الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة القصص
تفسيرُ سورةِ القصص كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 127 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَصَصِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ ، نَزَلَتْ هَذِهِ بِالجَحْفَةِ في وقْتِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ طسم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ ﴾ ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُورِ بِما أغْنى عَنِ الإعادَةِ، فَمَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: إنَّ الطاءَ مِنَ الطُولِ الَّذِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والسِينُ مِنَ السَلامِ، والمِيمِ مِنَ المُنْعِمْ، أو مِنَ الرَحِيمِ، ونَحْوَ هَذا.
وقَوْلُهُ: ﴿ تِلْكَ ﴾ يَتَقَدَّرُ مَوْضِعُها بِحَسَبَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ في الحُرُوفِ، فَمِن جَعَلَ "طَسَمَ" مِثالًا لِحُرُوفِ المُعْجَمِ جاءَتِ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ومِن قَطَعَها قالَ: "تِلْكَ" في مَواضِعَ هَذِهِ، وساغَ هَذا مِن حَيْثُ لَمْ تَكُنْ حاضِرَةً عَتِيدَةً، بَلْ هي أقْوالٌ تَقْتَضِي بَعْضُها شَيْئًا فَشَيْئًا، فَسائِغٌ أنْ يُقالَ في الإشارَةِ إلَيْها: "تِلْكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْلُ أنَّ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى ما غابَ، و"هَذِهِ" إشارَةٌ إلى ما حَضَرَ، وقَدْ تَتَداخَلَ مَتى كانَ في الغَيْبَةِ حُصُولٌ وثِقَةٌ بِهِ تَقُومُ مَقامَ الحُضُورِ، ومَتى كانَ في الحُضُورِ بُعْدٌ ما يَقُومُ مَقامَ الغَيْبَةِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ لَمّا كانَ مُوسى لا يَرى رَبَّهُ تَعالى، فَهو وعَصاهُ في مَنزِلِ غَيْبٍ، فَساغَ ذَلِكَ.
ومِنَ النَقِيضِ قَوْلُ المُؤَلِّفِ لِكِتابٍ: هَذا كِتابٌ، وما جَرى هَذا المَجْرى فَتُتْبِعُهُ، ويُشْبِهُ في آياتِنا هَذِهِ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" بِمَنزِلَةِ: هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ، ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مُتَمَكِّنَةً مِن حَيْثُ الآياتُ كُلُّها وقْتَ هَذِهِ المُخاطَبَةِ لَمْ تَكُنْ عَتِيدَةً.
و"نَتْلُوا" مَعْناهُ: نَقُصُّ ونُتابِعُ القِصَصَ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ مِن حَيْثُ هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
و ﴿ عَلا في الأرْضِ ﴾ مِن عُلُوِّ الطُغْيانِ والتَغَلُّبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ ومَوْضِعَ مُلْكِهِ، ومَتى جاءَتِ الأرْضُ هَكَذا عامَّةً فَإنَّما يُرادُ بِها الأرْضُ الَّتِي تُشْبِهُ قِصَّةَ القَوْلِ المَسُوقِ؛ لِأنَّ الأنْباءَ الَّتِي تَعُمُ الأرْضَ كُلَّها قَلِيلَةٌ، والأكْثَرُ ما ذَكَرْناهُ، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِن فِرْعَوْنَ بِأنْ جَعَلَ القِبْطَ مُلُوكًا، وبُنِيَ إسْرائِيلَ مُسْتَخْدِمِينَ، وهم كانُوا الطائِفَةَ المُسْتَضْعَفَةَ، و"يُذَبِّحُ" مُضْعِفٌ لِلْمُبالَغَةِ والعِبارَةِ عن تَكْرارِ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الفِعْلُ مِن فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ قالَ لَهُ كَهَنَتُهُ وعُلَماؤُهُ: إنَّ غُلامًا لِبَنِي إسْرائِيلَ يُفْسِدُ مُلْكَكَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَأى في ذَلِكَ رُؤْيا فَأخَذَ بَنِي إسْرائِيلَ بِذْبَحِ الأطْفالِ سِنِينَ، فَرَأى أنَّهُ يَقْطَعُ نَسْلَهُمْ، فَعادَ يَذْبَحُ عامًا ويَسْتَحْيِي عامًا، فَوُلِدَ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الِاسْتِحْياءِ، ووُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في عامِ الذَبْحِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُذْبِحُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الباءِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الياءِ والباءِ وسُكُونِ الذالِ.
قالَ وهَبَ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ ذَبَحَ في هَذِهِ المُحاوَلَةِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ الأطْفالِ، وقالَ النَقاشُ: جَمِيعُ ما قَتَلَ سِتَّةَ عَشَرَ طِفْلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: طَمَعَ بِجَهْلِهِ أنْ يَرُدَّ القَدَرَ، وأيْنَ هَذا المَنزَعُ مِن «قَوْلِ النَبِيِّ لِعُمَرَ: إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ» يَعْنِي ابْنَ صَيّادٍ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهم الوارِثِينَ ﴾ ﴿ وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ ﴿ وَأوحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ .
المَعْنى: يُسْتَضْعَفُ فِرْعَوْنُ، ونَحْنُ نُرِيدُ أنْ نُنْعِمْ ونُعَظِّمُ المِنَّةَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ.
و"الأئِمَّةُ": وُلاةُ الأُمُورِ.
قالَ قَتادَةُ: ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ﴾ يُرِيدُ: أرْضَ مِصْرَ والشامَ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَلِنُمَكِّنَ" بِلامٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ وفَتْحِ الياءِ ونَصْبِ "فِرْعَوْنَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَيَرى" بِالياءِ وفَتْحِ الراءِ وسُكُونِ الياءِ عَلى الفِعْلِ الماضِي وإسْنادِ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ ومَن بَعْدَهُ، والمَعْنى: ويَقَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وجُنُودُهُ فِيما خافُوهُ وحَذَرَوُهُ مِن جِهَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وظُهُورِهِمْ.
وهامانُ هو وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأكْبَرُ رِجالِهِ، فَذُكِرَ لِمَحَلِّهِ مِنَ الكُفْرِ ولِنَباهَتِهِ في قَوْمِهِ، فَلَهُ في هَذا المَوْضِعِ صِغارٌ ولَعْنَةٌ لا شَرَفَ.
وهَذا "الوَحْيُ" إلى أُمْ مُوسى، قالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ قَوْلًا في مَنامِها، وقالَ قَتادَةُ: كانَ إلْهامًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ بِمَلِكٍ تَمَثَّلَ لَها، وأجْمَعَ الكُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وإنَّما إرْسالُ المَلِكِ لَها عَلى نَحْوِ تَكْلِيمٍ لِلْأبْرَصِ والأقْرَعِ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ لِلنّاسِ مِن غَيْرِ نُبُوَّةٍ.
وجُمْلَةُ أمْرِ أمِّ مُوسى أنَّها عَلِمَتْ أنَّ الَّذِي وقَعَ في نَفْسِها هو مِن عِنْدِ اللهِ ووَعْدٌ مِنهُ؛ يَقْتَضِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ﴾ ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: بِالوَعْدِ، وقالَ السَدِيُّ وغَيْرُهُ: أمَرَتْ أنْ تُرْضِعَهُ عَقِبَ الوِلادَةِ، وتَصْنَعَ بِهِ ما في الآيَةِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ كانَ عَقِبَ الوِلادَةِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أُمِرَتْ بِرِضاعَهِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في بُسْتانٍ، فَإذا خافَتْ أنْ يَصِيحَ لِأنَّ لَبَنَها لا يَكْفِيهِ، صَنَعَتْ بِهِ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ إلّا أنَّ الآخَرَ يُعَضِّدُهُ أمْرانِ: أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ و "إذا" ظَرْفٌ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَمانِ، والآخِرُ لِأنَّهُ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، والطِفْلُ إثْرُ وِلادَتِهِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، اللهم إلّا أنْ يَكُونَ هَذا مِنهُ بِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى حَرَّمَها عَلَيْهِ وجَعَلَهُ يَأْباها بِخِلافِ سائِرِ الأطْفالِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الواحِدِ: "أنِ أرَضِعِيهِ" بِكَسْرِ النُونِ اعْتِباطًا لا تَخْفِيفًا، والتَخْفِيفُ الفاشِي فَتْحُ النُونِ، قالَهُ ابْنُ جِنِّيِ، ونَسَبَ المَهْدَوِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، و"ألْيَمِّ": جُمْهُورُ الماءِ ومُعْظَمُهُ، والمُرادُ نِيلُ مِصْرَ.
ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أُمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -واسْمُها يُوحانَةُ - أخَذَتْهُ ولَفَتَّهُ في ثِيابِهِ، وجَعَلَتْ لَهُ تابُوتًا صَغِيرًا، وشَدَّتْهُ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وعَلَّقَتْ مِفْتاحَهُ عَلَيْهِ وأسْلَمَتْهُ ثِقَةً بِاللهِ وانْتِظارًا لِوَعْدِهِ، فَلِما غابَ عنها عاوَدَها خَوْفُها، وانْشَغَلَتْ عَلَيْهِ، وأقْنَطَها الشَيْطانُ، فاهْتَمَّتْ بِهِ وكادَتْ تَفْتَضِحُ، وجَعَلَتِ الأُخْتُ تَقُصُّهُ، أيْ: تَطْلُبُ أثَرَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أو نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عن جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ .
الِالتِقاطُ: اللِقاءُ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومَنهَلٍ ورَدْتُهُ التِقاطًا لَمْ ألْقَ إذْ ورَدْتُهُ فُرّاطًا و ﴿ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ : أهُلُهُ، ويُرْوَيَ أنَّ آسِيَةَ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ رَأتِ التابُوتَ يَعُومُ في اليَمِّ فَأمَرَتْ بِسَوْقِهِ وفَتْحِهِ، فَرَأتْ فِيهِ صَبِيًّا صَغِيرًا فَرَحَمَتْهُ وأحَبَّتْهُ، وقالَ السُدِّيُّ: إنْ جَوارِيَها كانَ لَهُنَّ فُرْضَةٌ في القَصْرِ عَلى النِيلِ، يَدْخُلُ الماءُ فِيها إلى القَصْرِ حَتّى يَنَلْنَهُ في المَرافِقِ والمَنافِعِ، فَبَيْنا هُنَّ يَغْسِلْنَ في تِلْكَ الفُرْضَةِ إذْ جاءَ التابُوتُ فَحَمَلْنَهُ إلى مَوْلاتِهِنَّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: رَآهُ فِرْعَوْنَ يَعُومُ فَأمَرَ بِسَوْقِهِ، وآسِيَةٌ جالِسَةٌ مَعَهُ، فَكانَ ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا ﴾ هي لامُ العاقِبَةِ، لا أنَّ القَصَدَ بِالِالتِقاطِ كانَ لِأنْ يَكُونَ عَدُوًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَحَزَنا" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَحُزْنًا" بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزايِ، و"الخاطِئُ": مُتَعَمِّدُ الخَطَأ، والمُخْطِئُ: الَّذِي لا يَتَعَمَّدُهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الوَقْتِ الَّذِي قالَتْ فِيهِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ ذَلِكَ عِنْدَ التِقاطِ التابُوتِ لَمّا أشْعَرَتْ فِرْعَوْنَ بِهِ؛ إذْ سَبَقَ إلى وهْمِهِ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ ذَلِكَ قُصِدَ بِهِ التَخَلُّصُ مِنَ الذَبْحِ، فَقالَ: عَلَيَّ بِالذَبّاحِينَ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ ما ذُكِرَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: أمّا لِي فَلا، قالَ النَبِيُّ : «لَوْ قالَ: نَعَمْ لَآمَنَ بِمُوسى ولَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ»، وقالَ السُدِّيُّ: بَلْ رَبَّتْهُ حَتّى دَرَجَ، فَرَأى فِرْعَوْنُ فِيهِ شَهامَةً، وظَنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْذَهُ في يَدِهِ، فَمَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ ونَتْفَ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، فَهَمَّ حِينَئِذٍ بِذَبْحِهِ، وحِينَئِذٍ خاطَبَتْهُ بِهَذا، واخْتَبَرَتْهُ لَهُ في الجَمْرَةِ والياقُوتَةِ فاحْتَرَقَ لِسانُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ بِأنَّهُ الَّذِي يَفْسَدُ المُلْكُ عَلى يَدَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لا تَقْتُلُوهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ"، قَدَّمَ وأخَّرَ.
وقَوْلُهُ: "وَأصْبَحَ" عِبارَةٌ عن دَوامِ الحالِ واسْتِقْرارِها، وهي كَظَلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ لِلْعَبّاسِ يَوْمَ الفَتْحِ: لَقَدْ أصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أخِيكَ اليَوْمَ عَظِيمًا، يُرِيدُ: اسْتَقَرَّ بِهِ حالُهُ عَظِيمًا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فارِغًا" مِنَ الفَراغِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فارِغًا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مَن ذِكُرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ مالِكٌ: هو ذِهابُ العَقْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَبْرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ووَحْيِهِ إلَيْها، أيْ: تَناسَتْهُ بالهَمِّ، وفَتَرَ أثَرُهُ في نَفْسِها، وقالَ لَها إبْلِيسُ: فَرَرْتِ بِهِ مِن قَتْلٍ لَكِ فِيهِ أجْرٌ، وقَتَلْتِهِ بِيَدِكِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ؛ إذْ لَمْ يَغْرَقْ، وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عَبِيدٍ -وَيُقالُ: ابْنُ عُبَيْدَةَ -، والحُسْنُ: "فَزَعًا" مِنَ الفَزَعِ -بِالفاءِ والزايِ-، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قَرْعًا" بِالقافِ والراءِ، مِنَ القارِعَةِ، وهي الهَمُّ العَظِيمُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "فَرَغا" بِالفاءِ المَكْسُورَةِ والراءِ الساكِنَةِ والغَيْنِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناها: ذاهِبًا هَدْرًا تالِفًا مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ طَلِيحَةَ الأسْدِيِّ: فَإنْ يَكْ قَتْلى قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم ∗∗∗ فَلَنْ يَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبالِ أيْ: هَدْرًا تالِفًا لا يَنْفَعُ.
وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: "فُرُغًا" بِضَمِّ الفاءِ والراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ أيْ أمْرُ ابْنِها، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: كادَتْ أمُّ مُوسى أنْ تَقُولَ: وا ابْناهُ، وتَخْرُجُ صائِحَةً عَلى وجْهِها».
