المحرر الوجيز سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الشعراء

تفسيرُ سورةِ الشعراء كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 110 دقيقة قراءة

تفسير سورة الشعراء كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

طسٓمٓ ١ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢ لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌۭ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ٣ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةًۭ فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ ٤ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ٥ فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَـٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۢ كَرِيمٍ ٧ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُعَراءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَهُ جُمْهُورُ الناسِ، وقالَ مُقاتِلٌ: مِنها مَدَّنِيٌّ الآيَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الشُعَراءُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ  ﴾ .

قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عنهُ مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ في أوائِلِ السُورِ مُسْتَوْعَبًا.

و "تِلْكَ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وهو وخَبَرُهُ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ عن "طسم" في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ.

والإشارَةُ بـ "تِلْكَ" هي بِحَسْبِ الخِلافِ في "طسم"، وعَلى بَعْضِ الأقْوالِ تَكُونُ "تِلْكَ" إشارَةً إلى حاضِرٍ، و "ذَلِكَ" إلى مَوْجُودٍ، كَما أنَّ "هَذِهِ" قَدْ تَكُونُ الإشارَةُ بِها إلى غائِبٍ مَعْهُودٍ كَأنَّهُ حاضِرٌ.

و ﴿ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ القُرْآنُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "طسم" بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها وبِإدْغامِ النُونِ مِن "سِينْ" في المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِإظْهارِها، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عن أبِي جَعْفَرٍ ونافِعٍ قَطْعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنها عَلى حِدَةٍ، قالَ أبُو حاتِمُ: الِاخْتِيارُ فَتْحُ الطاءِ وإدْغامُ آخِرَ "سِينْ" في أوَّلِ "مِيمْ" فَتَصِيرُ المِيمُ مُتَّصِلَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكَ ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  عَمّا كانَ فِيهِ مِنَ القَلَقِ والحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، فَكانَ مِن شَغْلِ البالِ في حَيِّزِ الخَوْفِ عَلى نَفْسِهِ.

و "الباخِعُ" القاتِلُ نَفْسَهُ والمُهْلِكُ لَها بالهَمِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والناسُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عن يَدَيْهِ المَقادِرُ وخُوطِبَ بِـ "لَعَلَّ" عَلى ما في نَفْسِ البَشَرِ مِن تَوَقُّعِ الهَلاكِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ.

ومَعْنى الآيَةِ: ألّا تَهْتَمَّ يا مُحَمَّدُ بِهِمْ، وبَلِّغْ رِسالَتَكَ، وما عَلَيْكَ مِن إيمانِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ تَعالى لَوْ شاءَ لَآمَنُوا، وقَوْلُهُ: "ألّا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ ﴾ شَرْطٌ، وما في الشَرْطِ مِنَ الإبْهامِ هو - في هَذِهِ الآيَةِ - في حَيِّزِنا، وأمّا اللهُ تَعالى فَقَدْ عَلِمْ أنَّهُ لا يُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ آيَةَ اضْطِرارٍ، وإنَّما جَعَلَ اللهُ تَعالى آياتِ الأنْبِياءِ والآياتِ الدالَّةِ عَلَيْهِ مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ والفِكْرِ لِيَهْتَدِيَ مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ هُداهُ، ويَضِلَّ مَن سَبَقَ ضَلالُهُ، ولِيَكُونَ لِلنَّظْرَةِ تَكَسُّبٌ بِهِ يَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ، وآيَةُ الِاضْطِرارِ تَدْفَعُ جَمِيعَ هَذا أنْ لَوْ كانَتْ.

وقَرَأ: "نُنَزِّلْ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ، والأعْرَجُ، وعاصِمْ، والحَسَنُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ البَصْرَةِ بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ.

ورَوى هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو "يَشَأْ يُنَزِّلْ" بِالياءِ فِيهِما.

والخُضُوعُ لِلدَّلالَةِ في الآيَةِ المُنَزَّلَةِ كانَ يَتَرَتَّبُ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِخَوْفِ هَلاكٍ في مُخالَفَةِ الأمْرِ المُقْتَرِنِ بِها كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ يَقَعُ الإذْعانُ لَها وانْقِيادُ النُفُوسِ، وكُلُّ هَذَيْنِ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ، ووَجْهُ ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ، وهو تَوْجِيهٌ مَنصُوصٌ لِلْعُلَماءِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَتَظَلُّ أعْناقُهُمْ"، وهو المُرادُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وجَعْلُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ إشارَةٌ إلى تَقْوِيَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْناقُهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والأخْفَشِ أنْ يُرِيدَ: جَماعاتِهُمْ، يُقالُ: جاءَ في عُنُقٍ مِنَ الناسِ، أيْ جَماعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ أبِي مِحْجَنٍ: ..................

∗∗∗ وأكْتُمُ السِرَّ فِيهِ ضَرْبَةُ العُنُقِ ولِهَذا قِيلَ: "عُنُقُ رَقَبَةٍ"، ولَمْ يُقَلْ: "عُنُقُ عُنُقٍ" فِرارًا مِنَ الِاشْتِراكِ، قالَهُ الزَهْراوِيُّ.

والتَأْوِيلُ الآخَرُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأعْناقِ" الجارِحَةَ المَعْلُومَةَ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَ العُنُقِ والرَقَبَةِ هو عَلامَةُ الذِلَّةِ والِانْقِيادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا الرِجالُ رَأوا يَزِيدَ رَأيْتَهم ∗∗∗ خُضُعَ الرِقابِ نَواكِسَ الأبْصارِ فَمَعْنى هَذا التَأْوِيلِ نَتَكَلَّمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ خاضِعِينَ ﴾ ، كَيْفَ جَمَعَهُ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؟

وذَلِكَ مُتَخَرِّجٌ عَلى نَحْوَيْنِ مِن كَلامِ العَرَبِ: أحَدُهُما أنَّ الإضافَةَ إلى مَن يَعْقِلُ أفادَتْ حُكْمَهُ لِمَن لا يَعْقِلُ، كَما تُفِيدُ الإضافَةُ إلى المُؤَنَّثِ تَأْنِيثَ عَلامَةِ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: .................

∗∗∗ كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَمِ وهَذا كَثِيرٌ.

والنَحْوُ الآخَرُ أنْ تَكُونَ "الأعْناقُ" لَمّا وُصِفَتْ بِفِعْلٍ لا يَكُونُ إلّا مَقْصُودًا لِلْبَشَرِ وهو الخُضُوعُ -؛ إذْ هو فِعْلٌ يَتْبَعُ أمْرًا في النَفْسِ جُمِعَتْ فِيهِ جَمْعَ مَن يَعْقِلُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَها خاضِعَةٌ".

ثُمْ عَنَّفَ الكُفّارَ، ونَبَّهَ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ يُرِيدُ: مُحْدَثَ الإتْيانِ، أيْ: مَجِيءُ القُرْآنِ لِلْبَشَرِ كانَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الذِكْرِ" مُحَمَّدًا  ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا  ﴾ ﴿ رَسُولا  ﴾ ، فَيَكُونُ وصْفُهُ بِالمُحْدَثِ مُتَمَكِّنًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أفْصَحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا، والآخِرَةِ، ويُقَوِّي أنَّهُ وعِيدٌ بِعَذابِ الدُنْيا؛ أنَّ ذَلِكَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ، كَبَدْرٍ وغَيْرِها.

ولَمّا كانَ إعْراضُهم عَنِ النَظَرِ في الصانِعِ والإلَهِ أعْظَمَ كُفْرِهِمْ، وكانُوا يَجْعَلُونَ الأصْنامَ آلِهَةً، ويُعْرِضُونَ عَنِ الذِكْرِ في ذَلِكَ، نَبِّهْ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ الخالِقُ المُنْشِئُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

و "الزَوْجُ": النَوْعُ والصِنْفُ، و "الكَرِيمُ": الحَسَنُ المُتْقَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ويُرادُ الأشْياءُ الَّتِي بِها قِوامُ الأُمُورِ والأغْذِيَةُ والنَباتاتُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الحَيَوانُ لِأنَّهُ عن إنْباتٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ .

قالَ الشَعْبِيُّ: الناسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن صارَ إلى الجَنَّةِ فَهو كَرِيمٌ، ومَن صارَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَهو لَئِيمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ .

حُكْمٌ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ.

ثُمْ تَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ، يُرِيدُ: عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ ورَحِمْ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ، وقالَ نَحْوَ هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، وفي لَفْظَةِ "الرَحِيمُ" وعْدٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١ قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ ١٣ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌۭ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ١٤ قَالَ كَلَّا ۖ فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ١٥ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ١٧ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًۭا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ ﴿ وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ ﴿ قالَ كَلا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ ﴾ ﴿ فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾ ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ نادى رَبُّكَ مُوسى.

وسَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ تَمْثِيلٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ لِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا  ، و "أنِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنِ ائْتِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِمَنزِلَةِ "أيْ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ غَيْرَها، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ ألا يَتَّقُونَ ﴾ ، أيْ: قُلْ لَهُمْ، فَجَمَعَ في هَذِهِ العِبارَةِ مِنَ المَعانِي نَفْيَ التَقْوى عنهم وأمْرَهم بِالتَقْوى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَّقُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمْ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو قُلابَةَ: "تَتَّقُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، وعَلى مَعْنى: قُلْ لَهم.

ولِعِظَمِ قُوَّةِ فِرْعَوْنَ وتَألُّهِهِ وطُولِ مُدَّتِهِ وما أُشْرِبَتِ القُلُوبُ مِن مَهابَتِهِ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَضِيقُ" بِالرَفْعِ، و "يَنْطَلِقُ" كَذَلِكَ.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى ذَلِكَ بِالنَصْبِ فِيهِما، فَقِراءَةُ الرَفْعِ هي إخْبارٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِوُقُوعِ ضِيقِ صَدْرِهِ، وعَدَمِ انْطِلاقِ لِسانِهِ، ولِهَذا رَجَّحَ أبُو حاتِمْ هَذِهِ القِراءَةَ، وقِراءَةُ النَصْبِ تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ خَوْفِهِ، وهو عَطْفٌ عَلى "يُكَذِّبُونِ".

وكانَ في خُلُقِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حِدَّةٌ، وكانَتْ في لِسانِهِ حَبْسَةٌ بِسَبَبِ الجَمْرَةِ في طُفُولَتِهِ، وحَكى أبُو عَمْرٍو عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ "وَيَضِيقَ" وبِرَفْعِ "يَنْطَلِقُ"، وقَدْ يَكُونُ عَدَمُ انْطِلاقِ اللِسانِ بِالقَوْلِ لِغُمُوضِ المَعانِي الَّتِي تَطَلَّبُ ألْفاظًا مُحَرَّرَةً، فَإذا كانَ هَذا في وقْتِ ضِيقِ صَدْرٍ لَمْ يَنْطَلِقِ اللِسانُ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي  ﴾ ، فالراجِحُ قِراءَةُ الرَفْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسِلْ إلى هارُونَ ﴾ مَعْناهُ: يُعِينُنِي ويُؤازِرُنِي، وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ وزِيرًا فَصِيحًا واسِعَ الصَدْرِ، فَحَذَفَ بَعْضَ المُرادِ مِنَ القَوْلِ، إذْ باقِيهِ دالٌّ عَلَيْهِ.

ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَوْفَهُ القِبْطَ مِن أجْلِ ذَنْبِهِ، وهو قَتْلُهُ الرَجُلَ الَّذِي وكَزَهُ، قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والناسُ: فَخَشِيَ أنْ يُسْتَقادَ مِنهُ، فَقالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ: ﴿ كَلا ﴾ رَدًّا لِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ ، أيْ: لا تَخَفْ رَدًّا لِذَلِكَ فَإنِّي لَمْ أُحَمِّلْكَ ما حُمِّلْتَ إلّا وقَدْ قَضَيْتُ بِظُهُورِكَ ونَصْرِكَ.

وأمَرَ مُوسى وهارُونَ بِخِطابِ مُوسى فَقَطْ، لِأنَّ هارُونَ لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ بِإجْماعٍ، ولَكِنْ قالَ لِمُوسى: "اذْهَبا" أيْ أنْتَ وأخُوكَ، و"الآياتُ" تَعُمُّ جَمِيعَ ما بَعَثَهُما اللهُ تَعالى بِهِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ العَصا، بِها وقَعَ العَجْزُ، [واليَدُ البَيْضاءُ]، وبِالآيَتَيْنِ تَحَدّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ، ولا خِلافَ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو الَّذِي حَمَّلَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أمْرَ النُبُوَّةِ كُلِّها، وأنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ نَبِيًّا رَسُولًا مُعِينًا وزِيرًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا مَعَكُمْ ﴾ إمّا أنْ يَجْعَلَ الِاثْنَيْنِ جَمْعًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهُما والمَبْعُوثَ إلَيْهِمْ وبَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مُسْتَمِعُونَ ﴾ عَلى نَحْوِ التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ الَّذِي لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وصِيغَةُ "مُسْتَمِعُونَ" تُعْطِي اهْتِبالًا بِالأمْرِ لَيْسَ في صِيغَةِ "سامِعُونَ"، وإلّا فَلَيْسَ يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِطَلَبِ الِاسْتِماعِ، وإنَّما المَقْصِدُ إظْهارُ التَهَمُّمْ لِيَعْظُمْ أُنْسُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أو تَكُونُ المَلائِكَةُ -بِأمْرِ اللهِ إيّاها- تَسْتَمِعُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ هو أنَّ العَرَبَ أجْرَتِ "الرَسُولَ" مُجْرى المَصْدَرِ في أنْ وصَفَتْ بِهِ الجَمْعَ والواحِدَ والمُؤَنَّثَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَسُو لِ أعْلَمَهم بِنَواحِي الخَبَرْ وَمِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وإنْ كانَ مُوَلَّدًا: إنَّ الَّتِي أبْصَرْتُها ∗∗∗ سَحَرًا تُكَلِّمُنِي رَسُولُ وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ مَعْناهُ: سَرِّحْ، فَهو بِمَعْنى الإرْسالِ الَّذِي هو بِمَعْنى الإطْلاقِ، كَما تَقُولُ: أرْسَلْتُ الحَجَرَ مِن يَدِي.

وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَبْعُوثًا إلى فِرْعَوْنَ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ ويُزِيلَ عنهم ذُلَّ العُبُودِيَّةِ والغَلَبَةِ.

والثانِي أنْ يُؤْمِنَ ويَهْتَدِيَ.

وأُمِرَ بِمُكافَحَتِهِ ومُقاوَمَتِهِ في الأوَّلِ، ولَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ في الثانِي عَلى ما بَلَغَ مِن أمْرِهِ، وبُعِثَ بِالعِباداتِ والشَرْعِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ.

وقَوْلُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: ﴿ ألَمْ نُرَبِّكَ ﴾ هَذا عَلى جِهَةِ المَنِّ عَلَيْهِ والِاحْتِقارِ، أيْ: رَبَّيْناكَ صَغِيرًا، أو لَمْ نَقْتُلْكَ في جُمْلَةِ مَن قَتَلْنا فَلَبِثْتَ فِينا سِنِينَ، فَمَتى كانَ هَذا الَّذِي تَدَّعِيهِ؟

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مِن عُمُرِكَ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "عُمْرِكَ" بِسُكُونِها.

ثُمْ قَرَّرَهُ عَلى قَتْلِ القِبْطِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ﴾ والفَعْلَةُ -بِفَتْحِ الفاءِ- المَرَّةُ مِنَ الفِعْلِ، وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "فِعْلَتَكَ" بِكَسْرِ الفاءِ، وهي هَيْئَةُ الفِعْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ ، يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: وقَتَلْتَ القِبْطِيَّ وأنْتَ في قَتْلِكَ إيّاهُ مِنَ الكافِرِينَ؛ إذْ هو نَفْسٌ ولا يَحِلُّ قَتْلُهُ، قالَهُ الضَحّاكُ.

أو يُرِيدُ: وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ بِنِعْمَتِي في قَتْلِكَ إيّاهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذانَ بِمَعْنًى واحِدٍ في حَقِّ اللَفْظِ، وإنَّما اخْتَلَفا بِاشْتِراكِ لَفْظِ الكُفْرِ، والثانِي أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الهُزُؤِ، أيْ: وأنْتَ عَلى هَذا الدِينِ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ بِزَعْمِكَ.

قالَهُ السُدِّيُّ.

والثالِثُ -هُوَ قَوْلُ الحَسَنِ - أنْ يُرِيدَ: وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ الآنَ، يَعْنِي فِرْعَوْنُ: بِالعَقِيدَةِ الَّتِي كانَ بَيْنَها، فَيَكُونُ الكَلامُ مَقْطُوعًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ﴾ ، وإنَّما هو إخْبارٌ مُبْتَدَأٌ أنَّهُ كانَ مِنَ الكافِرِينَ، وهَذا التَأْوِيلُ أيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ كُفْرَ النِعْمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ بَيْنَ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ قَتَلَ القِبْطِيَّ وبَيْنَ رُجُوعِهِ إلى فِرْعَوْنَ نَبِيًّا، أحَدَ عَشَرَ عامًا غَيْرُ أشْهُرٍ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًۭا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًۭا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٢١ وَتِلْكَ نِعْمَةٌۭ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٢٢ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٣ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ٢٥ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٢٦ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌۭ ٢٧ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضالِّينَ ﴾ ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ القائِلُ هُنا هو مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَعَلْتُها ﴾ لِقَتْلِهِ القِبْطِيِّ، وقَوْلُهُ: "إذًا" صِلَةٌ في الكَلامِ، وكَأنَّها بِمَعْنى: حِينَئِذٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنا مِنَ الضالِّينَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مِنَ الجاهِلِينَ بِأنَّ وكْزَتِي إيّاهُ تَأْتِي عَلى نَفْسِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مِنَ الناسِينَ لِذَلِكَ، ونَزَعَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما  ﴾ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَأنا مِنَ الجاهِلِينَ"، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ.

وقَوْلُهُ: "حُكْمًا" يُرِيدُ النُبُوَّةَ وحِكْمَتُها، وقَرَأ عِيسى: "حُكُمًا" بِضَمِّ الحاءِ والكافِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ دَرَجَةٌ ثانِيَةٌ لِلنُّبُوَّةِ، فَرُبَّ نَبِيٍّ لَيْسَ بِرَسُولٍ.

ثُمْ حاجَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ في مَنِّهِ عَلَيْهِ بِالتَرْبِيَةِ وتَرْكِ القَتْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذا الكَلامِ، فَقالَ قَتادَةُ: هَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ نِعْمَةً، كَأنَّهُ قالَ: أوَ يَصِحُّ لَكَ أنْ تَعُدَّ عَلىَّ نِعْمَةَ تَرْكِ قَتْلِي مِن أجْلِ أنَّكِ ظَلَمْتَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلْتَهُمْ؟

أيْ: لَيْسَتْ نِعْمَةً؛ لِأنَّ الواجِبَ كانَ ألّا تَقْتُلَنِي وألّا تَقْتُلَهُمْ، وألّا تَسْتَعْبِدَنِي ولا تَسْتَعْبِدَهم بِالقَتْلِ ولا بِالخِدْمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ ما لَكَ أنْ تَمُنَّها"، وهَذِهِ قِراءَةٌ تُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ، وقالَ الأخْفَشُ: قِيلَ: الواوُ، ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ، والمَعْنى: أوَ تِلْكَ؟

وهَذا لا يَجُوزُ إلّا إذا عادَلَتْها "أمْ" كَما قالَ: ................

تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَقْرِيرٌ بِغَيْرِ ألِفٍ، وهو صَحِيحٌ كَما قالَ قَتادَةُ، واللهُ المُعِينُ.

وَقالَ السُدِّيُ، والطَبَرِيُّ: هَذا الكَلامُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِالنَعْمَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "نَعَمْ، وتَرْبِيَتُكَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِن حَيْثُ عَبَّدْتَ غَيْرِي وتَرَكْتَنِي، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ رِسالَتِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولِكُلِّ وجْهٍ ناحِيَةٌ مِنَ الِاحْتِجاجِ، فالأوَّلُ ماضٍ في طَرِيقِ المُخالَفَةِ لِفِرْعَوْنَ ونَقْضِ كَلامِهِ، والثانِي مُبْدٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ مُنْتَصِفٌ مِن نَفْسِهِ مُعْتَرِفٌ بِالحَقِّ، ومَتى حَصَلَ أحَدُ المُتَجادِلَيْنِ في هَذِهِ الرُتْبَةِ، وكانَ حَجِيجُهُ في ضِدِّها غَلَبَ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ، وكانَ قَوْلُهُ أوقَعَ في النُفُوسِ.

ولَمّا لَمْ يَجِدْ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- هَذا الطَرِيقَ مِن تَقْرِيرِهِ عَلى التَنْزِيهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، رَجَعَ إلى مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما رَبُّ العالَمِينَ ﴾ فاسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهامًا عن مَجْهُولٍ مِنَ الأشْياءِ، قالَ مَكِّيٌّ: كَما يَسْتَفْهِمُ عَنِ الأجْناسِ، فَلِذَلِكَ اسْتَفْهَمَ بِـ "ما"، وقَدْ ورَدَ لَهُ اسْتِفْهامٌ بِـ "مَن" في مَوْضِعٍ آخَرَ، ويُشْبِهُ أنَّها مَواطِنُ، فَأجابَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالصِفاتِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ السامِعُ مِنها أنَّهُ لا مُشارَكَةَ لِفِرْعَوْنَ فِيها، وأنَّها رُبُوبِيَّةُ السَماواتِ والأرْضِ، وهَذِهِ المُجادَلَةُ مِن فِرْعَوْنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ دَعاهُ إلى التَوْحِيدِ، فَقاَل فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ: "ألا تَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى الإغْراءِ أوِ التَعَجُّبِ مِن شُنْعَةِ المَقالَةِ؛ إذْ كانَتْ عَقِيدَةُ القَوْمِ أنَّ فِرْعَوْنَ رَبُّهُمُ ومَعْبُودُهُمْ، والفَراعِنَةُ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وهَذِهِ ضَلالَةٌ مِنها في مِصْرَ ودِيارِها إلى اليَوْمِ بَقِيَّةٌ، فَزادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في البَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ ، فَقالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ-: ﴿ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أرْسَلَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، فَزادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في بَيانِ الصِفاتِ الَّتِي تُظْهِرُ نَقْصَ فِرْعَوْنَ، وتُبَيِّنُ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ القُدْرَةِ عَلَيْها، وهي رُبُوبَيَّةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ إلّا مُلْكُ مِصْرَ مِنَ البَحْرِ إلى أسْوانَ وأرْضِ الإسْكَنْدَرِيَّةَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ وما بَيْنَهُما".

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ٢٩ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍۢ مُّبِينٍۢ ٣٠ قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٣١ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌۭ مُّبِينٌۭ ٣٢ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ ٣٣ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُۥٓ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌۭ ٣٤ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ٣٥ قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ٣٦ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍۢ ٣٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ ﴾ ﴿ قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ ﴾ لَمّا انْقَطَعَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- في بابِ الحُجَّةِ رَجَعَ إلى الِاسْتِعْلاءِ والتَغَلُّبِ، وهَذا أبْيَنُ عَلاماتِ الِانْقِطاعِ، فَتَوَعَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ أعْياهُ خِطابُهُ، وفي تَوَعُّدِهِ بِالسَجْنِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ خارَتْ طِباعُهُ مَعَهُ، وكاَنَ -فِيما رُوِيَ- يَفْزَعُ مِنهُ فَزَعًا شَدِيدًا حَتّى كانَ لا يُمْسِكُ بَوْلَهُ.

ورُوِيَ أنَّ سِجْنَهُ كانَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ؛ إذْ كانَ في مُطْبِقٍ مِنَ الأرْضِ لا يَنْطَلِقُ مِنهُ أبَدًا، وكاَنَ مَخُوفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةُ دارِ [...

] إلى اليَوْمِ.

وكانَ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ما لا يُرَوِّعُهُ مَعَهُ تَوَعُّدُ فِرْعَوْنَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلى جِهَةِ التَلْطِفِ والطَمَعِ في إيمانِهِ: ﴿ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ يَتَّضِحُ لَكَ مَعَهُ صِدْقِي؟

أفَكُنْتَ تَسْجِنُنِي؟

فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ طَمِعَ أنْ يَجِدَ أثْناءَهُ مَوْضِعَ مُعارَضَةٍ، فَقالَ لَهُ: ﴿ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ مِن يَدِهِ، وكانَتْ مِن عِصِيِّ الجَنَّةِ، وكانَتْ عَصى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّها كانَتْ مِن ورَقَةِ الرَيْحانِ، وكانَتْ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ في جُمْلَةِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ فَأعْطاها لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ رِعايَتِهِ لَهُ الغَنَمَ عَلى صُورَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها دَلَّتْ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى، وكانَ لَها في رَأْسِها شِعْبَتانِ، فَثَمَّ كانَ فَمُّ الحَيَّةِ.

والثُعْبانُ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الحَيّاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ ما رُوِيَ في عِظَمِ الحَيّاتِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ.

ونَزَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ فَإذا هي تَتَلَأْلَأُ كَأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ الشَمْسِ، فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ ذَلِكَ هالَهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَدْفَعٌ، غَيْرَ أنَّهُ فَزِعَ إلى رَمْيِهِ بِالسِحْرِ، وطَمِعَ -لِعُلُّوِ عِلْمِ السِحْرِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وكَثْرَتِهِ- أنْ يَكُونَ فِيهِ سَبَبٌ لِمُقاوَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَأوهَمَ قَوْمَهُ وأتْباعَهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ساحِرٌ، وانْتَصَبَ "حَوْلَهُ" عَلى الظَرْفِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنَيْنِ حَوْلَهُ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والعامِلُ هو الحالُ حَقِيقَةً، والناصِبُ لَهُ "قالَ" لِأنَّهُ هو العامِلُ في ذِي الحالِ بِواسِطَةِ لامِ الجَرِّ، نَحْوُ مَرَرْتُ بِهِنْدَ ضاحِكَةً.

ثُمَّ اسْتَشارَهُمُ في أمْرِهِ وأغْراهُمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ ﴾ ، فَأشارُوا عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وأمْرِ أخِيهِ وجَمْعِ السَحَرَةِ لِمُقاوَمَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ أشارُوا بِسَجْنِهِ، وهو كانَ الإرْجاءَ عِنْدَهُمْ، و"الإرْجاءُ": التَأْخِيرُ، ولَمْ يُشِيرُوا بِقَتْلِهِ لِأنَّ حُجَّتَهُ نَيِّرَةٌ وضَلالَتُهُمُ في رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ مُبَيِّنَةٌ، فَخَشُوُا الفِتْنَةَ، وطَمِعُوا أنْ يَغْلِبَ بِحُجَّةٍ تُقْنِعُ العَوامِّ.

و"الحاشِرُ": الجامِعُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ: "بِكُلِّ سَحّارٍ"، وهو بِناءُ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا والأعْمَشُ: "بِكُلِّ ساحِرٍ".

<div class="verse-tafsir"

فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَـٰتِ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ ٣٨ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ٣٩ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ٤٠ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُوا۟ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ ٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٤٢ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ٤٣ فَأَلْقَوْا۟ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا۟ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَجُمِعَ السَحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ ﴿ وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ﴾ ﴿ لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَ السَحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أإنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ﴿ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ ﴿ فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ ﴾ اليَوْمُ هو يَوْمُ الزِينَةِ، ويُقالُ: يَوْمَ كُسِرَ خَلِيجُ النِيلِ، فَهو يَوْمُ الزِينَةِ عَلى وجْهِ الدَهْرِ بِمِصْرَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا الجَمْعَ كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَحَرَةَ ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ نَتَّبِعُهُمُ في السِحْرِ، إنَّما أرادَ ما مَعْناهُ: نَتَّبِعُهُمُ في نُصْرَةِ دِينِنا ومِلَّتِنا، والإبْطالِ عَلى مُعارِضِها.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو: "أئِنَّ لَنا" بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ: "إنَّ لَنا" عَلى الإيجابِ، وقَرَأ عِيسى: "نَعِمْ" بِكَسْرِ العَيْنِ.

والتَقْرِيبُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ هو الجاهُ الزائِدُ عَلى العَطاءِ الَّذِي طَلَبُوهُ، والقُرْبُ مِنَ المَلِكِ الَّذِي كانَ عِنْدَهم إلَهَهم.

واخْتَلَفَ الناسُ في عَدَدِ السَحَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، وكانُوا مَجْمُوعِينَ مِن مَدائِنِ مِصْرَ ورِيفِ النِيلِ، وهي كانَتْ بِلادَ السِحْرِ كالفَرَما وغَيْرِ ذَلِكَ، ومُعْظَمُهم كانَ مِنَ الفَرَما والجِبالِ، والعِصِيُّ كانَتْ أوقارَ الإبِلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما القَسَمُ، فَكَأنَّهُمُ أقْسَمُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ، كَما تَقُولُ: بِاللهِ لا أفْعَلُ كَذا وكَذا، فَكانَ قَسَمُهم بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ غَيْرَ مَبْرُورٍ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لِفِرْعَوْنَ -إذْ كانُوا يَعْبُدُونَهُ- والتَبَرُّكِ بِاسْمِهِ، كَما تَقُولُ -إذا ابْتَدَأْتَ بِعَمَلِ شُغْلٍ-: بِاسْمِ اللهِ، وعَلى بَرَكَةِ اللهِ، ونَحْوِ هَذا.

<div class="verse-tafsir"

فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ٤٥ فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ ٤٦ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٧ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٤٨ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ٤٩ قَالُوا۟ لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَـٰيَـٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٥١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ﴾ ﴿ فَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ ﴿ قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ﴾ ﴿ إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ ما ذَكَرَ الناسُ في عِظَمِ الحَيَّةِ حِينَ ألْقى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَصاهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، وقَدْ ذُكِرَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وهو خَوْفُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن ظُهُورِ سِحْرِهِمُ واسْتِرْهابِهِمُ لِلنّاسِ وتَخْيِيلِهِمُ في حِبِالِهِمُ وعِصِيِّهِمُ أنَّها تَسْعى بِقَصْدٍ.

ثُمَّ إنَّ الحَيَّةَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ في العَصا التَقَمَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ عن آخِرِها، وأعْدَمَها اللهُ تَعالى في جَوْفِها، وعادَتِ العَصا إلى حالِها حِينَ أخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالفُرْجَةِ الَّتِي كانَتْ في رَأْسِها فَأدْخَلَ يَدَهُ في فَمِها فَعادَتْ عَصًا بِإذْنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَلَقَّفَ" بِفَتْحِ التاءِ خَفِيفَةً واللامِ وشَدِّ القافِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وتَخْفِيفِ القافِ، ورَوى البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّ القافِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إذا ابْتَدَأ أنْ يَجْلِبَ هَمْزَةَ الوَصْلِ، وهَمْزَةُ الوَصْلِ لا تَدْخُلُ عَلى الأفْعالِ المُضارِعَةِ، كَما لا تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الفاعِلِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْفِكُونَ ﴾ أيْ: ما يَكْذِبُونَ مَعَهُ وبِسَبَبِهِ في قَوْلِهِمْ: إنَّها مُعارَضَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ونَوْعٌ مِن فِعْلِهِ، والإفْكُ: الكَذِبُ.

ثُمَّ إنَّ السَحَرَةَ لَمّا رَأوُا العَصا خالِيَةً مِن صَنْعَةِ السِحْرِ، ورَأوا فِيها بَعْدُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى ما أيْقَنُوا أنَّهُ لَيْسَ في قُوَّةِ البَشَرِ أذْعَنُوا، ورَأوا أنَّ الغَنِيمَةَ هي الإيمانُ والتَمَسُّكُ بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَسَجَدُوا كُلُّهُمُ لِلَّهِ تَعالى مُقِرِّينَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، ووَصَلُوا إلى إيمانِهِمُ بِسَبَبِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ، وصَرَّحُوا بِأنَّ ذَلِكَ عَلى أيْدِيهِما؛ لِأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ يَعْنِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُكَرِّرُوا البَيانَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ إلّا لِما ذَكَرْناهُ.

فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ والمَلَأُ إيمانَ السَحَرَةِ، وقامَتِ الحُجَّةُ بِإيمانِ أهْلِ عِلْمِهِمُ ومَظِنَّةِ نُصْرَتِهِمْ، وقَعَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- في الوَرْطَةِ العُظْمى، فَرَجَعَ إلى السَحَرَةِ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الأُخْرى، فَوَقَفَهُمُ مُوَبِّخًا لَهُمُ عَلى إيمانِهِمُ بِمُوسى قَبْلَ إذْنِهِ، وفي هِذِهِ اللَفْظَةِ مُقارَبَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّ أحَدَ احْتِمالاتِها أنَّهُمُ لَوْ طَلَبُوا إذْنَهُ في ذَلِكَ أذِنَ.

ثُمَّ تَوَعَدَّهُمُ بِقَطْعِ الأيْدِي والأرْجُلِ مِن خِلافٍ، وبِالصَلْبِ في جُذُوعِ النَخْلِ، فَقالُوا لَهُ: "لا ضَيْرَ" أيْ: لا يَضِيرُنا ذَلِكَ مَعَ انْقِلابِنا إلى مَغْفِرَةِ اللهِ تَعالى ورِضْوانِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمُ ذَلِكَ الوَعِيدَ وصَلَبَهُمُ عَلى النِيلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وقَوُلْهُمْ: ﴿ أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ القِبْطِ وصَنِيعَتِهِمْ، وإلّا فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ آمَنَتْ، وقَرَأ الناسُ: "أنّا" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "إنّا" بِكَسْرِ الألِفِ بِمَعْنى أنَّ طَمَعَهُمُ إنَّما هو بِهَذا الشَرْطِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ٥٣ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَشِرْذِمَةٌۭ قَلِيلُونَ ٥٤ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ ٥٦ فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٥٧ وَكُنُوزٍۢ وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ ٥٨ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٥٩ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ٦٠ فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ٦١ قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ٦٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ﴾ ﴿ فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ وأورَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ﴿ قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ثُمُ إنَّ اللهَ عَزَّ وُجَلَّ لَمّا أرادَ إظْهارَ أمْرِهِ في نَجاةِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا مِن مِصْرَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُمُ سَيُتَّبَعُونَ، وأمَرَهُ بِالسَيْرِ تِجاهَ البَحْرِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَسْتَعِيرَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ وأمْوالَهُمْ، وأنْ يُكْثِرُوا مِن أخْذِ أمْوالِهِمُ كَيْفَما اسْتَطاعُوا، هَذا ما رَواهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وأمَرَهُ بِاتِّخاذِ جِراءِ الزادِ، فَأمَرَهُ أنِ اتَّخِذْ فَطِيرًا لِأنَّهُ أبْقى وأثْبَتُ، ورُوِيَ أنَّ الحَرَكَةَ أعْجَلَتْهُمُ عَنِ اتِّخاذِ جِراءِ الزادِ، وخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ سَحَرًا، فَتَرَكَ الطَرِيقَ إلى الشامِ عَلى يَسارِهِ وتَوَجَّهَ نَحْوَ البَحْرِ، فَكانَ الرَجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُ لَهُ في تَرْكِ الطَرِيقِ فَيَقُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: كَذا أُمِرْتُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ وعَلِمَ بِسَرْيِّ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ خَرَجَ في أثْرِهِمْ، وبَعَثَ إلى مَدائِنِ مِصْرَ لِتُلْحِقَهُ العَساكِرَ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَحِقَهُ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفِ أدْهَمَ مِنَ الخَيْلِ حاشى سائِرَ الألْوانِ، ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، واللهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وإنَّما اللازِمُ مِنَ الآيَةِ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ تَبِعَهُ بِأضْعافِ ذَلِكَ العَدَدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ ألْفُ جَبّارٍ، كُلُّهُمُ عَلَيْهِ تاجٌ، وكُلُّهُمُ أمِيرُ خَيْلٍ.

وَ "الشِرْذِمَةُ": الجَمْعُ القَلِيلُ المُحْتَقَرُ، وشِرْذِمَةُ كُلِّ شَيْءٍ بَقِيَّتُهُ الخَسِيسَةُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُجِدِّينَ في شَراذِمِ النِعالِ وقالَ الآخَرُ: جاءَ الشِتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ ∗∗∗ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها التَوّاقْ وقَوْلُهُ: "لَغائِظُونَ" يُرِيدُ: بِخِلافِهِمُ الأمْرَ وبِأخْذِهِمُ الأمْوالَ عارِيَةً وهُرُوبِهِمُ مِنهُمُ تِلْكَ اللَيْلَةَ عَلى ما رُوِيَ، قالَ أبُو حاتِمْ: وقَرَأ مَن لا يُؤْخَذُ عنهُ: [لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ]، ولَيْسَتْ هَذِهِ مَوْقُوفَةً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "حَذِرُونَ"، وهو جَمْعُ "حَذِرٍ"، وهو المَطْبُوعُ عَلى الحَذَرِ وهو هُنا غَيْرُ عامِلٍ، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ أبِي أحْمَرَ: هَلْ أُنْسَأنْ يَوْمًا إلى غَيْرِهِ ∗∗∗ إنِّي حَوالِيُّ وإنِّي حَذِرُ واخْتُلِفَ في عَمَلِ (فَعِلَ)، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ عامِلٌ، وأنْشَدَ: حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ وادَّعى اللاحِقِيُّ تَدْلِيسَ هَذا البَيْتِ عَلى سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حاذِرُونَ" وهو الَّذِي أخَذَ يَحْذَرُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وإنِّي حاذِرٌ أنْمِي سِلاحِي ∗∗∗ إلى أوصالِ ذَيّالٍ صَنِيعِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عِمارَةَ، وسُمَيْطُ بْنُ عَجْلانَ: "حادِرُونَ" بِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَيْنٌ حَدْرَةٌ" أيْ: مُمْتَلِئَةٌ، فالمَعْنى: مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا وأنَفَةً.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْناهُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى القِبْطِ.

و"الجَنّاتُ والعُيُونُ" بِحافَتَيِ النِيلِ مِن أسْوانَ إلى رَشِيدٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ.

و"الكُنُوزُ" قِيلَ: هي إشارَةٌ إلى الأمْوالِ الَّتِي خَرَّبُوها، قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُمُ لَمْ يُنْفِقُوها قَطُّ في طاعَةٍ، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى كُنُوزِ المُقَطَّمِ ومَطالِبِهِ، وهي باقِيَةٌ إلى اليَوْمِ.

"والمَقامُ الكَرِيمُ" قالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: هو الفَيُّومُ، وقِيلَ: يَعْنِي بِهِ المَنابِرَ، وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والحُكّامِ، وقالَ الحَسَنُ: المَجالِسُ الحِسانُ، وقَرَأ الأعْرَجُ وقَتادَةُ بِضَمِّ المِيمِ، مِن: "أقامَ".

وتَوْرِيثُ بَنِي إسْرائِيلَ يَحْتَمِلُ مَقْصَدَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ قَدْ ورَثَهُمُ هَذِهِ الضِفْةَ مِن أرْضِ الشامِ، والآخَرُ أنَّهُ ورَّثَهُمُ مِصْرَ ولَكَنْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الدَهْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، عَلى أنَّ التَوارِيخَ لَمْ تَتَضَمَّنْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ في مِصْرَ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: عِنْدَ شُرُوقِ الشَمْسِ، أيْ: حِينَ دَخَلُوا فِيهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَحْوَ الشُرُقِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فاتَّبَعُوهُمْ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ.

فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ جَمْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَرُبَ مِنهُمْ، ورَأتْ بَنُو إسْرائِيلَ العَدُوَّ القَوِيَّ وراءَهُمُ والبَحْرَ أمامَهُمُ ساءَتْ ظُنُونُهُمْ، وقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والجَفاءِ-: ﴿ إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ، أيْ: هَذا دَأْبُكَ، فَرَدَ عَلَيْهِمُ قَوْلَهُمُ وزَجَرَهُمْ، وذَكَرَ وعْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ بِالهِدايَةِ والظَفَرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "إنّا لَمُدَّرَكُونَ" بِتَشْدِيدِ الدالِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَتَتابَعُ عَلَيْنا حَتّى نَفْنى.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَرِيءُ الجَمْعانِ" بِكَسْرِ الراءِ بِمَدٍّ ثُمَّ بِهَمْزٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عن عاصِمْ، ورُوِيَ أيْضًا عنهُ مَفْتُوحًا مَمْدُودًا.

والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَهُ مِثْلَ "تَراعى"، وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّهُ تَفاعَلٌ، قالَ أبُو حاتِمْ: وقِراءَةُ حَمْزَةُ في هَذا الحَرْفِ مُحالٌ، وحَمَلَ عَلَيْهِ وقالَ: وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ خَطَأٌ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ ۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍۢ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ ٦٣ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلْـَٔاخَرِينَ ٦٤ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ٦٥ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ٦٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأوحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَوْدِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ ﴾ ﴿ وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ لَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرادَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ومُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ فَعَلَهُ، وإلّا فَضَرْبُ العَصا لَيْسَ بِفالِقٍ البَحْرَ ولا مُعِينٌ عَلى ذَلِكَ بِذاتِهِ، إلّا بِما اقْتَرَنَ بِهِ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ، ولَمّا انْفَلَقَ صارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا عَلى عَدَدِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَقَفَ الماءُ ساكِنًا كالجَبَلِ العَظِيمِ.

و"الطَوْدُ": الجَبَلُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ وغَيْرِهِما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ظَنَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم أنَّ الثانِي قَدْ غَرِقَ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى الماءَ فَصارَ كالطِيقانِ، فَرَأى بَعْضُهم بَعْضًا فَتَأسَّوْا.

"وَأزْلَفْنا" مَعْناهُ: قَرَّبْنا، وقُرِئَ بِالقافِ، ونَسَبَها أبُو الفَتْحِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارِثِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ: "وَزُلِفْنا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ تَعالى- لَمّا وصَلَ إلى البَحْرِ وقَدْ دَخَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، قِيلَ: صَمَّمَ وقالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، فَدَخَلَ عَلى ذَلِكَ.

وقِيلَ: بَلْ كَعَّ وهَمَّ بِالِانْصِرافِ، فَعَرَضَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى فَرَسٍ ودِيقٍ، فَمَضى وراءَها حِصانُ فِرْعَوْنَ، فَدَخَلَ عَلى نَحْوِ هَذا واتَّبَعَهُ الناسُ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ مَلائِكَةُ تَسُوقُ قَوْمَهُ حَتّى حَصَّلُوهم في البَحْرِ.

ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمَهُ خَرَجُوا إلى البَرِّ مِن تِلْكَ الطُرُقِ، ولَمّا أحَسُّوا بِاتِّباعِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَزِعُوا مِن أنْ يَخْرُجَ وراءَهُمْ، فَهَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِخَلْطِ البَحْرِ، فَحِينَئِذٍ قِيلَ لَهُ: ﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا  ﴾ ، ولَمّا تَكامَلَ جُنْدُ فِرْعَوْنَ، وهو مُقَدِّمَتُهم بِالخُرُوجِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ وغَرِقُوا.

ودَخْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ البَحْرَ بِالعَرْضِ وخَرَجَ في الضَفَّةِ الَّتِي دَخَلَ مِنها بَعْدَ مَسافَةٍ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.

وقالَ النَقّاشُ: البَحْرُ الَّذِي انْفَلَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهْرُ النِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ أيْ: عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ، ورَحِمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأُمَّةِ، وقَدْ مَضى كَثِيرٌ مِمّا يَلْزَمُ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا تَعْبُدُونَ ٧٠ قَالُوا۟ نَعْبُدُ أَصْنَامًۭا فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ ٧١ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ٧٢ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ٧٣ قَالُوا۟ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ٧٤ قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلْأَقْدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّۭ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٧٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ﴾ ﴿ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ ﴾ ﴿ أو يَنْفَعُونَكم أو يَضُرُّونَ ﴾ ﴿ قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ ﴾ ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ هَذِهِ القِصَّةُ تَضَمَّنَتِ الإعْلامَ بِغَيْبٍ، والإتْيانَ بِما يَقْطَعُ أنَّ مُحَمَّدًا  لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلى لِسانِهِ في ذَلِكَ ما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.

ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِثالًا لِقُرَيْشٍ إلّا في أمْرِ الأصْنامِ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها تَكْذِيبٌ وعَذابٌ.

وقَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ ما تَعْبُدُونَ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، والصَنَمُ ما كانَ مِنَ الأوثانِ عَلى صُورَةِ ابْنِ آدَمَ، كانَ مِن حَجَرٍ أو عُودٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

و"ظَلَّ" عُرْفُها في فِعْلِ الشَيْءِ نَهارًا، و"باتَ" عُرْفُها في فِعْلِهِ لَيْلًا، و"طَفِقَ" عامَّةً لِلْوَجْهَيْنِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ "ظِلٌّ" بِمَعْنى العُمُومِ، وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ.

و"العُكُوفُ": اللُزُومُ، ومِنهُ المُعْتَكِفُ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ...................

عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا ثُمَّ أخَذَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يُوقِفُهم عَلى أشْياءَ يَشْهَدُ العَقْلُ أنَّها بَعِيدَةً عن صِفَةِ الإلَهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ مَن "يَسْمَعُونَكُمْ"، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّها وكَسْرِ المِيمِ، مَن أسْمَعَ، والمَفْعُولُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَحْذُوفٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إذْ تَدْعُونَ" بِإدْغامِ الدالِّ في التاءِ، بَعْدَ القَلْبِ، ويَجُوزُ فِيهِ قِياسٌ "مُذَكَّرٌ"، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ، والقِياسُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ بِهِ "إذْ دَدْعُونَ"، والَّذِي مَنَعَ مِن هَذا اللَفْظِ اتِّصالُ الدالِّ الأصْلِيَّةِ في الفِعْلِ فَكَثُرَتِ التَماثُلاتُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ أقْبَحُ وُجُوهِ التَقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ عَلى ضَلالَةٍ، وفي أمْرٍ بَيِّنٍ خِلافُهُ، وعَظِيمٍ قَدْرُهُ، فَلَمّا صَرَّحُوا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ عن عِظَمِ ذَلِكَ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ، وأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُمْ، خاطَبَهم بِبَراءَتِهِ مِن جَمِيعِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعَداوَتِهِ لَهُ، وعَبَّرَ عن بُغْضَتِهِ واطِّراحِهِ لِكُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللهِ تَعالى بِالعَداوَةِ؛ إذْ هي تَقْتَضِي التَفْسِيرَ، وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تُعادِي وإنَّما هو عاداها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ في الآباءِ الأقْدَمِينَ مَن قَدْ عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِبادَةَ الأوثانِ مِن كُلِّ قَرْنٍ مِنهُمْ، ولَفْظَةُ "عَدُوٌّ" تَقْتَضِي لِلْجَمِيعِ والمُفْرَدِ والمُؤَنَّثِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ٧٨ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ٨١ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ٨٢ رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٣ وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍۢ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ٨٤ وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥ وَٱغْفِرْ لِأَبِىٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦ وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ ٨٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ ﴾ ﴿ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ ﴿ والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ ﴿ والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ ﴾ ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ ﴾ ﴿ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ ﴾ ﴿ واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ واغْفِرْ لأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضالِّينَ ﴾ ﴿ وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ أثْنى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى اللهِ تَعالى بِهَذِهِ الأوصافِ الَّتِي وُصِفَ اللهُ تَعالى بِها، والمُتَّصِفُ بِها يَسْتَحِقُّ الأوصافَ الفِعْلِيَّةَ الَّتِي تَخُصُّ البَشَرَ.

و ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾ بِقُدْرَتِهِ ﴿ فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ أيْ: يُرْشِدُنِي إلى طاعَتِهِ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ﴾ تَجْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في الرِزْقِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ، ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما قالَ النَبِيُّ  : «إنِّي أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ».

وأسْنَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ، والشِفاءَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا حُسْنُ الأدَبِ في العِبارَةِ، والكُلُّ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَقَوْلِ الخِضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها  ﴾ .

وقالَ جَعْفَرٌ الصادِقُ: إذا مَرِضْتُ بِالذُنُوبِ، شَفانِي بِالتَوْبَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ هَذِهِ الأفْعالَ: [يَهْدِينِ يَسْقِينِ يَشْفِينِ - يُحْيِينِ] بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ إسْحاقَ: "يَهْدِينِ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ.

وأوقَفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ نَفْسَهُ عَلى الطَمَعِ في المَغْفِرَةِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِ مَعَ مَنزِلَتِهِ وخُلَّتِهِ.

وقَوْلُهُ: "خَطِيئَتِي" ذَهَبَ فِيهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ أرادَ كِذْباتِهِ الثَلاثَ: قَوْلُهُ: "هِيَ أُخْتِي" في شَأْنِ سارَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالخَطِيئَةِ اسْمَ الجِنْسِ، قَدَّرَها في كُلِّ أمْرِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ تِلْكَ الثَلاثَ قَدْ خَرَّجَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى المَعارِيضِ، وهي وإنْ كانَتْ كِذْباتٌ بِحُكْمِ قَوْلِ النَبِيِّ  : «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ»، وبِحُكْمِ ما في حَدِيثِ الشَفاعَةِ مِن قَوْلِهِ في شَأْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: «نَفْسِي نَفْسِي»، وذَكَرَ كِذْباتِهِ فَهي في مَصالِحٍ وعَوْنِ شَرْعٍ وحَقٍّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خَطِيئَتِي" بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "خَطايايَ" بِالجَمْعِ.

و"الحُكْمُ" الَّذِي دَعا فِيهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ هو الحِكْمَةُ والنُبُوَّةُ، ودُعاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في مِثْلِ هَذا هو في مَعْنى التَثْبِيتِ والدَوامِ.

و"إلْحاقُهُ بِالصالِحِينَ": تَوْفِيقُهُ لِعَمَلٍ يَنْتَظِمُهُ في جُمْلَتِهِمْ أو يَجْمَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الجَنَّةِ، وقَدْ أجابَهُ تَبارَكَ وتَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ  ﴾ .

و"لِسانُ الصِدْقِ" هو الثَناءُ وتَخْلِيدُ المَكانَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وكَذَلِكَ أجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ، فَكُلُّ مِلَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ، وهو عَلى الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ  .

قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: مَعْنى سُؤالَهُ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ فَأُجِيبَتِ الدَعْوَةُ في مُحَمَّدٍ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يُعْطِيهِ إلّا بِتَحَكُّمٍ في اللَفْظِ.

وَلَمّا فَرَغَ مِن مَطالِبِ الدُنْيا طَلَبَ سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُورَثُ، قالَ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا  ﴾ ، واسْتِغْفارُهُ لِأبِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهُ، أيْ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ، وهو عَنِ المَوْعِدَةِ المَذْكُورَةِ.

قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "واغْفِرْ لِأبَوِيَّ إنَّهُما كانا مِنَ الضالِّينَ".

﴿ وَلا تُخْزِنِي ﴾ إمّا مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وإمّا مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ، والضَمِيرُ في "يَبْعَثُونَ" ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، أو ضَمِيرُ الضالِّينَ، ويَكُونُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِغْفارِ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍۢ ٨٩ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ٩٠ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ٩١ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ٩٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ ٩٣ فَكُبْكِبُوا۟ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُۥنَ ٩٤ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ٩٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أو يَنْتَصِرُونَ ﴾ ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ ﴾ ﴿ وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ ﴾ "يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ  ﴾ ، والمَعْنى: يَوْمَ لا تَنْفَعُ أعَلاقُ الدُنْيا ومَحاسِنُها، فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ الذِكْرَ العَظِيمُ والأكْثَرَ؛ لِأنَّ المالَ والبَنِينَ هُما زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا، والظاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَنْفَعُهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مَعْناهُ: خالِصٌ مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي وعَلَّقَ الدُنْيا المَتْرُوكَةَ وإنْ كانَتْ مُباحَةً كالمالِ والبَنِينَ، قالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ ولَيْسَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي عُمُومَ اللَفْظَةِ، ولَكِنَّ السَلِيمَ مِنَ الشِرْكِ هو الأهَمُّ، وقالَ الجُنَيْدُ: بِقَلْبٍ لَدِيغٍ مِن خَشْيَةِ اللهِ، و"السَلِيمُ": اللَدِيغُ.

"وَأُزْلِفَتِ" مَعْناهُ: قُرِّبَتْ، و"الغاوُونَ الَّذِينَ بَرَزَتْ لَهُمُ الجَحِيمُ" هُمُ المُشْرِكُونَ، بِدَلالَةِ أنَّهم خُوطِبُوا في أمْرِ الأصْنامِ، والقَوْلُ لَهُمْ: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللهِ ﴾ هُوَ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ والتَوْقِيفِ عَلى عَدَمِ نَظْرَتِهِمْ نَحْوَهُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَبَرَزَتْ" بِالفاءِ، والجُمْهُورُ بِالواوِ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والتَخْفِيفِ ورَفْعِ "الجَحِيمِ".

ثُمَّ أخْبَرَ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ مِن أنَّ الأصْنامَ تُكَبْكَبُ في النارِ، أيْ تُلْقى كُبَّةً واحِدَةً، ووَصَلَ بِها ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ ذُكِرَتْ بِالعِبادَةِ، وكانَتْ يُسْنَدُ إلَيْها أفْعالُ مَن يَعْقِلُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "هُمْ" يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، و"الغاوُونَ": الشَياطِينُ.

و"كُبْكِبَ" مُضاعَفٌ مَن "كَبَّ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، والتَضْعِيفُ بَيِّنٌ، مِثْلُ: صَرَّ وصَرْصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

و"الغاوُونَ": الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ.

و" جُنُودُ إبْلِيسَ ": نَسْلُهُ وكُلُّ مَن تَبِعَهُ لِأنَّهم جُنْدٌ لَهُ وأعْوانٌ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ٩٦ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩٨ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلْمُجْرِمُونَ ٩٩ فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ ١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍۢ ١٠١ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٠٢ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٠٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ تاللهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ ﴿ فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ثُمَّ وصَفَ تَعالى أنَّ أهْلَ النارِ يَخْتَصِمُونَ فِيها ويَتَلاوَمُونَ، ويَأْخُذُونَ في شَأْنِهِمْ بِجِدالٍ.

ومِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ لِأصْنامِهِمْ -عَلى جِهَةِ الإقْرارِ وقَوْلِ الحَقِّ-: قَسَمًا بِاللهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهُمْ، ثُمَّ عَطَفُوا يَرُدُّونَ المَلامَةَ عَلى غَيْرِهِمْ، أيْ: ما أضَلَّنا إلّا كُبَراؤُنا وأهَّلُ الحَزْمِ والجُرْأةِ والمَكانَةِ، ثُمَّ قالُوا -عَلى جِهَةِ التَلَهُّفِ والتَأسُّفِ- حِينَ رَأوا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والعُلَماءِ والأنْبِياءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ عُمُومًا، وشَفاعَةَ الصَدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَحِلِّ الصَدِيقِ مِنَ المَرْءِ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: "شافِعِينَ" مِنَ المَلائِكَةِ، و"صَدِيقٍ" مِنَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظَةُ "الشَفِيعِ" تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ "الصَدِيقِ" تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو (فَعِيلٌ) مِن صِدْقِ الوِدِّ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ.

و"الحَمِيمُ": الوَلِيُّ والقَرِيبُ الَّذِي يَخُصُّكَ أمْرُهُ ويَخُصُّهُ أمْرَكَ، وجامِعَةُ الرَجُلِ خاصَّتُهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ قَدْ مَضى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ  ﴾ هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ تُعَلِّقُ مِن صِفَةِ اليَوْمَ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ ألّا يَخْزى.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٠٥ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٠٧ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٠٩ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠ ۞ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ ١١١ قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١١٢ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّى ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ ١١٣ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١١٤ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ ١١٥ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ ١١٦ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ١١٧ فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًۭا وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١١٨ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ١١٩ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ ١٢٠ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٢١ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴾ ﴿ فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ أسْنَدَ "كَذَّبَتْ" إلى "القَوْمِ" وفِيهِ عَدَمُ التَأْنِيثِ، مِن حَيْثُ "القَوْمُ" في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ.

وقَوْلُهُ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ إنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ؛ إذْ قَوْلُهم واحِدٌ، ودَعْوَتُهم سَواءٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخُوهُمْ ﴾ يُرِيدُ: في النَسَبِ والمَنشَأِ، لا في الدِينِ، و"أمِينٌ" مَعْناهُ: عَلى وحْيِ اللهِ تَعالى ورِسالِتِهِ، يُرِيدُ: في المَنشَأِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ: "أجْرِي" ساكِنَةَ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِفَتْحِ الياءِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمُ الأمْرَ بِالتَقْوى والدُعاءِ إلى الطاعَةِ تَحْذِيرًا ونِذارَةً وحِرْصًا عَلَيْهِمْ، فَذَهَبَ أشْرافُهم إلى اسْتِنْقاصِ أتْباعِهِ بِسَبَبِ صِغارِ الناسِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وضُعَفائِهِمْ، وهَذا كَفِعْلِ قُرَيْشٍ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وصُهَيْبٍ، وغَيْرِهِما.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الأرْذَلُونَ": الحاكَّةُ والحَجّامُونَ والأساكِفَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ المِثالِ، أيْ: أهْلُ الصَنائِعِ الخَسِيسَةِ، لا أنَّ هَذِهِ الصَنائِعَ المَذْكُورَةَ خُصَّتْ بِهَذا.

و"الأرْذَلُونَ": جَمْعُ الأرْذَلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا مُعَرَّفًا أو مُضافًا، أو بِمَن، ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ بِنِسْبَةِ الرَذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَهْجِينُ أفْعالِهِمْ، لا النَظَرُ في صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿ وَما عِلْمِي ﴾ الآيَةُ؛ لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ: لَيْسَ في نَظَرِي وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ  : «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقُولُوا إلَهَ إلّا اللهُ...» الحَدِيثُ بِجُمْلَتِهِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واتَّبَعَكَ" عَلى الفِعْلِ الماضِي، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ: "وَأتْباعُكُ" عَلى الجَمْعِ، ونَسَبَها أبُو الفَتْحِ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، والضِحاكِ، وطَلْحَةَ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والأعْمَشِ، وأبِي حَيْوَةَ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمَذانِيُّ: "لَوْ يَشْعُرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ:"تَشْعُرُونَ" بِتاءِ الخِطابِ.

وإعْرابُ قَوْلِهِ: "وَأتْباعُكَ" إمّا جَعَلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وإمّا عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ أنُؤْمِنُ لَكَ ﴾ ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِقَوْلِهِ: "لَكَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المَرْجُومِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالحِجارَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالقُرْآنِ والشَتْمُ ونَحْوُهُ وهو شَبِيهٌ بِرَجْمِ الحِجارَةِ، وهو مِنَ الرَجْمِ بِالغَيْبِ والظَنِّ ونَحْوِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: "افْتَحْ" مَعْناهُ: احْكُمْ، والفَتّاحُ: القاضِي بِلُغَةٍ يَمَنِيَّةٍ، و"الفُلْكُ": السَفِينَةُ، وجَمْعُها فُلْكٌ أيْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ القَوْلِ في هَذا الجَمْعِ في سُورَةِ الأعْرافِ.

و"المَشْحُونِ" مَعْناهُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يَحْمِلُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٢٥ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٢٧ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةًۭ تَعْبَثُونَ ١٢٨ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ١٢٩ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ١٣٠ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١ وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ ١٣٢ أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍۢ وَبَنِينَ ١٣٣ وَجَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍ ١٣٤ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ١٣٥ قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ ١٣٦ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ ١٣٧ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٣٩ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ ﴾ ﴿ إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ عادٌ: قَبِيلَةٌ، وانْصَرَفَ لِلْخِفَّةِ، وقِيلَ: هو اسْمُ أبِيهِمْ.

وخاطَبَهم هُودٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِمِثْلِ مُخاطَبَةِ سائِرِ الرُسُلِ، ثُمَّ كَلَّمَهم فِيما انْفَرَدُوا بِهِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي اقْتَضَتْها أعْمالُهُمْ، فَقالَ: " ﴿ أتَبْنُونَ ﴾ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، "والرِيعُ": المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ المُسَيِّبِ ابْنِ عَلْسٍ يَصِفُ طَرِيقًا: في الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها رَيْعٌ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحْلُ والسَحْلُ: الثَوْبُ الأبْيَضُ.

ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: طِراقُ الخَوافِي مُشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ويَهْماءُ قَفْرٌ تَجاوَزْتُها ∗∗∗ إذا خَبَّ في رِيعِها آلُها ويُقالُ: "رِيعٌ" بِكَسْرِ الراءِ، ويُقالُ: "رَيْعٌ" بِفَتْحِها، وبِها قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ "الرِيعِ" بِالطَرِيقِ، وبَعْضُهم بِالفَجِّ، وبَعْضُهم بِالثَنِيَّةِ الصَغِيرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجُمْلَةُ ذَلِكَ أنَّهُ المَكانُ المُشْرِقُ، وهو الَّذِي يَتَنافَسُ الناسُ في هَيْآتِهِ.

و"الآيَةُ": البُنْيانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّهُ عَلَمٌ، قالَ مُجاهِدٌ: أبْراجُ الحَمامِ، قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: القُصُورُ الطِوالُ، و"المَصانِعُ": جَمْعُ مَصْنَعٍ، وهو ما أُصْنِعَ وأُتْقِنَ في بِنائِهِ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ ونَحْوِهِ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَآخِذُ لِلْماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ ﴾ ، إمّا أنْ يُرِيدَ: عَلى أمَلِكم ورَجائِكُمْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ الِاسْتِفْهامَ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَخْلُدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُخْلَدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ اللامِ، يُقالُ: خَلَّدَ الشَيْءَ، وأخْلَدَهُ غَيْرُهُ، وقَرَأ أُبَيُّ وعَلْقَمَةُ: "لَعَلَّكم تُخَلَّدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّها، ورُوِيَ عن أُبَيٍّ: "كَأنَّكم تَخْلُدُونَ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَأنَّكم تَخْلُدُونَ".

و"البَطْشُ": الأخْذُ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ، و"الجَبّارُ": المُتَكَبِّرُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ" إذا كانَتْ لا تُدْرِكُ عُلُوًّا، ومِنهُ «قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في المَرْأةِ الَّتِي أبَتْ أنْ تُنَحّى عن طَرِيقِهِ: "إنَّها جَبّارَةٌ»، ومِنهُ الجَبَرُوتُ، فالمَعْنى: إنَّكم كُفّارُ الغَضَبِ، لَكُمُ السَطْواتُ المُفْرِطَةُ، والبَوادِرُ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ.

ثُمَّ ذَكَّرَهم عَلَيْهِ السَلامُ بِأيادِي اللهِ تَعالى قِبَلَهم فِيما مَنَحَهم مِنَ الأنْعامِ والذُرِّيَّةِ والجَنّاتِ والمِياهِ المُطَّرِدَةِ فِيها، ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابُ اللهِ تَعالى في الدُنْيا، وكانَتْ مُراجَعَتُهم أنْ سَوَّوْا بَيْنَ وعْظِهِ وتَرْكِهِ الوَعْظَ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَعَظْتَّ" بِإدْغامِ الظاءِ في التاءِ.

ثُمَّ قالُوا: ﴿ إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ﴾ ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ذَلِكَ، فَقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "خُلُقُ" بِضَمِّ اللامِ، فالإشارَةُ بـِ "هَذا" إلى دِينِهِمْ وعِبادَتِهِمْ وتَصَرُّفِهِمْ في المَصانِعِ، أيْ: هَذا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ خُلُقُ الناسِ وعادَتُهُمْ، وما بَعْدَ ذَلِكَ بَعْثٌ ولا تَعْذِيبَ كَما تَزْعُمُ أنْتَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو قُلابَةَ "خُلْقُ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ اللامِ، ورَواهُ الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "خُلْقُ الأوَّلِينَ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ اللامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةَ، والحَسَنِ، وهَذا يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وما هَذا الَّذِي تَزْعُمُهُ إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ مِنَ الكِذْبَةِ قَبْلَكَ، فَأنْتَ عَلى مِنهاجِهِمْ.

والثانِي أنْ يُرِيدُوا: وما هَذِهِ البِنْيَةُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها إلّا البِنْيَةَ الَّتِي عَلَيْها الأوَّلُونَ، حَياةٌ ومَوْتٌ، وما ثَمَّ بَعْثٌ ولا تَعْذِيبٌ، وكُلُّ مَعْنًى مِمّا ذَكَرْتُهُ تَحْتَمِلُهُ قِراءَةُ "خُلُقُ".

ورَوى عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا اخْتِلاقُ الأوَّلِينَ"، وباقِي الآيَةِ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٤١ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَـٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٤٣ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٤٥ أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَـٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ١٤٧ وَزُرُوعٍۢ وَنَخْلٍۢ طَلْعُهَا هَضِيمٌۭ ١٤٨ وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا فَـٰرِهِينَ ١٤٩ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠ وَلَا تُطِيعُوٓا۟ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ١٥١ ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ١٥٢ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ١٥٣ مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ١٥٤ قَالَ هَـٰذِهِۦ نَاقَةٌۭ لَّهَا شِرْبٌۭ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍۢ مَّعْلُومٍۢ ١٥٥ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ ١٥٦ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا۟ نَـٰدِمِينَ ١٥٧ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٥٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٥٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا آمِنِينَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ وَزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ ﴾ ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَلا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ ﴾ ﴿ ما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبٌ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ ﴿ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ "ثَمُودُ": قَبِيلَةٌ عَرَبِيَّةٌ.

وتُصْرَفُ ولا تُصْرَفُ عَلى مَقْصِدِ الحَيِّ أوِ القَبِيلَةِ، وقُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ: الجُمْهُورُ بِغَيْرِ صَرْفٍ، وابْنُ وثّابٍ وغَيْرُهُ بِالصَرْفِ.

و"صالِحٌ" أخُوهم في النَسَبِ، والأنْبِياءُ مِنَ العَرَبِ أرْبَعَةٌ: هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ ومُحَمَّدٌ صَلّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وإسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ عَرَبِيُّ اللِسانِ سُرْيانِيُّ النَسَبِ، وهو أبُ العَرَبِ المَوْجُودِينَ اليَوْمَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أتُتْرَكُونَ في ما ها هُنا ﴾ تَخْوِيفٌ لَهُمْ، بِمَعْنى: أتَطْمَعُونَ أنْ تُقِرُّوا في النِعَمِ عَلى مَعاصِيكُمْ؟

و"الهَضِيمُ" مَعْناهُ: اللِينُ الرَطْبُ.

و"الطَلْعُ": الكُفُرّى، وهو عُنْقُودُ النَخْلِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الكَمِّ في أوَّلِ نَباتِهِ، فَكَأنَّ الإشارَةَ إلى أنَّ طَلْعَها يُثْمِرُ ويُرَطِّبُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أيْنَعَ وبَلَغَ وهو هَضِيمٌ، وقالَ الزَهْرِيُّ: الهَضِيمُ: الرُخْصُ اللَطِيفُ أوَّلُ ما يَخْرُجُ، وقالَ الزَجّاجُ: هو -فِيما قِيلَ- الَّذِي رَطْبُهُ بِغَيْرِ نَوى، وقالَ الضَحّاكُ: الهَضِيمُ: المُنَضَّدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَنْحِتُونَ" بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها، وذَكَرَ أنَّها لُغَةٌ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي حَيْوَةَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "فارِهِينَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "فَرِهِينَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "مُتَفَرِّهِينَ" بِمِيمٍ، عَلى وزْنِ: مُتَفَعِّلِينَ، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفَراهَةِ، وهي جَوْدَةُ مَنظَرِ الشَيْءِ وقُوَّةُ كَمالِهِ في نَوْعِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: كَيِّسَيْنِ مُهْتَمِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: شَرِهِينَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوِياءُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: أشِرِينَ بَطِرِينَ، وذَهَبُ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ إلى أنَّهُ بِمَعْنى: مُسْتَفْرِهِينَ، أيْ: مُبالِغِينَ في اسْتِحازَةِ الفارِهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِمّا يَصْنَعُونَهُ ويَشْتَهُونَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِيعُوا أمْرَ المُسْرِفِينَ ﴾ خاطَبَ بِهِ جُمْهُورَ قَوْمِهِ، وعَنى بِالمُسْرِفِينَ كُبَراءَهم وأعْلامَ الكُفْرِ والإضْلالِ فِيهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُسَحَّرِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما مَأْخُوذٌ مِنَ السِحْرِ (بِكَسْرِ السِينِ) أيْ: قَدْ سُحِرْتَ فَأنْتَ لِذَلِكَ مَخْبُولٌ لا تَنْطِقُ بِقَوِيمٍ، والثانِي أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السِحْرِ (بِفَتْحِ السِينِ) وهي الرِئَةُ، وقِيلَ: السِحْرُ: قَصَبَةُ الرِئَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن كَبِدٍ وغَيْرِهِ، أيْ: أنْتَ ابْنُ آدَمَ مِثْلُنا لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ رَسُولًا عَنِ اللهِ تَعالى، وما بَعْدَهُ في الآيَةِ يُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ: فَإنَّ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ ويُقالُ لِلِاغْتِداءِ: التَسْحِيرُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .................

∗∗∗ ونَسْحَرُ بِالطَعامِ وبِالشَرابِ ثُمَّ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ آيَةً، ورُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا خُرُوجَ ناقَةٍ مِن جَبَلٍ مِن جِبالِهِمْ.

وقِصَّتُها في هَذِهِ الآيَةِ وجِيزَةٌ وقَدْ مَضَتْ مُسْتَوْعِبَةً، فَلَمّا خَرَجَتِ الناقَةُ قالَ لَهُمْ: ﴿ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ﴾ ، أيِ: الحَظُّ مِنَ الماءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَها شُرْبٌ ولَكم شُرْبٌ" بِضَمِّ الشِينِ فِيهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ قِصَصُ وُرُودِ الناقَةِ.

و"السُوءُ": عَقْرُها، وتَوَعَّدَهم عَلَيْهِ بِعَذابٍ، وظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ أرادَ: في الدُنْيا، ونَسَبَ عَقْرَها إلى جَمِيعِهِمْ مَعَ اخْتِصاصِ قِدارِ الأحْمَرِ بِعَقْرِها مِن حَيْثُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ رَأْيًا وتَدْبِيرًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَأصْبَحُوا نادِمِينَ ﴾ ، لَمّا ظَهَرَ لَهم تَغْيِيرُ ألْوانِهِمْ حَسَبَما كانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ أخْبَرَهم نَدِمُوا، ورَأوا أنَّ الأمْرَ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ حَتّى نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ، وكانَتْ صَيْحَةٌ جَمَدَتْ لَها أبْدانُهُمْ، وانْشَقَّتْ قُلُوبُهُمْ، وماتُوا عن آخِرِهِمْ، وصُبَّتْ عَلَيْهِمْ حِجارَةٌ خِلالَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٦٠ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٦١ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٦٢ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٦٣ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٤ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٥ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ١٦٦ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ ١٦٧ قَالَ إِنِّى لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلْقَالِينَ ١٦٨ رَبِّ نَجِّنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ ١٦٩ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ١٧٠ إِلَّا عَجُوزًۭا فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ ١٧١ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ١٧٢ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ١٧٣ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٧٤ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أتَأْتُونَ الذُكْرانَ مِنَ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ﴾ ﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ ﴾ ﴿ قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ ﴾ ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ قالَ النَقّاشُ: إنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وحَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ: "إذْ قالَ لَهم لُوطٌ" وسَقَطَ "أخُوهُمْ".

واخْتُصِرَتِ الياءُ في الخَطِّ واللَفْظِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَأطِيعُونِ ﴾ مُراعاةً لِرُؤُوسِ الآيِ أنْ تَتَناسَبَ.

ثُمَّ وقَّفَهم عَلى مَعْصِيَتِهِمُ البَشِعَةِ في "إتْيانِ الذُكْرانِ" وتَرْكِ فُرُوجِ الأزْواجِ، والمَعْنى: ويَذَرُ ذَلِكَ العاصِي في حالِ المَعْصِيَةِ، لا أنَّ مَعْناهُ: تَرَكُوا النِساءَ جُمْلَةً، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما أصْلَحَ لَكم رَبُّكُمْ"، و"عادُونَ" مَعْناهُ: ظالِمُونَ مُرْتَكِبُونَ لِلْحَظْرِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ مِن أرْضِهِ فَلا يُتَّهَمُ عِنْدَ ذَلِكَ، واقْتَصَرَ عَلى الإخْبارِ بِأنَّهُ قالَ: "لِعَمَلِهِمْ".

و"القِلى": بُغْضُ الشَيْءِ وتَرْكُهُ، ثُمَّ دَعا بِالنَجاةِ فَنَجّاهُ اللهُ تَعالى بِأنَّ أمَرَهُ بِالرِحْلَةِ لَيْلًا، وكانَتِ امْرَأتُهُ تُعِينُ عَلَيْهِ قَوْمَهُ فَأصابَها حَجَرٌ فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الغابِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: في الباقِينَ، فَإمّا أنْ يُرِيدَ: في الباقِينَ مِن لِداتِها وأهْلِ سُنَّتِها، وهَذا تَأْوِيلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ: في الباقِينَ في العَذابِ النازِلِ بِهِمْ، وهو تَأْوِيلُ قَتادَةَ، والمَشْهُورُ أنَّها بِمَعْنى: بَقِيَ.

وغابِرُ الزَمانِ: مُسْتَقْبَلُهُ، ولَكِنَّ الأعْشى قَدِ اسْتَعْمَلَ "غابِرَ الزَمانِ" بِمَعْنى ماضِيهِ في شِعْرِ المُنافَرَةِ المَشْهُورِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: يُقالُ لِلذّاهِبِ غابِرٌ، ولِلْباقِي غابِرٌ، و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ بِإمْطارِ الحِجارَةِ، وبِذَلِكَ جَرَتِ السِيَرُ في رَجْمِ اللُوطِيِّ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٧٦ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٧٨ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٨٠ ۞ أَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ ١٨١ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ١٨٢ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ١٨٣ وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلْأَوَّلِينَ ١٨٤ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ١٨٥ وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ١٨٦ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ١٨٧ قَالَ رَبِّىٓ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨٨ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٨٩ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ١٩٠ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أوفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ ﴾ ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ ﴿ وَلا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ ﴾ ﴿ وَما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابُ يَوْمِ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ قالَ النَقّاشُ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وحَفْصَةَ: "إذْ قالَ لَهم أخُوهم شُعَيْبٌ"، وقالُوا: ولا وجْهَ لِمُراعاةِ النَسَبِ، وإنَّما هو أخُوهم مِن حَيْثُ هو رَسُولُهم وآدَمِيٌّ مِثْلُهم.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "لَيْكَةَ" عَلى وزْنِ فَعْلَةَ هُنا وفي "ص"، وقَرَأ الباقُونَ: "الأيْكَةُ" وهي الدَوْحَةُ المُلْتَفَّةُ مِنَ الشَجَرِ عَلى الإطْلاقِ، وقِيلَ: مِن شَجَرٍ مَعْرُوفٍ لَهُ غَضارَةٌ يَأْلَفُهُ الحَمامُ والقَمارِيُّ ونَحْوُها، وقالَ قَتادَةُ: كانَ شَجَرُهم هَذا دَوْمًا.

و"لَيْكَةُ" اسْمُ البَلَدِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ذَلِكَ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ذَكَرَهُ أبُو عَبِيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مُسَهَّلَةٌ مِنَ الأيْكَةِ، وأنَّها وقَعَتْ في المُصْحَفِ هُنا وفي سُورَةِ "ص" بِغَيْرِ ألِفٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: سُقُوطُ ذَلِكَ مِنَ المُصْحَفِ لا يُرَجِّحُ النُطْقَ بِها هَكَذا؛ لِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ اتُّبِعَ فِيهِ تَسْهِيلُ اللَفْظِ، كُلَّما سَقَطَتِ الألِفُ مِنَ اللَفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ، نَحْوُ سُقُوطِ الواوِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ  ﴾ ، لَمّا سَقَطَ مِنَ اللَفْظِ، وأمّا تَرْجِيحُ القِراءَةِ في "لَيْكَةَ" بِفَتْحِ الياءِ في مَوْضِعِ الجَرِّ فَلا يَقْتَضِيهِ ما في المُصْحَفِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِها أنَّ سائِرَ ما في القُرْآنِ غَيْرُ هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ مُجْمَعٌ فِيهِ عَلى "الأيْكَةِ" بِالهَمْزِ والألِفِ والخَفْضِ.

وكانَتْ مُدُنُ القَوْمِ سَبْعَةً فِيما رُوِيَ، ولَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ مِنهُمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ هُنا بِأنَّهُ أخٌ لَهُمْ، وإنَّما كانَ مِن بَنِي مَدْيَنَ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ بِأخُوهُمْ، وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ بِعَيْنِها إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ، وفي قَوْلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ: " ألّا تَتَّقُونَ " عَرْضُ رَقِيقٍ وتَلَطُّفٍ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى  ﴾ .

وكانَتْ مَعْصِيَتُهُمُ المُضافَةُ إلى كُفْرِهِمْ؛ بِخْسَ المَوازِينِ وتَنْقُصُ أمْوالُ الناسِ بِذَلِكَ.

و"القِسْطاسُ": المُعْتَدِلُ مِنَ المَوازِينِ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِسْطِ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ" بِضَمِّ القافِ مِنَ "القِسْطاسِ"، وقَرَأ عِيسى وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، و"تَعْثَوْا" مَعْناهُ: تُفْسِدُونَ، يُقالُ: "عَثا" إذا أفْسَدَ.

"والجِبِلَّةَ": القُرُونُ والخَلِيقَةُ الماضِيَةُ، وقالَ الشاعِرُ: والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ فِيما يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّةِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والجِبِلَّةُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ: "والجِبِلَّةُ" بِضَمِّها، و"الكِسَفُ": القَطْعُ، واحِدُها: كَسْفَةٌ، كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، و ﴿ يَوْمِ الظُلَّةِ ﴾ يَوْمَ عَذابِهِمْ، وصُورَتُهُ -فِيما رُوِيَ- أنَّ اللهَ تَعالى امْتَحَنَهم بَحْرٍّ شَدِيدٍ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ غَشِيَ بَعْضَ قُطْرِهِمْ سَحابَةٌ، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ السَحابَةُ نارًا فَأحْرَقَتْهم عن آخِرِهِمْ.

ولِلنّاسِ في حَدِيثِ يَوْمِ الظُلَّةِ تَطْوِيلاتٌ لا تَثْبُتُ، والحَقُّ أنَّهُ عَذابٌ جَعَلَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ظُلَّةً، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّۢ مُّبِينٍۢ ١٩٥ وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ ١٩٦ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُۥ عُلَمَـٰٓؤُا۟ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ١٩٧ وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلْأَعْجَمِينَ ١٩٨ فَقَرَأَهُۥ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ مُؤْمِنِينَ ١٩٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمِينُ ﴾ ﴿ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ﴾ ﴿ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، أيْ: إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، و ﴿ الرُوحُ الأمِينُ ﴾ : جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ، ونَزَلَ بِاللَفْظِ العَرَبِيِّ والمَعانِي الثابِتَةِ في الصَدْرِ والمَصاحِفِ، والضَمِيرُ عَلى ذَلِكَ كُلُّهُ عائِدٌ في "بِهِ".

و"اللِسانُ" عِبارَةٌ عَنِ اللُغَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "نَزَلَ" خَفِيفَةَ الزايِ "الرُوحُ" بِالرَفْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِشَدِّ الزايِ "الرُوحَ" نَصْبًا، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ  ﴾ ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

وقَوْلُهُ: "بِهِ" في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى حِفْظِهِ إيّاهُ، وعَلَّلَ النُزُولَ عَلى قَلْبِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ المُنْذِرِينَ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْذِرَ بِهِ إلّا بَعْدَ حِفْظِهِ.

وقَوْلُهُ: "بِلِسانٍ" يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءَ بِـ "نَزَلَ بِهِ"، وهَذا عَلى «أنَّ النَبِيَّ  إنَّما كانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً»، وهو القَوْلُ الصَحِيحُ، وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعَجَلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "لِتَكُونَ"، وتُمْسِكَ بِهَذا مَن رَأى أنَّ النَبِيَّ  كانَ يَسْمَعُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ يُتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَ ألْفاظِ القُرْآنِ مِن لَدُنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ  ، وهَذا مَرْدُودٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ في كُتُبِهِمْ، يُرِيدُ أنَّ القُرْآنَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ مُنَبِّهٌ عَلَيْهِ مُشارٍ إلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُبُرُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِسُكُونِها.

ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرُهُ، كانَ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ الثَعْلَبِيُّ -: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَبِيِّ  ، فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا بَعْثَهُ، ثُمَّ خَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، فَمَن قالَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، ذَهَبَ إلى أنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرُوا أنَّ في التَوْراةِ صِفَةَ النَبِيِّ  ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ.

وكُلُّهم قَرَأ: "يَكُنْ" بِالياءِ "آيَةً" نَصْبًا، غَيْرُ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ قَرَأ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ: "آيَةٌ" رَفْعًا، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ يَعْلَمَهُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أنْ تَعْلَمَهُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

ثُمَّ سَلّى مُحَمَّدًا  عن صُدُودِ قَوْمِهِ عَنِ الشَرْعِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَرَبِيَّ لَوْ سَمِعُوهُ مِن أعْجَمٍ، أيْ: مِن حَيَوانٍ غَيْرِ ناطِقٍ، أو جَمادٍ، -والأعْجَمُ: كُلُّ ما لا يُفْصِحُ- ما كانُوا يُؤْمِنُونَ، أيْ: قَدْ خَتَمَ الكُفْرُ عَلَيْهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ، و"الأعْجَمُونَ" جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيُّ اللِسانِ يُقالُ لَهُ: أعْجَمُ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «جُرْحُ العَجْماءِ جِبارٌ»، وأسْنَدَ الطَبَرَيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: "جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ما كانُوا يُؤْمِنُونَ"، والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نَسَبُهُ في العَجَمِ وإنْ كانَ فَصِيحَ اللِسانِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "الأعْجَمِيَّيْنِ"، قالَ أبُو حاتِمْ: أرادَ جَمْعَ "الأعْجَمِيِّ" المَنسُوبِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو أعْجَمُ، أُضِيفَ فَقَوِيَتْ بِالإضافَةِ رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ فَجَمَعَ، ولَيْسَ بِأعْجَمِيِّ النِسْبَةِ إلى العَجَمِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَ لَمْ يَكُنْ" بِالياءِ "لَهم آيَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ: "أوَ لَيْسَ لَكم آيَةٌ" ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "ألَيْسَ" بِغَيْرِ واوٍ أو فاءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "آيَةٌ" رَفْعًا، وقَرَأ بَعْضُ مَن قَرَأ بِالتاءِ "آيَةً" بِالنَصْبِ، وسائِرُهم بِالرَفْعِ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ ما في السَبْعِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عائِدٌ عَلى "الذِكْرِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ سَلَكْنَـٰهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ٢٠٠ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ٢٠١ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٢٠٢ فَيَقُولُوا۟ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ٢٠٤ أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ٢٠٥ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ٢٠٦ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨ ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٢٠٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ ما أغْنى عنهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ﴿ وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ ﴾ ﴿ ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ ﴾ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى ما يَتَحَصَّلُ لِسامِعِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ  ﴾ الآيَةُ.

و"سَلَكْناهُ" مَعْناهُ: أدْخَلْناهُ، والضَمِيرُ فِيهِ لِلْكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الرُمّانِيُّ: لا وجْهَ لِهَذا إلّا أنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ، وإنَّما الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ وإخْطارُهُ بِالبالِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ الضَمِيرَ لِلتَّكْذِيبِ المَفْهُومِ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كَذَلِكَ جَعَلْناهُ في قُلُوبٍ"، ورُوِيَ عنهُ "نَجْعَلُهُ".

و"المُجْرِمُونَ" أرادَ بِهِ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: هَؤُلاءِ كَذَلِكَ.

وكَشَفَ الغَيْبُ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَيَأْتِيهِمْ" بِالياءِ، أيِ: العَذابُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَأْتِيهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، يَعْنِي الساعَةَ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَيَرَوْهُ بَغْتَةً"، ومِن قَوْلِ كُلِّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَمَنِّي مِنهم والرَغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَغْبَةُ.

ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ تَعالى في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَماءِ كِسْفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهم لِمُحَمَّدٍ  : أيْنَ ما تَعُدُّنا؟

أيْ:إنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم ذَلِكَ لِأنَّ عَذابَنا بِالمِرْصادِ إذا حانَ حِينُهُ.

ثُمَّ خاطَبَ مُحَمَّدًا  بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّ مُدَّةَ الإرْجاءِ والإمْهالُ والإمْلاءُ لا يَعْنِي مَنعَ نُزُولِ العَذابِ بَعْدَها، ووُقُوعَ النِقْمَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أفَرَأيْتَ" الآيَةُ، قالَ عِكْرِمَةُ: "سِنِينَ" يُرِيدُ: عُمْرُ الدُنْيا، ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً مِنَ القُرى إلّا بَعْدَ إرْسالِ مَن يُنْذِرُهم عَذابَ اللهِ تَعالى ذِكْرى لَهم وتَبْصِرَةً وإقامَةَ حُجَّةٍ؛ ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ  ﴾ و"ذِكْرى" عِنْدَ الكِسائِيِّ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وهو قَوْلُ الزَجّاجِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ ذِكْرى، ثُمَّ نَفى عن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ الظُلْمَ؛ إذْ هو مِمّا لا يَلِيقُ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ٢١١ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ٢١٢ فَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ ٢١٣ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ ٢١٤ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢١٥ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ٢١٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ ﴾ ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ ﴾ لَمّا كانَ في هَذا المَوْضِعِ ما قالَ الكُفّارُ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا القُرْآنَ كَهانَةٌ- نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لِذَلِكَ، أيْ: ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ؛ لِأنَّها عُزِلَتْ عَنِ السَمْعِ الَّذِي كانَتْ تَأْخُذُ لَهُ مَقاعِدَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ﴾ أيْ: ما يُمْكِنُهُمْ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ اللَفْظَةُ عِبارَةً عَمّا لا يَكُونُ، وعِبارَةً عَمًّا لا يَلِيقُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا، ولَمّا جاءَ اللهُ تَعالى بِالإسْلامِ حَرَسَ السَماءَ بِالشُهُبِ الجارِيَةِ إثْرَ الشَياطِينِ، فَلَمْ يَخْلُصْ شَيْطانٌ بِشَيْءٍ يُلْقِيهِ كَما كانَ يَتَّفِقُ لَهم في الجاهِلِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الشَياطِينُ"، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنَ أنَّهُ قَرَأ: "الشَياطُونَ"، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، قالَ أبُو حاتِمْ: هي غَلَطٌ مِنهُ أو عَلَيْهِ، وحَكاها الثَعْلَبِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ السَمَيْفَعِ، وذَكَرَ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَساتِينَ مِن ورائِها بَساتُونَ، قالَ يُونُسُ: ما أشْبَهَ هَذِهِ بِقِراءَةِ الحَسَنِ.

ثُمَّ وصّى عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ  بِالثُبُوتِ عَلى تَوْحِيدِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأمَرَ بِنِذارَةِ عَشِيرَتِهِ تَخْصِيصًا لَهُمْ، إذِ العَشِيرَةُ مَظِنَّةُ المُقارَبَةِ والطَواعِيَةِ، وإذْ يُمَكِّنُهُ مَعَهم مِنَ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُمْ، فَإنَّ البِرَّ بِهِمْ في مِثْلِ هَذا الحَمْلِ عَلَيْهِمْ، والإنْسانُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلى عَشِيرَتِهِ، وكانَ هَذا التَخْصِيصُ مَعَ الأمْرِ العامِّ بِنَذارَةِ العالَمِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ عَشِيرَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ نالَهم هم مِن هَذا التَخْصِيصِ وخُرُوجُهم مِنهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ .

«وَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ  بِهَذِهِ النِذارَةِ عَظُمَ مَوْضِعُ الأمْرِ عَلَيْهِ وصَعُبَ، ولَكِنَّهُ تَلَقّاهُ بِالجِلْدِ، وصَنَعَ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً كُلُّها بِحَسَبِ الأمْرِ، مِن ذَلِكَ "أنَّهُ أمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأنْ يَصْنَعَ طَعامًا، وجَمَعَ عَلَيْهِ بَنِي جَدِّهِ عَبَدِ المُطَلِّبِ، وأرادَ نَذارَتَهم ودَعْوَتَهم في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَظَهَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ بَرَكَةً في الطَعامِ، قالَ عَلَيٌّ: وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، يَنْقُصُونَ رَجُلًا أو يَزِيدُونَهُ، فَرَماهُ أبُو لَهَبٍ بِالسِحْرِ، فَوَجَمَ رَسُولُ اللهِ  ، وافْتَرَقَ جَمْعُهم مِن غَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ جَمَعَهم مَرَّةً ثانِيَةً كَذَلِكَ وأنْذَرَهم ووَعَظَهم فَتَضاحَكُوا ولَمْ يُجِيبُوا، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ نادى عَمَّهُ العَبّاسَ، وصْفِيَّةَ عَمَّتَهُ، وفاطِمَةَ ابْنَتَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: "لا أُغْنِي عنكم مِنَ اللهِ شَيْئًا، إنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» في حَدِيثٍ مَشْهُورٍ، ومِن ذَلِكَ «أنَّهُ صَعَدَ عَلى الصَفا، أو أبِي قُبَيْسٍ ونادى: يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وا صَباحاهُ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ الناسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، حَتّى أتى عَلى بُطُونِ قُرَيْشٍ جَمِيعًا، فَلَمّا تَكامَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن كُلِّ بَطْنٍ قالَ لَهُمْ: "أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ الجَبَلِ تُرِيدُ الغارَةَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ"؟

قالُوا: نَعَمْ، فَإنّا لَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ لَهُمْ: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ"، فَقالَ لَهُ أبُو لَهَبٍ لَعَنَهُ اللهُ: ألِهَذا جَمَعَتْنا؟

تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ  ﴾ السُورَةُ.» و"العَشِيرَةُ": قَرابَةُ الرَجُلِ، وهي في الرُتْبَةِ تَحْتَ الفَخْذِ وفَوْقَ الفَصِيلَةِ.

و"خَفْضُ الجَناحِ" اسْتِعارَةٌ، مَعْناهُ: لِينُ الكَلِمَةِ وبَسْطُ الوَجْهِ والبِرِّ، والضَمِيرُ في "عَصَوْكَ" عائِدٌ عَلى عَشِيرَتِهِ مِن حَيْثُ جُمِعَتْ رِجالًا، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِنهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧ ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ ٢١٩ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٢٢٠ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ ٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ ٢٢٢ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ ٢٢٣ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ ٢٢٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍۢ يَهِيمُونَ ٢٢٥ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ٢٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ ﴿ وَتَقَلُّبَكَ في الساجِدِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَياطِينُ ﴾ ﴿ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ ﴾ ﴿ يُلْقُونَ السَمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ ﴾ ﴿ والشُعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "فَتُوَكَّلُ" بِالفاءِ، وكَذَلِكَ في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشامِ، والجُمْهُورُ بِالواوِ، وكَذَلِكَ في سائِرِ المَصاحِفِ، وأمَرَهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ في كُلِّ أمْرِهِ، ثُمَّ جاءَ بِالصِفاتِ الَّتِي تُؤْنِسُ المُتَوَكِّلَ، وهي العِزَّةُ والرَحْمَةُ المَذْكُورَتانِ في أواخِرَ قِصَصِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُورَةِ وضَمَّنَها نَصْرَ كُلِّ نَبِيٍّ عَلى الكَفَرَةِ، والتَهَمُّمِ بِأمْرِهِ والنَظَرِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ عِبارَةٌ عن إدْراكٍ، وظاهِرُ الآيَةِ أرادَ قِيامَ الصَلاةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يُرِيدُ سائِرَ التَصَرُّفاتِ، وهو تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الساجِدِينَ ﴾ أيْ: في أهْلِ الصَلاةِ، أيْ صَلاتُكَ مَعَ المُصَلِّينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: تَقْلِيبُ أعْيُنِكَ وأبْصارِكَ الساجِدِينَ حِينَ تَراهم مِن وراءِ ظَهْرِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْنًى أجْنَبِيٌّ هُنا،.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا وقَتادَةُ: أرادَ: تَقَلُّبَكَ في المُؤْمِنِينَ، فَعَبَّرَ عنهم بِالساجِدِينَ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ الأنْبِياءَ: أيْ: تَقْلِبُكَ كَما تَقْلِبُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَياطِينُ ﴾ ، هُنا اسْتِفْهامٌ وتَوْقِيفُ تَقْرِيرٍ، و"الأفّاكُ": الكَذّابُ، و"الأثِيمُ": الآثِمْ، ويُرِيدُ الكَهَنَةَ لِأنَّهم كانُوا يَتَلَقَّوْنَ مِنَ الشَياطِينِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَماءِ فَيَخْلِطُونَ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَإذا صَدَقَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ كانَتْ سَبَبَ ضَلالَةٍ لِمَن سَمِعَها.

وقَوْلُهُ: "يُلْقُونَ" يَعْنِي الشَياطِينَ، ومُقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الشَيْطانَ المُسْتَرِقَ أيْضًا كانَ يَكْذِبُ إلى ما سَمِعَ، هَذا في الأكْثَرِ، ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ في "يُلْقُونَ" -أيْ يَكْذِبُونَ- لِلْكَهَنَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ الكَهَنَةَ بِإفْكِهِمْ وكَذِبِهِمُ الَّذِي يَقْتَضِي نَفْيَ كَلامِهِمْ عن كَلامِ اللهِ تَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِذَكَرِ الشُعَراءُ وحالِهِمْ لِيُنَبِّهَ عَلى بُعْدِ كَلامِهِمْ مِن كَلامِ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ، إذْ قالَ في القُرْآنِ بَعْضُ الكَفَرَةِ: إنَّهُ شِعْرٌ، وهَذِهِ الكِنايَةُ عن شِعْرِ الجاهِلِيَّةِ، حَكى النَقّاشُ عَنِ السُدِّيِّ أنَّها في ابْنِ الزِبَعْرى، وأبِي سُفْيانَ بْنِ الحَرْثِ، وهُبَيْرَةَ بْنِ أبِي وهْبٍ، ومُسافِعُ الجُمَحِيِّ، وأبِي عَزَّةَ، وأُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلانِ مِمَّنْ تابَ وآمَنَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ شاعِرٍ مُخْلِطٍ يَهْجُو أو يَمْدَحُ شَهْوَةً، ويَقْذِفُ المُحْصَناتِ، ويَقُولُ الزُورَ.

وقَرَأ نافِعٌ "يَتْبَعُهُمْ" بِسُكُونِ التاءِ وفَتْحِ الباءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ اللهِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: "الغاوُونَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ الرُواةُ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُسْتَحْسِنُونَ لِأشْعارِهِمُ، المُصاحِبُونَ لَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الرِعاعُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشاعِرَ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ.

وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: "الغاوُونَ": الشَياطِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ﴾ عِبارَةٌ عن تَخْلِيطِهِمْ وخَوْضِهِمْ في كُلِّ فَنٍّ مِن غَثِّ الكَلامِ وباطِلِهِ، وتَحْسِينِهِمُ القَبِيحَ وتَقْبِيحِهِمُ الحَسَنَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ ذَكَرَ لِتَعاطِيهِمْ وتَعَمُّقِهِمْ في مَجازِ الكَلامِ حَتّى يَؤُوَّلَ إلى الكَذِبِ، ولَكِنْ في هَذا اللَفْظِ عُذْرٌ لِبَعْضِهِمْ أحْيانًا، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ النُعْمانَ بْنَ عَدِيٍّ لَمّا ولّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَيَسانَ، وقالَ لِزَوْجَتِهِ الشِعْرَ المَشْهُورَ عَزَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴾ فَدَرَأ عنهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ الحَدَّ في الخَمْرِ.

ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «مَن مَشى سَبْعَ خُطُواتٍ في شِعْرٍ كُتِبَ مِنَ الغاوِينَ»، ذَكَرَهُ أسَدُ بْنُ مُوسى، وذَكَرَهُ النَقّاشُ.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱنتَصَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍۢ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظُلِمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ هو في شُعَراءِ الإسْلامِ، كَحَسّانِ بْنِ ثابِتٍ، وكَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ، وكُلُّ مَنِ اتُّصِفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّ هَؤُلاءِ شُقَّ عَلَيْهِمْ ما ذُكِرَ قَبْلُ في الشِعْرِ، وذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  فَنَزَلَتْ آيَةٌ لِلِاسْتِثْناءِ في الشِعْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في أشْعارِهِمْ، وهو تَأْوِيلُ ابْنُ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذَلِكَ خَلْقٌ لَهم وعادَةٌ وعِبادَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا كَما قالَ لَبِيَدٌ حِينَ طُلِبَ مِنهُ شِعْرٌ: "إنَّ اللهَ أبْدَلَنِي بِالشِعْرِ القُرْآنَ خَيْرًا مِنهُ"، وكُلُّ شاعِرٍ في الإسْلامِ يَهْجُو أو يَمْدَحُ مِن غَيْرِ حَقٍّ، ولا يَرْتَدِعُ عن قَوْلٍ دَنِيءٍ، فَهم داخِلُونَ في هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ تَقِيٍّ مِنهم يُكْثِرُ مِنَ الذِكْرِ، ويُمْسِكُ عن كُلِّ ما يُعابُ فَهو داخِلٌ في الِاسْتِثْناءِ.

وقَوْلُهُ: "وانْتَصَرُوا" إشارَةٌ إلى ما قالُوهُ مِنَ الشِعْرِ وغَيْرِهِ في قُرَيْشٍ، قالَ قَتادَةُ: وانْتَصَرُوا بِمِثْلِ ما ظُلِمُوا.

وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ لِلظَّلَمَةِ كُفّارُ مَكَّةَ، وتَهْدِيدٌ لَهم.

وعَمَلٌ "يَنْقَلِبُونَ" في "أيٍّ" لِتَأخُّرِهِ.

والحَوْلُ والقُوَّةُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى أعْلَمُ.

تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشُعَراءِ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله