الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الفرقان
تفسيرُ سورةِ الفرقان كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 112 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقانِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ الضِحاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وفِيها آياتٌ مَكِّيَّةٌ، قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآياتُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ﴾ "تَبارَكَ" وزْنُهُ تَفاعَلَ، وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ.
"بارَكَ"، مِنَ البَرَكَةِ، و"بارَكَ" فاعِلٌ مِن واحِدٍ، مَعْناهُ: زادَ، و"تَبارَكَ" فِعْلٌ مُخْتَصٌّ بِاللهِ تَعالى، لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ مِنهُ مُسْتَقْبَلٌ، ولا اسْمُ فاعِلٍ، وهو صِفَةُ فِعْلٍ، أيْ: كَثُرَتْ بَرَكاتُهُ، ومِن جُمْلَتِها إنْزالُ كِتابِهِ الَّذِي هو الفُرْقانَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وصَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو رَدٌّ عَلى مَقالاتٍ كانَتْ لِقُرَيْشٍ، فَمِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمْ: "إنِ القُرْآنَ افْتَراهُ مُحَمَّدٌ، وإنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ"، فَهو رَدٌّ عَلى هَذِهِ المَقالاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى عَبْدِهِ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "عَلى عِبادِهِ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَكُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ ، وهو عَبْدُهُ المَذْكُورُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ الزُبَيْرِ فَهو لِلْقُرْآنِ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا بِكُرْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ عامٌّ في كُلِّ إنْسِيٍّ وجِنِّيٍّ، عاصَرَهُ أو جاءَ بَعْدَهُ، وهو مُؤَيَّدٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظاهِرِ الآياتِ.
و"النَذِيرُ": المُحَذِّرُ مِنَ الشَرِّ، والرَسُولُ مِن عِنْدِ اللهِ نَذِيرٌ، وقَدْ يَكُونُ نَذِيرًا لَيْسَ بِرَسُولٍ، كَما رُوِيَ في ذِي القَرْنَيْنِ، وكَما ورَدَ في رُسُلِ رَسُولِ اللهِ إلى الجِنِّ، فَإنَّهم نُذُرٌ ولَيْسُوا بِرُسُلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ، هي مِنَ الرَدِّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا"، وفي قَوْلِهِمْ: "اتَّخَذَ البَناتِ"، وفي قَوْلِهِمْ في التَلْبِيَةِ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، وتَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ.
ثُمْ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي لِلْأُلُوهِيَّةِ بِالطَعْنِ عَلى قُرَيْشٍ في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لَيْسَتْ لَهم هَذِهِ الصِفاتُ، فالعَقْلُ يُعْطِي أنَّهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ اللهُ بِالِاخْتِراعِ والإيجادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ البَشَرُ بِالنَحْتِ والنِجارَةِ، وهَذا التَأْوِيلُ أشَدُّ إبْداءً لِخَساسَةِ الأصْنامٍ، وخَلْقُ البَشَرِ يَجُوزُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمْ لا يَفْرِي وهَذا مِن: خَلَقْتُ الجَلْدَ، إذا عَمِلْتُ فِيهِ رُسُومًا يُقْطَعُ عَلَيْها، فالفَرْيُ هو أنْ يَقْطَعَ عَلى تَرْكِ الرُسُومِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَوْتًا ولا حَياةً ﴾ يُرِيدُ: إماتَةً ولا إحْياءً، و"النُشُورُ": بَعْثُ الناسِ مِنَ القُبُورِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا ﴾ ﴿ وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِرَّ في السَماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ المُرادُ بِـ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قُرَيْشٌ، وذَلِكَ أنْ بَعْضَهم قالُوا: هَذا كَذِبٌ افْتَراهُ مُحَمَّدٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُعِينِينَ لِمُحَمَّدٍ -عَلى زَعْمِ قُرَيْشٍ - فَقالَ مُجاهِدٌ: أشارُوا إلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أشارُوا إلى عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفَرَسِ، أحَدُهم أبُو فَكِيهَةٍ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ، وجَبْرٌ، ويَسارٌ، وعَدّاسٌ، وغَيْرُهم.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم ما جاؤُوا إلّا إثْمًا وزُورًا، أيْ: ما قالُوا إلّا بُهْتانًا وزُورًا.
و"الزُورُ": تَحْسِينُ الباطِلِ، هَذا عُرْفُهُ، وأصْلُهُ التَحْسِينُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: " فَأرَدْتُ أنْ أُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ أبِي بَكْرٍ مَقالَةً كُنْتُ زَوَّرْتُها".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَ النَضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ أساطِيرِ الأوَّلِينَ فَإنَّما هو بِسَبَبِ النَضِرِ بْنِ الحارِثِ المَشْهُورِ في ذَلِكَ.
ثُمْ رَمَوْا مُحَمَّدًا بِأنَّهُ اكْتَتَبَها.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "اكْتُتِبَها" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الثانِيَةِ، عَلى مَعْنى: اكْتُتِبَتْ لَهُ، ذَكَرَها أبُو الفَتْحِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "تُتْلى" بِتاءٍ بَدَلَ المِيمِ.
ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: الَّذِي أنْزَلَهُ هو اللهُ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ، ثُمْ أعْلَمَ بِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِيُرْجِيَ كُلُّ سامِعٍ في عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ مَعَ التَوْبَةِ والإنابَةِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ في إبْقائِهِ عَلى أهْلِ هَذِهِ المَقالاتِ والكَفْرِ لَعَلَّهم أنْ يُؤْمِنُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا مالِ هَذا الرَسُولِ يَأْكُلُ الطَعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ ﴿ أو يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أو تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ ﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم كانَ لَهم مَعَ رَسُولِ اللهِ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِيَرِ، وغَيْرِهِ، مُضْمَنُهُ أنَّ سادَتَهم عُتْبَةَ وغَيْرَهُ- اجْتَمَعُوا مَعَهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِياسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كُنْتَ تُحِبُّ المالَ جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا.
فَلَمّا أبى رَسُولُ اللهِ رَجَعُوا في بابِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ: ما بالُكَ -وَأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللهِ- تَأْكُلُ الطَعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ تُرِيدُ التِماسَ الرِزْقِ؟
أيْ: مَن كانَ رَسُولَ اللهِ مُسْتَغْنٍ عن جَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمْ قالُوا لَهُ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرَ مَعَكَ، أو يُلْقِي إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أو يَرُدُّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا، أو تُزالُ الجِبالُ ويَكُونُ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وكُتِبَتِ اللامُ مُفْرَدَةً مِن قَوْلِهِمْ: "مالِ هَذا" إمّا لَأنَّ عَلى المُصْحَفِ قَطْعَ لَفْظِهِ فاتَّبَعَهُ الكاتِبُ؛ وإمّا لَأنَّهم رَأوا أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ بِإنْهاءِ الِاتِّصالِ، نَحْوَ مِن، وفِي، وعن، وعَلى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "يَأْكُلُ مِنها" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "نَأْكُلُ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وسُلَيْمانُ بْنُ مِهْرانَ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عنهم -وَهُمُ الظالِمُونَ الَّذِينَ أُشِيرُ إلَيْهِمْ- أنَّهم قالُوا -حِينَ يَئِسُوا مِن مُحَمَّدٍ -: ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ وهي الرِئَةُ، فَكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى تَحْقِيرِهِ، أيْ: رَجُلٌ مِنكم في الخِلْقَةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.
ثُمْ نَبَّهَهُ اللهُ تَعالى مُسَلِّيًا عن مَقالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا ﴾ ، أيْ: أخْطَؤُوا الطَرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلًا لِهِدايَةٍ، ولا يُطِيقُونَهُ لِتَلَبُّسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَلالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي ﴾ الآيَةُ، رُجُوعٌ بِأُمُورِ مُحَمَّدٍ إلى اللهِ، أيْ: هَذِهِ جِهَتُكَ، لا هَؤُلاءِ الضالُّونَ في أمْرِكَ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" قالَ مُجاهِدٌ: هي إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ في الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى أكْلِهِ الطَعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَأنَّ التَأْوِيلَ الثانِيَ يُوهِمْ أنَّ الجَنّاتِ والقُصُورَ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ -وَهَذا تَأْوِيلُ الثَعْلَبِيِّ وغَيْرِهِ- يَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالساعَةِ ﴾ ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ.
وقَرَأ عاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَفْصٍ، ونافِعٌ، وأبِي عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيَجْعَلْ" بِالجَزْمِ، عَلى العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ الجَوابِ في قَوْلِهِ: "جَعَلَ"؛ لَأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَجْعَلُ" بِالرَفْعِ والِاسْتِئْنافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: "جَعَلَ"؛ لَأنَّ جَوابَ الشَرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ، ألّا تَرى أنَّ الجَمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَرْطِ؟
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسى، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "وَيَجْعَلَ" بِالنَصْبِ، وَهِيَ عَلى تَقْدِيرِ "أنْ" في صَدْرِ الكَلامِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الجَزاءِ، قالُوا: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، وأدْغَمَ الأعْرَجُ [جَعْلَ لَكَ] و"يَجْعَلْ لَكَ"، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ.
و"القُصُورُ": البُيُوتُ المَبْنِيَّةُ بِالجُدْرانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، فَكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي ما كانَ مِنَ الشَعْرِ والصُوفِ والقَصَبِ بَيْتًا، وتُسَمِّي ما كانَ بِالجُدْرانِ قَصْرًا؛ لَأنَّهُ قَصَّرَ عَنِ الداخِلِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالساعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالساعَةِ سَعِيرًا ﴾ ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ﴾ ﴿ وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ﴾ ﴿ لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ المَعْنى: لَيْسَ يُهِمْ في تَكْذِيبِكَ ومَشْيِكَ في الأسْواقِ، بَلْ إنَّهم كَفَرَةٌ لا يَفْهَمُونَ الحَقَّ، فَقَوْلُهُ: "بَلْ" تَرْكٌ لِنَفْسِ اللَفْظِ المُتَقَدِّمْ لا لِمَعْناهُ، عَلى ما تَقْتَضِيهِ "بَلْ" في مَشْهُورِ مَعْناها، "وَأعْتَدْنا": جَعَلْنا مُعَدًّا، والعَتادُ: ما يُعَدُّ مِنَ الأشْياءِ، و"السَعِيرُ": طَبَقٌ مِن أطْباقِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهُمْ ﴾ يُرِيدُ: جَهَنَّمَ؛ إذِ اقْتَضاها لَفْظُ "السَعِيرِ".
ولَفْظُ "رَأتْهُمْ" يُحْتَمَلُ الحَقِيقَةَ، ويُحْتَمَلُ المَجازُ عَلى مَعْنى: صارَتْ مِنهم عَلى قَدْرِ ما يَرى الرائِي مِنَ البُعْدِ.
إلّا أنَّهُ ورَدَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي الحَقِيقَةَ في هَذا، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وهو أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «مِن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ"، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، أوَ لِجَهَنَّمَ عَيْنانِ؟
فَقالَ: "اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ »، ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ البُعْدَ الَّذِي تَراهم مِنهُ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ مَسِيرَةُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ﴾ لَفْظٌ فِيهِ تَجُوزٌ، وذَلِكَ أنَّ التَغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإنَّما المَسْمُوعُ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى التَغَيُّظِ، وهي ولا شَكَّ احْتِداماتٌ في النارِ كالَّذِي يُسْمَعُ في نارِ الدُنْيا، فَنِسْبَةُ هَذا المَسْمُوعِ الَّذِي في الدُنْيا مِن ذَلِكَ نِسْبَةُ الإحْراقِ مِنَ الإحْراقِ، وهي سَبْعُونَ دَرَجَةً كَما ورَدَ في الصَحِيحِ.
و"الزَفِيرُ": صَوْتٌ مَمْدُودٌ كَصَوْتِ الحِمارِ المَرْجِّعِ في نَهِيقِهِ، قالَ النَقاشُ: الزَفِيرُ: صَوْتُ الحِمارِ عِنْدَ نَهِيقِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتُزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى مَلَكٌ ولا نَبِيٌّ إلّا خَرَّ، تَرْعَدُ فَرائِصُهُ.
و"المَكانُ الضَيِّقُ" فِيها هو مَقْصِدٌ إلى التَضْيِيقِ عَلَيْهِمْ في المَكانِ في النارِ، وذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَعْذِيبِ، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «إنَّهم لَيُكْرَهُونَ في النارِ كَما يُكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، أيْ: يَدْخُلُونَ كُرْهًا وعُنْفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزَجُّ عَلى الرُمْحِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعُبَيْدٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ضَيِقًا" بِتَخْفِيفِ الياءِ، والباقُونَ يُشَدِّدُونَ.
ومَعْنى "مُقَرَّنِينَ" مَرْبُوطٌ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ بِسَلاسِلَ مِن نارٍ، والقَرِينانِ مِنَ الثِيرانِ: ما قُرَنا بِحَبْلٍ لِلْحَرْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا لَمْ يَزَلْ حَبْلُ القَرِينَيْنِ يَلْتَوِي فَلا بُدَّ يَوْمًا مِن قُوًى أنْ تَجْذِما وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ المُهْرِيُّ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُقَرَّنُونَ" بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ الناسِ، وقَوْلُهُ: "ثُبُورًا" مَصْدَرٌ، ولَيْسَ بِالمَدْعُوِّ، ومَفْعُولُ "دَعَوْا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهُمْ، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيراتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الثُبُورُ هو المَدْعُوُّ، كَما تُدْعى الحَسْرَةُ والوَيْلُ، و"الثُبُورُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الوَيْلُ، وقالَ الضِحاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِبَعْرى: إذا أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الغَـ ∗∗∗ ـيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَدْعُوا ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والإعْلامِ بِأنَّهم يَخْلُدُونَ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ، بَلِ احْزَنُوا كَثِيرًا؛ لَأنَّكم أهْلٌ لِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا ﴾ ﴿ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم بِسَبِيلِ مَصِيرٍ إلى هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ النارِ: ﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ ﴾ ؟
وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِ التَفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما يَشاءُ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَوابِ أو بِالخَطَإ، وإنَّما يَمْنَعُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا اشْتِراكَ بَيْنَهُما في المَعْنى الَّذِي فِيهِ تَفْضِيلٌ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ فِيهِ مُخالَفَةٌ، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ.
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى الجَنّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وإلى القُصُورِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ ﴾ ، هَذا عَلى أنْ يَكُونَ الجَعْلُ في الدُنْيا، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى الكَنْزِ والجَنَّةِ الَّتِي ذَكَرَ الكُفّارُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصَحُّ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى النارِ، كَما شَرَحْناهُ آنِفًا.
و "المُتَّقُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: مَنِ اتَّقى الشِرْكَ، فَإنَّهُ داخِلٌ في الوَعْدِ، ثُمْ تَبْقى المَنازِلُ في الوَعْدِ بِحَسَبِ تَقْوى المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعْدًا مَسْؤُولا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما -وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ - أنَّهُ مَسْؤُولٌ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ سَألُوهُ أو يَسْألُونَهُ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ سَألَتِ اللهَ تَعالى تَنْعِيمَ المُتَّقِينَ فَوَعَدَهم بِذَلِكَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو قَوْلُ المَلائِكَةِ، وتَلا ﴿ وَأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ ﴾ ، والمَعْنى الثانِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ: أنْ يُرِيدَ وعْدًا واجِبًا قَدْ حَتَّمَهُ، فَهو لِذَلِكَ مُعَدٌّ أنْ يُسْألَ ويَقْتَضِي، ولَيْسَ يَتَضَمَّنُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ أحَدًا سَألَ الوَعْدَ المَذْكُورَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَبِيلَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أولِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، فَغَلَّبَ العِبارَةَ عَمّا لا يَعْقِلُ مِنَ الأوثانِ لِأنَّها كانَتِ الأغْلَبُ وقْتَ المُخاطَبَةِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَحْشُرُهُمْ" "فَيَقُولُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنُونِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وطَلْحَةَ، وعاصِمْ أيْضًا، وقَرَأ نافِعٌ "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ "فَيَقُولُ" بِالياءِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِكَ"، وقَرَأ الأعْرَجُ "نَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ "يَفْعِلُ" بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن "يَفْعُلُ" بِضَمِّ العَيْنِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن أنَّ اللهَ تَعالى يُوَبِّخُ الكَفّارَ في القِيامَةِ بِأنْ يُوقِفَ المَعْبُودِينَ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِيَقَعَ الجَوابُ بِالتَبَرِّي مِنَ الذَنْبِ فَيَقَعُ الخِزْيُ عَلى الكافِرِينَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المَوْقِفِ المُجِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو كُلُّ مَن ظُلِمْ بِأنْ عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ: كالمَلائِكَةِ وعُزَيْرَ وعِيسى وغَيْرِهِمْ، وقالَ الضَحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: المَوْقِفُ المُجِيبُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ، يُقَدِّرُها اللهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويَجِيءُ خِزْيُ الكَفَرَةِ لِذَلِكَ أبْلَغَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَتَّخِذَ" بِفَتْحِ النُونِ، وذَهَبُوا بِالمَعْنى إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ مَن يَعْقِلُ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى الَّتِي في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ ﴾ ، وكَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ ، و ﴿ مِن أولِياءَ ﴾ - في هَذِهِ القِراءَةِ - في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وأبُو الدَرْداءِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءَ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، ومَكْحُولٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: "نُتَّخَذُ" بِضَمِّ النُونِ، وتَذْهَبُ هَذِهِ مَذْهَبَ مَن يَرى أنَّ المَوْقِفَ المُجِيبَ الأوثانُ، ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ "مِن" في قَوْلِهِ: " مِن أولِياءَ "، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "مِن أولِياءَ" في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ "مِن" زِيادَةً لِمَكانِ النَفْيِ المُتَقَدِّمْ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ: "ما يَنْبَغِي" بِسُقُوطِ "كانَ".
وثُبُوتُها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَلى حالٍ كانَتْ في الدُنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ.
وفَسَّرَ هَذا المُجِيبُ -بِحَسْبِ الخِلافِ فِيهِ- الوَجْهَ في ضَلالِ الكُفّارِ، كَيْفَ وقَعَ؟
وأنَّهُ لَمّا مَتَّعَهُمُ اللهُ تَعالى بِالنِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ وأدَرَّها لَهم ولِأسْلافِهِمُ الأحْقابَ الطَوِيلَةَ نَسُوا الذِكْرَ، أيْ: ما ذُكِّرَ بِهِ الناسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ.
و "بُورًا" مَعْناهُ: هَلْكى، والبَوارُ: الهَلاكُ، واخْتُلِفَ في لَفْظِهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والواحِدُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِبَعْرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتَ إذْ أنا بُورُ وقالَتْ فَرْقَةٌ: هي جَمْعُ بائِرٍ، وهو الَّذِي قَدْ فارَقَهُ الخَيْرُ فَحَصَلَ بِذَلِكَ في حُكْمِ الهَلاكِ، باشَرَهُ الهَلاكُ بَعْدُ أو لَمْ يُباشِرْ، قالَ الحَسَنُ: البائِرُ: الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِلا خِلافٍ، فَمَن قالَ: "إنَّ المُجِيبَ الأصْنامُ" كانَ مَعْنى هَذِهِ إخْبارَهُ الكُفّارَ أنَّ أصْنامَهم قَدْ كَذَّبُوهُمْ، وفي هَذا الإخْبارِ خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ، والفِرْقَةُ الَّتِي قالَتْ: "إنَّ المُجِيبَ هو المَلائِكَةُ، وعُزَيْرٌ، وعِيسى، ونَحْوُهُمُ" اخْتَلَفَتْ في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ الكُفّارُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ هَؤُلاءِ المَعْبُودُونَ، أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى أنَّ الكُفّارَ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ قَدْ كَذَّبُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ، وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الأولِياءُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خاطَبَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، أيْ: قَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ فِيما تَقُولُونَ مِنَ التَوْحِيدِ والشَرْعِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والناسِ: "تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "يَسْتَطِيعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، "فَما تَسْتَطِيعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" هو لِلْمُشْرِكِينَ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفًا"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لَقَدْ كَذَّبُوكَ فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ"، قالَ أبُو حاتِمْ في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "لَكم صَرْفًا" عَلى جَمْعِ الضَمِيرِ و "صَرْفًا" مَعْناهُ: رَدُّ التَكْذِيبِ أوِ العَذابِ أو ما اقْتَضاهُ المَعْنى، بِحَسْبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ ﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: هو لِلْمُؤْمِنِينَ.
والظُلْمُ هو الشِرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُمْ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي.
وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "وَمَن يَكْذِبْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا ألِيمًا".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أو نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في اسْتِبْعادِهِمْ أنْ يَكُونَ مِنَ البَشَرِ رَسُولٌ، وقَوْلِهُمْ: ﴿ مالِ هَذا الرَسُولِ يَأْكُلُ الطَعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا وأمَّتَهُ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ قَبْلُ في سالِفِ الدَهْرِ نَبِيًّا إلّا بِهَذِهِ الصِفَةِ.
والمَفْعُولُ بِـ "أرْسَلْنا" مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: رِجالًا أو رُسُلًا، وعَلى هَذا المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ يَعُودُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إلّا إنَّهُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَعامَ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِينِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَيُمَشَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ المَفْتُوحَةِ، بِمَعْنى: يَدْعُونَ إلى المَشْيِ ويَحْمِلُونَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى يَمْشُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُمَشِّي بِأعْطانِ المِياهِ وأبْتَغِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ العَبِيدِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فالصَحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرُ الشاكِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ، والرَسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ الناسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ، وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ، وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمْ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ.
والتَوْقِيفُ بِـ "أتَصْبِرُونَ" خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ، فَهو لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ اخْتِبارًا لَهُمْ، ثُمْ وقَّفَهُمْ: هَلْ تَصْبِرُونَ أمْ لا؟
ثُمْ أعْرَبَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ عَنِ الوَعْدِ لِلصّابِرِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ.
ثُمْ أخْبَرَ عن مَقالَةِ الكُفّارِ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَرْجُونَ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، والشاهِدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَوامِلِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الرَجاءَ في الآيَةِ والبَيْتِ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ خَوْفَ لِقاءِ اللهِ تَعالى مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِرَجائِهِ، فَإذا نُفِيَ الرَجاءُ عن أحَدٍ فَإنَّما أخْبَرَ عنهُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ لِنَفْيِ الخَوْفِ والرَجاءِ، وفي ذِكْرِ الكُفّارِ بِنَفْيِ الرَجاءِ تَنْبِيهٌ عَلى غِبْطَةِ ما فاتَهم مِن رَجاءِ اللهِ تَعالى.
وأمّا بَيْتُ الشِعْرِ المَذْكُورُ فَمَعْناهُ عِنْدِي: لَمْ يَرْجُ دَفْعَها ولا الِانْفِكاكَ عنها، فَهو لِذَلِكَ يُوفِي عَلى الصَبْرِ ويَجِدُّ في شَغْلِهِ.
ولَمّا تَمَنَّتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ رُؤْيَةَ رَبِّهِمْ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم عَظَّمُوا أنْفُسَهُمْ، وسَألُوا ما لَيْسُوا لَهُ بِأهْلٍ، و"عَتَوْا" مَعْناهُ: صَعَبُوا عَلى الحَقِّ واشْتَدُّوا، ويُقالُ: عِتِيٌّ وعُتُوٌّ، عُتُوٌّ عَلى الأصْلِ، وعِتِيٌّ لِاسْتِثْقالِ الضَمِّ عَلى الواوِ فَقُلِبَتْ ياءً ثُمْ كُسِرَ ما قَبِلَها طَلَبًا لِلتَّناسُبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ ﴿ وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا ﴾ ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ إنَّما هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَدْ كانَ أوَّلُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ تَفِيضُ أرْواحُهُمْ، لَكِنَّ آخِرَها يَقْتَضِي أنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمْرُ العَوامِلِ في هَذِهِ الظُرُوفِ بَيِّنٌ إذا تُأُمِّلَ، فاخْتَصَرْناهُ لِذَلِكَ.
ومَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَعْرِفُونَ ما قَدَّرَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ هو شَرٌّ لَهُمْ، ولا بُشْرى لَهُمْ، بَلْ لَهُمُ الخَسارُ ولِقاءُ المَكْرُوهِ، ويَوْمَئِذٍ لا خَيْرَ ولا بُشْرى؛ لِأنَّ الظُرُوفَ تَكُونُ إخْبارًا عَنِ المَصادِرِ.
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَيَقُولُونَ"، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: هو "لِلْمَلائِكَةِ"، المَعْنى: ويَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُجْرِمِينَ: حِجْرًا مَحْجُورًا عَلَيْكُمُ البُشْرى، أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ المَسِيحِ: حَنَّتْ إلىَّ النَخْلَةُ القُصْوى فَقُلْتُ لَها حِجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَهارِيسُ وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "وَيَقُولُونَ" هو لِلْكُفّارِ المُجْرِمِينَ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كَرِهُوا شَيْئًا قالُوا: حِجْرًا، قالَ مُجاهِدٌ: حِجْرًا: عَوْذًا، يَسْتَعِيذُونَ بِالمَلائِكَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَقُولُونَ: حَرامٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْنا العَفْوُ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ هاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ عُوذَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، يَقُولُها مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ، أو في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المَعْنى هو مَقْصِدُ بَيْتِ المُتَلَمِّسِ الَّذِي تَقَدَّمَ، أيْ: هَذا الَّذِي حَنَّتْ إلَيْهِ مَمْنُوعٌ.
وَقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ: "حُجْرًا" بِضَمِّ الحاءِ، والناسُ عَلى كَسْرِها.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عَمّا يَأْتِي قَضاؤُهُ وفِعْلُهُ فَقالَ حِكايَةً عن يَوْمِ القِيامَةِ: "وَقَدِمْنا"، أيْ: قَصَدَ حُكْمُنا وإنْفاذُنا، ونَحْوُ هَذا مِنَ الألْفاظِ اللائِقَةِ، وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أسْنَدَهُ إلَيْهِ لِأنَّهُ عن أمْرِهِ، وحَسُنَتْ لَفْظَةُ "قَدِمْنا" لِأنَّ القادِمْ عَلى شَيْءٍ مَكْرُوهٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ ولا أمَرَ بِهِ مُغَيِّرٌ لَهُ ومُذْهِبٌ، وأمّا قَوْلُ الراجِزِ: وقَدِمُ الخَوارِجُ الضُلالُ ∗∗∗ إلى عِبادِ رَبِّنا فَقالُوا ∗∗∗: إنْ دِماءَكم لَنا حَلالُ فالقُدُومُ عَلى بابِهِ.
ومَعْنى الآيَةِ: وقَصَدَنا إلى أعْمالِهِمُ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ لا تَزِنُ شَيْئًا؛ إذْ لا نِيَّةَ مَعَها، فَجَعَلْناها عَلى ما تَسْتَحِقُّ لا تُعَدُّ شَيْئًا، وصَيَّرْناها هَباءً مَنثُورًا، أيْ: شَيْئًا لا تَحْصِيلَ لَهُ، والهَباءُ: هي الأجْرامُ المُسْتَدَقَّةُ الشائِعَةُ في الهَواءِ الَّتِي لا يُدْرِكُها حِسٌّ إلّا حِينَ تُدْخِلُ الشَمْسُ عَلى مَكانٍ ضَيِّقٍ يُحِيطُ بِهِ الظِلُّ كالكُوَّةِ ونَحْوِها، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ فِيما قابَلَ الشَمْسَ أشْياءٌ تَغِيبُ وتَظْهَرُ، فَذَلِكَ هو الهَباءُ، ووَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "مَنثُورٍ"، ووَصْفُهُ في غَيْرِها بِـ "مُنْبَثٍّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما سَواءٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُنْبَثُّ أرَقُّ وأدَقُّ مِنَ المَنثُورِ؛ لِأنَّ المَنثُورَ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهُ نَثَرَهُ، كَسَنابِكِ الخَيْلِ والرِياحِ أو هَدْمِ حائِطٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، والمُنْبَثُّ كَأنَّهُ انْبَثَّ مِن رِقَّتِهِ، وقالَ غَيْرُهُما: الهَباءُ المَنثُورُ هو ما تَسْفِي بِهِ الرِياحُ وتَبُثُّهُ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الهَباءُ الماءُ المِهْراقُ، والأوَّلُ أصَحُّ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَبّاتُ الغُبارِ ونَحْوِهُ إذا بَثَّتْهُ، قالَ الشاعِرُ: فَتَرى خَلْفَها مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْبا وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: جَعَلْنا أعْمالَهم لا حُكْمَ لَها ولا مَنزِلَةَ.
ثُمْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مُسْتَقَرَّ أهْلِ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِن مُسْتَقَرِّ أهْلِ النارِ، وجاءَتْ "خَيْرٌ" ها هُنا لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُما، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَمّا اشْتَرَكا في أنَّ هَذا مُسْتَقَرٌّ وهَذا مُسْتَقَرٌّ فَضَّلَ الِاسْتِقْرارَ الواحِدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي فِيها عُمُومٌ ما، ويَتَوَجَّهُ حُكْمُها مِن جِهاتٍ شَتّى، نَحْوَ قَوْلِكَ: أحَبُّ، وأحْسَنُ، وخَيْرٌ، وشَرٌّ، يَسُوغُ أنْ يُجاءَ بِها بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُما، فَتَقُولُ: السَعْدُ في الدُنْيا أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الشَقاءِ، أيْ: قَدْ يُوجَدُ بِوَجْهٍ ما مَن يَسْتَحِبُّ الشَقاءَ كالمُتَعَبِّدِ والمُغْتاظِ، وكَذَلِكَ في غَيْرِها، فَإذا كانَتْ "أفْعَلُ" في مَعْنى بَيْنَ أنَّ الواحِدَ مِنَ الشَيْئَيْنِ لا حَظَّ لَهُ فِيهِ بِوَجْهٍ فَسَدَ الإخْبارُ بِالتَفْضِيلِ بِهِ، كَقَوْلِكَ: الماءُ أبْرَدُ مِنَ النارِ، ومِن هَذا أنَّكَ تَقُولُ في ياقُوتَةٍ ومَدَرَةٍ -وَتُشِيرُ إلى المَدَرَةِ-: هَذِهِ خَيْرٌ وأحْسَنُ وأحَبُّ وأفْضَلُ مِن هَذِهِ، ولَوْ قُلْتَ: هَذِهِ ألْمَعُ وأشَدُّ شَراقَةً مِن هَذِهِ، لَكانَ فاسِدًا.
وقَوْلُهُ: "مَقِيلًا"، ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والنَخَعِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ حِسابَ الخَلْقِ يَكْمُلُ في وقْتِ ارْتِفاعِ النَهارِ ومَقِيلُ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلِ النارِ في النارِ، فالمَقِيلُ مِنَ القائِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَفْظَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ تَفْضِيلَ الجَنَّةِ جُمْلَةً وحُسْنَ هَوائِها، والعَرَبُ تُفَضِّلُ البِلادَ بِحُسْنِ المَقِيلِ؛ لِأنَّ وقْتَ القَيْلُولَةِ يَبْدُو فَسادُ هَواءِ البِلادِ، فَإذا كانَ بَلَدٌ في وقْتِ فَسادِ الهَواءِ حَسَنًا جازَ الفَضْلُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ الإيادِيِّ: أرْضٌ تَخَيَّرَها لِطِيبِ مَقِيلِها ∗∗∗ كَعْبُ بْنُ مامَةَ وابْنُ أُمْ دُؤادِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ﴾ ، يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ انْفِطارِ السَماءِ ونُزُولِ المَلائِكَةِ ووُقُوعِ الجَزاءِ بِحَقِيقَةِ الحِسابِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَشَّقَّقُ" بِشَدِّ الشِينِ والقافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَوْلُهُ: "بِالغَمامِ"، أيْ: يُشَقَّقُ عنهُ، والغَمامُ: سَحابٌ رَقِيقٌ أبْيَضٌ جَمِيلٌ لَمْ يَرَهُ البَشَرُ بَعْدُ إلّا ما جاءَ في تَظْلِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا" بِضَمِّ النُونِ وشَدِّ الزايِ المَكْسُورَةِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى مَفْعُولٍ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوَهّابِ: "وَنُزِلَ" بِتَخْفِيفِ الزايِ المَكْسُورَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ "نُزِلَ" لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ: "زُكِمُ الرَجُلُ وجُنَّ"، فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللهُ وأجَنَّهُ، وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ.
وقَرَأ أبُو رَجاءَ: "وَنَزَّلَ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَأنْزَلَ المَلائِكَةَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "وَنُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِنُونَيْنِ، فَهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو: "وَنَزَّلَ المَلائِكَةُ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَنْزِلُ المَلائِكَةُ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: "وَتَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ".
قَرَّرَ أنَّ المُلْكَ الحَقَّ هو يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ؛ إذْ قَدْ بَطَلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ كُلُّ مُلْكٍ.
وعَسِيرُهُ عَلى الكافِرِينَ يُوَجَّهُ بِدُخُولِ النارِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ سَهْلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللهَ تَعالى لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْها في الدُنْيا».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا ﴾ ﴿ يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ ﴿ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا ﴾ ﴿ وَقالَ الرَسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا ﴾ "يَوْمَ" ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، و "عَضُّ اليَدَيْنِ" هو فِعْلُ النادِمُ المَلْهُوفِ المُتَفَجِّعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "الظالِمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ ؛ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أسْلَمَ أو جَنَحَ لِلْإسْلامِ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الَّذِي قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ خَلِيلًا لِعُقْبَةَ، فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ، فَقَبِلَ نَهْيَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، فالظالِمْ عُقْبَةُ، وفُلانٌ أُبَيٌّ.
وفي بَعْضِ الرِواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الظالِمْ أُبَيٌّ، فَإنَّهُ كانَ يَحْضُرُ إلى النَبِيِّ ، فَنَهاهُ عُقْبَةُ، فَأطاعَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن أدْخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقَدْ وهِمْ، إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى "الظالِمُ" اسْمَ جِنْسٍ.
وَقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءَ: الظالِمُ: اسْمُ جِنْسٍ، وفُلانٌ: الشَيْطانُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنَّ "الظالِمْ" عامٌّ، وأنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ تَعْظِيمُ يَوْمٍ يَتَبَرَّأُ فِيهِ الظالِمُونَ مِن خُلّانِهِمُ الَّذِينَ أمَرُوهم بِالظُلْمِ، فَلَمّا كانَ خَلِيلُ كُلِّ ظالِمْ غَيْرَ خَلِيلِ الآخَرِ، وكانَ كُلُّ ظالِمْ يُسَمِّي رَجُلًا خاصًّا بِهِ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "فُلانٍ" الَّذِي فِيهِ الشِياعُ التامُّ، ومَعْناهُ واحِدٌ عَنِ الناسِ، ولَيْسَ مِن ظالِمْ إلّا ولَهُ في دُنْياهُ خَلِيلٌ يُعِينُهُ ويُحَرِّضُهُ، هَذا في الأغْلَبِ، ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وتَرَتُّبَ هَذِهِ المَعانِي كانَ عُقْبَةَ وأُبَيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الرَسُولِ ﴾ يُقَوِّي ذَلِكَ بِأنْ يَجْعَلَ تَعْرِيفَ "الرَسُولِ" لِلْعَهْدِ، والإشارَةِ إلى مُحَمَّدٍ ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ التَعْرِيفُ لِلْجِنْسِ.
وكُلُّهم قَرَأ "لَيْتَنِي" ساكِنَةَ الياءِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ حَرَّكَ الياءَ في "لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ"، ورَواها أبُو حامِدٍ عن نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، و "السَبِيلُ" المُتَمَنّاةُ هي طَرِيقُ الآخِرَةِ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ لِكُلِّ ذِي نُهْيَةٍ تَنْبِيهٌ عَلى تَجَنُّبِ قَرِينِ السُوءِ، والأحادِيثُ والحِكَمُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يا ويْلَتى" التاءُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ الياءِ فِي: يا ويْلِي، والألِفُ هي الَّتِي في قَوْلِهِمْ: يا غُلامًا، وهي لُغَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإمالَةِ: "يا ويْلَتى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وَتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ الياءُ "يا ويْلَتى"، فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ أوَّلًا.
و "الذِكْرُ" هو ما ذَكَرَ بِهِ الإنْسانُ أمْرَ آخِرَتِهِ مِن قُرْآنٍ أو مَوْعِظَةٍ ونَحْوِهِ.
﴿ وَكانَ الشَيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الظالِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عَلى جِهَةِ الدَلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَحْذِيرِ مِنَ الشَيْطانِ الَّذِي بَلَغَ ثَمَّ ذَلِكَ المَبْلَغَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الرَسُولُ ﴾ حِكايَةٌ عن قَوْلِ رَسُولِ اللهِ في الدُنْيا، وتَشَكِّيهِ ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الظاهِرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ عن قَوْلِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "قَوْمِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِها.
و "مَهْجُورًا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُبْعَدًا مَقْصِيًّا، [وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ] مِنَ الهُجْرِ (بِضَمِ الهاءِ) إشارَةً إلى قَوْلِهِمْ: شِعْرٌ وكَهانَةٌ وسِحْرٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَخَعِيِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقُولُ ابْنُ زَيْدٍ: هو تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُلازَمَةِ المُصْحَفِ، وألّا تَكُونَ الغَبَرَةُ تَعْلُوهُ في البُيُوتِ ويُشْتَغَلُ بِغَيْرِهِ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «مَن عَلَّقَ مُصْحَفًا ولَمْ يَتَعاهَدْهُ أتى يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، يَقُولُ: هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ يا رَبِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ».
ثُمْ آنَسَهُ عن فِعْلِ قَوْمِهِ بِأنْ أعْلَمَهُ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ كَذَلِكَ امْتُحِنَ بِأعْداءٍ في زَمَنِهِ، أيْ: فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و "عَدُوًّا" يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، تَقُولُ: "هَؤُلاءِ عَدُوٌّ لِي"، فَتَصِفُ بِهِ الجَمْعَ والواحِدَ والمُؤَنَّثَ، ثُمْ وعَدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا ﴾ ، والباءُ في "بِرَبِّكَ" لِلتَّأْكِيدِ، دالَّةٌ عَلى المَعْنى، إذْ هُوَ: اكْتَفِ بِرَبِّكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا ﴾ ﴿ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرِهِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا في بَعْضِ مُعارَضاتِهِمْ: لَوْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى لَنُزِّلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقَوْلُهُ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الكُفّارِ، [وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا مِن كَلامِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لا مِن كَلامِهِمْ]، وهو أولى، ومَعْناهُ: كَما نَزَلَ أرَدْناهُ، فالإشارَةُ إلى نُزُولِهِ مُتَفَرِّقًا، وجَعَلَ اللهُ تَعالى السَبَبَ في نُزُولِهِ مُتَفَرِّقًا في الزَمانِ تَثْبِيتَ فُؤادِ مُحَمَّدٍ ، ولِيَحْفَظَهُ.
وقالَ مَكِّيٌّ، والرُمّانِيُّ: مِن حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ، ولِيُطابِقَ الأسْبابَ المُؤَقَّتَةَ، فَنَزَلَ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ غَيْرُهُ مِنَ الرُسُلِ يَكْتُبُ فَنَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِيُثَبِّتَ" بِالياءِ، و "التَرْتِيلُ": التَفْرِيقُ بَيْنَ الشَيْءِ المُتَتابِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَقَرٌ رَتِلٌ، ومِنهُ تَرْتِيلُ القِراءَةِ.
وأرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُنَزِّلَ القُرْآنَ في النَوازِلِ والحَوادِثِ الَّتِي قَدَّرَها وقَدَّرَ نُزُولَهُ فِيها.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ لا يَجِيئُونَ بِمَثَلٍ -يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ- مُبْهَمٍ -كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَوْراةِ والإنْجِيلِ- إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، أيْ بِالَّذِي هو حَقٌّ، ثُمْ هو أحْسَنُ تَفْسِيرًا، أو أفْصَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا.
ثُمْ أوعَدَ اللهُ تَعالى الكَفّارَ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الحَشْرِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى النارِ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا المَشْيَ عَلى الوُجُوهِ حَقِيقَةٌ، ورُوِيَ في ذَلِكَ -مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- حَدِيثُ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى المَشْيِ عَلى وُجُوهِهِمْ؟
قالَ: "إنِ الَّذِي أقْدَرَهم عَلى المَشْيِ عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ» وقالَتْ فَرْقَةٌ: المَشْيُ عَلى الوُجُوهِ اسْتِعارَةٌ لِلْمَذَلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَرٌّ مَكانًا ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا ﴾ ﴿ فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا ﴾ ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا ﴾ هَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَ فِيها الأُمَمُ هي تَمْثِيلٌ لَهم وتَوَعُّدٌ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، و "الكِتابُ": التَوْراةُ، و "الوَزِيرُ": المُعِينُ، وهو مِن تَحْمُّلِ الوِزْرِ، أيْ ثِقَلِ الحالِ، ومِنَ الوَزَرِ الَّذِي هو المَلْجَأُ، و ﴿ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ هم فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مِنَ القِبْطِ، ثُمْ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ كَثِيرٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَقِيَ، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَذَهَبا فَأدَّيا الرِسالَةَ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "فَدَمِّرانِّهُمْ"، أيْ: كُونا سَبَبَ ذَلِكَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ألْحَقَ نُونَ التَوْكِيدِ ألِفَ التَثْنِيَةِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: اضْرِبانِّ زَيْدًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَدَمِّراهُمْ"، وحَكى عنهم أبُو عَمْرٍو الدانِي: "فَدَمِرْناهُمْ" بِكَسْرِ المِيمِ خَفِيفَةً، قالَ: ورُوِيَ عنهُمْ: "فَدَمِّرُوا بِهِمْ" عَلى الأمْرِ لِجَماعَةٍ وبِزِيادَةِ باءٍ، والَّذِي فَسَّرَ أبُو الفَتْحِ وهْمٌ، وإنَّما القِراءَةُ: "فَدَمِّرُوا بِهِمْ" بِالباءِ، وكَذا ذَكَرَها المَهْدَوِيُّ.
وَنُصِبَ قَوْلُهُ: "قَوْمَ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أغْرَقْناهُمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "الرُسُلَ" وهم إنَّما كَذَّبُوا نُوحًا فَقَطْ، مَعْناهُ أنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تُكَذِّبُ نَبِيًّا واحِدًا فَفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، فَجاءَتِ العِبارَةُ بِما تَضَمَّنَهُ فِعْلُهم تَعْبِيرًا في القَوْلِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "آيَةً" أيْ عَلامَةً عَلى سَطْوَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِكُلِّ كافِرٍ بِأنْبِيائِهِ.
"وَعادًا وثَمُودًا" يُصْرَفُ ولا يُصْرَفُ، وجاءَ ها هُنا مَصْرُوفًا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: " وعادًا " مَصْرُوفًا.
وثَمُودَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في " أصْحابَ الرَسِّ "، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم قَوْمٌ مِن ثَمُودَ، وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: الرَسُّ، وقالَ كَعْبٌ، ومُقاتِلٌ، والسُدِّيُّ: الرَسُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةَ الشامِ، قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَسِّ قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَقَتَلُوهُ، وقالَ قَتادَةُ: أصْحابُ الرَسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ عَلِيٌّ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: أصْحابُ الرَسِّ قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ لَها: "شاه درخت" رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ أو قَبْرٍ أو مَعْدِنٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سَبَقْتَ إلى فَرَطٍ باهْلٍ تَنابِلَةٍ يَحْفُرُونَ الرِساسا وَرَوى عِكْرِمَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «عَنِ النَبِيِّ أنَّ أهْلَ الرَسِّ المُشارَ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْمٌ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَمَوْهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ، يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللهُ عَلى تِلْكَ الصَخْرَةِ فَيَقْلَعُها، وهو مُؤْمِنٌ بِذَلِكَ النَبِيِّ، فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ، ثُمْ يَرُدُّ تِلْكَ الصَخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللهُ عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ»...
في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
قالَ الطَبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴾ إيهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إلّا اللهُ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ "القَرْنِ"، وكَمْ هُوَ، ومِن هَذا اللَفْظِ قالَ رَسُولُ اللهِ فِيما يُرْوى -وَيُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَهُ-: «كَذَبَ النَسّابُونَ مِن فَوْقِ عَدْنانَ» ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أخْبَرَ عن كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ والخَلْقِ ولَمْ يُخْبِرْ عن غَيْرِهِمْ.
ثُمْ قالَ اللهُ تَعالى: إنَّ كُلَّ هَؤُلاءِ ضَرَبَ لَهُ الأمْثالَ لِيَهْتَدِيَ فَلَمْ يَهْتَدِ، فَتَبَّرَهُ اللهُ، أيْ أهْلَكَهُ، والتَبارُ: الهَلاكُ، والتِبْرُ: الذَهَبُ، أيِ: المُكَسَّرُ المُفَتَّتُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِفُتاتِ الرُخامِ والزُجاجِ: تَبْرٌ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ نَبَطِيٌّ، ولَكِنَّ العَرَبَ قَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ ﴿ وَإذا رَأوكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ﴿ إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عن آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلا ﴾ ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ ﴿ أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والجَماعَةُ: الإشارَةُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي (سَدُومَ) بِالشامِ.
و "مَطَرُ السَوْءِ" حِجارَةُ السِجِّيلِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "السُوءِ" بِضَمِّ السِينِ المُشَدَّدَةِ.
ثُمْ وقَّفَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَعَرُّضِهِمْ لِسُخْطِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ رُؤْيَتِهِمُ العِبْرَةَ مِن تِلْكَ القَرْيَةِ، ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ كُفْرَهم إنَّما أوجَبَهُ فَسادُ مُعْتَقَدِهِمْ في أمْرِ الآخِرَةِ، وأنَّهم لا يَرْجُونَ البَعْثَ، وكَذَلِكَ لا يَخافُونَهُ.
ثُمْ حَكى اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم إذا رَأوا مُحَمَّدًا اسْتَهْزَؤُوا بِهِ واحْتَقَرُوهُ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَهُ اللهُ تَعالى رَسُولًا، فَقالُوا -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ، وفي "بَعَثَ" ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى "الَّذِي" حُذِفَتِ اخْتِصارًا، وحَسُنَ ذَلِكَ في الصِفَةِ.
ثُمْ آيَسَ النَبِيَّ عن كُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ الآيَةُ، والمَعْنى: لا تَتَأسَّفُ عَلَيْهِمْ ودَعْهم لِرَأْيِهِمْ، ولا تَحْسَبْ أنَّهم عَلى ما تُحِبُّ مِنَ التَحْصِيلِ، بَلْ هم كالأنْعامِ في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ، وقِلَّةِ التَحَسُّسِ لِلْعَواقِبِ، ثُمْ حَكَمَ بِأنَّهم أضَلُّ سَبِيلًا مِن حَيْثُ لَهُمُ الفَهْمُ وتَرَكُوهُ، والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ، ومِن حَيْثُ جَهالَةِ هَؤُلاءِ وضَلالَتِهِمْ، وهي في أمْرٍ أخْطَرَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ جَهالَةُ الأنْعامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ أيْ: جَعَلَ هَواهُ مُطاعًا فَصارَ كالإلَهِ، والهَوى قائِدٌ إلى كُلِّ فَسادٍ، والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ، وإنَّما الصَلاحُ إذا ائْتَمَرَتْ لِلْعَقْلِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " إلَهَهُ هَواهُ " إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ حَجَرًا، فَإذا وجَدُوا أحْسَنَ مِنهُ طَرَحُوا الأوَّلَ وعَبَدُوا الثانِي الَّذِي وقَعَ هَواهم عَلَيْهِ.
قالَ أبُو حاتِمْ ورُوِيَ عن رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ -قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو الأعْرَجُ- [إلاهَهُ هَواهُ]، والمَعْنى: اتَّخَذَ شَمْسًا يَسْتَضِيءُ بِها، إذِ الشَمْسُ يُقالُ لَها: إلاهَةُ، ويُصْرَفُ ولا يُصْرَفُ، و "الوَكِيلُ": القائِمْ عَلى الأمْرِ الناهِضُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ﴾ ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِباسًا والنَوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَهارَ نُشُورًا ﴾ "ألَمْ تَرَ" مَعْناهُ: انْتَبِهْ، والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ، وأدْغَمَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "رَبِّكَ كَيْفَ"، قالَ أبُو حاتِمْ: والبَيانُ أحْسَنُ، و "مَدُّ الظِلِّ" بِإطْلاقٍ، هو ما بَيْنَ أوَّلِ الإسْفارِ إلى بُزُوغِ الشَمْسِ، ومِن بَعْدِ مَغِيبِها مُدَّةً يَسِيرَةً، فَإنَّ في هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ ظِلٌّ مَمْدُودٌ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّهُ نَهارٌ، وفي سائِرِ أوقاتِ النَهارِ ظِلالٌ مُتَقَطِّعَةٌ، و "المَدُّ" و "القَبْضُ" مُطَّرِدٌ فِيها، وهو عِنْدِي المُرادُ في الآيَةِ، واللهُ أعْلَمُ.
ومِنَ الظِلِّ المَمْدُودِ ما ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَواءِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّها لَمّا كانَتْ لا شَمْسَ فِيها كانَ ظِلُّها مَمْدُودًا أبَدًا.
وتَظاهَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الظِلَّ هو مِنَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ نَهارٍ، بَلْ في بَقايا اللَيْلِ، فَلا يُقالُ لَهُ ظِلٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ﴾ أيْ ثابِتًا غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ ولا مَنسُوخٍ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ الشَمْسَ ونَسْخَها إيّاهُ وطَرْدَها لَهُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ دَلِيلًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لِوُجُودِهِ ولِوَجْهِ العِبْرَةِ فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَوْلا الشَمْسُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ الظِلَّ شَيْءٌ؛ إذِ الأشْياءُ تُعْرَفُ بِأضْدادِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ:، لَطِيفًا، أيْ: شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ لا بِعُنْفٍ، قالَ مُجاهِدٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُعَجَّلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: سَهْلًا قَرِيبَ التَناوُلِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: ووَصَفَ اللَيْلَ بِاللِباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها.
و "السُباتُ" ضَرْبٌ مِنَ الإغْماءِ يَعْتَرِي اليَقْظانَ مَرَضًا فَشُبِّهَ النائِمْ بِهِ، والسَبْتُ: الإقامَةُ بِالمَكانِ، فَكَأنَّ السُباتَ سُكُونٌ ما وثُبُوتٌ عَلَيْهِ.
و "النُشُورُ" في هَذا المَوْضِعِ الإحْياءُ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِهِ لِيَتَطابَقَ الإحْياءُ مَعَ الإماتَةِ والتَوَفِّي اللَذَيْنِ يَتَضَمَّنُهُما النَوْمُ والسُباتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالنُشُورِ وقْتَ انْتِشارٍ وتَفَرُّقٍ لِطَلَبِ المَعاشِ وابْتِغاءِ فَضْلِ اللهِ، و ﴿ النَهارَ نُشُورًا ﴾ وما قَبْلَهُ مِن بابِ: لَيْلُ نائِمْ ونَهارُ صائِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا ﴾ ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ ﴿ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِياحَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِيحَ" عَلى الجِنْسِ، فَهي بِمَعْنى الرِياحِ، وقَدْ نَسَبْنا القِراءَةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وقِراءَةُ الجَمْعِ أوجُهٌ؛ لِأنَّ عُرْفَ "الرِيحِ" مَتى ورَدَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً فَإنَّما هي لِلْعَذابِ، ومَتى كانَتْ لِلْمَطَرِ والرَحْمَةِ فَإنَّما هي رِياحٌ؛ لِأنَّ رِيحَ المَطَرِ تَتَشَعَّبُ وتَتَداءَبُ وتَتَفَرَّقُ وتَأْتِي لَيِّنَةً مِن ها هُنا وها هُنا، وشَيْئًا إثْرَ شَيْءٍ، ورِيحُ العَذابِ حَرْجَفٌ لا تَتَداءَبُ، وإنَّما تَأْتِي جَسَدًا واحِدًا، ألا تَرى أنَّها تُحَطِّمْ ما تَجِدُ وتَهْدِمُهُ؟
قالالرُمّانِيُّ: جُمِعَتْ رِياحُ الرَحْمَةِ لِأنَّها ثَلاثَةُ لَواقِحَ: الجَنُوبُ والصَبا والشَمالُ، وأُفْرِدَتْ رِيحُ العَذابِ لِأنَّها واحِدَةٌ، لا تُلَقِّحُ، وهي الدَبُورُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: "وَيَرِدُ" عَلى هَذا قَوْلُ النَبِيِّ إذا هَبَّتِ الرِيحُ: «اللهُمُ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا».
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "النَشْرِ" في النُونِ والباءِ وغَيْرِ ذَلِكَ اخْتِلافًا قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأعْرافِ، و "نَشْرًا" مَعْناهُ: مُنْتَشِرَةً مُتَفَرِّقَةً.
و"الطَهُورُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ في "طاهِرٍ"، وهَذِهِ المُبالَغَةُ اقْتَضَتْ في ماءِ السَماءِ وفي كُلِّ ما هو مِنهُ وبِسَبِيلِهِ أنْ يَكُونَ طاهِرًا ومُطَهِّرًا، ووَصَفَ البَلْدَةَ بِالمَيِّتِ لِأنَّهُ جَعَلَهُ كالمَصْدَرِ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ "البَلْدَةِ" بِمَعْنى "البَلَدِ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لِنُنْشِئَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ" بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومَعْناهُ: نَجْعَلُهُ لَهم سُقْيا، هَذا قَوْلُ بَعْضِ اللُغَوِيِّينَ في "أسْقى"، قالُوا: و "سَقى" مَعْناهُ لِلشَّفَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: سَقى وأسْقى بِمَعْنى واحِدٍ، ويُنْشَدُ عَلى ذَلِكَ بَيْتُ لَبِيدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَسْقِيَهُ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، ورُوِيَتْ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
و"أناسِيَّ" قِيلَ: هو جَمْعُ إنْسانٍ، والياءُ المُشَدَّدَةِ بَدَلٌ مِنَ النُونِ في الواحِدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهَ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو جَمْعُ إنْسِيٍّ، فَكانَ القِياسُ أنْ يَكُونَ "أناسِيَةٌ"، كَما قالُوا في مُهْلَّبِيٍّ: مَهالِبَةٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ اللُغَوِيِّينَ في جَمْعِ إنْسانٍ: أناسِينَ بِالنُونِ، كَسَرْحانَ وبُسْتانٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ: "أناسِيَ" بِتَخْفِيفِ الياءِ.
والضَمِيرُ في "صَرَّفْناهُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَماءِ، المَعْنى أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى جَعَلَ لَهم إنْزالَ الماءِ تَذْكِرَةً بِأنْ يَصْرِفَهُ عن بَعْضِ المَواضِعِ إلى بَعْضٍ، وهو كُلُّهُ في كُلِّ عامٍ بِمِقْدارٍ واحِدٍ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا ﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ: بِالأنْواءِ والكَواكِبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: "كُفُورًا" عَلى الإطْلاقِ لَمّا تَرَكُوا التَذَكُّرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الضَمِيرُ في "صَرَّفْناهُ" لِلْقُرْآنِ، وإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِوُضُوحِ الأمْرِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَجاهِدْهم بِهِ ﴾ ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الضَمِيرُ في "بِهِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُرادُ بِهِ الإسْلامُ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "صَرَفْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والكُوفِيُّونَ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ، وقَرَأ الباقُونَ: "لِيَذَّكَّرُوا" بِشَدِّ الذالِ والكافِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنا ﴾ الآيَةُ اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ، تَقْدِيرُهُ: ولَكُنّا أفْرَدْناكَ واصْطَفَيْناكَ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مِن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ اضْطَرَبَ الناسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ: بَحْرَ السَماءِ والبَحْرَ الَّذِي في الأرْضِ، ورُتِّبَتْ ألْفاظُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: البَحْرُ العَذْبُ هو مِياهُ الأنْهارِ الواقِعَةُ في البَحْرِ الأُجاجِ، ووُقُوعُها فِيهِ هو مَرْجُها، قالَ: والبَرْزَخُ والحِجْرُ هو حاجِزٌ في عِلْمِ اللهِ تَعالى لا يَراهُ البَشَرُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى "مَرَجَ": أدامَ أحَدَهُما في الآخَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلّى أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَتَداعى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ في الآيَةِ: إنَّ القَصْدَ بِها التَنْبِيهُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وإتْقانِ خَلْقِهِ لِلْأشْياءِ، في أنْ بَثَّ في الأرْضِ مِياهًا عَذْبَةً كَثِيرَةً مِن أنْهارٍ وعُيُونٍ وآبارٍ، وجَعَلَها خِلالَ الأُجاجِ، وجَعَلَ الأُجاجَ خِلالَها، فَتَرى البَحْرَ قَدِ اكْتَنَفَتْهُ المِياهُ العَذْبَةُ في ضَفَّتَيْهِ، وتَلْقى الماءَ في البَحْرِ في الجَزائِرِ ونَحْوِها- قَدِ اكْتَنَفَهُ الماءُ الأُجاجُ، فَبَثُّها هَكَذا في الأرْضِ، هو خَلْطُها، ومِنهُ قَوْلُهُ: "مَرَجَ"، ومِنهُ ﴿ فِي أمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ .
و "البَحْرانِ" يُرادُ بِهِما جَمِيعُ الماءِ العَذْبِ وجَمِيعُ الماءِ الأُجاجِ، كَأنَّهُ قالَ: مَرَجَ نَوْعَيِ الماءِ، فالبَرْزَخُ والحِجْرُ هُما ما بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِنَ الأرْضِ واليُبْسِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ القُدْرَةُ الَّتِي تُمْسِكُها مَعَ قُرْبِ ما بَيْنَهُما في بَعْضِ المَواضِعِ.
وبِكَسْرِ الحاءِ قَرَأ الناسُ كُلُّهم هُنا، والحَسَنُ بِضَمِّ الحاءِ في سائِرِ القُرْآنِ، و "البَرْزَخُ": الحاجِزُ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَذا مِلْحٌ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَهَذا مَلِحٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمْ: هَذا مُنْكَرٌ في القِراءَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أرادَ: مالِحًا، وحَذَفَ الألِفَ، كَعَرْدٍ وبَرْدٍ.
و "الأُجاجُ": أبْلَغُ ما يَكُونُ مِنَ المُلُوحَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا ﴾ الآيَةُ.
هو تَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في إيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ، والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ في ذَلِكَ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ في التَواشُجِ الَّذِي بَيْنَهم مِنَ النَسَبِ والصِهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الماءِ ﴾ إمّا أنْ يُرِيدَ أصْلَ الخِلْقَةِ في أنَّ كُلَّ حَيٍّ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ نُطَفَ الرِجالِ، وكُلُّ ذَلِكَ قالَتْهُ فِرْقَةٌ، والأوَّلُ أفْصَحُ وأبْيَنُ.
و "النَسَبُ والصِهْرُ" مَعْنَيانِ يَعُمّانِ كُلَّ قُرْبى تَكُونُ بَيْنَ كُلِّ آدَمِيَّيْنِ، فالنَسَبُ هو أنْ يَجْتَمِعَ إنْسانٌ مَعَ آخَرَ في أبٍ أو في أُمْ، قَرُبَ ذَلِكَ أو بَعُدَ ذَلِكَ، والصِهْرُ هو تَواشُجُ المُناكَحَةِ، فَقَرابَةُ الزَوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ يَقَعُ عامًّا لِذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: النَسَبُ ما لا يَحِلُّ نِكاحُهُ، والصِهْرُ ما يَحِلُّ نِكاحُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: الصِهْرُ قَرابَةُ الرَضاعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي وهْمٌ أوجَبَهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: حُرِّمْ مِنَ النَسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِهْرِ خَمْسٌ"، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: ومِنَ الصِهْرِ سَبْعٌ، يُرِيدُ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ ﴾ فَهَذا هو النَسَبُ، ثُمْ يُرِيدُ بِالصِهْرِ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِنَ نِسائِكم اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنَ أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، ثُمْ ذَكَرَ المُحْصَناتِ، ويَحْتَمِلُ هَذا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أرادَ: حُرِّمْ مِنَ الصِهْرِ ما ذُكِرَ مَعَهُ، فَقَصَدَ بِـ "ما ذُكِرَ" إلى عُظْمِهِ وهو الصِهْرُ؛ لا أنَّ الرَضاعَ صِهْرٌ، وإنَّما الرَضاعُ عَدِيلُ النَسَبِ يَحْرُمْ مِنهُ ما يَحْرُمْ مِنَ النَسَبِ بِحُكْمِ الحَدِيثِ المَأْثُورِ فِيهِ، ومَن رَوى: «وَحُرِّمْ مِنَ الصِهْرِ خَمْسٌ» أسْقَطَ مِنَ الآيَتَيْنِ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، والمُحْصَناتِ، وهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ.
وحَكى الزَهْراوِيُّ قَوْلًا: أنَّ النَسَبَ مِن جِهَةِ البَنِينَ، والصِهْرَ مِن جِهَةِ البَناتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَسَنٌ وهو في دَرَجِ ما قَدَّمْتُهُ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَبِيِّ ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ لِأنَّهُ جَمَعَهُ مَعَهُ نَسَبٌ وصِهْرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فاجْتِماعُهُما وِكادُ حُرْمَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ هي "كانَ" الَّتِي لِلدَّوامِ قَبْلُ وبَعْدُ، لا أنَّها تُعْطِي مُضِيًّا فَقَطْ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى خَطَأهم في عِبادَتِهِمْ أصْنامًا لا تَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّ "الظَهِيرَ" المُعِينُ، فَتَكُونُ الآيَةُ بِمَعْنى تَوْبِيخِهِمْ عَلى ذَلِكَ، مِن أنَّ الكَفّارَ يُعِينُونَ عَلى رَبِّهِمْ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ، ويُعِينُونَ الشَيْطانَ بِأنْ يُطِيعُوهُ ويُظاهِرُوهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثانِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ في أنْ يَكُونَ " الظَهِيرُ" فَعِيلًا مِن قَوْلِكَ: "ظَهَرْتُ الشَيْءَ" إذا طَرَحْتَهُ وراءَ ظَهْرِكَ واتَّخَذْتَهُ ظِهْرِيًّا، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ احْتِقارَ الكَفَرَةِ، و "الكافِرُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلْ هو مُعَيَّنٌ أرادَ بِهِ أبا جَهْلٍ بْنِ هِشامٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبَهُ أنَّ أبا جَهْلٍ سَبَبُ الآيَةِ، ولَكِنَّ اللَفْظَ عامٌّ لِلْجِنْسِ كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، أيْ: لا تَهْتَمَّ بِهِمْ، ولا تَذْهَبْ نَفْسُكُ حَسَراتٍ حِرْصًا عَلَيْهِمْ، فَإنَّما أنْتَ رَسُولٌ تُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، وتُنْذِرُ الكَفَرَةَ بِالنارِ، ولَسْتَ بِمَطْلُوبٍ بِإيمانِهِمْ جَمِيعًا.
ثُمْ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ مُزِيلًا لِوُجُوهِ التُهَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ ، أيْ: لا أطْلُبُ مالًا ولا نَفْعًا يَخْتَصُّ بِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن شاءَ ﴾ ، الظاهِرُ فِيهِ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: مَسْؤُولِي ومَطْلُوبِي مَن شاءَ أنْ يَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ ويَتَّخِذَ إلى رَحْمَةِ رَبِّهِ طَرِيقَ نَجاةٍ فَلْيَفْعَلْ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: لا أسْألُكم أجْرًا إلّا إنْفاقَ المالِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهَذا هو المَسْؤُولُ، وهو السَبِيلُ إلى الرَبِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- كالمُتَّصِلِ، وكَأنَّهُ قالَ: إلّا أجْرَ مَن شاءَ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا ﴾ ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا ﴾ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي لا ظَنَّ يَنْصَرِفُ إلَيْكَ مَعَها، ولا تَهْتَمَّ مَعَها، وبَشِّرْ وأنْذِرْ وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَهو المُتَكَفِّلُ بِنَصْرِكَ في كُلِّ أمْرِكَ.
ثُمْ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالصِفَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَوَكُّلَ في قَوْلِهِ: ﴿ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾ ؛ إذْ هَذا المَعْنى يَخْتَصُّ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى دُونَ كُلِّ ما في الدُنْيا مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ حَيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أيْ: قُلْ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، أيْ: تَنْزِيهُهُ واجِبٌ، وبِحَمْدِهِ أقُولُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ : «مَن قالَ في كُلِّ يَوْمٍ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»، فَهَذا مَعْنى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ ، وهي إحْدى الكَلِمَتَيْنِ الخَفِيفَتَيْنِ عَلى اللِسانِ، الثَقِيلَتَيْنِ في المِيزانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى ﴾ تَوَعُّدٌ، وإزالَةُ كَلٍّ عن كاهِلِ مُحَمَّدٍ في هَمِّهِ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ﴾ مَعَ جَمْعِهِ " السَماواتِ "، فَقِيلَ: سائِغٌ مِن حَيْثُ عادَلَ لَفْظُ "الأرْضَ" لَفْظُ "السَماواتِ"، ومِنهُ قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ: ألَمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا مِن حَيْثُ عادَلَ حَبْلٌ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما ∗∗∗ يُوفِي المَخارِمْ يَرْقُبانِ سَوادِي وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ، اخْتَلَفَتِ الرِوايَةُ في اليَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأ اللهُ تَعالى فِيهِ الخَلْقَ، فَأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى يَوْمِ الأحَدِ، وفي مُسْلِمْ وفي كِتابِ الدَلائِلِ: يَوْمَ السَبْتَ.
ويَتَبَيَّنُ بِكَوْنِ ذَلِكَ في سِتَّةِ أيّامٍ وضْعُ الأناةِ والتَمَهُّلُ في الأُمُورِ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تَقْضِي أنَّهُ يَخْلُقُها في طَرْفَةِ عَيْنٍ لَوْ شاءَ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الِاسْتِواءِ.
وقَوْلُهُ: "الرَحْمَنُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ، أيْ: هو الرَحْمَنُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اسْتَوى"، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ الحُسَيْنِ: "الرَحْمَنِ" بِالخَفْضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاسْألْ عنهُ، و "خَبِيرًا" -عَلى هَذا- مَنصُوبٌ بِوُقُوعِ السُؤالِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: اسْألْ جِبْرِيلَ والعُلَماءَ وأهْلَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
والثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى كَما تَقُولُ: لَوْ لَقِيتُ فُلانًا لَقِيتُ بِهِ البَحْرَ كَرَمًا، أيْ: لَقِيتُ مِنهُ، والمَعْنى: فاسْألِ اللهَ عن كُلِّ أمْرٍ، و "خَبِيرًا" -عَلى هَذا- مَنصُوبٌ إمّا بِوُقُوعِ السُؤالِ، وإمّا عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴾ ، ولَيْسَتْ هَذِهِ بِحالٍ مُنْتَقِلَةٍ؛ إذِ الصِفَةُ العَلِيَّةُ لا تَتَغَيَّرُ.
ولَمّا ذُكِرَ "الرَحْمَنُ" في هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ قُرَيْشٌ لا تَعْرِفُ هَذا في أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وكانَ مُسَيْلِمَةُ كَذّابُ اليَمامَةِ تَسَمّى بِالرَحْمَنِ، فَتَغالَطَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ بِعِبادَةِ رَحْمَنِ اليَمامَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما الرَحْمَنُ ﴾ ؟
اسْتِفْهامٌ عن مَجْهُولٍ عِنْدَهُمْ، فَـ "ما" عَلى بابِها المَشْهُورِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَأْمُرُنا" بِالتاءِ، أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "يَأْمُرُنا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، إمّا عَلى إرادَةِ مُحَمَّدٍ ، والكِنايَةُ عنهُ بِالغَيْبَةِ، وإمّا عَلى إرادَةِ رَحْمانِ اليَمامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزادَهُمْ ﴾ أيْ: أضَلَّهم هَذا اللَفْظُ ضَلالًا يَخْتَصُّ بِهِ، حاشى ما تَقَدَّمَ مِنهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا ﴾ ﴿ وَعِبادُ الرَحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ لَمّا جَعَلَتْ قُرَيْشٌ سُؤالَها عَنِ اللهِ تَعالى وعَنِ اسْمِهِ الَّذِي هو الرَحْمَنُ سُؤالًا عن مَجْهُولٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُصَرِّحَةً بِصِفاتِهِ الَّتِي تُعَرِّفُ بِهِ، وتُوجِبُ الإقْرارَ بِأُلُوهِيَّتِهِ.
و "البُرُوجُ" هي الَّتِي عَلِمَتْها العَرَبُ بِالتَجْرِبَةِ وكُلُّ أُمَّةٍ مُصْحِرَةٍ، وهي الشُهُورُ عِنْدَ اللُغَوِيِّينَ وأهْلِ تَعْدِيلِ الأوقاتِ، وكُلُّ بُرْجٍ مِنها عَلى مَنزِلَتَيْنِ وثُلُثٍ مِن مَنازِلِ القَمَرِ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ﴾ ، والعَرَبُ تُسَمِّي البِناءَ المُرْتَفِعَ المُسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ بُرْجًا تَشْبِيهًا بِبُرُوجِ السَماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ ، وقالَ الأخْطَلُ: كَأنَّها بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها: البُرُوجُ: القُصُورُ في الجَنَّةِ، وقالَ الأعْمَشُ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ يَقْرَؤُونَها: "فِي السَماءِ قُصُورًا"، وقِيلَ: البُرُوجُ: الكَواكِبُ العِظامُ، حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي صالِحٍ، وهَذا نَحْوُ ما بَيَّنّاهُ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُلَخَّصٍ، والقَوْلُ بِأنَّها قُصُورٌ في الجَنَّةِ يَحُطُّ غَرَضَ الآيَةِ في التَنْبِيهِ عَلى أشْياءَ مُدْرَكاتٍ تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى كُلِّ مُنْكِرٍ لِلَّهِ أو جاهِلٍ بِهِ.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِراجًا"، وهي الشَمْسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ: "سُرُجًا"، وهو اسْمُ جَمِيعِ الأنْوارِ، وقَدْ خَصَّ القَمَرَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، وقَرَأ النَخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: "سُرْجًا" بِسُكُونِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمْ، رَوى عِصْمَةُ عَنِ الحَسَنِ: "وَقُمْرًا" بِضَمِّ القافِ ساكِنَةَ المِيمِ، ولا أدْرِي ما أرادَ إلّا أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَثَمَرٍ وثُمُرٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والنَخَعِيِّ.
وقَوْلُهُ: "خِلْفَةً" أيْ: هَذا يَخْلُفُ هَذا، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ ومِن هَذا قَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ امْرَأةً تَنْتَقِلُ مِن مَنزِلٍ في الشِتاءِ إلى مَنزِلٍ في الصَيْفِ دَأْبًا: ولَهَـا بِالمَـاطِـرُونَ إذا ∗∗∗ أكَـلَ النَمْـلُ الَّـذِي جَمَعَـا خِلْفَـةٌ حَتَّـى إذا ارْتَبَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَـتْ مِـنْ جِلَّـقٍ بِيَعًــا في بُيُـوتٍ وسْطَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَـوْلَهَـا الزَيْتـُونُ قُـدْ يَنَعَـا وَقالَ مُجاهِدٌ: "خِلْفَةً" مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ، نَحْوَ ما قَدَّمْناهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرَ بِالمَصْنُوعاتِ ويَشْكُرُ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِ في العَقْلِ والفِكْرِ والفَهْمِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ما فاتَهُ مِنَ الخَيْرِ والصَلاةِ ونَحْوَهُ في أحَدِهِما فَيَسْتَدْرِكَهُ في الَّذِي يَلِيهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يَذْكُرَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والنَخَعِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَذَّكَّرَ" بِشَدِّ الذالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يَتَذَكَّرَ" بِزِيادَةِ تاءٍ.
ثُمْ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا ﴾ جاءَ بِصِفَةِ عِبادِهِ الَّذِينَ هم أهْلُ التَذَكُّرِ والشُكُورِ، و "العِبادُ" و "العَبِيدُ" بِمَعْنى، إلّا أنَّ العِبادَ تُسْتَعْمَلُ في مَواضِعِ التَنْوِيهِ، وسُمِّيَ قَوْمٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ العِبادَ لِأنَّ كِسْرى مَلَّكَهم دُونَ العَرَبِ، وقِيلَ: لِأنَّهم تَألَّهُوا مَعَ نَصارى الحِيرَةِ فَصارُوا عِبادَ اللهِ، وإلَيْهِمْ يُنْسَبُ عَدِيٌّ بْنُ زَيْدٍ العِبادِيُّ، وقَرَأ الحَسَنُ: وعُبُدُ الرَحْمَنِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، والمَعْنى: وعِبادُهُ حَقُّ عِبادِهِ هُمُ الَّذِينَ يَمْشُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ عِبارَةٌ عن عَيْشِهِمْ ومُدَّةِ حَياتِهِمْ وتَصَرُّفاتِهِمْ، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ المُعْظَمِ، لا سِيَّما وفي ذَلِكَ الِانْتِقالِ في الأرْضِ مُعاشَرَةُ الناسِ وخُلْطَتُهم.
ثُمْ قالَ: "هَوْنًا" بِمَعْنى أمْرُهُ كُلُّهُ هَوْنٌ، أيْ لَيِّنٌ حَسَنٌ، قالَ مُجاهِدٌ: بِالحِلْمِ والوَقارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بِالطاعَةِ والعَفافِ والتَواضُعِ، وقالَ الحَسَنُ: حِلْمًا، إنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجْهَلُوا، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "هَوْنًا" مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ ﴾ أيِ المَشْيُ هو الهَوْنُ، ويُشْبِهُ أنْ يُتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي هَوْنًا مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، فَيَرْجِعُ القَوْلُ إلى نَحْوِ ما بَيَّنّاهُ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ المَشْيِ وحْدَهُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذُئَيْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ «كانَ رَسُولُ اللهِ يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الصَدْرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «مَن مَشى مِنكم في طَمَعٍ فَلْيَمْشِ رُوَيْدًا» إنَّما أرادَ في عَقْدِ نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدِ المَشْيَ وحْدَهُ، ألّا تَرى أنَّ المُبْطِلِينَ المُتَحَلِّينَ بِالدِينِ تَمَسَّكُوا بِصُورَةِ المَشْيِ فَقَطْ حَتّى قالَ فِيهِمُ الشاعِرُ ذَمًّا لَهم: كُلُّهم يَمْشِي رُوَيْـدْ ∗∗∗ كُلُّهم يَطْلُـبُ صَيْـدْ وقالَ الزُهْرِيُّ: سُرْعَةُ المَشْيِ تَذْهَبُ بِبَهاءِ الوَجْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الإسْراعَ الحَثِيثَ؛ لِأنَّهُ يُخِلُّ بِالوَقارِ، والخَيْرُ في التَوَسُّطُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كُنْتُ أسْألُ عن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فَما وجَدْتُ في ذَلِكَ شِفاءً، فَرَأيْتُ في النَوْمِ مَن جاءَنِي فَقالَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ أنْ يُفْسِدُوا في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِلتَّفْسِيرِ في الخُلُقِ.
و "هَوْنًا" مَعْناهُ: رِفْقًا وقَصْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : " «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما» الحَدِيثُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ .
اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْبَغِي لِلْمُخاطِبِ أنْ يَقُولَ لِلْجاهِلِ: "سَلامًا" بِهَذا اللَفْظِ، أيْ: سَلَّمْنا سَلامًا وتَسْلِيمًا ونَحْوَ هَذا، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مِن لَفْظِهِ عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ.
والَّذِي أقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: "قالُوا" هو العامِلُ في "سَلامًا"؛ لِأنَّ المَعْنى: قالُوا هَذا اللَفْظَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى "سَلامًا": قَوْلًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِهِ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فَقالُوا في هَذا التَأْوِيلِ: العامِلُ في قَوْلِهِ "سَلامًا" عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ، وذَلِكَ أنَّهُ بِمَعْنى: قَوْلًا، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ قَبْلَ آيَةِ السَيْفِ، فَنُسِخَ مِنها ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ، وبَقِيَ أدَبُها في المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ النَسْخَ في هَذِهِ الآيَةِ في كِتابِهِ، وما تَكَلَّمَ عَلى نَسْخٍ سِواهُ، ورَجَّحَ بِهِ أنَّ المُرادَ السَلامَةُ لا التَسْلِيمُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا قَطُّ بِالسَلامِ عَلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ في بَعْضِ [مَصاحِفِ] التَوارِيخِ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ -وَكانَ مِنَ المائِلِينَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- قالَ يَوْمًا بِمَحْضَرِ المَأْمُونِ -وَعِنْدَهُ جَماعَةٌ-: كُنْتُ أرى عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَوْمِ، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ؟
فَيَقُولُ: أنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَكُنْتُ أجِيءُ مَعَهُ إلى قَنْطَرَةٍ، فَيَذْهَبُ يَتَقَدَّمُنِي في عُبُورِها، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ، ونَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنكَ، فَما رَأيْتُ لَهُ في الجَوابِ بَلاغَةً كَما يُذْكَرُ عنهُ، فَقالَ المَأْمُونُ: وبِماذا جاوَبَكَ؟
قالَ: فَكانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا سَلامًا، قالَ الراوِي: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ لا يَحْفَظُ الآيَةَ، أو ذَهَبَتْ عنهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَنَبَّهَ المَأْمُونُ عَلى الآيَةِ أمامَ مَن حَضَرَهُ، وقالَ: هو واللهِ يا عَمِّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَدْ جاوَبَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، فَحَزِنَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيا، وكانَتْ رُؤْياهُ لا مَحالَةَ صَحِيحَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ ﴿ إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ .
هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَحْرِيضٌ عَلى القِيامِ بِاللَيْلِ لِلصَّلاةِ، قالَ الحَسَنُ: لَمّا فَرَغَ مِن وصْفِ نَهارِهِمْ وصَفَ في هَذِهِ لَيْلَهُمْ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَن صَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ، وشَفَعَ وأوتَرَ، فَهو داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّهُ دُخُولٌ غَيْرُ مُسْتَوْفى، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "سُجُودًا".
ومَدَحَهم تَبارَكَ وتَعالى بِدُعائِهِمْ في صَرْفِ عَذابِ جَهَنَّمَ مِن حَيْثُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ عَقِيدَتِهِمْ وإيمانِهِمْ، ومِن حَيْثُ أعْمالُهم بِحَسَبِهِ، و "غَرامًا" مَعْناهُ: مُلازِمًا ثَقِيلًا مُجْحِفًا، ومِنهُ غَرامُ الحُبِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ ـطِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وقَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمْ: ويَوْمَ النِسارِ ويَوْمَ الجِفا ∗∗∗ رِ كانَ عِقابًا وكانَ غَرامًا وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُقامًا" بِضَمِّ المِيمِ، مِنَ الإقامَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَيُّوا المُقامَ وحَيَّوْا ساكِنَ الدارِ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مَقامًا" بِفَتْحِ المِيمِ، مِن قامَ يَقُومُ، فَجَهَنَّمُ مَوْضِعُ مَقامٍ لَهُمْ، والأوَّلُ أفْصَحُ وأشْهَرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهِ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا ﴾ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا ﴾ ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في الإنْفاقِ، فَعِبارَةُ أكْثَرِهِمْ أنَّ الَّذِي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعَةِ وإنْ أفْرَطَ، والمُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في المَعْصِيَةِ وإنْ قَلَّ إنْفاقُهُ، وأنَّ المُقْتِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ حَقًّا عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَبَةَ: الإسْرافُ: أنْ تُنْفِقَ مالَ غَيْرِكَ.
وغَيْرُ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِلَفْظِ الآيَةِ.
وخَلْطُ الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِالإسْرافِ والتَقْتِيرِ فِيهِ نَظَرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَفَقَةَ في مَعْصِيَةٍ أمْرٌ قَدْ حَظَرَتِ الشَرِيعَةُ قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ، وكَذَلِكَ التَعَدِّي عَلى مالِ الغَيْرِ، وهَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ مُنَزَّهُونَ عن ذَلِكَ، وإنَّما التَأْدِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو في نَفَقَةِ الطاعاتِ في المُباحاتِ، فَأدَبُ الشَرْعِ فِيها ألّا يُفَرِّطَ الإنْسانُ حَتّى يُضَيِّعَ حَقًّا آخَرَ أو عِيالًا ونَحْوَ هَذا، وألّا يُضَيِّقَ أيْضًا ويُقَتِّرَ حَتّى يُجِيعَ العِيالَ ويُفْرِطَ في الشُحِّ، والحَسَنُ في ذَلِكَ هو القَوامُ، أيِ: العَدْلُ، والقَوامُ في كُلِّ واحِدٍ بِحَسْبِ عِيالِهِ وحالِهِ، وخِفَّةِ ظَهْرِهِ وصَبْرِهِ وجَلَدِهِ عَلى الكَسْبِ، أو ضِدِّ هَذِهِ مِنَ الخِصالِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوسَطُها، ولِهَذا «تَرَكَ رَسُولُ اللهِ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عنهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مالِهِ» ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وسَطٌ بِنِسْبَةِ جِلَدِهِ وصَبْرِهِ في الدِينِ، ومَنَعَ غَيْرَهُ مِن ذَلِكَ، ونِعْمَ ما قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يُجِيعُ ولا يُعْرِي، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً يَقُولُ الناسُ: قَدْ أسْرَفَ.
وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: هُمُ الَّذِينَ لا يَلْبَسُونَ الثِيابَ لِلْجَمالِ، ولا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلَّذَّةِ.
وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ: ما نَفَقَتُكَ؟
فَقالَ لَهُ عُمَرُ: الحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ، ثُمْ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ يَزِيدُ بْنُ حَبِيبٍ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمْ واللَذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثِيابًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَعامِ ما يَسُدُّ عنهُمُ الجُوعَ، ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ومِنَ اللِباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ، ويُكِنُّهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كَفى بِالمَرْءِ سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ وأكَلَهُ»، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : «إنَّ مِنَ السَرَفِ أنْ تَأْكُلَ ما اشْتَهَيْتَهُ»، وقالَ الشاعِرُ: ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصَدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يَقْتِرُوا" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ -، وعاصِمْ بِخِلافٍ-.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والناسُ: "قَوامًا" بِفَتْحِ القافِ، أيْ: مُعْتَدِلًا، وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بِكَسْرِ القافِ، أيْ: مُبَلِّغًا وسِدادًا ومِلاكَ حالٍ.
و "قَوامًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها مُقَدَّرٌ، أيِ: الإنْفاقُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ اسْمُها قَوْلَهُ: "بَيْنَ ذَلِكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ، إخْراجٌ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِن صِفاتِ الكَفَرَةِ فِي: عِبادَتِهِمُ الأوثانَ، وقَتْلِهِمُ النَفْسَ بِوَأْدِ البَناتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الظُلْمِ والِاغْتِيالِ والغاراتِ، وبِالزِنى الَّذِي كانَ عِنْدَهم مُباحًا، وفي نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قَلَتْ يَوْمًا لِرَسُولِ اللهِ : أيُّ الذَنْبِ أعْظَمُ؟
قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟
قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟
قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ، ثُمْ قَرَأ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالقَتْلِ والزِنى يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ العُصاةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَهم مِنَ الوَعِيدِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو قَتْلُ النَفْسِ، والكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، والزِنى بَعْدَ الإحْصانِ، والكُفْرُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إيمانٌ في الحَرْبِيِّينَ.
و "الأثامُ" في كَلامِ العَرَبِ: العِقابُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ هَذِهِ الآيَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَزى اللهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى ∗∗∗ عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ أيْ: جَزاءٌ وعُقُوبَةٌ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ: إنَّ "أثامًا" وادٍ في جَهَنَّمَ، هَذا اسْمُهُ، وقَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعالى عِقابًا لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعَفْ" و "يَخْلُدْ" جَزْمًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ: "يُضَعَّفْ" بِشَدِّ العَيْنِ وطَرْحِ الألِفِ، وبِالجَزْمِ في "يُضَعَّفْ"، "وَيَخْلُدْ".
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نُضَعِّفْ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" بِالنَصْبِ، "وَيَخْلُدْ" بِالجَزْمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "وَتَخْلُدْ" بِالتاءِ، عَلى مَعْنى مُخاطَبَةِ الكافِرِ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُخْلَدْ" بِضَمِّ الياءِ مِن تَحْتِ، وفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي غَلَطٌ مِن جِهَةِ الرِوايَةِ، و "يُضاعَفْ" بِالجَزْمِ بَدَلٌ مِن "يَلْقَ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: مُضاعَفَةُ العَذابِ لُقِيُّ الأثامِ، قالَ الشاعِرُ: مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ الآيَةُ، لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عامَلٌ في الكافِرِ والزانِي، واخْتَلَفُوا في القاتِلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: لَهُ التَوْبَةُ، وَجَعَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ قاعِدَتَها قَوْلَهَ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَحُصِّلَ القاتِلُ في المَشِيئَةِ كَسائِرِ التائِبِينَ مِن ذُنُوبٍ، ويَتَأوَّلُونَ الخُلُودَ الَّذِي في آيَةِ القَتْلِ في سُورَةِ النِساءِ بِمَعْنى الدَوامِ إلى مُدَّةٍ كَخُلُودِ الدُوَلِ ونَحْوِهِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ لِمَن قَتَلَ: حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ .
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما أُرِيدَ بِالتَوْبَةِ فِيها المُشْرِكُونَ، وذَلِكَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ طَوائِفُ مِنَ المُشْرِكِينَ: كَيْفَ لَنا بِالدُخُولِ في الإسْلامِ ونَحْنُ قَدْ فَعَلْنا جَمِيعَ هَذا؟
فَنَزَلَتْ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَتْ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ ﴾ ، فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ فَرِحَ بِشَيْءٍ فَرَحِهِ بِها وبِسُورَةِ الفَتْحِ».
وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ قالَ بِأنْ لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ سُورَةِ النِساءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ورَواهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَما رَأيْتُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا سَألْتُهُ عنهُ، فَما سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ لِذَنْبٍ: لا أغْفِرُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ .
مَعْناهُ: يَجْعَلُ أعْمالَهم بَدَلَ مَعاصِيهِمُ الأُولى طاعَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ورَدُّوا عَلى مَن قالَ: هو في يَوْمِ القِيامَةِ لِمَن يُرِيدُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِنَ المُوَحِّدِينَ، يُبَدِّلُ السَيِّئاتِ حَسَناتٍ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ المُسَيَّبِ في هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ مَعْنى كَرَمِ العَفْوِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُبْدِلُ" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللهِ مَتابًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُورَ وإذا مَرُّوا بِاللَغْوِ مَرُّوا كِرامًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ أكَّدَ هَذا اللَفْظُ أمْرَ التَوْبَةِ، والمَعْنى: ومَن تابَ فَإنَّهُ قَدْ تَمَسَّكَ بِأمْرٍ وثِيقٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن يُسْتَحْسَنُ قَوْلُهُ في أمْرٍ: لَقَدْ قُلْتَ يا فُلانُ قُولًا.
وكَذَلِكَ الآيَةُ مَعْناها مَدْحُ المَتابِ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنَّهُ يَجِدُ بابًا لِلْفَرَجِ والمَغْفِرَةِ عَظِيمًا.
ثُمُ اسْتَمَرَّتِ الآياتُ في صِفَةِ عِبادِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى- المُؤْمِنِينَ بِأنْ نَفى عنهم شَهادَةَ الزُورِ.
و"يَشْهَدُونَ" في هَذَهِ الآيَةِ ظاهِرُ مَعْناها: يُشاهِدُونَ ويَحْضُرُونَ.
و "الزُورُ": كُلُّ باطِلٍ زُوِّرَ وزُخْرِفَ، فَأعْظَمُهُ الشِرْكُ، وبِهِ فَسَّرَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ الغِناءُ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، ومِنهُ الكَذِبُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: المَعْنى: لا يَشْهَدُونَ الزُورَ، فَهي مِنَ الشَهادَةِ لا مِنَ المُشاهَدَةِ، و "الزُورُ": الكَذِبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشاهِدُ بِالزُورِ -حاضِرُهُ ومُؤَدِّيهِ- فَجَرَةٌ، فالمَعْنى الأوَّلُ أعَمُّ، لَكِنَّ المَعْنى الثانِيَ أغْرَقُ في المَعاصِي وأنْكى.
و "اللَغْوُ": كُلُّ سَقْطٍ مِن فِعْلٍ أو قَوْلٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الغِناءُ واللهْوُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قارَبَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ سَفَهُ المُشْرِكِينَ وأذاهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وذِكْرُ النِساءِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنُ المُنْكَرِ، و "كِرامًا" مَعْناهُ: مُعْرِضِينِ مُسْتَخِفِّينَ يَتَجافَوْنَ عن ذَلِكَ، ويَصْبِرُونَ عَلى الإيذاءِ مِنهُ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمِعَ غِناءً فَأسْرَعَ في مَشْيِهِ وذَهَبَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ فَقالَ: "لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ أُمْ عَبْدٍ كَرِيمًا، وقَرَأ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا إذا مَرَّ المُسْلِمْ بِمُنْكَرٍ فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحُدُودُ التَغْيِيرِ مَعْرُوفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ ، يُرِيدُ: ذُكِّرُوا بِالقُرْآنِ آخِرَتَهم ومَعادَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهم بِهَذِهِ الصِفَةِ بَلْ يَكُونُ خُرُوجُهم سُجَّدًا وبُكِيًّا، وهَذا كَما تَقُولُ: لَمْ يَخْرُجْ زَيْدٌ لِلْحَرْبِ جَزَعًا، أيْ: إنَّما خَرَجَ جَرِيئًا مُقْدِمًا، أو كَأنَّ الَّذِي يَخِرُّ أصَمَّ أعْمى هو المُنافِقُ أوِ الشاكُّ، والتَأْوِيلُ الثانِي، وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وهو أنَّ ﴿ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ هي صِفَةٌ لِلْكُفّارِ، وهي عِبارَةٌ عن إعْراضِهِمْ وجَهْدِهِمْ في ذَلِكَ، وقِرْنُ ذَلِكَ بِقَوْلِكَ، قَعَدَ فُلانٌ يَشْتُمُنِي، وقامَ فُلانٌ يَبْكِي، وأنْتَ لَمْ تَقْصِدِ الإخْبارَ بِقُعُودٍ ولا قِيامٍ، وإنَّما هي تَوْطِئاتٌ في الكَلامِ والعِبارَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ المُسْتَمِعَ لِلذِّكْرِ قائِمُ القَناةِ قَوِيمُ الأمْرِ، فَإذا أعْرَضَ وضَلَّ كانَ ذَلِكَ خُرُورًا، وهو السُقُوطُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ وتَرْتِيبٍ، وإنْ كانَ قَدْ شُبِّهَ بِهِ الَّذِي يَخِرُّ ساجِدًا، ولَكِنَّ أصْلَهُ أنَّهُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبٍ.
ثُمْ مَدَحَ المُؤْمِنِينَ حالَ الدُعاءِ إلَيْهِ في أنْ يُقِرَّ العُيُونَ بِالأهْلِ والذُرِّيَّةِ.
و "قُرَّةُ العَيْنِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرِّ، وهو الأشْهَرُ؛ لِأنَّ دَمْعَ السُرُورِ بارِدٌ ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ، فَمِن هَذا يُقالُ: أقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ وأسْخَنَ اللهُ عَيْنَ العَدُوِّ، وقُرَّةُ العَيْنِ في الأزْواجِ والذُرِّيَّةِ أنْ يَراهُمُ الإنْسانُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وحَضْرَمِيٌّ، وبَيَّنَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الوَجْهَ مِن ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ يَهْتَدِي الِابْنُ، والأبُ كافِرٌ، والزَوْجُ، والزَوْجَةُ كافِرَةٌ، فَكانَتْ قُرَّةُ عُيُونِهِمْ في إيمانِ أحْبابِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ: "وَذُرِّيّاتِنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: "وَذُرِّيَّتِنا" بِالإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ قِيلَ: هو جَمْعُ "آمٍّ"، مِثْلُ قائِمْ وقِيامٌ، وقِيلَ: هو مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، أيِ: اجْعَلْنا يَأْتَمُّ بِنا المُتَّقُونَ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا أنْ يَكُونَ الداعِي مُتَّقِيًا قُدْوَةً، وهَذا هو قَصْدُ الداعِي، قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: لَمْ يَطْلُبُوا الرِياسَةَ، بَلْ أنْ يَكُونُوا قُدْوَةً في الدِينِ، وهَذا حَسَنٌ أنْ يُطْلَبَ ويُسْعى لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يُجازَوْنَ" بِألِفٍ، و "الغُرْفَةُ" مِن مَنازِلِ الجَنَّةِ، وهي الغُرَفُ فَوْقَ الغُرَفِ، وهي اسْمُ جِنْسٍ، كَما قالَ: ولَوْلا الحَبَّةُ السَمْرا ءُ لَمْ أحْلُلْ بِوادِيكُمْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَيُلَقَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّ القافِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، وطَلْحَةُ، ومُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ : "وَيَلْقَوْنَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وتَخْفِيفِ القافِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ الآيَةُ.
أمَرٌ لِمُحَمَّدٍ أنْ يُخاطِبَ بِذَلِكَ، و "ما" تَحْتَمِلُ النَفْيَ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والكَلامُ في نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها أنْ تَكُونَ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ خِطابًا لِجَمِيعِ الناسِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِقُرَيْشٍ مِنهُمْ: ما يُبالِي اللهُ بِكُمْ، ولا يَنْظُرُ إلَيْكم لَوْلا عِبادَتُكم إيّاهُ أنْ لَوْ كانَتْ، وذَلِكَ الَّذِي يَعْبَأُ بِالبَشَرِ مِن أجْلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ .
وقالَ النَقّاشُ: المَعْنى: لَوْلا اسْتِغاثَتُكم إلَيْهِ في الشَدائِدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو عُرْفُ الناسِ المَرْعِيُّ فِيهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: "فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ"، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ الخِطابَ بِـ ﴿ ما يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ هو لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمْ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: فَأنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمْ ولَمْ تَعْبُدُوهُ، فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ أو يَكُونُ التَكْذِيبُ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ- لِزامًا.
والثانِي أنْ يَكُونَ الخِطابُ بِالآيَتَيْنِ لِقُرَيْشٍ خاصَّةً، أيْ: ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمُ الأصْنامَ دُونَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَعْذِيبَكم.
والثالِثُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم إلى شَرْعِهِ، فَوَقَعَ مِنكُمُ الكُفْرُ والإعْراضُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفي الأوَّلَيْنَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و "يَعْبَأُ" مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْءِ وهو مِنَ الثِقَلِ الَّذِي يُعَبَّأُ ويُرَتَّبُ كَما يُعْبَّأُ الجَيْشُ.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ"، قالَ الزَهْراوِيُّ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: وهي عَلى التَفْسِيرِ.
وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّ اللِزامَ المُشارَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ هو يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى: فَسَوْفَ يَكُونُ جَزاءُ التَكْذِيبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اللِزامُ هو التَكْذِيبُ نَفْسُهُ، أيْ: لا يُعْطَوْنَ تَوْبَةً، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: اللِزامُ المَوْتُ، وهَذا نَحْوُ القَوْلِ بِبَدْرٍ، وإنْ أرادَ بِهِ مُتَأوِّلٌ المَوْتَ المُعْتادَ في الناسِ عُرْفًا فَهو ضَعِيفٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِزامًا" بِكَسْرِ اللامِ، مِن لُوزِمْ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِصَخْرِ الغَيِّ: فَإمّا يَنْجُوا مِن حَتْفِ أرْضٍ ∗∗∗ فَقَدْ لَقِيا حُتُوفَهُما لِزامًا وقَرَأ أبُو السَمالِ: "لَزامًا" بِفَتْحِ اللامِ، مِن لَزِمْ، واللهُ أعْلَمُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقانِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهُ أجْمَعِينَ