"والرَبْطُ عَلى القَلْبِ" تَأْنِيسُهُ وتَقْوِيَتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلشُّجاعِ والصابِرِ في المَضايِقِ: رابِطُ الجَأْشِ، قالَ قَتادَةُ: ورَبَطَ عَلى قَلْبِها بِالإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وبِما أوحى إلَيْها بِهِ.
ثُمْ قالَتْ لِأُخْتِ مُوسى طَمَعًا مِنها وطَلَبًا لَهُ: "قُصِّيهِ"، والقَصُّ: طَلَبَ الأثَرِ، فَيُرْوى أنَّ أُخْتَهُ خَرَجَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ تَبْحَثُ مُتَخَفِّيَةً، فَرَأتْهُ عِنْدَ قَوْمٍ مِن حاشِيَةِ آلِ فِرْعَوْنَ يَطْلُبُونَ لَهُ امْرَأةً تُرْضِعُهُ حِينَ لَمْ يَقْبَلِ المَراضِعَ، و ﴿ عن جُنُبٍ ﴾ أيْ: ناحِيَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ ولا قُرْبٌ يُشْعِرُها بِهِ، ويُقالُ: "عن جَنابَةٍ" و "عن جَنابٍ"، ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ: لَقَدْ ذَكَّرَتْنِي عن جَنابِ حَمامَةٌ ∗∗∗ بِعُسْفانَ أهْلِي والفُؤادُ حَزِينُ ومِنَ الجَنابَةِ قَوْلُ الأعْشى: أتَيْتُ حُرَيْثًا زائِرًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ وكانَ حُرَيْثٌ عن عَطائِي جامِدًا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ: عن مَكانِ جُنُبِ، أو عن بُعْدٍ، ومَعْنى الآيَةِ: عن بُعْدٍ، لَمْ تَدْنِ مِنهُ فَيَشْعُرُ بِها، وأنْشُدُ أبُو عُبَيْدَةَ لِعَلْقَمَةَ: فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عن جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبُ وقَرَأ قَتادَةُ: "عن جَنْبٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وقَرَأ "عن جانِبٍ" النُعْمانُ بْنُ سالِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عن جُنُبٍ" بِضَمِّ الجِيمِ والنُونِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ لَطائِفِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ ولِأُمِّهِ حَسَبَ الوَعْدِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْها.
ويُقالُ: بَصَرْتُ الشَيْءَ وأبْصَرْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ مُتَقارِبٍ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: "عن جُنُبٍ" مَعْناهُ: عن شَوْقٍ، وهي لُغَةٌ لِجَذّامٍ، يَقُولُونَ: جَنَبْتُ إلى لِقائِكَ، أيِ اشْتَقْتُ إلَيْهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى "عن جُنُبٍ" أنَّها تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّهُ مِنَ الِامْتِناعِ مِن ثَدْيِ النِساءِ بِما يَشِذُّ بِهِ عن عُرْفِ الأطْفالِ، وهو تَحْرِيمُ تَبْغِيضٍ، و"المَراضِعُ" جَمْعُ مُرْضِعٍ، واسْتُعْمِلَ دُونَ هاءِ التَأْنِيثِ لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ بِالرِجالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ، و"قَبْلُ" مَبْنِيٌّ، والضَمِيرُ في "فَقالَتْ" لِأُخْتِ مُوسى، قالَ النَقاشُ: اسْمُها مَرْيَمُ، و"يَكْفُلُونَهُ" مَعْناهُ: يُحْسِنُونَ تَرْبِيَتَهُ وإرْضاعَهُ.
وعَلِمُ القَوْمُ أنَّ مُكَلِّمَتَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عُرْفَ بَنِي إسْرائِيلَ، أنْ يَكُونُوا مَراضِعَ وخَدَمَةً.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى الطِفْلِ، فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرِفْتِهِ فَأخْبِرِينا مَن هُوَ؟
فَقالَتْ: ما أرَدْتُ إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَأْوِيلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الطِفْلِ ولَكِنْ يَكُونُ النُصْحُ لَهُ بِسَبَبِ المُلْكِ وحِرْصًا عَلى التَزَلُّفِ إلَيْهِ والقُرْبِ مِنهُ، وفي الكَلامِ هُنا حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، وهو أنَّها حَمَلَتْهم إلى أُمْ مُوسى وكَلَّمُوها في ذَلِكَ، فَدَرَّتْ عَلَيْهِ وقَبِلَها، وحَظِيَتْ بِذَلِكَ، وأحْسَنَ إلَيْها وإلى أهْلِ بَيْتِها، وقَرَّتْ عَيْنُها، أيْ سُرَّتْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ تَعالى قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِفْلِ؟
قالَتْ لَهُ: "إنِّي طَيِّبَةُ الرائِحَةِ طَيِّبَةُ اللَبَنِ، ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حُرّى سُخْنَةٌ"، فَمِن هَذا المَعْنى قِيلَ: قَرَّتِ العَيْنُ وسَخُنَتْ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "نُقِرُّ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ القافِ.
و"وَعْدَ اللهِ" تَعالى المُشارُ إلَيْهِ هو الَّذِي أوحاهُ إلَيْها أوَّلًا، إمّا بِمَلَكٍ أو تَمَثُّلُهُ، وإمّا بِإلْهامٍ حَسَبَ اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ، والقَوْلُ بِالإلْهامِ يَضْعُفُ أنْ يُقالَ فِيهِ: "وَعْدَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ ﴾ يُرِيدُ القِبْطَ.
و"الأشُدُّ" جَمْعُ شِدَّةٍ، مِنَ السِنِينَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بُلُوغُ الحُلُمْ، وهي مُدَّةُ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقالَ السُدِّيُّ: عِشْرُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ الِاسْتِواءُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ مَكِّيُّ: وقِيلَ هو سِونَ سَنَةً، وهَذا ضَعِيفٌ.
والأشَدُّ: شِدَّةُ البَدَنِ واسْتِحْكامُ أسْرِهِ وقُوَّتِهِ "واسْتَوى" مَعْناهُ: تَكامَلَ عَقَلُهُ وحَزَمَهُ، وذَلِكَ -عِنْدَ الجُمْهُورِ- مَعَ الأرْبَعِينَ.
و"الحُكْمُ": الحِكْمَةُ، و"العِلْمُ": المَعْرِفَةُ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقَدِّمَةٌ لِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ ، فَقالَ السُدِّيُّ: كانَ مُوسى في وقْتِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى رَسْمِ التَعَلُّقِ بِفِرْعَوْنَ، وكانَ يَرْكَبُ مَواكِبَهُ حَتّى أنَّهُ كانَ يُدْعى مُوسى بْنَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: فَرَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلى مَدِينَةٍ مِن مَدائِنِ مِصْرَ يُقالُ لَها مَنفٌ، ثُمْ عَلِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِرُكُوبِ فِرْعَوْنَ فَرَكِبَ بَعْدَهُ ولِحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وهو حِينَ الغَفْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ أيْضًا: هو ما بَيْنَ العَشاءِ والعَتَمَةِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: بَلِ المَدِينَةُ مِصْرُ نَفْسُها، وكانَ مُوسى في هَذا الوَقْتِ قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَدَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فَكانَ مُخْتَفِيًا بِنَفْسِهِ مُخَوَّفًا مِنهُمْ، فَدَخَلَ مُتَنَكِّرًا حَذِرا مُغْتَفِلًا لِلنّاسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ نابَذَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ وغابَ عنها سِنِينَ فَنَسِيَ فَفَشا أمَرُهُ، وجاءَ والناسُ عَلى غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لِأمْرِهِ وبُعْدُ عَهْدِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمُ عِيدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقْتَتِلانِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُقْتَتِلِينَ.
و"شِيعَتُهُ": بَنُو إسْرائِيلَ، و"عَدُوُّهُ": القِبْطُ.
وذَكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أنَّها "فاسْتَعانَهُ" بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةَ.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ ﴿ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ ﴾ هو السامِرِيُّ، وأنَّ الآخَرَ طَبّاخُ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ﴾ ، "وَهَذا" حِكايَةُ حالٍ قَدْ كانَتْ حاضِرَةً، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ "هَذا" عن غائِبٍ ماضٍ.
"والوَكْزُ": الضَرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعُقَدٍ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَكَزَهُ"، والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ اللَكْزَ في اللِحى، و"الوَكْزُ" عَلى القَلْبِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَكَزَهُ"، والمَعْنى واحِدٌ.
و" قَضى عَلَيْهِ "، مَعْناهُ: قَتَلَهُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَ القِبْطِيِّ لَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ وكانَ عنها مَوْتُهُ، فَنَدِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ مِن نَزْغِ الشَيْطانِ في يَدِهِ، وأنَّ الغَضَبَ الَّذِي اقْتَرَنَتْ بِهِ تِلْكَ الوَكْزَةِ كانَ مِنَ الشَيْطانِ ومَن هَمْزِهِ، ونَصَّ هو عَلى ذَلِكَ، وبِهَذا الوَجْهِ جَعَلَهُ مِن عَمَلِهِ، وكانَ فَضْلُ قُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ بِما أفْرَطَ في وقْتِ غَضَبِهِ بِأكْثَرَ مِمّا يَقْصِدُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾ ثُمْ إنَّ نَدَمَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حَمَلَتْهُ عَلى الخُضُوعِ لِرَبِّهِ تَعالى، والِاسْتِغْفارِ عن ذَنْبِهِ، فَغَفَرَ لَهُ خَطَأهُ ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: عَرَفَ - واللهِ- المَخْرَجَ فاسْتَغْفِرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ السَلامُ يُعِيدُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ، حَتّى أنَّهُ في القِيامَةِ يَقُولُ: " «وَقَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ» حَسَبَ ما صَحَّ في حَدِيثِ الشَفاعَةِ.
ثُمْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ مُعاهِدًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: "رَبِّ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وبِسَبَبِ إحْسانِكَ وغُفْرانِكَ فَأنا مُلْتَزِمْ ألّا أكُونَ مُعِينًا لِلْمُجْرِمِينَ"، هَذا أحْسَنُ ما تُؤُوِّلَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّهُ قَسَّمٌ، أقْسَمَ بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى"، ويُضْعِفُهُ صُورَةُ جَوابِ القَسَمِ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلَنْ أكُونَ ﴾ ؛ لِأنَّ القَسَمَ لا يَتَلَقّى بِـ "لَنْ"، والفاءُ تَمْنَعُ أنْ تُنَزَّلَ "لَنْ" مَنزِلَةَ "لا" أو "ما" فَتَأمَّلَهُ، واحْتَجَّ الطَبَرِيُّ بِأنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "فَلا تَجْعَلُنِي ظَهِيرًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتَجَّ أهْلُ الفَضْلِ والعِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ في [مَنعِ] خِدْمَةِ أهْلِ الجَوْرِ ومَعُونَتِهِمْ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، ورَأوا أنَّها تَتَناوَلُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا ﴾ عِبارَةٌ عن كَوْنِهِ دائِمُ الخَوْفِ في كُلِّ أوقاتِهِ، كَما تَقُولُ: أصْبَحَ زَيْدٌ عالِمًا.
و"يَتَرَقَّبُ" مَعْناهُ: عَلَيْهِ رَقِيبٌ مِن فِعْلِهِ في القَتْلِ فَهو يَتَحَسَّسُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَمَرَّ وهو بِحالَةِ التَرَقُّبِ وإذا ذَلِكَ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي قاتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ يُقاتِلُ آخِرَ مَنِالقِبْطِ، وكانَ قَتْلُ القِبْطِيِّ قَدْ خُفِيَ عَنِ الناسِ واكْتُتِمْ، فَلَمّا رَأى الإسْرائِيلِيَّ اسْتَصْرَخَهُ الإسْرائِيلِيُّ، بِمَعْنى صاحَ بِهِ مُسْتَغِيثًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ الصُراخُ لَهُ قَرْعَ الظَنابِيبِ فَلَمّا رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قِتالَهُ لِذَلِكَ الآخَرِ، أعْظَمَ ذَلِكَ، وقالَ لَهُ مُعاتِبًا ومُؤَنِّبًا: ﴿ إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾ ، وكانَتْ إرادَةُ مُوسى -مَعَ ذَلِكَ- أنْ يَنْصُرَ الإسْرائِيلِيَّ، فَلِما دَنا مِنهُما وجَسَّ الإسْرائِيلِيُّ وفَزِعَ مِنهُ، وظَنَّ أنَّهُ رُبَّما ضَرَبَهُ، وفَزِعَ مِن قُوَّتِهِ الَّتِي رَأى بِالأمْسِ، وشَهِدَ أمْرَ القَتِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ ﴾ ﴿ وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِن الناصِحِينَ ﴾ ﴿ فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ .
قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَبْطِشُ" بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرِ: "يَبْطِشُ" بِضَمِّ التاءِ، وهُما لُغَتانِ، فَقالَ الإسْرائِيلِيُّ لِمُوسى مَعْنى الآيَةِ بِلِسانِهِ وفَرَّ مِنهُ فَشَهَرَ أمْرَ القَتِيلِ.
والجَبابِرَةُ شَأْنُهم قَتْلُ الناسِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ الإسْرائِيلِيُّ كَذَلِكَ ونَفى عنهُ الإصْلاحَ.
قالَ الشَعْبِيُّ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، قالَ الشَعْبِيُّ: ولَمّا اشْتُهِرَ أنَّ مُوسى قَتَلَ القَتِيلَ، وكانَ قَوْلُ الإسْرائِيلِيِّ يَغْلِبُ عَلى النُفُوسِ تَصْدِيقِهِ عَلى مُوسى مَعَ ما كانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُقَدِّماتِ أنَّهُ المُشارُ إلَيْهِ بِفَسادِ المَمْلَكَةِ، فَأنْفَذَ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ مَن يَطْلُبُهُ مَن جُنْدِهِ ويَأْتِي بِهِ لِلْقَتْلِ، فَخَرَجَ عَلى الطَرِيقِ الأعْظَمِ، وأخَذَ رَجُلٌ -يُقالُ: إنَّهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، ويُقالُ: إنَّهُ غَيْرُهُ- في بُنَيّاتِ الطَرِيقِ قَصْدًا إلى مَوْضِعِ مُوسى فَبَلَغَهُ وقالَ لَهُ: ﴿ إنَّ المَلأ ﴾ الآيَةُ.
وَ "يَسْعى" مَعْناهُ: يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، قالَهُ الزَجاجُ وغَيْرُهُ، وهو دُونُ الجَرْيِ، وقالَ ابْنُ الزَجاجِ: مَعْناهُ: يُعَجِّلُ ولَيْسَ بِالشَدِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في سَعْيِ الجُمْعَةِ، والأوَّلُ عِنْدِي أظْهَرُ في هَذِهِ الآيَةِ.
و"يَأْتَمِرُونَ" وزَنُهُ يَفْتَعِلُونَ، ويَفْتَعِلُونَ يَأْتِي كَثِيرًا بِمَعْنى يَتَفاعَلُونَ، ومِنهُ ازْدَوَجٌ بِمَعْنى تَزاوُجَ، وذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ: لَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ "يَتَآمَرُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ عنهُ أنْ يَفْتَعِلَ بِمَعْنى يَتَفاعَلُ، وفي القُرْآنِ: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، وقَدْ قالَ النَمِرُ بْنُ تَوْلَبِ: أرى الناسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ما تَأْتَمِرْ فِينا فَأمْـ ∗∗∗ ـرُكَ في يَمِينِكَ أو شِمالِكَ ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ جَثْمٍ: أحارِ ابْنُ كَعْبٍ كَأنِّي خَمِرْ ∗∗∗ ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرُ فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وخَرَجَ بِحُكْمِ فَزَعِهِ إلى الطَرِيقِ إلى مَدْيَنَ، وهي مَدِينَةُ قَوْمِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا يَعْرِفُ ذَلِكَ الطَرِيقَ، ولَمْ يَصْحَبْ أحَدًا، فَرَكِبَ مَجْهَلَتَها واثِقًا بِاللهِ تَعالى ومُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ.
قالَ السُدِّيُّ ومُقاتِلُ: فَرُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى بَعْثَ إلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ -وَقِيلَ: مَلَكًا غَيْرَهُ- فَسَدَّدَهُ إلى طَرِيقٍ وأعْطاهُ عَصا يُقالُ هي كانَتْ عَصاهُ، ورُوِيَ أنَّ عَصاهُ إنَّما أخَذَها لِرَعْيِهِ الغَنَمَ في مَدْيَنَ، وهو أصَحُّ وأكْثَرُ.
وبَيْنَ مَدِينَ ومِصْرَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ والناسُ، وكانَ مَلِكُ مَدِينَ لِغَيْرِ فِرْعَوْنَ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أوِ ابْنِ أبِي نُجَيْحٍ -شَكَّ الطَبَرِيُّ - أنَّهُ قالَ: إنِ الَّذِي أرادَ أنْ يَبْطِشَ هو الإسْرائِيلِيُّ، فَنَهاهُ مُوسى عن ذَلِكَ بَعْدَ أنْ قالَ لَهُ: ﴿ إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾ ، فَفَزِعَ الإسْرائِيلِيُّ عِنْدَ ذَلِكَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وخاطَبَهُ بِالفَصِيحِ، وكانَ مُوسى مِنَ النَدامَةِ والتَوْبَةِ في حِينِ لا يَتَصَوَّرُ مَعَهُ أنْ يُرِيدَ البَطْشَ بِهَذا الفِرْعَوْنِيِّ الآخَرِ.
ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ اسْمَ الرَجُلِ الساعِي مِن أقْصى المَدِينَةِ شَمْعُونَ، وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: سَمْعانَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والثَبْتُ في هَذا ونَحْوَهُ بَعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ الناسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنَ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ ﴿ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ولَمّا خَرَجَ عَلَيْهِ السَلامُ فارًّا بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا حافِيًا لا شَيْءَ مَعَهُ؛ رَأى حالَهُ وعَدَمَ مَعْرِفَتِهِ بِالطَرِيقِ، وخُلُوِّهِ مِنَ الزادِ وغَيْرِهِ فَأسْنَدَ أمْرَهُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وقالَ: ﴿ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ، وهَذِهِ الأقْوالُ مِنهُ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللهِ تَعالى، عالِمًا بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ الَّذِي آتاهُ اللهُ تَعالى.
و"تَوَجَّهَ": رَدَّ وجْهَهُ إلَيْها، و"تِلْقاءَ" مَعْناهُ: إلى ناحِيَةٍ، أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي يَلْقى فِيها الشَيْءَ المَذْكُورَ، و ﴿ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ مَعْناهُ: وسْطَهُ، وفي هَذا الوَقْتِ بَعَثَ اللهُ المَلَكَ المُسَدِّدَ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِـ " سَواءَ السَبِيلِ " طَرِيقَ مَدِينَ، وقالَ الحَسَنُ: أرادَ سَبِيلَ الهُدى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أبْرَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ : «هَذا الَّذِي يَهْدِي السَبِيلَ» الحَدِيثُ.
فَمَشى عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى ورَدَ مَدْيَنَ، أيْ: بَلَغَها، ووُرُودُهُ الماءَ مَعْناهُ: بُلُوغُهُ؛ لِأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ، ولَفْظَةُ الوُرُودِ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الدُخُولِ في الشَيْءِ، وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى الإطْلالِ عَلَيْهِ والبُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، فَوُرُودُ مُوسى هَذا الماءَ كانَ بِالوُصُولِ إلَيْهِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ في اللَفْظَةِ تُتَناوَلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ .
ومَدْيَنُ" لا يَنْصَرِفُ؛ إذْ هي بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
و"الأُمَّةُ": الجَمْعُ الكَثِيرُ، و"يَسْقُونَ" مَعْناهُ: ماشِيَتِهَمْ، و ﴿ مِن دُونِهِمُ ﴾ مَعْناهُ: ناحِيَةٌ إلى الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، فَوَصَلَ إلى الِامْرَأتَيْنِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الأُمَّةِ، وهَكَذا هُما مِن دُونِهِمْ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، و"تَذُودانِ" مَعْناهُ: تَمْنَعانِ وتَحْبِسانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «ألا لَيُذادَنَّ رِجالٌ عن حَوْضِي» الحَدِيثُ، وشاهِدُ الشِعْرِ في ذَلِكَ كَثِيرٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "امْرَأتَيْنِ حابِسَتَيْنِ تَذُودانِ"، واخْتُلِفَ في الذَوْدِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُقاةِ الأقْوِياءِ، وقالَ قَتادَةُ: تَذُودانِ الناسَ عن غَنَمِهِما، فَلَمّا رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ المَرْأتَيْنِ قالَ: ﴿ ما خَطْبُكُما ﴾ ؟
أيْ: ما أمْرُكُما وشَأْنُكُما؟
وكَأنَّ اسْتِعْمالَ السُؤالِ بِالخَطْبِ إنَّما هو في مُصابٍ أو مُضْطَهَدٍ أو مَن يُشْفَقُ عَلَيْهِ أو يَأْتِي بِمُنْكَرٍ مِنَ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ بِالجُمْلَةِ في شَرٍّ، فَأخْبَرَتاهُ بِخَبَرِهِما، وأنَّ أباهُما شَيْخٌ كَبِيرٌ، فالمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ لِضَعْفِهِ أنْ يُباشِرَ أمْرَ غَنَمِهِما، وأنَّهُما لِضَعْفِهِما وقِلَّةِ طاقَتِهِما لا تَقْدِرانِ عَلى مُزاحَمَةِ الأقْوِياءِ، وأنَّ عادَتَهُما التَأنِّي حَتّى يُصْدِرَ الرِعاءُ أيِ الناسُ- عَنِ الماءِ ويَخْلُو، وحِينَئِذٍ تَرِدانِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ الآبارُ مَكْشُوفَةً، وكانَ زَحْمُ الناسِ يَمْنَعُهُما، فَلَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَسْقِيَ لَهُما؛ زَحَمَ الناسَ وغَلَبَهم عَلى الماءِ حَتّى سَقى، فَعن هَذا الغَلَبِ الَّذِي كانَ مِنهُ، وصَفَتْهُ إحْداهُما بِالقُوَّةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ آبارُهم عَلى أفْواهِها حِجارَةٌ كِبارٌ، وكانَ وُرُودُ المَرْأتَيْنِ يَتْبَعُ ما في صَهارِيجِ الشُرْبِ مِنَ الفَضَلاتِ الَّتِي تَبْقى لِلسُّقاةِ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَمَدَ إلى بِئْرٍ كانَتْ مُغَطّاةً والناسُ يَسْقُونَ مِن غَيْرِها، وكانَ حَجَرُها لا يَرْفَعُهُ إلّا سَبْعَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَشَرَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ثَلاثُونَ، وقالَ الزَجّاجُ: أرْبَعُونَ، فَرَفَعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وسَقى لِلْمَرْأتَيْنِ، فَعن رَفْعِ الصَخْرَةِ، وصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ.
وقِيلَ: إنَّ بِئْرَهم كانَتْ واحِدَةً، وأنَّهُ رَفَعَ عنها الحَجَرَ بَعْدَ انْفِصالِ السُقاةِ؛ إذْ كانَتْ عادَةُ المَرْأتَيْنِ شُرْبَ الفَضَلاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَسْقِي" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "نَسْقِي" بِضَمِّها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى يَصْدُرَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدالِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرَ، وقَتادَةُ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُصْدِرَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ، تَقْدِيرُهُ: مَواشِيَهُمْ، وحَذْفُ المَفْعُولِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى.
و"الرِعاءُ" جَمْعُ راعٍ.
وتَوَلّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى ظِلِّ سَمُرَةٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وتَعَرَّضَ لِسُؤالِ ما يَطْعَمُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِسُؤالٍ، هَكَذا رَوى سائِرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ طَلَبَ في هَذا الكَلامِ ما يَأْكُلُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وكانَ قَدْ بَلَغَ بِهِ الجُوعُ، واخْضَرَّ لَوْنُهُ مِن أكْلِ البَقْلِ، وضَعُفَ حَتّى لَصَقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ ورُؤِيَتْ خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ، وإنَّهُ لَأكْرَمُ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلى مَدْيَنَ حَتّى سَقَطَ باطِنُ قَدَمِهِ، وفي هَذا مُعْتَبَرٌ وحاكِمْ بِهَوانِ الدُنْيا عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ﴾ ﴿ قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ .
فِي هَذا المَوْضِعِ اخْتِصارٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، قَدَّرَهُ ابْنُ إسْحاقَ: فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِن أمْرِ الرَجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ -وَقِيلَ الصُغْرى- أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَجاءَتْ عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ إحْداهُما (لَيّا) والأُخْرى (شَرْفا)، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ زَوْجَةِ نَبِيِّ اللهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ (صَفُّورَةُ)، وقِيلَ: اسْمُها (صُورِيّا)، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: زَوَّجَهُ الكُبْرى، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ زَوَّجَهُ الصُغْرى، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ ومَكِّيٌّ مِن طَرِيقِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ النَقّاشُ: كانَتا تَوْأمَيْنِ ووُلِدَتِ الأولى قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ.
وَقَوْلُهُ: "تَمْشِي" حالٌ مِن "إحْداهُما"، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى اسْتِحْياءٍ ﴾ أيْ خَفِرَةً قَدْ سَتَرَتْ وجْهَها بِكم دِرْعِها، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَمْ تَكُنْ سَلْفَعًا مِنَ النِساءِ خَرّاجَةً ولاجَّةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في الرَجُلِ الداعِي لِمُوسى، مَن هُوَ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ: هو شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وهُما ابْنَتاهُ، وقالَ الحَسَنُ: هو ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ واسْمُهُ ثَرْوانُ، وقالَ ابْنُ أبِي عُبَيْدَةَ: يَثْرُونُ، وقِيلَ:هُوَ رَجُلٌ صالِحٌ لَيْسَ مِن شُعَيْبٍ بِنَسَبٍ، وقِيلَ: إنَّ المَرْأتَيْنِ إنَّما كانَ مُرْسِلُهُما عَمَّهُما، وهو كانَ صاحِبُ الغَنَمِ، وهو المُزَوِّجُ، ولَكِنْ عُبِّرَ عَنِ العَمِّ بِالأبِ في جَمِيعِ الأمْرِ إذْ هو بِمَثابَتِهِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَتْهُ بِالرِسالَةِ أجابَ، فَقامَ يَتْبَعُها إلى أبِيها، فَهَبَّتْ رِيحٌ ضَمَّتْ قَمِيصَها إلى بَدَنِها فَوَصَفَتْ عَجِيزَتَها، فَتَحَرَّجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ النَظَرِ إلَيْها، فَقالَ لَها: ارْجِعِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَرِيقَ، فَفَهِمَتْ عنهُ ذَلِكَ فَوَصَفَتْهُ بِالأمانَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
فَوَصْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى داعِيهِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ أمْرَهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَآنَسُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ، وكانَتْ مَدَيَنُ خارِجَةً عن مَمْلَكَةِ فِرْعَوْنَ، فَلَمّا فَرَغَ كَلامُهُما قالَتِ الِابْنَةُ الَّتِي ذَهَبَتْ عنهُ: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ الآيَةُ، فَلَمّا وصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ قالَ لَها أبُوها: ومَن أيْنَ عَرَفْتِ هَذا مِنهُ؟
فَقالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَفي رَفْعِ الصَخْرَةِ، وأمّا أمانَتُهُ فَفي تَحَرُّجِهِ مِنَ النَظَرِ إلَيَّ وقْتَ هُبُوبِ الرِيحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.
قالَ لَهُ الأبُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَزَوَّجَهُ الَّتِي دَعَتْهُ.
و"تَأْجُرُ" مَعْناهُ: تُثِيبُ، وقالَ مَكِّيٌّ: في هَذِهِ الآيَةِ خَصائِصُ في النِكاحِ، مِنها أنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ الزَوْجَةَ، ولا حَدَّ أوَّلَ الأمَدِ، وجَعْلَ المَهْرَ إجارَةً، ودَخَلَ ولَمْ يَنْقُدْ شَيْئًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا التَعْيِينُ فَيُشْبِهُ أنَّهُ كانَ في ثانِي حالِ المُراوَضَةِ، وإنَّما عَرَضَ الأمْرَ مُجْمَلًا، وعَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وأمّا ذِكْرُ أوَّلِ المُدَّةِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي إسْقاطَهُ، بَلْ هو مَسْكُوتٌ عنهُ؛ فَإمّا رَسَماهُ وإلّا فَهو مِن وقْتِ العَقْدِ، وأمّا النِكاحُ بِالإجارَةِ فَظاهِرٌ مِنَ الآيَةِ، وهَذا أمُرٌّ قَدْ قَرَّرَهُ شَرْعُنا، وجَرى بِهِ في حَدِيثِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلّا شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ، وبَعْضُهم إلى أنَّهُ مَنسُوخٌ، ولِمْ يُجَوِّزْ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ النِكاحَ بِالإجارَةِ، وجَوَّزَها ابْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، إذا كانَتِ الأُجْرَةُ تَصِلُ إلى الزَوْجَةِ.
قِيلَ: ومِن لَفْظِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حَسُنَ في لَفْظِ العُقُودِ في النِكاحِ: "أنْكِحُهُ إيّاها" أكْثَرُ مِن "أنْكِحُها إيّاهُ" وهَذا مُعْتَرَضٌ.
وجَعَلَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ الثَمانِيَةَ الأعْوامِ شَرَطًا ووَكَلَ العامَيْنِ إلى المُرُوءَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ ﴾ ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُورِ نارًا قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو جَذْوَةٍ مِن النارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِن الشَجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرَهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ ﴾ .
لَمّا فَرَغَ كَلامُ شُعَيْبٍ كَرَّرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَرَّرَهُ مَعْناهُ عَلى جِهَةِ التَوَثُّقِ في أنَّ الشَرْطَ إنَّما وقَعَ في ثَمانِ حِجَجٍ.
و"أيَّما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بِـ "قَضَيْتُ"، و"ما" صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا عُدْوانَ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَلا عِدْوانَ" بِكَسْرِ العَيْنِ، والمَعْنى: لا تَبِعَةَ عَلَيَّ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ.
و"الوَكِيلُ": الشاهِدُ القائِمْ بِالأمْرِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ولَمّا كَمُلَ هَذا النِكاحُ بَيْنَهُما أمَرَ شُعَيْبٌ مُوسى عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسِيرَ إلى بَيْتٍ لَهُ فِيهِ عِصِيٌّ، وفِيهِ هَذِهِ العَصا، فَرُوِيَ أنَّ العَصا وثَبَتْ إلى مُوسى فَأخَذَها، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ مِن غَيْرِ ورَقَةِ الرَيْحانِ، فَرُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا أمَرَهُ بِرَدِّها فَفَعَلَ وذَهَبَ يَأْخُذُ غَيْرَها فَوَثَبَتْ إلَيْهِ، وفَعَلَ ذَلِكَ ثالِثَةً، فَلَمّا رَأى شُعَيْبٌ ذَلِكَ عَلِمْ أنَّهُ مُرَشَّحٌ لِلنُّبُوَّةِ فَتَرَكَها لَهُ، وقِيلَ: إنَّما تَرَكَها لَهُ لِأنَّهُ أمَرَ مُوسى بِتَرْكِها فَأبى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: نَمُدُّ إلَيْها جَمِيعًا فَمَن طاوَعَتْ فَهي لَهُ، فَمَدَّ إلَيْها شُعَيْبٌ فَثَقُلَتْ، ومَدَّ مُوسى فَخَفَّتْ ووَثَبَتْ إلَيْهِ، فَعَلِما أنَّ هَذا مِنَ التَرْشِيحِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ عَصا مُوسى إنَّما رَفَعَها إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ لَيْلًا عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى مَدْيَنَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ ﴾ ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَألَنِي رَجُلٌ مِنَ النَصارى: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟
فَقُلْتُ: لا أدْرِي حَتّى أقْدَمَ عَلى خَيْرِ العَرَبِ، أعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: قَضى أكْمَلَهُما وأوفاهُما، إنَّ رَسُولَ اللهِ إذا قالَ وفّى، فَعُدْتُ فَأعْلَمْتُ النَصْرانِيَّ، فَقالَ: صَدَقَ واللهِ هَذا العالِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَبِيَّ سَألَ في ذَلِكَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَضى عَشْرَ سِنِينَ»، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَضى عَشْرًا وعَشْرًا بَعْدَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وفِي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِما قَضى الأجَلَ أرادَ أنْ يَسِيرَ بِأهْلِهِ إلى مِصْرَ وقَوْمِهِ، وقَدْ كانَ لا مَحالَةَ أحَسَّ بِالتَرْشِيحِ لِلنُّبُوَّةِ، وكانَ رَجُلًا غَيُورًا لا يَصْحَبُ الرِفاقَ، فَكانَ في بَعْضِ طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، قالَ النَقّاشُ: كانَتْ لَيْلَةَ جُمْعَةٍ، فَفَقَدُوا النارَ، وأصْلَدَ الزِنادُ، وضَلُّوا الطَرِيقَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الخَصَرُ، فَبَيْنا هو كَذَلِكَ إذْ رَأى نارًا، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ تَعالى قَدِ التَبَسَ بِشَجَرَةٍ، قالَ وهْبٌ: كانَتْ عُلِّيقًا، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ عَوْسَجًا، وقِيلَ: زُعْرُورًا، وقِيلَ: سَمُرَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
و"آنَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ، والإحْساسُ ها هُنا بِالبَصَرِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ ، ومِنها قَوْلُ حَسّانَ: انْظُرْ خَلِيلِي بِبابِ جِلَّقَ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مَن أحَدِ وكانَ هَذا الأمْرُ كُلُّهُ في جانِبِ الطُورِ، وهو جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالشامِ، والطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ، وخَصَّصَهُ قَوْمٌ بِأنَّهُ الَّذِي لا يُنْبِتُ، فَلَمّا رَأى مُوسى النارَ سُرَّ، فَقالَ لِأهْلِهِ: أقِيمُوا فَقَدْ رَأيْتُ نارًا ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ عَنِ الطَرِيقِ، أيْنَ هُوَ؟
﴿ أو جَذْوَةٍ ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ النارِ في قِطْعَةِ عُودٍ كَبِيرَةٍ لا لَهَبَ لَها، إنَّما هي جَمْرَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها ∗∗∗ جَزْلَ الجِذا غَيْرَ خَوّارٍ ولا دَعِرٍ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأحْسَبُ أنَّ أصْلَ الجَذْوَةَ أُصُولُ الشَجَرِ، وأهْلُ البَوادِي يُوقِدُونَها أبَدًا، فَهي الجَذْوَةُ في الحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ السُلَمِيِّ يَصِفُ الصَلى: حَمّا حُبُّ هَذا النارِ حُبَّ خَلِيلِي ∗∗∗ وحُبَّ الغَوانِي فَهي دُونَ الحَبائِبُ وبُدِّلْتُ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةً ∗∗∗ دُخانَ الجِذا في رَأْسَ أشْمَطَ شاحِبِ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "جِذْوَةٍ" بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ: "جُذْوَةٍ" بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمْ: "جَذْوَةٍ" بِفَتْحِها، وهي لُغاتٌ، والصَلى: حَرُّ النارِ، و"تَصْطَلُونَ" تَفْتَعِلُونَ، أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً.
فَلَمّا أتى مُوسى ذَلِكَ الضَوْءَ الَّذِي رَآهُ وهو في تِلْكَ اللَيْلَةِ ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، نُبِّئَ ، فَرُوِيَ «أنَّهُ كانَ يَمْشِي إلى ذَلِكَ النُورِ فَكانَ يَبْعُدُ مِنهُ، تَمْشِي بِهِ الشَجَرَةُ وهي غُضَّةٌ خَضْراءُ حَتّى نُودِيَ».
والشاطِئُ والشَطُّ: ضَفَّةُ الوادِي، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اليُمْنِ صِفَةً لِلْوادِي أو لِلشّاطِئِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادِلًا لِلْيَسارِ، فَذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ الشاطِئُ إلّا بِالإضافَةِ إلى مُوسى في اسْتِقْبالِهِ مَهْبِطَ الوادِي، أو بِعَكْسِ ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قِيلَ.
وبَرَكَةُ البُقْعَةْ هي ما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى وأنْوارِهِ وتَكْلِيمِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والناسُ عَلى ضَمِّ الباءِ مِن "بُقْعَةٍ"، وقَرَأ بِفَتْحِها الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ: "هَذِهِ بَقْعَةٌ طَيِّبَةٌ" بِفَتْحِ الباءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الشَجَرَةِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ سَمِعَ ما سَمِعَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وسَمِعَ وأدْرَكَ غَيْرَ مُكَيَّفٍ ولا مُحَدَّدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يا مُوسى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنِّي أنا اللهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "إنِّي".
ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِإلْقاءِ العَصا فَألْقاها فانْقَلَبَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً، ولَها اضْطِرابُ الجانِّ، وهو صَغِيرُ الحَيّاتِ، فَجَمَعَتْ هَوْلَ الثُعْبانِ ونَشاطَ الجانِّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ الجانُّ يَعُمُ الصَغِيرَ والكَبِيرَ، وإنَّما شَبَّهَ بِالجانِّ جُمْلَةَ العَصا لِاضْطِرابِها فَقَطْ، ووَلّى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُدْبِرًا فَزِعًا مِنها.
﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ مَعْناهُ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن تَوَلِّيهِ، فَقالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ: ﴿ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ ، وهَذا مِن تَأْمِينِ اللهِ تَعالى إيّاهُ، ثُمْ أمَرَهُ بِأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ، وهو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ يَخْرُجُ رَأْسُ الإنْسانِ، ورُوِيَ أنَّ كُمُ الجُبَّةِ كانَ في غايَةِ الضِيقِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَيْبٌ تُدْخِلُ يَدَهُ إلّا في جَيْبِهِ.
و"اسْلُكْ" مَعْناهُ: أدْخِلْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ ∗∗∗ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ مَرَضٍ ولا مِثْلِهِ، ورُوِيَ أنْ يَدَهُ كانَتْ تُضِيءُ كَأنَّها قِطْعَةُ شَمْسٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَهْبِ ﴾ ، ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ والِاسْتِعارَةِ، وأنَّهُ أمَرَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ وأنَّهُ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "اشْدُدْ حَيازِيمَكَ، وارْبُطْ جَأْشَكَ"، أيْ: شَمِّرْ في أمْرِكَ، ودَعِ الرَهْبَ، وذَلِكَ لَمّا كَثُرَ تَخَوُّفُهُ وفَزَعُهُ في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ بُرْهانانِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هي إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والناسُ: "الرَهَبِ" بِفَتْحِ الراءِ والهاءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وقَتادَةُ: "الرَهْبِ" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ أيْضًا: "الرُهُبِ" بِضَمِّ الراءِ والهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "فَذانِّكَ" بِشَدِّ النُونِ، وَقَرَأ الباقُونَ: "فَذانِكَ" بِالتَخْفِيفِ بِالنُونِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَذانِيكَ" بِياءٍ بَعْدَ النُونِ المُخَفَّفَةِ، أبْدَلَ إحْدى النُونَيْنِ ياءً كَراهَةَ التَضْعِيفِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَذانِّيكَ" بِالياءِ أيْضًا مَعَ شَدِّ النُونِ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ لُغَتَهم تُخْفِي النُونَ، و"بُرْهانانِ": حُجَّتانِ ومُعْجِزَتانِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ ﴾ ﴿ وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ ﴿ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهٍ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ مِن الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ﴾ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدِ امْتُحِنَ بِمَخاوِفَ فَطَلَبَ شَدَّ العَضُدِ بِأخِيهِ هارُونُ ؛ لِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِسانِ سَمِحَ الخُلُقِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رِدْءًا" بِالهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "رِدًّا" بِتَنْوِينِ الدالِّ دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرَ، وذَلِكَ عَلى التَخْفِيفِ مِن "رِدْءٍ"، والرِدْءِ: الوَزِيرُ المُعِينُ والَّذِي يُسْنِدُ إلَيْهِ في الأمْرِ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّها مِن مَعْنى الزِيادَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبِ قَدْ أرْدى ذِراعًا عَلى العَشْرِ وَهَذا عَلى تَرْكِ الهَمْزِ، وأنْ يَكُونَ وزْنُهُ فِعْلًا.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُصَدِّقْنِي" بِالجَزْمِ، وذَلِكَ عَلى جَوابِ "أرْسِلْهُ"، وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: "يُصَدِّقُنِي"، أيْ: مُصَدِّقًا، فَهو صِفَةٌ لِلرِّدْءِ، أو حالٌ.
و"شَدُّ العَضُدِ" اسْتِعارَةٌ في المَعُونَةِ والإنْهاضِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ العَيْنِ مِن "عُضُدَكَ"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِفَتْحِ العَيْنِ والضادِ.
و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ.
وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما ﴾ ، أو بِـ "يَصِلُونَ" وتَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "الغالِبُونَ"، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا، و"الآياتُ" ها هُنا مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.
ولَمّا كَذَّبُوهُ ورَمَوْهُ بِالسِحْرِ قارَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في احْتِجاجِهِ، وراعَهُ تَكْذِيبُهُمْ، فَرَدَّ الأمْرَ إلى اللهِ، وعَوَّلَ عَلى ما يُظْهِرُهُ اللهُ تَعالى في شَأْنِهِمْ، وتَوَعَّدَهم بِنِقْمَةِ اللهِ تَعالى مِنهم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قالَ مُوسى" بِغَيْرِ واوٍ، وقَرَأ غَيْرُهُ وجَمِيعُ السَبْعَةِ: "وَقالَ مُوسى" بِواوٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَكُونُ لَهُ" بِالتاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَكُونُ" بِالياءِ عَلى التَذْكِيرِ؛ إذْ هي بِمَنزِلَةِ العاقِبِ.
واسْتَمَرَّ فِرْعَوْنُ عَلى طَرِيقِ مَخْرَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ، وأمَرَ هامانَ بِأنْ يَطْبُخَ لَهُ الآجُرَّ، وأنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا، أيْ سَطْحًا في أعْلى الهَواءِ، ولَيْسَ الصَرْحُ إلّا ما لَهُ سَطْحٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيقادُ عَلى الطِينِ كالبَرانِيِّ، وتَرَجّى بِزَعْمِهِ أنْ يَطَّلِعَ في السَماءِ، فَرُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ بَناهُ أعْلى ما يُمْكِنُ، ثُمْ صَعِدَ فِيهِ، ورَمى بِالنَبْلِ فَرَدَّها اللهُ تَعالى إلَيْهِ مَخْضُوبَةً بِالدَمِ لِيَزِيدَهم عَمًى وفِتْنَةً، فَقالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ: إنِّي قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى.
ثُمْ قالَ: ﴿ وَإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ يُرِيدُ في أنَّ مُوسى أرْسَلَهُ راسَلَهُ، فالظَنُّ عَلى بابِهِ، وهو مَعْنى إيجابِ الكُفْرِ بِمَنزِلَةِ المُصَمِّمْ عَلى التَكْذِيبِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ: "لا يَرْجِعُونَ"، وقَرَأ الباقُونَ والحَسَنُ: "لا يُرْجَعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ "نَبَذْناهُمْ" مَعْناهُ: طَرَحْناهُمْ، ومِنهُ نَبْذُ النَواةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَظَرْتُ إلى عُنْوانِهِ فَنَبَذْتُهُ كَنَبْذِكَ نَعْلًا مِن نِعالِكَ بالِيًا وقَوْمُ فِرْعَوْنَ وإنْ كانُوا سارُوا إلى البَحْرِ ودَخَلُوهُ بِاخْتِيارِهِمْ فَإنَّ ما ضَمَّهم مِنَ القَدَرِ السابِقِ [وَإغْراقَهم في البَحْرِ] هو نَبْذُ اللهِ تَعالى إيّاهم فِيهِ.
و"اليَمُّ" هو بَحْرُ القُلْزُمْ في قَوْلِ أكْثَرِ الناسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ غَرَقُهم في نِيلِ مِصْرَ.
والأوَّلُ أشْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النارِ ﴾ وهم أئِمَّةٌ مِن حَيْثُ اشْتَهَرُوا وبَقُوا قُدْوَةً لِكُلِّ كافِرٍ وعاتٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
و"المَقْبُوحِينَ": الَّذِينَ يَقْبُحُ كُلُّ أمْرِهِمْ، قَوْلًا لَهم وفِعْلًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ الَّذِينَ قُبِّحُوا بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ.
و"يَوْمَ" ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى ﴾ إخْبارٌ عن أنَّهُ أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بَعْدَ إهْلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وبَعْدَ هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِن عادٍ وثَمُودَ وقَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِها، والقَصْدُ بِهَذا الإخْبارِ التَمْثِيلُ لِقُرَيْشٍ بِما تَقَدَّمَ في غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُتَضَمَّنَةٌ أنَّ إنْزالَ التَوْراةِ عَلى مُوسى هو بَعْدَ أنْ رَفَعَ اللهُ تَعالى عَذابَ الأُمَمِ، فَلَمْ يُعَذِّبْ أُمَّةً بَعْدَ نُزُولِ التَوْراةِ، إلّا القَرْيَةَ الَّتِي مُسِخَتْ قِرَدَةً فِيما رُوِيَ.
وقَوْلُهُ: "بَصائِرَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: طَرائِقَ هادِيَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: عَلى تَرَجٍّ، وما تُعْطِيهِ تَأْمِيلَ مِن تَأْمِيلٍ، ورُوِيَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما أهْلَكَ اللهُ تَعالى أُمَّةً بِعَذابٍ بَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَوْراةَ إلى الأرْضِ غَيْرَ القَرْيَةِ الَّتِي مُسِخَتْ قِرَدَةً، أيِ: الَّذِينَ تَعَدَّوْا في السَبْتِ، وهَذا التَعْذِيبُ مِن سَبَبِ شَرْعِ مُوسى، فَكَأنَّهُ لا يُنْقِصُ فَضِيلَةَ التَوْراةِ بِرَفْعِ العَذابِ عَنِ الأرْضِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ المَعْنى: لَمْ تَحْضُرْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ الغُيُوبَ الَّتِي نُخْبِرُ بِها، ولَكِنَّها صارَتْ إلَيْكَ بِوَحْيِنا، أيْ: فَكانَ الواجِبُ أنْ يُسارِعَ إلى الإيمانِ بِكَ، ولَكِنْ تَطاوُلَ الأمْرُ عَلى القُرُونِ الَّتِي أنْشَأْناها زَمَنًا زَمَنًا، فَعَزَبَتْ حُلُومُهُمْ، واسْتَحْكَمَتْ جَهالَتُهم وضَلالَتُهم.
و"قَضَيْنا" مَعْناهُ: أنْفَذْنا وصَرَفْنا، و"الأمْرَ" يَعْنِي التَوْراةَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعْنِي بِهِ ما أعْلَمَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَلْتَئِمْ مَعَهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا ﴾ .
و"الثاوِي": المُقِيمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُورِ ﴾ يُرِيدُ: وقْتَ إنْزالِ التَوْراةِ إلى مُوسى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نادَيْنا ﴾ ، رُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّهُ نُودِيَ يَوْمَئِذٍ مِنَ السَماءِ: "يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، اسْتَجَبْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي، وغَفَرْتُ لَكم قَبْلَ أنْ تَسْألُونِي، فَحِينَئِذٍ يَسْألُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَكُونَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ،» فالمَعْنى: إذْ نادَيْنا بِأمْرِكَ، وأخْبَرْناكَ بِنُبُوَّتِكَ.
وقَوْلُهُ: "رَحْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ: "وَلَكِنْ" جَعَلْناكَ وأنْفَذْنا أمْرَكَ قَدِيمًا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ، أيْ: ويَكُونُ المَعْنى: ولَكِنْ أعْلَمْناكَ رَحْمَةً مِنّا لَكَ وإفْضالًا، وقَرَأ الناسُ: "رَحْمَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عِيسى: "رَحْمَةٌ" بِالرَفْعِ.
ويُرِيدُ بِالقَوْمِ "الَّذِينَ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ" مُعاصِرِيهِ مِنَ العَرَبِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إذْ نادَيْنا ﴾ بِأنْ ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَسُولَ النَبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا ﴾ الآيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إنَّ اللهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ "المُصِيبَةُ": عَذابٌ في الدُنْيا عَلى كُفْرِهِمْ.
وجَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَما أرْسَلْنا الرُسُلَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ ﴾ يُرِيدُ: القُرْآنَ ومُحَمَّدًا ، والمَقالَةُ الَّتِي قالَتْها قُرَيْشٌ: ﴿ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ﴾ كانَتْ مِن تَعْلِيمِ اليَهُودِ لَهُمْ، قالُوا لَهُمْ، لِمْ لا يَأْتِي بِآيَةٍ باهِرَةٍ كالعَصا واليَدِ ونَتْقِ الجَبَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَعَكَسَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، ووَقَفَهم عَلى أنَّهم قَدْ وقَعَ مِنهم في تِلْكَ الآياتِ ما وقَعَ مِن هَؤُلاءِ في هَذِهِ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَكْفُرُوا ﴾ لِلْيَهُودِ.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "ساحِرانِ"، والمُرادُ بِهِما مُوسى وهارُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ الحَسَنُ: مُوسى وعِيسى وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُوسى ومُحَمَّدٌ ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: عِيسى ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سِحْرانِ"، والمُرادُ بِهِما التَوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَ عِكْرِمَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَوْراةُ والفُرْقانُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "سِحْرانِ اظّاهَرا"، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ والضَحّاكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ ﴿ ما أُوتِيَ مُوسى ﴾ أمْرَ مُحَمَّدٍ -عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ- الَّذِي في التَوْراةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: وما يَطْلُبُونَ بِأنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أُوتِيَ مُوسى وهم قَدْ كَفَرُوا -فِي التَكْذِيبِ بِكَ- بِما أُوتِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الإخْبارِ بِكَ، وقُالُوا: إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ﴾ يُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ.
و"تَظاهَرا" مَعْناهُ: تَعاوَنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ حُجَّةٌ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَصْدَعَ بِها، أيْ: أنْتُمْ أيُّها المُكَذِّبُونَ بِهَذِهِ الكُتُبِ الَّتِي قَدْ تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِالعِباداتِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، ونَهَتْ عَنِ الكَفْرِ والنَقائِصِ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى عَلَيْها الثَوابَ الجَزِيلَ، إنْ كانَ تَكْذِيبَكم لِمَعْنًى فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَهْدِي أكْثَرَ مِن هَدْيِ هَذِهِ أتَّبِعْهُ مَعَكم.
ثُمْ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾ -وَهُوَ قَدْ عَلِمْ أنَّهم لا يَسْتَجِيبُونَ- عَلى مَعْنى الإيضاحِ لِفَسادِ حالِهِمْ، وسِياقُ القِياسِ: "لِأنَّهم مُتَّبِعُونَ لِأهْوائِهِمْ".
ثُمْ عَجِبَ تَعالى مِنَ اتِّباعِ الهَوى بِغَيْرِ هِدايَةٍ ولِغَيْرِ مَقْصِدٍ بَيِّنٍ، وقَرَّرَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ البَيانِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَغْوَ أعْرَضُوا عنهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ الَّذِينَ وصَلَ إلَيْهِمُ القَوْلَ قُرَيْشٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو رَفاعَةَ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ في عَشَرَةٍ أنا أحَدُهُمْ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.
وقالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ واصَلْنا لَهم في القُرْآنِ وتابَعْناهُ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ في المَواعِظِ والزَجْرِ والدُعاءِ إلى الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: وفي ذِكْرِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وُصِلَتْ لَهم قِصَّةٌ بِقِصَّةٍ، حَسَبَ مُرُورَ الأيّامِ.
وذَهَبَ مُجاهِدٌ أنَّ مَعْنى "وَصَّلْنا": فَصَّلْنا، أيْ: جَعَلْناهُ أوصالًا مِن حَيْثُ كانَ أنْواعًا مِنَ القَوْلِ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعْنى اتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ حاصِلٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، لَكِنْ إنَّما عَدَّدَ عَلَيْهِمْ ها هُنا تَقْسِيمَهُ في أنْواعٍ مِنَ القَوْلِ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا التَوَصُّلَ الَّذِي وصَّلَ لَهُمُ القَوْلَ مَعْناهُ: وصَّلَ المَعانِي مِنَ الوَعْظِ والزَجْرِ، والأجْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الإشارَةَ بِتَوْصِيلِ القَوْلِ إنَّما هي إلى الألْفاظِ، أيِ الإعْجازِ، فالمَعْنى: ولَقَدْ وصَّلْنا لَهم قَوْلًا مُعْجِزًا عَلى نُبُوَّتِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الأوَّلُ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ وصَّلْنا لَهم قَوْلًا تَضَمَّنَ مَعانِيَ مَنِ اهْتَدى.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلَقَدْ وصَلْنا" بِتَخْفِيفِ الصادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: يَتَّعِظُونَ بِالقُرْآنِ عن عِبادَةِ الأصْنامِ، أو يَتَذَكَّرُونَ مُحَمَّدًا فَيُؤْمِنُوا بِهِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى القَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مُباهِيًا بِهِمْ قُرَيْشًا، واخْتُلِفَ، إلى مَنِ الإشارَةُ؟
فَقِيلَ: إلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمَتْ وكانَتْ تَلْقى مِنَ الكُفّارِ أذًى، وقِيلَ: إلى بَحِيرى الراهِبِ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: إلى النَجاشِيِّ، وقِيلَ: إلى سَلْمانَ، وابْنِ سَلامٍ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي رَفاعَةَ قالَ: خَرَجَ عَشَرَةُ رَهْطٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، فِيهِمْ أبُو رَفاعَةَ -يَعْنِي أباهُ- فَأسْلَمُوا، فَأُوذُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيِّ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، وما بَعْدُ يُؤَيِّدُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ يُرِيدُونَ الإسْلامَ المُتَحَصِّلَ لَهم مِن شَرِيعَةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وإيتاءُ أجْرِهِمْ مَرَّتَيْنِ مَعْناهُ: عَلى مِلَّتَيْنِ، ولِإيمانِهِمْ بِشَرِيعَتَيْنِ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللهِ : «ثَلاثَةٌ يُؤْتِيهِمُ اللهُ أجَرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِي، والعَبْدُ الناصِحُ في عِبادَةِ رَبِّهِ وخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أمَةٌ فَأدَّبَها وعَلَّمَها ثُمْ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ عامٌّ في صَبْرِهِمْ عَلى مِلَّتِهِمْ ثُمْ عَلى هَذِهِ وعَلى الأذى الَّذِي يَلْقَوْنَهُ مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْرَءُونَ ﴾ مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ، وهَذا وصْفٌ لِمَكارِمُ الأخْلاقِ، أيْ: يَتَعاوَنُونَ، ومَن قالَ لَهم سُوءًا لايَنُوهُ وقابَلُوهُ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ بِما يَدْفَعُهُ، وهَذِهِ آيَةُ مُهادَنَةٍ، وهي في صَدْرِ الإسْلامِ، وهي مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، وبَقِيَ حُكْمُها فِيما دُونَ الكُفْرِ تَتَعاطاهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ مَدْحٌ لَهم بِالنَفَقَةِ في الطاعاتِ، وعَلى رَسْمِ الشَرْعِ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى الصَدَقاتِ ونَحْوِها.
و"اللَغْوُ" لَغْوُ القَوْلِ، واليَمِينُ لَغْوٌ، حَسَبَ الخِلافِ فِيهِما، وكَلامُ مُسْتَمِعِ الخُطْبَةِ لَغْوٌ، والمُرادُ مِن هَذا -فِي هَذِهِ الآيَةِ- ما كانَ سَبًّا وأذًى ونَحْوَهُ، فَأدَبُ أهْلِ الإسْلامِ الإعْراضُ عنهُ، والقَوْلُ -عَلى جِهَةِ التَبَرِّي- ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ .
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اللَغْوُ ها هُنا ما كانَ بَنُو إسْرائِيلَ كَتَبُوهُ في التَوْراةِ مِمّا لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المُهادَنَةُ هي لِبَنِي إسْرائِيلَ، الكُفّارِ مِنهُمْ، و ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ في هَذا المَوْضِعِ لَيْسَ المَقْصُودُ بِها التَحِيَّةُ، لَكِنَّهُ لَفْظُ التَحِيَّةِ قُصِدَ بِهِ المُتارَكَةُ، وهو لَفْظٌ مُؤْنِسٌ مُسْتَنْزِلٌ لِسامِعِهِ؛ إذْ هو في عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ تَحِيَّةً، قالَ الزَجّاجُ: وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، و ﴿ لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ مَعْناهُ: لا نَطْلُبُهم لِلْجِدالِ والمُراجَعَةِ والمُسابَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ ﴾ أجْمَعَ جُلَّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُما: «إنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ عَلَيْهِ وهو يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقالَ لَهُ: أيْ عَمِّ؟، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ، وكانَ بِحَضْرَتِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَّيَّةَ، وأبُو جَهْلٍ لَعَنَهُما اللهُ تَعالى، فَقالا لَهُ: أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يا أبا طالِبٍ ؟
فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمْ قالَ أبُو طالِبٍ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأشْياخِ، فَتَفَجَّعَ رَسُولُ اللهِ وخَرَجَ عنهُ، فَماتَ أبُو طالِبٍ عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إشارَةً إلى أبِي طالِبٍ».
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَقالُوا ﴾ لِقُرَيْشٍ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: والمُتَكَلِّمْ بِذَلِكَ مِنهُمُ الحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، وقَصَدَ الإخْبارَ بِأنَّ العَرَبَ تُنْكِرُ عَلَيْهِمْ رَفْضَ الأوثانِ وفِراقَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ بِتَخَطُّفِهِمْ مِن أرْضِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الهُدى ﴾ مَعْناهُ: عَلى زَعْمِكَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ، ولَكِنْ إنِ اتَّبَعْناكَ يَتَخَطَّفْنا العَرَبُ، فَقَطَعَهُمُ اللهُ تَعالى بِالحُجَّةِ، أيْ: ألَيْسَ كَوْنُ الحَرَمِ لَكم مِمّا يَسَّرْناهُ وكَفَفْنا عنكُمُ الأيْدِي فِيهِ؟
فَكَيْفَ بِكم لَوْ أسْلَمْتُمْ واتَّبَعْتُمْ شَرْعِي ودِينِي؟
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "نُتَخَطَّفْ" بِضَمِّ الفاءِ، و"أمْنُ الحَرَمِ" هو ألّا يُغَزّى ولا يُؤْذى فِيهِ أحَدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: يُجْمَعُ ويُجْلَبُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "تُجْبى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُجْبى" أيْ: يُجْمَعُ، بِياءٍ مِن تَحْتٍ، ورُوِيَتِ التاءُ مِن فَوْقٍ عن أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرَ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ مِمّا بِهِ صَلاحُ حالِهِمْ وقِوامُ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ العُمُومُ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "ثُمُراتُ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ.
ثُمْ تَوَعَّدَ تَعالى قُرَيْشًا بِضَرْبِ المَثَلِ بِالقُرى المُهْلَكَةِ، أيْ: فَلا تَغْتَرُّوا بِالحَرَمِ والأمْنِ والثَمَراتِ الَّتِي تُجْبى، فَإنَّ اللهَ تَعالى مَهْلِكُ الكَفَرَةِ عَلى ما سَلَفَ في الأُمَمِ.
و"بَطِرَتْ" مَعْناهُ: سَفِهَتْ وأشَرِتَ وطَغَتْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، و"مَعِيشَتَها" نُصِبَتْ عَلى التَفْسِيرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بَطِرَتْ في مَعِيشَتِها، ثُمْ أحالَهم عَلى الِاعْتِبارِ في خَرابِ دِيارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَحِجْرِ ثَمُودَ وغَيْرِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلا وأهْلُها ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ ﴾ إنْ كانَتِ الإبادَةُ لِلْقُرى بِالإطْلاقِ في كُلِّ زَمَنٍ فَأُمُّها في هَذا المَوْضِعِ عَظِيمُها وأفْضَلُها الَّتِي هي بِمَثابَةِ مَكَّةَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ ، وإنْ كانَتْ مَكَّةُ أُمُ القُرى كُلِّها أيْضًا مِن حَيْثُ هي أوَّلُ ما خُلِقَ مِنَ الأرْضِ، ومِن حَيْثُ فِيها البَيْتُ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يُقِيمُ الحُجَّةَ عَلى عِبادِهِ بِالرُسُلِ، فَلا يُعَذِّبُ إلّا بَعْدَ نِذارَةٍ، وبَعْدَ أنْ يَتَمادى أهْلُ القُرى في ظُلْمٍ وطُغْيانٍ.
والظُلْمُ: -هُنا- يَجْمَعُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ والتَقْصِيرَ في الجِهادِ، وبِالجُمْلَةِ وضْعَ الباطِلِ مَوْضِعَ الحَقِّ.
ثُمْ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا مُحَقِّرًا لِما كانُوا يَفْخَرُونَ بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن قُوَّةٍ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ولا عِنْدَ مَن آمَنَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى قُرَيْشًا أنَّ ذَلِكَ مَتاعُ الدُنْيا الفانِي، وأنَّ الآخِرَةَ وما فِيها مِنَ النِعَمِ الَّتِي أعَدَّها اللهُ لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ وأبْقى.
ثُمْ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَعْقِلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "تَعْقِلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، والحَسَنِ، وعِيسى.
ثُمْ زادَهم تَوْبِيخًا بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَمَن وعَدْناهُ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أفَمَن وعَدْناهُ ﴾ يَعُمْ مَعْناها جَمِيعَ العالَمِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الناسُ فِيمَن نَزَلَتْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي وعِدَ الحَسَنَ هو مُحَمَّدٌ ، وضِدُّهُ أبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وأبِي جَهْلٍ، وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، كَما أنَّ مَعْناها عامٌّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونُزُولُها عامٌّ بَيِّنُ الِاتِّساقِ بِما قَبَلَهُ مِن تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ.
و ﴿ مِنَ المُحْضَرِينَ ﴾ مَعْناهُ: في عَذابِ اللهِ تَعالى، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ولَفْظَةُ "مُحْضَرِينَ" مُشِيرَةٌ إلى سَوْقٍ وجَرٍّ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: "أمَن وعَدْناهُ" بِغَيْرِ فاءٍ، وقَرَأ مَسْرُوقٌ: "أفَمَن وعَدْناهُ نِعْمَةُ مِنّا فَهو لاقِيهِ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا النِداءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ، ويُحْتَمَلُ لِأنْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، والضَمِيرِ بِـ "يُنادِي" لِعُبّادِ الأصْنامِ، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: "أيْنَ" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، وقَوْلُهُ: "شُرَكائِيَ" أيْ: عَلى قَوْلِكم وزَعْمِكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمّا كانَ هَذا السُؤالُ مُسْكِتًا لَهم مُهِينًا فَكَأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِجُمْهُورِ الكَفَرَةِ، إلّا بِالمُغْوِينَ لَهُمْ، وبِالأعْيانِ والرُؤُوسِ مِنهُمْ، وبِالشَياطِينِ المُغْوِينَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِئَةَ المُغْوِيَةَ إنَّما أتَتِ الكَفَرَةَ عَلى عِلْمٍ بِأنَّ القَوْلَ عَلَيْها مُتَحَقِّقٌ، وبِأنَّ كَلِمَةَ العَذابِ ماضِيَةٌ، لَكِنَّهم طَمِعُوا في التَبَرِّي مِن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الأتْباعِ فَقالُوا: رَبَّنا هَؤُلاءِ أضْلَلْناهم كَما ضَلَلْنا نَحْنُ بِاجْتِهادٍ لَنا ولَهُمْ، وأرادُوا هُمُ اتِّباعَنا، وأحَبُّوا الكُفْرَ كَما أحْبَبْناهُ، فَنَحْنُ نَتَبَرَّأُ إلَيْكَ مِنهُمْ، وهم لَمْ يَعْبُدُونا إنَّما عَبَدُوا غَيْرَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَوْقِيفُ يَعُمْ جَمِيعَ الكَفَرَةِ، والمُجِيبُونَ هم جَمِيعُ المُغْوِينَ، كُلٌّ داعٍ إلى كُفْرٍ، مِنَ الشَياطِينِ الجِنُّ، ومِنَ الإنْسِ العُرَفاءُ والرُؤَساءُ والسادَةُ وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "غَوَيْنا" بِفَتْحِ الواوِ، ويُقالُ: غَوى الرَجُلُ يَغْوِي بِكَسْرِ الواوِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمْ "غَوِينا" بِكَسْرِ الواوِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يُقالُ لِلْكَفَرَةِ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ الَّذِينَ اعْتَقَدُوهم آلِهَةً: ﴿ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ﴾ أيِ الأصْنامَ الَّتِي كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لَمّا كانَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِزَعْمِهِمْ ودَعْواهُمْ، فَهَذا القَوْلُ أصْلٌ مِنَ الِاخْتِصاصِ، أضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم دَعَوْهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ في الجَماداتِ ما يُجِيبُ، ورَأى الكُفّارُ العَذابَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ ﴾ ، ذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ جَوابَ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَما نالَهُمُ العَذابُ، أو: لَما كانُوا في الدُنْيا عابِدِينَ لِلْأصْنامِ، فَفي الكَلامِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَأسُّفٍ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ مَعَ تَقْدِيرِنا الجَوابَ: "لَما كانُوا عابِدِينَ لِلْأصْنامِ"، وفي تَقْدِيرِنا الجَوابُ: "لَما نالَهُمُ العَذابُ" نِعْمَةً مِنّا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَوْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: فَوَدُّوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴾ ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مَن المُفْلِحِينَ ﴾ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ هَذا النِداءُ أيْضًا كالأوَّلِ في احْتِمالِهِ الواسِطَةَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا النِداءُ أيْضًا لِلْكُفّارِ يُوقِفُهم عَلى ما أجابُوا بِهِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى اللهِ تَعالى.
﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ﴾ أيْ: أظْلَمَتِ الأُمُورُ، فَلَمْ يَجِدُوا خَبَرًا يُخْبِرُونَ بِهِ مِمّا لَهم فِيهِ نَجاةٌ، وساقَ الفِعْلَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وأنَّهُ تَعَيَّنَ، والماضِي مِنَ الأفْعالِ مُتَيَقَّنٌ، فَلِذَلِكَ تُوضَعُ صِيغَتُهُ بَدَلَ المُسْتَقْبَلِ المُتَيَقَّنِ فَيَقْوى وُقُوعُهُ وصِحَّتُهُ، ومَعْناهُ: أظْلَمَتْ جِهاتُها، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ: «كانَ اللهُ في عَماءٍ» وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأنْوارَ وسائِرَ المَخْلُوقاتِ.
و"الأنْباءُ" جَمْعُ نَبَأٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم لا يَتَساءَلُونَ ﴾ مَعْناهُ فِيما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: بِالأرْحامِ والأنْسابِ الَّذِي عُرْفُهُ في الدُنْيا أنْ يُتَساءَلَ بِهِ؛ لِأنَّهم قَدْ أيْقَنُوا أنَّ كُلَّهم لا حِيلَةَ لَهم ولا مَكانَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم لا يَتَساءَلُونَ عَنِ الأنْباءِ لِتَيَقُّنِ جَمِيعِهِمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم.
ثُمُ انْتَزَعَ تَعالى مِنَ الكَفَرَةِ مَن تابَ مِن كُفِرِهِ، وآمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، وعَمِلَ بِالتَقْوى، ورَجّى عَزَّ وجَلَّ أنَّهم يَفُوزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ ويَبْقَوْنَ في النَعِيمِ الدائِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللهِ تَعالى يُشْبِهُ فَضْلَهُ وكَرَمَهُ، واللازِمْ مِن "عَسى" أنَّها تَرَجِيَّةٌ لا واجِبَةٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: سَبَبُها ما تَكَلَّمَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ اسْتِغْرابِ أمْرِ النَبِيِّ ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ المَنازِعِ، ورَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَخْلُقُ مِن عِبادِهِ وسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ، وأنَّهُ يَخْتارُ لِرِسالَتِهِ مَن يُرِيدُ ويَجْعَلُ فِيهِ المَصْلَحَةَ، ثُمْ نَفى أنْ يَكُونَ الِاخْتِيارُ لِلنّاسِ في هَذا ونَحْوِهِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: أنَّ "ما" نافِيَةٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَتَجِيءُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَخْتارُ اللهُ تَعالى الأدْيانَ والشَرائِعَ، ولَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ في أنْ يَمِيلُوا إلى الأصْنامِ ونَحْوِها في العِبادَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ وَيَخْتارُ ما كانَ ﴾ مُفَعْوِلَةٌ، قالَ: والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَخْتارُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأصْنامِهِمْ خِيارَها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ الِاخْتِيارَ إنَّما هو لَهُ وحْدَهُ، يَخْلُقُ ويَخْتارُ مِنَ الرُسُلِ والشَرائِعِ ما كانَ خَيْرًا لِلنّاسِ، لا كَما يَخْتارُونَ هم ما لَيْسَ لَهُمْ، ويَفْعَلُونَ ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واعْتَذَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الرَفْعِ الَّذِي أجْمَعَ القُرّاءُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ بِأقْوالٍ لا تَتَحَصَّلُ، وقَدْ رَدَّ الناسُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ القاسِمَ بْنَ مَعْنٍ أنْشَدَهُ بَيْتَ عنتَرَةَ: أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ لَوْ كانَ ذا مِنكَ قَبْلَ اليَوْمِ مَعْرُوفُ وقَرَنَ الآيَةَ بِهَذا البَيْتِ، والرِوايَةُ في البَيْتِ: (لَوْ أنَّ ذا)، ولَكِنْ عَلى ما رَواهُ القاسِمْ يَتَّجِهُ في بَيْتِ عنتَرَةَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الأمْرِ والشَأْنِ، فَأمّا في الآيَةِ فَلا يَكُونُ بِجُمْلَةٍ فِيها مَحْذُوفٌ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ.
والوَقْفُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَخْتارُ ﴾ ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ لا يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ.
ويَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ "ما" مُفَعْوِلَةً إذا قَدَّرْنا "كانَ" تامَّةً، أيْ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْتارُ كُلَّ كائِنٍ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لَهُمُ الخِيَرَةُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْناها تَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في اخْتِيارِ اللهِ تَعالى لَهم لَوْ قَبِلُوا وفَهِمُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أُمُورًا يَشْهَدُ عَقْلُ كُلِّ مَفْطُورٍ بِأنَّ الأصْنامَ لا شَرِكَةَ لَها فِيها، فَمِنها عِلْمُ ما في النُفُوسِ وما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ.
و"تُكِنُّ" مَعْناهُ: تَسْتُرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَكُنُّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الكافِ، وعَبَّرَ عَنِ القَلْبِ بِالصَدْرِ حَيْثُ كانَ مُحْتَوِيًا عَلَيْهِ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ السِرَّ والإعْلانَ.
ثُمْ أفْرَدَ نَفْسَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ ونَفاها عَمّا سِواهُ، وأخْبَرَ أنَّ الحَمْدَ لَهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، إذْ لَهُ الصِفاتُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ، والحُكْمُ لَهُ.
وهو -فِي هَذا المَوْضِعِ- الفَصْلُ والقَضاءُ في الأُمُورِ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِالرَجْعَةِ إلَيْهِ والحَشْرِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أمْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، وما مَنَحَ اللهُ تَعالى فِيهِما مِنَ المَصالِحِ والمَرافِقِ، وأنْ يُوقِفَهم عَلى إنْعامِهِ تَعالى بِتَوْفِيقِ اللَيْلِ والنَهارِ، وأنَّهُ لَوْ مَدَّ أحَدَهُما سَرْمَدًا لَما وجَدَ مَن يَأْتِي بِالآخَرِ.
و"السَرْمَدُ" مِنَ الأشْياءِ: الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: "بِضِياءٍ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلَ: "بِضِئاءٍ" بِهَمْزَتَيْنِ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ.
ثُمْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ انْقِسامَ اللَيْلِ والنَهارِ عَلى السُكُونِ وابْتِغاءِ الفَضْلِ بِالمَشْيِ والتَصَرُّفِ، وهَذا هو الغالِبُ في أمْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، فَعَدَّدَ النِعْمَةَ بِالأغْلَبِ، وإنْ وُجِدَ مَن يَسْكُنُ بِالنَهارِ ويَبْتَغِي فَضْلَ اللهِ بِاللَيْلِ فَشاذٌّ نادِرٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهِ عَنِ الزَمانِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لِتَقْسِيمٍ، أيْ: في هَذا الوَقْتِ الَّذِي هو لَيْلٌ ونَهارٌ يَقَعُ السُكُونُ وابْتِغاءُ الفَضْلِ.
وقَوْلُهُ: "وَلَعَلَّكُمْ" أيْ عَلى نَظَرِ البَشَرِ، مَن يَرى هَذا التَلَطُّفَ والرِفْقَ يَرى أنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الشُكْرَ ولا بُدَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ وَنَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ، وكَرَّرَ هَذا المَعْنى إبْلاغًا وتَحْذِيرًا، وهَذا النِداءُ هو عِنْدَ ظُهُورِ كُلِّ ما وعَدَ الرَحْمَنُ عَلى ألْسِنَةِ المُرْسَلِينَ مِن وُجُوبِ الرَحْمَةِ لِقَوْمٍ والعَذابِ لِآخَرِينَ، ومِن خُضُوعِ كُلِّ جَبّارٍ وذِلَّةٍ لِعَزَّةَ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَتَوَجَّهُ حِينَئِذٍ تَوْبِيخُ الكُفّارِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى لَهُمْ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ عَلى مَعْنى التَقْرِيعُ.
ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يُخْرِجُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا يُمَيِّزُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الناسِ، وهَذا هو النَزْعُ، أيْ: يُمَيِّزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَيَنْتَزِعُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِـ "الشَهِيدِ" الَّذِي يَشْهَدُ عَلى أُمَّتِهِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: أرادَ عُدُولًا مِنَ الأُمَمِ وأخْيارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهم حَمَلَةُ الحُجَّةِ الَّذِينَ لا يَخْلُو مِنهم زَمَنٌ، و"الشَهِيدُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ الجِنْسِ، وفي هَذا المَوْضِعِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: يَشْهَدُ الشَهِيدُ عَلى الأُمَّةِ بِخَيْرِها وشَرِّها، فَيَحِقُّ العَذابُ عَلى مَن كَفَرَ، ويُقالُ لَهم -عَلى جِهَةِ اسْتِبْراءِ الحُجَّةِ والإعْذارِ في المُحاوَلَةِ-: ﴿ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ ، أيْ حُجَّتَكم عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُنْيا إنْ كانَ لَكُمْ، فَيَسْقُطُ حِينَئِذٍ في أيْدِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّ الحَقَّ مُتَوَجِّهٌ لَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ في تَعْذِيبِهِمْ، ويَنْكَشِفُ لَهم ما كانُوا بِسَبِيلِهِ في الدُنْيا مِن كَذِبٍ مُخْتَلَقٍ وزُورٍ في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ: هَذِهِ آلِهَةٌ، وفي تَكْذِيبِهِمُ الرُسُلَ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ قَوْلُ القاضِي عِنْدَ إرادَةِ الحُكْمِ: أبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ؟
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِن الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ ﴿ وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ قارُونُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَرابَةِ قارُونَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: هو عَمُّهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: هو ابْنُ عَمِّهِ، وهَذا أشْهَرُ، وقِيلَ: ابْنُ خالَتِهِ، فَهو بِإجْماعٍ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ مِمَّنْ آمَنَ بِمُوسى، وحَفِظَ التَوْراةَ، وكانَ مَن أقْرَأِ الناسِ لَها، وكانَ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن عُبّادِ المُؤْمِنِينَ، ثُمْ لَحِقَهُ الزَهْوُ والإعْجابُ، فَبَغى عَلى قَوْمِهِ بِأنْواعٍ مِنَ البَغْيِ، فَمِن ذَلِكَ كُفْرُهُ بِمُوسى واسْتِخْفافُهُ بِهِ، ومُطالَبَتُهُ لَهُ بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّهُ عَمَدَ إلى امْرَأةٍ مُومِسَةٍ ذاتِ جَمالٍ، وقالَ لَها: أنا أُحْسِنُ إلَيْكَ، وأحْفَظُكَ في أهْلِي عَلى أنْ تَجِيئِي في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدِي فَتَقُولِي: يا قارُونُ اكْفِنِي أمْرَ مُوسى فَإنَّهُ يَتَعَرَّضُ في نَفْسِي، فَجاءَتِ المَرْأةُ، فَلَمّا وقَفَتْ عَلى المَلَأِ أحْدَثَ اللهُ تَعالى لَها تَوْبَةً، فَقالَتْ: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّ قارُونَ قالَ لِي كَذا وكَذا، فَفَضَحَتْهُ في جَمِيعِ القِصَّةِ، وبَرَّأ اللهُ بِقُدْرَتِهِ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مُطالَبَتِهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ عن مُوسى، فَلَمّا بَلَغَهُ الخَبَرُ وقَفَ المَرْأةَ بِمَحْضَرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَذَبْتُ أنا عَلَيْكَ، وإنَّما دَفَعَنِي قارُونُ إلى هَذِهِ المَقالَةِ.
وكانَ مِن بَغْيِهِ أنَّهُ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا عَلى ثِيابِ الناسِ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُرُ عَمَّنْ فَسَدَ اعْتِقادُهُ.
وكانَ مِن أعْظَمِ الناسِ مالًا، وسُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ.
والمَفاتِيحُ: ظاهِرُها أنَّها الَّتِي يُفْتَحُ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها الخَزائِنَ والأوعِيَةَ الكِبارَ، قالَهُ الضَحّاكُ: لِأنَّ المِفْتاحَ في كَلامِ العَرَبِ الخِزانَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في شَأْنِ قارُونَ، فَرُوِيَ عن خَيْثَمَةَ أنَّهُ قالَ: نَجِدُ في الإنْجِيلِ مَكْتُوبًا: (إنَّ مَفاتِيحَ قارُونَ كانَتْ مِن جُلُودِ الإبِلِ، وكانَ المِفْتاحُ مِن نِصْفِ شِبْرٍ، وكانَتْ وِقْرَ سِتِّينَ بَغْلًا أو بَعِيرًا لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ).
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَقْرُبُ مِنهُ، ذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والنَظَرُ يَشْهَدُ بِفَسادِ هَذا، ومَن كانَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ؟
وما الداعِي لِهَذا، وفي المُمْكِنِ أنْ تَرْجِعَ كُلُّها إلى ما يُحْصى ويُقْدَرُ عَلى حَمْلِهِ بِسُهُولَةٍ؟
وكانَ يَلْزَمُ -عَلى هَذا- أنْ تَكُونَ "مَفاتِيحَ" بِياءٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والَّذِي يُشْبِهُ هُوَ: إمّا أنْ تَكُونَ المَفاتِيحُ مِنَ الحَدِيدِ ونَحْوِهِ، وعَلى هَذا تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ؛ إذْ كانَتْ كَثِيرَةً لِكَثْرَةِ مَخازِنِهِ، أو تَكُونَ "المَفاتِحُ" الخَزائِنَ، قالَ أبُو صالِحٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تُحْمَلُ عَلى أرْبَعِينَ بَغْلًا.
وأمّا قَوْلُهُ: "تَنُوءُ" فَمَعْناهُ: تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ يَصِفُ رامِيًا: حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ وناءَ في شِقِّ الشَمالِ كاهِلُهُ والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ العُصْبَةَ تَنُوءُ بِالمَفاتِيحِ المُثْقِلَةِ لَها، وكَذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ المُرادَ هَذا، لِكِنَّهُ قَلْبٌ كَما تَفْعَلُ العَرَبُ كَثِيرًا، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي ومالِي ∗∗∗ وما آلُوكُ إلّا ما أُطِيقُ وَقَوْلُ الآخَرِ: وتَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوادَةَ بَيْنِها ∗∗∗ وتَشْقى الرِماحُ بِالضَياطِرَةِ الحُمْرِ وهَذا البَيْتُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ إذْ يَتَّجِهُ عَلى وجْهِهِ فَتَأمَّلْهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: ما كُنْتَ في الحَرْبِ العَوانِ مُغَمَّرًا ∗∗∗ إذْ شَبَّ حَرُّ وقُودِها أجْذالَها وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: التَقْدِيرُ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، فَجُعِلَ بَدَلُ ذَلِكَ تَعْدِيَةَ الفِعْلِ بِحَرْفِ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: ناءَ الحِمْلُ وأنْأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ بِمَعْنى: جَعَلَتْهُ يَنُوءُ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْنَدَ "تَنُوءُ" إلى المَفاتِيحِ مَجازًا؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وهَذا مُطَّرِدٌ في قَوْلِهِمْ: ناءَ الحِمْلُ بِالعِيرِ، ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "العُصْبَةِ"، كَمْ هِيَ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ثَلاثَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: العُصْبَةُ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ حَمْلًا عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ.
وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: "لَيَنُوءُ" بِالياءِ، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّهُ يَقْرَأُ: "مَفاتِحَهُ" جَمْعًا، وذَكَرَ أبُو عَمْرِو الدانِي أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: "ما إنَّ مِفْتاحَهُ" عَلى الإفْرادِ، فَيُسْتَغْنى عَلى هَذا عن تَوْجِيهِ أبِي الفَتْحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "فَبَغى"، ونَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكُ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، و"لا يُحِبُّ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- صِفَةُ فِعْلٍ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ قَدْ وقَعَ فَمُحالٌ أنْ يَرْجِعَ إلى الإرادَةِ، وإنَّما هو لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَهِبُهم رَحْمَتَهُ.
ثُمْ وصَّوْهُ بِأنْ يَطْلُبَ بِمالِهِ رِضى اللهِ وآخِرَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في ألّا تَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا في دُنْياكَ؛ إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصالِحُ فَيَنْبَغِي ألّا تُهْمِلَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالكَلامُ كُلُّهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- شِدَّةٌ في المَوْعِظَةِ.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: وَلا تُضَيِّعْ حَظَّكَ أيْضًا مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، ونَظَرِكَ إلى عاقِبَةِ دُنْياكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالكَلامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو في الرِفْقِ بِهِ وإصْلاحِ الأمْرِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ، وهَذا مِمّا يَجِبُ اسْتِعْمالُهُ مَعَ المَوْعُوظِ خَشْيَةَ النَبْوَةِ مِنَ الشِدَّةِ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمُ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ، وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُرْبُ بِلا سَرَفٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّهُ قِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ كَأنَّهم قالُوا: لا تَنْسَ أنَّكَ تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ إلّا نَصِيبَكَ الَّذِي هو الكَفَنُ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ وقَوْلُهُ: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ ﴾ أمْرٌ بِصِلَةِ المَساكِينِ وذَوِي الحاجَةِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ القائِلُ قارُونُ.
لَمّا وعَظَهُ قَوْمُهُ ونَدَبُوهُ إلى اتِّقاءِ اللهِ تَعالى في المالِ الَّذِي أعْطاهُ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِ، أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، وقالَ لَهم عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ والرَوَغانِ عَمّا ألْزَمُوهُ فِيهِ: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ ، ولِكَلامِهِ هَذا وجْهانِ يَحْمِلُهُما، وبِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: فَقالَ الجُمْهُورُ مِنهُمْ: إنَّهُ ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَعِيمُ لَهُ وكَذَلِكَ المالُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في العِلْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟
فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِلْمُ التَوْراةِ وحِفْظُها، قالُوا: وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً ورِياءً، وقالَأبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ: أرادَ العِلْمَ بِالتِجاراتِ ووُجُوهِ تَمْيِيزِ المالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وبِسَعْيِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: أرادَ عِلْمَ الكِيمْياءِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمْ جُعِلَ قَوْلُهُ: " عِنْدِي " كَما تَقُولُ: "فِي مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مَعًا فَقَدْ نَبَّهَ القُرْآنُ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ، وعارِضَ مَنزَعَهُ بِأنَّ مِن مَعْلُوماتِ الناسِ المُتَحَقِّقَةِ عِنْدَهم أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ والقُرُونِ والمُلُوكِ مَن هو أشَدُّ مِن قارُونَ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا، إمّا لِلْمالِ أو لِلْحاشِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ يُرَجِّحُ أنَّ قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ .
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، والضَمِيرُ في "ذُنُوبِهِمْ" عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: أُهْلِكُوا ولَمْ يُسْألْ غَيْرُهم بَعْدَهم عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ: كُلُّ أحَدٍ إنَّما يُسْألُ ويُعاقَبُ بِحَسْبِ ما يَخُصُّهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ عن حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعْناهُ أنَّ المُجْرِمِينَ لا يُسْألُونَ عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْألُ عن ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَوادِ والتَشْوِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي آياتِ اللهِ ما يَقْتَضِي أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ يُسْألُونَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُسْألُ أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآياتُ الَّتِي تُوجِبُ السُؤالَ إنَّما يُرِيدُ بِها أسْئِلَةَ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، والَّذِي يَنْفِيهِ يُرادُ بِهِ أسْئِلَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ الحاجَةِ إلى عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ المَسْؤُولِينَ، أيْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِمْ مُحِيطٌ، وسُؤالُ التَوْبِيخِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قارُونَ خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ وقَدْ أظْهَرَ قُدْرَتَهُ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُنْيا، قالَ جابِرٌ ومُجاهِدٌ: خَرَجَ في ثِيابٍ حُمْرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَرَجَ هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ، وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَحْدِيدِ زِينَةِ قارُونَ وتَعْيِينِها -مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ- فاخْتَصَرَتْهُ.
وباقِي الآيَةِ في اغْتِرارِ الجَهَلَةِ والأغْمارِ مِنَ الناسِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلا الصابِرُونَ ﴾ ﴿ فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مِن المُنْتَصِرِينَ ﴾ ﴿ وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مِن اللهَ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ﴾ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والمَعْرِفَةَ بِاللهِ تَعالى وبِحَقِّ طاعَتِهِ والإيمانِ بِهِ أنَّهم زَجَرُوا الأغْمارَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا حالَ قارُونَ، وحَمَلُوهم عَلى الطَرِيقَةِ المُثْلى مِن أنَّ النَظَرَ والتَمَنِّيَ إنَّما يَكُونُ في أُمُورِ الآخِرَةِ، وأنَّ حالَةَ المُؤْمِنِ العامِلِ الَّذِي يَنْتَظِرُ ثَوابَ اللهِ خَيْرٌ مِن حالِ كُلِّ ذِي دُنْيا.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن هَذِهِ النَزْعَةِ وهَذِهِ القُوَّةِ في الخَيْرِ في الدِينِ أنَّهُ لا يُلَقّاها، أيْ: لا يُمَكَّنُ مِنها ويُخَوَّلُها إلّا الصابِرُ عَلى طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وعن شَهَواتِ نَفْسِهِ، وهَذا هو جِماعُ الخَيْرِ كُلِّهِ.
والضَمِيرُ في "يُلَقّاها" عائِدٌ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ مِن حَيْثُ الكَلامُ دالٌّ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى: ﴿ تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ، و ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ .
وقالَ الطَبَرِيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الكَلِمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ ، أيْ: لا يُلَقّى هَذِهِ الكَلِمَةَ إلّا الصابِرُونَ، وعنهم تَصْدُرُ.
ورُوِيَ في الخَسْفِ بِقارُونَ ودارِهِ «أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أمَضَّهُ فِعْلَ قارُونَ بِهِ، وتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ، ورَمْيَهُ بِأمْرِ المَرْأةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِ، اسْتَجارَ اللهَ تَعالى وبَكى وطَلَبَ النُصْرَةَ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: لا تَهْتَمَّ فَإنِّي أمَرْتُ الأرْضَ أنْ تُطِيعَكَ في قارُونَ وأهْلِهِ وخاصَّتِهِ وأتْباعِهِ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْأرْضِ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْ مِنهم إلى الرُكَبِ، فاسْتَغاثُوا بِمُوسى، يا مُوسى، فَقالَ: خُذِيهِمْ، فَأخَذَتْهم شَيْئًا فَشَيْئًا، وهم يَسْتَغِيثُونَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ، وهو يُلَجُّ إلى أنْ تَمَّ الخَسْفُ بِهِمْ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُوسى، اسْتَغاثُوا بِكَ فَلَمْ تَرْحَمْهُمْ، لَوْ بِي اسْتَغاثُوا وإلَيَّ تابُوا لِرَحْمَتُهم وكَشَفْتُ ما بِهِمْ».
وقالَ قَتادَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: «رُوِيَ لَنا أنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قامَةً فَهو يَتَجَلْجَلُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ».
و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الناصِرَةُ الَّتِي يَفِيءُ إلَيْها الإنْسانُ الطالِبُ لِلنُّصْرَةِ.
وقِصَّةُ قارُونَ هي بَعْدَ جَوازِهِمُ اليَمَّ؛ لِأنَّ الرُواةَ ذَكَرُوا أنَّهُ كانَ مِمَّنْ حَفِظَ التَوْراةَ، وكانَ يَقْرَؤُها.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ، ونَدَمِهِمْ واسْتِشْعارِهِمْ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ لِلَّهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيْكَأنَّ ﴾ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّ "وَيْ" حَرْفُ تَنْبِيهٍ، وهي مُنْفَصِلَةٌ عن "كَأنَّ"، لَكِنْ أُضِيفَتْ في الكِتابِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، [والمَعْنى أنَّ القَوْمَ انْتَبَهُوا فَتَكَلَّمُوا عَلى قَدْرِ عِلْمِهِمْ، أو نُبِّهُوا فَقِيلَ لَهُمْ: أما يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا عِنْدَكم هَكَذا]، فَقالُوا عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والتَنَدُّمْ: فَإنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ.
وقالَ أبُو حاتِمْ وجَماعَةٌ مِنَ النَحَوِيِّينَ: "وَيْكَ" هي ويْلَكَ، حُذِفَتْ لامُهُ وجَرَتْ في الكَلامِ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبَرَّ سُقْمَها قِيلُ الفَوارِسِ: ويْكَ عنتَرُ أقْدِمْ فَكَأنَّ المَعْنى: ويْلَكَ، اعْلَمْ أنَّ اللهَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الإضْمارِ لِلْفِعْلِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: "وَيْكَأنَّ" بِجُمْلَتِها دُونَ تَقْدِيرِ انْفِصالِ كَلِمَةٍ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ألَمْ تَرَ أنَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقْوى الِانْفِصالُ فِيها عَلى ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّها تَجِيءُ مَعَ "أنَّ" ومَعَ "أنْ"، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ويْ كَأنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبُّ يُحْـ ∗∗∗ ـبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وَهَذا البَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَوْلا مَنَّ اللهُ" بِحَذْفِ "أنْ"، ورُوِيَ عنهُ: "لَوْلا مَنُّ" بِرَفْعِ النُونِ، وبِالإضافَةِ إلى "اللهِ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَخُسِفَ" بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمْ بِفَتْحِ الخاءِ والسِينِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لانَخُسِفَ" كَأنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ أُرِيدَ بِهِ أنَّ الأرْضَ كانَتْ مُنْفَعِلَةً، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى "وَيْ"، ويَبْتَدِئُ "كَأنَّ"، ورُوِيَ عنهُ الوَصْلُ كالجَماعَةِ، ورَوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى "وَيْكَ"، ويَبْتَدِئُ "إنَّ اللهَ"، وعَلى هَذا المَعْنى قالَ الحَسَنُ: إنْ شِئْتَ: "وَيْكَ أنَّ" أو "وَيْكَ إنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِكَسْرِها، فَكَذَلِكَ في "وَيْكَأنَّهُ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ، يُرادُ بِهِ إخْبارُ جَمِيعِ العالَمِ وحَضُّهم عَلى السَعْيِ بِحَسْبِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ، وهَذا الحَضُّ يَتَضَمَّنُ الإنْحاءَ عَلى حالِ قارُونَ ونُظَرائِهِ، والمَعْنى أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ في شَيْءٍ مِن أمْرِ قارُونَ، إنَّما هي لِمَن صِفَتُهُ كَذا وكَذا، و"العُلُوُّ" المَذْمُومُ، وهو الظُلْمُ والتَجَبُّرُ، قالَ النَبِيُّ : «وَذَلِكَ أنْ تُرِيدَ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِكَ أفْضَلَ مِن شِراكِ نَعْلِ أخِيكَ»، و"الفَسادُ" يَعُمُ الوُجُوهَ مِنَ الشَرِّ، ومِمّا قالَ العُلَماءُ: هو أخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خَبَرٌ مُنْفَصِلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ مَعْناهُ: إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ ولا بُدَّ، فَفي وصْفِ أمْرِ جَزاءِ الآخِرَةِ أنَّهُ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلَهُ خَيْرٌ مِنَ القَدْرِ الَّذِي يَقْتَضِي النَظَرُ أنَّهُ مُوازٍ لِذَلِكَ الفِعْلِ، هَذا عَلى أنْ نَجْعَلَ الحَسَنَةَ في التَفْضِيلِ، وفي القَوْلِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: مِن ثَوابِها المُوازِي لَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: لَهُ خَيْرٌ بِحَسْبَ حَسَنَتِهِ ومِن أجْلِها، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ السَيِّئَةَ لا يُضاعَفُ جَزاؤُها فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ ﴾ ، مَعْناهُ: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ وأثْبَتَهُ، والفَرْضُ أصِلُهُ عَمَلٌ فَرَضَهُ في عُودٍ أو نَحْوِهُ، فَكَأنَّ الأشْياءَ الَّتِي تُثْبَتُ وتُمَكَّنُ وتَبْقى تُشْبِهُ ذَلِكَ الفَرْضَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أعْطاكَ القُرْآنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في هَذا القَوْلِ حَذْفُ مُضافٍ، والمَعْنى: فَرَضَ عَلَيْكَ أحْكامَ القُرْآنِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ ، فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ: إلى الآخِرَةِ، أيْ: باعِثُكَ بَعْدَ المَوْتِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَقْصِدُها إثْباتُ الحَشْرِ، والإعْلامُ بِوُقُوعِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: وغَيْرُهُما: المَعادُ: الجَنَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وجَماعَةٌ: المَعادُ: المَوْتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ الآيَةَ -عَلى هَذا- واعِظَةٌ ومُذَكِّرَةٌ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: المَعادُ مَكَّةُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالجَحْفَةِ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ في هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- مُعْلِمَةٌ بِغَيْبٍ قَدْ ظَهَرَ لِلْأُمَّةِ، ومُؤْنِسَةٌ بِفَتْحٍ، و"المَعادُ": المَوْضِعُ الَّذِي يُعادُ إلَيْهِ، وقَدِ اشْتَهَرَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ مَعادٌ لِلْكُلِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ ﴾ الآيَةُ، آيَةُ مُتارَكَةٍ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٍ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ ﴾ قالَ: الجَنَّةُ، وسَمّاها مَعادًا إمّا مِن حَيْثُ قَدْ دَخَلَها النَبِيُّ في الإسْراءِ والمِعْراجِ وغَيْرِهِ، وإمّا مِن حَيْثُ قَدْ كانَ فِيها آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَهي مَعادٌ لِذَرِّيَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قالَ هَذا مِن حَيْثُ تُعْطِي لَفْظَةَ "المَعادِ" أنَّ المُخاطَبَ قَدْ كانَ في حالٍ يَعُودُ إلَيْها، وهَذا وإنْ كانَ مِمّا يَظْهَرُ في اللَفْظَةِ فَيَتَوَجَّهُ أنْ يُسَمّى مَعادًا ما لَمْ يَكُنِ المَرْءُ فِيهِ مُجَوَّزًا؛ ولِأنَّها أحْوالٌ تابِعَةٌ لِلْمَعادِ الَّذِي هو النُشُورُ مِنَ القُبُورِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو ﴾ الآيَةُ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مُضْمَنُهُ تَقْدِيرُ النِعْمَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ، وأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى رَحِمَهُ رَحْمَةً لَمْ يَحْتَسِبْها ولا بَلَغَها أمَلُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتَ تَرْجُو ﴾ الآيَةُ كَلامٌ مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴾ أيْ: وأنْتَ بِحالِ مَن لا يَرْجُو ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُلْقى إلَيْكَ ﴾ عِبارَةٌ عن إعْلانِ النُبُوَّةِ وتَبْلِيغِ القُرْآنِ، كَما تَقُولُ: ألْقى فَلانٌ إلى فُلانٍ بِالرِياسَةِ، ونَحْوُ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ نُصِبَ عَلى اسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ، أيِ: اشْتَدَّ يا مُحَمَّدُ في تَبْلِيغِكَ، ولا تَلِنْ، ولا تَفْشَلْ، فَتَكُونَ مَعُونَتُهُ لِلْكافِرِينَ بِهَذا الوَجْهِ، أيْ: بِالفُتُورِ عنهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَصُدُّنَّكَ عن آياتِ اللهِ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ وادْعُ إلى رَبِّكَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يَصُدُّنَّكَ" أيْ: بِأقْوالِهِمْ وكَذِبِهِمْ وأذاهُمْ، ولا تَلْتَفِتُ نَحْوَهُ وامْضِ لِشَأْنِكَ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَلا يَصُدُّنْكَ" بِجَزْمِ النُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وادْعُ إلى رَبِّكَ ﴾ وجَمِيعُ الآيَةِ يَتَضَمَّنُ المُهادَنَةَ والمُوادَعَةَ، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَدْعُو رَسُولَ اللهِ إلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ أوثانِهِمْ، وعِنْدَ ذَلِكَ ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ أمْرَ الغَرانِيقِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ نَهْيٌ عَمّا هم بِسَبِيلِهِ، فَهُمُ المُرادُ وإنْ عَرِيَ اللَفْظُ مِن ذِكْرِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا وجْهَهُ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ، والمَعْنى: هالَكٌ إلّا هُوَ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ مِنهم أبُو المَعالِي رَحِمَهُ اللهُ، وقالَ الزَجّاجُ: إلّا إيّاهُ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: المُرادُ: إلّا ما أُدِّيَ لِوَجْهِهِ، أيْ: ما عُمِلَ لِذاتِهِ مِن طاعَةٍ، وتَوَجُّهٍ بِهِ نَحْوَهُ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ..........
رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ: "أرَدْتُ بِفِعْلِي وجْهَ اللهِ تَعالى".
ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ الحُكْمُ ﴾ أيْ فَصْلُ القَضاءِ وإنْفاذِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ إخْبارٌ بِالحَشْرِ والعَوْدَةِ مِنَ القُبُورِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ وفَتْحِ الجِيمَ، وقَرَأ عِيسى: "يَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالوَجْهَيْنِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَصَصِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