الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 18 الكهف > الآيات ٣٠-٣١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى، مُذَكِّرٌ بِأفْضالِ اللهِ تَعالى، مُنَبِّهٌ عَلى حُسْنِ جَزائِهِ، بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ ﴾ ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، جُمْلَةٌ هي خَبَرُ "إنَّ" الأُولى، ونَحْوَ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ -إنَّ اللهَ ألْبَسَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ -بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ قالَ الزَجاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ ؛ لِأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا نُضِيعُ أجْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نُضِيعُ ﴾ عَلى حَذْفِ العائِدِ، تَقْدِيرُهُ: مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهم.
و"العَدْنُ": الإقامَةُ، ومِنهُ المَعْدِنُ؛ لِأنَّ حَجَرَهُ مُقِيمٌ فِيهِ ثابِتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن تَحْتِهِمُ ﴾ يُرِيدُ: مِن تَحْتِ غُرَفِهِمْ ومَبانِيهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن أساوِرَ"، ورَوى أبانَ عن عاصِمٍ: "مِن أسْوِرَةٍ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِزِيادَةِ هاءٍ، وواحِدَهُ الأساوِرِ: إسْوارٌ وحُذِفَتِ الياءُ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ البابَ: أساوِيرُ، وهي ما كانَ في الذِراعِ مِنَ الحُلِيِّ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارِ، وإنَّما الإسْوارُ بِالفارِسِيَّةِ القائِدُ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ في حُلِيِّ الذِراعِ: إسْوارٌ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: واللهِ لَوْلا فِتْيَةٌ صِغارُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّما وجُوهُهم أقْمارُ تَضُمُّهم مِنَ العَتِيكِ دارُ ∗∗∗ ∗∗∗ أخافُ أنْ يُصِيبَهم إقْتارُ أو لاطِمٌ لَيْسَ لَهُ إسْوارُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِما رَآنِي مَلِكٌ جَبّارُ بِبابِهِ ما وضَحَ النَهارُ أنْشَدَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ حاشِيَةً في كِتابٍ أبِي عُبَيْدَةَ.
و"السُنْدُسُ": رَقِيقُ الدِيباجِ، و"الإسْتَبْرَقُ": ما غَلُظَ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي لَفْظَةٌ أعْجَمِيَّةٌ عُرِّبَتْ، وأصْلُها: اسْتَبَرَهُ، وقالَ بَعْضُهم بَلْ هو الفِعْلُ العَرَبِيُّ سُمِّيَ بِهِ، فَهو إسْتَبْرَقٌ، مِنَ البَرِيقِ، فَغُيِّرَ حِينِ سُمِّيَ بِهِ بِقَطْعِ الألْفِ، ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ أنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ قَرَأ: "مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ"، فَجاءَ مَوْصُولُ الهَمْزَةِ حَيْثُ وقَعَ، ولا يَجُرُّهُ بَلْ بِفَتْحِ القافِ، ذَكَرَهُ الأسْوارِيُّ، وذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وقالَ: هَذا سَهْوٌ أو كالسَهْوِ.
و"الأرائِكِ": جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهو السَرِيرُ في الحِجالِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَحَسُنَتْ" لِلْجَنّاتِ، وحَكى النَقاشُ عن أبِي عُمْرانَ الجَوْنِي أنَّهُ قالَ: الإسْتَبْرَقُ: الحَرِيرُ المَنسُوجُ بِالذَهَبِ، وحَكى مَكِّيُّ والزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُما حَدِيثًا مُضَمَّنُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، سَألَ أعْرابِيٌّ رَسُولَ اللهِ عَنِ الآيَةِ، فَقالَ النَبِيُّ لِلْأعْرابِيِّ: "أعْلِمْ قَوْمَكَ أنَّها نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ" وهم حُضُورٌ.
<div class="verse-tafsir"