الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 29 العنكبوت > الآيات ٢٩-٣١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ وتَقْطَعُونَ السَبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في "أإنَّكُمْ"، واخْتَلَفَ الناسُ في "قَطْعِ السَبِيلِ" المُشارِ إلَيْها هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ قَطْعُ الطَرِيقِ بِالسَلْبِ فاشِيًّا فِيهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطُرُقَ عَلى الناسِ لِطَلَبِ الفاحِشَةِ، فَكانُوا يَحِيفُونَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ قَطْعَ سَبِيلِ النَسْلِ في تَرْكِ النِساءِ وإتْيانِ الرِجالِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ أنَّهم بِفَتْحِ الأُحْدُوثَةِ عنهم يَقْطَعُونَ سَبِيلَ الناسِ عن قَصْدِهِمْ في التِجاراتِ وغَيْرِها.
و"النادِي": المَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ الناسُ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ الأنْدِيَةَ في المُدُنِ كَثِيرَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: وتَأْتُونَ في اجْتِماعِكم حَيْثُ اجْتَمَعْتُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في "المُنْكَرِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا يَحْذِفُونَ الناسَ بِالحَصى، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ والخاطِرِ عَلَيْهِمْ، ورَوَتْهُ أمُّ هانِئٍ عَنِ النَبِيِّ ، وكانُوا لا يَرْبُطُهم دِينٌ ولا مُرُوءَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ، ومَنصُورٌ: كانُوا يَأْتُونَ الرِجالَ في مَجالِسِهِمْ وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مُنْكَرُهم أنَّهم كانُوا يَتَفاعَلُونَ في مَجالِسِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: كانَ أمْرُهم لِعْبُ الحَمامِ، وتَطْرِيفُ الأصابِعِ بِالحِنّاءِ، والصَفِيرِ، والحَذْفِ، ونَبْذِ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الأشْياءُ في بَعْضِ عُصاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، فالتَناهِي واجِبٌ.
فَلَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ رَجَعُوا إلى التَكْذِيبِ واللَجاجِ، أيِ: ائْتِنا بِالعَذابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وهم لَمْ يَقُولُوا هَذا إلّا وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ، ولَيْسَ يَصِحُّ في الفِطْرَةِ أنْ يَكُونَ مُعانِدٌ يَقُولُ هَذا، [ثُمُ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةً لِعَذابِهِمْ]، فَجاؤُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِإسْحاقَ، ومُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ، وكانَ لِقاؤُهم لِإبْراهِيمَ عَلى الصُورَةِ الَّتِي بُيِّنَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَلَفْظَةُ "البُشْرى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- تَتَضَمَّنُ أمْرَ إسْحاقَ ونُصْرَةَ لُوطٍ عَلَيْهِما السَلامُ، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِإهْلاكِ القَرْيَةِ عَلى ظُلْمِهِمْ أشْفَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَعارَضَهم بِحَسَبِ ما يَأْتِي.
<div class="verse-tafsir"