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا، أُولَئِكَ قَوْمٌ فَنُوا وعَدِمُوا مُنْذُ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَسَمِعَهُ راهِبٌ فَقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنَّ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَعْرِفُ هَذا، فَقِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «لِيَحُجَّنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ ومَعَهُ أصْحابُ الكَهْفِ فَإنَّهم لَمْ يَحُجُّوا بَعْدُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالشامِ -عَلى ما سَمِعْتُ مِن ناسٍ كَثِيرٍ- كَهْفٌ كانَ فِيهِ مَوْتى يَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَقِيمُ، ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رُمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ، وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ إثارَةً، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، دَخَلْتُ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وهم بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَقِيمُ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ، وآثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْنَيُوسُ، وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ في قُبُورٍ ونَحْوِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما اسْتَسْهَلَتْ ذِكْرَ هَذا مَعَ بُعْدِهِ لِأنَّهُ عَجَبٌ يَتَخَلَّدُ ذِكْرُهُ ما شاءَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ الآيَةَ.

مَن قَرَأ: "وَلا تُشْرِكْ" بِالنَهْيِ عَطَفَ قَوْلَهُ: "واتْلُ" عَلَيْهِ، ومَن قَرَأ: "وَلا يُشْرِكُ" جَعَلَ هَذا أمْرًا بُدِئَ بِهِ كَلامٌ آخَرُ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في مَعْنى العِتابِ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقِبَ العِتابِ الَّذِي كانَ عَلى تَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ أجْوِبَةُ الأسْئِلَةِ، فاتْلُ وحْيَ اللهِ إلَيْكَ، أيِ: اتَّبِعْ في أعْمالِكَ، وقِيلَ: اسْرُدْ بِتِلاوَتِكَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ، لا نَقْصَ في قَوْلِهِ، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، ولَيْسَ لَكَ سِواهُ جانِبٌ تَمِيلُ إلَيْهِ وتَسْتَنِدُ.

و"المُلْتَحِدُ": الجانِبُ الَّذِي يُمالُ إلَيْهِ، ومِنهُ اللَحْدُ، كَأنَّهُ المَيْلُ في أحَدِ شِقَّيِ القَبْرِ، ومِنهُ: الإلْحادُ في الحَقِّ، وهو المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، ولا يُفْسِدُ قَوْلَهُ: ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ﴾ أمْرُ النَسْخِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ: لا مُبْدِّلَ سِواهُ فَتَبْقى الكَلِماتُ عَلى الإطْلاقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أرادَ مِنَ "الكَلِماتِ" الخَبَرَ ونَحْوَهُ مِمّا لا يُدْخِلُهُ النَسْخُ، والإجْماعُ أنِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ هو الكَلامُ القائِمُ بِالذاتِ الَّذِي بِحَسْبِهِ يَجْرِي القَدَرُ، فَأمّا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها لا تُبَدَّلُ إلّا بِالتَأْوِيلِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَدَّلُوا ألْفاظَ التَوْراةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًۭا ٢٨ وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ٢٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عنهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عن ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُظَماءَ الكُفّارِ قِيلَ: مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ عَيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأصْحابُهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عن نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ وصَحِبْناكَ، يُرِيدُونَ: عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وصُهَيْبَ بْنَ سِنانٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وغَيْرَهم مِنَ الفُقَراءِ كَبِلالٍ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ رِيحَ جِبابِهِمْ تُؤْذِينا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ إلَيْهِمْ، وجَلَسَ بَيْنَهم وقالَ: « "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِن أُمَّتِي مَن أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ"،» وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: « "مَرْحَبًا بِالَّذِينِ عاتَبَنِي فِيهِمْ رَبِّي"،» ورَوى سَلْمانُ أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبَهُمْ، عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ، وذَوِيهِمْ قالُوا ما ذُكِرَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَدَنِيَّةٌ، ويُشَبَّهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وفَعَلَ المُؤَلَّفَةُ فِعْلَ قُرَيْشٍ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ.

و"اصْبِرْ" مَعْناهُ: احْبِسْ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ الَّتِي جاءَ فِيها الحَدِيثُ « "نَهى رَسُولُ اللهِ  عن صَبْرِ الحَيَوانِ"،» أيْ: حَبْسِهِ لِلرَّمْيِ ونَحْوِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِالغَداةِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "بِالغَدْوَةِ"، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ، وهي في الخَطِّ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالواوِ، فَمَن يَقْرَأْها "بِالغَداةِ" فَيَكْتُبُها كَما تُكْتَبُ "الصَلاةُ والزِكْوَةُ"، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "بِالغَدْوَةِ" ضَعْفٌ؛ لِأنَّ "غَدْوَةَ" اسْمٌ مُعَرَّفٌ فَحَقُّهُ ألّا تُدْخِلَ عَلَيْهِ الألِفَ واللامَ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِذَلِكَ أنَّهم ألْحَقُوها ضَرْبًا مِنَ التَنْكِيرِ؛ إذْ قالُوا: "جِئْتُ غَدْوَةً"، يُرِيدُونَ: مِنَ الغَدَواتِ، فَحَسُنَ دُخُولُ الألِفِ واللامِ، كَقَوْلِهِمُ: الفَيْنَةُ، وفَيْنَةُ اسْمٌ مُعَرَّفٌ.

والإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ.

وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ العَصْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن يَدْعُو في غَيْرِ صَلاةٍ، ومَن يَجْتَمِعُ لِمُذاكَرَةِ عِلْمٍ.

وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لَذِكْرُ اللهِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ أفْضَلُ مِن حَطْمِ السُيُوفِ في سَبِيلِ اللهِ، ومِن إعْطاءِ المالِ سَحًّا".» وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ" دُونَ هاءٍ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ" عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عنهُمْ ﴾ ، أيْ: لا تَتَجاوَزْ عنهم إلى أبْناءِ الدُنْيا والمَلابِسِ مِنَ الكُفّارِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا تُعَدِّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّ الدالِّ المَكْسُورَةِ، أيْ: لا تُجاوِزْها أنْتَ عنهُمْ، ورُوِيَ عنهُ: "وَلا تُعْدِ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن أغْفَلْنا ﴾ ، قِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مُعَيَّنًا وهو عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ، قالَهُ خِبابٌ، وقِيلَ: إنَّما أرادَ مِن هَذِهِ صَفَّتْهُ، وإنَّما المُرادُ أوَّلًا كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أغْفَلْنا قَلْبَهُ" بِنَصْبَ الباءِ، عَلى مَعْنى: جَعَلْناهُ غافِلًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ، ومُوسى الأسْوارِيُّ: "أغْفَلَنا قَلْبُهُ"، عَلى مَعْنى: أهْمَلَ ذِكْرَنا وتَرَكَهُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ المَعْنى: مَن ظَنَّنا غافِلِينَ عنهُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: إنَّها قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عَبِيدٍ.

و"الفَرْطُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَفْرِيطِ والتَضْيِيعِ، أيْ أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْتَزِمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ، أيْ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو بِسَبِيلِهِ، وقَدْ فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ بِالعِبارَتَيْنِ، أعْنِي التَضْيِيعَ والإسْرافَ، وعَبَّرَ عنهُ خِبابٌ بِالهَلاكِ، وداوُدُ بِالنَدامَةِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخِلافِ لِلْحَقِّ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الآيَةَ.

المَعْنى: وقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: هَذا الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: هَذا القُرْآنُ، أو هَذا الإعْراضُ عنكُمْ، وتَرْكُ الطاعَةِ لَكُمْ، وصَبْرُ النَفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

وقَرَأ قُعْنُبٌ وأبُو السَمّالِ: "وَقُلَ" بِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ﴾ الآيَةُ، تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ما يَجِدُهُ غَدًا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ: فَمَن شاءَ اللهُ إيمانَهُ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ اللهُ كُفْرَهُ فَلْيَكْفُرْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَوَجِّهٌ، أيْ: فَحَقُّهُ الإيمانُ وحَقُّهُ الكُفْرُ، ثُمَّ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِلَفْظِ الأمْرِ إلْزامًا وتَحْرِيضًا مِن حَيْثُ لِلْإنْسانِ - في ذَلِكَ - التَكَسُّبُ الَّذِي بِهِ يَتَعَلَّقُ ثَوابُ الإيمانِ وعِقابُ الكُفْرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلِيُؤْمِن..

ولِيَكْفُرْ" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.

و"أعْتَدْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ العَتادِ، وهو الشَيْءُ المُعَدُّ الحاضِرُ.

و"السُرادِقُ" هو الجِدارُ المُحِيطُ كالحِجارَةِ الَّتِي تَدُورُ وتُحِيطُ الفُسْطاطَ، وقَدْ تَكُونُ مِن نَوْعِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أو ثَوْبًا أو نَحْوَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: يا حَكَمَ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودُ وَمِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: هو المُولِجُ النُعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ وقالَ الزَجاجُ: "السُرادِقُ": كُلُّ ما أحاطَ بِالشَيْءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي أخَصُّ مِمّا قالَ الزَجاجُ.

واخْتُلِفَ في سُرادِقِ النارِ - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُرادِقُها حائِطٌ مِن نارٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُرادِقُها دُخّانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ  ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإحاطَةُ هي في الدُنْيا، والسُرادِقُ: البَحْرُ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى مِن طَرِيقِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَبِيِّ  ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحاطَ بِهِمْ ﴾ ، أيْ: بِالبَشَرِ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ الحَدِيثَ عن يَعْلى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "البَحْرُ هُو جَهَنَّمُ"،» وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: « "واللهِ لا أدْخُلُهُ أبَدًا، أو ما دُمْتُ حَيًّا"،» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لِسُرادِقِ النارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٍ، عَرْضُ كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً".» وقَوْلُهُ تَعالى: "يُغاثُوا" أيْ يَكُونُ لَهم مَقامُ الغَوْثِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ أيِ: القائِمُ مَقامَ التَحِيَّةِ.

و"المُهْلُ"، قالَ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هو دُرْدِيُّ الزَيْتِ إذا انْتَهى حَرُّهُ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: هو كُلُّ مائِعٍ سُخِّنَ حَتّى انْتَهى حَرُّهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: كُلُّ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو رَصاصٍ أو نَحْوَ هَذا مِنَ الفِلِزِّ حَتّى تَمَيَّعَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ سِقايَةٌ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فَأمَرَ بِها فَأُذِيبَتْ حَتّى تَمَيَّعَتْ وتَلَوَّنَتْ ألْوانًا، ثُمَّ دَعا مَن بِبابِهِ مِن أهْلِ الكُوفَةِ فَقالَ: ما رَأيْتُ في الدُنْيا شَيْئًا أدْنى شَبَهًا بِالمَهْلِ مِن هَذا، يُرِيدُ: أدْنى شَبَهًا بِشَرابِ أهْلِ النارِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المُهْلُ": الصَدِيدُ والدَمُ إذا اخْتَلَطا، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في الكَفَنِ: "إنَّما هو لِلْمُهْلَةِ"، يُرِيدُ: لِما يَسِيلُ مِنَ المَيِّتِ في قَبْرِهِ، ويَقْوى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ صَدِيدٍ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ ﴾ رُوِيَ في مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "تُقَرَّبُ الشَرْبَةُ مِنَ الكافِرِ، فَإذا دَنَتْ مِنهُ تَكَرَّهَها، فَإذا دَنَتْ أكْثَرَ شَوَتْ وجْهَهُ وسَقَطَتْ فِيها فَرْوَةَ وجْهِهِ، وإذا شَرَبَ تَقَطَّعَتْ أمْعاؤُهُ".» و"المُرْتَفَقُ": الشَيْءُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ، أيْ يَطْلُبُ رِفْقَهُ، و"المُرْتَفَقُ" الَّذِي هو المُتَّكَأُ أخَصُّ مِن هَذا الَّذِي في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ واحِدٍ مِن مَعْنى الرِفْقِ، عَلى أنَّ الطَبَرِيَّ قَدْ فَسَّرَ الآيَةَ بِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "المُرْتَفَقُ" بِمَعْنى الشَيْءِ الَّذِي يُطْلَبُ رَفْقِهِ بِاتِّكاءٍ وغَيْرِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "المُرْتَفَقُ": المُجْتَمَعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها إلى مَوْضِعِ الرَفاقَةِ، ومِنهُ الرُفْقَةُ، وهَذا كُلُّهُ راجِعٌ إلى الرِفْقِ، وأنْكَرَ الطَبَرِيُّ أنْ يَعْرِفَ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ مَعْنًى، والقَوْلُ بَيِّنُ الوَجْهِ، واللهُ المُعِينُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ٣٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًۭا مِّن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ ۚ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًۭا ٣١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى، مُذَكِّرٌ بِأفْضالِ اللهِ تَعالى، مُنَبِّهٌ عَلى حُسْنِ جَزائِهِ، بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ ﴾ ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ هي خَبَرُ "إنَّ" الأُولى، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ -إنَّ اللهَ ألْبَسَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ -بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ قالَ الزَجاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ ؛ لِأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا نُضِيعُ أجْرَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نُضِيعُ ﴾ عَلى حَذْفِ العائِدِ، تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم.

و"العَدْنُ": الإقامَةُ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِأنَّ حَجَرَهُ مُقِيمٌ فِيهِ ثابِتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن تَحْتِهِمُ ﴾ يُرِيدُ: مِن تَحْتِ غُرَفِهِمْ ومَبانِيهِمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن أساوِرَ"، ورَوى أبانَ عن عاصِمٍ: "مِن أسْوِرَةٍ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِزِيادَةِ هاءٍ، وواحِدَهُ الأساوِرِ: إسْوارٌ وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ البابَ: أساوِيرُ، وهي ما كانَ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارِ، وإنَّما الإسْوارُ بِالفارِسِيَّةِ القائِدُ ونَحْوَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ في حُلِيِّ الذِراعِ: إسْوارٌ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: واللهِ لَوْلا فِتْيَةٌ صِغارُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّما وجُوهُهم أقْمارُ تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ أو لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ إسْوارُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ بِبابِهِ ما وضَحَ النَهارُ أنْشَدَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ حاشِيَةً في كِتابٍ أبِي عُبَيْدَةَ.

و"السُنْدُسُ": رَقِيقُ الدِيباجِ، و"الإسْتَبْرَقُ": ما غَلُظَ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي لَفْظَةٌ أعْجَمِيَّةٌ عُرِّبَتْ، وأصْلُها: اسْتَبَرَهُ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ هو الفِعْلُ العَرَبِيُّ سُمِّيَ بِهِ، فَهو إسْتَبْرَقٌ، مِنَ البَرِيقِ، فَغُيِّرَ حِينِ سُمِّيَ بِهِ بِقَطْعِ الألْفِ، ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ قَرَأ: "مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ"، فَجاءَ مَوْصُولُ الهَمْزَةِ حَيْثُ وقَعَ، ولا يَجُرُّهُ بَلْ بِفَتْحِ القافِ، ذَكَرَهُ الأسْوارِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: هَذا سَهْوٌ أو كالسَهْوِ.

و"الأرائِكِ": جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهو السَرِيرُ في الحِجالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَحَسُنَتْ" لِلْجَنّاتِ، وحَكى النَقاشُ عن أبِي عُمْرانَ الجَوْنِي أنَّهُ قالَ: الإسْتَبْرَقُ: الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَهَبِ، وحَكى مَكِّيُّ والزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُما حَدِيثًا مُضَمَّنُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، سَألَ أعْرابِيٌّ رَسُولَ اللهِ  عَنِ الآيَةِ، فَقالَ النَبِيُّ  لِلْأعْرابِيِّ: "أعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّها نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ" وهم حُضُورٌ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًۭا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَحَفَفْنَـٰهُمَا بِنَخْلٍۢ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا ٣٢ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَرًۭا ٣٣ وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌۭ فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا ٣٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا ﴾ ﴿ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا ﴾ ﴿ وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا ﴾ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ المُتَحَيِّرَةِ الَّتِي أرادَتْ مِنَ النَبِيِّ  أنْ يَطْرُدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وعَلى أُولَئِكَ الداعِينَ أيْضًا، فالمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِلطّائِفَتَيْنِ؛ إذِ الرَجُلُ الكافِرُ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ هو بِإزاءِ مُتَجَبِّرِي قُرَيْشٍ، أو بَنِي تَمِيمٍ، عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ أوَّلًا، والرَجُلُ المُؤْمِنُ المُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ هو بِإزاءِ بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وأقْرانِهِمْ.

وَ"حَفَفْناهُما" بِمَعْنى: جَعَلْنا ذَلِكَ لَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَقُولُ: حَفَّكَ اللهُ بِخَيْرٍ، أيْ: عَمَّكَ بِهِ مِن جِهاتِكَ، والحِفافُ: الجانِبُ مِنَ السَرِيرِ ونَحْوَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذا المَثَلِ أنَّهُ بِأمْرٍ وقَعَ وكانَ مَوْجُودًا، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مَضْرُوبًا بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في وُجُودٍ قَطُّ.

والأوَّلُ أظْهَرُ.

ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُما كانا أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَصَنَعَ أحَدُهُما بِمالِهِ ما ذَكَرَ، واشْتَرى عَبِيدًا وتَزَوَّجَ وأثْرى، وأنْفَقَ الآخَرُ مالَهُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى حَتّى افْتَقَرَ، والتَقَيا فَفَخَرَ الغَنِيُّ ووَبَّخَ المُؤْمِنَ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا كَثِيرًا وصَنَعا نَحْوَ ما رُوِيَ في أمْرِ الأخَوَيْنِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما ما قَصَّ اللهُ في كِتابِهِ.

وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبِ في كِتابِهِ (فِي عَجائِبِ البِلادِ) أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِّيسٍ كانَتْ ما بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وكانَتْ لِلْأخَوَيْنِ، فَباعَ أحَدُهُما نَصِيبَهُ مِنَ الآخَرِ، وأنْفَقَ في طاعَةِ اللهِ حَتّى عِيَّرَهُ الآخَرُ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، قالَ: فَغَرَّقَها اللهُ في لَيْلَةٍ، وإيّاها عَنّى بِهَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي بَسْطِ قِصَصِهِما طُولٌ فاخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرَتْ عَلى مَعْناهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، ولِأنَّ في هَذا ما يَفِي بِفَهْمِ الآيَةِ.

وتَأمَّلْ هَذِهِ الهَيْئَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لا يَكادُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ الناسِ: جَنَّتا عِنَبٍ أحاطَ بِهِما نَخْلٌ بَيْنَهُما فُسْحَةٌ هي مُزْدَرَعٌ لِجَمِيعِ الحُبُوبِ، والماءُ الغَيْلُ يُسْقِي جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ النَهْرِ الَّذِي قَدْ جَمَّلَ هَذا المَنظَرَ، وعَظَّمَ النَفْعَ، وقَرَّبَ الكَدَّ، وأغْنى عَنِ النَواضِحِ وغَيْرِها.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "كِلْتا"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "كِلا"، والتاءُ في "كِلْتا" مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بِالتاءِ أو بِغَيْرِ التاءِ اسْمٌ مُفْرَدٌ واقِعٌ عَلى الشَيْءِ المُثَنّى، ولَيْسَ باسِمٍ مُثَنّى، ومَعْناهُ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما، و"الأُكُلُ": ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ مِنها، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كُلُّ الجَنَّتَيْنِ أتى أُكُلَهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا ﴾ ، أيْ: لَمْ تَنْقُصْ عَنِ العُرْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَظَلَّمَنِي مالِي كَذا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هو غالِبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ سَلّامٌ، ويَعْقُوبٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَفَجَرْنا" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَهْرًا" بِفَتْحِ الهاءِ.

وقَرَأ أبُو السَمّالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نَهْرًا" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ قُرّاءِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ: "ثُمُرٌ" "وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، جَمْعُ ثِمارٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما تَخْفِيفًا، وهي في المَعْنى كالأُولى، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ جَمَعُ ثَمَرَةٍ كَبَدَنَةٍ وبُدْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ "ثَمَرٌ" "وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَجّاجِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الثُمُرِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الثُمُرُ": جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَشْهِدُونَ لِهَذا القَوْلِ بِبَيْتِ النابِغَةِ: وما أُثَمِّرُ مَن مالٍ ومِن ولَدِ وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِها الذَهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الثُمُرُ" هي الأُصُولُ الَّتِي فِيها الثَمَرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّها ثِمارٌ وثُمُرٌ، كَكُتّابٍ وكُتُبٍ.

وأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ فَلا إشْكالٍ في أنَّ المَعْنى ما في رُؤُوسِ الشَجَرِ مِنَ الأكْلِ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَقْتَضِي أنْ يُعَبِّرَ إيجازًا عن هَلاكِ الثَمَرِ والأُصُولُ بِهَلاكِ الثَمَرِ فَقَطْ، خَصَّها بِالذِكْرِ إذْ هي مَقْصَدُ المُسْتَغِلِّ، وإذْ هَلاكُ الأُصُولِ إنَّما يَسُوءُ مِنهُ هَلاكُ الثَمَرِ الَّذِي كانَ يُرْجى في المُسْتَقْبَلِ، وكَما يَقْتَضِي قَوْلُهُ "إنَّ لَهُ ثَمَرًا"، أنَّ لَهُ أُصُولًا، كَذَلِكَ تَقْتَضِي الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ بِالثَمَراتِ والأُصُولُ قَدْ هَلَكَتْ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ: "وَآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا".

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ" بِفَتْحِ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ.

و"المُحاوَرَةُ": مُراجَعَةُ القَوْلِ، وهو مِن: حارَ يَحُورُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأعَزُّ نَفَرًا ﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ.

وقالَ المُناقِضُ: أرادَ بِالنَفَرِ العَبِيدَ والخَوَلَ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ في رَغائِبِهِ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ الكِبْرِ والزَهْوِ والِاغْتِرارِ ما بَيانُهُ يُغْنِي عَنِ القَوْلِ فِيهِ.

وهَذِهِ المَقالَةُ بِإزاءِ قَوْلِ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ لِلنَّبِيِّ  : نَحْنُ ساداتُ العَرَبِ، وأهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ، فَنَحِّ عَنّا سَلْمانَ وقُرَناءَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِۦٓ أَبَدًۭا ٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًۭا ٣٦ قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًۭا ٣٧ لَّـٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ٣٨ وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًۭا وَوَلَدًۭا ٣٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا ﴾ ﴿ وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا ﴾ ﴿ قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا ﴾ ﴿ لَكِنّا هو اللهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ ﴿ وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا ﴾ أفْرَدَ الجَنَّةَ مِن حَيْثُ الوُجُودِ، كَذَلِكَ إذْ لا يُدْخِلُهُما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: كَفْرُهُ وعَقائِدُهُ الفاسِدَةُ في الشَكِّ في البَعْثِ، فَقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي شَكِّهِ في حُدُوثِ العالَمِ إنْ كانَتْ إشارَتُهُ بِـ "هَذِهِ" إلى الهَيْئَةِ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ وأنْواعِ المَخْلُوقاتِ، وإنْ كانَتْ إشارَتُهُ إلى جَنَّتِهِ فَقَطْ فَإنَّما في الكَلامِ تَساخُفٌ واغْتِرارٌ وقِلَّةُ تَحْصِيلٍ، وكَأنَّهُ مِن شِدَّةِ العَجَبِ بِها والسُرُورِ أفْرَطَ في وصْفِها بِهَذا القَوْلِ، ثُمَّ قاسَ أيْضًا الآخِرَةَ عَلى الدُنْيا، وظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُمْلَ لَهُ في دُنْياهُ إلّا لِكَرامَةٍ يَسْتَوْجِبُها في نَفْسِهِ، قالَ: فَإنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَزْعُمُ فَسَيَكُونُ حالِي كَذا وكَذا، ولَيْسَتْ مَقالَةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ لِخَبِّابٍ عَلى حَدِّ هَذِهِ، بَلْ قَصَدَ العاصِي الِاسْتِخْفافَ عَلى جِهَةِ التَصْمِيمِ عَلى التَكْذِيبِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وثَبَتَ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ "مِنهُما" يُرِيدُ الجَنَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أوَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ أهْلِ البَصْرَةِ: "مِنها"، يُرِيدُ الجَنَّةَ المَدْخُولَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ لَهُ صاحِبُهُ ﴾ حِكايَةٌ أنَّ المُؤْمِنَ مِنَ الرَجُلَيْنِ لَمّا سَمِعَ كَلامَ الكافِرِ وقَّفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى كُفْرِهِ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَهُوَ يُخاصِمُهُ"، وقَرَأ ثابِتُ البَنانِيِّ: "وَيْلَكَ أكَفَرْتَ"، ثُمَّ جَعَلَ يُعَظِّمُ اللهَ تَعالى عِنْدَهُ بِأوصافٍ تَضَمَّنَتِ النِعَمَ والدَلائِلَ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تُرابٍ ﴾ إشارَةٌ إلى آدَمَ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ سَوّاكَ رَجُلا ﴾ كَما تَقُولُ: سَوّاكَ شَخْصًا أو حَيًّا أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَأْكِيداتِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الرُجُولَةِ عَلى وجْهِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في أنْ لَمْ يَكُنْ أُنْثى ولا خُنْثى، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ نَحْوَ هَذا.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في قَوْلِهِ: "لَكِنّا"، فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ المَسِيلِيِّ: "لَكِنّا" في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "لَكِنْ" في الوَصْلِ، و"لَكِنّا" في الوَقْفِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ، وهي رِوايَةُ ورْشٍ، وقالُونَ عن نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنَ: "لَكِنْ أنا هو اللهُ رَبِّي"، وفي قِراءَةِ عِيسى الثَقَفِيِّ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ- "لَكِنْ هو اللهُ رَبِّي"، فَأمّا هَذِهِ الأخِيرَةُ فَبَيِّنٌ عَلى الأمْرِ والشَأْنِ، وأمّا الَّذِي قَبْلَها فَعَلى مَعْنى: لَكِنْ أنَّما أقُولُ.

ومِن هَذِهِ الفِرْقَةِ مَن قَرَأ: "لَكِنَّنا" عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ التَنْوِينِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وأمّا مَن قَرَأ: "لَكِنّا" فَأصْلُهُ عِنْدَهُ "لَكِنْ أنا" حُذِفَتِ الهَمْزَةُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأُدْغِمَتِ النُونُ في النُونِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى النُونِ فَجاءَ "لَكِنَّنا" ثُمَّ أُدْغِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ "لَكِنّا"، فَرَأى بَعْضُ القُرّاءِ أنَّ بِالإدْغامِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الألِفِ الأخِيرَةِ، فَمِنهم مَن حَذَفَها في الوَصْلِ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ والوَقْفِ لِتَدُلَّ عَلى أصْلِ الكَلِمَةِ، ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ "لَكِنْ" لَحِقَتْها نُونُ الجَماعَةِ الَّتِي في "خَرَجْنا وضَرَبْنا"، ووَقَعَ الإدْغامُ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ وحَّدَ في "رَبِّي" عَلى المَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ اللَفْظَ لَقالَ: "رَبُّنا" ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ.

ويَتَرَجَّحُ بِهَذا التَعْلِيلِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الألْفَ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ.

ويَتَوَجَّهُ في "لَكِنّا" أنْ تَكُونَ المَشْهُورَةَ مِن أخَواتِ "إنَّ"، والمَعْنى: "لَكِنَّ قَوْلِي هو اللهُ رَبِّي"، إلّا أنِّي لا أعْرِفُ مَن يَقْرَأُ بِها وصَلًا ووَقَفًا، وذَلِكَ يُلْزِمُ مَن يُوَجِّهُ هَذا الوَجْهَ.

ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرُو "لَكِنَّهُ هو اللهُ رَبِّي" بِضَمِيرٍ لَحِقَ "لَكِنْ".

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ ﴾ الآيَةُ.

وصِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِ لِلْكافِرِ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ، بِمَعْنى: هَلّا، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، بِتَقْدِيرِ: "الَّذِي شاءَ اللهُ كائِنٌ"، وفي "شاءَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ: "ما شاءَ اللهُ كانَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ ما شاءَ اللهُ، أوِ الأمْرُ ما شاءَ اللهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ لا قُوَّةَ إلا بِاللهِ ﴾ تَسْلِيمٌ وصَدٌّ لِقَوْلِ الكافِرِ: ﴿ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا ﴾ ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ: "ألّا أدُلَّكَ عَلى كَلِمَةٍ مِن كَنْزٍ الجَنَّةِ؟" قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، إذا قالَها العَبْدُ قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أسْلَمَ عَبْدِي واسْتَسْلَمَ".» وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُ: « "يا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: ألّا أدُلَّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟

قالَ: افْعَلْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".» واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "تَرَنِ" وإثْباتِها، فَأثْبَتَها ابْنُ كَثِيرٍ وصَلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ فِيهِما، وأثْبَتَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو في الوَصْلِ فَقَطْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أقَلَّ" بِالنَصْبِ عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وقَوْلُهُ: "أنا" فاصِلَةٌ مُلْغاةٌ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "أقَلُّ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ "أنا" مُبْتَدَأٌ و"أقَلُّ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي، والرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًۭا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًۭا زَلَقًا ٤٠ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًۭا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًۭا ٤١ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا ٤٢ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣ هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌۭ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ عُقْبًۭا ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ ﴿ أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا ﴾ ﴿ هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.

و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ.

و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.

وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ.

و ﴿ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ.

﴿ وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى.

و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ.

والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَـٰحُ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا ٤٥ ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ أَمَلًۭا ٤٦ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ بَارِزَةًۭ وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًۭا ٤٧ وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّۭا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًۭا ٤٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا ﴾ ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاخْتَلَطَ بِهِ ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ  ﴾ ، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ اللهُ ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ.

وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.

فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم.

وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا ﴾ ، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ الآيَةُ.

التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا.

وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها.

"وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ.

ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.

وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.

والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ.

وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم.

﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،» ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا ٤٩ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا ٥٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أولِياءَ مِنَ دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ "الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ كُتُبُ الناسِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ لِواحِدٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ كِتابًا واحِدًا حاضِرًا، و"إشْفاقُ المُجْرِمِينَ": فَزَعُهم مَن كَشْفِهِ لَهم وفَضْحِهِ، فَشِكايَةُ المُجْرِمِينَ إنَّما هي مِنَ الإحْصاءِ، لا مَن ظُلْمٍ ولا حِيفٍ.

وَقَدَّمَ "الصَغِيرَةَ" اهْتِمامًا بِها لِيُنَبِّهُ مِنها ويَدُلُّ أنَّ الصَغِيرَةَ إذا أُحْصِيَتْ فالكَبِيرَةُ أحْرى بِذَلِكَ، والعَرَبُ أبَدًا تُقَدِّمُ في الذِكْرِ الأقَلَّ مِن كُلِّ مُقْتَرَنَيْنِ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُمُ: القَمَرانِ والعُمْرانِ، سَمُّوا بِاسْمِ الأقَلِّ تَنْبِيهًا مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الصَغِيرَةُ": الضَحِكُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُضَمَّنُها تَقْرِيعُ الكَفَرَةِ وتَوْقِيفُهم عَلى خِطابِهِمْ في وِلايَتِهِمُ العَدُوَّ دُونَ الَّذِي أُنْعِمَ بِكُلِّ نِعَمِهِ عَلى العُمُومِ، صَغِيرُها وكَبِيرُها، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: واذَّكَّرْ إذْ قُلْنا وتَكَرَّرَتْ هَذِهِ العِبارَةُ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ إذْ هي تَوْطِئَةُ النازِلَةِ، فَأمّا ذِكْرُ النازِلَةِ هُنا فَمُقَدَّمَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، وذَكَرَها في البَقَرَةِ إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السُجُودِ لِآدَمَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السُجُودُ المَعْرُوفُ ووَضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عِبادَةً لَهُ وتَكْرِمَةً لِآدَمَ، فَهَذا كالصَلاةِ لِلْكَعْبَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إيماءٌ مِنهم نَحْوَ الأرْضِ، وذَلِكَ يُسَمّى سُجُودًا؛ لِأنَّ السُجُودَ في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عن غايَةِ التَواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا جائِزٌ أنْ يُكَلِّفَهُ الخالِقُ لِلْفاضِلِ، وجائِزٌ أنْ يَتَكَلَّفَهُ الفاضِلُ لِلْفاضِلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"،» ومِنهُ تَقْبِيلُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَد عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَلَقّاهُ في سَفَرٍ إلى الشامِ، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في مُصَنَّفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ هو مِنَ الجِنِّ وهُمُ الشَياطِينُ المَخْلُوقُونَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ إنَّما خُلِقُوا مِن نُورٍ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -فَقالَ بَعْضُها: إبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، وهو أوَّلُهم وبَدَأتُهُمْ، كَآدَمَ مِنَ الإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إبْلِيسُ وقَبِيلُهُ جِنًّا، لَكِنَّ جَمِيعَ الشَياطِينِ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو كَنُوحٍ في الإنْسِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَعْنِيفُ إبْلِيسَ عَلى عِصْيانِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ مَعَ المَلائِكَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وإبْلِيسُ مِن قَبِيلِ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ، فَإبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنِّ مِن حَيْثُ هم مُسْتَتِرُونَ، فَهي صِفَةٌ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والشَياطِينَ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: كانَ في المَلائِكَةِ صِنْفٌ يُسَمّى الجِنُّ، وكانُوا في السَماءِ الدُنْيا وفي الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ مُدَبِّرَ أمْرَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا خِلافَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ في المَعْنى؛ إذْ كانَ مُتَصَرِّفًا بِالأمْرِ والنَهْيِ مُرْسَلًا، والمَلَكُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَأْلُكَةِ وهي الرِسالَةُ، فَهو في عِدادِ المَلائِكَةِ يَتَناوَلُهُ قَوْلُهُ: "اسْجُدُوا"، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ اسْتِيعابُ هَذِهِ الأُمُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَفَسَقَ" مَعْناهُ: فَخَرَجَ وانْتَزَحَ، وقالَ رُؤْبَةُ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا ∗∗∗ ∗∗∗ فَواسِقًا عن قَصْدِها جَوائِرا وَمِنهُ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطْبَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرَتِها، و"فَسَقَتِ الفَأْرَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، وجَمِيعُ هَذا الخُرُوجِ المُسْتَعْمَلِ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ إنَّما هو في فَسادٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "خَمْسُ فَواسَقَ يَقْتُلْنَ في الحَلِّ والحُرُمِ"» إنَّما هُنَّ مُفْسِداتٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن أمْرِ رَبِّهِ ﴾ ، يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَرَجَ عن أمْرِ رَبِّهِ إيّاهُ، أيْ فارَقَهُ، كَما يَفْعَلُ الخارِجُ عن طَرِيقٍ واحِدٍ، أيْ: مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ عَنِ الطاعَةِ بَعْدَ أمْرِ رَبِّهِ بِها، و"عن" قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعُدَ" في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِكَ: "أطْعَمْتُهُ عن جُوعٍ"، ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَسَقَ بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّهِ بِأنْ يُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ بِأمْرِ رَبِّهِ، أيْ بِمَشِيئَتِهِ ذَلِكَ لَهُ، ويُعَبِّرُ عَنِ المَشِيئَةِ بِالأمْرِ؛ إذْ هي أحَدُ الأُمُورِ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عن أمْرِكَ، أيْ بِجَدِّكَ وبِحَسَبِ مُرادِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: كانَ إبْلِيسُ مِن أشْرَفِ صِنْفٍ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَماءِ وسُلْطانُ الأرْضِ، فَلَمّا عَصى صارَتْ حالُهُ إلى ما تَسْمَعُونَ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ المَرْءِ مِنَ الخَطَإ فَلْتَرْجُهُ كَآدَمَ، وإذا كانَتْ مِنَ الكُفْرِ فَلا تَرْجُهُ كَإبْلِيسَ.

ثُمَّ وقَّفَ عَزَّ وجَلَّ الكَفَرَةَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: "أفَتَتَّخِذُونَهُ"، يُرِيدُ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "وَذُرِّيَّتَهُ" ظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي المُوَسْوَسِينَ مِنَ الشَياطِينِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ ويَحْمِلُونَ عَلى الباطِلِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُجاهِدًا قالَ: ذُرِّيَّةُ إبْلِيسٍ الشَياطِينُ، وكانَ يَعُدُّهُمْ: "زَلَنْبُورُ" صاحِبَ الأسْواقِ، يَضَعُ رايَتَهُ في كُلِّ سُوقٍ، وَ"تُبُنُ" صاحِبُ المَصائِبِ، و"الأعْوَرُ" صاحِبُ الرِياءِ، و"مِسْوَطٌ" صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيُلْقِيها في أفْواهِ الناسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، و"داسِمٌ" الَّذِي إذا دَخَلَ الرَجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ بَصَّرَهُ مِنَ المَتاعِ ما لَمْ يَرْفَعْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وما جانَسَهُ مِمّا لَمْ يَأْتِ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهُ.

وقَدْ طَوَّلَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وجَلَبَ حِكاياتٍ تَبْعُدُ مِنَ الصِحَّةِ، فَتَرَكْتُها إيجازًا، ولَمْ يَمُرُّ بِي في هَذا صَحِيحٌ إلّا ما في كِتابِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ لِلْوُضُوءِ والوَسْوَسَةِ شَيْطانًا يُسَمّى "خِنْزَبُ"، وذَكَرَ التِرْمِذِيُّ أنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطانًا يُسَمّى "الوَلْهانُ"، واللهُ أعْلَمُ بِتَفاصِيلِ هَذِهِ الأُمُورِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لَكم عَدُوٌّ ﴾ أيْ: أعْداءٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ.

