المحرر الوجيز سورة النمل

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة النمل

تفسيرُ سورةِ النمل كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 120 دقيقة قراءة

تفسير سورة النمل كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

طسٓ ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍۢ مُّبِينٍ ١ هُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ٤ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ وَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ٥

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ قوله عزّ وجلّ: ﴿ طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في كُلِّ السُورِ، وكُلِّ ما قِيلَ مُتَرَتِّبٌ هُنا، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فالأسْماءُ هُنا: لَطِيفٌ وسَمِيعٌ، وكَوْنُها إشارَةً إلى نَوْعِ حُرُوفِ المُعْجَمِ أبْيَنُ الأقْوالِ.

وعَطْفُ "كِتابٍ" عَلى "القُرْآنِ" وهُما لِمُسَمًّى واحِدٍ مِن حَيْثُ هُما صِفَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ، فالقُرْآنُ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ، والكِتابُ لِأنَّهُ كَتَبَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكِتابٌ مُبِينٌ" بِالرَفْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿ هُدًى وبُشْرى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ هُدًى وبُشْرى.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالأوصافِ الخَلِيقَةِ بِهِمْ.

وإقامَةُ الصَلاةِ: إدامَتُها عَلى وجْهِها.

و"الزَكاةُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ المَفْرُوضَةِ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ قَدِيمَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَفْرُوضَةَ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ، وقِيلَ: "الزَكاةُ" هُنا بِمَعْنى الطَهارَةِ مِنَ النَقائِصِ ومُلازِمَةِ مَكارِمِ الأخْلاقِ.

وتَكْرارُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ لِلتَّأْكِيدِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الكَفَرَةَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، والإشارَةِ إلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى حَتَّمَ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، وحَبَّبَ إلَيْهِمُ الشِرْكَ، وزَيَّنَهُ بِأنْ خَلَقَهُ واخْتَرَعَهُ في نُفُوسِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ اكْتِسابُهم وحِرْصُهم عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ الأعْمالُ المُزَيَّنَةُ كُفْرُهم وطُغْيانُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الأعْمالَ المُزَيَّنَةَ هي الشَرِيعَةُ الَّتِي كانَ الواجِبُ أنْ تَكُونَ أعْمالَهُمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ الذِكْرِ أنَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ زَيَّنَ الدِينَ وبَيَّنَهُ، ورَسَمَ الأعْمالَ والتَوْحِيدَ، لَكِنَّ هَؤُلاءِ "يَعْمَهُونَ"، أيْ: ويَعْرِضُونَ، و"العَمَهُ": الحَيْرَةُ والتَرَدُّدُ في الصَلاةِ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِسُوءِ العَذابِ، فَمَن نالَهُ شَيْءٌ في الدُنْيا بَقِيَ عَلَيْهِ عَذابُ الآخِرَةِ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ عَذابٌ في الدُنْيا كانَ سُوءُ عَذابِهِ في مَوْتِهِ وفِيما بَعْدَهُ، و"الأخْسَرُونَ": جَمْعُ أخْسَرِيٍّ؛ لِأنَّ أفْعَلَ صِفَةٌ، لا يُجْمَعُ إلّا أنْ يُضافَ فَتَقْوى رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِۦٓ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا سَـَٔاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍۢ قَبَسٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ٧ فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٨ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا مُوسى إنَّهُ أنا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ "تَلْقى" تَفْعَلُ، مُضاعَفٌ، ومَعْناهُ: تُعْطى، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: المَعْنى: أنَّكَ لَتُقَبِّلُ القُرْآنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَفِيضُ عَلَيْهِ فَضْلُ اللهِ تَعالى فَيُقَلِّبُهُ  ، وهَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: إنَّ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.

و"مِن لَدُنْ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِهِ ومِن جِهَتِهِ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ في مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ، لا إلَهَ إلّا هو.

ثُمَّ قَصَّ تَعالى خَبَرَ مُوسى، والتَقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى، وكانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ حِينَ خَرَجَ بِزَوْجَتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَلامُ يُرِيدُ مِصْرَ -وَقَدْ قَرُبَ وقْتُ نُبُوَّتِهِ- مَشَوْا في لَيْلَةٍ ظَلْماءَ ذاتِ بَرْدٍ ومَطَرٍ، فَفَقَدُوا النارَ ومَسَّهُمُ البَرْدُ واشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الظُلْمَةُ وضَلُّوا الطَرِيقَ، وأصْلَدَ زِنادُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَبَيْنا هو في هَذِهِ الحالِ إذْ رَأى نارًا عَلى بُعْدٍ.

و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: رَأيْتُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: انْظُرْ خَلِيلِيَّ بِبابِ جِلَّقِ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مِن أحَدٍ؟

فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ قالَ لِأهْلِهِ ما في الآيَةِ، ومَشى نَحْوَها، فَلَمّا دَنا مِنها بَعُدَتْ هي مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَكُنْ نارًا في نَفْسِهِ، لَكِنْ ظَنَّهُ مُوسى نارًا، فَناداهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، وسَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ النِداءَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وأسْمَعُهُ اللهُ تَعالى كَلامَهُ.

و"الخَبَرُ" الَّذِي رَجاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو الإعْلامُ بِالطَرِيقِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴾ ، شِبْهُ النارِ الَّتِي تُوجَدُ في طَرَفِ عُودٍ أو غَيْرِهِ بِالشِهابِ، ثُمَّ خَصَّصَهُ بِأنَّهُ مِمّا اقْتُبِسَ؛ إذِ الشُهُبُ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ اقْتِباسٍ، والقَبَسُ اسْمٌ لِقِطْعَةِ النارِ تُقْتَبَسُ في عُودٍ أو غَيْرِهِ، كَما أنَّ القَبْضَ اسْمٌ ما يَقْبِضُ، ومِنهُ قَوْلٌ أبِي زَيْدٍ: في كِفَّةٍ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ∗∗∗ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ وَقَوْلُ الآخَرِ: مَن شاءَ مِن نارِ الجَحِيمِ اسْتَقْبَسا وأصْلُ الشِهابِ الكَوْكَبُ المُنْقَضُّ في أثَرٍ مُسْتَرِقِ السَمْعِ، وكُلُّ ما يُقالُ لَهُ شِهابٌ مِنَ النَيِّراتِ فَعَلى التَشْبِيهِ، قالَ الزَجّاجُ: كُلُّ أبْيَضَ ذِي نُورٍ فَهو شِهابٌ، وكَلامُهُ مُعْتَرَضٌ، والقَبَسُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا غَيْرَ صِفَةٍ أضافَ إلَيْهِ، بِمَعْنى: بِشِهابٍ اقْتَبَسَهُ أوِ اقْتَبَسَتْهُ، وعَلى كَوْنِهِ صِفَةً يَكُونُ ذَلِكَ كَإضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، والصَلاةِ إلى الأُولى، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ "شِهابٍ" إلى "قَبَسٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشامِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِشِهابٍ قَبَسٍ" بِتَنْوِينِ "شِهابٍ"، وهَذا عَلى الصِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرَ: قَبَسَ يَقْبِسُ، كَما الحَلْبُ مَصْدَرُ حَلَبَ يَحْلِبُ، وقالَ أبُو الحَسَنِ: الإضافَةُ أجْوَدُ وأكْثَرُ في القِراءَةِ، كَما تَقُولُ: دارُ آجُرٍّ وسِوارُ ذَهَبٍ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ.

و"تَصْطَلُونَ" مَعْناهُ: تَسْتَدْفِئُونَ مِنَ البَرْدِ.

والضَمِيرُ في "جاءَها" لِلنّارِ الَّتِي رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ أنْ بُورِكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنْ بُورِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: "نُودِيَ أنَّهُ"، قالَهُ الزَجّاجُ.

وقَوْلُهُ: "بُورِكَ" مَعْناهُ:، قُدِّسَ وضُوعِفَ خَيْرُهُ ونُمِّيَ، والبَرَكَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي طالِبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ نَبْعُ الرُمّانِ والزَيْتُونُ و"بارَكَ" مُتَعَدٍّ بِغَيْرِ حَرْفٍ، تَقُولُ العَرَبُ: بارَكَكَ اللهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن في النارِ ﴾ اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمْ: أرادَ عَزَّ وجَلَّ نَفْسَهُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم في هَذا القَوْلِ عِباراتٍ مَرْدُودَةً شَنِيعَةً.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النُورَ.

وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِـ "مِن حَوْلَها" المَلائِكَةَ ومُوسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرُهُ فَإنَّما يَتَخَرَّجُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، بِمَعْنى: بُورِكَ مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ، والمَعْنى: في النارِ عَلى ظَنِّكَ وما حَسِبْتَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ " مَن في النارِ " النُورُ، فَهَذا عَلى أنْ يُعَبِّرَ عَنِ النُورِ مِن حَيْثُ كانَ أنَّهُ مِن نُورِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النُورَ الَّذِي حَسِبَهُ مُوسى نارًا لَمْ يَخْلُ مِنَ المَلائِكَةِ.

و" مَن حَوْلَها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ المُطِيفِينَ بِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "بُورِكَتِ النارُ".

و" مِن حَوْلِها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ، كَذا حَكى أبُو حاتِمْ، وحَكى ابْنُ مَكِّيٍّ أنَّهُ قَرَأ: "تَبارَكَتِ النارُ ومَن حَوْلَها"، وحَكى الدانِيُّ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "وَمَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ"، قالَ: وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا قِيلَ في النِداءِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ  اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصِدُ بِهِ -عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ- تَنْزِيهُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالٍ في مَعْنى النِداءِ في الشَجَرَةِ، وكَوْنُ قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ.

وعَوْدُ "مَن" عَلَيْهِ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ -فِي جَمِيعِ هَذِهِ الحالاتِ- عَنِ التَشْبِيهِ والتَكْيِيفِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وإنَّما الأمْرُ -كَما رُوِيَ في التَوْراةِ-: (جاءَ اللهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلى مِن فارانَ )، المَعْنى: ظَهَرَتْ أوامِرُهُ بِأنْبِيائِهِ في هَذِهِ الحالاتِ.

والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْأمْرِ والشَأْنِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ويُسَمِّيها أهْلُ الكُوفَةِ المَجْهُولَةَ، آنَسَهُ اللهُ تَعالى بِصِفاتِهِ مِنَ العِزَّةِ الَّتِي لا خَوْفَ مَعَها، والحِكْمَةِ، أيْ: لا نَقْصَ في أفْعالِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّۭ وَلَّىٰ مُدْبِرًۭا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَـٰمُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ ١٠ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًۢا بَعْدَ سُوٓءٍۢ فَإِنِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١١ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍۢ ۖ فِى تِسْعِ ءَايَـٰتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ١٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ تَدْرِيبًا لَهُ في اسْتِعْمالِهِما، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "فَألْقى مُوسى العَصا"، ﴿ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ ﴾ .

وأمالَ "رَآها" بَعْضُ القُرّاءِ، و"الجانُّ": الحَيّاتُ؛ لِأنَّها تُخْفِي أنْفُسَها، أيْ: تَسْتُرُها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الجانُّ": صِغارُ الحَيّاتِ، وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ صارَتْ حَيَّةً ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ، وإنَّما شُبِّهَتْ بِالجانِّ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الصِغارَ أكْثَرُ حَرَكَةً مِنَ الكِبارِ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَ في العَصا وغَيَّرَ أوصافَها وأعْراضَها فَصارَتْ حَيَّةً.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "جَأْنَ" بِالهَمْزِ.

فَلَمّا أبْصَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هَوْلَ ذَلِكَ المَنظَرِ ﴿ وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَرْجِعْ، وقالَ قَتادَةُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَقَّبَ الرَجُلُ: إذا ولِيَ عن أمْرٍ ثُمَّ صَرَفَ بَدَنَهُ أو وجْهَهُ إلَيْهِ كَأنَّهُ انْصَرَفَ عَلى عَقِبَيْهِ، وناداهُ اللهُ مُؤْنِسًا ومُقَوِّيًا عَلى الأمْرِ: ﴿ يا مُوسى لا تَخَفْ ﴾ فَإنَّ رُسُلِي الَّذِينَ اصْطَفَيْتُهم لِلنُّبُوَّةِ لا يَخافُونَ عِنْدِي ومَعِي، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الحَيَّةَ فَرَجَعَتْ عَصاهُ، ثُمَّ صارَتْ لَهُ عادَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ ، فَقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وهو مِنَ الأنْبِياءِ، ورَوى الحَسَنُ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: أخْفَتُكَ لِقَتْلِكَ النَفْسَ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: كانَتِ الأنْبِياءُ تُذْنِبُ فَتُعاقَبُ، ثُمَّ تُذْنِبُ -واللهِ- فَتُعاقَبُ، فَكَيْفَ بِنا؟، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يُخِيفُ اللهُ تَعالى الأنْبِياءَ إلّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ أحَدُهُمْ، فَإنْ أصابَهُ أخافَهُ حَتّى يَأْخُذَهُ مِنهُ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ لَهم مِن ذَنْبٍ إلّا ما رُوِيَ عن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي هي رَذائِلُ، واخْتَلَفَ فِيما عَدا هَذا، فَعَسى أنْ يُشِيرَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ إلى ما عَدا ذَلِكَ.

وفِي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- حَذْفٌ اقْتَضى الإيجازَ والفَصاحَةَ تَرْكُ نَصِّهِ، تَقْدِيرُهُ: فَمَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ.

وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وهو إخْبارٌ عن غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن ظَلَمَ مِنَ الناسِ ثُمَّ تابَ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا وجْهَ لَهُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "ألا مَن ظَلَمَ" عَلى الِاسْتِفْتاحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا ﴾ مَعْناهُ: عَمَلًا صالِحًا مُقْتَرِنًا بِتَوْبَةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي حَتْمَ المَغْفِرَةِ لِلتّائِبِ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى ذَلِكَ في التَوْبَةِ مِنَ الشِرْكِ، وأهْلُ السُنَّةِ في التائِبِ مِنَ المَعاصِي، عَلى أنَّهُ في المَشِيئَةِ كالمُصِرِّ، لَكِنْ يَغْلُبُ الرَجاءُ عَلى التائِبِ والخَوْفُ عَلى المُصِرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ عَمَّتِ الجَمِيعُ مِنَ التائِبِ والمُصِرِّ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المُشْرِكِ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يُذْهِبُ فائِدَتَهُ، إذِ الشِرْكُ يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وما دُونَهُ كَذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِهِمْ، فَما فائِدَةُ التَفْصِيلِ في الآيَةِ، وهَذا الِاحْتِجاجُ لازِمٌ فَتَأمَّلْهُ.

ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "حَسَنًا بَعْدَ سُوءٍ" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: "حُسْنى" مِثْلُ فُعْلى.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في جَيْبِ جُبَّتِهِ لِأنَّها لَمْ يَكُنْ لَها كُمٌّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: مُدَرَّعَةُ صُوفٍ إلى بَعْضِ يَدِهِ، و"الجَيْبُ": الفَتْحُ في الثَوْبِ لِرَأْسِ الإنْسانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ تَخْرُجُ كَأنَّها قِطْعَةُ نُورٍ تَلَأْلَأ، ومَعْنى إدْخالُ اليَدِ في الجَيْبِ ضَمُّ الآيَةِ إلى مُوسى، وإظْهارُ تَلَبُّسِها بِهِ؛ لِأنَّ المُعْجِزاتِ مِن شُرُوطِها أنْ يَكُونَ لَها اتِّصالٌ بِالرائِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا عِلَّةٍ، وإنَّما هي آيَةٌ تَجِيءُ وتَذْهَبُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأدْخِلْ يَدَكَ فِي ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "ألْقِ" و"أدْخِلْ"، وفِيهِ اقْتِضابٌ وحَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُمَهِّدُ وتُيَسِّرُ لَكَ ذَلِكَ في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ، وهِيَ: العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، والطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ، والطَمْسُ، والحَجْرُ، وفي هَذَيْنَ الأخِيرَيْنِ اخْتِلافٌ، والمَعْنى: يَجِيءُ بِهِنَّ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةًۭ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ١٣ وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًۭا وَعُلُوًّۭا ۚ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جاءَتْهُمْ ﴾ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، و"مُبْصِرَةً" مَعْناهُ: مَعَها الإبْصارُ والوُضُوحُ، وعَلى هَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمْ، ولَيْلٌ قائِمٌ ونائِمْ، وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ: "مَبْصَرَةً" بِفَتْحِ المِيمِ والصادِ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا ﴾ حُصُولُ الكُفْرِ عِنادًا، وهي مَسْألَةٌ فِيها قَوْلانِ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ أمْ لا؟

فَجَوَّزَتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ وقالَتْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَجُلُ عارِفًا إلّا أنَّهُ يَجْحَدُ عِنادًا ويَمُوتُ عَلى مَعْرِفَتِهِ وجُحُودِهِ، فَهو بِذَلِكَ في حُكْمِ الكافِرِ المُخَلَّدِ، قالُوا: وهَذا حُكْمُ إبْلِيسَ، وحُكْمُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأخِيهِ حَسَبَ ما رُوِيَ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ عُورِضَ هَذا المِثالُ فُرِضَ إنْسانٌ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَذا لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِن عاقِلٍ، والوَجْهُ الآخَرُ أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي أنْ يَحِلَّ في القَلْبِ، وذَلِكَ إيمانٌ، وحُكْمُ الكُفْرِ لا يَلْحَقُهُ إلّا بِأنْ يَحِلَّ في القَلْبِ كُفْرٌ، ولا يَصِحُّ اجْتِماعُ الضِدَّيْنِ في مَحَلٍّ، قالُوا: ويُشْبِهُ في هَذا العارِفُ الجاحِدُ أنْ يُسْلَبَ عِنْدَ المُوافاةِ تِلْكَ المَعْرِفَةَ ويَحِلَّ بَدَلَها الكَفْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ وما جَرى مَجْراها أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ إذا نَظَرُوا في آياتِ مُوسى أعْطَتْهم قَوْلَهُمْ: "إنَّ هَذا لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ"، وحَصَلَ لَهُمُ اليَقِينُ أنَّها مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، فَيَغْلِبُهم أثْناءَ ذَلِكَ الحَسَدِ، ويَتَمَسَّكُونَ بِالظُنُونِ في أنَّها سِحْرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ حَتّى يُسْلَبَ ذَلِكَ اليَقِينُ أو يُدْفَعَ، وحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْتَلِبِ في وُجُوبِ عَذابِهِمْ.

و"ظُلْمًا" مَعْناهُ: عَلى غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِلْجَحْدِ، و"العُلُوُّ" في الأرْضِ أعْظَمُ آفَةً عَلى طالِبِهِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا  ﴾ .

ثُمَّ عَجَّبَهُ تَعالى مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا مُوسى، وفي هَذا تَمْثِيلٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ كانُوا مُفْسِدِينَ مُسْتَعْلِينَ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَعُلِيًّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عنهم وعن أبانِ بْنِ تَغْلِبَ أنَّهم كَسَرُوا العَيْنَ مِن "عِلِيًّا".

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْمًۭا ۖ وَقَالَا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٥ وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُۥدَ ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ ١٦ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها الناسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ ﴾ ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَيْرِ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ فِيهِ غُيُوبٌ وعِبَرٌ، ولَيْسَ بِمِثالٍ لِقُرَيْشٍ، وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مَلِكًا، ووَرِثَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مُلْكَهُ ومَنزِلَتَهُ مِنَ النُبُوَّةِ، بِمَعْنى: صارَ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ، ويُسَمّى مِيراثًا تَجَوُّزًا، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمُ: "العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ"، وحَقِيقَةُ المِيراثِ في المالِ، والأنْبِياءُ لا تُورِّثُ أمْوالَهُمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ  قالَ: «إنّا مَعْشَرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرِّثُ»، يُرِيدُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ وسِيرَتِهِمْ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن ورِثَ مالَهُ كَزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ فِيهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "إنّا مَعْشَرُ المُسْلِمِينَ إنَّما شَغَلَنا العِبادَةُ"، فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الأكْثَرِ، ومِنهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ: "أنّا مَعْشَرُ العَرَبِ أقْرى الناسِ لِلضَّيْفِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَيْرِ ﴾ إخْبارٌ بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَهُما في أنَّ فَهْمَهُما مِن أصْواتِ الطَيْرِ المَعانِي الَّتِي في نُفُوسِها، فَهَذا نَحْوُ ما كانَ نَبِيَّنا مُحَمَّدٌ  يَسْمَعُ أصْواتَ الحِجارَةِ بِالسَلامِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ حَكى عَنِ البُلْبُلِ أنَّهُ قالَ: "أكَلْتَ نِصْفَ تَمْرَةٍ فَعَلى الدُنْيا العَفاءُ"، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا النَوْعِ، وقالَ قَتادَةُ والشَعْبِيُّ وغَيْرُهُما: إنَّما كانَ هَذا الأمْرُ في الطَيْرِ خاصَّةً، والنَمْلَةُ طائِرٌ إذْ قَدْ يُوجَدُ لَها الأجْنِحَةُ، قالَ الشَعْبِيُّ: وكَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ القائِلَةُ ذاتُ جَناحَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ في جَمِيعِ الحَيَوانِ، وإنَّما ذَكَرَ الطَيْرَ لِأنَّهُ كانَ جُنْدًا مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ يَحْجُبُ عنهُ الشَمْسَ، ويَحْتاجُهُ في البَعْثِ في الأُمُورِ، فَخُصَّ لِكَثْرَةِ مُداخَلَتِهِ، ولِأنَّ أمْرَ سائِرِ الحَيَوانِ نادِرٌ وغَيْرُ مُتَرَدِّدٍ تَرْدادَ أمْرِ الطَيْرِ.

والنَمْلُ حَيَوانٌ فَطِنٌ قَوِيٌّ شَمّامٌ جِدًّا، يَدَّخِرُ القُرى، ويَشُقُّ الحَبَّ بِقِطْعَتَيْنِ لِئَلّا يَنْبُتُ، ويَشُقُّ الكُزْبَرَةَ بِأرْبَعِ قِطَعٍ لِأنَّها تَنْبُتُ إذا قُسِمَتْ نِصْفَيْنِ، ويَأْكُلُ في عامِهِ نِصْفَ ما جَمَعَ ويَسْتَبْقِي سائِرَهُ مُدَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: يَصْلُحُ لَنا ونَتَمَنّاهُ، ولَيْسَتْ عَلى العُمُومِ.

ثُمَّ رَدَّدَ شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

ثُمَّ قَصَّ تَعالى حالَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ ﴾ أيْ: جَمَعَ، واخْتَلَفَ الناسُ في مِقْدارِ جُنْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اخْتِلافًا شَدِيدًا لَمْ أُرِدْ ذِكْرَهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، غَيْرَ أنَّ الصَحِيحَ أنَّ مُلْكَهُ كانَ عَظِيمًا، مَلَأ الأرْضَ، وانْقادَتْ لَهُ المَعْمُورَةُ كُلُّها، وكانَ كُرْسِيُّهُ يَحْمِلُهُ أجْنادُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وكانَتِ الطَيْرُ تُظِلُّهُ مِنَ الشَمْسِ، ويَبْعَثُها في الأُمُورِ، فَكانَ لَهُ في الكُرْسِيِّ الأعْظَمِ مَوْضِعٌ يَخُصُّهُ.

و"يُوزَعُونَ" مَعْناهُ: يَرُدُّ أوَّلُهم إلى آخِرِهِمْ ويَكُفُّونَ، قالَ قَتادَةُ: فَكانَ لِكُلِّ صِنْفٍ وزْعَةٌ في رُتَبِهِمْ ومَواضِعِهِمْ مِنَ الكُرْسِيِّ ومِنَ الأرْضِ إذا مَشَوْا فِيها، -فَرُبَّ وقْتٍ كانَ يَسِيرُ فِيهِ في الأرْضِ-، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ حِينَ ولِيَ قَضاءَ البَصْرَةَ: "لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِن وزَعَةٍ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قُحافَةَ حِينَ وصَفَتْ لَهُ الجارِيَةُ في يَوْمِ الفَتْحِ أنَّها تَرى سَوادًا أمامَهُ فارِسٌ قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الصَفِّ، فَقالَ لَها: ذاكَ الوازِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا وقُلْتَ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟

أيْ: كافٌّ.

<div class="verse-tafsir"

حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌۭ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَـٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ١٨ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًۭا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَمْلِ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحِينَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ وجُنُودُهُ كانُوا مُشاةً في الأرْضِ، ولِذَلِكَ يَتَّفِقُ حَطْمُ النَمْلِ [بِنُزُولِهِمْ في وادِي النَمْلِ]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا في الكُرْسِيِّ المَحْمُولِ بِالرِيحِ، وأحَسَّتِ النَمْلُ بِنُزُولِهِمْ في وادِ النَمْلِ [وَوادِي النَمْلِ قِيلَ: بِالشامِ، وقِيلَ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ مَذْكُورٌ في أشْعارِها].

وأمالَ أبُو عَمْرٍو الواوَ مِن "وادِي"، والجَمِيعُ فَخَّمَ، وبِالإمالَةِ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ.

وقَرَأ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: "النَمْلُ" بِضَمِّ المِيمِ كالشَمْسِ، و[قالَتْ نَمْلَةٌ] أيْضًا بِالضَمِّ كَسُمْرَةَ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا ضَمُّ النُونِ والمِيمِ مِنَ "النَمْلِ".

وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: كانَ ذَلِكَ النَمْلُ عَلى قَدْرِ الذُبابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ صِغارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ النَمْلَ كانَتْ نِسْبَتُها مِن هَذا الخَلْقِ نِسْبَةَ هَذا النَمْلِ مِنّا، فَيُحْتَمَلُ أنْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهُ أكْمَلَ.

وهَذِهِ النَمْلَةُ قالَتْ هَذا المَعْنى -الَّذِي لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا هَذِهِ العِبارَةُ- قَوْلًا فَهِمَهُ عنها النَمْلُ، فَسَمِعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بُعْدِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّها أمَرَتْهم بِما يُؤْمَرُ بِهِ مَن يَعْقِلُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَتَبَسَّمَ مِن قَوْلِها.

والتَبَسُّمُ ضِحْكُ الأنْبِياءِ في غالِبِ أمْرِهِمْ، لا يَلِيقُ بِهِمْ سِواهُ.

وكانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا، واخْتَلَفَ بِمَ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في إسْماعِهِ وتَفَهُّمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنَبَأِ النَمْلَةِ عَلَيْهِ وعَلى جُنُودِهِ في أنْ نَفَتْ عنهم تَعَمُّدَ القَبِيحِ مِنَ الفِعْلِ، فَجَعَلَتِ الحَطْمَ وهم لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "مَسْكَنِكُمْ" بِسُكُونِ السِينِ عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ "مَساكِنُكُنَّ".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" بِشَدِّ النُونِ وسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ عُبَيْدَةَ: "لا يَحْطِمَنكُمْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "لا يُحَطِّمَنَّكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الطاءِ وشَدِّها وشَدِّ النُونِ، وعنهُ أيْضًا "لا يَحِطِّمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "لا يَحْطِمْكُمْ" مُخَفَّفَةً بِغَيْرِ نُونٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحْطِمَنَكُمْ" مُخَفَّفَةَ النُونِ الَّتِي قَبِلَ الكافِ.

و"ضاحِكًا" نَصَبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "ضَحِكًا"، وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ [بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ"تَبَسَّمَ"، كَأنَّهُ قالَ: "ضَحِكَ ضَحِكًا"، وهَذا مَذْهَبُ صاحِبِ الكِتابِ، أو يَكُونُ مَنصُوبًا بِنَفْسِ "تَبَسَّمَ" لِأنَّهُ في مَعْنى (ضَحِكَ)].

ثُمَّ دَعا سُلَيْمانُ -عَلَيْهِ السَلامُ- رَبَّهُ في أنْ يُعِينَهُ اللهُ تَعالى ويُفَرِّغَهُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، وهَذا هو مَعْنى إيزاعِ الشُكْرِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ ٢٠ لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابًۭا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُۥٓ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ٢١ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍۢ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍۢ يَقِينٍ ٢٢ إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةًۭ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌۭ ٢٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ ﴾ ﴿ لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أو لأذْبَحَنَّهُ أو لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ ﴿ إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَفَقُّدِهِ الطَيْرَ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ بِحَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ العِنايَةُ بِأُمُورِ المُلْكِ والتَهَمُّمِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَفَقَّدَ جَمِيعَ الطَيْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ تَفَقَّدُ الطَيْرَ لِأنَّ الشَمْسَ دَخَلَتْ مِن عَلى المَلِكِ مِن مَوْضِعِ الهُدْهُدِ حِينَ غابَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبُ تَفَقُّدِ الطَيْرِ لِيَتَبَيَّنَ مِن أيْنَ دَخَلَتِ الشَمْسُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: إنَّما طَلَبَ الهُدْهُدَ لِأنَّهُ احْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ الماءِ عَلى كَمْ هو مِن وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ كانَ نَزَلَ في مَفازَةِ حُرِمَ فِيها الماءَ، ولِأنَّ الهُدْهُدَ كانَ يَرى بَطْنَ الأرْضِ وظاهِرَها، كانَتْ تَشُفُّ لَهُ، وكانَ يُخْبِرُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَوْضِعِ الماءِ، ثُمَّ كانَتِ الجِنُّ تُخْرِجُهُ في ساعَةٍ يَسِيرَةٍ، تُسْلَخُ عنهُ وجْهُ الأرْضِ كَما تُسْلَخُ الشاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عن أبِي سَلامٍ وغَيْرِهِ، وقالَ في كِتابِ النَقّاشِ: كانَ الهُدْهُدَ مُهَنْدِسًا، ورُوِيَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ هَذا، فَقالَ لَهُ: قِفْ يا وقّافُ، كَيْفَ يَرى الهُدْهُدُ بَطْنَ الأرْضِ وهو لا يَرى الفَخَّ حِينَ يَقَعُ فِيهِ؟

فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا جاءَ القَضاءُ عَمِيَ البَصَرُ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَتِ الطَيْرُ تَنْتابُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كُلَّ يَوْمٍ مِن كُلِّ نَوْعٍ واحِدٍ نَوْبَةٌ مَعْهُودَةٌ، فَفَقَدَ الهُدْهُدَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لِيَ لا أرى ﴾ إنَّما المَقْصِدُ أنَّ الهُدْهُدَ غابَ، لَكِنَّهُ أخَذَ اللازِمَ عن غِيابِهِ وهو ألّا يَراهُ، فاسْتَفْهَمَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ- عَنِ اللازِمْ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ والِاسْتِفْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ "ما لِيَ" نابَ مَنابَ الألِفِ الَّتِي تَحْتاجُها "أمْ".

ثُمَّ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِالعَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ تَعْذِيبَهُ لِلطَّيْرِ كانَ بِأنْ يَنْتِفَ رِيشَهُ أجْمَعَ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ: جَناحَهُ، ورُوِيَ عن وهَبٍ أنَّهُ بِأنْ يَنْتِفَ بَعْضُهُ ويَبْقى بِضْعُهُ.

و "السُلْطانُ": الحُجَّةُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وحْدَهُ: "لِيَأْتِينَنِي" بِنُونَيْنِ، وفَعَلَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ هَذا بِالهُدْهُدِ وحْدَهُ إغْلاظًا عَنِ العاصِينَ، وعَلى إخْلالِهِ بِنَوْبِهِ ورُتْبَتِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَمَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: "فَمَكَثَ" بِفَتْحِها، ومَعْناهُ -فِي القِراءَتَيْنِ-: أقامَ، والفَتْحُ في الكافِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها لُغَةُ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: "ماكِثِينَ"؛ إذْ هو مِن "مَكَثَ" بِفَتْحِ الكافِ، ولَوْ كانَ مَن "مَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ لَكانَ جَمْعُ "مَكِيثٌ"، والضَمِيرُ في "مَكَثَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أوِ الهُدْهُدِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ جاءَ فَقالَ"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ قالَ أحَطْتَ".

وقَوْلُهُ: "غَيْرَ بَعِيدٍ" كَما في مَصاحِفِ الجُمْهُورِ يُرِيدُ بِهِ الزَمَنَ والمُدَّةَ، وقَوْلُهُ: "أحَطْتُ" أيْ: عَلِمْتُ عِلْمًا تامًّا لَيْسَ في عِلْمِكَ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "سَبَأٍ"، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَبَأٍ" بِالصَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "سَبَأ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِن سَبَإٍ" بِالكَسْرِ وتَرْكِ الصَرْفِ، ورَوى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ اليَزِيدِيِّ "سَبَأْ" بِألْفٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ قَنْبَلُ -عَنِ النَبالِ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، فالأُولى عَلى أنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الشاعِرِ: الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ وَقالَ الآخَرُ: مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَآرِبَ ∗∗∗....................

وهَذا عَلى أنَّها قَبِيلَةٌ، والثانِيَةُ عَلى أنَّها بَلْدَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وكِلا القَوْلَيْنِ قَدْ قِيلَ، ولَكِنْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  مِن حَدِيثِ فَرْوَةِ بْنِ مُسَيْكٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ «وُلِدَ لَهُ عَشْرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، تَيامَنَ مِنهم سِتَّةً وتَشاءَمَ أرْبَعَةً»، وحُكِيَ هَذا الحَدِيثُ عَلى الزَجّاجِ فَخَبَطَ عَشْواءَ.

والثالِثَةُ عَلى البِناءِ.

والرابِعَةُ والخامِسَةُ لِتَوالِي الحَرَكاتِ السَبْعِ فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا لِلتَّثْقِيلِ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تُبْنى عَلى الأُولى، بَلْ هي إمّا عَلى الثانِيَةِ أوِ الثالِثَةِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ دُونَ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنَبى" بِالألْفِ مَقْصُورَةً.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مُبالَغَةٌ، أيْ: مِمّا تَحْتاجُ المَمْلَكَةُ، قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ أمْرِ الدُنْيا، ووَصَفَ عَرْشَها بِالعِظَمِ في الهَيْئَةِ ورُتْبَةِ السُلْطانِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الوَقْفُ عَلى [عَرْشٍ]، فَـ "عَظِيمٌ" -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهَذِهِ المَرْأةِ هي بِلْقِيسٌ بِنْتُ شَراحِيلِ فِيما قالَ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: بِنْتُ القَشْرَحِ، وقِيلَ: كانَتْ أُمُّها جِنِّيَّةً، وأكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في قِصَصِها بِما رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وإنَّما اللازِمْ مِنَ الآيَةِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِامْرَأةٍ مُلِّكَتْ عَلى مَدائِنِ اليَمَنِ، وكانَتْ ذاتَ مُلْكٍ عَظِيمٍ، وكانَتْ كافِرَةً مِن قَوْمٍ كُفّارٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ٢٤ أَلَّا يَسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ٢٥ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ ۩ ٢٦ ۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٢٧ ٱذْهَب بِّكِتَـٰبِى هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عنهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ﴾ كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ أُمَّةً تَعْبُدُ الشَمْسَ؛ لِأنَّهم كانُوا زَنادِقَةً فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانُوا مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الأنْوارَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألا يَسْجُدُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ ظاهِرٌ أنَّهُ مِن قَوْلِ الهُدْهُدِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقٍ، ويَعْتَرِضُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُخاطَبٍ فَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ في شَرْعٍ؟!

[وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ لِمّا أخْبَرَهُ الهُدْهُدُ عَنِ القَوْمِ]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى، فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وهو الثابِتُ مَعَ التَأمُّلِ، وقِراءَةُ التَشْدِيدِ في "ألّا" تُعْطِيَ أنَّ الكَلامَ لِلْهُدْهُدِ، وقِراءَةُ التَخْفِيفِ تَمْنَعُهُ وتُقَوِّي الآخَرَ حَسَبَ ما سُمِعَ، ويَتَأمَّلُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "ألّا"، أيْ "لا يَسْجُدُوا"، فَـ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "أعْمالَهُمْ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "السَبِيلِ"، أو يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ: "لِئَلّا يَسْجُدُوا"، فَـ "أنْ" مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِـ "زَيَّنَ"، وإمّا بِـ "فَصَدَّهُمْ"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "أنْ" داخِلَةٌ عَلى مَفْعُولٍ لَهُ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والزَهْرِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والكِسائِيُّ، والحُسَيْنُ: "ألا يَسْجُدُوا" بِتَخْفِيفِ اللامِ، فَعَلى هَذا لَهُ أنْ يَقِفَ عَلى "فَهم لا يَهْتَدُونَ" ويَبْتَدِئُ بِـ "ألا يَسْجُدُوا"، وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى "ألا يا" ثُمْ يَبْتَدِئُ: "اسْجُدُوا"، واحْتَجَّ الكِسائِيُّ لِقِراءَتِهِ هَذِهِ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ مَوْضِعُ سَجْدَةٍ وإنْ جَعَلْناهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، بِمَعْنى: ألا يا قَوْمِ ونَحْوَ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيِّ عَلى البِلى ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ونَحْوَ قَوْلِ الأخْطَلِ: ألّا يا أسْلِمِي يا هِنْدُ هِنْدُ بُنِيَ بَدْرُ ∗∗∗ وإنْ كانَ حَيّانا عَدا آخِرِ الدَهْرِ ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ: ألا يا اسْمَعْ أعِظُكَ بِخِطْبَةٍ ∗∗∗ فَقُلْتُ سَمِعْنا فانْطِقِي وأصِيبِي وَتَحْتَمِلُ قِراءَةُ مَن شَدَّدَ "ألّا" أنَّ نَجْعَلَها بِمَعْنى التَخْضِيضِ، ويُقَدَّرُ هَذا النِداءُ بَعْدَها، ويَجِيءُ في الكَلامِ إضْمارٌ كَبِيرٌ ولَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ، وسَقَطَتِ الألْفُ كَما كَتَبَتْ فِي: يا عِيسى، ويا قَوْمُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "هَلّا يَسْجُدُونَ"، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "ألا هَلْ تَسْجُدُونَ" بِالتاءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: "ألّا تَسْجُدُوا" بِالتاءِ أيْضًا.

و"الخَبْءُ": الخَفِيُّ مِنَ الأُمُورِ، وهو مِن: "خَبَّأتُ الشَيْءَ"، وخَبْءُ السَماءِ: مَطَرُها، وخَبْءُ الأرْضِ: كُنُوزُها ونَباتُها، واللَفْظَةُ -بَعْدَ هَذا- تَعُمْ كُلَّ خَفِيٍّ مِنَ الأُمُورِ، وبِهِ فَسَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَبْءُ" بِسُكُونِ الباءِ، وبِالهَمْزِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "الخَبَ" بِفَتْحِ الباءِ وتَرْكِ الهَمْزِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "الخَبّا" بِألِفٍ مَقْصُورَةٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ [يَقْلِبُ الهَمْزَةَ ألْفًا إذا كانَتْ مَفْتُوحَةً وقَبْلَها ساكِنٌ] ويَقْلِبُها واوًا إذا كانَتْ مَضْمُومَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، ويَقْلِبُها ياءً إذا كانَتْ مَكْسُورَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، ومَثَّلَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ بِالوَثْيِ، تَقُولُ: رَأيْتُ الوَثا، وهَذا الوَثْوُ، وعَجِبْتُ مِنَ الوَثْيِ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ "الخَبا" في حالِ النَصْبِ، وتَقُولُ: اطَّلَعَتُ عَلى الخَبِيِ، وراقَنِي الخَبُو.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ" بِياءِ الغائِبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُعْطِي أنَّ الآيَةَ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وعاصِمْ في رِوايَةِ حَفْصٍ "وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُعْطِي أنَّ الآيَةَ مِن خِطابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ كَعْبٍ: "ألّا تَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يَخْرُجُ الخَبا مِنَ السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ".

وخَصَّ العَرْشَ بِالذِكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وما عَداهُ في ضِمْنِهِ وفي قَبْضَتِهِ.

ثُمْ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ أمْرَ الهُدْهُدِ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ حَقَّهُ مِن باطِلِهِ، فَسَوَّفَهُ بِالنَظَرِ في ذَلِكَ، وأمَرَ بِكِتابٍ فَكُتِبَ، وحَمَّلَهُ إيّاهُ، وأمْرَهُ بِإلْقائِهِ إلى القَوْمِ والتَوَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ: أمَرَهُ بِالتَوَلِّي حُسْنَ أدَبٍ لِيَتَنَحّى حَسَبَ ما يَتَأدَّبُ بِهِ مَعَ المُلُوكِ، بِمَعْنى: وكُنْ قَرِيبًا حَتّى تَرى مُراجَعاتِهِمْ، قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿ فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ﴾ في مَعْنى التَقْدِيمِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واتِّساقُ رُتْبَةِ الكَلامِ أظْهَرُ، أيْ: ألْقِهِ ثُمْ تَوَلَّ، وفي خِلالِ ذَلِكَ فانْظُرْ، وإنَّما أرادَ أنْ يَكِلَ الأمْرَ إلى حُكْمٍ ما في الكِتابِ دُونَ أنْ يَكُونَ الرَسُولُ مُلازِمُهُ وبِلا إلْحاحٍ.

وقَرَأ نافِعٌ: "فَألْقِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، وفِرْقَةٌ: "فَألْقِهُ" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِإشْباعٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ في الهاءِ، ورَوى عنهُ ورَشٌّ بَعْدَ الهاءِ في الوَصْلِ بِياءٍ، وقَرَأ قَوْمٌ بِإشْباعِ واوٍ بَعْدَ الضَمَّةِ، وقَرَأ اليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وعاصِمْ، وحَمْزَةَ: "فَألْقِهِ" بِسُكُونِ الهاءِ.

ورُوِيَ عن وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الهُدْهُدَ وصَلَ فَألْقى دُونَ هَذِهِ المَلِكَةِ حُجُبَ جُدْرانٍ، فَعَمَدَ إلى كُوَّةٍ كانَتْ بِلْقِيسُ صَنْعَتْها لِتَدْخُلَ مِنها الشَمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها لِمَعْنى عِبادَتِها إيّاها، فَدَخَلَ مِنها ورَمى الكِتابَ عَلى بِلْقِيسَ وهي -فِيما يُرْوى- نائِمَةٌ، فَلَمّا انْتَبَهَتْ وجَدَتْهُ، فَراعَها وظَنَّتْ أنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَيْها أحَدٌ، ثُمْ قامَتْ فَوَجَدَتْ حالَها كَما عَهِدَتْهُ، فَنَظَرَتْ إلى الكُوَّةِ تَهَمُّمًا بِأمْرِ الشَمْسِ فَرَأتِ الهُدْهُدَ فَعَلِمَتْ أمْرَهُ، ثُمْ جَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها وعَلِيَّتَهم فَخاطَبَتُهم بِما يَأْتِي بَعْدُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَتْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ إِنِّىٓ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَـٰبٌۭ كَرِيمٌ ٢٩ إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَـٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠ أَلَّا تَعْلُوا۟ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ٣١ قَالَتْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ٣٢ قَالُوا۟ نَحْنُ أُو۟لُوا۟ قُوَّةٍۢ وَأُو۟لُوا۟ بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ٣٣ قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةًۭ ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ٣٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ ﴿ ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ ﴾ ﴿ قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ ﴾ ﴿ قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ فِي هَذِهِ المَواضِعِ اخْتِصارٌ يَدُلُّ ظاهِرُ القَوْلِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَألْقى الكِتابَ وقَرَأتْهُ وجَمَعَتْ لَهُ أهْلُ مُلْكِها، و"المَلَأُ": أشْرافُ الناسِ الَّذِينَ يَنُوبُونَ مَنابَ الجَمِيعِ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرَمِ، إمّا لِأنَّهُ مِن عِنْدَ عَظِيمٍ في نَفْسِها ونُفُوسِهِمْ، فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وإمّا أنَّها أُشاراتٌ إلى أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ بِالخاتَمِ، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: «كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ»، وإمّا أنَّها أرادَتْ أنَّهُ بَدَأ بِبَسْمِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ  : «كُلُّ كَلامٍ لَمْ يَبْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى فَهو أجْذَمُ».

ثُمْ أخَذَتْ تَصِفُ لَهم ما في الكِتابِ، فَيَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنَّهُ نَصُّ الكِتابِ مُوجَزًا بَلِيغًا، وكَذَلِكَ كُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَدَّمَ فِيهِ العُنْوانَ -وَهِيَ عادَةُ الناسِ عَلى وجْهِ الدَهْرِ- ثُمْ سَمّى اللهَ تَعالى، ثُمْ أمَرَهم بِألّا يَعْلُوا عَلَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا، وأنْ يَأْتُوهُ مُسْلِمِينَ، ويَحْتَمِلَ أنَّها قَصَدَتْ إلى اقْتِضابِ مَعانِيهِ دُونَ تَرْتِيبِهِ، فَأعْلَمَتْهم أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ، وأنَّ مَعْناهُ كَذا وكَذا.

وقَرَأ أُبَيِّ: "وَأنْ بِسْمِ اللهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُونِ وحَذْفِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أنَّهُ مِن" "وَأنَّهُ بِسْمِ اللهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ" بِزِيادَةِ واوٍ، و ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴾ اسْتِفْتاحٌ شَرِيفٌ بارِعُ المَعْنى مُعَبَّرٌ عنهُ بِكُلِّ لُغَةٍ، وفي كُلِّ شَرْعٍ.

و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا تَعْلُوا عَلَيَّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا عَلى البَدَلِ مِن "كِتابٌ"، أو نَصْبًا عَلى مَعْنى: بِأنْ لا تَعْلُوا، أو مُفَسِّرَةً بِمَنزِلَةِ أيْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَرَأ وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ: "ألّا تَغْلُوا" بالِغِينَ مَنقُوطَةً، قالَ أبُو الفَتْحِ: رَواها وهَبَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهي قِراءَةُ أشْهَبِ العَقِيلِيِّ، ذَكَرَها الثَعْلَبِيُّ.

ثُمْ أخَذَتْ في حُسْنِ الأدَبِ مَعَ رِجالِها، ومُشاوَرَتِهِمْ في أمْرِها، وأعْلَمَتْهم أنَّ ذَلِكَ مُطْرَدٌ عِنْدَها في كُلِّ أمْرٍ، فَكَيْفَ في هَذِهِ النازِلَةِ الكُبْرى؟

فَراجَعَها المَلَأٌ بِما يَقَرُّ عَيْنَها مِن إعْلامِهِمْ إيّاها بِالقُوَّةِ والبَأْسِ، أيْ: وذَلِكَ مَبْذُولٌ إلَيْكَ، فَقاتِلِي إنْ شِئْتِ، ثُمْ سَلَّمُوا الأمْرَ إلى نَظَرِها، وهَذِهِ مُحاوِرَةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الجَمِيعِ.

وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "ما كُنْتُ قاضِيَةً أمْرًا" بِالضادِ مِنَ القَضاءِ.

وذَكَرَ مُجاهِدٌ في عَدَدِ أحْشادِها أنَّها كانَ لَها اثْنا عَشَرَ ألْفَ، قِيلَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ واحِدٍ مِائَةَ ألْفٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، وذَكَرَ غَيْرُهٌ نَحْوَهُ فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدِمْ صِحَّتِهِ.

ثُمْ أخْبَرَتْ بِلْقِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ المُلُوكِ بِالقُرى الَّتِي يَتَغَلَّبُونَ عَلَيْها، وفي الكَلامِ خَوْفٌ عَلى قَوْمِها، وحِيطَةٌ لَهُمْ، واسْتِعْظامٌ لِأمْرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ هو مِن قَوْلِ بِلْقِيسَ تَأْكِيدًا مِنها لِلْمَعْنى الَّذِي أرادَتْهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو مِن قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مُعَرِّفًا لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ، ومُخْبِرًا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍۢ فَنَاظِرَةٌۢ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ ٣٥ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَـٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍۢ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيْرٌۭ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ٣٦ ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍۢ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةًۭ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ ٣٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ ﴾ ﴿ ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ ﴾ رُوِيَ أنَّ بِلْقِيسَ قالَتْ لِقَوْمِها: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَجُلَ بِهَدِيَّةٍ أُعْطِيهِ فِيها نَفائِسَ الأمْوالِ، وأُغَرِّبُ عَلَيْهِ بِأُمُورِ المَمْلَكَةِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا دُنْياوِيّا أرْضاهُ المالُ فَعَمِلْنا مَعَهُ بِحَسَبَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ المالُ، ولازَمَنا في أمْرِ الدِينِ، فَيَنْبَغِي أنْ نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ، فَبَعَثَتْ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ أكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في تَفْصِيلِها، فَرَأيْتُ اخْتِصارَ ذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.

واخْتَبَرَتْ عِلْمَهُ -فِيما رُوِيَ- بِأنْ بَعَثَتْ إلَيْهِ قَدَحًا فَقالَتْ لَهُ: امْلَأْهُ لِي مِمّا لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَماءِ، وبَعَثَتْ إلَيْهِ دُرَّةً فِيها ثُقْبُ مَخْلُوقٍ وقالَتْ: تَدْخُلُ سِلْكَها دُونَ أنْ يَقْرَبَها إنْسٌ ولا جانٌّ، وبَعَثَتْ أُخْرى غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ وقالَتْ: يَثْقُبُ هَذِهِ غَيْرَ الإنْسِ والجِنِّ، فَمَلَأ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ القَدَحَ مَن عَرَقِ الجَبَلِ، وأدْخَلَتِ السِلْكَ دُودَةً وثَقَبَتِ الدُرَّةَ أرَضَةٌ، وراجِعَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ في رَدِّ الهَدِيَّةِ بِما في الآيَةِ، وعَبَّرَ عَنِ "المُرْسَلِينَ" بِـ (جاءَ) وبِقَوْلِهِ: (ارْجِعْ) لَمّا أرادَ بِهِ "الرَسُولَ" الَّذِي يَقَعُ عَلى الجَمْعِ والإفْرادِ والتَأْنِيثِ والتَذْكِيرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَمّا جاؤُوا سُلَيْمانَ"، وقَرَأ "ارْجِعُوا"، ووَعِيدُ سُلَيْمانَ لَهم مُقْتَرِنٌ بِدَوُامِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ أيْضًا أنَّها بَعَثَتْ في هَدِيَّتِها بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ العَبِيدِ بَيْنَ غِلْمانٍ وجَوارِي، وجَعَلَتْ زِيَّهم واحِدًا، وجَرَّبَتْهُ في التَفْرِيقِ بَيْنَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ بِتَجْرِبَةٍ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الخَطِرِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أتُمِدُّونَنِي" بِنُونَيْنِ وياءٍ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، والكِسائِيُّ: "أتُمِدُّونَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ في وقْفٍ ووَصْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "أتُمِدُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ: "فَما آتانِ اللهُ" بِكَسْرِ النُونِ دُونَ ياءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آتانِيِ" بِياءٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ: "آتانِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

ثُمْ تَوَعَّدَهم بِالجُنُودِ والغَلَبَةِ والإخْراجِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُسَلِّمُوا، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: [لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ] عَلى جَمْعِ ضَمِيرِ الجُنُودِ، و"لا قِبَلَ" مَعْناهُ: لا طاقَةَ ولا مُقاوَمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ ٣٨ قَالَ عِفْرِيتٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌۭ ٣٩ قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّۭ كَرِيمٌۭ ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِنَ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ القائِلُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَلَأُ المُنادى جَمْعُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في غَرْضِهِ في اسْتِدْعاءِ عَرْشِها، فَقالَ قَتادَةٌ: ذُكِرَ لَهُ بِعِظَمٍ وجَوْدَةٍ، فَأرادَ أخْذَهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَها وقَوْمَها الإسْلامُ ويَحْمِيَ أمْوالَهَمْ، والإسْلامُ -عَلى هَذا- الدِينُ، وهو قَوْلُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اسْتَدْعاهُ لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِيُغْرِبَ عَلَيْها، و"مُسْلِمِينَ" -فِي هَذا التَأْوِيلِ- هو بِمَعْنى: مُسْتَسْلِمِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وذَكَرَ صِلَةً في العِبارَةِ، ولا تَأْثِيرَ لِاسْتِسْلامِهِمْ في عَرْضِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: الإسْلامِ، وأمّا في التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإسْلامِ.

وظاهِرُ الآياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها، وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في اخْتِبارِهِ صِدْقِ الهُدْهُدِ مَن كَذِبِهِ لَمّا قالَ لَهُ: ﴿ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ  ﴾ ، فَقالَ سُلَيْمانُ: ﴿ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ ؟

ثُمْ وقَعَ في تَرْتِيبِ القِصَصِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

وَرُوِيَ أنَّ عَرْشَها كانَ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ مُرَصَّعًا بِالجَوْهَرِ والياقُوتِ، وأنَّهُ كانَ في جَوْفِ سَبْعَةِ أبْياتٍ عَلَيْهِ سَبْعَةُ أغْلاقٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قالَ عِفْرِيتٌ"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعِيسى الثَقَفِيِّ: "قالَ عِفْرِيَةٌ"، ورُوِيَتْ عن أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "قالَ عِفْرَةٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ لُغاتٌ فِيهِ، وهو مِنَ الشَياطِينِ: المارِدُ القَوِيُّ، والتاءُ في "عِفْرِيتٌ" زائِدَةٌ، وقَدْ قالُوا: "تَعَفَرْتَ الرَجُلَ" إذا تَخَلَّقَ بِخَلْقٍ الإذايَةِ، قالَ وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ "كُورِي"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ صَخَّرَ الجِنِّيَّ، ومِن هَذا الِاسْمِ، قَوْلُ ذِيِ الرُمَّةِ: كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَيْلِ مُنْقَضِبُ وقَوْلُهُ: ﴿ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُنَبِّهٌ: مَعْناهُ: قَبْلَ أنْ تَسْتَوِي مِن جُلُوسِكَ قائِمًا، و ﴿ قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ مَن يَقَعُ طَرَفُكَ عَلَيْهِ مَن أبْعَدِ ما تَرى، وقالَ مُجاهِدٌ مَعْناهُ: قَبْلَ أنْ تَحْتاجَ إلى التَغْمِيضِ، أيْ: مُدَّةَ ما يُمْكِنُكَ أنْ تَمُدَّ بَصَرَكَ دُونَ تَغْمِيضٍ، وذَلِكَ ارْتِدادُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُقابِلانِ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ القِيامَ هو مِن مَجْلِسِ الحُكْمِ، ومَن قالَ: إنَّ القِيامَ هو مِنَ الجُلُوسِ، فَيَقُولُ في ارْتِدادِ الطَرَفِ: هو أنْ يَطْرِفَ، أيْ: قَبْلَ أنْ تُغْمِضَ عَيْنَيْكَ وتَفْتَحَهُما، وذَلِكَ أنَّ الثانِي يُعاطِي الأقْصَرَ في المُدَّةِ ولا بُدَّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ ﴾ مَعْناهُ: لَقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ، أمِينٌ عَلى ما فِيهِ.

ويُرْوى أنَّ بِلْقِيسَ لِما فُصِلَتْ مِن بَلَدِها مُتَوَجِّهَةً إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، تَرَكَتِ العَرْشَ تَحْتَ سَقْفِ حَصِينٍ، فِلْما عَلِمْ سُلَيْمانُ بِانْفِصالِها أرادَ أنْ يُغْرِبَ عَلَيْها بِأنْ تَجِدَ عَرْشَها عِنْدَهُ لِتَعْلَمَ أنَّ مُلْكَهُ لا يُضاهى، فاسْتَدْعى سَوْقَهُ، فَدَعا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ التَوْراةِ -وَهُوَ الكِتابُ المُشارُ إلَيْهِ- بِاسْمِ اللهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَتِ العادَةُ في كُلِّ زَمانٍ ألّا يَدْعُوَ بِهِ أحَدٌ إلّا أُجِيبَ، فَشُقَّتِ الأرْضُ بِذَلِكَ العَرْشِ حَتّى نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: بَلْ جِيءَ بِهِ في الهَواءِ، قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ العَرْشِ كَما بَيْنَ الكُوفَةِ والحَيْرَةِ، وحَكى الرُمّانِيُّ أنَّ العَرْشَ حُمِلَ مِن مَأْرِبٍ إلى الشامِ في قَدْرِ رَجْعِ البَصَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ لِلْمُجِدِّ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ أشْهَرُ.

ورُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تُخْبِرُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَناقِلَ سَرِيرِها، فَلَمّا قَرُبَتْ قالَ: ﴿ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها ﴾ ؟

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ، مَن هُوَ؟

فَجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّهُ رَجُلٌ صالِحٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ اسْمُهُ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، رُوِيَ أنَّهُ صَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمْ قالَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ: يا نَبِيَّ اللهِ أمْدُدْ بَصَرَكَ، فَمَدَّ بَصَرَهُ فَإذا بِالعَرْشِ نَحْوَ اليَمَنِ، فَما رَدَّ سُلَيْمانُ بَصَرَهُ إلّا والعَرْشُ عِنْدَهُ، وقالَ قَتادَةُ: اسْمُهُ مَلِيخًا، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ لَهِيعَةٍ: هو الخِضْرُ، وحَكى النَقاشُ عن جَماعَةٍ أنَّهم سَمِعُوا أنَّهُ ضَبَّةُ بْنُ أُدٍّ جَدُّ بَنِي ضَبَّةَ مِنَ العَرَبِ، قالُوا: وكانَ رَجُلًا فاضِلًا يَخْدِمْ سُلَيْمانَ عَلى قِطْعَةٍ مِن خَيْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ، والمُخاطَبَةُ -فِي هَذا التَأْوِيلِ- لِلْعِفْرِيتِ، لَمّا قالَ هُوَ: ﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ ﴾ قِيلَ: كَأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَبْطَأ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ عَلى جِهَةِ تَحْقِيرِهِ: ﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ ، واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ.

﴿ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي ﴾ ، واسْتُدِلَّ أيْضًا بِهَذا القَوْلِ مُناقِضُهُ؛ إذْ في كِلا الأمْرَيْنِ عَلى سُلَيْمانَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وعَلى الأقْوالِ الأُوَلِ المُخاطَبَةُ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ولَفْظُ "آتِيكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا بِاسْمِ اللهِ تَعالى فَجاءَ العَرْشُ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعالى، فَلَمّا رَآهُ سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ جَعَلَ يَشْكُرُ نِعْمَةَ رَبِّهِ بِعِبارَةٍ فِيها تَعْلِيمُ لِلنّاسِ، وهي عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ بِها والِاقْتِباسِ مِنها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أأشْكُرُ عَلى السَرِيرِ وسَوْقِهِ أمْ أكْفُرُ إذْ رَأيْتُ مَن هو دُونِي في الدُنْيا أعْلَمُ مِنِّي؟

وظَهَرَ العامِلُ في الظَرْفِ مِن قَوْلِهِ: " مُسْتَقِرًّا "، وهَذا هو المُقَدَّرُ أبَدًا في كُلِّ ظَرْفٍ جاءَ هُنا مُظْهَرًا، ولَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى مِثْلُهُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِىٓ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ٤١ فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَـٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُۥ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ٤٢ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍۢ كَـٰفِرِينَ ٤٣ قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةًۭ وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌۭ مُّمَرَّدٌۭ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هو وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ ﴾ ﴿ قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عن ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أرادَ سُلَيْمانُ في هَذا "التَنْكِيرِ" تَجْرِبَةً مَيَّزَها ونَظَرَها، ولِيَزِيدَ في الإغْرابِ عَلَيْها، ورَوَتْ فِرْقَةٌ: أنَّ الجِنَّ أحَسَّتْ مِن سُلَيْمانَ أو ظَنَّتْ بِهِ أنَّهُ رُبَّما تَزَوَّجُ بِلْقِيسَ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، ورَمَوْها عِنْدَهُ بِأنَّها غَيْرُ عاقِلَةٍ ولا مُمَيَّزَةٍ، وبِأنَّ رِجْلَها كَحافِرِ دابَّةٍ، فَجَرَّبَ عَقَلَها وَمَيَّزَها بِتَنْكِيرِ عَرْشَها، وجَرَّبَ أمْرَ رِجْلِها بِأمْرِ الصَرْحِ لِتَكْشِفَ عن ساقِها عِنْدَهُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةِ: "تَنْظُرُ" بِضَمِّ الراءِ.

وتَنْكِيرُ العَرْشِ تَغْيِيرُ وصْفِهِ وسَتْرِ بَعْضِهِ ونَحْوَ هَذا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: تَنْكِيرُهُ بِأنْ زِيدَ فِيهِ ونَقَصَ مِنهُ، وهَذا يَعْتَرِضُ بِأنَّ مِن حَقِّها -عَلى هَذا- أنْ تَقُولَ: لَيْسَ بِهِ وتَكُونُ صادِقَةً.

وقَوْلُها: "كَأنَّهُ هُوَ" تَحْرُّزٌ فَصِيحٌ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ  ﴾ ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: شَبَّهُوا عَلَيْها فَشُبِّهَتْ عَلَيْهِمْ، ولَوْ قالُوا: هَذا عَرْشُكِ؟

لَقالَتْ: نَعِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَنَكِرُوا عَرْشَها، ونَظَرُوا ما جَوابَها إذا سُئِلَتْ عنهُ، فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ: أهَكَذا عَرْشُكِ؟

وقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها ﴾ الآيَةُ، وهَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آبائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ  ، و"الصادُّ": ما كانَتْ تَعْبُدُ، أيْ عَنِ الإيمانِ ونَحْوَهُ، وقالَ الرُمّانِيُّ: عَنِ التَفَطُّنِ لِلْعَرْشِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ فَطِنٌ يَقِظٌ والكافِرَ خَبِيثٌ، أو يَكُونُ الصادُّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، أو يَكُونُ الصادُّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ.

ولَمّا كانَ "صَدَّها" بِمَعْنى (مَنَعَها)، تَجاوَزَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، وإلّا فَإنَّهُ لا يَتَعَدّى إلّا بِـ "عن".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنَّها" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أنَّها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ: ذَلِكَ أنَّها، أو عَلى البَدَلِ مِن "ما"، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

ولَمّا وصَلَتْ بِلْقِيسُ: أمَرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ الجِنَّ فَصَنَعَتْ لَهُ صَرْحًا، وهو السَطْحُ في الصَحْنِ مِن غَيْرِ سَقْفٍ، وجَعَلَتْهُ مَبْنِيًّا كالصِهْرِيجِ، ومُلِئَ ماءً، وبَثَّ فِيهِ السَمَكَ والضَفادِعَ، وطُبِّقَ بِالزُجاجِ الشَفّافِ، وبِهَذا جاءَ صَرْحًا، والصَرْحُ أيْضًا كُلُّ بِناءٍ عالٍ، وكُلُّ هَذا مِنَ التَصْرِيحِ، وهو الإعْلانُ البالِغُ، وجُعِلَ لِسُلَيْمانَ في وسَطِهِ كُرْسِيٌّ، فَلَمّا وصَلَتْهُ بِلْقِيسُ قِيلَ لَها: ادْخُلِي إلى النَبِيِّ  ، فَرَأتِ اللُجَّةَ وفَزِعَتْ وظَنَّتْ أنَّهُ قَصَدَ بِها الغَرَقَ، وعَجِبَتْ مِن كَوْنِ كُرْسِيِّهِ عَلى الماءِ، ورَأتْ ما هالَها، ولَمْ يَكُنْ لَها بُدٌّ مِنَ امْتِثالِ الأمْرِ فَكَشَفَتْ عن ساقَيْها، فَرَأى سُلَيْمانُ ساقَيْها سَلِيمَتَيْنِ مِمّا قالَتِ الجِنُّ غَيْرَ أنَّها كَثِيرَةُ الشَعْرِ، فَلَمّا بَلَغَتْ هَذا الحَدَّ قالَ لَها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ ﴾ ، و"المُمَرَّدُ": المَحْكُوكُ الَأمْلَسُ، ومِنهُ: الأمْرَدُ، والشَجَرَةُ المَرْداءُ: الَّتِي لا ورَقَ عَلَيْها، والمُمَرَّدُ أيْضًا: المُطَوَّلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحِصْنِ: مارِدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَسْلَمَتْ بِلْقِيسُ وأذْعَنَتْ وأسْلَمَتْ، وأقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالظُلْمِ، فَرُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ تَزَوَّجَها عِنْدَ ذَلِكَ وأسْكَنَها الشامَ، قالَهُ الضِحاكُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في كِتابِ النَقاشِ: تَزَوُّجُها ورَدَّها إلى مُلْكِها بِاليَمَنِ، وكانَ يَأْتِيها عَلى الرِيحِ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَوَلَدَتْ لَهُ ولَدًا أسْماهُ داوُدَ، ماتَ في حَياتِهِ، و"مَعَ" ظَرْفٌ، وقِيلَ: حَرْفٌ بُنَيَ عَلى الفَتْحِ، وأمّا إذا سُكِّنَتِ العَيْنُ فَلا خِلافَ أنَّهُ حَرْفٌ جاءَ لِمَعْنى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ -فِي رِوايَةٍ الإخْرِيطِ -: "عن سَأقِيها" بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، وكَذَلِكَ يَضْعُفُ الهَمْزُ في قِراءَةِ قَنْبَلِ: "يَكْشِفُ عن سَأْقٍ"، وأمّا هَمْزُ "بالسُؤْقِ"، و"عَلى سَؤْقِهِ" فَلُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في هَمْزِ الواوِ الَّتِي قَبْلَها ضَمَّةٌ، حَكى أبُو عَلِيٍّ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيِّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وأنْشُدُ: أحَبُّ المُؤْقَدانِ إلَيْكَ مُؤْسى..........

وَوَجْهُها أنَّ الضَمَّةَ تَقُومُ عَلى الواوِ إذْ لا حائِلَ بَيْنَهُما.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عن رِجْلِها".

ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ لِما أرادَ زَوالَ شَعْرِ ساقَيْها أشْفَقَ مِن حَمْلِ المُوسى عَلَيْها، وقِيلَ: إنَّها قالَتْ: ما مَسَّنِي حَدِيدٌ قَطٌّ، فَأمْرَ الجِنَّ بِالتَلَطُّفِ في زَوالِهِ فَصَنَعُوا النُورَةَ ولَمْ تَكُنْ قَبْلُ في الأُمَمِ.

وهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي فَعَلَها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: مِن سَوْقِ العَرْشِ، وعَمَلِ الصَرْحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، قَصَدَ بِها الإغْرابَ عَلَيْها، كَما سَلَكَتْ هي قَبْلُ سَبِيلَ مُلُوكِ الدُنْيا في ذَلِكَ بِأنْ أرْسَلَتِ الجَوارِيَ والغِلْمانَ، واقْتَرَحَتْ في أمْرِ القَدَحِ والدُرَّتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ٤٥ قَالَ يَـٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٤٦ قَالُوا۟ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَـٰٓئِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ تُفْتَنُونَ ٤٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ لِقُرَيْشٍ، و"أنْ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللهَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ، والتَقْدِيرُ: بِأنِ اعْبُدُوا اللهَ.

و"فَرِيقانِ" يُرِيدُ بِهِ: مَن آمَنَ بِصالِحٍ ومَن كَفَرَ بِهِ، و"اخْتِصامُهُمْ" تَنازُعُهم وحْدَهُمْ، فَذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

ثُمْ إنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ تَلَطَّفَ بِقَوْمِهِ، وتَرَفَّقَ بِهِمْ في الخِطابِ، فَوَقَّفَهم عَلى خَطَئِهِمْ في اسْتِعْجالِ العَذابِ مِمّا يَقْتَضِي هَلاكَهُمْ، ثُمْ حَضَّهم عَلى ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأعْوَدُ بِالخَيْرِ، وهو الإيمانُ وطَلَبُ المَغْفِرَةِ ورَجاءُ الرَحْمَةِ، فَأجابُوا -عِنْدَ ذَلِكَ- بِقَوْلٍ سَفْسافٍ، مَعْناهُ: تَشاءَمْنا بِكَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانُوا في قَحْطٍ فَجَعَلُوهُ لَذّاتِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

وأصْلُ الطِيَرَةِ ما تَعارَفَهُ أهْلُ الجَهْلِ مِن زَجْرِ الطَيْرِ، وشَبَّهَتِ العَرَبُ ما عَنَّ بِما طارَ حَتّى حَصَلَ، سُمِّيَ ما حَصَلَ لِلْإنْسانِ في فَزَعَةِ ونَحْوِهِ طائِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ  ﴾ ، وخاطَبَهم صالِحٌ بِبَيانِ الحَقِّ، أيْ: طائِرُكم عَلى زَعْمِكم وتَسْمِيَتِكم -وَهُوَ حَظُّكم في الحَقِيقَةِ- مِن تَعْذِيبٍ أو إعْفاءٍ هو عِنْدَ اللهِ وتَعالى، وبِقَضائِهِ وقَدْرِهِ، وإنَّما هو أنَّهم قَوَّمَ تَخْتَبِرُونَ، وهَذا أحَدُ وُجُوهِ الفِتْنَةِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَوْلَعُونَ بِشَهَواتِكُمْ، وهَذا مَعْنى قَدْ تَعارَفَ الناسُ اسْتِعْمال لَفْظِ الفِتْنَةِ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُكَ: "فِتَنَ فَلانَ بِفُلانٍ"، وشاهِدُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَانَ فِى ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍۢ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ٤٨ قَالُوا۟ تَقَاسَمُوا۟ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِۦ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ ٤٩ وَمَكَرُوا۟ مَكْرًۭا وَمَكَرْنَا مَكْرًۭا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٠ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـٰهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ٥١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ تِسْعَةُ رِجالٍ كانُوا مِن أوجُهِ القَوْمِ وأقْناهم وأغْناهُمْ، وكانُوا أهْلَ كُفْرٍ ومَعاصٍ جَمَّةٍ، جُمْلَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَلَغَنِي أنَّهم كانُوا يَقْرِضُونَ الدَنانِيرَ والدَراهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوَ الأثَرِ المَرْوِيِّ: قِطَعَ الدَنانِيرِ والدَراهِمْ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، و"المَدِينَةُ": مُجْتَمَعُ ثَمُودٍ وقَرْيَتُهُمْ، و"الرَهْطُ": مِن أسْماءِ الجَمْعِ القَلِيلِ، العَشْرَةُ فَما دُونَها، و"تِسْعَةُ رَهْطٍ" كَما تَقُولُ: تِسْعَةُ رِجالٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ كانُوا أصْحابَ قِدارِ بْنِ سالِفٍ: عاقِرُ الناقَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما ذُكِرَ في أسْمائِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تَقاسَمُوا"، حَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَقاسِمِينَ، أو مُتَحالِفِينَ بِاللهِ، وكَأنَّ قَوْلَهُمْ: "لَنُبَيِّتَنَّهُ" حَلِفٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَلا يَصْلُحُونَ، تَقاسَمُوا" بِسُقُوطِ "قالُوا"، ويُحْتَمِلُ -وَهُوَ تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ- أنْ يَكُونَ "تَقاسَمُوا" فَعْلَ أمْرٍ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِأنْ يَتَحالَفُوا عَلى هَذا الفِعْلِ بِصالِحٍ، فَـ "تَقاسَمُوا" هو قَوْلُهم عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وهَذِهِ الألْفاظُ الدالَّةُ عَلى قَسَمٍ أو جَوابٍ تُجابُ بِاللامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَسَمٌ ظاهِرٌ، فاللامُ في "لَنُبَيِّتَنَّهُ" جَوابُ ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِنَبِيتُنَّهُ"، "ثُمْ لَنَقُولُنَّ" بِالنُونِ فِيهِما، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتاءِ فِيهِما، وبِضَمِّ التاءِ واللامِ عَلى الخِطابِ، أيْ: تَخاطَبُوا بِذَلِكَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى الخَبَرِ، فَهَذا ذَكَرَ اللهُ فِيهِ المَعْنى الَّذِي أرادُوهُ، لا بِحَسَبِ لَفْظِهِمْ.

ورُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ التِسْعَةِ لَمّا كانَ في صَدْرِ الثَلاثَةِ الأيّامِ بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ وقَدْ أخْبَرَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَجِيءِ العَذابِ، اتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِسْعَةُ فَتَحالَفُوا عَلى أنْ يَأْتُوا دارَ صالِحٍ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ وأهْلَهُ المُخْتَصِّينَ بِهِ، قالُوا: فَإنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ أوقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ، وإنْ كانَ صادِقًا كُنّا قَدْ أعْجَلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا.

قالَ الراوِي: فَجاؤُوا واخْتَفَوْا لِذَلِكَ في غارٍ قَرِيبٍ مِن دارِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ انْحَدَرَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ سَدَحَتْهم جَمِيعًا، ورُوِيَ أنَّهُ طَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الغارُ فَهَلَكُوا فِيهِ حِينَ هَلَكَ قَوْمُهُمْ، وكُلُّ فَرِيقٍ لا يَعْلَمُ بِما جَرى عَلى الآخَرِ، وكانُوا قَدْ بَنَوْا عَلى جُحُودِ الأمْرِ مِن قُرابَةِ صالِحٍ الَّذِينَ يُمْكِنُ أنْ يَغْضَبُوا لَهُ، فَهَذا مَكْرُهم.

والمَكْرُ نَحْوَ الخَدِيعَةِ، وسَمّى اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عُقُوبَتَهم بِاسْمِ ذَنْبِهِمْ، وهَذا مَهِيعٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُهْلَكٌ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِفَتْحِهِما، ورُوِيَ عنهُ فَتْحُ المِيمِ وكَسْرُ اللامِ.

و"العاقِبَةُ" حالٌ تَقْتَضِيها البَدْأةُ وتُؤَدِّي إلَيْها، ويَعْنِي بِالأهْلِ كُلَّ مِن آمَنَ مَعَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إنّا دَمَّرْناهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنا دَمَّرْناهُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقٍ، فَـ "كانَ" -عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ في الألْفِ- تامَّةٌ، وإنْ قُدِّرَتْ ناقِصَةٌ فَخَبَرُها مَحْذُوفٌ، أو يَكُونُ الخَبَرُ "كَيْفَ" مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ لَها، ولا يَعْمَلُ -عَلى هَذا- "انْظُرْ" في "كَيْفَ"، لَكِنْ يَعْمَلُ في مَوْضِعِ الجُمْلَةِ كُلِّها، وهي عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألْفِ ناقِصَةٌ، وخَبَرُها "أنّا"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ "كَيْفَ"، ويَكُونُ "أنّا" بَدَلًا مِنَ "العاقِبَةِ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "كانَ" تامَّةٌ "وَأنّا" بَدَلًا مِنَ "العاقِبَةِ"، ووَقَعَ تَقْدِيرُ السُؤالِ بِـ "كَيْفَ" عن جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "أنْ دَمَّرْناهُمْ"، فَهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الفَتْحِ في "أنّا".

<div class="verse-tafsir"

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةًۢ بِمَا ظَلَمُوٓا۟ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٥٢ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ٥٣ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ٥٤ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ ٥٥ ۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍۢ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَـٰهَا مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٥٧ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ٥٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ ﴾ أمْرُ البُيُوتِ وخَرابِها مِمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى، فَفي كُلِّ الشَرائِعِ أنَّهُ إنَّما يُعاقِبُ بِهِ الظَلَمَةَ، وفي التَوْراةِ: (ابْنُ آدَمَ، لا تَظْلِمْ، يُخْرَبْ بَيْتُكَ)، و"خاوِيَةً" نَصَبَ عَلى الحالِ الَّتِي فِيها الفائِدَةُ، ومَعْناها: الخالِيَةُ قَفْرًا، قالَ الزَجاجُ: وقُرِئَتْ "خاوِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ المُضْمَرِ، والتَقْدِيرُ: هي خاوِيَةٌ، أو عَنِ الخَبَرِ عن "تِلْكَ" و"بُيُوتُهُمْ" بَدَلٌ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، وهَذِهِ البُيُوتُ المُشارُ إلَيْها هي الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ  عامَ تَبُوكٍ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ...» الحَدِيثُ.

ثُمْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلُوطًا ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ لُوطًا.

و"الفاحِشَةُ": إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ "تُبْصِرُونَ" مَعْناهُ: بِقُلُوبِكم أنَّها خَطِيئَةٌ وفاحِشَةٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبْصِرُونَ بِأبْصارِكُمْ؛ لِأنَّكم تَتَكَشَّفُونَ بِفِعْلِ ذَلِكَ ولا يَسْتَتِرُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: " أإنّكم "، وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "جَوابَ" نَصَبا، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ: "جَوابُ" بِالرَفْعِ، ونَسَبَ ابْنُ جِنِّيِ قِراءَةَ الرَفْعِ إلى الحَسَنِ، وفَسَّرَها في الشاذِّ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن قَوْمِ لُوطٍ أنَّهم كانُوا تَرَكُوا في جَوابِهِمْ طَرِيقَ الحُجَّةِ، وأُخِذُوا بِالمُغالَبَةِ، فَتَآمَرُوا بِإخْراجِهِ وإخْراجِ مِن آمَنَ مَعَهُ، ثُمْ ذَمُّوهم بِمَدْحِهِ وهي التَطَهُّرُ مِن هَذِهِ الدَناءَةِ الَّتِي أصَفُقُوا عَلَيْها.

قالَ قَتادَةُ: عابُوهم واللهِ بِغَيْرِ عَيْبٍ.

وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "قَدَّرْناها" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِشَدِّ الدالِّ، الأولى بِمَعْنى: جَعَلْناها وحَصَّلْناها، والثانِيَةُ بِمَعْنى: قَدَّرْنا عَلَيْها، مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ.

و"الغابِرُونَ": الباقُونَ في العَذابِ، وغَبَرَ بِمَعْنى بَقِيَ، وقَدْ يَجِيءُ أحْيانًا في بَعْضِ كَلامِ العَرَبِ ما يُوهِمْ أنَّهُ بِمَعْنى مَضى، وإذا تُؤَمِّلُ تَوَجُّهُ حَمَلَهُ عَلى مَعْنى البَقاءِ، والمَطَرُ الَّذِي أُمْطِرَ عَلَيْهِمْ هو حِجارَةُ السَجِّينِ أهْلَكَتْ جَمِيعَهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ لِمَن جَعَلَ مِنَ الفُقَهاءِ الرَجْمَ في اللُوطِيَّةِ، وبِها تَأْنَسُ لِأنَّ اللهَ تَعالى عَذَّبَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ لِمَعْصِيَتِهِمْ، ولَمْ يَقِسْ هَذا القَوْلَ عَلى الزِنى فَيَعْتَبِرُ الإحْصانَ، بَلْ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: يَرْجُمانِ في اللُوطِيَّةِ أحْصَنا أو لَمْ يُحَصِّنا، وإنَّما ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  : «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ»، فَذَهَبَ مِن ذَهَبَ إلى رَجْمِهِما بِهَذِهِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰٓ ۗ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ٥٩ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍۢ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَآ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌۭ يَعْدِلُونَ ٦٠ أَمَّن جَعَلَ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَجَعَلَ خِلَـٰلَهَآ أَنْهَـٰرًۭا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٦١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قَرَأ أبُو السَمالِ: "قُلَ الحَمْدُ لِلَّهِ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَذَلِكَ في آخِرِ السُورَةِ، وهَذِهِ ابْتِداءُ تَقْرِيرٍ وتَثْبِيتٌ لِقُرَيْشٍ، وهو أيْضًا يَعُمْ كُلَّ مُكَلِّفٍ مِنَ الناسِ جَمِيعًا، وافْتَتَحَ ذَلِكَ بِالقَوْلِ بِحَمْدِهِ وتَمْجِيدِهِ والسَلامِ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفاهم لِلنُّبُوَّةِ والإيمانِ، وهَذا اللَفْظُ عامٌ لِجَمِيعِهِمْ مِن بَنِي آدَمَ، وكَأنَّ هَذا صَدْرُ خُطْبَةٍ لِلتَّقْرِيرِ المَذْكُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العِبادُ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ هم أصْحابُ النَبِيِّ  ، واصْطَفاهم لِنَبِيِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الِاخْتِصاصِ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ.

وقالَ الفِراءُ: الأمْرُ بِالقَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ.

ثُمْ وقَّفَ قُرَيْشًا والعَرَبَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى مَوْضِعِ التَبايُنِ بَيْنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيْنَ الأوثانِ والأنْصابِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وعاصِمْ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وفِي هَذا التَفْضِيلِ بِلَفْظَةِ "خَيْرٌ" أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ التَفْضِيلَ وقَعَ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ كانَتْ يَعْتَقِدُونَ أنَّ في آلِهَتِهِمْ خَيْرًا بِوَجْهٍ ما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ في المَوْضِعَيْنِ، التَقْدِيرُ: أتَوْحِيدُ اللهِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما تُشْرِكُونَ؟

فَـ "ما" في هَذا التَأْوِيلِ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وحَذْفُ المُضافِ إنَّما هو أوَّلًا، وتَقْدِيرُهُ: أتَوْحِيدُ اللهِ خَيْرٌ أمْ شِرْكُكُمْ؟

وقِيلَ: "خَيْرٌ" هُنا لَيْسَتْ بِأفْعَلَ، وإنَّما هي بِفِعْلٍ، كَما تَقُولُ: "الصَلاةُ خَيْرٌ" دُونَ تَفْضِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي تَعُمْ مَعانِي كَثِيرَةٍ كَخَيْرٍ وشَرٍّ أو حُبٍّ ونَحْوَ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ التَفْضِيلُ بِها بَيْنَ أشْياءَ مُتَبايِنَةٍ؛ لِأنَّ المُتَبايِناتِ رُبَّما اشْتَرَكَتْ فِيها ولَوْ بِوَجْهٍ ضَعِيفٍ بَعِيدٍ، وأيْضًا فَهَذا تَقْرِيرٌ، والمُجادِلُ يُقَرِّرُ خَصْمَهُ لِتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ وإلْزامِهِ بِحَصْرِ التَفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ وانْتِفائِهِ عَنِ الأُخَرِ، وقَدِ اسْتَوْعَبْنا هَذا فِيما مَضى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: آللَّهُ ذُو خَيْرٍ أمّا تُشْرِكُونَ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا النَوْعُ مِنَ الحَذْفِ بَعِيدٌ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعاصِمْ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أمَّنْ خَلَقَ ﴾ وما بَعْدَها مِنَ التَوْقِيفاتِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وتَقْرِيرٌ عَلى ما لا مَندُوحَةَ لَهم عَنِ الإقْرارِ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أمَّنَ" بِشَدِّ المِيمِ، وهي "أمْ" دَخَلَتْ عَلى "مِن"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أمَن" بِفَتْحِ المِيمِ مُسَهَّلَةً، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلِاسْتِفْهامِ و"مِنَ" ابْتِداءٌ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ: يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويُشْرِكُ بِهِ؟

ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعْنى.

و"الحَدائِقُ" مُجْتَمَعُ الشَجَرِ مِنَ العِنَبِ والنَخِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ قَوْمٌ: لا يُقالُ: "حَدِيقَةٌ" إلّا لِما عَلَيْهِ جِدارٌ قَدْ أحْدَقَ بِهِ، وقالَ قَوْمٌ: تَقُولُ ذَلِكَ إذا كانَ جِدارٌ أو لَمْ يَكُنْ لِأنَّ البَياضَ مُحَدَّقٌ بِالأشْجارِ.

و"البَهْجَةُ": الجَمالُ والنُضْرَةُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ذَواتِ بَهْجَةٍ".

ثُمْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ- أنَّهُ ما كانَ لِلْبَشَرِ، أيْ: ما يَتَهَيَّأُ لَهُمْ، ولا يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ أنْ يُنْبِتُوا شَجَرَها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِإخْراجِ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَرْتِيبُ القِراءَةِ في الهَمْزَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: أئِنَّ و ﴿ أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: "أإلَهٌ"، قالَ أبُو حاتِمُ: القِراءَةُ بِاجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ مُحَدَّثَةٌ لا تُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ ولا قَرَأ بِها قارِئٌ عَتِيقٌ.

و"يَعْدِلُونَ" يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ: يَعْدِلُونَ عن طَرِيقِ الحَقِّ، أيْ: يَجُورُونَ في فِعْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ: يَعْدِلُونَ بِاللهِ غَيْرَهُ، أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا ومَثِيلًا.

و"خِلالَها" مَعْناهُ: بَيْنَها وأثْناءَها، و"الرَواسِي": الجِبالُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ وتَأصَّلَ، و"البَحْرانِ": الماءُ العَذْبُ بِجُمْلَتِهِ، والماءُ الأُجاجُ بِجُمْلَتِهِ، و"الحاجِزُ": ما جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُما مِن حَواجِزِ الأرْضِ ومَوانِعِها عَلى رِقَّتِها في بَعْضِ المَواضِعِ ولَطافَتِها الَّتِي لَوْلا قُدْرَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَغَلَبَ المُلْحُ العَذْبَ، وكُلُّ ما مَضى مِنَ القَوْلِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ  ﴾ فَهو مُتَرَتِّبٌ هُنا فَتَأمَّلَهُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦٓ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ تَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٦٣ أَمَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَـٰهٌۭ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٦٤ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ٦٥ بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ٦٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ تَعالى اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلِ هم في شَكٍّ مِنها بَلِ هم مِنها عَمُونَ ﴾ وقَّفَهم في هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعانِي الَّتِي يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ ولا لِوَثَنٍ فِيها، فَهي عِبَرٌ ونِعَمٌ، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ بِها مِنَ الوَجْهَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ مَعْناهُ: بِشَرْطِ أنْ يَشاءَ عَلى المُعْتَقَدِ في الإجابَةِ، لَكِنَّ المُضْطَرَّ لا يُجِيبُهُ مَتى أُجِيبُ إلّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، و"السُوءَ" عامٌ في كُلِّ ضُرٍّ يَكْشِفُهُ اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَجْعَلُكُمْ" بِياءٍ عَلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِنُونٍ.

وكُلُّ قَرْنٍ خَلَفٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.

و"الظُلُماتُ" عامٌ لِظُلْمَةِ اللَيْلِ الَّتِي هي الحَقِيقَةُ في اللُغَةِ، ولِظُلْمِ الجَهْلِ والضَلالِ والخَوْفِ الَّتِي هي مَجازاتٌ وتَشْبِيهاتٌ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَجَلَّتْ عَماياتُ الرِجالِ عَنِ الصِبا وَكَما تَقُولُ: أظْلَمَ الأمْرُ وأنارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قَوْلِهِ: "بُشْرًا"، وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشْرِكُونَ" عَلى المُخاطَبِ.

و"بَدْءُ الخَلْقِ" اخْتِراعُهُ وإيجادُهُ، و"الخَلْقَ": هُنا المَخْلُوقُ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرِ الإعادَةِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الخَلْقَ" مَصْدَرُ: خَلَقَ يَخْلُقُ، ويَكُونُ "يَبْدَأُ" و"يُعِيدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فَلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا وكَذا، أيْ يُتْقِنُهُ.

و"الرِزْقُ" مِنَ السَماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَباتِ، هَذا مَشْهُورٌ ما يُحِسُّهُ البَشَرُ، وكَمْ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ.

ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أنَّ الغَيْبَ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ غَيْبًا لِغَيْبِهِ عَنِ المَخْلُوقِينَ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الكُفّارَ سَألُوا وألَحُّوا عن وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي يَعِدُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالتَسْلِيمِ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَرْكِ التَحْدِيدِ، وأعْلَمُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ وقْتَ الساعَةِ سِواهُ، فَجاءَ بِلَفْظٍ يَعُمُ السامِعَ وغَيْرَهُ، وأخْبَرَ عَنِ البَشَرِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ احْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها عَلى قَوْلِها: ومَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ.

والمَكْتُوبَةُ في قَوْلِهِ: " إلّا اللهُ " بَدَلٌ مِن "مَن".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ: "إيّانَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلِ ادّارَكَ"، أصْلُهُ: تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ بَعْدَ أنْ أُبْدِلَتْ، ثُمُ احْتِيجَ إلى ألْفِ الوَصْلِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "تَدارَكَ" فِيما رُوِيَ عنهُ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بَلِ ادَّرَكَ" عَلى وزْنِ افْتَعَلَ، وهي بِمَعْنى تَفاعَلَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: "بَلَ ادَّرَكَ" بِفَتْحِ الامِ ولا هَمْزَ، وبِتَشْدِيدِ الدالِّ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "بَلْ أدْرَكَ" وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أمْ تَدارَكَ عِلْمُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بَلَ أدْرَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "بَلْ آدّارَكَ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بَلْ آدَّرَكَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ، ونَسَبَها أبُو عَمْرُو الدانِي إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

فَأمّا قِراءَةُ الِاسْتِفْهامِ فَهي عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ، والتَقْرِيرُ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عنهُمْ، أيْ: أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمَهُمْ؟

وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ، أيْ: تَناهى، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَباتُ وغَيْرُهُ، وكَما تَقُولُ: هَذا ما أدْرَكَ عَلْمِي مِن كَذا وكَذا، فَهَذا قَدْ تَتابَعَ وتَناهى عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ، أو ألّا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وكَذَلِكَ ادّارَكَ وتَدارَكَ وسِواها، وإنْ حَمَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى التَوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ ساغَ، وجاءَ إنْكارًا لَأنْ أدْرَكُوا شَيْئًا نافِعًا، والمَعْنى الثانِي: بَلْ أدْرَكَ بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ أنَّهم في الآخِرَةِ يُدْرِكُ عِلْمَهم وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوُا العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُنْيا فَلا.

وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجاجُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ظَرْفٌ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ في بِمَعْنى الباءِ، والعِلْمُ قَدْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: عِلْمِي يَزِيدُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وعِلْمِي بِأسْوامِ المِياهِ ∗∗∗............

البَيْتُ ثُمْ وصَفَهم عَزَّ وجَلَّ بِأنَّهم في شَكٍّ مِنها، ثُمْ أرَدَفَهم بِصِفَةٍ أبْلَغَ مِنَ الشَكِّ وهي العَمى بِالجُمْلَةِ عن أمْرِ الآخِرَةِ، و"عَمُونَ" أصْلُهُ "عَمِيُونَ" فَعِلَوْنَ كَحَذِرُونَ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًۭا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ٦٧ لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٦٨ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ٦٩ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ٧٠ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٧١ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ٧٢ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ٧٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ ﴾ اسْتَبْعَدَ الكُفّارُ أنْ تُبْعَثَ الأجْسادُ والرِمَمُ مِنَ القُبُورِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عنهم عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أيِذا" و"أيِنّا" غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرُو يَمُدُّ وابْنُ كَثِيرٍ لا يَمُدُّ، وقَرَأ عاصِمْ وحَمْزَةٌ: "أئِذا" و"أئِنّا" بِهَمْزَةٍ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ: "إذا" مَكْسُورَةَ الألِفِ "آيِنّا" مَمْدُوةَ الألْفِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آئِذا" مَمْدُودَةً "إنَّنا" بِنُونَيْنِ وكَسْرِ الألْفِ.

ثُمْ ذَكَرَ الكُفّارُ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِمّا وُعِدُوا بِها قَبْلُ، وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، وجَزَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، ثُمْ وعَظَهم تَبارَكَ وتَعالى بِحالٍ مَن عُذِّبَ وبِالحَذَرِ أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ أُولَئِكَ، وهَذا التَحْذِيرُ يَقْتَضِيهِ المَعْنى.

ثُمْ سَلّى اللهُ تَعالى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عنهُمْ، وهَذا بِحَسَبَ ما كانَ عِنْدَهُ مِنَ الحِرْصِ عَلَيْهِمْ والِاهْتِمامِ بِأمْرِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِ الضادِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والضِيقِ والضَيْقِ مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَرَهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ "ضَيْقٌ" كَهَيْنِ ولَيْنِ مُسَهَّلَةً مَن ضَيَّقَ، قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ.

ثُمْ ذَكَرَ اسْتِعْجالَ قُرَيْشٍ بِأمْرِ الساعَةِ والعَذابِ.

و"رَدِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ وأزَفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، ولَكِنَّها عِبارَةٌ عَمّا يَجِيءُ بَعْدَ الشَيْءِ قَرِيبًا مِنهُ، ولِكَوْنِهِ بِمَعْنى هَذِهِ الأفْعالِ تَعَدّى بِحَرْفٍ وإلّا فَبابُهُ أنْ يَتَجاوَزَ بِنَفْسِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الدالِّ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "رَدَفَ" بِفَتْحِ الدالِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُكِنُّ" مَن أكَنَّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ السَمَيْفَعِ مِن كَنَّ: "تَكُنُّ"، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍۢ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍ ٧٥ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٧٦ وَإِنَّهُۥ لَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٧٧ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٧٨ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ ٧٩ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ٨٠ وَمَآ أَنتَ بِهَـٰدِى ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ٨١ ۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مِن غائِبَةٍ في السَماءِ والأرْضِ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُمَّ الدُعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عن ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ الناسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ﴾ التاءُ في "غائِبَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ في غائِبَةِ الغَيْبِ والخَفاءِ إلّا في كِتابٍ عِنْدَ اللهِ في مَكْنُونِ عِلْمِهِ، ثُمْ نَبِّهْ تَعالى عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ أخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِأكْثَرِ الأشْياءِ الَّتِي كانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في صِفَتِها، فَجاءَتْ في القُرْآنِ عَلى وجْهِها، ثُمْ وصَفَهُ تَعالى بِأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما أنَّهُ عَمّى عَلى الكافِرِينَ المَحْتُومِ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ كُفْرَهُمُ اسْتَتَبَّ مَعَ قِيامِ الحُجَّةِ ووُضُوحِ الطَرِيقِ، فَكَثُرَ عَماهم بِهَذِهِ الحُجَّةِ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَضاءٍ مِنَ اللهِ تَعالى وحَكْمٌ قَضاهُ فِيهِمْ وبَيْنَهُمْ، ثُمْ أمَرَهم بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، والثِقَةِ بِاللهِ، وبِأنَّهُ عَلى الحَقِّ، أيْ: إنَّكَ الجَدِيرُ بِالنُصْرَةِ والظُهُورِ، ثُمْ سَلّاهُ عنهُمْ، وشَبَّهَهم بِالمَوْتى مِن حَيْثُ الفائِدَةُ بِالقَوْلِ لِهَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مَعْدُومَةٌ، فَشَبَّهَهم مَرَّةً بِالمَوْتى ومَرَّةً بِالصُمْ، قالَ العُلَماءُ: المَيِّتُ مِنَ الأحْياءِ هو الَّذِي يَلْقى اللهَ تَعالى بِكُفْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في إنْكارِها أنَّ النَبِيَّ  أسْمَعَ مَوْتى بَدْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ، ونَظَرَتْ هي في الأمْرِ بِقِياسٍ عَقْلِيٍّ، ووَقَفَتْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ النَبِيَّ  أنَّهُ قالَ: «ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم»، فَيُشَبِّهُ أنَّ قِصَّةَ بَدْرٍ هي خَرْقُ عادَةٍ لِلنَّبِيِّ  في أنْ رَدَّ اللهِ تَعالى إلَيْهِمْ إدْراكًا سَمِعُوا بِهِ مَقالَهُ، ولَوْلا إخْبارُ رَسُولِ اللهِ  بِسَماعِهِمْ لِحَمْلِنا نِداءَهُ إيّاهم عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ عَلى مَن بَقِيَ مِنَ الكَفَرَةِ، وعَلى مَعْنى شِفاءِ صُدُورِ المُسْلِمِينَ مِنهُمْ، وقَدْ عُورِضَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالسَلامِ عَلى القُبُورِ، وبِما رُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ الأرْواحَ تَكُونُ في شَفِيرِ القُبُورِ في أوقاتٍ، قالُوا: فَلَوْ لَمْ يَسْمَعِ المَيِّتُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُعارِضٍ لِلْآيَةِ؛ لِأنَّ السَلامَ عَلى القُبُورِ إنَّما هو عِبادَةٌ، وعِنْدَ اللهِ الثَوابُ عَلَيْها، وهو تَذْكِيرٌ لِلنَّفْسِ بِحالَةِ المَوْتِ وبِحالَةِ المَوْتى في حَياتِهِمْ، وإنَّ جَوَّزْنا مَعَ هَذا أنَّ الأرْواحَ في وقْتٍ عَلى القُبُورِ، فَإنْ سَمِعَ فَلَيْسَ الرُوحُ بِمَيِّتٍ، وإنَّما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ الأشْخاصُ المَوْجُودَةُ مُفارَقَةً لِأرْواحِها، وفِيها نَقُوُلُ: خُرِقَتِ العادَةُ لِمُحَمَّدٍ  في أهْلِ القَلِيبِ، وذَلِكَ كَنَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في المَوْتى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المَكانَ: «إنَّهم يَسْمَعُونَ خَفْقَ النِعالِ».

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَلا يُسْمِعُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ "الصُمْ" رَفَعًا، ومَثْلُهُ في الرُومِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تُسْمِعُ" بِالتاءِ "الصُمْ" نَصْبًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِهادٍ العُمْيِ" بِتَنْوِينِ الدالِّ ونَصْبِ "العُمْيَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ" بِفِعْلِ مُسْتَقْبَلٍ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ وثّابٍ، وابْنِ يَعْمَرُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ".

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا انْتُجِزَ وعْدُ عَذابِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الآنَ مِنَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ -أيْ حَتَّمَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ- وقَضاؤُهُ، وهَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ  ﴾ ، فَمَعْنى الآيَةِ: وإذا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَنْفُذَ في الكافِرِينَ سابِقَ عِلْمِهِ لَهم مِنَ العَذابِ أخْرَجَ لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ حِينَ يَنْقَطِعُ الخَيْرُ، ولا يُؤْمَرُ بِمَعْرُوفٍ، ولا يُنْهى عن مُنْكَرٍ، ولا يَبْقى مُنِيبٌ ولا تائِبٌ، كَما أوحى اللهُ تَعالى إلى نُوحٍ: ﴿ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ واللُزُومِ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الدابَّةَ وطُلُوعَ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ مِن أوَّلِ الأشْراطِ» -وَلَمْ يُعَيِّنِ الأُولى- وكَذَلِكَ الدَجّالَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الأحادِيثِ والرِواياتِ أنَّ الشَمْسَ آخِرُها؛ لِأنَّ التَوْبَةَ تَنْقَطِعُ مَعَها، ويُعْطِي الحالُ أنَّ الإيمانَ لا يَبْقى إلّا في أفْرادٍ، وعَلَيْهِمْ تَهُبُّ الرِيحُ الَّتِي لا تُبْقِي إيمانًا، وحِينَئِذٍ يَنْفَدُ ويُنْفَخُ في الصُورِ، ونَحْنُ نَرْوِي أنَّ الدابَّةَ تَسِمْ قَوْمًا بِالإيمانِ، ونَجِدُ أنَّ عِيسى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَعْدِلُ بَعْدَ الدَجّالِ، ويُؤْمِنُ الناسُ بِهِ، وهَذِهِ الدابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ مِن جَبَلِ الصَفا بِمَكَّةَ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو -رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ- نَحْوَهُ، وقالَ: لَوْ شِئْتُ أنْ أضَعَ قَدَمِي عَلى مَوْضِعِ خُرُوجِها لَفَعَلْتُ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّها تَخْرُجُ في تِهامَةَ، ورُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الكُوفَةَ مِن حَيْثُ فارَ تَنُّورُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورَوى بَعْضُهم عن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ خُرُجاتٍ، ورُوِيَ أنَّها دابَّةٌ مُزَغِّبَةٌ شَعْراءُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها عَلى خِلْقَةِ الآدَمِيِّينَ، وهي في السَحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ، ورُوِيَ أنَّها جَمَعَتْ مِن خَلْقِ كُلِّ حَيَوانٍ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ الزُبَيْرِ نَحْوَهُ، ورُوِيَ أنَّها دابَّةٌ مَبْثُوثٌ نَوْعُها في الأرْضِ، فَهي تَخْرُجُ في كُلِّ بَلَدٍ وفي كُلِّ قَوْمٍ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: "دابَّةً" إنَّما هو اسْمُ جِنْسٍ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّها الثُعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَتْها العِقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشُ بِناءَ الكَعْبَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَلِّمُهُمْ" مِنَ الكَلامِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "تُنْبِيهِمْ"، وفَسَّرَها عِكْرِمَةُ بِـ "تَسِمُهُمْ"، قالَ قَتادَةُ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: "تُحَدِّثُهُمْ"، وقَرَأ أبُو زَرْعَةَ بْنُ عَمْرُو بْنُ جُرَيْجٍ: "تُكَلْمِهُمْ" بِكَسْرِ اللامِ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كُلُّ ذَلِكَ واللهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُهم وتَكْلِمُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ في هَذا أنَّها تَمُرُّ عَلى الناسِ فَتَسِمُ الكافِرَ في جَبْهَتِهِ وتُرَمِّدُهُ وتَشْتُمُهُ ورُبَّما حَطَّمَتْهُ، ورُبَّما تَمْسَحُ عَلى وجْهِ المُؤْمِنِ فَتُبَيِّضُهُ، ويُعْرَفُ -بَعْدَ ذَلِكَ- الإيمانُ والكُفْرُ مِن قِبَلِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "إنَّ الناسَ" بِكَسْرِ "إنَّ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَعاصِمْ بِفَتْحِ الألِفِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "تُكَلِّمُهم بِأنَّ"، وهَذا تَصْدِيقٌ بالفَتْحِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أنَّ الناسَ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مِن كَلامِ الدابَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن كَلامِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ فَوْجًۭا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ٨٣ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِـَٔايَـٰتِى وَلَمْ تُحِيطُوا۟ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٨٤ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا۟ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ٨٥ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِيَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٨٦ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَٰخِرِينَ ٨٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَفَزِعَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، و"نَحْشُرُ": نَجْمَعُ، و ﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ يُرِيدُ: مِن كُلِّ قَرْنٍ مِنَ الناسِ مُتَقَدِّمٍ؛ لِأنَّ كُلَّ عَصْرٍ لَمْ يَخْلُ مِن كَفَرَةٍ بِاللهِ مِن لَدُنْ تَفَرُّقِ بَنِي آدَمَ، و"الفَوْجُ": الجَماعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الناسِ، والمَعْنى: مِمَّنْ حالُهُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِآياتِنا، و"يُوزَعُونَ" مَعْناهُ: يُكَفُّونَ في السَوْقِ، أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ وازِعِ الجَبْشِ، وفِيهِ يَقُولُ عَبْدُ الشارِفِ بْنُ عَبْدِ العُزّى: فَجاؤُوا عارِضًا بَرِدًا وحِينًا كَمِثْلِ السَيْلِ تَرْكَبُ وازِعِينا ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن تَوْقِيفِهِ الكَفَرَةَ يَوْمَ القِيامَةِ وسُؤالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: ﴿ حَتّى إذا ﴾ الآيَةُ، ثُمْ قالَ، ﴿ أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ عَلى مَعْنى اسْتِيفاءِ الحُجَجِ، أيْ: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أو حُجَّةٌ فَهاتُوها.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ.

ثُمْ أخْبَرَ عن وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، أيْ نُفُوذِ العَذابِ وحَتْمِ القَضاءِ، وأنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، لِأنَّها لَيْسَتْ لَهُمْ، وهَذا في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، وفي فَرِيقٍ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى الآيَةَ في اللَيْلِ وكَوْنِهِ وقْتَ سُكُونٍ ووَداعَةِ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ، والمُهِمْ في ذَلِكَ بَنُو آدَمَ، وكَوْنِ النَهارِ مُبْصِرًا، أيْ: ذا إبْصارٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمْ ونَهارٌ صائِمْ، ومَعْنى ذَلِكَ: يُقامُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: يُبْصَرُ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ: ذا إبْصارٍ، ثُمْ تَجُوزُ بِأنْ قِيلَ: "مُبْصِرًا"، فَهو عَلى النَسَبِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، والآياتُ في ذَلِكَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، هي آيَةٌ لِجَمِيعِهِمْ في نَفْسِها، لَكِنْ مِن حَيْثُ الِانْتِفاعِ بِها والنَظَرِ النافِعِ إنَّما هو لِلْمُؤْمِنِينَ فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالذِكْرِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى يَوْمَ النَفْخِ في الصُوَرِ، وهو القَرْنُ في قَوْلِ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وهو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كَهَيْئَةِ البُوقِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ وجَمْرَةٍ وجَمْرٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وفي الأحادِيثِ المُتَداوَلَةِ أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هو صاحِبُ الصُوَرِ، وأنَّهُ قَدْ جَثا عَلى رُكْبَتِهِ الواحِدَةِ وأقامَ الأُخْرى وأمالَ خَدَّهُ والتَقَمَ القَرْنَ يَنْتَظِرُ مَتّى يُؤْمَرُ ويُؤْذَنُ لَهُ بِالنَفْخِ، وهَذِهِ النَفْخَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ المَلَكَ لَهُ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما هي نَفْخَتانِ، كَأنَّهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَعْقَ في نَفْخَةٍ واحِدَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ  ﴾ ، وقالُوا: أُخْرى لا تُقالُ إلّا في الثانِيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، وأُخْرى تُقالُ في الثالِثَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ مَقْرُومٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مِن ثُمامَهْ فَهُوَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ثانِيًا أو ثالِثًا فَلا حُجَّةَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ ﴾ -وَهُوَ أمْرٌ لَمْ يَقَعْ- يُعَدُّ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وهَذا مَعْنى وضْعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن شاءَ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ فِيمَن قَضى اللهُ تَعالى مِن مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ وشُهَداءِ عَبِيدِهِ ألّا يَنالُهم فَزَعُ النَفْخِ في الصُوَرِ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هي في الشُهَداءِ، وذَكَرَ الرُمّانِيُّ أنَّهُ النَبِيُّ  ، وقالَ مُقاتِلُ: هي في جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكِ المَوْتِ، وإذا كانَ الأكْبَرُ لا يَنالُهم فَهم حَرِيُّونَ ألّا يَنالُهم هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذا في وقْتِ تَرَقُّبٍ وذَلِكَ في وقْتِ أمْنٍ؛ إذْ هو إطْباقُ جَهَنَّمَ عَلى أهْلِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَكُلٌّ آتُوهُ داخِرِينَ" عَلى وزْنِ فاعِلُوهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "أتَوْهُ" عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأهْلِ الكُوفَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "أتاهُ" عَلى الإفْرادِ اتِّباعًا لِلَّفْظِ "كُلٌّ"، وإلى هَذِهِ القِراءَةِ أشارَ الزَجاجُ ولَمْ يَذْكُرْها.

و"الداخِرُ": المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: الداخِرُ: الصاغِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "دَخِرِينَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُرِيدَ بِهِ الشُهَداءُ؛ لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وهم أهْلٌ لِلْفَزَعِ لِأنَّهم بَشَرٌ لَكِنَّهم فُضِّلُوا بِالأمْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةًۭ وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ ٨٨ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌۭ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍۢ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٠ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَـٰذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَىْءٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٩١ وَأَنْ أَتْلُوَا۟ ٱلْقُرْءَانَ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ٩٢ وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مَن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ هَذا وصْفُ حالِ الأشْياءِ يَوْمَ القِيامَةِ عَقِبَ النَفْخِ في الصُوَرِ، والرُؤْيَةُ هي بِالعَيْنِ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ في أوَّلِ الأمْرِ تَسِيرُ وتَمُوجُ، وأمْرُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنَسْفِها ونَفْشِها خِلالَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمْ تَصِيرُ في آخِرِ الأمْرِ هَباءً مُنْبَثًّا.

و"الجُمُودُ": التَصامُّ في الجَوْهَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جامِدَةً": قائِمَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِأرْعَنَ مِثْلَ الطَوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرُكّابُ تُهَمْلِجُ و ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مَن لَفْظِهِ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: انْظُرُوا صُنْعَ اللهِ، و"الإتْقانُ": الإحْسانُ في المَعْمُولاتِ، وأنْ تَكُونَ حِسانًا وثِيقَةَ القُوَّةِ.

وقَرَأ أُبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.

و"الحَسَنَةُ": الإيمانُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في بَعْضِ خَلَواتِي، فَرَفَعْتُ صَوْتِي بِـ "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، فَسَمِعْتُ قائِلًا يَقُولُ: إنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِنها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "مِنها" حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها أوِ اسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِفَوْقِ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرَةَ، والداعِيَةُ إلى هَذا التَقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَوابِ تَفْضِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَيْرٌ" لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، بَلِ اسْمٌ لِلثَّوابِ والنِعْمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: هَذا الجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ هو مِن حَسَنَتِهِ وبِسَبَبِها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللهَ، وإنَّما لَهُ الخَيْرُ مِنها،.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "مَن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ" بِالإضافَةِ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في فَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن "يَوْمَئِذٍ"، فَقَرَأ أكْثَرَهم بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِناءِ الظَرْفِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى إعْمالِ الإضافَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الظُرُوفَ إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ جازَ بِناؤُها وإعْمالُ الإضافَةِ فِيها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ فَإنَّهُ يُرْوى: "عَلى حِينَ" بِفَتْحِ النُونِ، و"عَلى حِينٍ" بِكَسْرِها، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَن فَزِعٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ -مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ- إلّا فَتْحَ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ".

و"السَيِّئَةُ" الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النارِ، و"كَبْتَ" مَعْناهُ: تَلَتْ في النارِ، وجاءَ هَذا كَبّا مِن حَيْثُ خَلْقُها في الدُنْيا يُعْطِي ارْتِفاعَها، وإذا كُبَّتِ الوُجُوهُ فَسائِرُ البَدَنِ أدْخَلُ في النارِ؛ إذِ الوَجْهُ مَوْضِعُ الشَرَفِ والحَواسِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ بِمَعْنى: فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إنَّما أُمِرْتُ، و"البَلْدَةُ المُشارُ إلَيْها مَكَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الَّذِي حَرَّمَها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّتِي حَرَمَّها"، وأضافَ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- التَحْرِيمَ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وأضافَ النَبِيُّ  ذَلِكَ إلى إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ» مِن حَيْثُ كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ تَعارُضٌ.

وفي قَوْلِهِ: "حَرَّمَها" تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ في رَفْعِ اللهِ تَعالى عن بَلَدِهِمُ الغاراتِ والفِتَنِ الشائِعَةِ في جَمِيعِ بِلادِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أتْلُوَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: " أنْ أكُونَ "، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنِ اتْلُ القُرْآنَ" بِمَعْنى: وأنْ قِيلَ لِي: اتْلُ القُرْآنَ، و"اتْلُ" مَعْناهُ: تابِعْ بِقِراءَتِكَ بَيْنَ آياتِهِ واسْرُدْ.

وتِلاوَةُ القُرْآنِ سَبَبُ الِاهْتِداءِ إلى كُلِّ خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ مَعْناهُ: مَن تَكَسَّبَ الهُدى والإيمانَ ونَظَرَ نَظَرًا يُنْجِيهِ فَلِنَفْسِهِ سَعْيُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَنِسْبَةُ الهُدى والضَلالِ إلى البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي بِالتَكَسُّبِ والحِرْصِ والحالِ الَّتِي عَلَيْها يَقَعُ الثَوابُ والعِقابُ، والكُلُّ أيْضًا مِنَ اللهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا كَبَدْرٍ والفَتْحِ ونَحْوَهُ، وبِعَذابِ الآخِرَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَمّا يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَتِهِمْ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله