الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 88 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ) يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين ، الذين حذر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين ; ليقطع المودة بينهم وبينهم .
وينبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل ، الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث يقول تعالى : ( والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم )
القول في تأويل قوله تعالى : مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (ما يود)، ما يحب, أي: ليس يحب كثير من أهل الكتاب.
يقال منه: " ود فلان كذا يوده ودا وودا ومودة ".
* * * وأما " المشركين " (145) فإنهم في موضع خفض بالعطف على " أهل الكتاب ".
ومعنى الكلام: ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينـزل عليكم من خير من ربكم.
* * * وأما(أن) في قوله: (أن ينـزل) فنصب بقوله: (يود).
وقد دللنا على وجه دخول " من " في قوله: (من خير) وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون في أوله جحد، فيما مضى, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
(146) * * * فتأويل الكلام: ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان، أن ينـزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنـزله عليكم.
(147) فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينـزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته, وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين.
وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين, والاستماع من قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (والله يختص برحمته من يشاء): والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه, فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له.
و " اختصاصه " إياهم بها، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه.
وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه.
وكل ذلك رحمة من الله له.
* * * وأما قوله: (والله ذو الفضل العظيم).
فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه عليهم، من غير استحقاق منهم ذلك عليه.
* * * وفي قوله: (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، تعريض من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب: أن الذي آتى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من الهداية، تفضل منه, (148) وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه.
--------------------------- الهوامش: (145) في المطبوعة : "وأما المشركون" ، والصواب ما أثبت .
(146) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 126 ، 127 ، وكان ينبغي أن يذكره في تفسير الآية : 102 أو يحيل كما أحال هنا .
(147) كان في المطبوعة : "الذي كان عند الله ينزله عليهم" ، ولا يستقيم الكلام إلا كما أثبتنا .
(148) في المطبوعة : "تفضلا منه" ، وهو خطأ ، بل هذا خبر"أن" .
قوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيمقوله تعالى : ما يود أي ما يتمنى ، وقد تقدم .
الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين معطوف على " أهل " .
ويجوز : ولا المشركون ، تعطفه على الذين ، قاله النحاس .
أن ينزل عليكم من خير من زائدة ، خير اسم ما لم يسم فاعله .
وأن في موضع نصب ، أي بأن ينزل .
والله يختص برحمته من يشاء قالعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : يختص برحمته أي بنبوته ، خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم .
وقال قوم : الرحمة القرآن .
وقيل : الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما [ ص: 60 ] وحديثا ، يقال : رحم يرحم إذا رق .
والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى ، قاله ابن فارس .
ورحمة الله لعباده : إنعامه عليهم وعفوه لهم .
والله ذو الفضل العظيم ذو بمعنى صاحب .
أخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين, أنهم ما يودون { أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ } أي: لا قليلا ولا كثيرا { مِنْ رَبِّكُمْ } حسدا منهم, وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه { ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ومن فضله عليكم, إنزال الكتاب على رسولكم, ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة, ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون, فله الحمد والمنة.
قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب} وذلك أن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفاؤهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ما هذا الذي تدعوننا إليه بخير مما نحنه فيه ولوددنا لو كان خيراً، فأنزل الله تكذيباً لهم: {ما يود الذين} أي ما يحب ويتمنى الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود.
{ولا المشركين} جره بالنسق على مِنْ {أن ينزل عليكم من خير من ربكمْ أي خير ونبوة، و(مِن) صلة.
{والله يختص برحمته} بنبوته.
{من يشاء والله ذو الفضل العظيم} والفضل ابتداء إحسان بلا علة.
وقيل: المراد بالرحمة الإسلام والهداية، وقيل: معنى الآية إن الله تعالى بعث الأنبياء من ولد إسحاق فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل لم يقع ذلك بود اليهود ومحبتهم فنزلت الآية، وأما المشركون فإنما لم تقع بودهم لأنه جاء بتضليلهم وعيب آلهتهم.
«ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين» من العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان «أن يُنَزَّلَ عليكم من» زائدة «خير» وحي «من ربكم» حسداً لكم «والله يختص برحمته» نبوته «من يشاء والله ذو الفضل العظيم»
ما يحب الكفار من أهل الكتاب والمشركين أن يُنزَّل عليكم أدنى خير من ربكم قرآنًا أو علمًا، أو نصرًا أو بشارة.
والله يختص برحمته مَن يشاء مِن عباده بالنبوة والرسالة.
والله ذو العطاء الكثير الواسع.
ثم نبه القرآن المؤمنين إلى ما يضمره لهم المشركون وأهل الكتاب وعلى رأسهم اليهود - من شرور وأحقاد فقال - تعالى :( مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ .
.
.
)( مَّا يَوَدُّ ) أي : ما يحب ، إذ الود محبة الشيء مع تمنيه ، يقال : ود فلان كذا يوده وداً ومودة بمعنى أحبه وتمناه .قال صاحب الكشاف : " ومن الأولى في الآية للبيان ، لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان ، أهل الكتاب والمشركون ، والثانية مزيدة لاستغراق الخير والثالثة لابتداء الغاية " .وقوله - تعالى - : ( مَّا يَوَدُّ ) .
.
إلخ الآية بيان لما يبيته الكافرون - خصوصاً اليهود - للمسلمين من حقد وكراهية وتحذير لهم من الاطمئنان إليهم ، والثقة بهم .وفي التعبير بقوله تعالى : ( مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب ) دون ما يود أهل الكتاب تنبيه إلى أنهم قد كفروا بكتبهم ، لأنهم لو كانوا مؤمنين بها لصدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أمرتهم كتبهم بصديقه واتباعه .وعطف عليهم المشركين ليدل على أن عبدة الأصنام - أيضاً - يضاهون كفرة أهل الكتاب ، في كراهة نزول أي خير على المؤمنين ، وأن الجميع يحسدونهم على ما آتاهم الله من فضله عن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم من دون قويم ، وقرآن كريم ، وهداية عظمى ، وأخوة شاملة ، وأمن بعد خنوف ، وقوة بعد ضعف .والخير : النعمة والفضل ، والمراد به في الآية الكريمة النبوة وما تبعها من الوحي الصادق ، والقرآن العظيم المشتمل على الحكمة الرائعة والحجة البالغة والبلاغة الباهرة والتوجيه النافع .وأهل الكتاب قد كرهوا ذلك للمؤمنين لعنادهم وحسدهم ، وكراهتهم أن تكون النبوة في رجل عربي ليس منهم .والمشركون كرهوا ذلك - أيضاً - لأن في انتشار الإِسلام ، وفي تنزيل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ما يخيب آمالهم في إبطال الدعوة الإِسلامية ، وإضعاف شوكتها والنصر على أتباعها .وقوله تعالى : ( والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ) .رد عليهم بما يكشف عن جهلهم وجهل جميع الحاسدين ، لأن الحاسد لغباوته يسخط على قدر الله ، ويعترض عليه لإِنعامه - سبحانه - على المحسود والله - تعالى - هو صاحب التصرف المطلق في الإِعطاء والمنع فكان من الواجب على هؤلاء الذين لا يودون أن ينزل أي خير على المؤمنين أن يريحوا أنفسهم من هذا العناء ، وأن يتحولوا عن ذلك الغباء ، لأن الله - تعالى - يهب خيره لمن يشاء .والاختصاص بالشيء : الانفراد به ، تقول : اختص فلان بكذا أي انفرد به ، ويستعمل متعدياً إلى المفعول به ، فتقول : اخصصت فلانا بكذا أي أفردته به وجعلته مقصوراً عليه .وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص في الآية الكريمة .وقدي - سبحانه - اختصاص رحمته بمن يشاء ليعلم الناس جميعاً ، أن إفراد بعض عباده بالرحمة منوط بمشيئته وحدها ، وليس لأحد كائناً من كان أي تأثير في ذلك .ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه .
أي : يختص برحمته من يشاء اختصاصه بها ، وهي تتناول النبوة .
والقرآن ، والنصر ، وكل ذلك مما لا يود الكافرون إنزاله على المؤمنين .وقوله تعالى : ( والله ذُو الفضل العظيم ) تذييل لما سبق أي كل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عنده - تعالى - يتفضل به عليهم ، وفي ذلك إشعار للحاسدين بأن يقلعوا عن حسدهم ، وتعريض باليهود وغيرهم ممن حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم على أن آتاه الله النبوة ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إني أصطفى للنبوة من أشاء من عبادي وهي لا تدرك بالأماني ، ولكني أهبها لمن هو أهل لها .وبذلك تكون الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين مما يبيته لهم الكافرون من حقد وبغضاء وبشرتهم بأن ما يبيتونه لن يضرهم ما داموا معتصمين بكتاب ربهم ، وسنة نبيهم .ثم انتقل القرآن إلى الحديث عن موضوع النسخ الذي أثار اليهود حوله الشبهات ، وجادلوا فيه النبي صلى الله عليه وسلم .لقد استنكر اليهود أن يبدل الله آية بآية ، أو حكماً بحكم ، وقالوا : ألا ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه ، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غداً ، ما هذا من شأن الأنبياء وما هذا القرآن إلا من كلام محمد ، يقوله من تلقاء نفسه ، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً .
واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر المؤمنين منهم فقال: ﴿ مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وهاهنا مسألتان: المسألة الأولى: من الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين ﴾ والثانية: مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة: لابتداء الغاية.
المسألة الثانية: الخير الوحي وكذلك الرحمة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ ﴾ المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي.
ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ ﴾ برسول الله والقرآن ﴿ واتقوا ﴾ الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين ﴿ لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ ﴾ .
وقرئ: ﴿ لَمَثْوَبَةٌ ﴾ ، كمشورة ومشورة ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنّ ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم.
فإن قلت: كيف أوثرت الجملة الإسمية على الفعلية في جواب لو؟
قلت: لما في ذلك من الدلالة على اثبات المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك، فإن قلت: فهلا قيل لمثوبة الله خير؟
قلت: لأن المعنى: لشيء من الثواب خير لهم.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ﴾ تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا.
ثم ابتدئ لمثوبة من عند الله خير.
كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقى عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله، أي راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهمه ونحفظه.
وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي (راعينا) فلما سمعوا بقول المؤمنين: راعنا.
افترصوه وخاطبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعنون به تلك المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأُمروا بما هو في معناها وهو ﴿ انظرنا ﴾ من نظره إذا انتظره.
وقرأ أُبيّ: ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرأ عبد الله بن مسعود: ﴿ راعونا ﴾ ، على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير: وقرأ الحسن: ﴿ راعناً ﴾ ، بالتنوين من الرعن وهو الهوج، أي لا تقولوا قولاً راعنا منسوباً إلى الرعن رعينّاً، كدارع ولابن لأنه لما أشبه قولهم: راعينا، وكان سبباً في السب اتصف بالرعن ﴿ واسمعوا ﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا، أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيداً عليهم ترك تلك الكلمة.
وروي: أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه.
فقالوا: أولستم تقولونها فنزلت.
﴿ وللكافرين ﴾ ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ من الأولى للبيان لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون؛ كقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين ﴾ [البينة: 1] والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية.
والخير الوحي، وكذلك الرحمة كقوله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ ر بِكَ ﴾ [الزخرف: 32] والمعنى: أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي ﴿ والله ﴾ يختصّ بالنبوة ﴿ مَن يَشَآء ﴾ ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ﴿ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ إشعار بأنّ إيتاء النبوّة من الفضل العظيم كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 87] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ ﴾ نَزَلَتْ تَكْذِيبًا لِجَمْعٍ مِنَ اليَهُودِ يُظْهِرُونَ مَوَدَّةَ المُؤْمِنِينَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَوَدُّونَ لَهُمُ الخَيْرَ.
والوُدُّ: مَحَبَّةُ الشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ، ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في كُلٍّ مِنهُما، ومِن لِلتَّبْيِينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مَفْعُولُ يَوَدُّ، ومِنَ الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ، وفُسِّرَ الخَيْرُ بِالوَحْيِ.
والمَعْنى أنَّهم يَحْسُدُونَكم بِهِ وما يُحِبُّونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنهُ وبِالعِلْمِ وبِالنُّصْرَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ ﴿ واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ يَسْتَنْبِئُهُ ويُعَلِّمُهُ الحِكْمَةَ ويَنْصُرُهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حُقٌّ ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ النُّبُوَّةَ مِنَ الفَضْلِ، وأنَّ حِرْمانَ بَعْضِ عِبادِهِ لَيْسَ لِضِيقِ فَضْلِهِ بَلْ لِمَشِيئَتِهِ وما عُرِفَ فِيهِ مِن حِكْمَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم} وبالتخفيف مكي وأبو عمرو {مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبِّكُمْ} من الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون والثانة مزيدة لاستغراق الحير والثالثة لابتداء الغاية والخير الوحي وكذلك الرحمة {والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحى والله يختص بالنبوة من يشاء {والله ذُو الفضل العظيم} فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم لما طعنوا في النسخ فقالوا ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غدا نزل
﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ ﴾ الوُدُّ مَحَبَّةُ الشَّيْءِ، وتَمَنِّي كَوْنِهِ، ويُذْكَرُ ويُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قَصْدًا، والآخَرُ تَبَعًا، والفارِقُ كَوْنُ مَفْعُولِهِ جُمْلَةِ إذا اسْتُعْمِلَ في التَّمَنِّي، ومُفْرَدًا إذا اسْتُعْمِلَ في المَحَبَّةِ، فَتَقُولُ عَلى الأوَّلِ: ودِدْتُ لَوْ تَفْعَلُ كَذا، وعَلى الثّانِي: ودِدْتُ الرَّجُلَ، ونَفْيُهُ كِنايَةً عَنِ الكَراهَةِ، وأتى (بِما) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أُولَئِكَ مُتَلَبِّسُونَ بِها، (ومِن) لِلتَّبْيِينِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وفي إيقاعِ الكُفْرِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ وبَيانِهِ بِما بُيِّنَ وإقامَةِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشْعارٌ بِأنَّ كِتابَهم يَدْعُوهم إلى مُتابَعَةِ الحَقِّ، إلّا أنَّ كُفْرَهم يَمْنَعُهُمْ، وإنَّ الكُفْرَ شَرٌّ كُلُّهُ، لِأنَّهُ الَّذِي يُورِثُ الحَسَدَ، ويَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى أنْ يُبْغِضَ الخَيْرَ، ولا يُحِبَّهُ كَما أنَّ الإيمانَ خَيْرٌ كُلُّهُ، لِأنَّهُ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى تَفْوِيضِ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ تَعالى، (ولا) صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وزِيدَتْ لَهُ هُنا دُونَ قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ ﴾ لِما أنَّ مَبْنى النَّفْيِ الحَسَدُ، واليَهُودُ بِهَذا الدّاءِ أشْهَرُ لا سِيَّما وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفِيدُ ابْتِلاءَهم بِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ وِدادَتِهِمْ هَذِهِ نَفْيُ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ لَها، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في (لَمْ يَكُنْ)، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لِحُلَفائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، فَقالُوا: ودِدْنا لَوْ كانَ خَيْرًا مِمّا نَحْنُ عَلَيْهِ فَنَتَّبِعَهُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ تَكْذِيبًا لِجَمْعٍ مِنَ اليَهُودِ يُظْهِرُونَ مَوَدَّةَ المُؤْمِنِينَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَوَدُّونَ لَهُمُ الخَيْرَ، وفُصِلَتْ عَمّا قَبْلُ، وإنِ اشْتَرَكا في بَيانِ قَبائِحِ اليَهُودِ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، فَإنَّ الأوَّلَ لِتَأْدِيبِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِتَكْذِيبِ أُولَئِكَ الكافِرِينَ، ولِأجْلِ هَذا الِاخْتِلافِ فُصِلَ السّابِقُ عَنْ سابِقِهِ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ القَوْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ كَثِيرًا ما كانَ يَقَعُ عِنْدَ تَنْزِيلِ الوَحْيِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالخَيْرِ فِيها، فَكَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّ سَبَبَ تَحْرِيفِهِمْ لَهُ، إلى ما حُكِيَ عَنْهم لِوُقُوعِهِ في أثْناءِ حُصُولِ ما يَكْرَهُونَهُ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ، مُساقٌ عَلى سَبِيلِ التَّرَجِّي، وأظُنُّهُ إلى التَّمَنِّي أقْرَبُ، وقُرِئَ (ولا المُشْرِكُونَ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، ﴿ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (يَوَدُّ)، وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلثِّقَةِ بِتَعْيِينِ الفاعِلِ ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِيما بَعْدُ، وذُكِرَ التَّنْزِيلُ دُونَ الإنْزالِ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ بِما هو الواقِعُ مِن تَنْزِيلِ الخَيْراتِ عَلى التَّعاقُبِ، وتَجَدُّدِها لا سِيَّما إذا أُرِيدَ مِن خَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: (مِن خَيْرٍ) الوَحْيُ، وهو قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ، (ومِن) صِلَةٌ، وزِيادَةُ خَيْرٍ، والنَّفْيُ الأوَّلُ مُنْسَحِبٍ عَلَيْها، ولِذا ساغَتْ زِيادَتُها عِنْدَ الجُمْهُورِ، ولا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ يَوَدُّ أنْ لا يَنْزِلَ خَيْرٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ (عَلَيْكُمْ) قائِمًا ذَلِكَ المَقامَ، والمُرادُ مِنَ الخَيْرِ إمّا الوَحْيُ أوِ القُرْآنُ أوِ النُّصْرَةُ، أوْ ما اخْتَصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ المَزايا أوْ عامٌّ في أنْواعِ الخَيْرِ كُلِّها، لِأنَّ المَذْكُورِينَ لا يَوَدُّونَ تَنْزِيلَ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ عَداوَةً وحَسَدًا وخَوْفًا مِن فَواتِ الدِّراسَةِ، وزَوالِ الرِّياسَةِ، وأظْهَرُ الأقْوالِ كَما في البَحْرِ الأخِيرُ، ولا يَأْباهُ ما سَيَأْتِي لِما سَيَأْتِي.
﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْخَيْرِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ التَّنْزِيلِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَشْرِيفِهِمْ، ﴿ واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَتِهِ وإرْغامِ الكارِهِينَ لَهُ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ ذَلِكَ الخَيْرُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِها اعْتِناءً بِهِ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ومَعْنى اخْتِصاصِ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ظاهِرٌ، ولِذا اخْتارَهُ مَنِ اخْتارَهُ، وعَلى الأخِيرِ انْفِرادُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِمَجْمُوعِهِ، وعَدَمِ شَرِكَةِ أُولَئِكَ الكارِهِينَ فِيهِ، وعُرُوِّهِمْ عَنْ تَرَتُّبِ آثارِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ دَفْعُ الِاعْتِراضِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الحَسَدُ بِأنَّ مَن لَهُ أنْ يَخُصَّ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، إذا عَمَّ، وفي إقامَةِ لَفْظِ اللَّهِ مَقامَ ضَمِيرِ رَبِّكم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ النّاسِ بِالخَيْرِ دُونَ بَعْضٍ يُلائِمُ الأُلُوهِيَّةَ، كَما أنَّ إنْزالَ الخَيْرِ عَلى العُمُومِ يُناسِبُ الرُّبُوبِيَّةَ، والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُورِ، أيْ يُؤْتِي رَحْمَتَهُ، (ومَن) مَفْعُولٌ، وقِيلَ: الفِعْلُ لازِمٌ، (ومَن) فاعِلٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، العائِدُ مَحْذُوفٌ، ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْكارِهِينَ الحاسِدِينَ بِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مانِعًا لَهُمْ، لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَفَضِّلُ بِأنْواعِ التَّفَضُّلاتِ عَلى سائِرِ عِبادِهِ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْسُدَ أحَدًا، ويَوَدُّ عَدَمَ إصابَةِ خَيْرٍ لَهُ، والكُلُّ غَرِيقٌ في بِحارِ فَضْلِهِ الواسِعِ الغَزِيرِ كَذا قِيلَ، وإذا جُعِلَ الفَضْلُ عامًّا، وقِيلَ بِإدْخالِ النُّبُوَّةِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لِأنَّ الكَلامَ فِيها عَلى أحَدِ الأقْوالِ كانَ هُناكَ إشْعارٌ بِأنَّ النُّبُوَّةَ مِنَ الفَضْلِ، لا كَما يَقُولُهُ الحُكَماءُ مِن أنَّها بِتَصْفِيَةِ الباطِنِ، وأنَّ حِرْمانَ بَعْضِ عِبادِهِ لَيْسَ لِضِيقِ فَضْلِهِ بَلْ لِمَشِيئَتِهِ، وما عَرَفَ فِيهِ مِن حِكْمَتِهِ، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالِاسْمِ الكَرِيمِ لِمُناسَبَةِ العَظِيمِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، يعني يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران.
وَلَا الْمُشْرِكِينَ، يعني مشركي العرب أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ، يعني أن ينزل على رسولكم من الوحي وشرائع الإسلام لأنهم كانوا كفاراً، فيحبون أن يكون الناس كلهم كفاراً مثلهم.
وهذا كما قال في آية أخرى وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [النساء: 89] .
فأخبر الله تعالى أن الأمر ليس على مرادهم حيث قال وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ، أي يختار للنبوة من يشاء، من كان أهلاً لذلك ويكرم بدينه الإسلام مَن يَشَآءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، أي ذو المنّ العظيم لمن اختصه بالنبوة والإسلام.
وقال مقاتل: كان قوم من الأنصار يدعون حلفاءهم ومواليهم من اليهود إلى الإسلام.
فقالوا للمسلمين: إن الذين تدعوننا إليه هو خير مما نحن فيه وعليه، وددنا لو أنكم على هذا، فنزل قوله وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ أي بدينه- الإسلام- من يشاء.
ونظيرهما في سورة هل أتى يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى: 8] ، أي في دين الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ...
الآية: يتناول لفظُ الآيةِ كلَّ خير، والرحمةُ في هذه الآية عامَّة لجميعِ أنواعها، وقال قومٌ: الرحمة القرآن.
وقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ...
الآية: النَّسْخُ في كلام العرب، على وجهين:
أحدهما: النَّقْل كنقل كتابٍ من آخر، وهذا لا مدْخَل له في هذه الآية، وورد في كتاب اللَّه تعالى في قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩] .
الثاني: الإِزالةُ، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسمٌ في اللغة على ضَرْبَيْنِ:
أحدهما: يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ.
والآخر: لا يثبت كقولهم: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ.
وورد النسخ في الشَّرْع حسب هذَيْن الضربَيْن وحَدُّ «النَّاسِخ» عنْد حُذَّاق أهل السنة:
الْخِطَابُ الدالُّ على ارتفاع الحُكْمِ الثَّابتِ بالخطابِ المتقدِّمِ على وجْهٍ لولاه لكان ثَابِتاً، مع تراخيه عنه.
ت: قال ابن الحاجِبِ: والنَسْخُ لغةً: الإِزالة، وفي الاصطلاح: رفع الحُكْمِ الشرعيِّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر «١» .
انتهى من «مختصره الكبير» .
والنسْخُ جائز على اللَّه تعالى عقلاً لأنه لا يلزم عنه محالٌ «١» ، ولا تتغيرُ صفة من صفاته تعالى/، وليست الأوامر متعلِّقة بالإِرادة، فيلزم من النسْخ أنَّ الإِرادة تغيَّرت، ولا ٣١ ب النسخ لطروء علْم، بل اللَّه تعالى يعلم إلى أيِّ وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له بالثاني، والبَدَاءُ لا يجوزُ على اللَّه تعالى لأنه لا يكون إلا لطروءِ علْمٍ أو لتغيُّر إِرادة وذلك محالٌ في جهة اللَّه تعالى، وجعلت اليهود النسْخَ والبَدَاءَ واحداً، فلم يجوِّزوه، فضَلُّوا.
والمنسوخُ عند أئمتنا: الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبلُ، والذي قادهم إلى ذلك مذهَبُهم في أنّ الأوامر مرادة، وأن
الحُسْن صفةٌ نفسيَّةٌ للحَسَنِ، ومراد اللَّه تعالى حَسَنٌ «١» ، وقد قامت الأدلَّة على أنَّ الأوامر لا
ترتبطُ بالإِرادة، وعلى أن الحُسْن والقُبْح في الأحكام، إِنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسيَّة، والتخصيصُ من العموم يوهم أنه نسْخ، وليس «١» به لأن المخصَّص لم يتناولْه العمومُ قطُّ، ولو تناوله العموم، لكان نسخاً، والنسخ لا يجوز في الأخبار «٢» ، وإِنما هو
مختصٌّ بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبراً بأن قال: أليس معناه وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا كذا، فهذا خبر، والجوابُ أن يقال: إِن في ضمن المعنَى: إِلاَّ أنْ أنْسَخَهُ عنْكُم، وأرفعه، فكما تضمَّن لفظ الأمر ذلك الإِخبار كذلك تضمَّن هذا الاستثناءُ، وصور النسخ تختلفُ، فقد ينسخ الأثقل إِلى الأَخَفِّ، وبالعكس، وقد ينسخ المثلُ بمثلهِ ثِقَلاً وخِفَّةً، وقد ينسخ الشيء لا إِلى بدل، وقد تُنْسَخُ التلاوة دون الحُكْم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نَسْخ أحدهما دون الآخر، ونسْخُ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحدِ بخبر الواحدِ وهذا كله مُتَّفَقٌ عليه، وحُذَّاق الأئمَّة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله- عليه السلام- «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» «١» ، وهو ظاهر مسائل مالك.
ت: ويعني بالسنةِ الناسخة للقرآن الخَبَرَ المتواترَ القطعيّ، وقد أشار إلى أن هذا
الحديث مُتَوَاتِرٌ، ذكره عند تفسير قوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة: ١٨٠] ،
واختلف القُرَّاء في قراءة قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «نَنْسَأْهَا» بنون مفتوحةٍ، وأخرى ساكنة، وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزةٍ، وهذا بمعنى التأخير، وأما قراءة نافعٍ والجمهورِ: «نُنْسِهَا» من النسيان «١» ، وقرأَتْ ذلك فرقةٌ إِلاَّ أنها همزت بعد السين «٢» ، فهذه بمعنى التأخير والنِّسْيَان في كلام العربِ يجيء في الأغلب ضدَّ الذكر، وقد يجيء بمعنى التَّرْك، فالمعاني الثلاثة مقولَةٌ في هذه القراءات، فما كان منها يترتَّب في لفظةَ النسيان الذي هو ضدُّ الذكْر، فمعنى الآية به: ما ننسَخْ/ من آيةٍ أو نقدِّر نسيانَكَ لها، فإنّا ٣٢ أنأتي بخيرٍ منها لكُمْ أو مثلها في المنفعة، وما كان على معنى الترك، أو على معنى التأخيرِ، فيترتَّب فيه معانٍ، انظرها، إِنْ شئْتَ فإِنِّي آثرت الاختصار.
ع «٣» : والصحيح أن نسيان النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِمَا أراد اللَّه أن يَنْسَاهُ، ولم يرد أن يثبته قرآناً- جائزٌ، فأما النِّسْيَان الذي هو آفة في البشر، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلم معصومٌ منْه قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظْه أحد من أصْحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز علَيْه ما يجوز على البشر لأنه صلّى الله عليه وسلم قد بَلَّغَ، وأدَّى الأمانة ومنه الحديثُ، حِينَ أَسْقَطَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ: «أَفِي القَوْمِ أُبَيٌّ؟
قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟
قَالَ:
حَسِبْتُ أنّها رفعت فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا» «٤» .
وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ: معناه: التقرير، ومعنى الآية، أن اللَّه تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو قدير على ذلك، وعلى كلِّ شيء، وهذا لإِنْكَارِ اليَهُودِ النَّسْخَ، وقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ، معناه الخصوصُ، إِذ لا تدخل فيه الصفاتُ القديمةُ بدليل العقل، ولا المحالاتُ لأنها ليستْ بأشياء، والشيء في كلام العرب: الموجود، وقَدِيرٌ: اسم فاعل على المبالغةِ، قال القُشَيْرِيُّ «٥» : وإِن من علم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم يَهُودُ المَدِينَةِ، ونَصارى نَجْرانَ، فالمُشْرِكُونَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ.
﴿ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: عَلى رَسُولِكم.
﴿ مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أرادَ: النُّبُوَّةَ والإسْلامَ.
وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أرادَ بِالخَيْرِ: العِلْمُ والفِقْهُ والحِكْمَةُ.
﴿ واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّها الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مِن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أو مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ التَقْدِيرُ: ولا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ أجْناسَهم مِنَ اليَهُودِ والنَصارى وعَبَدَةِ الأوثانِ، لِيَبِينَ في الألِفِ واللامِ في "الَّذِينَ" أنَّها لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ.
وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ ما أمَرْناكم بِهِ مِن أنْ تُعَظِّمُوا نَبِيَّكم خَيْرٌ مِنَ اللهِ مَنحُكم إيّاهُ، وذَلِكَ لا يَوَدُّهُ الكُفّارُ، ثُمَّ يَتَناوَلُ اللَفْظُ كُلَّ خَيْرٍ غَيْرَ هَذا، و"أنْ" مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، و"مِن" زائِدَةٌ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، ولَمّا كانَ وُدُّ نُزُولِ الخَيْرِ مُنْتَفِيًا قامَ ذَلِكَ مَقامَ الجَحْدِ الَّذِي يَلْزَمُ أنْ يَتَقَدَّمَ مِنَ الزائِدَةُ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وأمّا الأخْفَشُ فَيُجِيزُ زِيادَتَها في الواجِبِ.
وقالَ قَوْمٌ: "مِن" لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَيْرِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، ولَوْ زالَ مَعْنى التَبْعِيضِ لَساغَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُرِيدُ ألّا يُنَزَّلَ خَيْرٌ كامِلٌ، ولا نَكْرَهُ أنْ يَنَزَّلَ بَعْضٌ، فَإذا نُفِيَ وُدُّ نُزُولِ البَعْضِ فَذَلِكَ أحْرى في نُزُولِ خَيْرٍ كامِلٍ.
والرَحْمَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عامَّةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِها الَّتِي قَدْ مَنَحَها اللهُ عِبادَهُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، وقالَ قَوْمٌ: الرَحْمَةُ هي القُرْآنُ، وقالَ قَوْمٌ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ، وهَذِهِ أجْزاءُ الرَحْمَةِ العامَّةِ الَّتِي في لَفْظِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أو نُنْسِها ﴾ الآيَةُ، النَسْخُ -فِي كَلامِ العَرَبِ - عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما النَقْلُ، كَنَقْلِ كِتابٍ مِن آخَرَ، والثانِي الإزالَةُ، فَأمّا الأوَّلُ فَلا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، وأمّا الثانِي الَّذِي هو الإزالَةُ فَهو الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، وهو مُنْقَسِمٌ في اللُغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما يُثْبِتُ الناسِخَ بَعْدَ المَنسُوخِ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الشَمْسُ الظِلَّ، والآخَرُ لا يُثْبِتُ كَقَوْلِهِمْ: نَسَخَتِ الرِيحُ الأثَرَ.
وَوَرَدَ النُسَخُ في الشَرْعِ حَسَبَ هَذَيْنَ الضَرْبَيْنِ.
والناسِخُ حَقِيقَةٌ هو اللهُ تَعالى، ويُسَمّى الخِطابُ الشَرْعِيُّ ناسِخًا إذْ بِهِ يَقَعُ النَسْخُ.
وحَدُّ الناسِخِ عِنْدَ حُذّاقِ أهْلِ السُنَّةِ الخِطابُ الدالُّ عَلى ارْتِفاعِ الحُكْمِ الثابِتِ بِالخِطابِ المُتَقَدِّمِ عَلى وجْهٍ لَوْلاهُ لَكانَ ثابِتًا مَعَ تَراخِيهِ عنهُ.
والنَسْخُ جائِزٌ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، لِأنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ عنهُ مُحالٌ، ولا تَغْيِيرُ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ تَعالى، ولَيْسَتِ الأوامِرُ مُتَعَلِّقَةً بِالإرادَةِ فَيَلْزَمُ مِنَ النَسْخِ أنَّ الإرادَةَ تَغَيَّرَتْ، ولا النَسْخَ لِطُرُوِّ عِلْمٍ، بَلِ اللهُ تَعالى يَعْلَمُ إلى أيِّ وقْتٍ يَنْتَهِي أمْرُهُ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، ويَعْلَمُ نَسْخَهُ بِالثانِي.
والبَداءُ لا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا لِطُرُوِّ عِلْمٍ أو لِتَغَيُّرِ إرادَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ في جِهَةِ اللهِ تَعالى.
وجَعَلَتِ اليَهُودُ النَسْخَ والبَداءَ واحِدًا، ولِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزُوهُ فَضَلُّوا.
والمَنسُوخُ عِنْدَ أئِمَّتِنا: الحُكْمُ الثابِتُ نَفْسُهُ، لا ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ مِثْلُ الحُكْمِ الثابِتِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، والَّذِي قادَهم إلى ذَلِكَ مَذْهَبُهم في أنَّ الأوامِرَ مُرادَةٌ، وأنَّ الحَسَنَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِلْحُسْنِ، ومُرادُ اللهِ تَعالى حَسَنٌ، وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّ الأوامِرَ لا تَرْتَبِطُ بِالإرادَةِ، وعَلى أنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ في الأحْكامِ إنَّما هو مِن جِهَةِ الشَرْعِ لا بِصِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ.
والتَخْصِيصُ مِنَ العُمُومِ يُوهِمُ أنَّهُ نَسْخٌ ولَيْسَ بِهِ، لِأنَّ المُخَصَّصَ لَمْ يَتَناوَلْهُ العُمُومُ قَطُّ، ولَوْ ثَبَتَ قَطْعًا تَناوُلُ العُمُومِ لِشَيْءٍ ما ثُمَّ أُخْرِجَ ذَلِكَ الشَيْءُ عَنِ العُمُومِ لَكانَ نَسْخًا لا تَخْصِيصًا، والنَسْخُ لا يَجُوزُ في الإخْبارِ، وإنَّما هو مُخْتَصٌّ بِالأوامِرِ والنَواهِي، ورَدَّ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ الأمْرَ خَبَرًا بِأنْ قالَ: ألَيْسَ مَعْناهُ: واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا كَذا؟
فَهَذا خَبَرٌ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: إنْ في ضِمْنِ المَعْنى إلّا أنْ أنْسَخَهُ عنكم وأرْفَعَهُ، فَكَما تَضَمَّنَ لَفْظُ الأمْرِ ذَلِكَ الإخْبارَ، كَذَلِكَ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْتِثْناءَ.
وصُوَرُ النُسَخِ تَخْتَلِفُ: وقَدْ يُنْسَخُ الأثْقَلُ إلى الأخَفِّ، كَنَسْخِ الثُبُوتِ لِعَشَرَةٍ بِالثُبُوتِ لِاثْنَيْنِ.
وقَدْ يُنْسَخُ الأخَفُّ إلى الأثْقَلِ كَنَسْخِ يَوْمِ عاشُوراءَ والأيّامِ المَعْدُودَةِ بِرَمَضانَ.
وقَدْ يُنْسَخُ المَثَلُ بِمِثْلِهِ ثِقَلًا وخِفَّةً، كالقُبْلَةِ.
وقَدْ يُنْسَخُ الشَيْءُ لا إلى بَدَلٍ، كَصَدَقَةِ النَجْوى.
والنَسْخُ التامُّ أنْ تُنْسَخَ التِلاوَةُ والحُكْمُ، وذَلِكَ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كُنّا نَقْرَأُ "لا تَرْغَبُوا عن آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ.
وَقَدْ تُنْسَخُ التِلاوَةُ دُونَ الحُكْمِ، كَآيَةِ الرَجْمِ.
وقَدْ يُنْسَخُ الحُكْمُ دُونَ التِلاوَةِ، كَصَدَقَةِ النَجْوى، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا ﴾ ، والتِلاوَةُ والحُكْمُ حُكْمانِ، فَجائِزٌ نَسْخُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، ويُنْسَخُ القُرْآنُ بِالقُرْآنِ، والسُنَّةُ بِالسُنَّةِ، وهَذِهِ العِبارَةُ يُرادُ بِها الخَبَرُ المُتَواتِرُ القَطْعِيُّ، ويُنْسَخُ خَبَرُ الواحِدِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وهَذا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وحُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يُنْسَخُ بِالسُنَّةِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ : «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، وهو ظاهِرُ مَسائِلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وأبى ذَلِكَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، والحُجَّةُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ إسْقاطُهُ الجَلْدَ في حَدِّ الزِنى عَنِ الثَيِّبِ الَّذِي يُرْجَمُ، فَإنَّهُ لا مَسْقَطَ لِذَلِكَ إلّا السُنَّةُ، فِعْلُ النَبِيِّ .
وكَذَلِكَ حُذّاقُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّ السُنَّةَ تُنْسَخُ بِالقُرْآنِ.
وذَلِكَ مَوْجُودٌ في القِبْلَةِ، فَإنَّ الصَلاةَ إلى الشامِ لَمْ تَكُنْ قَطُّ في كِتابِ اللهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ ﴾ فَإنَّ رُجُوعَهُنَّ إنَّما كانَ بِصُلْحِ النَبِيِّ لِقُرَيْشٍ.
والحُذّاقُ عَلى تَجْوِيزِ نَسْخِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ عَقْلًا، واخْتَلَفُوا هَلْ وقَعَ شَرْعًا؟
فَذَهَبَ أبُو المَعالِي، وغَيْرُهُ إلى وُقُوعِهِ في نازِلَةِ مَسْجِدِ قِباءٍ، في التَحَوُّلِ إلى القِبْلَةِ، وأبى ذَلِكَ قَوْمٌ.
وَلا يَصِحُّ نَسْخُ نَصٍّ بِقِياسٍ، إذْ مِن شُرُوطِ القِياسِ ألّا يُخالِفَ نَصًّا، وهَذا كُلُّهُ في مُدَّةِ النَبِيِّ .
وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ واسْتِقْرارِ الشَرْعِ فَأجْمَعَتِ الأُمَّةُ أنَّهُ لا نَسْخَ، ولِهَذا كانَ الإجْماعُ لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ، لِأنَّهُ إنَّما يَنْعَقِدُ بَعْدَ النَبِيِّ ، فَإذا وجَدْنا إجْماعًا يُخالِفُ نَصًّا فَنَعْلَمُ أنَّ الإجْماعَ اسْتَنَدَ إلى نَصٍّ ناسِخٍ لا نَعْلَمُهُ نَحْنُ.
وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: النَسْخُ الثابِتُ مُتَقَرِّرٌ في جِهَةِ كُلِّ أحَدٍ، عَلِمَ الناسِخَ أو لَمْ يَعْلَمْهُ، والَّذِي عَلَيْهِ الحُذّاقُ أنَّهُ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ الناسِخُ فَهو مُتَعَبِّدٌ بِالحُكْمِ الأوَّلِ، فَإذا بَلَغَهُ الناسِخُ طَرَأ عَلَيْهِ حُكَمُ النَسْخِ.
والحُذّاقُ عَلى جَوازِ نَسْخِ الحُكْمِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وهو مَوْجُودٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى في قِصَّةِ الذَبِيحِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ما نَنْسَخُ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن نَسَخَ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "نُنْسِخُ"، بِضَمِّ النُونِ مِن أنْسَخَ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَيْسَتْ لُغَةً لِأنَّهُ لا يُقالُ: نُسِخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى، ولا هي لِلتَّعْدِيَةِ، لِأنَّ المَعْنى يَجِيءُ: ما نَكْتُبُ مِن آيَةٍ، أيْ ما نَنْزِلُ فَيَجِيءُ القُرْآنُ كُلُّهُ عَلى هَذا مَنسُوخًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، كَما تَقُولُ: أحَمَدْتَ الرَجُلَ وأبْخَلَتَهُ بِمَعْنى وجَدْتَهُ مَحْمُودًا أو بَخِيلًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ نَجِدُهُ مَنسُوخًا إلّا بِأنْ نَنْسَخْهُ فَتَتَّفِقُ القِراءَتانِ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفَتا في اللَفْظِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ خَرَّجَ قِرَأةُ هَذِهِ القِراءَةِ المَعْنى عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَكْتُبُ ونُنْزِلُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، أو ما نُؤَخِّرُ فِيهِ ونَتْرُكُ فَلا نُنْزِلُهُ أيْ ذَلِكَ فِعْلُنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المُؤَخَّرِ المَتْرُوكِ أو بِمِثْلِهِ، فَيَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدِينَ عَلى الضَمِيرِ في "نَنْسَأْها".
والمَعْنى الآخَرُ: أنْ يَكُونَ نَنْسَخُ مِنَ النَسْخِ بِمَعْنى الإزالَةِ، ويَكُونَ التَقْدِيرُ: ما نَنْسَخُكَ أيْ نُبِيحُ لَكَ نَسْخَهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَها اللهُ أباحَ لِنَبِيِّهِ تَرْكَها بِذَلِكَ النَسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا.
و"ما" شَرْطِيَّةٌ، وهي مُفَعُولَةٌ بـِ "نَنْسَخْ"، و"نَنْسَخْ" جُزِمَ بِالشَرْطِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: "نُنْسِها" فَقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجُمْهُورُ مِنَ الناسِ "نَنْسَها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وكَسْرِ السِينِ، وتَرْكِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ مِن أنْسى المَنقُولِ مِن نَسِيَ، وقَرَأتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ كَما تَقَدَّمَ إلّا أنَّها هَمَزَتْ بَعْدَ السِينِ، فَهَذِهِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: أنْسَأْتُ الدَيْنَ وغَيْرَهُ أنُسْؤُهُ إنْساءً إذا أخَّرْتُهُ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "أو نَنْسَها" بِفَتْحِ النُونِ الأولى، وسُكُونِ الثانِيَةِ، وفَتْحِ السِينِ، وهَذِهِ بِمَعْنى التَرْكِ، ذَكَرَها مَكِّيٌّ ولَمْ يَنْسِبْها، وذَكَرَها أبُو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في كِتابِ "اللَآلِي" عن سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأراهُ وهم.
وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ "أو تَنْسَها" بِتاءٍ عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ ، ونُونٍ بَعْدَها ساكِنَةٍ، وفَتْحِ السِينِ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ، فَقِيلَ لِسَعْدٍ: إنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبَ يَقْرَؤُها بِنُونٍ أُولى مَضْمُومَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، فَقالَ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى المُسَيِّبِ ولا عَلى آلِ المُسَيِّبِ، وتَلا: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ﴾ ، ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ - فِيما ذَكَرَ عنهُ أيْضًا - "أو تُنْسَها" بِضَمِّ التاءِ أوَّلًا وفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ النُونِ بَيْنَهُما، وهَذِهِ مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وأبُو رَجاءٍ "نُنَسِّها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وهَذِهِ أيْضًا مِنَ النِسْيانِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "نَنْسَأْها" بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وأُخْرى بَعْدَها ساكِنَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وألِفٍ بَعْدَها مَهْمُوزَةٍ، وهَذِهِ مِنَ التَأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ أنُسَؤُها نَسْأً، أيْ أخَّرْتُها، وكَذَلِكَ يُقالُ: أنْسَأ الإبِلَ إذا زادَ في ظَمَئِها يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ أو أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، بِمَعْنى أخَّرَها عَنِ الوِرْدِ.
وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِثْلَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا أنَّها بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلًا عَلى مُخاطَبَةِ النَبِيِّ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ مِثْلَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التاءَ أوَّلًا.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "أو نُنْسِكَ" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ وكافٍ مُخاطَبَةٍ، وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ "أو نُنْسِكَها" مِثْلَ قِراءَةِ أُبَيٍّ إلّا أنَّهُ زادَ ضَمِيرَ الآيَةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ "ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أو نَنْسَخْها نَجِيءُ بِمِثْلِها"، وهَكَذا ثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءاتُ لا تَخْلُو كُلُّ واحِدَةٍ مِنها أنْ تَكُونَ مِنَ النَسْءِ أوِ الإنْساءِ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، أو تَكُونُ مِنَ النِسْيانِ.
والنِسْيانُ في كَلامِ العَرَبِ يَجِيءُ في الأغْلَبِ ضِدَّ الذِكْرِ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى التَرْكِ، فالمَعانِي الثَلاثَةُ مَقُولَةٌ في هَذِهِ القِراءاتِ، فَما كانَ مِنها يَتَرَتَّبُ في لَفْظَةِ النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ.
فَمَعْنى الآيَةِ: ما نَنْسَخُ مِن آيَةٍ أو نُقَدِّرُ نِسْيانَكَ لَها فَتَنْساها حَتّى تَرْتَفِعَ جُمْلَةً وتَذْهَبَ، فَإنّا نَأْتِي بِما هو خَيْرٌ مِنها لَكم أو مِثْلِهِ في المَنفَعَةِ.
وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَرْكِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها أرْبَعَةُ مَعانٍ: أحَدُها: ما نَنْسَخُ -عَلى وُجُوهِ النُسَخِ- أو نَتْرُكُ غَيْرَ مُنَزَّلٍ عَلَيْكَ فَإنّا لا بُدَّ أنْ نَنْزِلَ -رِفْقًا بِكُمْ- خَيْرًا مِن ذَلِكَ أو مِثْلَهُ، حَتّى لا يَنْقُصَ الدِينُ عن حَدِّ كَمالِهِ.
والمَعْنى الثانِي: أو نَتْرُكَ تِلاوَتَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا حُكْمَهُ- فَيَجِيءُ النَسْخُ عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ.
والمَعْنى الثالِثُ: أو نَتْرُكُ حُكْمَهُ -وَإنَّ رَفَعْنا تِلاوَتَهُ- فالنُسَخُ أيْضًا عَلى هَذا رَفْعُ التِلاوَةِ والحُكْمِ، والمَعْنى الرابِعُ: أو نَتْرُكُها غَيْرَ مَنسُوخَةِ الحُكْمِ ولا التِلاوَةِ، فالنَسْخُ عَلى هَذا المَعْنى هو عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ.
ويَجِيءُ الضَمِيرانِ في "مِنها" أو "مِثْلِها" عائِدَيْنَ عَلى المَنسُوخَةِ فَقَطْ، وكَأنَّ الكَلامَ: إنْ نَسَخْنا أو أبْقَيْنا فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المَنسُوخَةِ أو مِثْلِها، وما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ يُحْمَلُ عَلى مَعْنى التَأْخِيرِ فَإنَّ الآيَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ فِيها المَعانِي الأرْبَعَةُ الَّتِي في التَرْكِ أوَّلُها: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُ إنْزالَهُ.
والثانِي: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ حُكْمَهُ وإنْ أبْقَيْنا تِلاوَتَهُ.
والثالِثُ: ما نَنْسَخُ النَسْخَ الأكْمَلَ أو نُؤَخِّرُ تِلاوَتَهُ وإنْ أبْقَيْنا حُكْمَهُ.
والرابِعُ: ما نَنْسَخُ أو نُؤَخِّرُهُ مُثْبَتًا لا نَنْسَخُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرانِ كَما ذَكَرْنا في التَرْكِ.
وبَعْضُ هَذِهِ المَعانِي أقْوى مِن بَعْضٍ، لَكِنْ ذَكَرْنا جَمِيعَها لِأنَّها تُحْتَمَلُ، وقَدْ قالَ جَمِيعَها العُلَماءُ، إمّا نَصًّا، وإمّا إشارَةً فَكَمَّلْناها.
وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ القِراءَةَ "أو نُنْسَها" بِضَمِّ النُونِ وسُكُونِ الثانِيَةِ وكَسْرِ السِينِ لا يَتَوَجَّهُ فِيها مَعْنى التَرْكِ، لِأنَّهُ لا يُقالُ: أنْسى بِمَعْنى تَرَكَ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مُتَّجَهٌ، لِأنَّهُ بِمَعْنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكُها وكَذَلِكَ ضَعَّفَ الزَجّاجُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى النِسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِكْرِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ، ولا نَسِيَ قُرْآنًا.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ، وغَيْرُهُ: ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ وقَعَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُرْفَعَ الآيَةُ بِنَسْخٍ، أو بِتَنْسِئَةٍ، واحْتَجَّ الزَجّاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ لَمْ نَفْعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى إزالَةِ النِعْمَةِ كَما تَوَعَّدَ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ القَوْلَ عن أقْدَمَ مِنَ الزَجّاجِ ورَدَ عَلَيْهِ، والصَحِيحُ في هَذا أنَّ نِسْيانَ النَبِيِّ لِما أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَنْساهُ -وَلَمْ يُرِدْ أنْ يُثْبِتَ قُرْآنًا- جائِزٌ.
فَأمّا النِسْيانُ الَّذِي هو آفَةٌ في البَشَرِ فالنَبِيُّ مَعْصُومٌ مِنهُ قَبْلَ التَبْلِيغِ وبَعْدَ التَبْلِيغِ ما لَمْ يَحْفَظْهُ أحَدٌ مِنَ الصِحابِهِ، وأمّا بَعْدَ أنْ يَحْفَظَ فَجائِزٌ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلى البَشَرِ، لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ وأدّى الأمانَةَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «حِينَ أسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَلاةِ قالَ: أفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟
قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟
قالَ: حَسِبْتُ أنَّها رُفِعَتْ.
فَقالَ النَبِيُّ : لَمْ تُرْفَعْ، ولَكِنِّي نَسِيتُها» " ولَفْظَةُ خَيْرٍ في الآيَةِ صِفَةٌ تَفْضِيلٍ، والمَعْنى: بِأنْفَعَ لَكم أيُّها الناسُ في عاجِلٍ إنْ كانَتِ الناسِخَةُ أخَفَّ، وفي آجِلٍ إنْ كانَتْ أثْقَلَ، وبِمِثْلِها إنْ كانَتْ مُسْتَوِيَةً، وقالَ قَوْمٌ: "خَيْرٌ" في الآيَةِ مَصْدَرٌ، و"مَن" لِابْتِداءِ الغايَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ هَذا القَوْلُ لِقَوْلُهُ تَعالى: "أو مِثْلِها"، إلّا أنْ يُعْطَفَ المِثْلُ عَلى الضَمِيرِ في مِنها دُونَ إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ ﴾ ، ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَقْرِيرُ، والتَقْرِيرُ مُحْتاجٌ إلى مُعادِلٍ كالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، فالمُعادِلُ هُنا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ ﴿ أمْ تُرِيدُونَ ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ: "أمْ هُنا" مُنْقَطِعَةٌ، فالمُعادِلُ عَلى قَوْلِهِمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أمْ عَلِمْتُمْ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ القَصْدَ بِمُخاطَبَةِ النَبِيِّ مُخاطَبَةَ أُمَّتِهِ، وأمّا إنْ كانَ هو المُخاطَبُ وحْدَهُ فالمُعادِلُ مَحْذُوفٌ لا غَيْرَ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يَنْسَخُ ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ في أحْكامِهِ ما يَشاءُ، هو قَدِيرٌ عَلى ذَلِكَ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ.
وهَذا لِإنْكارِ اليَهُودِ النُسَخُ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ الخُصُوصُ إذْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الصِفاتُ القَدِيمَةُ بِدَلالَةِ العَقْلِ ولا المُحالاتُ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأشْياءَ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ المَوْجُودِ و"قَدِيرٌ" اسْمُ فاعِلٍ عَلى المُبالَغَةِ مِن "قَدَرَ" بِفَتْحِ العَيْنِ "يَقْدِرُ" بِكَسْرِها، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: قَدِرَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَقْدَرُ بِفَتْحِها.
<div class="verse-tafsir"
فصله عما قبله لاختلاف الغرضين، لأن الآية قبله في تأديب المؤمنين مع التعريض باليهود وهذه الآية لبيان حسد اليهود وغيرهم للمسلمين.
ووجه المناسبة بين الآيتين ظاهر لاتحاد المآل ولأن الداعي للسب والأذى هو الحسد.
وهذه الآية رجوع إلى كشف السبب الذي دعا لامتناع اليهود من الإيمان بالقرآن لما قيل لهم ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ فقالوا: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] أي ليس الصارف لهم تمسكهم بما أنزل إليهم بل هو الحسد على ما أنزل على النبيء والمسلمين من خير، فبين أدلة نفي كون الصارف لهم هو التصلب والتمسك بدينهم بقوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبئاء الله ﴾ [البقرة: 91] وما تخلل ذلك ونشأ عنه من المجادلات وبيان إعراضهم عن أوامر دينهم واتباعهم السحر وبين الآن حقيقة الصارف عن الإيمان بالقرآن والموجب للشتم وقول البهتان ليتخلص من ذلك إلى بيان النسخ.
و (الود) بضم الواو المحبة ومن أحب شيئاً تمناه فليس الود هو خصوص التمني ولا المحبة المفرطة كما حققه الراغب.
وذكر (الذين كفروا) هنا دون اليهود لقصد شمول هذا الحكم اليهود والنصارى معاً تمهيداً لما يأتي من ذكر حكمة النسخ ومن قوله: ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ [البقرة: 111] الآيات.
ونبه بقوله: ﴿ الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ دون ما يود أهل الكتاب على أنهم لم يتبعوا كتابهم لأن كتبهم تأمرهم باتباع الحق حيثما وجدوه وبالإيمان بالنبيء المقفي على آثارهم وفي التوراة والإنجيل مواضع كثيرة فيها أخذ الميثاق على ذلك فلما حسدوا النبيء صلى الله عليه وسلم على النبوءة وحسدوا المسلمين فقد كفروا بما أمرت به كتبهم وبهذا تخلص الكلام إلى الجمع بين موعظة النصارى مع موعظة اليهود.
ولما كان ما اقتضاه الحال من التعبير بقوله: ﴿ الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ قد يوهم كون البيان قيداً وأن الكافرين من غير أهل الكتاب لا يحسدون المسلمين عطف عليه قوله: ﴿ ولا المشركين ﴾ كالاحتراس وليكون جمعاً للحكم بين الجميع فيكون له حظ في التمهيد لقوله فيما يأتي: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ﴾ [البقرة: 114] وقرأ الجمهور (أن ينزل) بتشديد الزاي مفتوحة.
والتعبير بالتنزيل دون الإنزال لحكاية الواقع إذ القرآن نزل منجماً لتسهيل حفظه وفهمه وكتابته وللتيسير على المكلفين في شرع الأحكام تدريجاً.
وقرأه ابن كثير وابن عمرو بتخفيف الزاي مفتوحة أيضاً وذلك على أن نفي ودادتهم متعلق بمطلق إنزال القرآن سواء كان دفعة أو منجماً.
والخير النعمة والفضل، قال النابغة: فلست على خير أتاك بحاسد *** وأراد به هنا النبوءة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: ﴿ والله يختص برحمته ﴾ .
وقوله: ﴿ والله يختص برحمته من يشاء ﴾ عطف على ﴿ ما يود ﴾ لتضمنه أن الله أراد ذلك وإن كانوا هم لا يريدونه.
والرحمة هنا مثل الخير المنزل عليهم وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما نزل عليهم هو رحمة بهم ومعنى الاختصاص جعلها لأحد دون غيره لأن أصل الاختصاص والتخصيص راجع إلى هذا المعنى أعني جعل الحكم خاصاً غير عام سواء خص واحداً أو أكثر.
ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه أي من يشاء اختصاصه بالرحمة.
والمشيئة هي الإرادة ولما كانت إرادة الله تتعلق بالمراد على وفق علمه تعالى كانت مشيئته أي إرادته جارية على وفق حكمته التي هي من كيفيات علم الله تعالى فهي من تعلقات العلم الإلاهي بإبراز الحوادث على ما ينبغي وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ [البقرة: 32] فالله يختص برحمته من علم أنه حقيق بها لا سيما الرحمة المراد منها النبوءة فإن الله يختص بها مَن خلقه قابلاً لها فهو يخلقه على صفاء سريرة وسلامة فطرة صالحة لتلقي الوحي شيئاً فشيئاً قال تعالى: ﴿ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماًوعلماً ﴾ [يوسف: 22] وقال: ﴿ الله حيث يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124] ولذلك لم تكن النبوءة حاصلة بالاكتساب لأن الله يخلق للنبوءة من أراده لها لخطر أمرها بخلاف غيرها من الفضائل فهو ممكن الاكتساب كالصلاح والعلم وغيرهما فرب فاسق صلحت حاله ورب جاهل مطبق صار عالماً بالسعي والاكتساب ومع هذا فلا بد لصاحبها من استعداد في الجملة ثم وراء ذلك التوفيق وعناية الله تعالى بعبده.
ولما كانت الاستعدادات لمراتب الرحمة من النبوءة فما دونها غير بادية للناس طوى بساط تفصيلها لتعذره ووكل إلى مشيئة الله التي لا تتعلق إلا بما علمه واقتضته حكمته سبحانه رفقاً بأفهام المخاطبين.
وقوله: ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ تذييل لأن الفضل يشمل إعطاء الخير والمعاملة بالرحمة، وتنبيه على أن واجب مريد الخير التعرض لفضل الله تعالى والرغبة إليه في أن يتجلى عليه بصفة الفضل والرحمة فيتخلى عن المعاصي والخبائث ويتحلى بالفضائل والطاعات عسى أن يحبه ربه وفي الحديث الصحيح «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَقُولُوا.
..
وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والثّانِي: يَعْنِي أرْعِنا سَمْعَكَ، أيِ اسْمَعْ مِنّا ونَسْمَعُ مِنكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.
واخْتَلَفُوا لِمَ نُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ؟
عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كَلِمَةٌ كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ والسَّبِّ; كَما قالُوا: ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ ﴾ فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ قَوْلِها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ القائِلَ لَها، كانَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ دُونَ غَيْرِهِ، يُقالُ لَهُ: رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: أنَّها كَلِمَةٌ، كانَتِ الأنْصارُ في الجاهِلِيَّةِ تَقُولُها، فَنَهاهُمُ اللَّهُ في الإسْلامِ عَنْها.
﴿ وَقُولُوا انْظُرْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أفْهِمْنا وبَيِّنْ لَنا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ أمْهِلْنا.
والثّالِثُ: مَعْناهُ أقْبِلْ عَلَيْنا وانْظُرْ إلَيْنا.
﴿ واسْمَعُوا ﴾ يَعْنِي ما تُؤْمَرُونَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والله يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: القرآن والسلام.
قوله تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ ﴾ إلى قوله ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ (من) صلة مؤكدة (١) ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ ﴾ يقال: خَصَّه بالشيء واخْتَصَّه به بمعنى واحد (٢) ومعنى الاختصاص: الانفراد بالشيء، ومنه: الخَصَاص للفُرَجِ (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أراد بالرحمة هاهنا: النبوة (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ قال الليث: ذو اسم ناقص، وتفسيره: صاحب ذاك (٨) (٩) (١٠) (١١) وقد عَرَفَتْ مَوَالِيها الذَّوِينَا (١٢) أي (١٣) (١٤) وسمعت أبا الحسن النحوي رحمه الله يقول: أصل ذو: ذوي أو ذوو، فلما تحركت الواو والياء وانفتح ما قبلها صارت ألفًا فصار ذوا، ثم لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها صارت ألفًا، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي ذا فلم يمكن إعراب الألف، فجعل إعرابه في الذال، فلما أعربت الذال بالرفع انقلبت الألف واوًا، ولما أعربت بالخفض انقلبت ياء، ولما أعربت بالنصب بقيت ألفًا كما كانت.
(١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1092، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 206، "تفسير البغوي" 1/ 133.
(٢) زيادة من (ش) وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1092 أن الاختصاص أوكد من الخصوص؛ لأن الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك.
(٣) أي: فُرَج بين الأثافي والأصابع، ينظر: "اللسان" 2/ 1173، وقال في "تهذيب اللغة" 1/ 233 - 234: وأصل ذلك من الخَصَاص، وكل خَلَلٍ أو خَرْق يكون في مُنْخل أو باب أو سحاب أو بُرقُع فهو خصَاص.
(٤) زيادة من (ش).
(٥) في (ش): (خصاصة).
(٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1299، "المفردات" 155، "اللسان" 3/ 1476.
(٧) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 474 - 475، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 189.
(٨) في "تهذيب اللغة": ذلك.
(٩) في (أ) و (ش): (الجميع).
(١٠) في (م): (التأنيث).
(١١) ينظر: "المفردات" 186، "البحر المحيط" 1/ 236 - 237، "القاموس" ص 1351، "الإتقان" 2/ 195.
(١٢) البيت هكذا: فلا أعني بذلك أسفليكم ...
ولكني أريد به الذوينا وهو للكميت بن زيد، في "ديوانه" 2/ 109، و"معجم الشعراء" 8/ 101، وما ذكره المؤلف موافق لما في "تهذيب اللغة" 2/ 1299.
(١٣) في (ش): (أن).
(١٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1299.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ﴾ كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله راعنا، وذلك من المراعاة أي: راقبنا وانظرنا، فكان اليهود يقولونها: ويعنون بها معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي صلى الله عليه وسلم، وربما كانوا يقولونها على معنى النداء، فنهى الله المسلمين أن هذه الكلمة؛ لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وقصده اليهود، فالنهي سدَّا للذريعة، وأمروا أن يقولوا؛ انظرنا، لخلوّه عن ذلك الاحتمال المذموم، فهو من النظر والانتظار، وقيل: إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء وقلة التوقير ﴿ واسمعوا ﴾ عطف على قولوا، لا على معمولها.
ولا معنى: الأمر بالطاعة والانقياد ﴿ مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ جنس يعم نوعين: أهل الكتاب، والمشركين من العرب، ولذلك فسره بهما، ومعنى الآية أنهم: لا يحبون أن ينزل الله خيراً على المسلمين ﴿ مِّنْ خَيْرٍ ﴾ من للتبعيض، وقيل: زائدة لتقدم النفي في قوله: ما يودّ ﴿ بِرَحْمَتِهِ ﴾ قيل: القرآن وقيل: النبوة وللعموم أولى، ومعنى الآية: الردّ على من كره الخير للمسلمين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما ننسخ ﴾ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ﴿ ننسأها ﴾ مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء ﴿ نأت بخير ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ وقوله ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وأشباه ذلك ﴿ فقد ضل ﴾ بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله : ﴿ فقد ظلم ﴾ ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ وأشباه ذلك.
الوقوف: ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ أليم ﴾ (ه) ﴿ من ربكم ﴾ (ط) ﴿ من يشاء ﴾ (ط) ﴿ العظيم ﴾ (ه) ﴿ أو مثلها ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) ﴿ ولا نصير ﴾ (ه) ربع الجزء ﴿ ومن قبل ﴾ (ط) ﴿ السبيل ﴾ (ه).
التفسير: لما شرح الله قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.
قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه يعطيهم الأمان من العذاب آخراً ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه يقرّبهم منه في دار السلام.
وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية.
فلا يبعد أن يمنع الله من قول ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قول ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانا مترادفين.
ولكن جمهور المفسرين على أنه إنما منع من قول ﴿ راعنا ﴾ لاشتماله على مفسدة.
ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ﴾ فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي ﴿ انظرنا ﴾ .
روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟
فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه.
وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ﴿ انظرنا ﴾ إلا سؤال الانتظار.
وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً.
فقولهم ﴿ راعنا ﴾ أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن ﴿ راعناً ﴾ بالتنوين.
وانظرنا من نظره إذا انتظره ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ أمرهم الله أن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا.
وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك.
وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أي من قومه.
والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى.
وفي قراءة أبيّ ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه.
﴿ واسمعوا ﴾ معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله وسبوه عذاب أليم قوله ﴿ ما يود ﴾ الآية.
"من" الأولى للبيان، لأن ﴿ الذين كفروا ﴾ جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون.
كقوله ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴾ "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ ﴿ ولا المشركون ﴾ والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ ﴿ أن ينزل ﴾ في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل.
والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة.
﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً ﴾ .
قوله عز من قائل ﴿ وما ننسخ من آية ﴾ نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام.
روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت.
وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.
والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم.
فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس.
وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه.
ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك.
ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام.
ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث.
وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟
وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع.
وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله.
وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية.
ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك.
المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز.
لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ.
وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله.
ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً.
حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية.
والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى ، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم.
وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات.
فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.
والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله ، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر.
وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر.
المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية.
وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية.
وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب.
وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول ﴾ نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً.
ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية.
وثالثها: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين.
ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي ، وبدليل ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ﴾ ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله ﴿ فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ﴾ وخامسها: تحويل القبلة.
قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر.
ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء.
وسادسها: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم.
وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة.
حجة أبي مسلم ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً.
المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.
ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان.
ولنرجع إلى تفسير الآية ﴿ ما ننسخ ﴾ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً.
وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها.
قال عز من قائل ﴿ سنقرئك فلا تنسى.
إلا ما شاء الله ﴾ وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل.
وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك.
وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.
ولا يخفى أن قوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي.
ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر.
وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ ومعنى ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته.
فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح.
قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية.
وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها.
ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا.
سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل.
سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت.
الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.
وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد.
وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.
وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.
الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن.
وأيضاً ﴿ نأت ﴾ يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول.
وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن.
وأيضاً قوله ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله .
وأجيب بأن قوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور.
قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها.
ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.
أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله "الشيخ والشيخة" الخ.
﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ.
والخطاب في ﴿ ألم تعلم ﴾ إما للنبي فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب.
ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه.
وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان.
والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير.
والواو في ﴿ وما لكم ﴾ يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على ﴿ له ملك السموات ﴾ فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله ﴿ من دون الله ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على ﴿ والأرض ﴾ .
﴿ أم تريدون ﴾ قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً.
فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم.
وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.
فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً.
فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.
وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة.
وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟
ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً.
فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج.
قلت: والأصوب في الآية أن يكون ﴿ أم تريدون ﴾ معطوفاً على ﴿ ألم تعلم ﴾ على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع.
ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير.
أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر.
ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير.
وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها.
وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
قيل: كانت الأَنصار في الجاهلية يقولون هذا لرسول الله - - فنهاهم الله - - أَن يقولوها.
وقيل: كانت اليهود تقول للنبي : راعنا من الرعونة؛ من قولك للرجل: يا أَرعن، وللمرأَة يا: رعناء.
وكان الحسن يقرؤها: (راعناً) بالتنوين.
وقال الكلبيُّ: كان في كلام اليهود ﴿ رَاعِنَا ﴾ سبّاً قبيحاً؛ يسب بعضهم بعضاً، وكانوا يأْتون محمداً ؛ فيقولون: راعنا، ويضحكون، فنهى المؤمنين عن ذلك خلافاً لهم.
وقوله: ﴿ وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا ﴾ .
قيل: فهمنا بقولٍ بيِّنٍ لنا.
وقال مقاتل: أَي اقصدنا.
وقيل: إن الأَمر بالإنظار يقع موقع التشفع في النظرة لوجهين: بالصحبة مرةً، وبالخطاب ثانياً فقولهم: ﴿ ٱنْظُرْنَا ﴾ لما لا يبلغ أفهامنا القدر الذي يعني ما يخاطبنا به.
والثاني: على قصور عقولهم عما يستحقه من الصحبة والإيجاب له .
فأَما الأَمر بـ"راعنا"، فهو استعمال في الظاهر بالمراعاة، وذلك يخرج على التكبر عليه، وترك التواضع له، والخضوع.
وقوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ ﴾ .
أَي: أَجيبوا له.
وقيل: أَطيعوا له.
وقيل: ﴿ وَٱسْمَعُواْ ﴾ أَي: اسمعوا وَعُوا.
وقوله: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
﴿ مَّا يَوَدُّ ﴾ أي: ما يريد وما يتمنى ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ما يود هؤلاء ﴿ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أَنهم كانوا يَهوون ويحبون أَن يبعث الرسول من أَولاد إِسرائيل وهم كانوا من نسله.
فلما بعث من أَولاد إسماعيل - - على خلاف ما أَحبوا وهَووا، لم تطب أَنفسُهم بذلك، بل كرهت، وأَبت أَشدَّ الإِباءِ والكراهية.
والثاني: لم يُحبُّوا ذلك؛ لما كانت تذهب منَافعُهم التي كانت لهم، والرياسةُ بخروجه ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّنْ خَيْرٍ ﴾ .
قيل: الخير؛ النبوة.
وقيل: الخير؛ الإسلام.
وقيل: الخير؛ الرسول هاهنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ .
تنقض على المعتزلة قولَهم؛ لأَنهم يقولون: إن على الله أَن يعطيَ لكلٍّ الأَصلحَ في الدين، في كل وقتٍ، وكل زمانٍ.
فلو كان عليه ذلك لم يكن للاختصاص معنى، ولا وجه.
والثاني: قال: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ والمفضل عند الخلق هو الذى يُعطِي ويَبْذُل ما ليس عليه، لا ما عليه، لأَن من عليه شيء فأَعطاه، أَو قضى ما عليه من الدَّيْن، لا يوصف بالإفضال؛ فدل أَنه استوجب ذلك الاختصاص، وذلك الفضل، لما لم يكن عليه ذلك، ولو كان عليه لكان يقول: ذو العدل، لا ذو الفضل، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
ما يحب الكفار -أيًّا كانوا: أهل كتاب أو مشركين- أن يُنَزَّلَ عليكم أيّ خير من ربكم، قليلًا كان أو كثيرًا، والله يختص برحمته من النبوة والوحي والإيمان من يشاء من عباده، والله صاحب الفضل العظيم، فلا خيرَ ينالُ أحدًا من الخلق إلا منه، ومن فضله بَعْثُ الرسول وإنزالُ الكتاب.
من فوائد الآيات سوء أدب اليهود مع أنبياء الله حيث نسبوا إلى سليمان تعاطي السحر، فبرّأه الله منه، وأَكْذَبَهم في زعمهم.
أن السحر له حقيقة وتأثير في العقول والأبدان، والساحر كافر , وحكمه القتل.
لا يقع في ملك الله تعالى شيء من الخير والشر إلا بإذنه وعلمه تعالى.
سد الذرائع من مقاصد الشريعة، فكل قول أو فعل يوهم أمورًا فاسدة يجب تجنبه والبعد عنه.
أن الفضل بيد الله تعالى وهو الَّذي يختص به من يشاء برحمته وحكمته.
<div class="verse-tafsir" id="91.2Rmoz"
إن هذا النهي له صلة وارتباط بشأن اليهود لا محالة، لأن الكلام لا يزال في شؤونهم مع النبي والمؤمنين، ولكن هذا لا يستلزم أن يكون سبب النهي هو كون الكلمة تستعمل للشتم في العبرانية، ولا أقول بهذا إلا بنقل صحيح عمن يعرف هذه اللغة، وللمفسرين وجوه أخرى في تعليل النهي، فعن مجاهد وغيره أن معنى الكلمة (خلاف) والمراد لا تخالفوه كما يفعل أهل الكتاب، ولكن اعترض على هذا الوجه بأن ليس له شاهد من اللغة.
والمعروف في اللغة أن ﴿ رَاعِنَا ﴾ من المراعاة وهي تقتضي المشاركة في الرعاية أي ارعنا نرعك، وفي خطاب النبي بذلك من سوء الأدب ما هو ظاهر، فالنهي عنه تأديب كقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ كأنه يقول لا تكونوا كهؤلاء الغلاظ القلوب الذين قصصنا عليكم خبرهم أو الذين عرفتم سوء أدبهم الأنبياء بل اجمعوا بين الطاعة والأدب.
..
وههنا وجه آخر وهو أنه يقال في اللغة: راعى الحمار الحمر إذا رعى معها، فيجوز أن اليهود كانوا يحرفون الكلمة بصرفها إلى هذا المعنى فنهى الله المسلمين عن هذه الكلمة وشنع على اليهود بإظهار سوء قصدهم فيها.
وقد رضوا بصرف اللفظ إلى هذا المعنى وإن كان يتضمن أنهم حمر لأن السَّبَّاب يسب نفسه كما يسب غيره فهو على حد قول القائل: اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ﴾ نهاهم تعالى عن كلمة كانوا يقولونها وأمرهم بكلمة خير منها تفيد ما كانوا يريدونه منها.
فكلمة ﴿ انظُرْنَا ﴾ تفيد معنى كلمة ﴿ رَاعِنَا ﴾ فإن فيها معنى الإنظار والإمهال ويؤيد هذا المعنى قراءة ﴿ انظُرْنَا ﴾ من الأنظار وفيها معنى المراقبة وهو ما يستفاد من النظر بالعين.
تقول: نظرت الشيء ونظرت إليه، إذا وجهت إليه بصرك ورأيته وتقول نظرته بمعنى انتظرته ومنه ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .
أذن الله تعالى لهم بهذه الكلمة ﴿ انظُرْنَا ﴾ وأمرهم بالسماع للنبي ليعوا عنه ما يقول من الدين.
وهو أمر يتضمن الطاعة والاستجابة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ لبيان أن ما صدر عن اليهود من سوء الأدب في خطاب الرسول هو أثر من آثار الكفر الذي يعذبون عليه العذاب الموجع أشد الإيجاع، وللتنبيه على أن التقصير في الأدب معه ذنب مجاور للكفر يوشك أن يجر إليه فيجب الاحتراس منه بترك الألفاظ الموهمة للمساواة، بله الألفاظ المنافية للآداب.
وإنما كان عدم الإصغاء لما يقول الرسول وخطابه خطاب الأكفاء والنظراء مجاورًا للكفر لأنه يتكلم على الله لسعادة من يسمع ويعقل ويأخذ ما يؤمر به بالأدب ويسأل عما لا يفهمه بالأدب، ومن فاتته هذه السعادة فهو الشقي الذي لا يعدل بشقائه شقاء.
ومعنى هذه المجاورة أن سوء الأدب بنحو ما حكي عن اليهود في سورة النساء هو من الكفر الصريح ولذلك قال بعده ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا ﴾ فالألفاظ التي تحاكي الألفاظ التي تُوُعَّدوا عليها بهذا الوعيد على أنها كفر إذا صدرت من المؤمن غير محرفة ولا مقصودًا بها ما كانوا يقصدون تسمى مجاورة لألفاظ الكفر لأنها موهمة وخارجة عن حدود الأدب اللائق بالمؤمنين.
وإن لمن جاء بعد الرسول حظًا من هذا التأديب وليس هو خاصًا بمن كان في عصره من المؤمنين، فهذا كتاب الله الذي كان يتلوه عليهم وكان يجب الاستماع له والإنصات لأجل تدبره، هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شيء، وهو كلام الله الذي به كان الرسول رسولًا تجب طاعته والاهتداء بهديه، فيا هذا الأدب الذي يقابله به الأكثرون؟
إنهم يلغطون في مجلس القرآن فلا يستمعون ولا ينصتون، ومن أنصت فإنما ينصت طربًا بالصوت واستلذاذًا بتوقيع نغمات القارئ، وإنهم ليقولون في استحسان ذلك واستجادته ما يقولونه في مجالس الغناء، ويهتزون للتلاوة ويصوتون بأصوات مخصوصة كما يفعلون عند سماع الغناء بلا فرق، ولا يلتفتون إلى شيء من معانيه إلا ما يرونه مدعاة لسرورهم في مثل قصة يوسف مع الغفلة عما فيها من العبرة وإعلاء شأن الفضيلة ولا سيما العفة والأمانة.
أليس هذا أقرب إلى الاستهانة بالقرآن منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة وأمثالها، وتتوعد على تركه بجعله مجاورًا للكفر الذي يسوق صاحبه إلى العذاب الأليم ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يقول تعالى للمؤمنين إن هؤلاء الذين علمتم شأنهم مع أنبيائهم حسدة لا بلتفت إلى تكذيبهم ولا يبالي بعداوتهم، ولا يضركم كفرهم وعنادهم، فهم لحسدهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، والقرآن أعظم الخيرات لأنه النظام الكامل، والفضل الشامل، والهداية العظمى، والآية الكبرى، جمع به شملكم، ووصل حبلكم، ووحد شعوبكم وقبائلكم، وطهر عقولكم من نزعات الوثنية، وزكى نفوسكم من أدران الجاهلية، وأقامكم على سنن الفطرة وشرع لكم الحنيفية السمحة، فكيف لا بحرق الحسد عليه أكبادهم، ويخرق أضغانهم عليكم وأحقادهم؟.
و ﴿ مَنْ ﴾ الأولى من الصلة كالتي تقدمت.
وإنما جعلت للاستغراق لأنها تدل على البعضية وزيادة لوقوعها في خبر النفي فهي هنا بمعنى: أي شيء من الخير، أي فما بالكم بهذا الخير العظيم، أليس هو أولى بأن يكون أكبر مثير لحسدهم، ومغر بعنادهم؟
ثم إن الله تعالى رد عليهم بما بين جهلهم وجهل جميع الحاسدين فقال ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ أي أن الحاسد لغباوته وفساد طويته يكون ساخطًا على الله تعالى ومعترضًا عليه أن أنعم على المحسود بما أنعم، ولا يضر الله تعالى سخط الساخطين، ولا يحول مجاري نعمه حسد الحاسدين، فالله يختص برحمته من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
أسند كلا من هذين الأمرين إلى اسم الذات الأعظم البيان أنهما حقه لذاته فليس لأحد من عبيده أدنى تأثير في منحهما ولا في منعهما.
<div class="verse-tafsir"