الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 29 العنكبوت > الآيات ٣٦-٣٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ ﴾ ﴿ وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ نُصِبَ "شُعَيْبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَحْسُنُ مَعَ التَقْدِيرِ: وبَعَثْنا أو أرْسَلْنا، فَأُمِرَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ، ومَعَ الإيمانِ بِهِ يَصِحُّ رَجاؤُهُ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّ المَعْنى: وخافُوا.
و"تَعْثَوْا" مَعْناهُ: تُفْسِدُونَ، يُقالُ: عَثا يَعْثُو، وعاثَ يَعِيثُ، وعَثى يَعْثى إذا فَسَدَ.
وأهْلُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، هَذا عَلى أنَّها اسْمُ البَلْدَةِ، وقِيلَ: مَدْيَنَ: اسْمُ القَبِيلَةِ.
و"أصْحابُ الأيْكَةِ" غَيْرُهُمْ، وقِيلَ: هم بَعْضُهم ومِنهُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم في أمْرِ المَوازِينِ والمَكايِيلِ كانَتْ واحِدَةً.
و"الرَجْفَةُ": مَيْدُ الأرْضِ بِهِمْ، وزَلْزَلَتُها عَلَيْهِمْ، وتَداعِيها بِهِمْ، وهَذا نَحْوٌ مِنَ الخَسْفِ، ومِنهُ الإرْجافُ بِالأخْبارِ، و"الجُثُومُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- تَشْبِيهٌ، أيْ: كانَ هُمُودُهم عَلى الأرْضِ كالجُثُومِ الَّذِي هو لِلطّائِرِ والحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: فَغَدَوْتُ في غَلَسِ الظَلامِ وطَيْرُهُ عُصَبٌ عَلى خَضِلِ العِضاةِ جُثُومُ وقَوْلُهُ: ﴿ وَعادًا ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ عادًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
وقَرَأ: " وثَمُودًا " عاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ وثّابٍ.
وقَرَأ: " وثَمُودَ " بِغَيْرِ تَنْوِينٍ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَعادٍ وثَمُودَ" بِالخَفْضِ فِيهِما والتَنْوِينِ.
ثُمْ دَلَّ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما تُعْطِيهِ العِبْرَةُ مِن بَقايا مَساكِنِهِمْ ورُسُومِ مَنازِلِهِمْ ودُنُوِّ آثارِهِمْ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَبَيَّنَ لَكم مَساكِنُهُمْ" دُونَ "مَن".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ مِنَ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ، و"السَبِيلِ" هي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللهِ تَعالى ورُسُلِهِ، ومَنهَجُ النَجاةِ مِنَ النارِ، وقَوْلُهُ: "مُسْتَبْصِرِينَ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: مَعْناهُ: لَهم بَصِيرَةٌ في كُفْرِهِمْ، وإعْجابٌ بِهِ، وإصْرارٌ عَلَيْهِ، فَذَمَّهم بِذَلِكَ.
وقِيلَ: لَهم بَصِيرَةٌ في أنَّ الرِسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنْ كانُوا -مَعَ ذَلِكَ- يَكْفُرُونَ عِنادًا، ويَرُدُّهُمُ الضَلالُ إلى مَجاهِلِهِ ومَتالِفِهِ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا ﴾ ، وتَزْيِينُ الشَيْطانِ هو بِالوَسْواسِ ومُناجاةِ ضَمائِرِ الناسِ، وتَزْيِينُ اللهِ تَعالى الشَيْءَ هو بِالِاخْتِراعِ، وخَلْقُ مَحَبَّتِهِ والتَلَبُّسِ بِهِ في نَفْسِ العَبْدِ.
<div class="verse-tafsir"