وقَوُلُهُ: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ ، أيْ: بَدَّلَ وِلايَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِوِلايَةِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وذَلِكَ هو التَعَوُّضُ مِنَ الجِنِّ بِالباطِلِ، وهَذا هو نَفْسُ الظُلْمِ لِأنَّهُ وضَعَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا ٥١ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا۟ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًۭا ٥٢ وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًۭا ٥٣ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍۢ جَدَلًۭا ٥٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا ﴾ ﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عنها مَصْرِفًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ الضَمِيرُ في "أشْهَدْتُهُمْ" عائِدٌ عَلى الكَفّارِ، وعَلى الناسِ بِالجُمْلَةِ، فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ الرَدَّ عَلى طَوائِفَ مِنَ المُنَجِّمِينَ وأهَّلِ الطَبائِعِ والمُتَحَكِّمِينَ مِنَ الأطِبّاءِ وسِواهم مِن كُلِّ مُتَخَرِّصٍ في هَذِهِ الأشْياءِ.

وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتَ الفَقِيهَ أبا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعاذِ المَهْدَوِيِّ بِالمَهْدِيَّةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الحَقِّ الصَقَلِّيِّ يَقُولُ هَذا القَوْلَ، ويَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها رادَّةٌ عَلى هَذِهِ الطَوائِفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ هَذا بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ.

وقِيلَ: الضَمِيرُ في "أشْهَدْتُهُمْ" عائِدٌ عَلى ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ، فَهَذِهِ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَهم.

والقَوْلُ الأوَّلُ أعْظَمُ فائِدَةً، وأقُولُ: إنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ أوَّلًا بِالآيَةِ هم إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وبِهَذا الوَجْهِ يَتَّجِهُ الرَدُّ عَلى الطَوائِفِ المَذْكُورَةِ، وعَلى الكُهّانِ والعَرَبِ المُصَدِّقِينَ لَهم والمُعَظِّمِينَ لِلْجِنِّ حِينَ يَقُولُونَ: أعُوذِ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي، إذِ الجَمِيعُ مِن هَذِهِ الفِرَقِ مُتَعَلِّقُونَ بِإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وهم أضَلُّوا الجَمِيعَ، فَهُمُ المُرادُ الأوَّلُ بِالمُضِلِّينَ، وتَنْدَرِجُ هَذِهِ الطَوائِفُ في مَعْناهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أشَهَدْتُهُمْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعَوْفُ العَقِيلِيِّ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيِّ: "أشْهَدْناهُمْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما كُنْتُ" وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ-: "وَما كُنْتَ"، والصِفَةُ بِـ "المُضِلِّينَ" تَتَرَتَّبُ في الطَوائِفِ المَذْكُورَةِ، وفي ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ.

و"العَضُدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْمُعِينِ والمُؤازِرِ، وهو تَشْبِيهٌ بِعَضُدِ الإنْسانِ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَضُدًا" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الضادِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والحَسَنُ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الضَحاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "عُضْدًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَضَدًا" بِفَتْحِ العَيْنِ والضادِ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُ هَذا لَمْ يُقْرَأْ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ ﴾ ، الآيَةُ وعِيدٌ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ طَلْحَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: "نَقُولُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالياءِ، أيْ: "يَقُولُ" اللهُ تَعالى لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ مِنَ الدُنْيا سِواهُ: ﴿ نادُوا شُرَكائِيَ ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: "شُرَكائِيَ"، أيْ: عَلى دَعْواكم أيُّها المُشْرِكُونَ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: "شُرَكائِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "شُرَكائِي" بِهَمْزَةٍ، فَمِنهم مَن حَقَّقَها، ومِنهم مَن خَفَّفَها، و"الزَعْمُ" إنَّما هو مُسْتَعْمَلٌ أبَدًا في غَيْرِ اليَقِينِ، بَلْ أغْلَبُهُ في الكَذِبِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ، وأرْفَعُ مَواضِعِهِ أنْ تُسْتَعْمَلَ "زَعَمَ" بِمَعْنى "أخْبَرَ" حَيْثُ تُلْقِي عُهْدَةَ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ، كَما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: "زَعَمَ الخَلِيلُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، كَأنَّ فَكْرَةَ الكُفّارِ ونَظَرَهم في أنَّ تِلْكَ الجَماداتِ لا تُغْنِي شَيْئًا ولا تَنْفَعُ هي بِمَنزِلَةِ الدُعاءِ وتَرَكِ الإجابَةِ، والأوَّلُ أبْيَنُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَوْبِقًا" قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْرِي بِدَمٍ وصَدِيدٍ، قالَ أنَسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَحْجِزُ بَيْنَ أهْلِ النارِ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: "بَيْنَهُمْ" ظَرْفٌ.

وقالَ الحَسَنٌ: "مَوْبِقًا": عَداوَةً، و"بَيْنَهُمْ" -عَلى هَذا- ظَرْفٌ.

وبَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ يَرى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَهُمْ" يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ في الدُنْيا، وأمّا التَأْوِيلُ الأوَّلُ فالضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "مَوْبِقًا" مَعْناهُ: مُهْلِكًا، بِمَنزِلَةِ: مَوْضِعٍ، وهو مِن قَوْلِكَ: وبَقَ الرَجُلُ وأوبَقَهُ غَيْرُهُ إذا أهْلَكَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "بَيْنَهُمْ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والأظْهَرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ اسْمًا بِمَعْنى: وجَعَلَنا تَواصَهم أمْرًا مُهْلِكًا لَهُمْ، ويَكُونُ "بَيْنَهُمْ" مَفْعُولًا أوَّلًا لِـ "جَعَلْنا".

وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنِ "المَوْبِقِ" بِالوَعِيدِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ عن رُؤْيَةِ المُجْرِمِينَ النارَ، ومُعايَنَتِهِمْ لَها، ووُقُوعِ العِلْمِ لَهم بِأنَّهم مُباشِرُوها، وأطْلَقُ الناسِ أنَّ "الظَنَّ" هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ قالَ تَعالى بَدَّلَ "ظَنُّوا": "أيْقَنُوا" لَكانَ الكَلامُ مُتَّسِقًا عَلى مُبالَغَةِ فِيهِ، ولَكِنَّ العِبارَةَ بِالظَنِّ لا تَجِيءُ أبَدًا في مَوْضِعِ يَقِينٍ تامٍّ قَدْ نالَهُ الحِسُّ، بَلْ أعْظَمُ دَرَجاتِهِ أنْ يَجِيءَ في مَوْضِعِ عِلْمٍ مُتَحَقِّقٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَظْنُونُ، وإلّا فَما يَقَعُ ويُحَسُّ لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ العِبارَةُ عنهُ بِالظَنِّ، وتَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ، وتَأمَّلْ قَوْلَ دُرَيْدٍ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ.

وَقَرَأ الأعْمَشُ: "فَظَنُّوا أنَّهم مُلاقُوها"، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَكى أبُو عَمْرُو الدانِي عن عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "مُلافُّوها" بِالفاءِ مُشَدَّدَةً، مَن لَفَّفْتُ.

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "إنَّ الكافِرَ لِيَرى جَهَنَّمَ ويَظُنَّ أنَّها مُواقِعَتُهُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً".

و"المَصْرِفُ": المَعْدِلُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: أزُهَيْرُ هَلْ عن شَيْبَةَ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِانْصِرافِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ولَقَدْ خَوَّفْنا ورَجَّيْنا وبالَغْنا في البَيانِ، وهَذا كُلُّهُ بِتَمْثِيلٍ وتَقْرِيبٍ لِلْأذْهانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ لَهُ نَفْعٌ في الغَرَضِ المَقْصُودِ بِهِمْ وهو الهِدايَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ خَبَرٌ مُقْتَضَبٌ في ضِمْنِهِ: فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ تَصْرِيفُ الأمْثالِ، بَلْ هم قَوْمٌ مُنْحَرِفُونَ يُجادِلُونَ بِالباطِلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "الإنْسانُ" يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو النَضْرُ بْنُ الحارِثِ، وقِيلَ: ابْنُ الزِبَعْرٍيِّ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  دَخَلَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَدْ نامَ عن صَلاةِ اللَيْلِ فَأيْقَظَهُ وعاتَبَهُ، فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: إنَّما نَفْسِي بِيَدِ اللهِ، ونَحْوَ هَذا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  وهو يَضْرِبُ خَدَّهُ بِيَدِهِ ويَقُولُ: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ .» فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الآيَةَ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الناسِ، و"الجَدَلُ": الخِصامُ والمُدافَعَةُ بِالقَوْلِ، فالإنْسانُ أكْثَرُ جَدَلًا مِن كُلِّ ما يُجادِلُ مِن مَلائِكَةٍ وجِنٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ إنْ فُرِضَ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ تَعْلِيمُ تَفَجُّعٍ مّا عَلى الناسِ، ويَتَبَيَّنُ فِيما بَعْدُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًۭا ٥٥ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ ۖ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًۭا ٥٦ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ۚ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۖ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ٥٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مَنَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا ﴾ ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عنها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَأسُّفٍ عَلَيْهِمْ، وتَنْبِيهٍ عَلى فَسادِ حالِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا المَنعَ لَمْ يَكُنْ بِقَصْدٍ مِنهم أنْ يَمْتَنِعُوا لِيَجِيئَهُمُ العَذابُ، وإنَّما امْتَنَعُوا هم مَعَ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم مُصِيبُونَ، لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ يَسُوقُهم إلى هَذا، فَكَأنَّ حالَهم يَقْتَضِي التَأسُّفَ عَلَيْهِمْ، و"الناسُ" يُرادُ بِهِ كُفّارُ عَصْرِ رَسُولِ اللهِ  الَّذِينَ تَوَلَّوْا دَفْعَ الشَرِيعَةِ وتَكْذِيبَها و"الهُدى" هو شَرْعُ اللهِ تَعالى، والبَيانُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، و"الِاسْتِغْفارُ" هُنا طَلَبُ المَغْفِرَةِ عَلى فارِطِ الذَنْبِ كُفْرًا وغَيْرَهُ.

و ﴿ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ هي عَذابُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ مِنَ الغَرَقِ والصَيْحَةِ والظُلَّةِ والرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا ﴾ ، أيْ: مُقابِلَةً عِيانًا، والمَعْنى عَذابًا غَيْرَ المَعْهُودِ، فَتَظْهَرُ فائِدَةُ التَقْسِيمِ، وكَذَلِكَ صَدَقَ هَذا الوَعِيدُ في بَدْرٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "قُبُلًا" مَعْناهُ: فَجْأةً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "قِبَلا" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "قُبُلا" بِضَمِّ القافِ والباءِ، ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "قِبَلَ"؛ لِأنَّ أبا عِيسى حَكاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المُقابَلَةِ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "قُبَيْلٍ"، أيْ: يَجِيئُهُمُ العَذابُ أنْواعًا وألْوانًا.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ أيْضًا: "قُبْلا" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ ﴾ الآيَةُ.

كَأنَّهُ لَمّا تَفَجَّعَ عَلَيْهِمْ وعَلى ضَلالِهِمْ ومَصِيرِهِمْ بِآرائِهِمْ إلى الخَسارِ، قالَ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا، والرُسُلُ لَمْ نَبْعَثْهم لِيُجادِلُوا، ولا لِتُتَمَنّى عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحاتُ، وإنَّما بَعَثْناهم مُبَشِّرِينَ مَن آمَنَ بِالجَنَّةِ، ومُنْذِرِينَ مَن كَفَرَ بِالنارِ.

و"يُدْحِضُوا" مَعْناهُ: يَزْهَقُوا، والدَحْضُ: الطِينُ الَّذِي يُزْلَقُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَدِيتُ ونَجّى اليَشْكُرِيَّ جِذارُهُ ∗∗∗ وحادَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَحْضِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَوَعُّدٌ.

و"الآياتُ" تَجْمَعُ آياتِ القُرْآنِ والعَلاماتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴾ يُرِيدُ: مِنَ عَذابِ الآخِرَةِ، والتَقْدِيرُ: وما أُنْذِرُوهُ، فَحَذَفَ الضَمِيرَ.

و"الهُزْءُ": السَخْرُ والِاسْتِخْفافُ، كَقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ"، وقَوْلُهُمْ: "لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، وهَذا مِن أفْصَحِ التَقْرِيرِ، أنْ يُوقَّفَ المَرْءُ عَلى ما لا جَوابَ لَهُ فِيهِ إلّا الَّذِي يُرِيدُ خَصْمُهُ، فالمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ هَذِهِ صَفَتُهُ، أنْ يُعْرِضَ عَنِ الآياتِ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلَيْها بِالتَذْكِيرِ، ويَنْسى ويَطَّرَحُ كَبائِرَهُ الَّتِي أسْلَفَها، هَذِهِ غايَةُ الإهْمالِ.

ونَسَبُ السَيِّئاتِ إلى اليَدَيْنِ مِن حَيْثُ كانَتِ اليَدانِ آلَةَ التَكَسُّبِ في الأُمُورِ الجِرْمِيَّةِ، فَجُعِلَتْ كَذَلِكَ في المَعانِي اسْتِعارَةٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم وعن فِعْلِهِ بِهِمْ جَزاءً عَلى اعْتِراضِهِمْ وتَكَسُّبِهِمِ القَبِيحَ بِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً، وهي جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِلافُ الساتِرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا وما أشْبَهَهُ مِنَ الخَتْمِ والطَبْعِ ونَحْوَهُ، هَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ؟

والحَقِيقَةُ في هَذا غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ، والتَجَوُّزُ أيْضًا فَصِيحٌ، أيْ: لِما كانَتْ هَذِهِ المَعانِي مانِعَةً في الأجْسامِ وحائِلَةً اسْتُعِيرَتْ لِلْقُلُوبِ الَّتِي قَدْ أنْساها اللهُ تَعالى وأقْصاها عَنِ الخَيْرِ.

وأمّا "الوَقْرُ في الآذانِ" فاسْتِعارَةٌ بَيِّنَةٌ لِأنَّ الكَفَرَةَ يَسْمَعُونَ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ سَماعًا تامًّا، ولَكِنْ لَمّا كانُوا لا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِيهِمْ إلّا كَما يُؤَثِّرُ في الَّذِي بِهِ وقْرٌ فَلا يَسْمَعُ، شُبِّهُوا بِهِ، وكَذَلِكَ العَمى والصَمَمِ والبُكْمِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، وإنَّما الخِلافُ في أوصافِ القَلْبِ، هَلْ هي حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ؟

و"الوَقْرُ": الثِقَلُ في السَمْعِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم وإنْ دُعُوا إلى الهُدى فَإنَّهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا، وهَذا يَخْرُجُ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا اللَفْظُ العامُ يُرادُ بِهِ الخاصُّ مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولا يَهْتَدِي أبَدًا، ويَخْرُجُ عَنِ العُمُومِ كُلُّ مَن قَضى اللهُ بِهُداهُ في ثانِي حالٍ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ: وإنْ تَدَعُهم إلى الهُدى جَمِيعًا فَلَنْ يُؤْمِنُوا جَمِيعًا أبَدًا، أيْ: أنَّهم رُبَّما آمَنَ مِنهُمُ الأفْرادُ، ويَضْطَرُّنا إلى أحَدِ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ أنّا نَجْدُ المُخْبِرَ عنهم بِهَذا الخَبَرِ قَدْ آمَنَ مِنهم واهْتَدى كَثِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌۭ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًۭا ٥٨ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ أَهْلَكْنَـٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًۭا ٥٩ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّىٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًۭا ٦٠

قوله عزّ وجلّ ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهُمُ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ ﴿ وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أو أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ حَتَّمَ بِكُفْرِهِمْ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ، ويَتَحَصَّلُ لِلْكَفّارِ مِن صِفَتِهِ تَبارَكَ تَعالى بِالغُفْرانِ والرَحْمَةِ تَرْكُ المُعاجَلَةِ، ولَوْ أخَذُوا بِحَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ لَبادَرَهم بِالعَذابِ المُيَسَّرِ لَهُمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أخَّرَهم إلى مَوْعِدٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ مَنجى، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو أجَلُ المَوْتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو يَوْمُ بَدْرٍ والحَشْرِ، و"المَوْئِلُ": المَنجى، يُقالُ: وألِ الرَجُلُ يَئِلُ إذا نَجا.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا وألَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثُمَّ ما يَئِلُ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى تَوَعُّدَهم بِذِكْرِ الأمْثِلَةِ مِنَ القُرى الَّتِي نَزَلَ بِها ما تَوَعَّدَ هَؤُلاءِ بِمِثْلِهِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ القُرى ﴾ حُذِفَ مُضافٌ، تَقْدِيرُهُ: وتِلْكَ أهْلُ القُرى، و"القُرى": المُدُنُ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى عادٍ وثَمُودٍ ومَدِينَ وغَيْرِهِمْ، و"تِلْكَ" ابْتِداءٌ، وَ"القُرى" صِفَةٌ، و"أهْلَكْناهُمْ" خَبَرٌ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" مَنصُوبًا بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أهْلَكْناهُمْ".

وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "لِمُهْلَكِهِمْ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللامِ، وهو مِن: "أهْلَكَ"، ومُفْعِلٌ في مِثْلِ هَذا يَكُونُ لِزَمَنِ الشَيْءِ، ومَكانِهِ، ويَكُونُ مَصْدَرًا، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا- مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.

وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "لِمَهْلَكِهِمْ" بِفَتْحِ المِيمِ واللامِ، وقَرَأ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "لِمَهْلِكِهِمْ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ، وهو مَصْدَرٌ مِن: "هَلَكَ"، وهو في مَشْهُورِ اللُغَةِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فالمَصْدَرُ -عَلى هَذا- مُضافٌ إلى الفاعِلِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى: وجَعَلْنا لِأنَّ هُلِكُوا مَوْعِدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ "هَلَكَ" يَتَعَدّى، تَقُولُ: أهْلَكْتُ الرَجُلَ وهَلَكْتُهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ: ومَهْمَهِ هالَكٍ مَن تَعَرَّجا فَعَلى هَذا يَكُونُ المَصْدَرُ في كُلِّ وجْهٍ مُضافًا إلى المَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ...

ابْتِداءُ قِصَّةٍ لَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، والمَعْنى: اذْكُرْ أوِ اتْلُ، و" مُوسى " هو مُوسى بْنُ عُمْرانَ بِمُقْتَضى الأحادِيثِ والتَوارِيخِ، وبِظاهِرِ القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ في القُرْآنِ مُوسى غَيْرَ واحِدٍ، وهو ابْنُ عِمْرانَ،وَلَوْ كانَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُهُ لِبَيَّنَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها نُوفُ البَكالِي: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وهو مُوسى بْنُ مَثْنى، ويُقالُ: مُوسى ابْنُ مَنشى، وأمّا فَتاهُ فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ مُوسى بْنُ عُمْرانَ فَهو يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ إفْرايِيلَ بْنِ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، وأمّا مَن قالَ هو مُوسى بْنُ مَثْنى فَلَيْسَ الفَتى بِيُوشَعِ بْنِ نُونِ، ولَكِنَّهُ قَوْلًا غَيْرَ صَحِيحٍ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.

و"الفَتى" في كَلامِ العَرَبِ: الشابُّ، ولَمّا كانَ الخِدْمَةَ -أكْثَرُ ما يَكُونُ- فِتْيانًا قِيلَ لِلْخادِمِ: فَتى عَلى جِهَةِ حُسْنِ الأدَبِ، وإنْ أسَنَّ، ونَدَبَتِ الشَرِيعَةُ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ  : « "لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي ولا أُمَّتِي، ولَيَقُلْ فَتايَ وَفَتاتِي"،» فَهَذا نَدْبٌ إلى التَواضُعِ، و"الفَتى" في الآيَةِ هو الخادِمُ، ويُوشِعُ بْنُ نُونٍ يُقالُ: هو ابْنُ أُخْتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وسَبَبُ هَذِهِ القِصَّةِ فِيما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ مُوسى جَلَسَ يَوْمًا في مَجْلِسٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ وخَطْبٍ فَأبْلُغُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ مِنكَ؟

قالَ: لا، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: بَلى، عَبَدْنا خِضْرٌ، فَقالَ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلى السَبِيلِ إلى لُقِيِّهِ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَسِيرَ بِطُولِ سَيْفِ البَحْرِ حَتّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَإذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَإنَّهُ هُنالِكَ، وأمَرَ أنْ يَتَزَوَّدَ ويَرْتَقِبَ زَوالَهُ عنهُ، فَفَعَلَ مُوسى ذَلِكَ، وقالَ لِفَتاهُ عَلى جِهَةِ إمْضاءِ العَزِيمَةِ: لا أبْرَحُ السَيْرَ، أيْ: لا أزالُ، وإنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ وهو سائِرٌ،» ومِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: فَما بَرِحُوا حَتّى تَهادَتْ نِسَؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ بِبَطْحاءَ ذِي قارٍ عِيابَ اللَطائِمِ وذَكَرَ الطَبَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمُهُ عَلى مِصْرَ أنَزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الحالُ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَّرَ بِآلاءِ اللهِ وأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما مَرَّ بِي قَطُّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ إلّا في هَذا الكَلامِ، وما أراهُ يَصِحُّ، بَلِ المُتَظاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ماتَ بِفَحْصِ التِيهِ قَبْلَ فَتْحِ دِيارِ الجَبّارِينَ، وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الفِقْهِ الرِحْلَةُ في طَلَبِ العِلْمِ، والتَواضُعُ لِلْعالَمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَجْمَعُ" بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "مَجْمِعِ" بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ"، أيْنَ هُوَ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هو مَجْمَعُ بَحْرِ فارِسٍ وبَحْرِ الرُومِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ ذِراعٌ يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ مِن شَمالٍ إلى جَنُوبٍ في أرْضِ فارِسٍ مِن وراءِ أذْرَبِيجانَ، فالرُكْنُ الَّذِي لِاجْتِماعِ البَحْرِينِ مِمّا يَلِي بِرَّ الشامِ، هو "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ" عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ هو عِنْدَ طَنْجَةَ، وهو حَيْثُ يَجْتَمِعُ البَحْرُ المُحِيطُ والبَحْرُ الخارِجُ مِنهُ السائِرُ مِن دَبُّورٍ إلى صِبا، ورُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ" بِإفْرِيقِيَّةَ، وهَذا يَقْرُبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو بَحْرُ الأنْدَلُسِ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ واحِدٌ، حَكاهُ النَقاشُ، وهَذا مِمّا يُذْكَرُ كَثِيرًا.

ويُذْكَرُ أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي أبَتْ أنْ تُضَيِّفَهُما هي الجَزِيرَةُ الخَضْراءُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ"، يُرِيدُ بَحْرًا مِلْحًا وبَحْرًا عَذْبًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا إنَّما كانَ الخِضْرُ عِنْدَ مَوْقِعِ نَهْرٍ عَظِيمٍ في البَحْرِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: البَحْرانِ إنَّما هُما كِنايَةٌ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ والخِضْرُ ؛ لِأنَّهُما بَحْرا عِلْمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، والأمْرُ بَيِّنٌ مَنِ الأحادِيثِ أنَّهُ إنَّما رُسِمَ لَهُ بَحْرٌ ما.

وقَوْلُهُ: ﴿ أو أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ مَعْناهُ: أو أمْضِي عَلى وجْهِي زَمانًا، واخْتَلَفَ القُرّاءُ -فَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "حُقْبًا" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حُقُبًا" بِضَمِّهِ، وهو تَثْقِيلُ "حُقْبٍ"، وجَمْعُ الحُقْبِ أحْقابٌ.

واخْتُلِفَ في الحُقْبِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: سَبْعُونَ سَنَةً، وقالَ الفَرّاءُ: "الحُقْبُ": سَنَةٌ واحِدَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الحُقْبُ أزْمانٌ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحُقْبُ" جَمْعُ حِقْبَةٍ وهي السَنَةُ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًۭا ٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًۭا ٦٢ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًۭا ٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًۭا ٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًۭا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًۭا ٦٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا ﴾ ﴿ فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ ﴿ قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ ﴿ قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا ﴾ ﴿ فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَيْنِهِما" لِلْبَحْرَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: هو لِمُوسى والخِضْرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَرَأ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ: "مَجْمِعَ" بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ: وقالَ: "نَسِيا" وإنَّما كانَ النِسْيانُ مِنَ الفَتى وحْدَهُ، نَسِيَ أنْ يُعْلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِما رَأى مِن حالِهِ مِن حَيْثُ كانَ لَهُما زادًا، وكانَ بِسَبَبٍ مِنهُ، فَنَسَبَ فِعْلَ الواحِدِ فِيهِ إلَيْهِما، وهَذا كَما يُقالُ: فَعَلَ بَنُو فُلانٍ الأمْرَ، إنَّما فَعَلَهُ مِنهم بَعْضٌ.

ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنْ يُوشِعَ رَأى الحُوتَ قَدْ حُشِرَ مِنَ المَكْتَلِ إلى البَحْرِ، فَرَآهُ قَدِ اتَّخَذَ السِرْبَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نائِمًا، فَأشْفَقَ أنْ يُوقِظَهُ، وقالَ: أُؤَخِّرُ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ يُوشِعُ أنْ يُعْلِمَهُ، ورَحَلا حَتّى جاوَزا، و"السَبِيلُ": المَسْلَكُ، و"السَرْبُ": المَسْلَكُ في جَوْفِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ بِهِ مَسْلَكَ الحُوتِ في الماءِ حِينَ لَمْ يَنْطَبِقُ الماءُ بَعْدَهُ كالطاقِ وهَذا الَّذِي ورَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، إنَّ الحُوتَ بَقِيَ مَوْضِعَ سُلُوكِهِ ماءً جامِدًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صارَ مَوْضِعُ سُلُوكِهِ حَجَرًا صَلْدًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما اتَّخَذَ سَبِيلَهُ سَرَبًا في البَرِّ حَتّى وصَلَ إلى البَحْرِ ثُمَّ عامَ عَلى العادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَؤُلاءِ يَتَأوَّلُونَ "سَرَبًا" بِمَعْنى: تَصَرُّفًا وجَوَلانًا، مِن قَوْلِهِمْ: فَحْلٌ سارِبٌ أيْ مُهْمَلٌ يَرْعى حَيْثُ يَشاءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسارِبٌ بِالنَهارِ  ﴾ ، أيْ مُتَصَرِّفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: اتَّخَذَ سَرَبًا في التُرابِ مِنَ المَكْتَلِ إلى البَحْرِ، وصادَفَ في طَرِيقِهِ حَجَرًا فَنَقَبَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ السَرَبَ إنَّما كانَ في الماءِ، ومِن غَرِيبٍ ما رُوِيَ في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الحُوتَ إنَّما حَيِيَ لِأنَّهُ مَسَّهُ ماءُ عَيْنٍ هُناكَ تُدْعى عَيْنُ الحَياةِ، ما مَسَّتْ قَطُّ شَيْئًا إلّا حَيِيَ.

ومِن غَرِيبِهِ أيْضًا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أنَّ مَوْضِعَ سُلُوكِ الحُوتِ عادَ حَجَرًا طَرِيقًا، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَشى عَلَيْهِ مُتَّبِعًا لِلْحُوتِ حَتّى أفْضى ذَلِكَ الطَرِيقَ إلى الجَزِيرَةِ في البَحْرِ، وفِيها وجَدَ الخِضْرَ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ: وظاهِرُ الكِتابِ والرِواياتِ أنَّهُ إنَّما وجَدَ الخِضْرَ في ضَفَّةِ البَحْرِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا ﴾ ، ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاوَزا ﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَ عِنْدَ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ في ضَفَّةِ البَحْرِ فَنَسِيَ يُوشَعُ الحُوتَ هُنالِكَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُوسى، ورَحَلا مَرْحَلَةَ بَقِيَّةِ اللَيْلِ وصَدْرِ يَوْمِهِما، فَجاعَ مُوسى ولَحِقَهُ تَعَبُ الطَرِيقِ فاسْتَدْعى الغَداءَ.

قالَ لِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وسَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ في وعْظِهِ: مَشى مُوسى إلى المُناجاةِ فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَحْتَجْ إلى طَعامٍ، ولِمّا مَشى إلى بَشَرٍ لِحِقَهُ الجُوعُ في بَعْضِ يَوْمٍ.

و"النَصْبُ": التَعَبُ والمَشَقَّةُ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: "نَصْبًا" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "نَصْبٍ"، وهو تَخْفِيفُ "نَصَبٍ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا ﴾ الآيَةُ.

حَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ: الصَخْرَةُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في مَوْضِعِ هَذِهِ القِصَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسِيتُ الحُوتَ ﴾ ، يُرِيدُ: نَسِيتُ ذِكْرَ ما جَرى فِيهِ لَكَ، وأمّا الكِسائِيُّ وحْدَهُ "أنْسانِيهُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ: "أنْسانِيهِي" بِياءٍ بَعْدَ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَما أنْسانِيهُ أنْ أذْكُرَ لَهُ إلّا الشَيْطانُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أذْكُرَهُ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الحُوتَ بَدَلُ اشْتِمالٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلٍ يُوشِعُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أيِ: اتَّخَذَ الحُوتُ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ ﴾ تَمامُ الخَبَرِ، فاسْتَأْنَفَ التَعَجُّبَ فَقالَ -مِن قِبَلِ نَفْسِهِ-: "عَجَبًا" لِهَذا الأمْرِ، ومَوْضِعُ العَجَبِ أنْ يَكُونَ الحُوتُ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقَّهُ الأيْسَرُ، ثُمَّ حَيِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ أبُو شُجاعٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: رَأيْتُهُ، أُوتِيتُ بِهِ فَإذا هو شِقُّهُ حُوتٌ وعَيْنٌ واحِدَةُ، وشَقٌّ آخَرُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأنا رَأيْتُهُ، والشِقُّ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ يَشُفُّ تَحْتَها شَوْكَهُ وشِقَّهُ الآخَرَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُخْبِرَ عن مُوسى أنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ مِنَ البَحْرِ عَجَبًا، أيْ: تَعَجَّبَ مِنهُ، وإمّا أنْ يُخْبِرَ عَنِ الحُوتِ أنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "واتِّخاذِ سَبِيلِهِ"، فَهَذا مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في "أنْ أذْكُرَهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: قالَ مُوسى لِفَتاهُ: أمْرُ الحُوتِ وفَقْدُهُ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُ، فَإنَّ الرَجُلَ الَّذِي جِئْنا لَهُ ثُمَّ، فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما لِئَلّا يُخْطِئانِ طَرِيقَهُما.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَبْغِي" بِثُبُوتِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمٌ وقَوْمٌ: "نَبَغَ" دُونَ ياءٍ، وكانَ الحَسَنُ يُثْبِتُها إذا وصَلَ ويَحْذِفُها إذا وقَفَ.

و"قَصُّ الأثَرِ": اتِّباعُهُ وتَطَلُّبُهُ في مَوْضِعِ خِفايَةٍ.

وَ "العَبْدُ" هو الخَضْرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِمُقْتَضى الأحادِيثِ، وخالَفَ مَن لا يَعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فَقالَ: لَيْسَ صاحِبُ مُوسى بِالخِضْرِ، بَلْ هو عالَمٌ آخَرُ، والخُضَرُ نَبِيٌّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ.

والآيَةُ تَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ بَواطِنَ أفْعالِهِ هَلْ كانَتْ إلّا بِوَحْيِ اللهِ؟

ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ مُوسى وجَدَ الخِضْرَ عَلَيْهِما السَلامُ مُسَجّى في ثَوْبِهِ مُسْتَلْقِيًا عَلى الأرْضِ، فَقالَ لَهُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَرَفَعَ الخِضْرُ رَأسَهُ وقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَلامُ؟

ثُمَّ قالَ لَهُ: مَن أنْتَ؟

قالَ: أنا مُوسى، قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: نَعَمْ، قالَ لَهُ: ألَمْ يَكُنْ لَكَ في بَنِي إسْرائِيلَ ما يَشْغَلُكَ عَنِ السَفَرِ إلى هُنا؟

قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أحْبَبْتُ لِقاءَكَ وأنْ أتَعَلَّمَ مِنكَ، قالَ لَهُ: إنِّي عَلى عِلْمٍ مَن عَلْمِ اللهِ عَلِمَنِيهِ ولا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مَن عَلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لا أعْلَمُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ عَلْمُ الخِضْرِ مَعْرِفَةَ بَواطِنٍ قَدْ أُوحِيَتْ إلَيْهِ لا تُعْطِي ظَواهِرُ الأحْكامِ أفْعالَهُ بِحَسْبِها، وكانَ عِلْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمَ الأحْكامِ والفُتْيا بِظاهِرِ أقْوالِ الناسِ وأفْعالِهِمْ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى وجَدَ الخِضْرُ قاعِدًا عَلى ثَيَجِ البَحْرِ، وسُمِّي الخَضْرُ خِضْرًا لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ يابِسَةٍ فاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْراءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، و"الرَحْمَةُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- النُبُوَّةُ.

وقَدْ ذَكَّرْنا الحَدِيثُ المُضَمَّنُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمُ مِنكَ؟

قالَ: لا.

وحَكى الطَبَرِيُّ حَدِيثًا آخَرَ، مُضَمَّنَهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ: أيْ رَبِّ، أيُّ عِبادُكُ أعْلَمُ؟

قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ الناسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةَ خَيْرٍ تُهْدِيهِ، قالَ: رَبِّ، فَهَلْ في الأرْضِ أحَدٌ؟

قالَ: نَعَمْ، فَسَألِ السَبِيلَ إلى لُقِيِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَدِيثُ الأوَّلُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَّدُنّا" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "مِن لُدَنا" بِضَمِّ الدالِّ وتَخْفِيفِ النُونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًۭا ٦٩ قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًۭا ٧٠ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًۭا ٧١ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًۭا ٧٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ ﴿ قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾ ﴿ قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا ﴾ ﴿ قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عن شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ﴾ ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ ﴿ قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةُ المُسْتَنْزِلِ المُبالَغِ في حُسْنِ الأدَبِ.

المَعْنى: هَلْ يَتَّفِقُ لَكَ ويُخْفَ عَلَيْكَ؟

وهَذا كَما في الحَدِيثِ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللهِ  يَتَوَضَّأُ؟" وعَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ يَجِيءُ كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ  ﴾ "؟

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ: "رُشْدًا" بِتَخْفِيفِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "رُشُدا"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ.

ونَصَبَهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِـ "تُعَلِّمَنِي"، والآخَرُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "أتَّبِعُكَ".

ثُمَّ قالَ الخِضْرُ: ﴿ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ ، أيْ: إنَّكَ يا مُوسى لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عَمَلِي؛ لِأنَّ الظَواهِرَ الَّتِي عَلَّمَكَ لا تُعْطِيهِ، وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما تَراهُ خَطَأً ولَمْ تُخْبَرْ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ ولا وجْهَ الصَوابِ؟

فَقَرَّبَ لَهُ مُوسى الأمْرَ بِوَعْدِهِ أنَّهُ سَيَجِدُهُ صابِرًا، ثُمَّ اسْتَثْنى حِينَ حَكَمَ عَلى نَفْسِهِ بِأمْرٍ، فَقَوّى الخِضْرُ وُصاتَهُ، وأمْرَهُ بِالإمْساكِ عَنِ السُؤالِ والإكْنانِ لِما يَراهُ حَتّى يَبْتَدِئَهُ الخِضْرُ لِشَرْحَ ما يَجِبُ شَرْحُهُ.

وقَرَأ نافِعٌ: "فَلا تَسْألَنِّيَّ" بِفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ النُونِ وإثْباتِ الياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الباءَ فَقالَ: "فَلا تَسْألَنَّ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَلا تَسَأْلُنِي" بِسُكُونِ اللامِ وثُبُوتِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُبُرا" بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُبُرًا" بِضَمِّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فانْطَلَقا"، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وألَّهَ وسَلَّمَ أنَّهُما انْطَلَقا ماشِيَيْنِ عَلى سَيْفِ البَحْرِ حَتّى مَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ، فَعُرِفَ الخِضْرُ فَحُمِلا بِغَيْرِ نَوْلٍ إلى مَقْصِدِ أُمَّةِ الخَضْرِ.

وعُرِّفَتِ السَفِينَةِ بِالألِفِ واللامِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ لا لِعَهْدِ عَيْنِها.

فَلَمّا رَكِبا عَمَدَ الخِضْرُ إلى وتَدٍ فَجَعَلَ يَضْرِبُ في جَنْبِ السَفِينَةِ حَتّى بَلَغَ بِهِ -فِيما رُوِيَ- لَوْحَيْنِ مِن ألْواحِها، فَذَلِكَ هو مَعْنى "خَرَقَها"، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ غَلَبَهُ ظاهِرُ الأمْرِ عَلى الكَلامِ حِينَ رَأى فِعْلًا يُؤَدِّي إلى غَرَفِ جَمِيعِ مَن في السَفِينَةِ، فَوَقَّفَهُ بِقَوْلِهِ: "أخَرَقْتَها"؟

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "لِتُغْرِقَ أهْلَها" بِالتاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِتُغَرِّقَ أهْلَها" بِشَدِّ الراءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَغْرَقَ أهْلُها" بِرَفْعِ الأهْلِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ.

و"الإمْرُ": الشَنِيعُ مِنَ الأُمُورِ كالداهِيَةِ والإدِّ ونَحْوَهُ.

ومِنهُ "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ"، ومِنهُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الإمْرُ أخَصُّ مِنَ المُنْكَرِ".

فَقالَ الخِضْرُ مُجاوِبًا لِمُوسى: ﴿ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ ، فَتَنَبَّهَ مُوسى لِما أتى مَعَهُ فاعْتَذَرَ بِالنِسْيانِ، وذَلِكَ أنَّهُ نَسِيَ العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهُما، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وفي كِتابِ التَفْسِيرِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا"،» وفِيهِ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: « "كانَتِ الأُولى نِسْيانًا، والثانِيَةُ شَرْطًا، والثالِثَةُ عَمْدًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا القَوْلِ صَحِيحٌ، والطَبَرِيُّ لَمْ يُبَيِّنْهُ، ووَجْهُهُ عِنْدِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما رَأى العَهْدَ في أنْ يَسْألَ، ولَمْ يَرَ إنْكارَ هَذا الفِعْلِ الشَنِيعِ سُؤالًا، بَلْ رَآهُ واجِبًا، فَلَمّا رَأى الخِضْرُ قَدْ أخَذَ العَهْدَ عَلى أعَمِّ وُجُوهِهِ فَضَمَّنَهُ السُؤالَ والمُعارَضَةَ والإنْكارَ وكُلَّ اعْتِراضٍ -إذِ السُؤالُ أخَفُّ مِن هَذِهِ كُلِّها- أخَذَ مَعَهُ في بابِ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، فَقالَ لَهُ: ﴿ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ﴾ ، ولَمْ يَقِلْ لَهُ: "إنِّي نَسِيتُ العَهْدَ"، بَلْ قالَ لَفْظًا يُعْطِي لِلْمُتَأوِّلِ أنَّهُ نَسِيَ العَهْدَ، ويَسْتَقِيمُ أيْضًا تَأْوِيلُهُ وطَلَبُهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ العَهْدَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ﴾ كَلامُ جَيِّدٌ طَلَبَهُ، ولَيْسَ فِيهِ لِلْعَهْدِ ذِكْرٌ، هَلْ نَسِيَهُ أمْ لا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ أنَّهُ نَسِيَ العَهْدَ، فَجَمَعَ في هَذا اللَفْظِ بَيْنَ العُذْرِ والصِدْقِ وما يُخِلُّ بِهَذا القَوْلِ إلّا أنَّ الَّذِي قالَهُ وهو أُبَيٌّ رَوى عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "كانَتِ الأُولى نَسْيًا".» و"تُرْهِقْنِي" مَعْناهُ تُكَلِّفُنِي وتُضِيِّقُ عَلَيَّ.

ومِمّا قُصَّ مِن أمْرِهِما، أنَّهُما لَمّا رَكِبا السَفِينَةَ وجَرَتْ نَزَلَ عُصْفُورٌ عَلى جَنْبِ السَفِينَةِ، فَنَقَرَ في الماءِ نَقْرَةً، فَقالَ الخِضْرُ لِمُوسى: ماذا تَرى هَذا العُصْفُورَ نَقْصَ مِن ماءِ البَحْرِ؟

قالَ مُوسى: قَلِيلًا، فَقالَ: يا مُوسى، ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن ماءِ البَحْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقِيلَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ وضْعُ العِلْمِ مَوْضِعَ المَعْلُوماتِ، وإلّا فَعِلْمُ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لا يُشَبَّهُ بِمُتَناهٍ، إذْ لا يَتَناهى، والبَحْرُ لَوْ فُرِضَتْ لَهُ عَصافِيرُ عَلى عَدَدِ نُقَطِهِ لانْتَهى، وعِنْدِي أنَّ الِاعْتِراضَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي أعْطاهُ العُلَماءَ قَبْلَهُما وبَعْدَهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَتَجِيءُ نِسْبَةُ عِلَمِهِ إلى عِلْمِ البَشَرِ نِسْبَةُ تِلْكَ النُقْطَةِ إلى البَحْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا أنْ في بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: "ما عِلْمِي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلائِقِ في عِلْمِ اللهِ إلّا كَنَقْرَةِ هَذا العُصْفُورِ"، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ هَذا إلّا أنْ يَكُونَ التَشْبِيهُ بِتَجَوُّزٍ، إذْ لا يُوجَدُ في المَحْسُوساتِ أقْوى في القِلَّةِ مِن نُقْطَةٍ بِالإضافَةِ إلى البَحْرِ، فَكَأنَّها لا شَيْءَ؛ إذْ لا يُوجَدُ لَها إلى البَحْرِ نِسْبَةٌ مَعْلُومَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَـٰمًۭا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًۭا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍۢ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًۭٔا نُّكْرًۭا ٧٤ ۞ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا ٧٥ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَـٰحِبْنِى ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًۭا ٧٦ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًۭا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًۭا ٧٧ قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ٧٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾ ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ ﴿ قالَ إنْ سَألْتُكَ عن شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا ﴾ ﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ ﴿ قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ "انْطَلَقا" في مَوْضِعِ نُزُولِهِما مِنَ السَفِينَةِ، فَمَرّا بِغِلْمانٍ يَلْعَبُونَ، فَعَمَدَ الخِضْرُ إلى غُلامٍ حَسَنِ الهَيْئَةِ وضِيءٍ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ، ويُقالُ: رَضَّها بِحَجَرٍ، ويُقالُ: ذَبَحَهُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ الغُلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمِ، ولِذَلِكَ قالَ مُوسى: "زَكِيَّةً"، أيْ: لَمْ تُذْنِبْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ غُلامًا شابًّا، والعَرَبُ تُبْقِي عَلى الشابِّ اسْمَ الغُلامِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ: غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها وَهَذا في صِفَةِ الحُجّاجِ.

وفي الخَبَرِ أنَّ هَذا الغُلامَ كانَ يُفْسِدُ في الأرْضِ ويُقْسِمُ لِأبَوَيْهِ ما فَعَلَ فَيُقْسِمانِ عَلى قَسَمِهِ ويَحْمِيانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والجُمْهُورُ: "زاكِيَةً" وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "زَكِيَّةً"، والمَعْنى واحِدٌ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى الفَرْقِ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ وقَوْلُهُ: ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ كانَ عن قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ الغُلامِ؛ وإلّا فَلَوْ كانَ لَمْ يَحْتَلِمْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِنَفْسٍ ولا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُكْرًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، ومَعْناهُ: شَيْئًا يُنْكَرُ.

واخْتَلَفَ الناسُ أيُّهُما أبْلَغُ؟

قَوْلُهُ: "إمْرًا" أو قَوْلُهُ: "نُكْرًا" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا قَتْلٌ بَيِّنٌ وهُنالِكَ مُتَرَقَّبٌ، و"نُكْرًا" أبْلَغُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا قَتْلُ واحِدٍ وذَلِكَ قَتْلُ جَماعَةٍ، فَـ "إمْرًا" أبْلَغُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّهُما لِمَعْنَيَيْنِ: قَوْلُهُ: "إمْرًا" أفْظَعُ وأهْوَلُ مِن حَيْثُ هو مُتَوَقَّعٌ عَظِيمٌ، و"نُكْرًا" أبْيَنُ في الفَسادِ لِأنَّ مَكْرُوهَهُ قَدْ وقَعَ.

"وَنِصْفُ القُرْآنِ بَعْدَ الحَرْفِ "ن" أو يَنْتَهِي إلى النُونِ مِن قَوْلِهِ: "نُكْرًا".".

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ ﴾ فِيهِ زَجْرٌ وإغْلاظٌ لَيْسَ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا  ﴾ ، وقَوْلُهُ: "بَعْدَها" يُرِيدُ: بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، فَأعادَ الضَمِيرَ عَلَيْها وإنْ كانَتْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ مِن حَيْثُ كانَتْ في ضِمْنِ القَوْلِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا تُصاحِبُنِي"، ورَواها أُبَيٌّ عَنِ النَبِيِّ  ، وقَرَأ عِيسى، ويَعْقُوبُ: "فَلا تَصْحَبْنِي"، وقَرَأ عِيسى أيْضًا: "فَلا تُصْحِبُنِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الحاءِ، ورَواها سَهْلٌ عن أبِي عَمْرُو، والمَعْنى: فَلا تُصْحِبُنِي عِلْمَكَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "فَلا تَصْحَبَنِّي" بِفَتْحِ التاءِ والباءِ وشَدِّ النُونِ.

وقَوْلُهُ: "قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا"، أيْ: قَدْ أعْذَرْتُ إلَيَّ وبَلَغْتَ إلى العُذْرِ مِن قِبَلِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبِهُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ أصْلًا لِلْآجالِ في الأحْكامِ الَّتِي هي ثَلاثَةُ أيّامٍ، وأيّامُ التَلَوُّمِ ثَلاثَةٌ، فَتَأمَّلْهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مِن لَّدُنِّي" بِفَتْحِ اللامِ وضَمِّ الدالِّ وشَدَّ النُونِ، وهي "لَدُنِ" اتَّصَلَتْ بِها نُونُ الكِنايَةِ الَّتِي في "ضَرَبَنِي" ونَحْوَهُ، فَوَقَعَ الإدْغامُ، وهي قِراءَةُ النَبِيِّ  ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: "مِن لَدُنِي" كالأُولى إلّا أنَّ النُونَ مُخَفَّفَةٌ، فَهي "لَدُنَ" اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ الَّتِي في "غُلامِي" وكُسِرِ ما قَبْلَ الياءِ كَما كُسِرَ في هَذِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "مِن لَدْنِي" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ الدالِ وتَخْفِيفِ النُونِ، وهي تَخْفِيفٌ "لَدُنِي" الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلَ هَذِهِ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ: "مِن لُدْنِي" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الدالِ، قالَ مُجاهِدٌ: وهي غَلَطٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَغْلِيطُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ الرِوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَهي صَحِيحَةٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "مِن لَدْنِي" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ الدالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُذْرا"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعِيسى: "عُذُرا" بِضَمِّ الدالِّ، وحَكى الدانِي أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَبِيِّ  "عُذْرِي" بِكَسْرِ الراءِ وياءٍ بَعْدَها، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا دَعا لِأحَدٍ بَدَأ بِنَفْسِهِ، فَقالَ يَوْمًا: "رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنا، وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ عَلى صاحِبِهِ لَرَأى العَجَبَ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿ فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا ﴾ "».

وَفِي البُخارِيِّ عَنِ النَبِيِّ  : « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، لَوَدِدْنا أنَّهُ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما".» ورُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ الَّتِي وقَعَتْ لِمُوسى مَعَ الخِضْرِ حُجَّةً عَلى مُوسى وعَجَبًا لَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ أمْرَ خَرْقِ السَفِينَةِ نُودِيَ: يا مُوسى أيْنَ كانَ تَدْبِيرُكَ هَذا وأنْتَ في التابُوتِ مَطْرُوحًا في اليَمِّ؟

فَلَمّا أنْكَرَ أمْرَ الغُلامِ قِيلَ لَهُ: أيْنَ إنْكارُكَ هَذا مِن وكْرِكَ لِلْقِبْطِيِّ وقَضائِكَ عَلَيْهِ؟

فَلَمّا أنْكَرَ إقامَةَ الجِدارِ نُودِيَ: أيْنَ هَذا مِن رَفْعِكَ حَجَرِ البِئْرِ لِبَناتِ شُعَيْبٍ دُونَ أجْرٍ؟

وقَوْلُهُ: "فانْطَلَقا"، يُرِيدُ: انْطَلَقَ الخِضْرُ ومُوسى يَمْشِيانِ لِارْتِيادِ الخِضْرِ أمْرًا يَنْفُذُ فِيهِ ما عِنْدَهُ مِن عِلْمِ اللهِ تَعالى، فَمَرّا بِقَرْيَةٍ فَطَلَبا مِن أهْلِها أنْ يُطْعِمُوهُما فَأبَوْا.

وفي الحَدِيثِ أنَّهُما كانا يَمْشِيانِ عَلى مَجالِسِ أُولَئِكَ القَوْمِ يَسْتَطْعِمانِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِهَوانِ الدُنْيا عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْيَةِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينِ: هي الأُبُلَّةُ، وهي أبْخَلُ قَرْيَةٍ وأبْعَدُها مِنَ السَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أنْطاكِيَةُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بُرْقَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِجَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرُهُ، ويُذْكَرُ أنَّها الجَزِيرَةُ الخَضْراءُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أبُو حُورانِ، وهي بِناحِيَةِ أذْرَبِيجانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ الخِلافِ في أيِّ ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَتْ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةٍ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُضَيِّفُوهُما" بِفَتْحِ الضادِ وشَدِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يُضِيِّفُوهُما" بِكَسْرِ الضادِ وسُكُونِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والزُبَيْرِ، وأبِي رَزِينٍ.

و"الضَيْفُ" مَأْخُوذٌ مِن: ضافَ إلى المَكانِ إذا مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ الإضافَةُ وهي إمالَةُ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَأبَوْا أنْ يُطْعِمُوهُما".

وقَوْلُهُ تَعالى في الجِدارِ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ اسْتِعارَةٌ، وجَمِيعُ الأفْعالِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ لِلْحَيِّ الناطِقِ مَتى أُسْنِدَتْ إلى جَمادٍ أو بَهِيمَةٍ فَإنَّما هي اسْتِعارَةٌ، أيْ: لَوْ كانَ مَكانَ الجَمادِ إنْسانٌ لَكانَ مُمْتَثِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: هَلْ تَنْتَهُونَ؟

ولا يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفُتُلُ فَأسْنَدَ النَهْيَ إلى الطَعْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يُرِيدُ الرُمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عن دِماءِ بَنِي عُقَيْلِ وَمِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: وشَكا إلَيَّ بِعِبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ وفَسَّرَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: لَوْ كانَ يَدْرِي ما المُحاوَرَةُ اشْتَكى...

البَيْتُ.

ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "دارِي تَنْظُرُ إلى دارِ فُلانٍ"، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا تَراءى نارُهُما"» وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْقَضُّ"، أيْ: يَسْقُطُ.

«وَقَرَأ النَبِيُّ  -فِيما رُوِيَ عنهُ- "أنْ يُنْقَضَ" بِضَمِّ المِيمِ وتَخْفِيفِ الضادِ،» وهي قِراءَةُ أُبَيِّ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعِكْرِمَةُ: "أنْ يَنْقاصَ" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، بِمَعْنى: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَ الجِدارُ وطَيُّ البِئْرِ، وانْقاصَتِ السِنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، وقِيلَ: إذا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ كانَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فِراقٌ كَقَيْصِ السِنِّ فالصَبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ ويُرْوى: عِبْرَةٌ وحُبُورُ؛ بِالباءِ والحاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: "فَأقامَهُ" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَدَمَهُ وقَعَدَ يَبْنِيهِ، ووَقَعَ هَذا في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ ؛ لِأنَّهُ فَعْلٌ يَسْتَحِقُّ أجْرًا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَلْ مَسَحَهُ بِيَدِهِ وأقامَهُ فَقامَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ، وهو الأشْبَهُ بِأفْعالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

فَقالَ مُوسى لِلْخِضْرِ: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ أيْ: طَعامًا نَأْكُلُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لاتَّخَذْتَ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "لَتَخِذْتُ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأدْغَمَ بَعْضُ القُرّاءِ الذالَ في التاءِ، ولَمْ يُدْغِمْها بَعْضُهُمْ، ومِن قَوْلِهِمْ: "تَخِذَ" قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جَنْبِ غَرْزِها ∗∗∗ ∗∗∗ نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرَّقِ وَفِي حَرْفِ أُبَيِّ: "لَوْ شِئْتُ لَأُوتِيتَ عَلَيْهِ أجْرًا".

ثُمَّ قالَ الخِضْرُ لِمُوسى بِحَسَبِ شَرْطِهِما: ﴿ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ ، واشْتَرَطَ الخِضْرُ، وأعْطاهُ مُوسى ألّا يَقَعَ سُؤالٌ عن شَيْءٍ، والسُؤالُ أقَلُّ وُجُوهِ الِاعْتِراضاتِ، فالإنْكارُ والتَخْطِئَةُ أعْظَمُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ سُؤالًا- فَفي ضِمْنِهِ الإنْكارُ لِفِعْلِهِ والقَوْلُ بِتَصْوِيبِ أخْذِ الأجْرَ، وفي ذَلِكَ تَخْطِئَةُ تَرْكِ الأجْرِ، وأمّا فَصْلُهُ وتَكْرِيرُهُ ﴿ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ وعُدُولُهُ عن "بَيْنِنا" فَلِمَعْنى التَأْكِيدِ، والسِينُ في قَوْلِهِ: "سَأُنَبِّئُكَ" مُفَرِّقَةٌ بَيْنَ المُحاوَرَتَيْنِ والصُحْبَتَيْنِ، ومُؤْذِنَةٌ بِأنَّ الأُولى قَدِ انْقَطَعَتْ.

<div class="verse-tafsir"

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌۭ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًۭا ٧٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمّا السَفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "لِمَساكِينَ" بِتَخْفِيفِ السِينِ، جَمْعُ مِسْكِينَ، واخْتُلِفَ في صِفَتِهِمْ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتْ لِقَوْمٍ تُجّارٍ، ولَكِنَّهم مِن حَيْثُ هم مُسافِرُونَ عَلى قَلَتٍ وفي لُجَّةِ بِحْرٍ وبِحالِ ضَعْفٍ عن مُدافَعَةِ غَصْبِ جائِرٍ، عَبَّرَ عنهم بِـ "مَساكِينَ"؛ إذْ هم في حالَةٍ يُشْفَقُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ -إذا وقَعَ في وهْلَةٍ أو خَطَبَ-: مِسْكِينٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا عَشَرَةَ إخْوَةٍ أهَّلَ عاهاتٍ، خَمْسَةٌ مِنهم عامِلُونَ في السَفِينَةِ، وخَمْسَةٌ لا قُدْرَةَ بِهِمْ عَلى العَمَلِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِمَسّاكِينَ" بِتَشْدِ السِينِ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالمَسّاكِينِ مَلّاحِي السَفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ رِجْلَ المَرْكَبِ، وكُلُّ الخِدْمَةِ يَصْلُحُ لِإمْساكِهِ، فَسُمِّيَ الجَمِيعُ مَسّاكِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالمَسّاكِينِ دَبَغَةَ المُسُوكِ وهي الجُلُودُ واحِدُها مَسْكٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ في ذَلِكَ القِراءَةُ الأُولى، وأنَّ مَعْناها أنَّ السَفِينَةَ لِقَوْمٍ ضُعَفاءَ يَنْبَغِي أنْ يُشْفَقَ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ الناسُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لَهُ البُلْغَةُ مِنَ العَيْشِ، كالسَفِينَةِ لِهَؤُلاءِ، وأنَّهُ أصْلَحُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، واحْتَجَّ مَن يَرى خِلافَ هَذا بِقَوْلِ الشاعِرِ: أمًّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْرِيرُ هَذا عِنْدِي أنَّهُما لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى ضَعْفِ الحالِ جِدًّا، ومَعَ المَسْكَنَةِ انْكِشافٌ وذُلُّ بِسُؤالٍ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُما اللهُ تَعالى صِنْفَيْنِ في قِسْمِ الصَدَقاتِ، فَأمّا حَدِيثُ النَبِيِّ  الَّذِي هُوَ: « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوافِ"» فَجُعِلَ المَساكِينُ في اللُغَةِ أهْلَ الحاجَةِ الَّذِينَ قَدْ كَشَفُوا وُجُوهَهُمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ  ﴾ فَجَعَلَ الفُقَراءَ الَّذِينَ لَمْ يَكْشِفُوا وُجُوهَهم.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بَأوعَبَ مِن هَذا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ ﴾ ، قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: أمامَهُمْ، وقالُوا: "وَراءُ" مِنَ الأضْدادِ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ أمامَهم مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكانَ وراءَهم مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ: "وَراءَهُمْ" هو عِنْدِي عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما تَجِيءُ مُراعى بِها الزَمَنُ، وذَلِكَ أنَّ الحادِثَ المُقَدَّمَ الوُجُودُ هو الإمامُ، وبَيْنَ اليَدِ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ في الزَمَنِ، والَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هو الوَراءُ وهو ما خَلَفَ، وذَلِكَ بِخِلافِ ما يَظْهَرُ بِبادِئِ الرَأْيِ، وتَأمَّلْ هَذِهِ الألْفاظَ في مَواضِعِها حَيْثُ ورَدَتْ تَجِدُها تُطْرَدُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها: إنَّ هَؤُلاءِ وعَمَلَهم وسَعْيَهم يَلِي بَعْدَهُ في الزَمَنِ غَصْبٌ مِنَ المَلِكِ، ومَن قَرَأ: "أمامَهُمْ" أرادَ: في المَكانِ، أيْ أنَّهم كانُوا يَسِيرُونَ إلى بَلَدِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى في التَوْراةِ والإنْجِيلِ إنَّهُما "بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ" مُطْرَدٌ عَلى ما قُلْنا في الزَمانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ  ﴾ مُطْرَدٌ كَما قُلْنا مُراعاةَ الزَمانِ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "الصَلاةُ أمامَكَ"» يُرِيدُ في المَكانِ، وإلّا فَكَوْنُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ أمامَ الصَلاةِ في الزَمَنِ، فَتَأمَّلْ هَذِهِ المَقالَةَ فَإنَّها مُرِيحَةٌ مِن شَغَبِ هَذِهِ الألْفاظِ.

ووَقَعَ لِقَتادَةَ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: ﴿ وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: أمامَهُمْ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ  ﴾ وهي بَيْنُ أيْدِيهِمْ.

وَهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وهَذِهِ هي العُجْمَةُ الَّتِي كانَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ يَضُجُّ مِنها.

قالَهُ الزَجّاجُ.

ويَجُوزُ أنْ كانَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ عَلى الغاصِبِ فَكانَ وراءَهم حَقِيقَةٌ.

وقِيلَ: اسْمُ هَذا الغاصِبِ هُدَدُ بْنُ بُدَدِ، وقِيلَ: اسْمُهُ الجَلَنْدِيُّ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ سَفِينَةٍ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في الجِيادِ مِنها الصِحاحِ المارَّةِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ٨٠ فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ زَكَوٰةًۭ وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا ٨١ وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌۭ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًۭا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًۭا ٨٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا ﴾ ﴿ وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبُّكَ وما فَعَلْتُهُ عن أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الغُلامِ والخِلافُ في بُلُوغِهِ أو صِغَرِهِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ طُبِّعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، وهَذا يُؤَيَّدُ ظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ غَيْرُ بالِغٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عنهُ مَعَ كَوْنِهِ بالِغًا، وقِيلَ: اسْمُ الغُلامِ جَيْسُورُ بِالراءِ، وقِيلَ: جَيْسُونُ بِالنُونِ، وهَذا أمْرٌ كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ.

وقَرَأ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ: "فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: "فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنانِ"، فَجَعَلَها "كانَ" الَّتِي فِيها الأمْرُ والشَأْنُ.

وقَوْلُهُ: "فَخَشِينا" قِيلَ: هو في جِهَةِ الخِضْرِ، فَهَذا مُتَخَلِّصٌ، والضَمِيرُ عِنْدِي لِلْخِضْرِ وأصْحابِهِ الصالِحِينَ الَّذِينَ أهَمَّهُمُ الأمْرُ وتَكَلَّمُوا فِيهِ، وقِيلَ: هو في جِهَةِ اللهِ تَعالى وعَبَّرَ عنهُ الخِضْرُ.

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا، وقالَ غَيْرُهُ: فَكَرِهْنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي في تَوْجِيهِ هَذا التَأْوِيلِ -وَإنْ كانَ اللَفْظُ يُدافِعُهُ- أنَّها اسْتِعارَةٌ، أيْ: عَلى ظَنِّ المَخْلُوقِينَ والمُخاطِبِينَ لَوْ عَلِمُوا حالَهُ لَوَقَعَتْ مِنهم خَشْيَةَ الرَهَقِ لِلْأبَوَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَخافَ رَبُّكُ"، وهَذا بَيِّنٌ في الِاسْتِعارَةِ، وهَذا نَظِيرَ ما يَقَعُ في القُرْآنِ في جِهَةِ اللهِ تَعالى مِن "لَعَلَّ وعَسى"، فَإنَّ جَمِيعَ ما في هَذا كُلِّهِ مِن تَرَجٍّ وتَوَقُّعٍ وخَوْفٍ وخَشْيَةٍ إنَّما هو بِحَسَبِكم أيُّها المُخاطِبُونَ.

و"يُرْهِقَهُما" مَعْناهُ: يُحِثُّهُما ويُكَلِّفُهُما بِشِدَّةٍ، والمَعْنى أنْ يُلْقِيَهُما حُبُّهُما في اتِّباعِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ يُبَدِّلَهُما" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ: "أنْ يُبَدِّلَهُما" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ.

و"الزَكاةُ": شَرَفُ الخُلُقِ والوَقارُ والسَكِينَةُ المُنْطَوِيَةُ عَلى خَيْرٍ، و"الرُحْمُ": الرَحْمَةُ، والمُرادُ -عِنْدَ فِرْقَةٍ- أيْ: يَرْحَمُهُما، وقِيلَ: أيْ: يَرْحَمانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: يا مُنَزِلَ الرُحُمِ عَلى إدْرِيسا ∗∗∗ ومُنْزِلُ اللَعْنِ عَلى إبْلِيسَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "رُحُمًا" بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "رُحْما" بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرُو.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "رُبُّهُما أزْكى مِنهُ وأقْرَبَ رُحْمًا"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ "أنَّهُما بَدَّلا غُلامًا مُسْلِمًا"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ "أنَّهُما بَدَّلا جارِيَةٍ"، وحَكى النَقّاشُ أنَّها وُلِدَتْ هي وذُرِّيَّتُها سَبْعِينَ نَبِيًّا، وذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهو بَعِيدٌ، ولا تُعْرَفُ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ وهَذِهِ المَرْأةُ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ أُمَّ الغُلامِ يَوْمَ قُتِلَ كانَتْ حامِلًا بِغُلامٍ مُسْلِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ ﴾ .

هَذانَ الغُلامانِ صَغِيرانِ بِقَرِينَةِ وصَفِهِما بِاليُتْمِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ  : « "لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ"،» هَذا الظاهِرُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَبْقى عَلَيْهِما اليُتْمُ بَعْدَ البُلُوغِ، أيْ: كانا يَتِيمَيْنِ، عَلى مَعْنى التَشْفِيقِ عَلَيْهِما.

واخْتَلَفَ الناسُ في الكَنْزِ، فَقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: كانَ مالًا جَسِيمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ عَلَمًا في صُحُفٍ مَدْفُونَةٍ، وقالَ عُمْرَ مَوْلى غُفْرَةَ: كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ قَدْ كَتَبَ فِيهِ: "عَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالرِزْقِ يَتْعَبُ، وعَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفُلُ، وعَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ"، ورُوِيَ نَحْوَ هَذا مِمّا هو في مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ أبُوهُما صالِحًا ﴾ ، ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ أنَّهُ والِدُهُما دَنْيَةً، وقِيلَ: الأبُ السابِعُ، وقِيلَ: العاشِرُ فَحُفِظا فِيهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرا بِصَلاحٍ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَحْفَظُ الرَجُلَ الصالِحَ في ذُرِّيَّتِهِ".» وجاءَ في أنْباءِ الخِضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ قِصَّةٍ ﴿ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها  ﴾ ، وفي الثانِيَةِ ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما ﴾ ، وفي الثالِثَةِ ﴿ فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا ﴾ ، وإنَّما انْفَرَدَ أوَّلًا في الإرادَةِ لِأنَّها لَفْظَةُ عَيْبٍ فَتَأدَّبَ بِأنَّ لَمْ يُسْنِدِ الإرادَةَ فِيها إلّا لِنَفْسِهِ، كَما تَأدَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ  ﴾ ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ قَبْلَ وبَعْدَ إلى اللهِ تَعالى، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ؛ إذْ هو مَعْنى نَقْصٍ ومُصِيبَةٍ، وهَذا المَنزَعُ يُطْرَدُ في فَصاحَةِ القُرْآنِ كَثِيرًا، ألّا تَرى إلى تَقْدِيمِ فِعْلِ البَشَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، وتَقْدِيمِ فِعْلِ اللهِ تُبارِكُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا  ﴾ ، وإنَّما قالَ الخِضْرُ في الثانِيَةِ: "فَأرَدْنا" لِأنَّهُ أمَلٌ قَدْ كانَ رَواهُ هو وأصْحابُهُ الصالِحُونَ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ في مَعْنى الخَشْيَةِ عَلى الوالِدَيْنِ وتَمَنّى التَبْدِيلَ لَهُما، وإنَّما أسْنَدَ الإرادَةَ في الثالِثَةِ إلى اللهِ تَعالى لِأنَّها في أمْرٍ مُسْتَأْنِفٍ في الزَمَنِ طَوِيلٍ غَيْبٍ مِنَ الغُيُوبِ، فَحَسُنَ إفْرادُ هَذا المَوْضِعِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ الخِضْرُ قَدْ أرادَ أيْضًا ذَلِكَ الَّذِي أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُرِيدُهُ، وهَذا تَوْجِيهُ فَصاحَةِ هَذِهِ العِبارَةِ بِحَسَبِ فَهْمِنا المُقَصِّرٍ، واللهُ أعْلَمُ.

و"الأشُدُّ": كَمالُ الخُلُقِ والعَقْلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ السِنِينَ، فَقِيلَ: خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا فِيهِ ضَعْفٌ.

وقَوْلُ الخِضْرُ: ﴿ وَما فَعَلْتُهُ عن أمْرِي ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الخِضْرَ نَبِيٌّ، وقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ.

وكَذَلِكَ جُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ الخِضْرَ ماتَ، وتَقُولُ فِرْقَةٌ: إنَّهُ حَيٌّ لِأنَّهُ شَرَبَ مِن عَيْنِ الحَياةِ، وهو باقٍ في الأرْضِ، وأنَّهُ يَحُجُّ البَيْتَ وغَيْرَ هَذا، وقَدْ أطْنَبَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وذَكَرَ في كِتابِهِ أشْياءَ كَثِيرَةً عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ، كُلُّها لا تَقُومُ عَلى ساقٍ، ولَوْ كانَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَلامُ حَيّا يَحُجُّ لَكانَ لَهُ في مِلَّةِ الإسْلامِ ظُهُورُ، واللهُ العَلِيمُ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

ومِمّا يَقْضِي بِمَوْتِ الخِضْرِ الآنَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أرَأيْتُكم لَيْلَتُكم هَذِهِ، فَإنَّهُ لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ ﴾ أيْ مَآلُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَطِعْ"، وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "تَسْطَعُ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: كَذا نَقْرَأُ، نَتَّبِعُ المُصْحَفَ.

وانْتَزَعَ الطَبَرِيُّ مِنَ اتِّصالِ هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهُمُ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا  ﴾ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ إنَّما جُلِبَتْ عَلى مَعْنى المَثَلِ لِلنَّبِيِّ  في قَوْمِهِ، أيْ: لا تَهْتَمُّ بِإمْلاءِ اللهِ لَهُمْ، وإجْراءِ النِعَمِ لَهم عَلى ظاهِرِها، فَإنَّ البَواطِنَ سائِرَةٌ إلى الِانْتِقامِ مِنهُمْ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو مُحْتَمَلٌ لَكِنْ بِتَعَسُّفٍ ما، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا ۗ قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا ٨٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن سَألَهُ عن هَذِهِ القِصَّةِ، فَقِيلَ: سَألَتْهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَوى في ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ حَدِيثًا ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وقِيلَ: إنَّما سَألَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ دَلَّتْها اليَهُودُ عَلى سُؤالِهِ عَنِ الرُوحِ والرَجُلِ الطَوّافِ وفَتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ لِيَقَعَ امْتِحانُهُ بِذَلِكَ.

وذُو القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ المَقْدُونِيُّ، وقَدْ تُشَدَّدُ قافُهُ فَيُقالُ: المَقَّدُونِيُّ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ أنَّهُ يُونانِيٌّ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: هو رُومِيٌّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  أنَّ ذا القَرْنَيْنِ شابٌّ مِنَ الرُومِ، وهو حَدِيثٌ واهِيُ السَنَدِ، عن شَيْخَيْنِ مَن تَجِيبُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهُ كانَ ذا ضِفِيرَتَيْنِ مَن شَعْرٍ هُما قَرْناهُ، فَسُمِّي بِهِما، ذَكَرَهُ المَهْدَوْيُّ وغَيْرُهُ، والضَفائِرُ قُرُونُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَثَمَتْ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ لِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ ومِنهُ الحَدِيثُ في غَسْلِ بِنْتِ النَبِيِّ  ، قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: « "فَضَفَرْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونَ"،» وكَثِيرًا تَجِيءُ تَسْمِيَةُ النَواصِي قُرُونًا.

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ مُلْكِهِ يَرى في نَوْمِهِ أنَّهُ يَتَناوَلُ الشَمْسَ ويُمْسِكُ قَرْنَيْنِ لَها بِيَدَيْهِ، فَقَصَّ ذَلِكَ، فَفَسَّرَ أنَّهُ سَيُغْلَبُ عَلى ما ذَرَّتْ عَلَيْهِ وسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ بَلَغَ المَغْرِبَ والمَشْرِقَ، فَكَأنَّهُ حازَ قَرْنَيِ الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّهُ بَلَغَ مَطْلَعَ الشَمْسِ كَشَفَ بِالرُؤْيَةِ قَرْنَيْها فَسَمِّي بِذَلِكَ، أو قَرْنَيِ الشَيْطانِ بِها، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ جَنَبَتَيْ رَأسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ أيْضًا: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بَعِيدٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ فَماتَ، ثُمَّ حَيِيَ، ثُمَّ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ الآخَرِ فَماتَ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ جُرِحَ عَلى قَرْنَيْ رَأْسِهِ جُرْحَيْنِ عَظِيمَيْنِ في يَوْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أيّامِ حَرْبِهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أُبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ.

والتَمْكِينُ لَهُ في الأرْضِ أنَّهُ مَلَكَ الدُنْيا ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ كُلُّها، فَرُوِيَ أنَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الدُنْيا أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ، فالمُؤْمِنانِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرانِ نَمْرُوذُ وبَخْتَنْصَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ مَعْناهُ: عَلْمًا في كُلِّ أمْرٍ، وأقْيِسَةً يَتَوَصَّلُ بِها إلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ.

وقَوْلُهُ: " كُلِ شَيْءٍ " عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ ويَحْتاجُ إلَيْهِ، وثَمَّ لا مَحالَةَ أشْياءَ لَمْ يُؤْتَ مِنها سَبَبًا يَعْلَمُها بِهِ.

واخْتُلِفَ في ذِي القَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ -بِفَتْحِ اللامِ-، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمَعَ رَجُلًا يَدْعُو آخَرَ: يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ: أما كَفاكم أنْ تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ المَلائِكَةِ؟

ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عنهُ فَقالَ: "مَلَكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِن تَحْتِها بِالأسْبابِ"،» وقِيلَ: هو عَبْدُ مَلِكٌ -بِكَسْرِ اللامِ- صالِحٌ نَصَحَ لِلَّهِ فَأيَّدَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ: "فِيكُمُ اليَوْمَ مِثْلُهُ"، وعَنى بِذَلِكَ نَفْسَهُ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "فاتَّبَعَ سَبَبا" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَأتْبَعَ سَبَبا" بِسُكُونِ التاءِ، عَلى وزْنٍ أفْعَلُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ "تَبِعَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أتْبَعُ" بِقَطْعِ الألْفِ عِبارَةٌ عَنِ المُجِدِّ المُسْرِعِ الحَثِيثِ الطَلَبِ، و"اتَّبَعَ" إنَّما يَتَضَمَّنُ مَعْنى الِاقْتِفاءِ دُونَ هَذِهِ القَرائِنِ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَقْرَأ هَذا القائِلُ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ النَقّاشُ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، وإذا تَأمَّلْتَ "اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ لِمْ يَرْتَبِطْ لَكَ هَذا المَعْنى ولا بُدَّ.

و"السَبَبُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الطَرِيقُ المَسْلُوكَةُ؛ لِأنَّها سَبَبُ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، أيْ: ذاتُ حُماةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، والباقُونَ: "فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ"، أيْ حارَةٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ في قِراءَةَ ذَلِكَ مُعاوِيَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "حَمِئَةٍ"، وقالَ مُعاوِيَةُ: "حامِيَةٍ"، فَبَعَثا إلى كَعْبِ الأحْبارِ لِيُخْبِرَهم بِالأمْرِ كَيْفَ هو في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُما: أمّا العَرَبِيَّةُ فَأنْتُما أعْلَمُ بِها مِنِّي، ولَكِنِّي أجِدُ في التَوْراةِ أنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ ثَأْطٍ، والثَأْطُ: الطِينُ، فَلَمّا انْفَصَلا قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوَدِدْتُ أبا العَبّاسِ فَكُنْتُ أُنْجِدُكَ بِشِعْرٍ تُبَّعَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ في ذِكْرِ ذِي القَرْنَيْنِ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ مَلِكًا تَدِينُ لَهُ المُلُوكُ ويُحْشَدُ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ فَرَأى مَغِيبَ الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثَأْطِ حَرْمَدَ فالخُلُبُ: الطِينُ، والثَأْطُ: الحُمْأةُ، والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ، ومَن قَرَأ: "حامِيَةٍ" وجْهُها إلى الحَرارَةِ، ورُوِيَ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَظَرَ إلى الشَمْسِ وهي تَغِيبُ فَقالَ: "فِي نارِ اللهِ الحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنَ اللهِ لَأحْرَقَتْ ما عَلى الأرْضِ".»«وَرَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَظَرَ إلى الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها فَقالَ: "أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ يا أبا ذَرٍّ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: إنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ"،» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ هُنالِكَ حارَةٌ، و"حامِيَةٌ" هي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وعَمْرُو بْنِ العاصِ، وابْنِهِ، وابْنِ عُمَرَ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حارَةً ذاتَ حَمْأةٍ، فَكُلُّ قِراءَةٍ وصْفٌ بِصِفَةٍ مِن أحْوالِها، وذَهَبَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ إلى أنْ "فِي" بِمَنزِلَةِ "عِنْدَ"، كَأنَّها مَسامَّتَهُ مِنَ الأرْضِ فِيما يَرى الرائِي لِعَيْنٍ حَمِئَةٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿ فِي عَيْنٍ ﴾ إنَّما المُرادُ أنْ ذا القَرْنَيْنِ كانَ فِيها، أيْ: هي آخِرِ الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ، واللهُ أعْلَمُ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ "حامِئَةٍ" مَهْمُوزَةً، بِمَعْنى: ذاتُ حَمْأةٍ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ ، ومَن قالَ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ اللهِ بِإلْهامٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ، ﴿ وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ بِالحَمْلِ عَلى الإيمانِ واتِّباعِ الهُدى، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ لا تُعْطِها إلّا إحْدى خُطَّتَيْنِ: إمّا أنْ تَكْفُرَ فَتُعَذِّبُها، وإمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُحْسِنُ إلَيْها.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "اتِّخاذَ الحُسْنِ" هو الأسْرُ مَعَ كُفْرِهِمْ، فالمَعْنى -عَلى هَذا- أنَّهم كَفَرُوا ولا بُدَّ، فَخَيَّرَهُ اللهُ تَعالى بَيْنَ قَتْلِهِمْ أو أسْرِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الِاتِّخاذُ" ضَرْبَ الجِزْيَةِ.

ولَكِنَّ تَقْسِيمَ ذِي القَرْنَيْنِ بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلى كُفْرٍ أو إيمانٍ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ بَعْضَ الرَدِّ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًۭا ٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٨٩ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍۢ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًۭا ٩٠ كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًۭا ٩١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا ﴾ ﴿ وَأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا ﴾ ﴿ ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا ﴾ ﴿ كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا ﴾ "ظَلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: كَفَرَ، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِتَعْذِيبِهِ إيّاهم قَبْلَ عَذابِ اللهِ، وعَقَّبَ لَهم بِذِكْرِ عَذابِ اللهِ لِأنَّ تَعْذِيبَ ذِي القَرْنَيْنِ هو اللاحِقُ عِنْدَهُمُ، المَحْبُوسُ لَهُمُ، الأقْرَبُ نِكايَةً.

فَلَمّا جاءَ وعْدُ المُؤْمِنِينَ قَدَّمَ تَنْعِيمَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو الأحَقُّ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والآخَرُ بِإزائِهِ حَقِيرٌ، ثُمَّ عَقَّبَ أخِيرًا بِذِكْرِ إحْسانِهِ في قَوْلِ اليُسْرِ، وجَعْلَهُ قَوْلًا إذِ الأفْعالُ كُلُّها خَلْقُ اللهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ سَلَّمَها ولَمْ يُراعِ تَكَسُّبِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُكْرًا" بِسُكُونِ الكافِ، ومَعْناهُ: المُنْكَرُ الَّذِي تُنْكِرُهُ الأوهامُ لِعَظْمِهِ وتَسْتَهْوِيِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "جَزاءً الحُسْنى" بِإضافَةِ الجَزاءِ إلى الحُسْنى، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ بِـ "الحُسْنى" الجَنَّةَ، والجَنَّةُ هي الجَزاءُ، فَأضافَ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ والآخِرَةُ هي الدارُ، والثانِي أنْ يُرِيدَ بِـ "الحُسْنى" أعْمالَهُمُ الصالِحَةَ في إيمانِهِمْ، فَوَعَدَهم بِجَزاءِ الأعْمالِ الصالِحَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، الكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "جَزاءُ الحُسْنى" بِنَصْبِ "الجَزاءِ" عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ.

و"الحُسْنى" ابْتِداءٌ، وخَبُرُهُ في المَجْرُورِ، ويُرادُ بِها الجَنَّةُ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي إسْحاقٍ: "جَزاءٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "الحُسْنى"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومَسْرُوقٌ: "جَزاءَ" بِالنَصْبِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ "الحُسْنى" بِالإضافَةِ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ حَذْفُ النُونِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ووَعْدِهِمْ بِذَلِكَ بِأنَّهُ يُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ أُمُورَ دُنْياهم.

وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ: "يُسُرًا" بِضَمِّ السِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ، المَعْنى: ثُمَّ سَلَكَ ذُو القَرْنَيْنِ الطُرُقَ المُؤَدِّيَةَ إلى مَقْصِدِهِ، فَهي سَبَبُ الوُصُولِ، فَكانَ ذُو القَرْنَيْنِ -عَلى ما وقَعَ في كُتُبِ التارِيخِ- يَدُوسُ الأرْضَ بِالجُيُوشِ الثِقالِ، والسِيرَةِ الحَمِيدَةِ، والإعْدادِ المُوَفّى، والحَزْمِ المُسْتَيْقِظِ المُتَّقِدِ، والتَأْيِيدِ المُتَواصِلِ، وتَقْوى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما لَقِيَ أُمَّةً ولا مُرَّ بِمَدِينَةٍ إلّا دانَتْ لَهُ ودَخَلَتْ في طاعَتِهِ، وكُلُّ مَن عارَضَهُ وتَوَقَّفَ عن أمْرِهِ جَعَلَهُ عِظَةً وآيَةً لِغَيْرِهِ، ولَهُ في هَذا المَعْنى أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وغَرائِبٌ كَرَهْتُ التَطْوِيلَ بِها لِأنَّها عِلْمُ تارِيخٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-، وابْنُ كَثِيرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ.

و"القَوْمُ": الزِنْجُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهُمُ الهُنُودُ وما وراءَهم.

وقالَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا ﴾ مَعْناهُ: إنَّهم لَيْسَ لَهم بُنْيانٌ، إذْ لا تَحْمِلُ أرْضُهُمُ البِناءَ، وإنَّما يَدْخُلُونَ مِن حَرِّ الشَمْسِ في أسْرابٍ، وقِيلَ: يَدْخُلُونَ في ماءِ البَحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

وكَثَّرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ في هَذا المَعْنى، والظاهِرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّها عِبارَةٌ بَلِيغَةٌ عن قُرْبِ الشَمْسِ مِنهُمْ، وفِعْلِها بِقُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِمْ، ونَيْلِها مِنهُمْ، ولَوْ كانَ لَهم أسْرابٌ تُغْنِي لَكانَ سَتْرًا كَثِيفًا، وإنَّما هم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ سَواءٌ كانَ لَهم أسْرابٌ أو دُورٌ أو لَمْ يَكُنْ، ألّا تَرى أنَّ السَتْرَ عِنْدَنا بِحَقٍّ إنَّما هو مِنَ السَحابِ والغَمامِ وبَرْدِ الهَواءِ، ولَوْ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْنا الشَمْسَ لَأحْرَقَتْنا، فَسُبْحانَ المُنْفَرِدِ بِالقُدْرَةِ التامَّةِ.

وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" مَعْناهُ: فَعَلَ مَعَهم كَفِعْلِهِ مَعَ الأوَّلِينَ أهْلِ المَغْرِبِ، فَأوجَزَ بِقَوْلِهِ: "كَذَلِكَ".

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن إحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما لَدى ذِي القَرْنَيْنِ، وما تَصَرَّفَ مِن أفْعالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "كَذَلِكَ" اسْتِئْنافُ قَوْلٍ، ولا يَكُونُ راجِعًا عَلى الطائِفَةِ الأُولى، فَتَأمَّلْهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ٩٢ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ ٱلسَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًۭا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًۭا ٩٣ قَالُوا۟ يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٩٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ﴾ ﴿ قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا ﴾ ﴿ قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ.

وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لَمّا بَلَغَ مَطْلَعَ الشَمْسِ أتْبَعَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبَبًا، أيْ: طَرِيقًا آخَرَ، فَهو -واللهُ أعْلَمُ- إمّا يُمْنَةً وإمّا يُسْرَةً مِن مَطْلَعِ الشَمْسِ.

و"السَدّانِ" فِيما ذَكَرَ أهْلُ التَفْسِيرِ-: جَبَلانِ سَدّا مَسالِكَ تِلْكَ الناحِيَةِ مِنَ الأرْضِ، وبَيْنَ طَرِيقَيِ الجَبَلَيْنِ فَتْحٌ هو مَوْضِعُ الرُومِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الجَبَلانِ اللَذانِ بَيْنَهُما السَدُّ أرْمِينِيَّةُ وأذْرَبِيجانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما مِن وراءِ بِلادِ التُرْكِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، وإنَّما هُما في طَرَفِ الأرْضِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، ويَظْهَرُ مِن ألْفاظِ التَوارِيخِ أنَّهُما إلى ناحِيَةِ الشَمالِ، وأمّا تَعْيِينُ مَوْضِعٍ فَضَعِيفٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "السُدَّيْنِ" بِضَمِّ السِينِ، وكَذَلِكَ "سُدًّا" حَيْثُ وقَعَ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن جَمِيعِ القِراءاتِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "السَدَّيْنِ" بِفَتْحِ السِينِ، وضَمِّ "سُدًّا" في (يَسِ).

واخْتُلِفَ بَعْدُ فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الضَمُّ هو الِاسْمُ، والفَتْحُ المَصْدَرُ، وقالَ الكِسائِيُّ: الضَمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ما كانَ مِن خِلْقَةِ اللهِ تَعالى لَمْ يُشارِكْ فِيهِ أحَدٌ بِعَمَلٍ فَهو بِالضَمِّ، وما كانَ مِن صُنْعِ البَشَرِ فَهو بِالفَتْحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ أنْ نَقْرَأ: "بَيْنَ السَدَّيْنِ" بِالضَمِّ، وبَعْدَ ذَلِكَ "سَدًّا" بِالفَتْحِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.

وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ عَكْسَ ما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ: ما رَأتْهُ عَيْناكَ فَهو "سُدٌّ" بِضَمِّ السِينِ، وما لا يَرى فِيهِ "سَدٌّ" بِالفَتْحِ.

والضَمِيرُ في "دُونِهِما" عائِدٌ عَلى الجَبَلَيْنِ، أيْ: وجَدَهم في الناحِيَةِ الَّتِي تَأْتِي إلى المَغْرِبِ.

واخْتُلِفَ في "القَوْمِ"، فَقِيلَ: هم بَشَرٌ، وقِيلَ: جِنٌّ، والأوَّلُ أصَحُّ مِن وُجُوهٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ﴾ عِبارَةٌ عن بُعْدِ لِسانِهِمْ عن ألْسِنَةِ الناسِ، لَكِنَّهم فَقَهُوا أو فَهَمُوا بِالتَرْجَمَةِ ونَحْوَها.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَفْقَهُونَ" مِن أفْقَهَ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَفْقَهُونَ" مِن فَقِهَ.

والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْقَوْمِ الَّذِينَ مِن دُونِ السَدَّيْنِ، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَبِيلَتانِ مِن بَنِي آدَمَ، لَكِنَّهم يَنْقَسِمُونَ أنْواعًا كَثِيرَةً اخْتُلِفَ في عَدَدِها، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، وفي خَلْقِهِمْ تَشْوِيهِ، مِنهُمُ المُفْرِطُ الطُولِ، ومِنهُمُ المُفْرِطُ القَصْرِ عَلى قَدْرِ الشِبْرِ وأقَلُّ وأكْثَرُ، ومِنهم صِنْفٌ عَظِيمُ الآذانِ، الأُذُنُ الواحِدَةُ وبَرَةٌ والأُخْرى زَعْراءُ، يُصَيِّفُ بِالواحِدَةِ ويَشْتُو في الأُخْرى وهي تَعُمُّهُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ -فَقَرَأ عاصِمُ وحْدَهُ: "يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ" بِالهَمْزِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَأمّا مِن هَمْزَ فاخْتُلِفَ فِيهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو أعْجَمِيٌّ، عِلَّتُهُ في مَنعِ الصَرْفِ التَعْرِيفُ والتَأْنِيثُ، وأمّا مَن لَمْ يَهْمِزْ فَإمّا أنْ يَراهُما اسْمَيْنِ أعْجَمِيَّيْنِ، وإمّا أنْ يُسَهِّلَ مِنَ الهَمْزِ، وقَرَأ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: "آجُوجُ ومَأْجُوجُ" بِهَمْزَةٍ بَدَلِ الياءِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في إفْسادِهِمُ الَّذِي وصَفُوهم بِهِ -فَقالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدُ العَزِيزِ: إفْسادُهم أكْلُ بَنِي آدَمَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إفْسادُهم إنَّما عِنْدُهم مُتَوَقِّعًا، أيْ: سَيُفْسِدُونَ فَطَلَبُوا وجْهَ التَحَرُّزِ مِنهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إفْسادُهم هو الظُلْمُ والغَشْمُ والقَتْلُ وسائِرُ وُجُوهِ الإفْسادِ المَعْلُومِ مِنَ البَشَرِ، وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الطائِفَةَ الشاكِيَةَ إنَّما شَكَتْ مَن ضُرٍّ قَدْ نالَهم.

وقَوْلُهُمُ ﴿ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ حُسْنِ الأدَبِ.

و"الخَرْجُ": المُجْبى، وهو الخَراجُ، وقالَ قَوْمٌ: "الخُرْجُ": المالُ يَخْرُجُ مَرَّةً، و"الخَراجُ": المُجْبى المُتَكَرِّرُ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يَجْمَعُوا لَهُ أمْوالًا يُقِيمُ بِها أمْرَ السَدِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَرْجًا" أجْرًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "خَرَجا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خَراجًا"، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مَصْرِفٍ، والأعْمَشِ، والحَسَنِ -بِخِلافِ عنهُ-، ورُوِيَ في أمَرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أنَّ أرْزاقَهم هي مِنَ التِنِّينِ يُرْزَقُونَها ويُمْطِرُونَها، ونَحْوَ هَذا مِمّا لَمْ يَصِحُّ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ الذَكَرَ مِنهم لا يَمُوتُ حَتّى يُولَدَ لَهُ ألْفُ ولَدٍ، والأُنْثى لا تَمُوتُ حَتّى يَخْرُجَ مَن بَطْنِها ألْفٌ، فَهم لِذَلِكَ إذا بَلَغُوا العَدَدَ ماتُوا، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهم يَتَناكَحُونَ في الطُرُقِ كالبَهائِمِ، وأخْبارُهم تَضِيقُ بِها الصُحُفُ فاخْتَصَرْتُها لِضَعْفِ صِحَّتِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا ﴾ ، المَعْنى: قالَ لَهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بَسَطَ اللهُ لِي مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِن خُرْجِكم وأمْوالِكُمْ، ولَكِنْ أعِينُونِي بِقُوَّةِ الأبْدانِ، وبِعَمَلٍ مِنكم بِالأيْدِي.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "ما مَكَّنَنِي" بِنُونَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ "ما مَكَّنِّي" بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ.

وهَذا: مِن تَأْيِيدِ اللهِ تَعالى لِذِي القَرْنَيْنِ، فَإنَّهُ تَهَدّى في هَذِهِ المُحاوَرَةِ إلى الأنْفَعِ والأنْزَهِ، فَإنَّهم لَوْ جَمَعُوا لَهُ خَرَجًا ومالًا لَمْ يُعِنْهُ مِنهم أحَدٌ ولَوَكَلَوُهُ إلى البُنْيانِ، ومَعُونَتُهم بِالقُوَّةِ أجْمَلُ بِهِ، وأمَرٌ يُطاوِلُ مُدَّةَ العَمَلِ، ورُبَّما أرْبى عَلى الخَرْجِ.

و"الرَدْمُ" أبْلَغُ مِنَ "السَدِّ"؛ إذِ السَدُّ كُلُّ ما يُسَدُّ بِهِ، والرَدْمُ وضْعُ الشَيْءِ عَلى الشَيْءِ مِن حِجارَةٍ أو تُرابٍ أو نَحْوَهُ حَتّى يَقُومَ مِن ذَلِكَ حِجابٌ مَنِيعٌ، ومِنهُ: رَدَمَ ثَوْبَهُ إذا رَقَعَهُ بِرِقاعٍ مُتَكاتِفَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: هَلْ غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ؟

أيْ: مِن قَوْلٍ يَرْكَبُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًۭا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ٩٦ فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ٩٧ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا ٩٨ ۞ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ يَمُوجُ فِى بَعْضٍۢ ۖ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعًۭا ٩٩ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا ١٠٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ ﴿ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا ﴾ ﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إيتُونِي" بِمَعْنى: جِيئُونِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "آتَوْنِي" بِمَعْنى: أعْطَوْنِي، وهَذا كُلُّهُ مُتَقارِبٌ، إنَّما هو اسْتِدْعاءٌ إلى المُناوَلَةِ لا اسْتِدْعاءُ العَطِيَّةِ والهِبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ ارْتَبَطَ مِن قَوْلِهِ إنَّهُ لا يَأْخُذُ مِنهُمُ الخَرْجَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اسْتِدْعاءُ المُناوَلَةِ وأعْمالُ القُوَّةِ، و"إيتُونِي" أشْبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ  ﴾ ، ونَصْبُ "الزُبُرَ" عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ.

حُذِفَ الجارِ فَنُصِبَ الفِعْلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُبَرَ" بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وكُلُّ ذَلِكَ جَمْعٌ "زُبْرَةٍ"، وهي القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنهُ.

والمَعْنى: فَرَصَفَهُ وبَناهُ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَدَفَيْنِ، فاخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ساوى"، وقَرَأ قَتادَةُ: "سَوّى"، و"الصَدَفانِ": الجَبَلانِ المُتَناوِحانِ، ولا يُقالُ لِلْواحِدِ: صَدَفٌ، وإنَّما يُقالُ "صَدَفانِ" لِاثْنَيْنِ أحَدُهُما يُصادِفُ الآخَرَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "الصَدَفَيْنِ" بِفَتْحِ الصادِ وشَدِّها، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرُو: "الصُدُفَيْنِ" بِضَمِّ الصادِّ والدالِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والحَسَنُ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "الصُدْفَيْنِ" بِضَمِّ الصادِ وسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "بَيْنَ الصَدْفَيْنِ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ الدالِ.

وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى واحِدٍ، هُما الجانِبانِ المُتَناوِحانِ، وقِيلَ: "الصَدَفانِ": السَطْحانِ الأعْلَيانِ مِنَ الجَبَلَيْنِ، وهَذا نَحْوٌ مِنَ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ انْفُخُوا ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِوَضْعِ طاقَةٍ مِنَ الزُبُرِ والحِجارَةِ، ثُمَّ يُوقَدُ عَلَيْها حَتّى تُحْمى، ثُمَّ يُؤْتى بِالنُحاسِ المُذابِ أوِ الرَصاصِ أو بِالحَدِيدِ -بِحَسَبِ الخِلافِ في "القِطْرِ"- فَيُفْرِغُهُ عَلى تِلْكَ الطاقَةِ المُنَضَّدَةِ، فَإذا التَأمَ واشْتَدَّ اسْتَأْنَفَ رَصْفَ طاقَةٍ أُخْرى إلى أنِ اسْتَوى العَمَلُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَحابَةِ: "بِقُطْرٍ أُفْرِغْ عَلَيْهِ".

وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "القِطْرُ": النُحاسُ المُذابُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ «عن رَسُولِ اللهِ  ، جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي رَأيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَ: كَيْفَ رَأيْتُهُ؟

قالَ: رَأيْتُهُ كالبُرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ صَفْراءُ، وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ، وطَرِيقَةٌ سَوْداءُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : قَدْ رَأيْتُهُ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: "القِطْرُ": الرَصاصُ المُذابُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ" القِطْرُ": الحَدِيدُ الذائِبُ.

وهو مُشْتَقٌّ مِن قَطَرَ يَقْطُرُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: " فَمًا اسْتَطاعُوا" لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَما اسْطاعُوا" بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ الطاءِ، وقَرَأتْ فَرِقْةٌ بِشَدِّ الطاءِ، وفِيها تَكَلُّفٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الساكِنِينَ.

و"يَظْهَرُوهُ" مَعْناهُ: يَعْلُوهُ بِصُعُودِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في المُوَطَّإ: "والشَمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ".

﴿ وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ لِبُعْدِ عَرْضِهِ وقُوَّتِهِ، ولا سَبِيلَ سِوى هَذَيْنَ، إمّا ارْتِقاءٌ وإمّا نَقْبٌ.

ورُوِيَ أنَّ في طُولِهِ ما بَيْنَ طَرَفَيِ الجَبَلَيْنِ مِائَةُ فَرْسَخٍ وعَرَضُهُ خَمْسُونَ فَرْسَخًا، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا ثُبُوتَ لَهُ إذْ لا غايَةَ لِلتَّخَرُّصِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: "انْفُخُوا" أيْ بِالأكْوارِ.

وقَوْلُهُ: "اسْطاعُوا" بِتَخْفِيفِ الطاءِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، قِيلَ: هي لُغَةٌ بِمَعْنى: اسْتَطاعُوا، وقِيلَ: اسْتَطاعُوا بِعَيْنِهِ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ حَتّى حَذْفَ بَعْضُهم مِنهُ التاءَ فَقالَ: اسْطاعُ، وحَذَفَ بَعْضُهُمُ الطاءَ فَقالَ: اسْتاعَ يَسْتَيِعُ، بِمَعْنى اسْتَطاعَ يَسْتَطِيعُ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فَما اسِطّاعُوا" بِتَشْدِيدِ الطاءِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: هي غَيْرُ جائِزَةٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَما اسْتَطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي ﴾ الآيَةُ.

القائِلُ هو ذُو القَرْنَيْنِ، وأشارَ بِهَذا إلى الرَدْمِ والقُوَّةِ عَلَيْهِ والِانْتِفاعِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ".

و"الوَعْدُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وقْتَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عُمَرَ: "دَكًّا" مَصْدَرُ دَكَّ يَدُكُّ إذا هَدَمَ ورَضَّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "دَكّاءَ" بِالمَدِّ، وهَذا عَلى التَشْبِيهِ بِالناقَةِ الدَكّاءِ، هي الَّتِي لا سَنامَ لَها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: جَعْلُهُ مِثْلَ دَكّاءَ، وأمّا النَصْبُ في "دَكًّا" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِـ "جَعَلَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَعَلَ" بِمَعْنى خَلَقَ ويُنْصَبُ "دَكًّا" عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ أيْضًا النَصْبُ في قِراءَةِ مِن مَدٍّ يُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ.

والضَمِيرُ في "تَرَكْنا" لِلَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: "يَوْمَئِذٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهُ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَعْضَهُمْ" عَلى ذَلِكَ -لِجَمِيعِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "يَوْمَئِذٍ" يَوْمَ كَمالِ السَدِّ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَعْضَهُمْ" لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، واسْتِعارَةُ "المَوْجِ" لَهم عِبارَةٌ عَنِ الحَيْرَةِ وتَرَدُّدِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ كالوالِهِينَ مِن هَمًّ وخَوْفٍ، فَشَبَّهَهم بِمَوْجِ البَحْرِ الَّذِي يَضْطَرِبُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا احْتِمالَ لِغَيْرِهِ، فَمَن تَأوَّلَ الآيَةَ كُلَّها في يَوْمِ القِيامَةِ اتَّسَقَ تَأْوِيلُهُ، ومَن تَأوَّلَ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَمُوجُ في بَعْضٍ ﴾ في أمْرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تَأوَّلَ القَوْلَ: "وَتَرَكْناهم يَمُوجُونَ" دَأبا عَلى مَرِّ الدَهْرِ وَتَناسُلِ القُرُونِ بَيْنَهُمِ وقِيامِهِمْ، ثُمَّ نُفِخَ في الصُورِ فَيَجْتَمِعُونَ، و"الصُوَرُ": في قَوْلِ الجُمْهُورِ وظاهِرِ الأحادِيثِ الصِحاحِ هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفَخُ فِيهِ لِلْقِيامَةِ، وفي الحَدِيثِ: قالَ رَسُولُ اللهِ  أنَّهُ قالَ: « "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَطَ القَرْنَ وحَنّا الجَبْهَةَ وأصْغى بِالأُذُنِ مَتى يُؤْمَرُ"، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ، وعَلى اللهِ تَوَكَّلْنا، ولَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ مِنى ما أجَّلُوا ذَلِكَ القَرْنَ"،» وأمّا "النَفَخاتُ" فَأسْنَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "الصُوَرُ قَرْنٌ عَظِيمٌ يَنْفُخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانِيَةُ نَفْخَةُ الصَعْقِ، والثالِثَةُ نَفْخَةُ القِيامِ"،» وقالَ بَعْضُ الناسِ: "النَفَخاتُ" اثْنَتانِ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهي نَفْخَةُ الصَعْقِ، ثُمَّ الأُخْرى الَّتِي هي لِلْقِيامِ.

ومَلَكُ الصُورِ هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُورُ جَمْعُ صُورَةٍ، فَكَأنَّهُ أرادَ صُوَرَ البَشَرِ والحَيَوانِ نُفِخَ فِيها الرُوحُ.

والأوَّلُ أبْيَنُ وأكْثَرُ في الشَرِيعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ ﴾ مَعْناهُ: أبْرَزْناها لَهم لِتَجْمَعَهم وتُحَطِّمَهُمْ، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ عِبارَةً عن شِدَّةِ الحالِ، ورَوى الطَبَرِيُّ في هَذا حَدِيثًا مُضَمِّنُهُ أنَّ النارَ تُرْفَعُ لِلْيَهُودِ والنَصارى كَأنَّها السَرابُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ لَكَمَ في الماءِ حاجَةٌ؟

فَيَقُولُونَ: نَعِمَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا۟ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ١٠١ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن يَتَّخِذُوا۟ عِبَادِى مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلًۭا ١٠٢ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ١٠٤ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا ١٠٥ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا۟ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَرُسُلِى هُزُوًا ١٠٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عن ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ ﴿ أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أولِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلا ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أعْيُنُهُمْ" كِنايَةٌ عَنِ البَصائِرِ؛ لِأنَّ عَيْنَ الجارِحَةِ لا نِسْبَةَ بَيْنِها وبَيْنَ الذِكْرِ، والمَعْنى: الَّذِينَ فِكْرُهم بَيْنَها وبَيْنَ ذِكْرِي والنَظَرِ في شَرْعِي حِجابٌ وعَلَيْها غِطاءٌ، ثُمَّ قالَ: إنَّهم كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، يُرِيدُ: لِإعْراضِهِمْ ونِفارِهِمْ عن دَعْوَةِ الحَقِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أفَحَسِبَ الَّذِينَ" بِكَسْرِ السِينِ، بِمَعْنى: أظَنُّوا، وقَرَأ عَلِيُّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -بِخِلافِ عنهُ- "أفَحَسِبَ الَّذِينَ" بِسُكُونِ السِينِ وضَمِّ الباءِ، بِمَعْنى: أكافِيهِمْ ومُنْتَهى غَرَضُهُمْ؟

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا"، وهَذِهِ حُجَّةٌ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: يُرِيدُ كُلَّ مَن عُبِدَ مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، كالمَلائِكَةِ، وعُزَيْرِ، وعِيسى، فَيَدْخُلُ في ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بَعْضُ العَرَبِ واليَهُودُ والنَصارى، والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَظَنِّهِمْ، بَلْ لَيْسَ لَهم مِن وِلايَةِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ شَيْءٌ، ولا يَجِدُونَ عِنْدَهم مُنْتَفِعًا.

و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: يَسَّرْنا، و"النُزُلُ": مَوْضِعُ النُزُولِ، و"النُزُلُ" أيْضًا: ما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ والقادِمُ مِنَ الطَعامِ عِنْدَ نُزُولِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآيَةِ هَذا المَعْنى، إنَّ المُعَدَّ لَهم بَدَلَ النُزُولِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ الشاعِرُ: تَحِيَّةٌ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ-: هَلْ نُخْبِرُكم بِالَّذِينِ خَسِرُوا عَمَلَهم وضَلَّ سَعْيِهِمْ في الحَياةِ الدُنْيا، وهم -مَعَ ذَلِكَ- يَظُنُّونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ فِيما يَصْنَعُونَهُ؟

فَإذا طَلَبُوا ذَلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "قُلْ سَنُنْبِئُكُمْ"، وهَذِهِ صِفَةُ المُخاطَبِينَ مِن كَفّارِ العَرَبِ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، و"حَبِطَتْ" مَعْناهُ: بَطَلَتْ، و"أعْمالُهُمْ" يُرِيدُ: يُرِيدُ ما كانَ لَهم مِن عَمَلِ خَيْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ لا حَسَنَةَ لَهم تُوزَنُ في مَوازِينِ القِيامَةِ، ومَن لا حَسَنَةَ لَهُ فَهو في النارِ لا مَحالَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَجازَ والِاسْتِعارَةَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا قَدْرَ لَهم عِنْدَنا يَوْمَئِذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا مَعْنى الآيَةِ عِنْدِي، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ  قالَ: « "يُؤْتى بِالأكُولِ الشَرُوبِ الطَوِيلِ فَلا يَزِنُ بَعُوضَةً"،» ثُمَّ قَرَأ: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "أعْمالًا"، ثُمَّ قالَ: هم ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هم عُبّادُ اليَهُودِ والنَصارى وأهْلُ الصَوامِعِ والدِياراتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هُمُ الخَوارِجُ.

وهَذا إنْ صَحَّ عنهُ فَهو عَلى جِهَةِ مِثالٍ فِيمَن ضَلَّ سَعْيُهُ في الحَياةِ الدُنْيا وهو يَحْسَبُ أنَّهُ مُحْسِنٌ.

ورُوِيَ أنَّ ابْنَ الكِواءِ سَألَهُ عَنِ "الأخْسَرِينَ أعْمالًا" فَقالَ لَهُ: أنْتَ وأصْحابُكَ، ويُضْعِفُ هَذا كُلَّهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ ﴾ ، ولَيْسَ مِن هَذِهِ الطَوائِفِ مَن يَكْفُرُ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى، وإنَّما هَذِهِ صِفَةُ مُشْرِكِي عَبَدَةِ الأوثانِ، فاتَّجَهَ بِهَذا ما قُلْناهُ أوَّلًا، وعَلِيٌّ وسَعْدٌ رَضِيَ اللهُ عنهُما ذَكَرا قَوْمًا أُخِذُوا بِحَظِّهِمْ مِن صَدْرِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: "أعْمالًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَحَبَطَتْ" بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَمالِ: "فَحَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةِ، والحَسْنُ، وأبُو عَمْرُو، ونافِعٌ، والناسُ: "فَلا نُقِيمُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وَقَرَأ مُجاهِدٌ: "فَلا يُقِيمُ" بِياءِ الغائِبِ، يُرِيدُ: فَلا يُقِيمُ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فَلا يَقُومُ"، ويَلْزَمُهُ أنْ يَقْرَأ: "وَزْنٌ"، وكَذَلِكَ قَرَأ مُجاهِدٌ "فَلا يَقُومُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى تَرْكِ إقامَةِ الوَزْنِ، و"جَزاؤُهُمْ" خَبَرُ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ: "ذَلِكَ"، وقَوْلُهُ: "جَهَنَّمُ" بَدَلٌ مِنهُ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما كَفَرُوا ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ.

و"الهَزْءُ": الِاسْتِخْفافُ والسُخْرِيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ١٠٧ خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا ١٠٨ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًۭا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِۦ مَدَدًۭا ١٠٩ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ١١٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلا ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عنها حِوَلا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ لِما فَرَغَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ والأخْسَرِينَ أعْمالًا عَقَّبَ بِذِكْرِ حالَةِ المُؤْمِنِينَ لِيَظْهَرَ التَبايُنُ، وفي هَذا بَعْثُ النُفُوسِ عَلى اتِّباعِ الحَسَنِ القَوِيمِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "الفِرْدَوْسِ"، فَقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ أعْلى الجَنَّةِ ورَبْوَتُها، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّهُ جَبَلٌ تَنْفَجِرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: إنَّهُ سُرَّةُ الجَنَّةِ ووَسَطُها، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ يَتَفَجَّرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: إنَّهُ جَنّاتُ الكُرُومِ والأعْنابِ خاصَّةً مِنَ الثِمارِ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ، واسْتَشْهَدَ قَوْمٌ لِذَلِكَ بُقُولِ أُمِّيَّةِ بْنِ أبِي الصَلْتِ: كانَتْ مَنازِلُهم إذْ ذاكَ ظاهِرَةٌ ∗∗∗ فِيها الفَرادِيسُ والفُومانُ والبَصَلُ وَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّ الفِرْدَوْسَ سُرْيانِيَّةٌ، وقِيلَ: رُومِيَّةٌ، ولَمْ يُسْمَعْ بِالفِرْدَوْسِ في كَلامِ العَرَبِ إلّا في بَيْتِ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: وإنَّ ثَوابَ اللهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ جَنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ فِيها يُخَلَّدُ ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إذا سَألْتُمُ اللهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ"،» وقالَتْ فَرِقْةٌ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِالرُومِيَّةِ.

وهَذا اقْتِضابُ القَوْلِ في "الفِرْدَوْسِ" وعُيُونُ ما قِيلَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نُزُلًا" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ قَدَّمْناهُما قَبْلُ.

و"الحِوَلُ" بِمَعْنى: التَحَوُّلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: مُتَحَوَّلًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِكُلِّ دَوْلَةٍ أجْلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثُمَّ يُتاحُ لَها حِوَلُ وكَأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وكَأنَّ واحِدَهُ حِوالَةٌ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ الزَجّاجُ عن قَوْمٍ: هو بِمَعْنى الحِيلَةِ في الشُغْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ مُتَكَلَّفٌ.

وأُمًّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا ﴾ الآيَةُ، فَرُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ «أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ  كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلِّها ومَبْعُوثٌ إلَيْها، وأنَّكَ أُعْطِيتَ ما يَحْتاجُهُ الناسُ مِنَ العِلْمِ، وأنْتَ مُقَصِّرٌ قَدْ سُئِلْتَ في الرُوحِ ولَمْ تُجِبْ فِيهِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةً بِاتِّساعِ مَعْلُوماتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وأنَّ الوُقُوفَ دُونَها لَيْسَ بِبِدَعٍ ولا نُكُرٍ، فَعَبَّرَ عن هَذا بِتَمْثِيلِ ما يَسْتَكْثِرُونَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي ﴾ .

و"الكَلِماتُ" هي المَعانِي القائِمَةُ بِالنَفْسِ، وهي المَعْلُوماتُ، ومَعْلُوماتُ اللهِ سُبْحانُهُ لا تَتَناهى، والبَحْرُ مُتَناهٍ ضَرُورَةً.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَنْفَدُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عَبِيدِ: "يَنْفَدُ" بِالياءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مَصْرِفٍ: "قَبْلَ أنْ تُقْضى كَلِماتُ رَبِّي".

وقَوْلُهُ: "مِدادًا" أيْ: زِيادَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِدادًا"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "مِدادًا"، فالمَعْنى: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا تُكْتَبُ بِهِ مَعْلُوماتُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَنَفِدَ قَبْلَ أنْ يَسْتَوْفِيَها، وكَذَلِكَ إلى ما شِئْتَ مِنَ العَدَدِ؛ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم لَمْ أُعْطَ إلّا ما أُوحِيَ إلَيَّ وكُشِفَ لِي، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَنْفَدُ) بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: إنَّما أنا بَشَرٌ يَنْتَهِي عِلْمِي إلى حَيْثُ يُوحى إلَيَّ، ومُهِمٌّ ما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ، وكانَ كُفْرُهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ فَلِذَلِكَ خُصِّصَ هَذا الفَصْلُ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ أخَذَ في المَوْعِظَةِ والوَصايا البَيِّنَةِ الرُشْدِ.

و"يَرْجُوا" عَلى بابِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَرْجُو": يَخافُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا إذِ المَقْصَدُ: مِمَّنْ كانَ يُؤْمِنُ بِلِقاءِ رَبِّهِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِلِقاءِ رَبِّهِ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ بِحالَتِي خَوْفٍ ورَجاءٍ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالخَوْفِ كانَ المَعْنى تامًّا عَلى جِهَةِ التَخْوِيفِ والتَحْذِيرِ، وإذا عَبَّرَ بِالرَجاءِ فَعَلى جِهَةِ الإطْماعِ وبَسْطِ النُفُوسِ إلى إحْسانِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أيْ: مَن كانَ يَرْجُوا النَعِيمَ المُؤَبَّدَ مِن رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ في الشِرْكِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِها: لا يُرائِي في عَمَلِهِ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ أنَّها نَزَلَتْ في الرِياءِ حِينَ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ  عَمَّنْ يُجاهِدُ ويَحْمَدُهُ الناسُ.

وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: هَذِهِ آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده