الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 25 الفرقان > الآيات ٧٥-٧٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يُجازَوْنَ" بِألِفٍ، و "الغُرْفَةُ" مِن مَنازِلِ الجَنَّةِ، وهي الغُرَفُ فَوْقَ الغُرَفِ، وهي اسْمُ جِنْسٍ، كَما قالَ: ولَوْلا الحَبَّةُ السَمْرا ءُ لَمْ أحْلُلْ بِوادِيكُمْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَيُلَقَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّ القافِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، وطَلْحَةُ، ومُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ : "وَيَلْقَوْنَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وتَخْفِيفِ القافِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ الآيَةُ.
أمَرٌ لِمُحَمَّدٍ أنْ يُخاطِبَ بِذَلِكَ، و "ما" تَحْتَمِلُ النَفْيَ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والكَلامُ في نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها أنْ تَكُونَ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ خِطابًا لِجَمِيعِ الناسِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِقُرَيْشٍ مِنهُمْ: ما يُبالِي اللهُ بِكُمْ، ولا يَنْظُرُ إلَيْكم لَوْلا عِبادَتُكم إيّاهُ أنْ لَوْ كانَتْ، وذَلِكَ الَّذِي يَعْبَأُ بِالبَشَرِ مِن أجْلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ .
وقالَ النَقّاشُ: المَعْنى: لَوْلا اسْتِغاثَتُكم إلَيْهِ في الشَدائِدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو عُرْفُ الناسِ المَرْعِيُّ فِيهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: "فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ"، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ الخِطابَ بِـ ﴿ ما يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ هو لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمْ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: فَأنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمْ ولَمْ تَعْبُدُوهُ، فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ أو يَكُونُ التَكْذِيبُ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ- لِزامًا.
والثانِي أنْ يَكُونَ الخِطابُ بِالآيَتَيْنِ لِقُرَيْشٍ خاصَّةً، أيْ: ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمُ الأصْنامَ دُونَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَعْذِيبَكم.
والثالِثُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم إلى شَرْعِهِ، فَوَقَعَ مِنكُمُ الكُفْرُ والإعْراضُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفي الأوَّلَيْنَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و "يَعْبَأُ" مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْءِ وهو مِنَ الثِقَلِ الَّذِي يُعَبَّأُ ويُرَتَّبُ كَما يُعْبَّأُ الجَيْشُ.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ"، قالَ الزَهْراوِيُّ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: وهي عَلى التَفْسِيرِ.
وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّ اللِزامَ المُشارَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ هو يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى: فَسَوْفَ يَكُونُ جَزاءُ التَكْذِيبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اللِزامُ هو التَكْذِيبُ نَفْسُهُ، أيْ: لا يُعْطَوْنَ تَوْبَةً، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: اللِزامُ المَوْتُ، وهَذا نَحْوُ القَوْلِ بِبَدْرٍ، وإنْ أرادَ بِهِ مُتَأوِّلٌ المَوْتَ المُعْتادَ في الناسِ عُرْفًا فَهو ضَعِيفٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِزامًا" بِكَسْرِ اللامِ، مِن لُوزِمْ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِصَخْرِ الغَيِّ: فَإمّا يَنْجُوا مِن حَتْفِ أرْضٍ ∗∗∗ فَقَدْ لَقِيا حُتُوفَهُما لِزامًا وقَرَأ أبُو السَمالِ: "لَزامًا" بِفَتْحِ اللامِ، مِن لَزِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقانِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهُ أجْمَعِينَ