المحرر الوجيز سورة العنكبوت

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة العنكبوت

تفسيرُ سورةِ العنكبوت كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 95 دقيقة قراءة

تفسير سورة العنكبوت كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

الٓمٓ ١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٣

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العنكَبُوتِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا الصَدْرَ مِنها، العَشْرَ الآياتِ، فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ في شَأْنِ مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وفي هَذا اخْتِلافٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، وقَرَأ ورْشٌ: "الم احْسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا" بِفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بَعْدَها، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى المِيمِ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا بِمَكَّةَ، وكانَ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ يُؤْذُونَهم ويُعَذِّبُونَهم عَلى الإسْلامِ، فَكانَتْ صُدُورُهم تَضِيقُ لِذَلِكَ، ورُبَّما اسْتُنْكِرَ أنْ يُمَكِّنَ اللهُ الكَفَرَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَلِّيَةً ومُعْلِمَةً أنَّ هَذِهِ السِيرَةَ هِيَ سِيرَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ اخْتِبارًا لِلْمُؤْمِنِينَ وقْتَئِذٍ؛ لِيَعْلَمَ الصادِقَ ويَرى ثَوابَ اللهِ تَعالى لَهُ، ويَعْلَمَ الكاذِبَ ويَرى عِقابَهُ إيّاهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ -وَإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بِهَذا السَبَبِ، وفي هَذِهِ الجَماعَةِ- فَهي بِمَعْناها باقِيَةٌ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، مَوْجُودٌ حُكْمُها بَقِيَّةَ الدَهْرِ، وذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ مِنَ اللهِ تَعالى باقِيَةٌ في ثُغُورِ المُسْلِمِينَ بِالأسْرِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإذا اعْتُبِرَ أيْضًا كُلُّ مَوْضِعٍ فَفِيهِ ذَلِكَ بِالأمْراضِ وأنْواعِ المِحَنِ، ولَكِنَّ الَّتِي تُشْبِهُ نازِلَةَ المُؤْمِنِينَ مَعَ قُرَيْشٍ هي ما ذَكَرْناهُ مَعَ أمْرِ العَدُوِّ في كُلِّ ثَغْرٍ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ ؛ -إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللهِ- ونُظَرائِهِ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: سَبَبُ الآيَةِ ما كُلِّفَهُ المُؤْمِنُونَ، أمّا الفِتْنَةُ فَهي الهِجْرَةُ الَّتِي لَمْ يُتْرَكُوا دُونَها؛ لا سِيَّما وقَدْ لَحِقَهم بِسَبَبِها أنِ اتَّبَعَهُمُ الكُفّارُ ورَدُّوهم وقاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ ونَجا مَن نَجا.

وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في مُسْلِمِينَ كانُوا بِمَكَّةَ وكَرِهُوا الجِهادَ والقِتالَ حِينَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ  .

و"حَسِبَ" مَعْناهُ: ظَنَّ، و"أنْ" نُصِبَ بِـ "حَسِبَ"، وهي والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، و"أنْ" الثانِيَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ إسْقاطِ حَرْفِ الخَفْضِ، وتَقْدِيرُهُ: "بِأنْ يَقُولُوا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ: "لِأنْ يَقُولُوا"، والمَعْنى في الباءِ واللامِ مُخْتَلِفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ في الباءِ كَما تَقُولُ: "تَرَكْتُ زَيْدًا بِحالِهِ"، وهي في اللامِ بِمَعْنى: "مِن أجْلِ"، أيْ: حَسِبُوا أنَّ إيمانَهم عِلَّةٌ لِلتُّرْكِ.

و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِمُ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأنْبِياءِ في سالِفِ الدَهْرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَيَعْلَمْنَّ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ الثانِيَةِ، ومَعْنى ذَلِكَ: لَيُظْهِرَنَّ عِلْمَهُ ويُوجِدُ ما عَلِمَهُ أزَلًا، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِهَذا أزَلًا قَدِيمٌ، وإنَّما هو عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ بِالحالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها العِلْمُ القَدِيمُ، والصِدْقُ والكَذِبُ عَلى بابِهِما، أيْ: مَن صَدَقَ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ ومَن كَذَبَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ، وإنَّما أرادَ بِهِما الصَلابَةَ في الدِينِ، أوِ الِاضْطِرابِ فِيهِ وفي جِهادِ العَدُوِّ، ونَحْوِ هَذا، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ الرِجالَ إذا ما كَذَّبَ اللَيْثُ عن أقْرانِهِ صَدَقا قالَ النَقّاشُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "صَدَقُوا" إلى مِهْجَعِ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَيُعْلِمَنَّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ اللامِ الثانِيَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحُدُّها أنْ يُعْلِمْ في الآخِرَةِ هَؤُلاءِ الصادِقِينَ والكاذِبِينَ بِمَنازِلِهِمْ مِن ثَوابِهِ وعِقابِهِ، وبِأعْمالِهِمْ في الدُنْيا، بِمَعْنى يُوقِفُهم عَلى ما كانَ مِنهُمْ، والثانِي أنْ يُعْلِمُ الناسَ والعالَمَ هَؤُلاءِ الصادِقِينَ والكاذِبِينَ، أيْ: يَفْضَحُهم ويُشْهِرُهُمْ، هَؤُلاءِ في الخَيْرِ، وهَؤُلاءِ في الشَرِّ، وذَلِكَ في الدُنْيا والآخِرَةِ، والثالِثُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ العَلامَةِ، أيْ: يَضَعُ لِكُلِّ طائِفَةٍ عَلَمًا تُشْهَرُ بِهِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- يَنْظُرُ إلَيْها قَوْلُ النَبِيِّ  : «مَن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها».

وعَلى كُلِّ مَعْنًى مِنها فَفِيها وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الصادِقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ الأُولى كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، والثانِيَةَ كَقِراءَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٤ مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍۢ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٥ وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لآتٍ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ "أمْ" مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ في قَوْلِهِ: "أحَسِبَ"، وكَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَرَّرَ الفَرِيقَيْنِ، قَرَّرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُفْتَنُونَ، وقَرَّرَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ بِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم يَسْبِقُونَ عِقابَ اللهِ تَعالى ويُعْجِزُونَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ ﴾ -وَإنْ كانَ الكَفّارُ المُرادَ الأوَّلَ بِحَسْبِ النازِلَةِ الَّتِي الكَلامُ فِيها- فَإنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَعُمْ كُلَّ عاصٍ وعامِلِ سَيِّئَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، فَهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَأْنِيسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَظْهَرُ في وعْدِهِ بِالنَصْرِ في القِيامَةِ، وبِأنَّهُ آتٍ؛ إذْ قَدْ أجَّلَهُ اللهُ تَعالى وأخْبَرَ بِهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللهِ ﴾ تَثْبِيتٌ، أيْ: مَن كانَ عَلى هَذا الحَقِّ فَلْيُوقِنْ بِأنَّهُ آتٍ ولْيَزْدَدْ بَصِيرَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "يَرْجُو" هُنا بِمَعْنى: يَخافُ، والصَحِيحُ أنَّ الرَجاءَ هُنا عَلى بابِهِ، وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لِقاءَ ثَوابِ اللهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ مَعْناهُ: لِأقْوالِ كُلِّ فُرْقَةٍ، العَلِيمُ بِالمُعْتَقَداتِ الَّتِي لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُجازى بِفِعْلِهِ الحَسَنِ، فَهو حَظُّهُ الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُفَرِّطَ فِيهِ، فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن جِهادِهِ وعَنِ العالَمِينَ بِأسْرِهِمْ.

وهاتانِ الآيَتانِ كَأنَّهُما [.....] عَلى سَواءٍ إلى الطائِفَةِ المُرْتابَةِ المُتَرَدِّدَةِ في فِتْنَةِ الكَفّارِ، الَّتِي كانَتْ تُنْكِرُ أنْ يَنالَ الكُفّارُ المُؤْمِنِينَ بِمَكْرُوهٍ، وتَرْتابُ مِن أجْلِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: مَن كانَ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ فَإنَّ الأمْرَ حُقٌّ في نَفْسِهِ، واللهُ تَعالى بِالمِرْصادِ، أيْ: هَذِهِ بَصِيرَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَها لِوَجْهِ أحَدٍ.

وكَذَلِكَ مَن جاهَدَ فَثَمَرَةُ جِهادِهِ لَهُ، فَلا يَمُنُّ بِذَلِكَ عَلى أحَدٍ، وهَذا كَما يَقُولُ المُناظِرُ عِنْدَ سَوْقِ حُجَّتِهِ: مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الحَقِّ فَإنَّ الأمْرَ كَذا وكَذا، ونَحْوُ هَذا فَتَأمَّلْهُ.

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن جاهَدَ عَدُّوَّهُ لِنَفْسِهِ لا يُرِيدُ وجْهَ اللهِ، فَإنَّما جِهادُهُ لِنَفْسِهِ لا لِلَّهِ تَعالى، ولَيْسَ لِلَّهِ بِجِهادِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ هم في أعْلى رُتْبَةٍ مِنَ البِدارِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أشادَ بِهِمْ عَزَّ وجَلَّ وبِحالِهِمْ لِيُقِيمَ بِهِمْ نُفُوسَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الكُفّارُ إلى الحُصُولِ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، و"السَيِّئَةُ": الكُفْرُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ مَعَ الأعْمالِ الصالِحَةِ واجْتِنابِ الكَبائِرِ، وفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ ﴾ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًۭا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ ٩ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌۭ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٠ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مَن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكم أوَلَيْسَ اللهِ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَصَّيْنا" الآيَةُ.

رُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وَذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ، فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ بِظِلٍّ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْها ويَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ  ، فَلَجَّ هو في هِجْرَتِهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ.

وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ اعْتَراهُ في دِينِهِ نَحْوٌ مِن هَذا؛ إذْ خَدَعَهُ أبُو جَهْلٍ لَعَنَةُ اللهِ عَلَيْهِ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ....

الحَدِيثُ في كِتابِ السِيرَةِ.

ولا مِرْيَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ يَشْقى بِجِهادِ أبَوَيْهِ في شَأْنِ الإسْلامِ والهِجْرَةِ، فَكَأنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ النَهْيُ عن طاعَةِ الأبَوَيْنِ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ولَمّا كانَ بِرُّ الوالِدَيْنِ وطاعَتُهُما مِنَ الأمْرِ الَّتِي قَرَّرَتْها الشَرِيعَةُ وأكَّدَتْها، وكانَ مِنَ الأمْرِ القَوِيِّ المُلْزِمْ عِنْدَهُمْ، قَدَّمَ تَعالى عَلى النَهْيِ عن طاعَتِهِما في الشِرْكِ بِاللهِ قَوْلَهُ: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ ، عَلى مَعْنى: إنّا لا نُحِلُّ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ، لَكِنّا لا نُسَلِّطُ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، لا سِيَّما في مَعْنى الإيمانِ والكُفْرِ.

وقَوْلُهُ: "حُسْنًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، ويُسَهِّلُهُ كَوْنُهُ عامًّا لَمَعانٍ، كَما تَقُولُ: وصَّيْتُكَ خَيْرًا، أو وصَّيْتُكَ شَرًّا، عَبَّرَ بِذَلِكَ عن جُمْلَةِ ما قُلْتَ لَهُ، ويُحَصِّنُ ذَلِكَ دُونَ حَرْفِ الجَرِّ كَوْنُ حَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"؛ لِأنَّ المَعْنى: ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِالحُسْنِ في فِعْلِهِ مَعَ والِدَيْهِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: عَجِبْتُ مِن دَهْماءَ إذْ تَشْكُونا ومِن أبِي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا ∗∗∗ خَيْرًا بِها فَكَأنَّنا جافَوْنا وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: "بِوالِدَيْهِ"، ويَنْتَصِبُ "حُسْنًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: يُحْسِنُ حَسَنًا، ويَنْتَصِبُ انْتِصابَ المُصَدِّرِ، وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ: "حَسَنًا" بِفَتْحَتَيْنِ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ: في الإمامِ مَكْتُوبٌ: "بِوالِدَيْهِ إحْسانًا"، قالَ أبُو حاتِمْ: يَعْنِي كالأحْقافِ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إحْسانًا" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ وعِيدٌ في طاعَةِ الوالِدَيْنِ في مَعْنى الكُفْرِ.

ثُمْ كَرَّرَ تَعالى التَمْثِيلَ بِحالَةِ المُؤْمِنِينَ لِيُحَرِّكَ النُفُوسَ إلى نَيْلِ مَراتِبِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُدْخِلَنَّهم في الصالِحِينَ ﴾ مُبالَغَةٌ، عَلى مَعْنى: الَّذِينَ هم في نِهايَةِ الصَلاحِ وأبْعَدِ غاياتِهِ، وإذا تَحَصَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ هَذا الحُكْمُ تَحَصَّلَ ثَمَرُهُ، وجَزاؤُهُ هو الجَنَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا بِمَكَّةَ مُخْتَفِينَ بِإسْلامِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَلَمّا خَرَجَ كُفّارُ قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ أخْرَجُوا مَعَ أنْفُسِهِمْ طائِفَةً مِن هَؤُلاءِ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانُوا أصْحابَنا وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ لِمَن بَقِيَ بِمَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ ورَدُّوهم إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمْ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فَخَرَجُوا، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ ﴾ في مُنافِقِينَ كَفَرُوا لَمّا أُوذُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ ﴾ أيْ: صَعُبَ عَلَيْهِ أذى الناسِ حِينَ صَدُّوهُ، وكانَ حَقُّهُ ألّا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ، وأنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ في جَنْبِ نَجاتِهِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.

ثُمْ أزالَ تَعالى مَوْضِعَ تَعَلُّقِهِمْ ومُغالَطَتِهِمْ إنَّ جاءَ نَصْرٌ، ثُمْ قَرَّرَهم عَلى عِلْمِ اللهِ تَعالى بِما في صُدُورِهِمْ، أيْ: لَوْ كانَ يَقِينًا تامًّا وإسْلامًا خالِصًا لَما تَوَقَّفُوا ساعَةً، ولَرَكِبُوا كُلَّ هَوْلٍ إلى هِجْرَتِهِمْ ودارِ نَبِيِّهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ ﴾ ، تَفْسِيرُهُ عَلى حَدِّ ما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ.

وهُنا انْتَهى المَدَنِيُّ في هَذِهِ السُورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَمَا هُم بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُم مِّن شَىْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١٢ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًۭا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ١٣ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًۭا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ ١٤ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَـٰهَآ ءَايَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهم ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ وهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ شائِعَةً مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالُوا لِأتْباعِ النَبِيِّ  : ادْخُلُوا في أمْرِنا، وأقِرُّوا بِآلِهَتِنا واعْبُدُوها، ونَحْنُ لِيَقِينِنا أنَّهُ لا بَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ ولا رُجُوعَ نَضْمَنُ لَكم حَمْلَ خَطاياكُمْ، ونَحْمِلُها عنكم فِيما دَعَوْناكم إلَيْهِ إنْ كانَ في ذَلِكَ دَرْكٌ كَما تَزْعُمُونَ أنْتُمْ، وقَوْلُهُمْ: "وَلْنَحْمِلْ" إخْبارٌ أنَّهم يَحْمِلُونَ خَطاياهم عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالنَقْلِ، ولَكِنَّهم أخْرَجُوهُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّها أوجَبُ وأشَدُّ تَأْكِيدًا في نَفْسِ السامِعِ مِنَ المَجازاتِ، وهَذا نَحْوُ قالَ الشاعِرُ: فَقُلْتُ ادْعِي وأدْعُ فَإنَّ أنْدى لِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ داعِيانِ وَلِكَوْنِهِ خَبَرًا حَسُنَ تَكْذِيبُهم فِيهِ، فَأخْبَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ باطِلٌ، وأنَّهم لَوْ فَعَلُوهُ لَمْ يُتَحَمَّلْ عن أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِهِمْ شَيْءٌ مِن خَطاياهُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْنَحْمِلْ" بِجَزْمِ اللامِ، وقَرَأ عِيسى ونُوحٌ القارِي: "وَلِنَحْمِلْ" بِكَسْرِ اللامِ.

وقَرَأ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: "مِن خَطَيِهِمْ" بِكَسْرِ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "مِن خَطِيئاتِهِمْ" بِكَسْرِ الطاءِ وهَمْزَةٍ وتاءٍ بَعْدَ الألِفِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الحَمْلُ هو مِنَ الحَمالَةِ لا مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَهْرِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ أنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ، أيْ: أثْقالًا مِن كُفْرِهِمُ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ ويَتَلَبَّسُونَ بِهِ، ﴿ وَأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ يُرِيدُ: ما يَلْحَقُهم مِن أعْوانِهِمْ وأتْباعِهِمْ، فَإنَّهُ يَلْحَقُ بِكُلِّ داعٍ إلى ضَلالَةٍ كِفْلٌ مِنها حَسَبَ الحَدِيثِ المَشْهُورِ، «أيُّما داعٍ إلى هُدًى فاتُّبِعَ عَلَيْهِ فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أجْرِهِمْ شَيْئًا، وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ».....

الحَدِيثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما كانَتْ مَعَ أثْقالِهِمْ لِكَوْنِها بِسَبَبِ غَيْرِهِمْ وعن غَيْرِ كُفْرٍ تَلْبَّسُوهُ، فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ أثْقالِهِمْ، ولَمْ يَنْسِبْها إلى غَيْرِهِمْ، بَلْ جَعَلَها في رُتْبَةٍ أُخْرى فَقَطْ، فَهم فِيها إنَّما يَزِرُونَ بِوِزْرِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ يَتَرَتَّبُ حَمْلُ أثْقالِ الغَيْرِ بِما ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  : «فَإنْ لَمْ يَبْقَ لِلظّالِمْ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فاطَّرَحَ فَطُرِحَ عَلَيْهِ».

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَيُسْئَلُنَّ" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، لا عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ والِاسْتِعْلامِ، و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكُفْرِ ودَعْوى الصاحِبَةِ والوَلَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا ﴾ الآيَةُ.

قِصَّةٌ فِيها تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  عَمّا تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ قَبْلَها مِن تَعَنُّتِ قَوْمِهِ، وفِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيها وعِيدٌ لَهم بِتَمْثِيلِ أمْرِهِمْ بِأمْرِ قَوْمِ نُوحٍ، والواوُ في قَوْلِهِ "وَلَقَدْ" عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، والقَسَمُ فِيها بِعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أرْسَلْنا"، "فَلَبِثَ"، هَذا العَطْفُ بِالفاءِ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّهُ لَبِثَ هَذِهِ المُدَّةَ رَسُولًا يَدْعُو، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ المَذْكُورَةُ مُدَّةَ إقامَتِهِ، مِن لَدُنْ مَوْلِدِهِ إلى غَرَقِ قَوْمِهِ، وأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فاخْتُلِفَ في سِنِّهِ الَّتِي بُعِثَ عِنْدَها، فَقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: ثَمانُونَ، وقالَ عَوْنُ بْنُ أبِي شَدّادٍ: ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسُونَ، ولِذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وفاتُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ غَرَقِ قَوْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ، وَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عُمِّرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسِينَ عامًا، وأنَّهُ عاشَ ألْفَ سَنَةٍ وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةٍ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فَأخَذَهُمُ الطُوفانُ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أخَذَ قَوْمَهُ فَقَطْ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غَرِقَ في الطُوفانِ طائِفَةٌ مِنَ الأرْضِ وهي المُخْتَصَّةُ بِقَوْمِ نُوحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -هِيَ الجُمْهُورُ-: إنَّما غَرِقَتِ المَعْمُورَةُ كُلُّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو ظاهِرُ الأمْرِ؛ لِاتِّخاذِهِ السَفِينَةَ، ولِبَعْثِهِ الطَيْرَ تَرْتادُ زَوالَ الماءِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَلائِلِ، وبَقِيَ أنْ يُعْتَرَضَ هَذا بِأنْ يُقالَ: كَيْفَ غَرِقَ الجَمِيعُ والرِسالَةُ إلى البَعْضِ؟

فالوَجْهُ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اخْتِصاصَ نَبِيٍّ بِأُمَّةٍ لَيْسَ هو بِألّا يَهْدِيَ غَيْرَها، ولا يَدْعُوَها إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى، وإنَّما هو بِألّا يَأْخُذَ بِقَتْلِ غَيْرِها، ولا يَبُثَّ العِباداتِ فِيهِمْ، ولَمْ يَكُنِ الناسُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرِينَ بِحُكْمِ القُرْبِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلا مَحالَةَ أنَّ دُعاءَهُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى قَدْ كانَ بَلَغَ الكُلَّ، فَنالَهُمُ الغَرَقُ لِإعْراضِهِمْ وتَمادِيهِمْ.

و"الطُوفانُ": العَظِيمُ الطامِّي، ويُقالُ ذَلِكَ لِكُلِّ طامٍّ خَرَجَ عَنِ العادَةِ مِن ماءٍ أو نارٍ أو مَوْتٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أفْناهم طُوفانُ مَوْتٍ جارِفٌ و"طُوفانٌ" وزْنُهُ فُعْلانٌ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: طافَ يَطُوفُ إذا عَمَّ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الماءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم ظالِمُونَ ﴾ يُرِيدُ: بِالشِرْكِ.

وَ " أصْحابَ السَفِينَةِ " تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ الخِلافُ في عَدَدِهِمْ، وهم بَنُوهُ وقَوْمٌ آمَنُوا، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى السَفِينَةِ، و"الآيَةُ" هُنا العِبْرَةُ والعَلامَةُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في شِدَّةِ بَطْشِهِ، قالَ قَتادَةُ: أبْقاها آيَةً عَلى الجُودِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٦ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًۭا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ واتَّقُوهُ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أوثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " إبْراهِيمَ " مَعْطُوفًا عَلى " نُوحٍ "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَمِيرِ في "أنْجَيْناهُ"، ويَجُوزُ أنْ يَنْصِبَهُ فِعْلٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إبْراهِيمَ.

وهَذِهِ القِصَّةُ أيْضًا تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وكانَ نَمْرُوذُ وأهْلُ مَدِينَتِهِ عَبَدَةُ أصْنامٍ، فَدَعاهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، ثُمْ قَرَّرَ لَهم ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَلالِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَخْلُقُونَ إفْكًا"، وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْر ، وفُضَيْلٌ: "أفَكا" عَلى وزْنِ (فَعَلَ)، وهو مَصْدَرٌ كالكَذِبِ والضَحِكِ ونَحْوِهِ، واخْتَلَفَ في مَعْنى "تَخْلُقُونَ"، فَقِيلَ: هو نَحْتُ الأصْنامِ وخَلْقُها.

سَمّاها إفْكًا تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ يَفْتَرُونَ بِها الإفْكَ في أنَّها آلِهَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو اخْتِلاقُ الكَذِبِ في أمْرِ الأوثانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، وعَوْنُ العُقَيْلِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: "وَتَخَلَّقُونَ إفْكًا" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ اللامِ وفَتْحِها، و"الإفْكُ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- الكَذِبُ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأمْرٍ يَفْهَمُهُ عامَّتُهم وخاصَّتُهُمْ، وهو أمْرُ الرِزْقِ، فَقَرَّرَ أنَّ الأصْنامَ لا تُرْزَقُ، وأمْرُ الخَيْرِ عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وخَصَّصَ الرِزْقَ لِمَكانَتِهِ مِنَ الخَلْقِ، فَهو خَيْرٌ يَدُلُّ عَلى جِنْسِهِ كُلِّهِ.

ويُقالُ: شَكَرْتُ لَكَ، وشَكَرْتُكَ، بِمَعْنًى واحِدٍ.

ثُمْ أخْبَرَهم بِالمَعادِ والحَشْرِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ١٨ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ١٩ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكم وما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهُ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَشْأةَ الآخِرَةَ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُكَذِّبُوا ﴾ الآيَةُ.....

وعِيدٌ، أيْ: قَدْ كَذَّبَ غَيْرُكم وعَذَّبَ، وإنَّما عَلى الرَسُولِ البَلاغُ، وكُلُّ أحَدٍ -بَعْدَ ذَلِكَ- مَأْخُوذٌ بِعَمَلِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمْ -بِخِلافٍ عنهُ-: "أو لَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "أو لَمْ يَرَوْا" بِالياءِ، الأُولى عَلى المُخاطَبَةِ، والثانِيَةُ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُبْدِئُ"، وقَرَأ الزُبَيْرُ، عِيسى، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "يَبْدَأُ".

وهَذِهِ الإحالاتُ عَلى ما يَظْهَرُ مَعَ الإخْبارِ مِن إحْياءِ الأرْضِ والنَباتِ وإعادَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو دَلِيلٌ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ والحَشْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أوَلَمْ يَرَوْا بِالدَلائِلِ والنَظَرِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعِيدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الأجْسامَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ.

وقالَ الرَبِيعُ ابْنُ أنَسٍ: المَعْنى: كَيْفَ يَبْدَأُ خَلْقَ الإنْسانِ ثُمْ يُعِيدُهُ إلى أحْوالٍ أُخَرَ حَتّى إلى التُرابِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: الخَلْقُ في هَذِهِ الآيَةِ اللَيْلُ والنَهارُ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ -وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدًا إنْ كانَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَلاةُ السَلامُ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ- بِأنْ يَأْمُرَهم -عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ- بِالسَيْرِ في الأرْضِ، والنَظَرِ في كُلِّ قُطْرٍ، وفي كُلِّ أُمَّةٍ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فَإنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ ألّا خالِقَ إلّا اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ولا مُبْتَدِئًا بِالخَلْقِ سِواهُ، ثُمْ ساقَ -عَلى جِهَةِ الخَبَرِ- أنَّ اللهَ تَعالى هو المُبْتَدِئُ لِنَشْأةِ القِيامِ مِنَ القُبُورِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "النَشاءَةُ" عَلى وزْنِ (الفَعالَةُ)، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وهَذا كَما تَقُولُ: رَأْفَةٌ ورَآفَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ: "النَشْأةَ" عَلى وزْنِ (الفَعْلَةَ)، وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "النَشَّةَ" بِشِينٍ مُشَدَّدَةٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ يَقُومُ دَلِيلُ العَقْلِ عَلى جَوازِهِ، وأخْبَرَتِ الشَرائِعُ وُقُوعَهُ ووُجُودَهُ.

<div class="verse-tafsir"

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ٢١ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ٢٢ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ المَعْنى: يُيَسِّرُ مَن يَشاءُ لِأعْمالِ مَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، ويُيَسِّرُ مَن يَشاءُ لِأعْمالِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ، فَيَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ بِالِاكْتِسابِ المُقْتَرِنِ بِالِاخْتِراعِ الَّذِي لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى في أعْمالِ العَبِيدِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ إلَيْهِ المُنْقَلَبُ، وأنَّ البَشَرَ لَيْسَ بِمُعْجِزٍ ولا مُفْلِتٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَماءِ الهَواءُ عُلُوًّا، أيْ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ حِيلَةً صَعِدَ أو نَزَلَ، حَكى نَحْوَهُ الزَهْراوِيُّ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَماءَ المَعْرُوفَةَ، أيْ: لَسْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولَوْ كُنْتُمْ في السَماءِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا مَن في السَماءِ مُعْجِزٌ إنْ عَصى، ونَظَّرُوهُ -عَلى هَذا- بِقَوْلِ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءٌ؟

والتَأْوِيلُ الأوسَطُ أحْسَنُها، ونَحْوُهُ قَوْلُ الأعْشى: ولَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ ∗∗∗ لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهِرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عنكَ لَسْتَ بِمُلْجَمِ والوَلِيُّ أخَصُّ مِنَ النَصِيرِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ القَعْقاعِ، وابْنُ الحَرْثِ: "يَيِسُوا" بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمًا هانُوا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " أوَلَمْ يَرَوْا " إلى هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ  ، ويَكُونُ اعْتِراضًا في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِإبْراهِيمَ ومُحاوَرَةً لِقَوْمِهِ، وعِنْدَ آخِرِ ذَلِكَ ذَكَرَ جَوابَ قَوْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍۢ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًۭا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أو حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللهُ مِنَ النارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللهِ أوثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "جَوابَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "جَوابُ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ سالِمْ الأفْطَسُ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمّا بَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الحُجَجَ، وأوضَحَ أمْرَ الدِينِ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، وعَدُّوا عن طَرِيقِ الِاحْتِجاجِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِهِ قَبْلُ، فَتَآمَرُوا عَلى قَتْلِهِ وتَحْرِيقِهِ بِالنارِ، وأنْفَذُوا أمْرَ تَحْرِيقِهِ حَسَبَما قَدِ أُفِيضَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأنْجاهُ اللهُ تَعالى مِن نارِهِمْ، وجَعَلَها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، قالَ كَعْبُ الأحْبار : لَمْ تَحْرِقِ النارُ إلّا الحَبَلَ الَّذِي أوثَقُوهُ بِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً وعِبْرَةً، ودَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِهِ لِمَن شَرَحَ صَدْرَهُ ويَسَّرَهُ لِلْإيمانِ، أيْ: هَذا الصِنْفُ يَنْتَفِعُ بِالآيَةِ، والكُفّارُ هي عَلَيْهِمْ عَمًى وإنْ كانَتْ في نَفْسِها آيَةً لِلْكُلِّ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ قَرَّرَهم عَلى أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوثانَ والأنْصابَ إنَّما كانَ اتِّباعًا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحِفْظًا لِمَوَدّاتِهِمْ ومَحَبّاتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَلاعَنُونَ؛ لِأنَّ تَوادَّهم كانَ عَلى غَيْرِ تَقْوًى، و ﴿ الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ  ﴾ .

وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "مَوَدَّةٌ" بِالرَفْعِ "بَيْنَكُمْ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وأبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةٍ أبِي زَيْدٍ -: "مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ" بِالتَنْوِينِ والنَصْبِ، ونَصْبِ "بَيْنَ"، أمّا قِراءَةُ رَفْعِ "مَوَدَّةَ" فَوَجْهُهُما أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وفي قَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي"، وهَذا الضَمِيرُ هو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "اتَّخَذْتُمْ"، و"أوثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"مَوَدَّةٌ" خَبَرُ "إنَّ" في قِراءَةِ مَن نَوَّنَها، وفي قِراءَةِ مَن لَمْ يُنَوِّنْها.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" كافَّةً، ولا يَكُونُ في قَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أوثانًا" مَفْعُولًا بِقَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ"، ثُمْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ويُقَدِّرُ الثانِي: "آلِهَةً" أو نَحْوَهُ، كَما يُقَدِّرُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ  ﴾ أيْ: "إلَهًا" ﴿ سَيَنالُهم غَضَبٌ  ﴾ ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مَوَدَّةٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ مَوَدَّةٌ"، وفي هَذِهِ التَأْوِيلاتِ مَجازٌ واتِّساعٌ في تَسْمِيَةِ الأوثانِ مَوَدَّةً، أو يَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وأمّا مَن نَصَبَ "مَوَدَّةً" فَعَلى أنَّ "ما" كافَّةٌ، وعَلى خُلُوِّ "اتَّخَذْتُمْ" مِنَ الضَمِيرِ، والِاقْتِصارُ عَلى المَفْعُولِ الواحِدِ كَما تَقَدَّمَ، ويَكُونُ نَصْبُ "المَوَدَّةَ" عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ.

ومَن أضافَ "المَوَدَّةَ" إلى "البَيْنِ" في القِراءَتَيْنِ بِالنَصْبِ والرَفْعِ فَقَدْ تَجُوزُ في ذَلِكَ وأجْرى الظَرْفَ مَجْرى الأسْماءِ، ومَن نَصَبَ "بَيْنَكُمْ" في القِراءَتَيْنِ النَصْبُ والرَفْعُ- في "مَوَدَّةَ" فَكَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ انْتِصابَ الظُرُوفِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقًا بـِ "مَوَدَّةَ"، وكَذَلِكَ ﴿ وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ ﴾ ظَرْفٌ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بـِ "مَوَدَّةَ"، وهو مَصْدَرٌ عَمِلَ في ظَرْفَيْنِ مِن حَيْثُ افْتَرَقَ الزَمانُ والمَكانُ، ولَوْ كانَ لِواحِدٍ مِنهُما لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ في السُوقِ"، ولا تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ البارِحَةَ"؛ إلّا أنْ يَكُونَ أحَدُ الظَرْفَيْنِ جُزْءًا لِلْآخَرِ، تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ عَشِيَّةً".

ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ "بَيْنَكُمْ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ المَوَدَّةِ، وهُنا مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "مَوَدَّةً ثابِتَةً بَيْنَكُمْ"، وفي الظَرْفِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "مَوَدَّةَ"، لَمّا حُذِفَتْ "ثابِتَةً" اسْتَقَرَّ الضَمِيرُ في الظَرْفِ نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ ﴾ ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الكائِنِ في "بَيْنِكُمْ" بَعْدَ حَذْفِ "ثابِتَةٍ"، وهَذِهِ الحالُ مُتَعَلِّقَةٌ بـِ "مَوَدَّةَ"، وجازَ تَعَلُّقُها بِها وهي قَدْ وُصِفَتْ لِأنَّ مَعْنى الفِعْلِ فِيها، وإنْ وُصِفَتْ فَلا يُمْتَنَعُ أنْ يَعْمَلَ مَعْنى الفِعْلِ إلّا في المَفْعُولِ، فَأمّا في الظَرْفِ وفي الحالِ فَيُعْمَلُ، قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " في الحَياةِ " صِفَةٌ ثابِتَةٌ لـِ "مَوَدَّةَ"، ويَكُونُ فِيها مُقَدَّرٌ "مُسْتَقِرَّةٌ"، وفِيها ضَمِيرٌ ثانٍ عائِدٌ إلى "مَوَدَّةَ"، فالتَقْدِيرُ -عَلى هَذا- مَوَدَّةُ بَيْنِكم مُسْتَقِرَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "مَوَدَّةَ" في قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ"، ويَكُونُ في ذَلِكَ اتِّساعٌ، فَتَأمَّلْهُ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "مَوَدَّةَ بَيْنِهِمْ" بِالهاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ".

<div class="verse-tafsir"

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢٦ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٢٧ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ ﴾ "آمَنَ" مَعْناهُ: صَدَّقَ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى بِالباءِ وبِاللامِ، والقائِلُ ﴿ إنِّي مُهاجِرٌ ﴾ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ.

ومِمّا صَحَّ مِنَ القِصَصِ أنَّ إبْراهِيمَ ولُوطًا هاجَرا مِن قَرْيَتِهِما " كَوْثى " وهي في سَوادِ الكُوفَةُ مِن أرْضِ بابِلَ إلى بِلادِ الشامِ، فِلَسْطِينَ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرا إلى حَرّانِ، ثُمْ أُمِرا بَعْدُ إلى الشامِ، وفي هَذِهِ الهِجْرَةِ كانَتْ سارَّةُ في صُحْبَةِ إبْراهِيمَ، واعْتَراها أمْرُ المَلِكِ.

و"المُهاجِرُ": النازِعُ عَنِ الأمْرِ، وهو في عُرْفِ الشَرْعِ مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضى اللهِ تَعالى، وقَدْ ذَهَبَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ مُحَمَّدٍ  قَبْلَ الفَتْحِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ مَعَ الهِجْرَةِ إلَيْهِ صِفَتانِ بَلِيغَتانِ تَقْتَضِي اسْتِحْقاقَ التَوَكُّلِ عَلَيْهِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ إلى رَبِّي ﴾ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: إلى رِضى رَبِّي، أو نَحْوِ هَذا.

وإسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ هو الَّذِي بَشَّرَ بِهِ، وبَشَّرَ بِيَعْقُوبَ مِن ورائِهِ، وهو ولَدُ إسْحاقَ، و"الكِتابَ" اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: جَعَلَ اللهُ تَعالى في ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ والزَبُورُ والفَرْقانُ، وعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ أجْرَهُ في الدُنْيا ﴾ يُرِيدُ: في حَياتِهِ بِحَيْثُ أدْرَكَ ذَلِكَ وسُرَّ بِهِ، والأجْرُ الَّذِي آتاهُ اللهُ تَعالى العافِيَةَ مِنَ النارِ، ومِنَ المَلِكِ الجائِرِ، والعَمَلِ الصالِحِ، والثَناءِ الحَسَنِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

وأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَوَلّاهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ العَيْنُ بِحَسَبِ طاعَةِ اللهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.

ثُمْ أخْبَرَ عنهُ أنَّهُ في الآخِرَةِ في عِدادِ الصالِحِينَ الَّذِينَ نالُوا رِضى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفازُوا بِرَحْمَتِهِ وكَرامَتِهِ العُلْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ولُوطًا نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ لُوطًا، و"الفاحِشَةَ": إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ، وهي مَعْصِيَةٌ ابْتَدَعَها قَوْمُ لُوطٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٢٩ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ٣٠ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوٓا۟ إِنَّا مُهْلِكُوٓا۟ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ ٣١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ وتَقْطَعُونَ السَبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في "أإنَّكُمْ"، واخْتَلَفَ الناسُ في "قَطْعِ السَبِيلِ" المُشارِ إلَيْها هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ قَطْعُ الطَرِيقِ بِالسَلْبِ فاشِيًّا فِيهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطُرُقَ عَلى الناسِ لِطَلَبِ الفاحِشَةِ، فَكانُوا يَحِيفُونَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ قَطْعَ سَبِيلِ النَسْلِ في تَرْكِ النِساءِ وإتْيانِ الرِجالِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ أنَّهم بِفَتْحِ الأُحْدُوثَةِ عنهم يَقْطَعُونَ سَبِيلَ الناسِ عن قَصْدِهِمْ في التِجاراتِ وغَيْرِها.

و"النادِي": المَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ الناسُ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ الأنْدِيَةَ في المُدُنِ كَثِيرَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: وتَأْتُونَ في اجْتِماعِكم حَيْثُ اجْتَمَعْتُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في "المُنْكَرِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا يَحْذِفُونَ الناسَ بِالحَصى، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ والخاطِرِ عَلَيْهِمْ، ورَوَتْهُ أمُّ هانِئٍ عَنِ النَبِيِّ  ، وكانُوا لا يَرْبُطُهم دِينٌ ولا مُرُوءَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ، ومَنصُورٌ: كانُوا يَأْتُونَ الرِجالَ في مَجالِسِهِمْ وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مُنْكَرُهم أنَّهم كانُوا يَتَفاعَلُونَ في مَجالِسِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: كانَ أمْرُهم لِعْبُ الحَمامِ، وتَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَفِيرِ، والحَذْفِ، ونَبْذِ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الأشْياءُ في بَعْضِ عُصاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، فالتَناهِي واجِبٌ.

فَلَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ رَجَعُوا إلى التَكْذِيبِ واللَجاجِ، أيِ: ائْتِنا بِالعَذابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وهم لَمْ يَقُولُوا هَذا إلّا وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ، ولَيْسَ يَصِحُّ في الفِطْرَةِ أنْ يَكُونَ مُعانِدٌ يَقُولُ هَذا، [ثُمُ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةً لِعَذابِهِمْ]، فَجاؤُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِإسْحاقَ، ومُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ، وكانَ لِقاؤُهم لِإبْراهِيمَ عَلى الصُورَةِ الَّتِي بُيِّنَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَلَفْظَةُ "البُشْرى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- تَتَضَمَّنُ أمْرَ إسْحاقَ ونُصْرَةَ لُوطٍ عَلَيْهِما السَلامُ، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِإهْلاكِ القَرْيَةِ عَلى ظُلْمِهِمْ أشْفَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَعارَضَهم بِحَسَبِ ما يَأْتِي.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًۭا ۚ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٣٢ وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ ٣٣ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ٣٤ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَلِمْ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ أنَّ قَرْيَةَ لُوطٍ تُعَذَّبُ أشْفَقَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَجادَلَ المَلائِكَةَ، وقالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ مِائَةُ بَيْتٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتَتْرُكُونَهُمْ؟

قالُوا: لَيْسَ فِيهِمْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَنْحَدِرُ حَتّى انْتَهى إلى عَشَرَةِ أبْياتٍ، فَقالَ لَهُ المَلائِكَةُ: لَيْسَ فِيها عَشْرَةٌ، ولا خَمْسَةٌ، ولا ثَلاثَةٌ، ولا اثْنانِ، فَحِينَئِذٍ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ فِيها لُوطًا، فَراجَعُوهُ حِينَئِذٍ بِأنّا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها، أيْ: لا تَخَفْ أنْ يَقَعَ حَيْفٌ عَلى مُؤْمِنٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لَنُنَجِّيَنَّهُ" بِفَتْحِ النُونِ الوُسْطى وشَدِّ الجِيمِ، و"مُنَجُّوكَ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لَنُنْجِيَنَّهُ " بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: " لَنُنَجِّيَنَّهُ " بِالتَشْدِيدِ، و"مُنْجُوكَ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنُنْجِيَنْهُ" بِسُكُونِ النُونِ الأخِيرَةِ مِنَ الكَلِمَةِ، وهَذا إنَّما يَجِيءُ عَلى أنَّهُ خَفَّفَ النُونَ المُشَدَّدَةَ وهو يُرِيدُها.

وامْرَأةُ لُوطٍ هَذِهِ كانَتْ كافِرَةً، وتُنَبِّهُ عَلى أضْيافِهِ، و"الغابِرُ": الباقِي، ومَعْناهُ: مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ مِنَ الغابِرِينَ ﴾ أيْ: مِمَّنْ غَبَرَ وبَقِيَ مِنَ الناسِ وعَسى في كُفْرِهِ، والضَمِيرُ في "بِهِمْ" في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى الأضْيافِ الرُسُلِ، وذَلِكَ بِخَوْفِهِ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِما هم فِيهِ فَرَّجَ عنهُ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ: "سِيءَ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ بِضَمِّها، و"الرِجْزُ": العَذابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ أيْ: عَذابُهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وكَذَلِكَ كَلُّ أُمَّةٍ عَذَّبَها اللهُ فَإنَّما عَذَّبَها عَلى الفِسْقِ والمَعْصِيَةِ، ولَكِنْ بِأنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ عَذابَ الآخِرَةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ" بِكَسْرِ السِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها ﴾ ، أيْ: مَن خَبَّرَها وما بَقِيَ مِن أثَرِها، فَـ "مَنَّ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، عَلى أنْ تُرِيدَ ما تَرَكَ مِن بَقايا تِلْكَ القَرْيَةِ ومَنظَرِها، والآيَةُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ، وعَلامَةُ القُدْرَةِ، ومُزْدَجَرُ النُفُوسِ عَنِ الوُقُوعِ في سُخْطِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مُنْزِلُونَ" بِتَخْفِيفِ الزايِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "مُنَزَّلُونَ" بِشَدِّ الزايِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وعاصِمْ -بِخِلافٍ عنهُما-، وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَسَنُ وعاصِمْ بِخِلافٍ عنها-، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنّا مُرْسَلُونَ" بَدَلُ "مُنْزِلُونَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رِجْزًا" بِضَمِّ الراءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٣٦ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ ٣٧ وَعَادًۭا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ ٣٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ نُصِبَ "شُعَيْبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَحْسُنُ مَعَ التَقْدِيرِ: وبَعَثْنا أو أرْسَلْنا، فَأُمِرَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ، ومَعَ الإيمانِ بِهِ يَصِحُّ رَجاؤُهُ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّ المَعْنى: وخافُوا.

و"تَعْثَوْا" مَعْناهُ: تُفْسِدُونَ، يُقالُ: عَثا يَعْثُو، وعاثَ يَعِيثُ، وعَثى يَعْثى إذا فَسَدَ.

وأهْلُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، هَذا عَلى أنَّها اسْمُ البَلْدَةِ، وقِيلَ: مَدْيَنَ: اسْمُ القَبِيلَةِ.

و"أصْحابُ الأيْكَةِ" غَيْرُهُمْ، وقِيلَ: هم بَعْضُهم ومِنهُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم في أمْرِ المَوازِينِ والمَكايِيلِ كانَتْ واحِدَةً.

و"الرَجْفَةُ": مَيْدُ الأرْضِ بِهِمْ، وزَلْزَلَتُها عَلَيْهِمْ، وتَداعِيها بِهِمْ، وهَذا نَحْوٌ مِنَ الخَسْفِ، ومِنهُ الإرْجافُ بِالأخْبارِ، و"الجُثُومُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- تَشْبِيهٌ، أيْ: كانَ هُمُودُهم عَلى الأرْضِ كالجُثُومِ الَّذِي هو لِلطّائِرِ والحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: فَغَدَوْتُ في غَلَسِ الظَلامِ وطَيْرُهُ عُصَبٌ عَلى خَضِلِ العِضاةِ جُثُومُ وقَوْلُهُ: ﴿ وَعادًا ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ عادًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ  ﴾ .

وقَرَأ: " وثَمُودًا " عاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ وثّابٍ.

وقَرَأ: " وثَمُودَ " بِغَيْرِ تَنْوِينٍ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَعادٍ وثَمُودَ" بِالخَفْضِ فِيهِما والتَنْوِينِ.

ثُمْ دَلَّ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما تُعْطِيهِ العِبْرَةُ مِن بَقايا مَساكِنِهِمْ ورُسُومِ مَنازِلِهِمْ ودُنُوِّ آثارِهِمْ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَبَيَّنَ لَكم مَساكِنُهُمْ" دُونَ "مَن".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ مِنَ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ، و"السَبِيلِ" هي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللهِ تَعالى ورُسُلِهِ، ومَنهَجُ النَجاةِ مِنَ النارِ، وقَوْلُهُ: "مُسْتَبْصِرِينَ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: مَعْناهُ: لَهم بَصِيرَةٌ في كُفْرِهِمْ، وإعْجابٌ بِهِ، وإصْرارٌ عَلَيْهِ، فَذَمَّهم بِذَلِكَ.

وقِيلَ: لَهم بَصِيرَةٌ في أنَّ الرِسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنْ كانُوا -مَعَ ذَلِكَ- يَكْفُرُونَ عِنادًا، ويَرُدُّهُمُ الضَلالُ إلى مَجاهِلِهِ ومَتالِفِهِ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا  ﴾ ، وتَزْيِينُ الشَيْطانِ هو بِالوَسْواسِ ومُناجاةِ ضَمائِرِ الناسِ، وتَزْيِينُ اللهِ تَعالى الشَيْءَ هو بِالِاخْتِراعِ، وخَلْقُ مَحَبَّتِهِ والتَلَبُّسِ بِهِ في نَفْسِ العَبْدِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ ٣٩ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًۭا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ ﴾ ﴿ فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ نُصِبَ "قارُونَ" إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وإمّا بِالعَطْفِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وقارُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهو الَّذِي تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الكُنُوزِ وفي البَغْيِ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وفِرْعَوْنُ مَشْهُورٌ، وهامانُ وزِيرُهُ، وهو مِنَ القِبْطِ.

و"البَيِّناتُ": المُعْجِزاتُ والآياتُ الواضِحَةُ، و"سابِقِينَ" مَعْناهُ: مُفْلِتِينَ مَن أخْذِنا وعِقابِنا، وقِيلَ: مَعْناهُ: سابِقِينَ أولِيائِنا، وقِيلَ: مَعْناهُ: سابِقِينَ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: قَدْ كانَتْ تِلْكَ عادَةُ أُمَمٍ مَعَ الرُسُلِ.

وَ "الَّذِينَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الحاصِبُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم قَوْمُ لُوطٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشَبِّهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِيحَ لا بُدَّ أنَّها كانَتْ تَحْصِبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ.

و"الحاصِبُ": هو العارِضُ مِن رِيحٍ أو سَحابٍ أو رَمى بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مَن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى يَبِيتَ عَلى العِضاةِ جُفالًا و"الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ" قَوْمُ ثَمُودٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، و"الخَسْفُ" كانَ بِقارُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشَبِّهُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الرَجْفَةِ في هَذا النَوْعِ مِنَ العَذابِ، و"الغَرَقُ" كانَ في قَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي فِرْعَوْنَ وحِزْبِهِ، وبِهِ فَسَّرَ قَتادَةُ.

وظُلْمُهم أنْفُسَهم كانَ بِالكُفْرِ ووَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى "يَظْلِمُونَ" لِلِاهْتِمامِ، وهَذا نَحْوُ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ وغَيْرُهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ رَجْفَةَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَتْ صَيْحَةً أرْجَفَتْهم في هَذا مَعَ ثَمُودَ.

<div class="verse-tafsir"

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًۭا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٤١ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٤٢ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ ٤٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ كَمَثَلِ العنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العنكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ ﴾ شَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ وبِنائِهِمْ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالعنكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّها ضَعِيفٌ مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هابَّةٍ دَهَمَتْهُ، وكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدَ، ومِن حَدِيثٍ ذَكَرَهُ النِقاشُ: «العنكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَهُ اللهُ تَعالى فاقْتُلُوهُ»، ورُوِيَ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العنكَبُوتِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُورِثُ الفَقْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهُمْ، وأنَّ حالَهم ونِسْبَتَهم مِنَ الحَقِّ هَذِهِ الحالَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ .

قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ: "يَعْلَمُ ما" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِالفَكِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ بِخِلافٍ- "يَدَّعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى الغَيْبَةِ.

فَأمّا مَوْضِعُ "ما" مِنَ الإعْرابِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ أنَّ حالَهم هَذِهِ، وأنَّهم أمْرٌ لا قَدْرَ لَهُ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ﴾ إخْبارٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، واعْتَرَضَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ﴿ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، وذَلِكَ عَلى هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ، ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وفي هَذا تَعْلِيقُ "يَعْلَمُ"، وفِيهِ نَظَرٌ، والثانِي أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قَرَّرَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ما هو إذْ لَمْ يَكُنِ اللهُ تَعالى، أيْ: لَيْسَ لَهم -عَلى هَذا التَقْدِيرِ- مُقْنِعٌ إلَيْهِ، فَـ "مِن" عَلى القَوْلِ الأوَّلِ والثالِثِ لِلتَّبْعِيضِ المُجَرَّدِ، وعَلى القَوْلِ الوَسَطِ هي زائِدَةٌ في الجَحْدِ، ومَعْناها التَأْكِيدُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "ما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بـِ "يَدْعُونَ"، ولا يَجُوزُ نَصْبُها بـِ "يَعْلَمُ"، والجُمْلَةُ الَّتِي هي مِنها في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ "يَعْلَمُ"، والتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ أوثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أو غَيْرِها لا يَخْفى ذَلِكَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأمْثالُ ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ، و"نَضْرِبُها" مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرْبِ، أيِ: النَوْعِ، كَما تَقُولُ: "هَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ"، "وَهَذا ضَرْبُ هَذا"، أيْ: قَرِينُهُ وشَبْهُهُ، فَكَأنَّ "ضَرْبَ المَثَلِ" هو أنْ تَجْعَلَ الأمْرَ المُمَثَّلَ ضَرِيبٌ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقالَ جابِرٌ: قالَ النَبِيُّ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا العالِمُونَ ﴾ : «العاقِلُ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ تَعالى، وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، وانْتَهى عن مَعْصِيَتِهِ».

<div class="verse-tafsir"

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٤٤ ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ٤٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَلاةَ إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ﴾ نَبَّهَ في ذِكْرِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ عَلى أمْرٍ يُوَقَعُ الذِهْنُ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوثانِ وَكُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: بِالواجِبِ النَيِّرِ، لا لِلْعَبَثِ واللَعِبِ، بَلْ لِيَدُلَّ عَلى سُلْطانِهِ، ويُثْبِتَ شَرائِعَهُ، ويَضَعَ الدَلائِلَ لِأهْلِها، ويَعُمُ المَنافِعَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى عَدًّا.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ  بِالخُضُوعِ لِأمْرِهِ، وتِلاوَةِ القُرْآنِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، وإقامَةِ الصَلاةِ، أيْ: إدامَتِها والقِيامِ بِحُدُودِها.

ثُمْ أخْبَرَ -حُكْمًا مِنهُ- إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ عِنْدِي بِأنَّ المُصَلِّيَ إذا كانَ عَلى الواجِبِ مِنَ الخُشُوعِ والإخْباتِ وتَذَكُّرِ اللهِ تَعالى وتَوَهُّمُ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأنَّ قَلْبَهُ وإخْلاصَهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مَرْقُوبٌ، صَلَحَتْ لِذَلِكَ نَفْسُهُ وتَذَلَّلَتْ، وخامَرَها ارْتِقابُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فاطَّرَدَتْ لِذَلِكَ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وانْتَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ولا يَكادُ يَفْتُرُ مِن ذَلِكَ حَتّى تُظَلِّلَهُ صَلاةٌ أُخْرى يَرْجِعُ بِها إلى أفْضَلِ حالَةٍ، وهَذا مَعْنى هَذا الإخْبارِ؛ لِأنَّ صَلاةَ المُؤْمِنِ هَكَذا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ.

ورُوِيَ عن بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَلاةِ ارْتَعَدَ واصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَكَلَّمَ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي أقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وحُقَّ لِي هَذا مَعَ مُلُوكِ الدُنْيا، فَكَيْفَ مَعَ مَلِكِ المُلُوكِ ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ صَلاةٌ تَنْهى -وَلا بُدَّ- عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ومَن كانَتْ صَلاتُهُ دائِرَةً حَوْلَ الإجْزاءِ، لا خُشُوعَ فِيها ولا تَذَكُّرَ ولا فَضائِلَ، فَذَلِكَ يَتْرُكُ صاحِبُها مِن مَنزِلَتِهِ حَيْثُ كانَ، فَإنْ كانَ عَلى طَرِيقَةِ مَعاصٍ تُبْعِدُهُ مِنَ اللهِ تَعالى تَمادى عَلى بُعْدِهِ، وعَلى هَذا يَخْرُجُ الحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، والأعْمَشِ، وهو قَوْلُهُمْ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صِلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلّا بُعْدًا، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ أرْسَلَهُ عَنِ النَبِيِّ  ، وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحِ السَنَدِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: فَإذا قَدَّرْناهُ، ونَظَرْنا مَعْناهُ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ نَفْسَ صَلاةِ العاصِي تُبْعِدُهُ مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى كَأنَّها مَعْصِيَةٌ، وإنَّما يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلى أنَّها لا تُؤَثِّرُ في تَقْرِيبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، بَلْ تَتْرُكُهُ في حالِهِ ومَعاصِيهِ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبُعْدِ، فَلَمْ تَزِدْهُ الصَلاةُ إلّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ البُعْدِ الَّذِي كانَ سَبِيلُهُ، فَكَأنَّها بِعَّدَتْهُ حِينَ لَمْ تَكُفُّ بُعْدَهُ عَنِ اللهِ تَعالى.

وقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ فُلانًا كَثِيرُ الصَلاةِ، فَقالَ: إنَّها لا تَنْفَعُ إلّا مَن أطاعَها.

وقَرَأ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "إنَّ الصَلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ".

وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الصَلاةُ هُنا- القُرْآنُ، وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الصَلاةَ تَنْهى ما دُمْتَ فِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ، وأيْنَ هَذا مِمّا رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؟

قالَ: «كانَ فَتًى مِنَ الأنْصارِ يُصَلِّي مَعَ النَبِيِّ  ، ولا يَدْعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَرِقَةِ إلّا رَكِبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  ، فَقالَ: "إنَّ صَلاتَهُ سَتَنْهاهُ"، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَلْمانُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو قُرَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنِ الصَحابَةِ أجْمَعِينَ: مَعْناهُ: ولَذِكْرُ اللهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مَعَ المُداوَمَةِ عَلى الصَلاةِ في النَهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ لِسَلْمانَ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟

فَقالَ: أما تَقْرَأُ القُرْآنَ: ﴿ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ ﴾ ، كَأنَّهُ يَحُضُّ عَلَيْهِ في هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ الأخِيرَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ في غَيْرِ الصَلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ مُراقِبٍ لَهُ، وثَوابُ ذَلِكَ الذِكْرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللهُ تَعالى، كَما في الحَدِيثِ: «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم».

والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في نَهْيٍ، والذِكْرُ النافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللهِ تَعالى، وأمّا ما لا يَتَجاوَزُ اللِسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى، وذِكْرُ اللهِ تَعالى لِلْعَبْدِ هو إفاضَةُ الهُدى ونُورِ العِلْمِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ ثَمَرَةٌ لِذِكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ.

قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ  ﴾ ، وباقِي الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ والحَثِّ عَلى المُراقَبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌۭ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ٤٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "إلّا" عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ألا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللامِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناها: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ  مِن أهْلِ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ قالَ: "أهْلُ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ"، ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ أيْ بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يُرِيدُ بِهِ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ مِنهُمْ، كَمَن كَفَرَ وغَدَرَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ وغَيْرِهِمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَصارى الباقُونَ عَلى دِينِهِمْ.

أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ ألّا يُجادِلُوهم إلّا بِالأحْسَنِ: مِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، والتَنْبِيهِ عَلى آياتِهِ؛ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإيمانِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ مَعْناهُ: ظَلَمُوكُمْ، وإلّا فَكُلُّهم ظَلَمَةٌ عَلى الإطْلاقِ، فَيُرادُ بِهِمْ مَن لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً، ونَصْبَ الحَرْبِ، ومَن قالَ وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، أو لَهُ شَرِيكٌ، أو يَدُهُ مَغْلُولَةٌ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَ قَتادَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ  ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَوَجَّهُ في مَعْنى الآيَةِ إنَّما يَتَّضِحُ في مَعْرِفَةِ الحالِ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ مِن بَعْدِ الآياتِ العَشْرِ الأُوَلِ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ، ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وكانَتِ اليَهُودُ بِمَكَّةَ وفِيما جاوَرَها، فَرُبَّما وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ جِدالٌ واحْتِجاجٌ في أمْرِ الدِينِ وتَكْذِيبٌ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ ألّا يُجادِلُوهم بِالمُحاجَّةِ إلّا بِالحُسْنى دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى ومُلايَنَةٌ، ثُمُ اسْتَثْنى مَن ظَلَمَ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ، إمّا بِفِعْلٍ وإمّا بِقَوْلٍ، وإمّا بِإذايَةِ مُحَمَّدٍ  ، وإمّا بِإعْلانِ كُفْرٍ فاحِشٍ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، ونَحْوُ هَذا، فَإنَّ هَذِهِ الصِفَةَ اسْتُثْنِيَ لِأهْلِ الإسْلامِ مُعارَضَتُها بِالخُرُوجِ مَعَها عَنِ الَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمْ نُسِخَ هَذا بَعْدُ بِآيَةِ القِتالِ والجِزْيَةِ.

وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُولُوا آمَنّا ﴾ الآيَةُ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَيُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا: ﴿ آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ "».

ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عن شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ وإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ».

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَمِنْ هَـٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٧ وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ٤٨ بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌۭ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظالِمُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ما يَتَضَمَّنُ نُزُولَ شَرْعٍ وكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ عَلى أنْبِياءٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ  ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ عَطْفُ " كَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْك الكِتابَ " عَلى ما في الضِمْنِ، أيْ: وكَإنْزالِنا عَلى مَن تَقَدَّمَكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، أيْ: فالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ نُزُولِ الكِتابِ وأُوتُوهُ حِينَئِذٍ يُؤْمِنُونَ بِهِ، أيْ: كانُوا مُصَدِّقِينَ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، فالضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ.

ثُمْ أخْبَرَ عن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  أنَّ مِنهم أيْضًا مَن يُؤْمِنُ بِهِ.

ولَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بَعْدُ، فَفي هَذا الإخْبارِ بِغَيْبٍ بَيَّنَهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمْ أنْحى عَلى الجاحِدِينَ مِن أُمَّةٍ قَدْ آمَنَ سَلَفُها في القَدِيمِ وبَعْضُها في الحَدِيثِ، وحَصَلَ الجاحِدُونَ مِنهم في أحْسَنِ رُتْبَةٍ مِنَ الضَلالِ، ويُشْبِهُ أنْ يُرادَ أيْضًا في هَذا الإنْحاءِ كُفّارُ قُرَيْشٍ مَعَ كُفّارِ بَنِي إسْرائِيلَ.

ثُمْ بَيَّنَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى المُبْطِلِينَ المُرْتابِينَ، وأوضَحَ أنَّ مِمّا يُقَوِّي نُزُولَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ مُحَمَّدًا  جاءَ بِهِ في غايَةِ الإعْجازِ والطُولِ والتَضَمُّنِ لِلْغُيُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يَتْلُو كِتابًا، ولا يَخُطُّ حَرْفًا، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى التَعَلُّمْ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ لارْتابَ المُبْطِلُونَ، ولَكانَ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا  لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ النِقاشُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: «ما ماتَ النَبِيُّ  حَتّى كَتَبَ»، وأسْنَدَ أيْضًا حَدِيثًا لِأبِي كَبْشَةَ السَلُولِيِّ، مُضَمِّنُهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ»، وأخْبَرَ بِمَعْناها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

وقَوْلُ الباجِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ إضْرابٌ عن مُقَدَّرٍ مِنَ الكَلامِ يَقْتَضِي ما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قالَ: "لَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ هو..."، وهَذا الضَمِيرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَلْ هي آياتٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ -  ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ" عَلى الإفْرادِ، وقالَ: المُرادُ النَبِيُّ  ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ  أنَّهُ لَمْ يَتْلُ ولا خَطَّ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، وكَوْنُ هَذا كُلُّهُ آياتٌ -أيْ عَلاماتٌ في صُدُورِ العُلَماءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ  - يُرادُ بِهِ مَعَ النَظَرِ والِاعْتِبارِ.

و"الظالِمُونَ" و"المُبْطِلُونَ" قِيلَ: يَعُمْ لَفْظَهُما كُلُّ مُكَذِّبٍ بِمُحَمَّدٍ  ، ولَكِنْ مُعْظَمُ الإشارَةِ بِهِما إلى قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ الأهَمُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ قَتادَةُ: "المُبْطِلُونَ": اليَهُودُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٥٠ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةًۭ وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٥١ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٥٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ ولِبَعْضِ اليَهُودِ ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذِهِ الحُجَّةِ: لَمْ يَأْتِكم بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عن أبِي عَمْرٍو: "آيَةٌ مِن رَبِّهِ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "آياتٌ"، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُعَلِّمَهم أنَّ هَذا الأمْرَ بِيَدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ولا يَسْتَنْزِلُهُ الِاقْتِراحُ والتَمَنِّي، وأنَّهُ بَعَثَ نَذِيرًا، ولَمْ يُؤْمَرْ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "لَوْ ما يَأْتِينا بِآياتٍ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ".

ثُمُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في طَلَبِهِمْ آيَةً بِأمْرِ القُرْآنِ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ، ومُعْجِزٌ لِلْجِنِّ والإنْسِ، فَقالَ: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ ، ثُمْ قَرَّرَ ما فِيهِ مِنَ الرَحْمَةِ والذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ ﴾ جَوابٌ لِمَن قالَ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ .

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتَوُا النَبِيَّ  بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ الَّذِينَ أخْبَرُوهم بِشَيْءٍ مِنَ التَوْراةِ، فَأنْكَرَ رَسُولُ اللهِ  ذَلِكَ، قالَ: كَفى بِهَذا ضَلالَةُ، قَوْمٍ رَغِبُوا عَمّا آتاهم بِهِ نَبِيُّهم إلى ما أتى بِهِ غَيْرُهُ»، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أجْرى مَعَ نَسَقِ الآياتِ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالِاسْتِنادِ إلى أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأنْ يَجْعَلَهُ حَسَبَهُ شَهِيدًا وحاكِمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِعِلْمِهِ وتَحْصِيلِهِ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ، وقَوْلُهُ: "بِالباطِلِ" يُرِيدُ: بِالأصْنامِ والأوثانِ وما يَتْبَعُ أمْرَها مِنَ المُعْتَقَداتِ، والباطِلُ هو أنْ يُفْعَلَ فِعْلٌ يُرادُ بِهِ أمْرٌ ما، وذَلِكَ الأمْرُ لا يَكُونُ عن ذَلِكَ الفِعْلِ، والأصْنامُ أُرِيدَ بِأمْرِها الأكْمَلُ والأنْجَحُ في زَعْمِ عِبادِها، ولَيْسَ الأكْمَلُ والأرْجَحُ إلّا رَفَضَها، فَهي إذا باطِلٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٣ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ٥٤ يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٥٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: " فأتنا بِما تَعُدُّنا " وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْجالِهِمْ -عَلى جِهَةِ التَعْجِيزِ والتَكْذِيبِ- عَذابُ اللهِ تَعالى الَّذِي تَوَعَّدَهم مُحَمَّدٌ  .

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، أيْ: فَجْأةً، وهَذا هو عَذابُ الدُنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ في السِنِينِ السَبْعِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تَأخُّرَهُ إنَّما هو حَسَبُ الأجَلِ المَقْدُورِ السابِقِ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ عَنِ الضِحاكِ: أنَّ الأجَلَ المُسَمّى بِهَذِهِ الآيَةِ الآجالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ النَظَرُ، والآجالُ لا مَحالَةَ أجَلٌ مُسَمًّى، ولَكِنْ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُها.

ثُمْ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ عَذابِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، كَرَّرَ فِعْلَهم وقُبْحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم إحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ.

وقالَ عِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ - أنَّ جَهَنَّمَ ها هُنا أرادَ بِها البَحْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَغْشاهُمُ ﴾ ظَرْفٌ يَعْمَلُ فِيهِ قَوْلُهُ: "مُحِيطٌ".

و"يَغْشاهُمْ" مَعْناهُ: يُغَطِّيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيَقُولُ"، أيْ: ويَقُولُ اللهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَنَقُولُ" بِالنُونِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ نُونَ العَظَمَةِ، أو نُونَ الجَماعَةِ، جَماعَةِ المَلائِكَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ" بِياءٍ وألِفٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ﴾ تَوْبِيخٌ، ويُشْبِهُ مَسَّ العَذابِ بِالذَوْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "ذُقْ عَقَقَ"، ونَحْوُ هَذا كَثِيرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، أيْ: بِما في أعْمالِكم مِنَ اكْتِسابِكم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌۭ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ ٥٦ كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًۭا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ٥٨ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ ﴾ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنَ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ عَلى الهِجْرَةِ، فَأخْبَرَهم تَعالى بِسِعَةِ أرْضِهِ، وأنَّ البَقاءَ في بُقْعَةٍ عَلى أذى الكَفّارِ لَيْسَ بِصَوابٍ، بَلِ الصَوابُ أنْ تُلْتَمَسَ عِبادَةُ اللهِ تَعالى في أرْضِهِ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ: إنَّ الأرْضَ الَّتِي فِيها الظُلْمُ والمُنْكَرُ تَتَرَتَّبُ فِيها هَذِهِ الآيَةُ، وتَلْزَمُ الهِجْرَةُ عنها إلى بَلَدٍ حَقٍّ، وقالَهُ مالِكٌ، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ: قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ ﴾ عِدَةٌ بِسِعَةِ الرِزْقِ في جَمِيعِ الأرْضِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "يا عِبادِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِها، وكَذَلِكَ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمْ: "أرْضِي" ساكِنَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإيّايَ ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: "فَإيّايَ اعْبُدُوا فاعْبُدُونِ"، عَلى الِاهْتِمامِ أيْضًا في التَقْدِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ الآيَةُ، تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا ومَخاوِفِها، كَأنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ نَظَرَ في عاقِبَةِ ما يَلْحَقُهُ في خُرُوجِهِ مِن وطَنِهِ أنَّهُ يَمُوتُ أو يَجُوعُ ونَحْوَ هَذا، فَحَقَّرَ اللهُ تَعالى شَأْنَ الدُنْيا، أيْ: أنْتُمْ لا مَحالَةَ مَيِّتُونَ ومَحْشُورُونَ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فالبِدارُ إلى طاعَةِ اللهِ تَعالى والهِجْرَةُ إلَيْهِ أولى ما يَمْتَثِلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمْ بِالياءِ مِن تَحْتِ، وذَكَرَها أبُو حاتِمْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةٌ" بِالتَنْوِينِ "المَوْتَ" بِالنَصْبِ.

ثُمْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِسُكْنى الجَنَّةِ تَحْرِيضًا مِنهُ تَعالى، وذَكَرَ الجَزاءَ الَّذِي يَنالُونَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" بِالباءِ، أيْ: لَنُنْزِلَنَّهم ولَنُمَكِّنَنَّهم لِيَدُومُوا فِيها، و"غُرَفًا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، مِن أثْوى يَثْوِي، وهو مُعَدّى ثَوى بِمَعْنى أقامَ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وقَرَأها بَعْضُهم بِفَتْحِ الثاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ مُعَدّى بِالتَضْعِيفِ لا بِالهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ: "غُرَفًا" نُصِبَ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: في غُرَفٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "لَنُبَوِّيَنَّهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "غُرَفًا" بِضَمِّ الغَيْنِ والراءِ.

ثُمْ وصَفَهم تَعالى بِالصَبْرِ والتَوَكُّلِ، وهاتانِ جِماعُ الخَيْرِ كُلِّهِ، أيِ: الصَبْرُ عَلى الطاعاتِ، وعَنِ الشَهَواتِ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍۢ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦٠ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٦١ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٦٢ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۚ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ٦٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ "كَأيِّنْ" بِمَعْنى "كَمْ"، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْرِيضٌ عَلى الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ فَكَّرَ في الفَقْرِ والجُوعِ الَّذِي يَلْحَقُهُ في الهِجْرَةِ، وقالُوا: غُرْبَةٌ في بَلَدٍ لا دارَ لَنا فِيهِ ولا عَقارَ ولا مَن يُطْعِمْ، فَمَثَّلَ لَهم بِأكْثَرِ الدَوابِّ الَّتِي تَتَقَوَّتُ ولا تَدَّخِرُ ولا تَرْوِي في رِزْقِها، والمَعْنى: فَهو يُرْزَقُكم أنْتُمْ، فَفَضَّلُوا طاعَةَ اللهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْمِلُ ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الحَمْلِ، أيْ: لا تَنْقُلُ ولا تَنْظُرُ في ادِّخارِهِ، قالَهُ ابْنُ مِجْلَزٍ، ومُجاهِدٌ، وعَلِيُّ بْنُ الأقْمَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِادِّخارُ لَيْسَ مِن خُلُقِ المُوقِنِينَ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: «كَيْفَ بِكَ إذا بَقِيتَ في حُثالَةٍ مِنَ الناسِ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَةٍ بِضَعْفِ اليَقِينِ»، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ مِنَ الحَمّالَةِ، أيْ: لا تَتَكَفَّلُ بِرِزْقِها ولا تَرْوِي فِيهِ.

ثُمْ خاطَبَ تَعالى نَبِيَّهُ  في أمْرِ الكُفّارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إنْ سَألُوا عَنِ الأُمُورِ العِظامِ الَّتِي هي دَلائِلُ القُدْرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا التَسْلِيمُ بِأنَّها لِلَّهِ تَعالى، و"يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، ونَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ وتَسْخِيرِ الكَواكِبِ، وَذِكْرِ عِظَمِها، ونَبَّهَ تَعالى عَلى بَسْطِ الرِزْقِ وقَدْرِهِ لِقَوْمٍ، وإنْزالِ المَطَرِ مِنَ السَماءِ، وهَذِهِ عِبَرٌ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ بِالنَجاةِ والمُعْتَقَدِ الأقْوَمِ، ثُمْ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  بِحَمْدِهِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِعُقُولِهِمْ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَعْقِلُونَ ولا يَبْدُو مِنهم نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌۭ وَلَعِبٌۭ ۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٦٤ فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٦٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًۭا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ٦٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ ﴾ وصَفَ اللهُ تَعالى الدُنْيا في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها لَهْوٌ ولَعِبٌ، أيْ: ما كانَ مِنها لِغَيْرِ وجْهِ اللهِ تَعالى، فَإنَّ ما كانَ لِلَّهِ تَعالى فَهو مِنَ الآخِرَةِ، وأمّا أُمُورُ الدُنْيا الَّتِي هي زائِدَةٌ عَلى الضَرُورِيِّ الَّذِي بِهِ قِوامُ العَيْشِ والقُوَّةِ عَلى الطاعاتِ فَإنَّما هو لَهْوٌ ولَعِبٌ، وتَأمَّلْ ذَلِكَ في المَلابِسِ والمَطاعِمْ والمَشارِبِ والأقْوالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وانْظُرْ إلى حاجَةِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ في الأُمُورِ الضَرُورِيَّةِ فَإنَّها واحِدَةٌ، كالتَنَفُّسِ في الهَواءِ، وسَدِّ الجُوعِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ، وتَوَقِّي الحَرِّ والبَرْدِ، وهَذِهِ كُلُّها عِظَمُ أمْرِ العَيْشِ.

و"الحَيَوانُ" والحَياةُ بِمَعْنًى، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مَصْدَرٌ كالهَيَمانِ ونَحْوِهِ، والمَعْنى: لا مَوْتَ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو حَسَنٌ.

وأصْلُهُ: حَيَيانُ، فَأُبْدِلَتْ إحْداهُما واوًا لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.

ثُمْ وقَّفَهم تَعالى عَلى حالِهِمْ في البَحْرِ عِنْدَ الخَوْفِ العَظِيمِ، فَإنَّ كُلَّ بَشَرٍ يَنْسى كُلَّ صَنَمٍ وغَيْرِهِ، ويَتَمَسَّكُ بِالدُعاءِ والرَغْبَةِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا هم يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ إلى ذِكْرِ أصْنامِهِمْ وتَعْظِيمِها، وقَوْلُهُ: ﴿ لِيَكْفُرُوا ﴾ نُصِبَ بِلامِ كَيْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ: "وَلِيَتَمَتَّعُوا" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَلِتَتَمَتَّعُوا" بِسُكُونِ اللامِ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ الَّتِي هي لِلْوَعِيدِ والتَهْدِيدِ، والواوُ -عَلى هَذا- عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ لا عاطِفَةٌ فِعْلًا عَلى فِعْلٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ"، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَلَسَوْفَ" بِاللامِ.

ثُمْ عَدَّدَ تَعالى عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الحَرَمِ في أنَّهُ جَعَلَهُ لَهم آمِنًا لا خَوْفَ فِيهِ مِن أحْوالِ العَرَبِ وعاداتِهِمْ وسُوءِ أفْعالِهِمْ مِنَ القَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ هو "التَخَطُّفُ" الَّذِي كانَ الناسُ بِسَبِيلِهِ، ثُمْ قَرَّرَهم -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ وكُفْرِهِمْ بِاللهِ وبِنِعْمَتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وكَذَلِكَ "يَكْفُرُونَ"، وقَرَأهُما بِالتاءِ مِن فَوْقٍ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًۭى لِّلْكَـٰفِرِينَ ٦٨ وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ٦٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ قَرَّرَهم عَزَّ وجَلَّ عَلى حالِ مَنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ، وهَذِهِ كانَتْ حالُهُمْ، وأعْلَمَهم أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، وهَذا في ضِمْنِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، ثُمْ بَيَّنَ الوَعِيدَ أيْضًا بِالتَقْرِيرِ عَلى أمْرِ جَهَنَّمَ، والمَثْوى: مَوْضِعُ الإقامَةِ.

وألْفاظُ هَذِهِ الآياتِ في غايَةِ الِاقْتِضابِ والإيجازِ وجَمْعِ المَعانِي.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى حالَ أولِيائِهِ والمُجاهِدِينَ فِيهِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ الظَلَمَةِ لِيُبَيِّنَ تَبايُنَ الحالَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِينا ﴾ مَعْناهُ: في مَرْضاتِنا وبُغْيَةِ ثَوابِنا.

قالَ السَدِّيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ قَبْلَ الجِهادِ العُرْفِيِّ، وإنَّما هو جِهادٌ عامٌّ في دِينِ اللهِ تَعالى وطَلَبِ رِضائِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في العِبادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وإبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: هي في الَّذِينَ بِما يَعْلَمُونَ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ  : «مَن عَمِلَ بِما عَلِمْ عَلَّمَهُ اللهُ ما لَمْ يَعْلَمْ»، ونَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهَ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما قَصَّرَ بِنا عن عِلْمِ ما جَهِلْنا تَقْصِيرَنا في العَمَلِ بِما عَلِمْنا، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ: "لَيْسَ الجِهادُ في هَذِهِ الآيَةِ قِتالُ العَدُوِّ فَقَطْ، بَلْ هو نَصْرُ الدِينِ، والرَدُّ عَلى المُبْطِلِينَ، وقَمْعُ الظالِمِينَ، وعُظْمُهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ"، ومِنهُ مُجاهَدَةُ النُفُوسِ في طاعَةِ اللهِ تَعالى، وهو الجِهادُ الأكْبَرُ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، وفِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  : «رَجَعْتُمْ مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِابْنِ المُبارَكِ: إذا رَأيْتُ الناسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فَعَلَيْكَ بِالمُجاهِدِينَ وأهْلِ الثُغُورِ، فَإنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ .

وقالَ الضِحاكُ: مَعْنى الآيَةِ: والَّذِينَ جاهَدُوا في الهِجْرَةِ لَنَهْدِيَنَّهم سَبِيلَ الثُبُوتِ عَلى الإيمانِ" و"السَبِيلُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ طُرُقَ الجَنَّةِ ومَسالِكَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ سَبِيلَ الأعْمالِ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَنَّةِ والعَقائِدِ النَيِّرَةِ.

قالَ يُوسُفُ بْنُ أسْباطِ: "هِيَ إصْلاحُ النِيَّةِ في الأعْمالِ، وحُبُّ التَزَيُّدِ والتَفَهُّمْ، وهَذا هو أنْ يُجازى العَبْدُ عَلى حُسْنِهِ بِازْدِيادِ حُسْنِهِ، ويَعْلَمُ بِجَدِيدِ مَن عَلِمْ مُقَدَّمٌ، وهي حالُ مَن رَضِيَ اللهُ عنهُ".

وباقِي الآيَةِ وعْدٌ.

و"مَعَ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هُنا اسْمًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلَيْها لامٌ لِلتَّأْكِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفًا، ودَخَلَتِ اللامُ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كَما دَخَلَتْ فِي: إنَّ زَيْدًا لَفي الدارِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ العنكَبُوتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل