تفسير سورة البقرة الآيات ١٠٥-١٠٦ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 2 البقرة > الآيات ١٠٥-١٠٦

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ١٠٥ ۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١٠٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 19 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أو مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ التَقْدِيرُ: ولا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ أجْناسَهم مِنَ اليَهُودِ والنَصارى وعَبَدَةِ الأوثانِ، لِيَبِينَ في الألِفِ واللامِ في "الَّذِينَ" أنَّها لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما أمَرْناكم بِهِ مِن أنْ تُعَظِّمُوا نَبِيَّكم خَيْرٌ مِنَ اللهِ مَنحُكم إيّاهُ، وذَلِكَ لا يَوَدُّهُ الكُفّارُ، ثُمَّ يَتَناوَلُ اللَفْظُ كُلَّ خَيْرٍ غَيْرَ هَذا، و"أنْ" مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، و"مِن" زائِدَةٌ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، ولَمّا كانَ وُدُّ نُزُولِ الخَيْرِ مُنْتَفِيًا قامَ ذَلِكَ مَقامَ الجَحْدِ الَّذِي يَلْزَمُ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنَ الزائِدَةُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وأمّا الأخْفَشُ فَيُجِيزُ زِيادَتَها في الواجِبِ.

وقالَ قَوْمٌ: "مِن" لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْرِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، ولَوْ زالَ مَعْنى التَبْعِيضِ لَساغَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُرِيدُ ألّا يُنَزَّلَ خَيْرٌ كامِلٌ، ولا نَكْرَهُ أنْ يَنَزَّلَ بَعْضٌ، فَإذا نُفِيَ وُدُّ نُزُولِ البَعْضِ فَذَلِكَ أحْرى في نُزُولِ خَيْرٍ كامِلٍ.

والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عامَّةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِها الَّتِي قَدْ مَنَحَها اللهُ عِبادَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقالَ قَوْمٌ: الرَحْمَةُ هي القُرْآنُ، وقالَ قَوْمٌ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ  ، وهَذِهِ أجْزاءُ الرَحْمَةِ العامَّةِ الَّتِي في لَفْظِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها ﴾ الآيَةُ، النَسْخُ -فِي كَلامِ العَرَبِ - عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما النَقْلُ، كَنَقْلِ كِتابٍ مِن آخَرَ، والثانِي الإزالَةُ، فَأمّا الأوَّلُ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ، وأمّا الثانِي الَّذِي هو الإزالَةُ فَهو الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، وهو مُنْقَسِمٌ في اللُغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما يُثْبِتُ الناسِخَ بَعْدَ المَنسُوخِ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الشَمْسُ الظِلَّ، والآخَرُ لا يُثْبِتُ كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الرِيحُ الأثَرَ.

وَوَرَدَ النُسَخُ في الشَرْعِ حَسَبَ هَذَيْنَ الضَرْبَيْنِ.

والناسِخُ حَقِيقَةٌ هو اللهُ تَعالى، ويُسَمّى الخِطابُ الشَرْعِيُّ ناسِخًا إذْ بِهِ يَقَعُ النَسْخُ.

وحَدُّ الناسِخِ عِنْدَ حُذّاقِ أهْلِ السُنَّةِ الخِطابُ الدالُّ عَلى ارْتِفاعِ الحُكْمِ الثابِتِ بِالخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى وجْهٍ لَوْلاهُ لَكانَ ثابِتًا مَعَ تَراخِيهِ عنهُ.

والنَسْخُ جائِزٌ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، لِأنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ عنهُ مُحالٌ، ولا تَغْيِيرُ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، ولَيْسَتِ الأوامِرُ مُتَعَلِّقَةً بِالإرادَةِ فَيَلْزَمُ مِنَ النَسْخِ أنَّ الإرادَةَ تَغَيَّرَتْ، ولا النَسْخَ لِطُرُوِّ عِلْمٍ، بَلِ اللهُ تَعالى يَعْلَمُ إلى أيِّ وقْتٍ يَنْتَهِي أمْرُهُ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، ويَعْلَمُ نَسْخَهُ بِالثانِي.

والبَداءُ لا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا لِطُرُوِّ عِلْمٍ أو لِتَغَيُّرِ إرادَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ في جِهَةِ اللهِ تَعالى.

وجَعَلَتِ اليَهُودُ النَسْخَ والبَداءَ واحِدًا، ولِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزُوهُ فَضَلُّوا.

والمَنسُوخُ عِنْدَ أئِمَّتِنا: الحُكْمُ الثابِتُ نَفْسُهُ، لا ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ مِثْلُ الحُكْمِ الثابِتِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، والَّذِي قادَهم إلى ذَلِكَ مَذْهَبُهم في أنَّ الأوامِرَ مُرادَةٌ، وأنَّ الحَسَنَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِلْحُسْنِ، ومُرادُ اللهِ تَعالى حَسَنٌ، وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّ الأوامِرَ لا تَرْتَبِطُ بِالإرادَةِ، وعَلى أنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ في الأحْكامِ إنَّما هو مِن جِهَةِ الشَرْعِ لا بِصِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ.

والتَخْصِيصُ مِنَ العُمُومِ يُوهِمُ أنَّهُ نَسْخٌ ولَيْسَ بِهِ، لِأنَّ المُخَصَّصَ لَمْ يَتَناوَلْهُ العُمُومُ قَطُّ، ولَوْ ثَبَتَ قَطْعًا تَناوُلُ العُمُومِ لِشَيْءٍ ما ثُمَّ أُخْرِجَ ذَلِكَ الشَيْءُ عَنِ العُمُومِ لَكانَ نَسْخًا لا تَخْصِيصًا، والنَسْخُ لا يَجُوزُ في الإخْبارِ، وإنَّما هو مُخْتَصٌّ بِالأوامِرِ والنَواهِي، ورَدَّ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ الأمْرَ خَبَرًا بِأنْ قالَ: ألَيْسَ مَعْناهُ: واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا كَذا؟

فَهَذا خَبَرٌ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: إنْ في ضِمْنِ المَعْنى إلّا أنْ أنْسَخَهُ عنكم وأرْفَعَهُ، فَكَما تَضَمَّنَ لَفْظُ الأمْرِ ذَلِكَ الإخْبارَ، كَذَلِكَ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْتِثْناءَ.

وصُوَرُ النُسَخِ تَخْتَلِفُ: وقَدْ يُنْسَخُ الأثْقَلُ إلى الأخَفِّ، كَنَسْخِ الثُبُوتِ لِعَشَرَةٍ بِالثُبُوتِ لِاثْنَيْنِ.

وقَدْ يُنْسَخُ الأخَفُّ إلى الأثْقَلِ كَنَسْخِ يَوْمِ عاشُوراءَ والأيّامِ المَعْدُودَةِ بِرَمَضانَ.

وقَدْ يُنْسَخُ المَثَلُ بِمِثْلِهِ ثِقَلًا وخِفَّةً، كالقُبْلَةِ.

وقَدْ يُنْسَخُ الشَيْءُ لا إلى بَدَلٍ، كَصَدَقَةِ النَجْوى.

والنَسْخُ التامُّ أنْ تُنْسَخَ التِلاوَةُ والحُكْمُ، وذَلِكَ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كُنّا نَقْرَأُ "لا تَرْغَبُوا عن آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ.

وَقَدْ تُنْسَخُ التِلاوَةُ دُونَ الحُكْمِ، كَآيَةِ الرَجْمِ.

وقَدْ يُنْسَخُ الحُكْمُ دُونَ التِلاوَةِ، كَصَدَقَةِ النَجْوى، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا  ﴾ ، والتِلاوَةُ والحُكْمُ حُكْمانِ، فَجائِزٌ نَسْخُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، ويُنْسَخُ القُرْآنُ بِالقُرْآنِ، والسُنَّةُ بِالسُنَّةِ، وهَذِهِ العِبارَةُ يُرادُ بِها الخَبَرُ المُتَواتِرُ القَطْعِيُّ، ويُنْسَخُ خَبَرُ الواحِدِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهَذا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وحُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يُنْسَخُ بِالسُنَّةِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ  : «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، وهو ظاهِرُ مَسائِلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وأبى ذَلِكَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، والحُجَّةُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ إسْقاطُهُ الجَلْدَ في حَدِّ الزِنى عَنِ الثَيِّبِ الَّذِي يُرْجَمُ، فَإنَّهُ لا مَسْقَطَ لِذَلِكَ إلّا السُنَّةُ، فِعْلُ النَبِيِّ  .

وكَذَلِكَ حُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ السُنَّةَ تُنْسَخُ بِالقُرْآنِ.

وذَلِكَ مَوْجُودٌ في القِبْلَةِ، فَإنَّ الصَلاةَ إلى الشامِ لَمْ تَكُنْ قَطُّ في كِتابِ اللهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ  ﴾ فَإنَّ رُجُوعَهُنَّ إنَّما كانَ بِصُلْحِ النَبِيِّ  لِقُرَيْشٍ.

والحُذّاقُ عَلى تَجْوِيزِ نَسْخِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ عَقْلًا، واخْتَلَفُوا هَلْ وقَعَ شَرْعًا؟

فَذَهَبَ أبُو المَعالِي، وغَيْرُهُ إلى وُقُوعِهِ في نازِلَةِ مَسْجِدِ قِباءٍ، في التَحَوُّلِ إلى القِبْلَةِ، وأبى ذَلِكَ قَوْمٌ.

وَلا يَصِحُّ نَسْخُ نَصٍّ بِقِياسٍ، إذْ مِن شُرُوطِ القِياسِ ألّا يُخالِفَ نَصًّا، وهَذا كُلُّهُ في مُدَّةِ النَبِيِّ  .

وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ واسْتِقْرارِ الشَرْعِ فَأجْمَعَتِ الأُمَّةُ أنَّهُ لا نَسْخَ، ولِهَذا كانَ الإجْماعُ لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ، لِأنَّهُ إنَّما يَنْعَقِدُ بَعْدَ النَبِيِّ  ، فَإذا وجَدْنا إجْماعًا يُخالِفُ نَصًّا فَنَعْلَمُ أنَّ الإجْماعَ اسْتَنَدَ إلى نَصٍّ ناسِخٍ لا نَعْلَمُهُ نَحْنُ.

وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: النَسْخُ الثابِتُ مُتَقَرِّرٌ في جِهَةِ كُلِّ أحَدٍ، عَلِمَ الناسِخَ أو لَمْ يَعْلَمْهُ، والَّذِي عَلَيْهِ الحُذّاقُ أنَّهُ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ الناسِخُ فَهو مُتَعَبِّدٌ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، فَإذا بَلَغَهُ الناسِخُ طَرَأ عَلَيْهِ حُكَمُ النَسْخِ.

والحُذّاقُ عَلى جَوازِ نَسْخِ الحُكْمِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وهو مَوْجُودٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قِصَّةِ الذَبِيحِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ما نَنْسَخُ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن نَسَخَ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "نُنْسِخُ"، بِضَمِّ النُونِ مِن أنْسَخَ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَتْ لُغَةً لِأنَّهُ لا يُقالُ: نُسِخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى، ولا هي لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ المَعْنى يَجِيءُ: ما نَكْتُبُ مِن آيَةٍ، أيْ ما نَنْزِلُ فَيَجِيءُ القُرْآنُ كُلُّهُ عَلى هَذا مَنسُوخًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، كَما تَقُولُ: أحَمَدْتَ الرَجُلَ وأبْخَلَتَهُ بِمَعْنى وجَدْتَهُ مَحْمُودًا أو بَخِيلًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ نَجِدُهُ مَنسُوخًا إلّا بِأنْ نَنْسَخْهُ فَتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفَتا في اللَفْظِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ خَرَّجَ قِرَأةُ هَذِهِ القِراءَةِ المَعْنى عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَكْتُبُ ونُنْزِلُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، أو ما نُؤَخِّرُ فِيهِ ونَتْرُكُ فَلا نُنْزِلُهُ أيْ ذَلِكَ فِعْلُنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المُؤَخَّرِ المَتْرُوكِ أو بِمِثْلِهِ، فَيَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدِينَ عَلى الضَمِيرِ في "نَنْسَأْها".

والمَعْنى الآخَرُ: أنْ يَكُونَ نَنْسَخُ مِنَ النَسْخِ بِمَعْنى الإزالَةِ، ويَكُونَ التَقْدِيرُ: ما نَنْسَخُكَ أيْ نُبِيحُ لَكَ نَسْخَهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَها اللهُ أباحَ لِنَبِيِّهِ تَرْكَها بِذَلِكَ النَسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا.

و"ما" شَرْطِيَّةٌ، وهي مُفَعُولَةٌ بـِ "نَنْسَخْ"، و"نَنْسَخْ" جُزِمَ بِالشَرْطِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: "نُنْسِها" فَقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجُمْهُورُ مِنَ الناسِ "نَنْسَها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وكَسْرِ السِينِ، وتَرْكِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ مِن أنْسى المَنقُولِ مِن نَسِيَ، وقَرَأتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّها هَمَزَتْ بَعْدَ السِينِ، فَهَذِهِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: أنْسَأْتُ الدَيْنَ وغَيْرَهُ أنُسْؤُهُ إنْساءً إذا أخَّرْتُهُ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "أو نَنْسَها" بِفَتْحِ النُونِ الأولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وفَتْحِ السِينِ، وهَذِهِ بِمَعْنى التَرْكِ، ذَكَرَها مَكِّيٌّ ولَمْ يَنْسِبْها، وذَكَرَها أبُو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في كِتابِ "اللَآلِي" عن سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأراهُ وهم.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ "أو تَنْسَها" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ  ، ونُونٍ بَعْدَها ساكِنَةٍ، وفَتْحِ السِينِ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ، فَقِيلَ لِسَعْدٍ: إنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبَ يَقْرَؤُها بِنُونٍ أُولى مَضْمُومَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، فَقالَ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى المُسَيِّبِ ولا عَلى آلِ المُسَيِّبِ، وتَلا: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى  ﴾ ، ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ  ﴾ .

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ - فِيما ذَكَرَ عنهُ أيْضًا - "أو تُنْسَها" بِضَمِّ التاءِ أوَّلًا وفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ النُونِ بَيْنَهُما، وهَذِهِ مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وأبُو رَجاءٍ "نُنَسِّها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهَذِهِ أيْضًا مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "نَنْسَأْها" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وأُخْرى بَعْدَها ساكِنَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وألِفٍ بَعْدَها مَهْمُوزَةٍ، وهَذِهِ مِنَ التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ أنُسَؤُها نَسْأً، أيْ أخَّرْتُها، وكَذَلِكَ يُقالُ: أنْسَأ الإبِلَ إذا زادَ في ظَمَئِها يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ أو أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، بِمَعْنى أخَّرَها عَنِ الوِرْدِ.

وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا أنَّها بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلًا عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ  وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ مِثْلَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التاءَ أوَّلًا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "أو نُنْسِكَ" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ وكافٍ مُخاطَبَةٍ، وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ "أو نُنْسِكَها" مِثْلَ قِراءَةِ أُبَيٍّ إلّا أنَّهُ زادَ ضَمِيرَ الآيَةِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أو نَنْسَخْها نَجِيءُ بِمِثْلِها"، وهَكَذا ثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءاتُ لا تَخْلُو كُلُّ واحِدَةٍ مِنها أنْ تَكُونَ مِنَ النَسْءِ أوِ الإنْساءِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، أو تَكُونُ مِنَ النِسْيانِ.

والنِسْيانُ في كَلامِ العَرَبِ يَجِيءُ في الأغْلَبِ ضِدَّ الذِكْرِ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى التَرْكِ، فالمَعانِي الثَلاثَةُ مَقُولَةٌ في هَذِهِ القِراءاتِ، فَما كانَ مِنها يَتَرَتَّبُ في لَفْظَةِ النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ.

فَمَعْنى الآيَةِ: ما نَنْسَخُ مِن آيَةٍ أو نُقَدِّرُ نِسْيانَكَ لَها فَتَنْساها حَتّى تَرْتَفِعَ جُمْلَةً وتَذْهَبَ، فَإنّا نَأْتِي بِما هو خَيْرٌ مِنها لَكم أو مِثْلِهِ في المَنفَعَةِ.

وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَرْكِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها أرْبَعَةُ مَعانٍ: أحَدُها: ما نَنْسَخُ -عَلى وُجُوهِ النُسَخِ- أو نَتْرُكُ غَيْرَ مُنَزَّلٍ عَلَيْكَ فَإنّا لا بُدَّ أنْ نَنْزِلَ -رِفْقًا بِكُمْ- خَيْرًا مِن ذَلِكَ أو مِثْلَهُ، حَتّى لا يَنْقُصَ الدِينُ عن حَدِّ كَمالِهِ.

والمَعْنى الثانِي: أو نَتْرُكَ تِلاوَتَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا حُكْمَهُ- فَيَجِيءُ النَسْخُ عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ.

والمَعْنى الثالِثُ: أو نَتْرُكُ حُكْمَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا تِلاوَتَهُ- فالنُسَخُ أيْضًا عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ، والمَعْنى الرابِعُ: أو نَتْرُكُها غَيْرَ مَنسُوخَةِ الحُكْمِ ولا التِلاوَةِ، فالنَسْخُ عَلى هَذا المَعْنى هو عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ.

ويَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدَيْنَ عَلى المَنسُوخَةِ فَقَطْ، وكَأنَّ الكَلامَ: إنْ نَسَخْنا أو أبْقَيْنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المَنسُوخَةِ أو مِثْلِها، وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَأْخِيرِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها المَعانِي الأرْبَعَةُ الَّتِي في التَرْكِ أوَّلُها: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُ إنْزالَهُ.

والثانِي: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ حُكْمَهُ وإنْ أبْقَيْنا تِلاوَتَهُ.

والثالِثُ: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ تِلاوَتَهُ وإنْ أبْقَيْنا حُكْمَهُ.

والرابِعُ: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُهُ مُثْبَتًا لا نَنْسَخُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرانِ كَما ذَكَرْنا في التَرْكِ.

وبَعْضُ هَذِهِ المَعانِي أقْوى مِن بَعْضٍ، لَكِنْ ذَكَرْنا جَمِيعَها لِأنَّها تُحْتَمَلُ، وقَدْ قالَ جَمِيعَها العُلَماءُ، إمّا نَصًّا، وإمّا إشارَةً فَكَمَّلْناها.

وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ القِراءَةَ "أو نُنْسَها" بِضَمِّ النُونِ وسُكُونِ الثانِيَةِ وكَسْرِ السِينِ لا يَتَوَجَّهُ فِيها مَعْنى التَرْكِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ: أنْسى بِمَعْنى تَرَكَ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مُتَّجَهٌ، لِأنَّهُ بِمَعْنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكُها وكَذَلِكَ ضَعَّفَ الزَجّاجُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ  ، ولا نَسِيَ قُرْآنًا.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ وقَعَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُرْفَعَ الآيَةُ بِنَسْخٍ، أو بِتَنْسِئَةٍ، واحْتَجَّ الزَجّاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ  ﴾ أيْ لَمْ نَفْعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى إزالَةِ النِعْمَةِ كَما تَوَعَّدَ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ القَوْلَ عن أقْدَمَ مِنَ الزَجّاجِ ورَدَ عَلَيْهِ، والصَحِيحُ في هَذا أنَّ نِسْيانَ النَبِيِّ  لِما أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَنْساهُ -وَلَمْ يُرِدْ أنْ يُثْبِتَ قُرْآنًا- جائِزٌ.

فَأمّا النِسْيانُ الَّذِي هو آفَةٌ في البَشَرِ فالنَبِيُّ  مَعْصُومٌ مِنهُ قَبْلَ التَبْلِيغِ وبَعْدَ التَبْلِيغِ ما لَمْ يَحْفَظْهُ أحَدٌ مِنَ الصِحابِهِ، وأمّا بَعْدَ أنْ يَحْفَظَ فَجائِزٌ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلى البَشَرِ، لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ وأدّى الأمانَةَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «حِينَ أسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَلاةِ قالَ: أفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟

قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟

قالَ: حَسِبْتُ أنَّها رُفِعَتْ.

فَقالَ النَبِيُّ  : لَمْ تُرْفَعْ، ولَكِنِّي نَسِيتُها» " ولَفْظَةُ خَيْرٍ في الآيَةِ صِفَةٌ تَفْضِيلٍ، والمَعْنى: بِأنْفَعَ لَكم أيُّها الناسُ في عاجِلٍ إنْ كانَتِ الناسِخَةُ أخَفَّ، وفي آجِلٍ إنْ كانَتْ أثْقَلَ، وبِمِثْلِها إنْ كانَتْ مُسْتَوِيَةً، وقالَ قَوْمٌ: "خَيْرٌ" في الآيَةِ مَصْدَرٌ، و"مَن" لِابْتِداءِ الغايَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا القَوْلُ لِقَوْلُهُ تَعالى: "أو مِثْلِها"، إلّا أنْ يُعْطَفَ المِثْلُ عَلى الضَمِيرِ في مِنها دُونَ إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ ﴾ ، ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَقْرِيرُ، والتَقْرِيرُ مُحْتاجٌ إلى مُعادِلٍ كالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، فالمُعادِلُ هُنا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ ﴿ أمْ تُرِيدُونَ  ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ: "أمْ هُنا" مُنْقَطِعَةٌ، فالمُعادِلُ عَلى قَوْلِهِمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أمْ عَلِمْتُمْ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ القَصْدَ بِمُخاطَبَةِ النَبِيِّ  مُخاطَبَةَ أُمَّتِهِ، وأمّا إنْ كانَ هو المُخاطَبُ وحْدَهُ فالمُعادِلُ مَحْذُوفٌ لا غَيْرَ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ.

ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يَنْسَخُ ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ في أحْكامِهِ ما يَشاءُ، هو قَدِيرٌ عَلى ذَلِكَ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ.

وهَذا لِإنْكارِ اليَهُودِ النُسَخُ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ الخُصُوصُ إذْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الصِفاتُ القَدِيمَةُ بِدَلالَةِ العَقْلِ ولا المُحالاتُ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأشْياءَ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ المَوْجُودِ و"قَدِيرٌ" اسْمُ فاعِلٍ عَلى المُبالَغَةِ مِن "قَدَرَ" بِفَتْحِ العَيْنِ "يَقْدِرُ" بِكَسْرِها، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: قَدِرَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَقْدَرُ بِفَتْحِها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله