المحرر الوجيز سورة الروم

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الروم

تفسيرُ سورةِ الروم كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 78 دقيقة قراءة

تفسير سورة الروم كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

الٓمٓ ١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٦

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرُومِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ أحْفَظُهُ في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُومُ ﴾ ﴿ فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "غُلِبَتْ" بِضَمِّ الغَيْنِ.

وقالُوا: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ طَرَأ بِمَكَّةَ أنَّ المَلِكَ كِسْرى هَزَمَ جَيْشَ مَلِكِ الرُومِ، قالَ مُجاهِدٌ: في الجَزِيرَةِ، وهو مَوْضِعٌ بَيْنَ العِراقِ والشامِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: بِأذْرِعاتَ، وهي بَيْنَ بِلادِ العَرَبِ والشامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِفِلَسْطِينَ والأُرْدُنِّ، فَلَمّا طَرَأ ذَلِكَ سُرَّ الكُفّارُ، فَبَشَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِأنَّ الرُومَ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ، وتَكُونَ الدَوْلَةُ لَهم في الحَرْبِ.

وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "غَلَبَتْ" بِفَتْحِ الغَيْنِ واللامِ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِي طَرَأ يَوْمَ بَدْرٍ إنَّما كانَ أنَّ الرُومَ غَلَبَتْ، فَعَزَّ ذَلِكَ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وسُرَّ المُسْلِمُونَ، فَبَشَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِأنَّهم سَيَغْلِبُونَ أيْضًا في بِضْعِ سِنِينَ، ذَكَرَ هَذا التَأْوِيلَ أبُو حاتِمٍ.

والرِوايَةُ الأولى، والقِراءَةُ بِضَمِّ الغَيْنِ أصَحُّ.

وأجْمَعَ الناسُ عَلى ﴿ "سَيَغْلِبُونَ" ﴾ أنَّهُ بِفَتْحِ الياءِ، يُرِيدُ بِهِ الرُومَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ أيْضًا: "سَيُغْلَبُونَ" بِضَمِّ الياءِ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ قَلْبٌ لِلْمَعْنى الَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الرِواياتُ.

و"أدْنى الأرْضِ" مَعْناهُ: أقْرَبُ الأرْضِ، فَإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ في أذْرِعاتَ فَهي مِن أدْنى الأرْضِ بِالقِياسِ إلى مَكَّةَ، وهي الَّتِي ذَكَرَ امْرُؤُ القَيْسِ في قَوْلِهِ: تَنَوَّرْتُها مِن أذَرِعاتَ وأهْلُها ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عالِي وإنْ كانَتِ الوَقْعَةُ بِالجَزِيرَةِ فَهي أدْنى بِالقِياسِ إلى أرْضِ كِسْرى، وإنْ كانَتْ بِالأُرْدُنِّ فَهي أدْنى إلى أرْضِ الرُومِ، قالَ أبُو حاتِمٍ، وقُرِئَ "أدانِيِّ الأرْضِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "غَلَبِهِمْ" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، كَما يُقالُ: "أحْلِبُ حَلَبًا لَكَ شَطْرُهُ"، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِسُكُونِها، وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرِهِ أنَّ الكَفّارَ لَمّا فَرِحُوا بِمَكَّةَ بِغَلَبِ الرُومِ، بَشَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ الرُومَ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ، أيْ: مِنَ الثَلاثَةِ إلى التِسْعَةِ، عَلى مَشْهُورِ قَوْلِ اللُغَوِيِّينَ، كَأنَّهُ تَبْضِيعُ العَشْرَةِ، أيْ: تَقْطِيعُها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الثَلاثِ إلى الخَمْسِ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ، فَلَمّا بَشَّرَهم بِذَلِكَ «خَرَجَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى المَسْجِدِ، فَقالَ لَهُمْ: "أسَرَّكم أنْ غُلِبَتِ الرُومُ؟

فَإنَّ نَبِيَّنا أخْبَرَنا عَنِ اللهِ تَعالى أنَّهم سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ"، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وأُمَيَّةُ أخُوهُ - وقِيلَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ -: تَعالَ يا أبا فَصِيلٍ - يُعَرِّضُونَ بِكُنْيَتِهِ بِالبَكْرِ - فَلْنَتَناخَبْ - أيْ نَتَراهَنْ - في ذَلِكَ، فَراهَنَهم أبُو بَكْرٍ، - قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ القِمارُ - وجَعَلَ الرَهْنَ خَمْسَ قَلائِصٍ، والأجْلَ ثَلاثَ سِنِينَ، فَأخْبَرَ النَبِيُّ  بِذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: إنَّ البِضْعَ إلى التِسْعِ، ولَكِنِ ارْجِعْ فَزِدْهم في الرِهانِ واسْتَزِدْهم في الأجَلِ، فَفَعَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَجَعَلُوا القَلائِصَ مِائَةً والأجْلَ تِسْعَةَ أعْوامٍ، فَغَلَبَتِ الرُومُ في أثْناءِ الأجَلِ،» فَرُوِيَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ إيقاعَ الرُومِ بِالفَرَسِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ، وأنَّ الخَبَرَ بِذَلِكَ وصْلَ يَوْمِ بَيْعَةِ الرِضْوانِ، رُوِيَ نَحْوُهُ عن قَتادَةَ، وفي كِلا اليَوْمَيْنِ كانَ نَصْرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.

وذَكَرَ الناسُ أنَّ سَبَبَ سُرُورِ المُسْلِمِينَ بِغَلَبَةِ الرُومِ وهَمِّهِمْ أنْ تَغْلِبَ، وكَوْنِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، إنَّما هو أنَّ الرُومَ أهْلُ كُتّابٍ كالمُسْلِمِينَ، والفُرْسَ أهْلُ الأوثانِ أو نَحْوِهِ مِن عِبادَةِ النارِ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبِهُ أنْ يُعَلَّلَ ذَلِكَ بِما تَقْتَضِيهِ الفِطَرُ مِن مَحَبَّةِ أنْ يَغْلِبَ العَدُوُّ الأصْغَرُ: لِأنَّهُ أيْسَرُ مُؤَوِّنَةٍ، ومَتى غَلَبَ الأكْبَرُ كَثُرَ الخَوْفُ مِنهُ، فَتَأمَّلْ هَذا المَعْنى مَعَ ما كانَ رَسُولُ اللهِ  تَرَجّاهُ مِن ظُهُورِ دِينِهِ وشَرْعِ اللهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ، وغَلَبَتِهِ عَلى الأُمَمِ، وإرادَةِ كَفّارِ مَكَّةَ أنْ يَرْمِيَهُ اللهُ بِمَلِكٍ يَسْتَأْصِلُهُ ويُرِيحُهم مِنهُ.

و"سِنِينَ" يُجْمَعُ كَجَمْعِ مَن يَعْقِلُ عِوَضًا مِنَ النَقْصِ الَّذِي في واحِدِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ سَنَةٍ: سَنْهَةٌ، أو سَنْوَةٌ، وكُسِرَتِ السِينُ مِنهُ دَلالَةً عَلى أنَّ جَمْعَهُ خارِجٌ عن قِياسِهِ ونَمَطَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ ، أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِانْفِرادِهِ بِالقُدْرَةِ، وأنَّ ما في العالَمِ مِن غَلَبَةٍ وغَيْرِها إنَّما هي مِنهُ وبِإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: "لِلَّهِ الأمْرُ"، أيْ: إنْفاذُ الأحْكامِ، ﴿ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَلَبَةِ ومِن بَعْدِها، و"قَبْلُ" و"بَعْدُ" ظَرْفانِ بُنِيا عَلى الضَمِّ؛ لِأنَّهُما تَعَرَّفا بِحَذْفِ ما أُضِيفَ إلَيْهِما وصارا مُتَضَمِّنَيْنِ ما حُذِفَ، فَخالَفا مُعْرَبَ الأسْماءِ وأشْبَها الحُرُوفَ في التَضْمِينِ فَبُنِيا، وخُصّا بِالضَمِّ لِشَبَهِهِما بِالمُنادى المُفْرَدِ، في أنَّهُ إذا نُكِّرَ أو أُضِيفَ زالَ بِناؤُهُ، وكَذَلِكَ هُما، فَضُمّا كَما أنَّ المُنادى مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ، وكَذَلِكَ قِيلَ في ذَلِكَ أيْضًا: إنَّ الفَتْحَ تَعَذَّرَ فِيهِما لِأنَّهُ حالُهُما في إظْهارِ ما أُضِيفا إلَيْهِ، وتَعَذَّرَ الكَسْرُ لِأنَّهُ حالُهُما عِنْدَ إضافَتِهِما إلى المُتَكَلِّمِ، وتَعَذَّرَ السُكُونُ لِأنَّ ما قَبْلَ أحَدِهِما ساكِنٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الضَمُّ فَبُنِيا عَلَيْهِ.

ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدٍ بِالخَفْضِ والتَنْوِينِ، قالَ الفَرّاءُ: "وَيَجُوزُ تَرْكُ التَنْوِينِ فَيَبْقى كَما هو في الإضافَةِ وإنْ حُذِفَ المُضافُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَوْمَئِذٍ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "القَبْلِ والبَعْدِ"، كَأنَّهُ حَصَرَ الأزْمِنَةَ الثَلاثَةَ: الماضِي والمُسْتَقْبَلَ والحالَ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِفَرَحِ المُؤْمِنِينَ بِالنَصْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "بَعْدُ" ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَطْفَ جُمْلَةٍ أخْبَرَ فِيها أنَّ يَوْمَ غَلَبَتِ الرُومُ الفَرَسَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ مَشى المُفَسِّرُونَ.

والنَصْرُ الَّذِي يَفْرَحُ بِهِ المُؤْمِنُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ فِيهِ إلى نَصْرِ الرُومِ عَلى فارِسٍ، وهي نُصْرَةُ الإسْلامِ بِحُكْمِ السِنِينَ الَّتِي قَدْ ذَكَرْناها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ فِيهِ إلى نَصْرٍ يَخُصُّ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، وهَذا أيْضًا غَيْبٌ أخْبَرَ بِهِ وأخْرَجَهُ الوُجُودَ إمّا يَوْمَ بَدْرٍ، وإمّا بِبَيْعَةِ الرِضْوانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِهِ إلى فَرَحِ المُسْلِمِينَ بِنَصْرِ اللهِ تَعالى إيّاهم في أنْ صَدَقَ ما قالَ نَبِيُّهم عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في أنَّ الرُومَ سَتَغْلِبُ فارِسَ، فَإنَّ هَذا ضَرْبٌ مِنَ النَصْرِ عَظِيمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَعْدَ اللهِ" ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ الكُفّارَ مِن قُرَيْشٍ والعَرَبَ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأُمُورَ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأنَّ وعْدَهُ لا يَتَخَلَّفُ، وأنَّ ما يُورِدُهُ نَبِيُّهُ- عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَقٌّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو عُمْدَةُ ما قِيلَ.

وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ رِواياتٍ يَرُدُّها النَظَرُ أوَّلَ قَوْلٍ، مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّما نَزَلَتْ ﴿ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهِ وعْدَهُ ﴾ بَعْدَ غَلَبَةِ الرُومِ لِفارِسَ ووُصُولِ الخَبَرِ بِذَلِكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، والسُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ.

<div class="verse-tafsir"

يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًۭا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ ٧ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآئِ رَبِّهِمْ لَكَـٰفِرُونَ ٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ﴾ وصَفَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفَرَةَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أمْرَ اللهِ وصِدْقَ وعْدِهِ بِأنَّهم إنَّما يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى ﴿ "ظاهِرًا"، ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: بَيِّنًا، أيْ ما أدَّتْهُ إلَيْهِمْ حَواسُّهُمْ، فَكَأنَّ عُلُومَهم إنَّما هي عُلُومُ البَهائِمِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ، والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: ما فِيهِ الظُهُورُ والعُلُوُّ في الدُنْيا، مِن إتْقانِ الصِناعاتِ والمَبانِي ومَظانَّ كَسْبِ الأمْوالِ والفِلاحاتِ ونَحْوِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ذاهِبًا زائِلًا، أيْ: يَعْلَمُونَ أُمُورَ الدُنْيا الَّتِي لا بَقاءَ لَها ولا عاقِبَةَ، ومَثَلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهَرٌ عنكَ عارُها وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُعْلَمُ مِن قَبْلِ الكَهَنَةِ مِمّا تَسْتَرِقُهُ الشَياطِينُ، وقالَ الرُمّانِيُّ: كُلُّ ما يُعْلَمُ بِأوائِلِ العُقُولِ فَهو الظاهِرُ، وما يُعْلَمُ بِدَلِيلِ العَقْلِ فَهو الباطِنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ تَقَعُ الغَفْلَةُ وتَقْصِيرُ الجُهّالِ.

ثُمَّ وصَفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِالغَفْلَةِ والإعْراضِ عن أمْرِ الآخِرَةِ، وكَرَّرَ الضَمِيرَ تَأْكِيدًا، وغَفْلَةُ الكافِرِ هي عَلى الكَمالِ، والمُؤْمِنُ المُنْهَمِكُ في أُمُورِ الدُنْيا الَّتِي هي أكْبَرُ هَمِّهِ يَأْخُذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِحَظٍّ.

نَوَّرَ اللهُ قُلُوبَنا وهَدى.

ثُمَّ وقَّفَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - عَلى أنَّهم قَدْ فَكَّرُوا فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ الفِكْرَةُ والنَظَرُ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى سَدادٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِي أنْفُسِهِمْ" ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ الفِكْرَةُ في ذَواتِهِمْ وحَواسِّهِمْ وخِلْقَتِهِمْ لِيَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى الخالِقِ المُخْتَرِعِ، والثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "فِي أنْفُسِهِمْ" ﴾ ظَرْفًا لِلْفِكْرَةِ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَقِبَ هَذا بِأنَّ الحَقَّ هو السَبَبُ في خَلْقِ السَمَواتِ والأرْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "فِي أنْفُسِهِمْ" ﴾ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿ "يَتَفَكَّرُوا" ﴾ كَما تَقُولُ: انْظُرْ بِعَيْنِكَ واسْمَعْ بِأُذُنِكَ، فَقَوْلُكَ: "بِعَيْنِكَ" و"بِأُذُنِكَ" تَأْكِيدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ" ﴾ أيْ بِسَبَبِ المَنافِعِ الَّتِي هي حَقٌّ واجِبٌ، يُرِيدُ: مِنَ الدَلالَةِ عَلَيْهِ، والعِبادَةِ لَهُ دُونَ فُتُورٍ، والِانْتِصابِ لِلْعِبْرَةِ ومَنافِعِ الأرْزاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

"وَأجَلٍ" عُطِفَ عَلى "الحَقِّ"، أيْ: وبِأجَلٍ مُسَمًّى وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ والنُشُورِ وفَسادِ بِنْيَةِ مَن في هَذا العالِمِ، ثُمَّ أخْبَرَ عن كَثِيرٍ مِنَ الناسِ أنَّهم كَفَرَةُ بِذَلِكَ المَعْنى، فَعَبَّرَ عنهُ بِلِقاءِ اللهِ لِأنَّ لِقاءَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ هو أعْظَمُ الأُمُورِ، وفِيهِ النَجاةُ أوِ الهَلَكَةُ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ وَأَثَارُوا۟ ٱلْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضِ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ هَذا أيْضًا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ عَلى أنَّهم سارُوا ونَظَرُوا، أيْ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهم حِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِحَسَبِ العِبْرَةِ وخَوْفِ العاقِبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَتَوَجَّهُ لِلْكَفَرَةِ أنْ يُعارِضَ مِنهم مَن لَمْ يَسِرْ فَيَقُولُ: لَمْ أسِرْ؛ لِأنَّ كافَّةَ مَن سارَ مِنَ الناسِ قَدْ نَقَلَتْ إلى مَن لَمْ يَسِرْ، فاسْتَوَتِ المَعْرِفَةُ وحَصَلَ اليَقِينُ لِلْكُلِّ وقامَتِ الحُجَّةُ، وهَذا بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأثارُوا الأرْضَ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَبانِي والحَرْثِ والحُرُوبِ، وسائِرِ المَبانِي الَّتِي أحْدَثُوها هي كُلُّها إثارَةٌ، بَعْضُها حَقِيقَةٌ وبَعْضُها بِتَجَوُّزٍ؛ لِأنَّ إثارَةَ أهْلِ الأرْضِ والحَيَوانِ والمَتاعِ إثارَةٌ لِلْأرْضِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ: "وَآثارُوا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وجْهُها أنَّهُ أشْبَعَ فَتْحَةَ الهَمْزَةِ فَنَشَأتْ ألِفٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ: فَأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِجالِ بِمُنْتَزاحِ قالَ: وهَذا مِن ضَرُورَةِ الشِعْرِ لا يَجِيءُ في القُرْآنِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآثَرُوا" بِالمَدِّ بِغَيْرِ ألْفٍ بَعْدِ الثاءِ، مِنَ الأثَرَةِ.

والضَمِيرُ في "عَمَرُوها" الأوَّلُ لِلْماضِينَ، والثانِي لِلْحاضِرِينَ والمُعاصِرِينَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ يَتَضَمَّنُ الوَعْظَ والتَخْوِيفَ مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ١٠ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ١١ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ ١٢ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَـٰٓؤُا۟ وَكَانُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ كَـٰفِرِينَ ١٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ ﴿ اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عاقِبَةُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها اسْمُ "كانَ"، والخَبَرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "السُوءى" ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أنْ كَذَّبُوا"، وتَكُونَ "السُوءى" - عَلى هَذا - مَفْعُولًا بِـ"أساءُوا" وإذا كانَ "السُوءى" خَبَرًا فَإنَّ "أنْ كَذَّبُوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ"أساءُوا"؛ لِأنَّ في ذَلِكَ فَصْلًا بَيْنَ الصِلَةِ ومَوْصُولِها بِخَبَرِ "كانَ".

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "عاقِبَةَ" بِالنَصْبِ عَلى أنَّها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، واسْمُ كانَ أحَدُ ما تَقَدَّمَ، و"السُوءى" مَصْدَرٌ كالرُجْعى والفُتَيا والشُورى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: "الخُلَّةُ السُوءى".

قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ قِراءَةُ العامَّةِ بِالمَدِّ عَلى الواوِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ وياءِ التَأْنِيثِ، فَبَعْضِ القُرّاءِ فَخَّمَ، وبَعْضُهم أمالَ.

وقَرَأالحَسَنُ: "السُوءَ" بِالتَذْكِيرِ، ورُوِيَ عن عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: السُوءُ والسُوءى اقْرَأْ بِما شِئْتَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أساءُوا" هُنا بِمَعْنى: كَفَرُوا، و"السُوءى" هي النارُ، والتَكْذِيبُ بِآياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُ الِاسْتِهْزاءِ بِها، فَلِذَلِكَ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ الفِعْلَيْنِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُطْلَقًا لِجَمِيعِ العالَمِ بِالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "يُبْدِئُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالياءِ.

وقَوْلُهُ: "يَوْمَ" مَنصُوبٌ بِـ"يُبْلِسُ"، و"الإبْلاسُ": الكَوْنُ في شَرٍّ مَعَ اليَأْسِ مِنَ الخَيْرِ في ذَلِكَ الشَرِّ بِعَيْنِهِ، فَإبْلاسُهم هو في عَذابِ اللهُ تَعالى.

وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وأمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِفَتْحِها، وأبْلَسَ الرَبْعُ إذا بَلِيَ، وكَأنَّهُ يَئِسَ مِنَ العِمارَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَبْعًا مُكْرَسا؟

∗∗∗ قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"الشُرَكاءُ": المُشارُ إلَيْهِمْ هُمُ الأصْنامُ، أيِ الَّذِينَ كانُوا يَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "وَكانُوا" ﴾ مَعْناهُ يَكُونُونَ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ أمْرَ اللهِ تَعالى وفَسادِ حالَ الأصْنامِ، فَعَبَّرَ عنهُ بِالماضِي لِتَيَقُّنِ الأمْرِ وصِحَّةِ وُقُوعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَتَفَرَّقُونَ ١٤ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍۢ يُحْبَرُونَ ١٥ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْـَٔاخِرَةِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ١٦ فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ١٧ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّۭا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ ﴿ "يَتَفَرَّقُونَ" ﴾ مَعْناهُ: في المَنازِلِ والأحْكامِ والجَزاءِ، قالَ قَتادَةُ: فُرْقَةٌ واللهِ لا اجْتِماعَ بَعْدَها.

و"يُحْبَرُونَ" مَعْناهُ: يُنَعَّمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَبْرَةُ والحُبُورُ: السُرُورُ والنَعِيمُ، وَقالَ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: ﴿ "يُحْبَرُونَ" ﴾ مَعْناهُ: يَسْمَعُونَ الأغانِيَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الحَبْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ "يُحْبَرُونَ": ﴾ يُكْرَمُونَ، وفي المَثَلِ: "امْتَلَأتْ بُيُوتُهم حَبْرَةً فَهم يَنْظُرُونَ العِبْرَةَ"، ومِنهُ بَيْتُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فِراقٌ كَقَيْصِ السِنِّ فالصَبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عِبْرَةٌ وحُبُورُ هَذا عَلى هَذِهِ الرِوايَةِ، ويُرْوى: "عَثْرَةٌ وجُبُورُ"، وهي أكْثَرُ.

وذَكَرَ تَعالى الرَوْضَةَ لِأنَّها مِن أحْسَنِ ما يُعْلَمُ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وهي حَيْثُ يَكْثُرُ النَبْتُ الأخْضَرُ، وما كانَ مِنها في المُرْتَفَعِ مِنَ الأرْضِ كانَ أحْسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنْ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وَمِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: فَما رَوْضَةٌ بِالحَزْنِ طَيِّبَةُ الثَرى ∗∗∗ ∗∗∗ يَمُجُّ النَدا جَثْجاثُها وعَرارُها قالَ الأصْمَعِيُّ: ولا يُقالُ رَوْضَةٌ حَتّى يَكُونَ فِيها ماءٌ يُشْرَبُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسُبْحانَ اللهِ ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ والحَضِّ عَلى الصَلاةِ في هَذِهِ الأوقاتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أدّى هَذا التَفَرُّقِ إلى أنْواعٍ مِنَ النِعَمِ والعَذابِ فَجَرى بِها المُؤْمِنُ في طَرِيقِ الفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وبَعْضُ الفُقَهاءِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أرْبَعِ صَلَواتٍ: المَغْرِبُ والصُبْحُ والعَصْرُ والظُهْرُ، قالُوا والعِشاءُ الآخِرَةُ في آيَةٍ أُخْرى، في ( زُلَفًا مِنَ اللَيْلِ ) وفي ذِكْرِ أوقاتِ العَوْرَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا وفِرْقَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى الصَلَواتِ الخَمْسِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ يَتَضَمَّنُ الصَلاتَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِن نَوْعِ تَعْظِيمِ اللهِ تَعالى والحَضِّ عَلى عِبادَتِهِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ"، والمَعْنى: حِينَ تُمْسُونَ فِيهِ "وَحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ".

<div class="verse-tafsir"

يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَيُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ١٩ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌۭ تَنتَشِرُونَ ٢٠ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٢١ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْعَـٰلِمِينَ ٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ ﴾ "الحَيُّ والمَيِّتُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا، فالحَقِيقَةُ: المَنِيُّ يَخْرُجُ مِنهُ الإنْسانُ، والبَيْضَةُ يَخْرُجُ مِنها الطائِرُ، وهَذِهِ بِعَيْنِها مَيِّتَةٌ تَخْرُجُ مِن حَيٍّ، وما جَرى هَذا المَجْرى، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ هَذا المَعْنى «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عِنْدَما كَلَّمَتْهُ بِالإسْلامِ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَقَبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ».

والمَجازُ إخْراجُ النَباتِ الأخْضَرِ مِنَ الأرْضِ، وإخْراجُ الطُعْمِ مِنَ النَباتِ، وما جَرى هَذا المَجْرى.

ومَثَّلَ بَعْدَ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بِالمَطَرِ.

ثُمَّ بَعْدَ هَذَهِ الأمْثِلَةِ القاضِيَةِ بِتَجْوِيزِ بَعْثِ الأجْسادِ عَقْلًا ساقَ الخَبَرَ بِأنَّ كَذَلِكَ خُرُوجَنا مِنَ القُبُورِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُخْرَجُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ: "تُخْرَجُونَ" بِالتاءِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الراءِ.

و"مِن" في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ: ﴿ "خَلَقَكُمْ" ﴾ مِن حَيْثُ خَلَقَ أباهم آدَمَ، قالَهُ قَتادَةُ.

و"تَنْتَشِرُونَ" مَعْناهُ: تَتَصَرَّفُونَ وتَتَفَرَّقُونَ في الأعْراضِ والأسْفارِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلْقَهُ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ، فَحَمَلَ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ النِساءِ مِن حَيْثُ أُمُّهم مَخْلُوقَةٌ مِن نَفْسِ آدَمَ، أيْ: مِن ذاتِ شَخْصِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِن نَوْعِكم ومِن جِنْسِكم.

و"المَوَدَّةُ والرَحْمَةُ" عَلى بابِهِما المَشْهُورِ مِنَ التَوادِّ والتَراحُمِ، هَذا هو البَلِيغُ، وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: عَنى بِالمَوَدَّةِ الجِماعَ وبِالرَحْمَةِ الوَلَدَ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، واخْتِلافِ اللُغاتِ والألْوانِ، وهَذِهِ: البَياضُ والسَوادُ وغَيْرُهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ضُرُوبَ بَنِي آدَمَ وأنْواعَهُمْ، فَتَعُمُّ شُخُوصَ البَشَرِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ بِالألْوانِ، وتَعُمُّ الألْسِنَةَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِلْعالَمِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "لِلْعالِمِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، فالأُولى عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي نَفْسَها مَنصُوبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والثانِيَةُ عَلى مَعْنى أنَّ أهْلَ الِانْتِفاعِ بِالنَظَرِ فِيها إنَّما هم أهْلُ العِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ ٢٣ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَيُحْىِۦ بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٢٤ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ بِأَمْرِهِۦ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَيْلِ والنَهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ ذَكَرَ تَعالى النَوْمَ بِاللَيْلِ والنَهارِ وعُرْفُ النُوَّمِ إنَّما هو بِاللَيْلِ وحْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِهِ كَأنَّهُ فِيهِما، وإنَّما مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ عَمَّ بِاللَيْلِ والنَهارِ فَسَمّى الزَمانَ، وقَصَدَ مِن ذَلِكَ تَعْدِيدَ آيَةِ النَوْمِ وتَعْدِيدَ آيَةِ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، فَإنَّهُما آيَتانِ ونِعْمَتانِ يَكُونانِ في لَيْلٍ ونَهارٍ، والعُرْفُ "تَحَيُّزُ" كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النِعْمَتَيْنِ أيْ مَحَلَّها مِنَ الأغْلَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وإنَّما أرادَ أنْ يُرَتِّبَ النَوْمَ لِلَّيْلِ، والِابْتِغاءَ لِلنَّهارِ، ولَفْظُ الآيَةِ لا يُعْطِي ما أرادَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيكُمُ" ﴾ فِعْلٌ مُرْتَفِعٌ لَمّا حُذِفَتْ "أنْ" الَّتِي لَوْ كانَتْ لَنَصَبَتْهُ، فَلَمّا حَلَّ الفِعْلُ مَحَلَّ الِاسْمِ أُعْرِبَ بِالرَفْعِ، ومَثَلُهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ألا أيُّهَذا الزاجِرِي أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي؟

قالَ الرُمّانِيُّ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "وَمِن آياتِهِ آيَةُ يُرِيكُمُ البَرْقَ"، وحُذِفَتِ "الآيَةُ" لِدَلالَةِ "مِن" عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ التَقْدِيرُ: فَمِنها تارَةٌ أمُوتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ كَسائِرِ هَذِهِ الآياتِ، ويَحْتَمِلُ في هَذِهِ وحْدَها أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ "آيَةٌ"، وإنَّما يَكُونُ الفِعْلُ مُخْلَصًا لِلِاسْتِقْبالِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ ونَحْوِهِ، بَلْ فِيهِ الخَوْفُ والطَمَعُ لِكُلِّ بَشَرٍ، قالَ الضَحّاكُ: الخَوْفُ مِن صَواعِقِهِ، والطَمَعُ في مَطَرِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ ﴾ مَعْناهُ: تَثْبُتُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، وقِيلَ: هو فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، أحَلَّهُ مَحَلَّ الماضِي لِيُعْطِيَ فِيهِ مَعْنى الدَوامِ الَّذِي هو في المُسْتَقْبَلِ، و"الدَعْوَةُ مِنَ الأرْضِ" هي البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ، و"مِنَ الأرْضِ" حالٌ لِلْمُخاطَبِينَ، كَأنَّهُ قالَ: خارِجِينَ مِنَ الأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مِنَ الأرْضِ" صِفَةٌ لِلدَّعْوَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"مِن" عِنْدِي هاهُنا لِانْتِهاءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: "دَعْوَتُكَ مِنَ الجَبَلِ"، إذا كانَ المَدْعُوُّ في الجَبَلِ، والوَقْفُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ نافِعٍ ويَعْقُوبَ الحَضْرَمِيِّ عَلى "دَعْوَةً"، والمَعْنى: بَعْدَ إذا أنْتُمْ تُخْرَجُونَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا عَلى أنَّ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، قالَ مَكِّيٌّ: والأحْسَنُ عِنْدَ أهْلِ النَظَرِ أنَّ الوَقْفَ في آخِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في "إذا" الثانِيَةِ أنَّها جَوابُ الأُولى، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ إذا دَعاكم خَرَجْتُمْ، وهَذا أسُدُّ الأقْوالِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الباقُونَ "تُخْرَجُونَ" بِضَمِّ التاءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ ٢٦ وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢٧ ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًۭا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌۭ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسِكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ اللامُ في لَهُ الأُولى لامُ المِلْكِ، وفي الثانِيَةِ لامُ تَعْدِيَةٍ لِـ"قَنَتَ" وقَنَتَ بِمَعْنى خَضَعَ فِي طاعَتِهِ وانْقِيادِهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرُ لَفْظِها العُمُومُ في القُنَّتِ، والعُمُومُ في كُلِّ مَن يَعْقِلُ، وتَعْمِيمُ ذَلِكَ في المَعْنى لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ ونَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لا يَقْنُتُ في كَثِيرٍ مِنَ المُعْتَقَدِ والأعْمالِ، فَلا بُدَّ أنَّ عُمُومَ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ الخُصُوصُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا الخُصُوصِ أيْنَ هُوَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو في القُنَّتِ والطاعَةِ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ مَن يَعْقِلُ هو قانِتٌ لِلَّهِ في مُعْظَمِ الأُمُورِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ والرِزْقِ والقُدْرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَبْخَلُ بِالعِبادَةِ وبِالمُعْتَقَداتِ فَلا يَقْنُتُ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ في مُعْظَمِ الأُمُورِ وفي غالِبِ الشَأْنِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ الخُصُوصَ هو في الأعْيانِ المَذْكُورِينَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ مِن مَلَكٍ ومُؤْمِنٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَبْدَأُ الخَلْقَ ﴾ مَعْناهُ: يُنْشِئُهُ ويُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ، وجاءَ الفِعْلُ بِصِيغَةِ الحالِ لِما كانَ في هَذا المَعْنى ما قَدْ مَضى كَآدَمَ وسائِرِ القُرُونِ، وفِيهِ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ، فَكَأنَّ صِيغَةَ الحالِ تُعْطِي هَذا كُلَّهُ.

و"يُعِيدُهُ" مَعْناهُ يَبْعَثُهُ مِنَ القُبُورِ ويُنْشِئُهُ تارَةً أُخْرى.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: وهو هَيِّنٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوجَلُ بِمَعْنى لَوَجِلٌ.

وقَوْلُ الآخَرُ: بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ وقَوْلُهم في الأذانِ: "اللهُ أكْبَرُ"، وقَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ يُرِيدُ: بِواحِدٍ، واسْتَشْهَدَ بِهَذا البَيْتِ أبُو عُبَيْدَةَ، وهَذا شاهِدٌ كَثِيرٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "وَكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المَعْنى: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اليُسْرِ عَلَيْهِ في حَيِّزٍ واحِدٍ وحالٍ مُتَماثِلَةٍ، قالَ: ولَكِنَّ هَذا التَفْضِيلَ بِحَسْبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، وما يُعْطِيهِمُ النَظَرُ في الشاهِدِ مِن أنَّ الإعادَةَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ أهْوَنُ عَلَيْنا مِنَ البُداءَةِ؛ لِلتَّمَرُّنِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ الرَوِيَّةِ الَّتِي كانَتْ في البُداءَةِ.

وهَذانِ القَوْلانِ الضَمِيرانِ فِيهِما عائِدانِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الخَلْقِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُوَ بِمَعْنى "المَخْلُوقِ" فَقَطْ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلِينَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "المَخْلُوقَ"، أو يَكُونَ مَصْدَرًا مِن "خَلَقَ".

فَقالالحَسَنُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ مِن إنْشائِهِ؛ لِأنَّهُ في إنْشائِهِ يَصِيرُ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مِن نُطْفَةٍ إلى عَلَقَةٍ إلى مُضْغَةٍ ونَحْوَ هَذا، وفي الإعادَةِ إنَّما يَقُومُ في حِينٍ واحِدَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، أيْ: أقْصَرُ مُدَّةً وأقَلُّ انْتِقالًا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: وهو أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ أنْ يُعِيدَ شَيْئًا بَعْدَ إنْشائِهِ، فَهَذا عُرْفُ المَخْلُوقِينَ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ أنْتُمُ الإعادَةَ في جانِبِ الخالِقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى اللهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ ، لِما جاءَ بِلَفْظٍ فِيهِ اسْتِعارَةٌ واسْتِشْهادٌ بِالمَخْلُوقِ عَلى الخالِقِ، وتَشْبِيهٌ بِما يَعْهَدُهُ الناسُ مِن أنْفُسِهِمْ، خَلَصَ جانِبُ العَظَمَةِ بِأنْ جَعْلَ لَهُ المَثَلَ الأعْلى الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ تَكْيِيفٌ ولا تَماثُلٌ مَعَ شَيْءٍ.

والعِزَّةُ والحِكْمَةُ صِفَتانِ مُوافِقَتانِ لِمَعْنى الآيَةِ، فَبِهِما يُعِيدُ ويَنْفُذُ أمْرُهُ في عِبادِهِ كَيْفَ شاءَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ وفَسادَ مُعْتَقَدِ مَن يُشْرِكُها بِاللهِ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ، ومَعْناهُ: إنَّكم أيُّها الناسُ إذا كانَ لَكم عَبِيدٌ تَمْلِكُونَهم فَإنَّكم لا تُشْرِكُونَهم في أمْوالِكم ولا في أُمُورِكم ولا في شَيْءٍ عَلى جِهَةِ اسْتِواءِ المَنزِلَةِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِكم أنْ تَخافُوهم فِي أنْ يَرِثُوا أمْوالَكم أو يُقاسِمُوكم إيّاها في حَياتِكُمْ، كَما يَفْعَلُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ، فَإذا كانَ هَذا فِيكم فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إنَّ مِن عَبِيدِهِ ومِلْكِهِ شُرَكاءَ في سُلْطانِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، وتُثْبِتُونَ في جانِبِهِ ما لا يَلِيقُ بِكم عِنْدَكم بِجَوانِبِكُمْ؟

هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٍ، وجاءَ هَذا المَعْنى في مَعْرِضِ السُؤالِ والتَقْرِيرِ.

وقَرَأ الناسُ: ﴿ كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ بِنَصْبِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَصِّلُ" بِالنُونِ حَمَلًا عَلى "رَزَقْناكُمْ"، وقَرَأ عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ حَمَلًا عَلى "ضَرَبَ لَكم مَثَلًا".

<div class="verse-tafsir"

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۖ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٢٩ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٠ ۞ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ٣٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللهُ وما لَهم مَن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ الإضْرابُ بِـ"بَلْ" هو عَمّا تَضَمَّنَهُ مَعْنى الآيَةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ لَهم حُجَّةٌ ولا مَعْذِرَةٌ فِيما فَعَلُوا مِن تَشْرِيكِهِمْ مَعَ اللهِ تَعالى، بَلِ اتَّبَعُوا أهْواءَهم جَهالَةً وشَهْوَةً وقَصْدًا لِأمْرِ دُنْياهم.

ثُمَّ قَرَّرَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى مَن يَهْدِي إذا أضَلَّ اللهُ؟

أيْ: لا هادِيَ لِأهْلِ هَذِهِ الحالِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِإقامَةِ وجْهِهِ لِلدِّينِ المُسْتَقِيمِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، وإقامَةُ الوَجْهِ هي تَقْوِيمُ المَقْصِدِ والقُوَّةِ عَلى الجِدِّ في أعْمالِ الدِينِ، وذِكْرُ الوَجْهِ لِأنَّهُ جامِعُ حَواسِّ الإنْسانِ وأشْرَفُهُ، و"حَنِيفًا" مَعْناهُ: مُعْتَدِلًا مائِلًا عن جَمِيعِ الأدْيانِ المُحَرَّفَةِ المَنسُوخَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ صِبْغَةَ اللهِ  ﴾ ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اتَّبِعْ والزَمْ فِطْرَةَ اللهِ تَعالى، واخْتَلَفَ الناسُ في الفِطْرَةِ هاهُنا، فَذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ جَمِيعَ ما يُمْكِنُ أنْ تُصْرَفَ هَذِهِ اللَفْظَةُ عَلَيْهِ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ قَلَقٌ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَفْظَةِ أنَّها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ في نَفْسِ الطِفْلِ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّأةٌ لِأنْ يُمَيِّزَ بِها مَصْنُوعاتِ اللهِ تَعالى، ويَسْتَدِلَّ بِها عَلى رَبِّهِ جَلَّ وعَلا ويَعْرِفَ شَرائِعَهُ، ويُؤْمِنَ بِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ الَّذِي هو الحَنِيفُ وهو فِطْرَةُ اللهِ الَّذِي عَلى الإعْدادِ لَهُ فَطَرَ البَشَرَ، لَكِنْ تَعْرِضُهُمُ العَوارِضُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ..." الحَدِيثُ،» فَذِكْرُ الأبَوَيْنِ إنَّما هو مِثالٌ لِلْعَوارِضِ الَّتِي هي كَثِيرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ بِها هَذِهِ الفِطْرَةَ المَذْكُورَةَ، أيِ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الفِطْرَةَ لا تَبْدِيلَ لَها مِن جِهَةِ الخالِقِ، ولا يَجِيءُ الأمْرُ عَلى خِلافِها بِوَجْهٍ، والآخَرانِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ﴾ إنْحاءً عَلى الكَفَرَةِ، اعْتَرَضَ بِهِ أثْناءَ الكَلامِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ كَذا وكَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدْ خَلَقَ اللهُ لَهُمُ الكُفْرَ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، أيْ إنَّهم لا يُفْلِحُونَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، والضَحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، والنَخَعِيِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَعْناهُ: لا تَبْدِيلَ لِلْمُعْتَقَداتِ الَّتِي هي في الدِينِ الحَنِيفِ، فَإنَّ كُلَّ شَرِيعَةٍ هي عَقائِدُها.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَأْوِيلاتٍ: مِنها قَوْلُ عِكْرِمَةَ - وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: النَهْيُ عن خِصاءِ الفُحُولِ مِنَ الحَيَوانِ.

ومِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ في الفِطْرَةِ: إنَّها المِلَّةُ.

عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ في الفِطْرَةِ: الدِينُ.

وتَأوَّلَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ "فَطَرَ الناسَ" ﴾ عَلى الخُصُوصِ، أيِ: المُؤْمِنِينَ.

وقِيلَ: الفِطْرَةُ هو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللهُ تَعالى عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ أخْرَجَهم نَسَمًا مِن ظَهْرِهِ، ونَحْوُهُ حَدِيثُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ مَرَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا مُعاذُ، ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟

قالَ: الإخْلاصُ، وهو الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللهُ الناسَ عَلَيْها، والصَلاةُ وهي الدِينُ، والطاعَةُ وهي العِصْمَةُ، فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صَدَقْتَ.

و"القَيِّمُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِيامِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاسْتِقامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مُنِيبِينَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَطَرَ الناسَ ﴾ ، لا سِيَّما عَلى رَأْيِ مَن رَأى أنَّ ذَلِكَ خُصُوصٌ في المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ ﴾ ، وجَمَعَهُ لِأنَّ الخِطابَ بِإقامَةِ الوَجْهِ لِلنَّبِيِّ  ولِأُمَّتِهِ، نَظِيرُها قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ  ﴾ و"المُنِيبُ": الراجِعُ المُخْلِصُ المائِلُ إلى جِهَةِ ما تَوَدُّهُ نَفْسُهُ، و"المُشْرِكُونَ" المُشارُ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ اليَهُودُ، وقالَتْ عائِشَةُ وأبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي في أهْلِ القِبْلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَلَفْظَةُ الإشْراكِ - عَلى هَذا - فِيها تَجَوُّزٌ، فَإنَّهم صارُوا في دِينِهِمْ فِرَقًا، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، واحِدُها: شِيعَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ مَعْناهُ أنَّهم مَفْتُونُونَ بِآرائِهِمْ، مُعْجَبُونَ بِضَلالِهِمْ، وذَلِكَ أصِيلٌ فِيهِمْ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فارَقُوا دِينَهُمْ" بِالألِفِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّۭ دَعَوْا۟ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ٣٣ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٣٤ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًۭا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا۟ بِهِۦ يُشْرِكُونَ ٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الناسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ إنْحاءٍ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَهُ، بَيَّنَ اللهِ تَعالى لَهم أنَّهم كَسائِرِ البَشَرِ في أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعَوُا اللهَ سُبْحانَهُ، وتَرَكُوا الأصْنامَ مَطْرُوحَةُ، ولَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، فَإذا أذاقَهم رَحْمَتَهُ، أيْ: باشَرَهم أمْرُهُ بِها، والذَوْقُ مُسْتَعارٌ، إذا طائِفَةٌ تُشْرِكُ بِهِ أصْنامًا ونَحْوَ هَذا، و"إذا" لِلْمُفاجَأةِ، فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ في جَوابِ "إذا" الأولى، بِمَنزِلَةِ الفاءِ، وهَذِهِ الطائِفَةُ هي عَبَدَةُ الأصْنامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، فَعَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ، أو بِحِذْقِ آرائِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فِيهِ قِلَّةُ شُكْرٍ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُسَمّى تَشْرِيكًا مَجازًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَكْفُرُوا" ﴾ اللامُ لامُ كَيْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لامُ الأمْرِ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَتَمَتَّعُوا" ﴾ فَأمْرٌ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَقْرِيرِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: فَتَمَتَّعُوا.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "فَيَتَمَتَّعُوا" بِياءٍ قَبْلَ التاءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "لِيَكْفُرُوا"، أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلْيَتَمَتَّعُوا"، ورُوِيَ عن أبِي العالِيَةِ: "فَيُمَتِّعُوا" بِضَمِّ الياءِ دُونَ تاءٍ أُولى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "تَمَتَّعُوا"، كَذا قالَ هارُونُ.

وقَرَأ عامَّةُ الناسِ: "تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْ" بِمَعْنى (بَلْ) وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهُ أضْرَبَ عن صَدْرِ الكَلامِ ورَجَعَ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ.

و"السُلْطانُ" هاهُنا: البُرْهانُ، مِن رَسُولٍ أو كِتابٍ ونَحْوِهِ، والسُلْطانُ في كَلامِ العَرَبِ جَمْعُ سَلِيطٍ، كَرَغِيفٍ ورُغْفانٍ، وغَدِيرٍ وغُدْرانٍ، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَسَلُّطِ والتَغَلُّبِ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ في العَرَبِ الرَئِيسَ؛ لِأنَّهُ سَلِيطٌ بِوَجْهِ الحَقِّ، وهو اسْمُ جَمْعٍ مِن حَيْثُ أنْواعِ الغَلَبَةِ والمُلْكِ عِنْدَهُ، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ وزْنُهُ فُعْلانُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ﴾ مَعْناهُ أنْ يُظْهِرَ حُجَّتَهُمْ، ويُغَلِّبَ مَذْهَبَهُمْ، ويَنْطِقَ بِشِرْكِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقامَ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ فَرِحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ٣٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ ٣٧ فَـَٔاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٣٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الناسِ مَتى تَأْتِيهِمْ شِدَّةٌ وضُرٌّ ونَجَوا مِنهُ إلى سِعَةٍ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرَ أيْضًا مِنَ الطَرَفِ الآخَرِ بِأنْ ذَكَرَ الرَحْمَةَ ثُمَّ تُعَقِّبُ الشِدَّةُ، فَلَهم في الرُتْبَةِ الأُولى تَضَرُّعٌ ثُمَّ إشْراكٌ، ولَهم في الثانِيَةِ فَرَحٌ وبَطَرٌ ثُمَّ قُنُوطٌ ويَأْسٌ، وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن هَذِهِ الخُلُقَ بِقِسْطٍ، فَمِنهُمُ المُقِلُّ والمُكْثِرُ، إلّا مَن رَبَطَتِ الشَرِيعَةُ عَلى قَلْبِهِ، وتَأدَّبَ بِأدَبِ اللهِ تَعالى، فَصَبَرَ عِنْدَ الضَرّاءِ، وشَكَرَ عِنْدَ السَرّاءِ، ولَمْ يَبْطَرْ عِنْدَ النِعْمَةِ، ولَمْ يَقْنُطْ عِنْدَ الِابْتِلاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ إنَّ اللهَ يَمْتَحِنُ الأُمَمَ، ويُصِيبُ مِنهم عِنْدَ فُشُوِّ المَعاصِي وظُهُورِ المَناكِرِ، وكَذَلِكَ قَدْ يُصابُ شَخْصٌ بِسُوءِ أعْمالِهِ بِشَيْءٍ وحْدَهُ، ويَعْفُو اللهُ عن كَثِيرٍ.

والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ.

"يَقْنِطُونَ" بِكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ، والحُسْنُ، وجَماعَةٌ بِفَتْحِها.

وجَوابُ الشَرْطِ في قَوْلِهِ: ( إنْ تُصِبْهم ) قَوْلُهُ؛ ﴿ "إذا هُمْ"، ﴾ وذَلِكَ أنَّها لِلْمُفاجَأةِ لا يُبْتَدَأُ بِها؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الفاءِ، ويُجابُ بِها الشَرْطُ، وأمّا الَّتِي لِلشَّرْطِ أوِ الَّتِي فِيها مَعْنى الشَرْطِ فَيُبْتَدَأُ بِهِما.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْأسْ مِن رُوحِ اللهِ تَعالى عَلى حالٍ، وهو أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِبَسْطِ الرِزْقِ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ عَبْدٍ أنْ يَكُونَ راجِيًا ما عِنْدَ رَبِّهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أمَّرا تَدْخُلُ الأُمَّةُ فِيهِ، وهَذا عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى إيتاءِ ذِي القُرْبى حَقَّهُ مِن صِلَةِ المالِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ ولِينِ القَوْلِ.

قالَ الحَسَنُ: حَقُّهُ المُواساةُ في اليُسْرِ، قالَ: ومُعْظَمُ ما قَصَدَ أمْرُ المَعُونَةِ بِالمالِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَكاةِ"،» وذَلِكَ لِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَبِيلِ حَقٌّ، وبَيَّنَ أنَّ حَقُّ هَذَيْنِ إنَّما هو في المالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَلْزَمُ القَرِيبُ المُعْدَمُ الَّذِي يَقْضِي حَقَّهُ أنْ يَقْضِيَ أيْضًا حَقَّ قَرِيبِهِ في جَوْدَةِ العِشْرَةِ، و"وَجْهُ اللهِ" هُنا جِهَةُ عِبادَتِهِ ورِضاهُ، و"المُفْلِحُونَ": الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمُ، البالِغُونَ لِآمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًۭا لِّيَرْبُوَا۟ فِىٓ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرْبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٍۢ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ٣٩ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْءٍۢ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٤٠ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٤١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ الناسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي الناسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَما آتَيْتُمْ" ﴾ بِمَعْنى: أعْطَيْتُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَما أتَيْتُمْ" بِغَيْرِ مَدٍّ، بِمَعْنى: ما فَعَلْتُمْ، كَما تَقُولُ: أتَيْتُ صَوابًا وأتَيْتُ خَطَأً، وأجْمَعُوا عَلى المَدِّ في قَوْلِهِ: ﴿ "وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا".

﴾ والرِبا: الزِيادَةُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ: هَذِهِ آيَةٌ نَزَلَتْ في هِباتِ الثَوابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما جَرى مَجْراها مِمّا يَصْنَعُهُ الإنْسانُ لِيُجازى عَلَيْهِ؛ كالسَلامِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى تَمْوِيلِهِمْ ونَفْعِهِمْ والتَفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَفْعِ لَهُمْ، وقالَ الشَعْبِيُّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ ما خَدَمَ الإنْسانُ بِهِ أحَدًّا، وخَفَّ بِهِ لِيَنْتَفِعَ في دُنْياهُ، فَإنَّ ذَلِكَ النَفْعَ الَّذِي يُجْزى بِهِ الخَدَمَةُ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ قَرِيبُ جُزْءٍ مِنَ التَأْوِيلِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ النَهْيَ عَنِ الرِبا في التِجاراتِ.

لَمّا حَضَّ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَفْعِ ذَوِي القُرْبى والمَساكِينِ وابْنِ السَبِيلِ أعْلَمَ أنَّ ما فَعَلَ المَرْءُ مِن رِبًا لِيَزْدادَ بِهِ مالًا - وفِعْلُهُ ذَلِكَ إنَّما هو في أمْوالِ الناسِ - فَإنَّ ذَلِكَ لا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ تَعالى ولا يَزْكُو، بَلْ يَتَعَلَّقُ فِيهِ الإثْمُ ومَحْقُ البَرَكَةِ، وما أعْطى الإنْسانُ مِن زَكاةٍ تَنْمِيَةً لِمالِهِ وتَطْهِيرًا، يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللهِ تَعالى، فَذَلِكَ هو الَّذِي يُجازى بِهِ أضْعافًا مُضاعَفَةً عَلى ما شاءَ اللهُ تَعالى لَهُ.

وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رِبا ثَقِيفٍ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِبا وتَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ السَبْعَةِ: ﴿ "لِيَرْبُوَ" ﴾ بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِبا، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لِتُرْبُوا" بِضَمِّ التاءِ والواوُ ساكِنَةٌ، بِمَعْنى: تَكُونُوا ذَوِي زِياداتٍ، وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلِ المَدِينَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَعْبِيُّ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: هي قِراءَتُنا، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "لِتُرْبُوها" بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ، و"المُضْعْفُ" الَّذِي هو ذُو أضْعافٍ مِنَ التُراثِ، كَما المُؤَلِّفُ الَّذِي لَهُ آلافٍ، وكَما تَقُولُ: أخْصَبُ إذا كانَ ذا خِصْبٍ، وهَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ أرْبى المُتَقَدِّمُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِتُرْبُوا" بِضَمِّ التاءِ.

ثُمَّ كَرَّرَ مُخاطَبَةَ الكَفَرَةِ في أمْرِ أوثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَ اللهِ تَعالى الَّتِي لا شَرِيكَ لَهُ فِيها، وهي الخْلْقُ والرِزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ عاقِلٌ، ووَقَفَ الكُفّارُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ - ( هَلْ مِن شُرَكائِهِمْ ) أيِ: الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ، مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؟

وهَذا التَرْتِيبُ بِـ"ثُمَّ" هو في الإيجادِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِن هُنا أدْخَلَ الفُقَهاءُ الوَلَدَ مَعَ أبِيهِ في تَعَقُّبِ الأجْناسِ إذا كانَ اللَفْظُ: "عَلى أعْقابِهِمْ، ثُمَّ عَلى أعْقابِ أعْقابِهِمْ".

ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عن مَقالَتِهِمْ في الإشْراكِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ العِبْرَةِ - ما ظَهَرَ مِنَ الفَسادِ بِسَبَبِ المَعاصِي في قَوْلِهِ: ﴿ ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "البَرِّ والبَحْرِ" - في هَذِهِ الآيَةِ - فَقالَ مُجاهِدٌ: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَواحِلُ والمُدُنُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ الكِبارِ.

وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ والصَحارِي والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ «قَوْلُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلنَّبِيِّ  في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: "وَلَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ"» الحَدِيثُ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "فِي البَرِّ والبُحُورِ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ظُهُورُ الفَسادِ في البَرِّ قَتْلُ أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ لِأخِيهِمْ، وفي البَحْرِ أخْذُ السُفُنِ غَصْبًا، وقالَ بَعْضُ العُبّادِ: البَحْرُ: القَلْبُ، البَرُّ: اللِسانُ، وقالَ الحَسَنُ: البَرُّ والبَحْرُ هُما المَعْرُوفانِ المَشْهُورانِ في اللُغَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو القَوْلُ صَحِيحٌ.

وَظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما هو بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَغَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَسادُ في البَحْرِ: انْقِطاعُ صَيْدِهِ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ، وقَلَّما تُوجَدُ أُمَّةٌ فاضِلَةٌ مُطِيعَةٌ مُسْتَقِيمَةُ الأعْمالِ إلّا يَدْفَعُ اللهُ عنها هَذِهِ، والأمْرُ بِالعَكْسِ في أهْلِ المَعاصِي وبَطَرِ النِعْمَةِ، وكَذَلِكَ كانَ أمْرُ البِلادِ في وقْتِ مَبْعَثِ النَبِيِّ  ، قَدْ كانَ الظُلْمُ عَمَّ الأرْضَ بَرًّا وبَحْرًا، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ لِيُجازِيَ بِها عَلى المَعاصِي، فَيُذِيقُ الناسَ عاقِبَةَ إذْنابِهِمْ لَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويُراجِعُونَ بَصائِرَهم في طاعَةِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كَسَبَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ"ظَهَرَ"، أيْ: كَسَبُهُمُ المَعاصِي في البَرِّ والبَحْرِ، هو نَفْسُ الفَسادِ الظاهِرِ، والتَرَجِّي في "لَعَلَّ" هو بِحَسْبِ مُعْتَقَدِنا، وبِحَسْبِ نَظَرِنا في الأُمُورِ.

وقَرَأتْ عامَّةُ القُرّاءِ والناسُ: ﴿ "لِيُذِيقَهُمْ" ﴾ بِالياءِ، وقَرَأ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ بِالنُونِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ، وقَرَأ أيْضًا أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لِتُذِيقَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ ٤٢ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۖ يَوْمَئِذٍۢ يَصَّدَّعُونَ ٤٣ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ ﴿ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ فِيمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ وبِسُوءِ عَواقِبِهِمْ بِكُفْرِهِمْ وإشْراكِهِمْ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِإقامَةِ وجْهِهِ، والمَعْنى: اجْعَلْ قَصْدَكَ ومَسْعاكَ لِلدِّينِ، أيْ لِطَرِيقِهِ ولِأعْمالِهِ واعْتِقاداتِهِ.

و"القَيِّمُ" أصْلُهُ: قَيُّومٌ، اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسَبَقَتِ الياءُ وهي ساكِنَةٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الأُولى في الثانِيَةِ.

ثُمَّ حَذَّرَهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن يَوْمِ القِيامَةِ تَحْذِيرًا يَعُمُّ العالَمَ، وإيّاهُمُ القَصْدَ، وَ"لا مَرَدَّ لَهُ" مَعْناهُ: لَيْسَ فِيهِ رُجُوعٌ لِعَمَلٍ ولا رَغْبَةٍ، ولا عنهُ مُرْتَحَلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لا يَرُدُّهُ رادٌّ حَتّى لا يَقَعَ، وهَذا ظاهِرٌ بِحَسْبِ اللَفْظِ، و"يَصَّدَّعُونَ" مَعْناهُ: يَتَفَرَّقُونَ بَعْدَ جَمْعِهِمْ، وهَذا هو التَصَدُّعُ، ومَعْنى "يَتَفَرَّقُونَ": إلى الجَنَّةِ وإلى النارِ.

ثُمَّ قَسَّمَ الفَرِيقَيْنِ بِأحْكامٍ تَلْحَقُهم مِن أعْمالٍ في الدُنْيا، ثُمَّ عَبَّرَ عَنِ الكَفْرِ بِـ"عَلَيْهِ"، وهي تُعْطِي الثِقَلَ والمَشَقَّةَ، وعَنِ العَمَلِ الصالِحِ بِاللامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ، و"يَمْهَدُونَ" مَعْناهُ يُوَطِّئُونَ ويُهَيِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مَنقُولَةٌ مِنَ الفُرُشِ ونَحْوِها إلى الأحْوالِ والمَراتِبِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا التَمْهِيدُ هو لِلْقَبْرِ.

<div class="verse-tafsir"

لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٤٥ وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٍۢ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَلِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٤٦ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِياحَ مُبَشِّراتٍ ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فانْتَقَمْنا مِن الَّذِينَ أجْرَمُوا وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ اللامُ في "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"يَصَّدَّعُونَ"، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ، أو: فَعَلَ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ مَن كَفَرَ  ﴾ ﴿ وَمَن عَمِلَ صالِحًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ لَيْسَ الحُبُّ بِمَعْنى الإرادَةِ، ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ أماراتِ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضاهُ لَهم دِينًا، ونَحْوُ هَذا.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن آياتِهِ أشَياءَ تَقْتَضِي كُلُّ عَقْلٍ بِأنَّهُ لا مُشارَكَةَ لِلْأوثانِ فِيها، وهي ما في الرِيحِ مِنَ المَنافِعِ، وذَلِكَ أنَّها بُشْرى بِالمَطَرِ، ويُذِيقُ اللهُ بِها الرَحْمَةَ، يَعْنِي الغَيْثَ والخِصْبَ، ويُلَقِّحُ بِها الشَجَرَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُجْرِي بِها السُفُنَ في البَحْرِ، ويَبْتَغِي الناسُ بِها فَضْلَ اللهِ تَعالى في التِجاراتِ في البَحْرِ، وفي ذَرْوِ الأطْعِمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ آنَسَ مُحَمَّدًا  بِأنْ ضَرَبَ لَهُ مِثْلَ مَن أُرْسِلَ مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ وعَدَ تَعالى مُحَمَّدًا  وأمَّتَهُ النَصْرَ؛ إذْ أخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَهُ حَقًّا عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى، و"حَقًّا" خَبَرُ "كانَ" قَدَّمَهُ اهْتِمامًا، لِأنَّهُ مَوْضِعُ فائِدَةِ الجُمْلَةِ، وبَعْضُ القُرّاءِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَفَ عَلى قَوْلُهُ: "حَقًّا"، وجَعْلَهُ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً مِن قَوْلِهِ: ﴿ عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْرِ قَدْرَ ما عَرْضَهُ في نَظْمِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا فَيَبْسُطُهُۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُۥ كِسَفًۭا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ ۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ٤٨ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ ٤٩ فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَـٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٥٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ فَإذا أصابَ بِهِ مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ﴾ ﴿ فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ إثارَةُ السُحُبِ: تَحْرِيكُها مِن سُكُونِها وتَسْيِيرُها، وبَسْطُها في السَماءِ هو نَشْرُها في الآفاقِ، و"الكِسَفُ": القِطَعُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كِسَفًا" بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "كِسْفًا" بِسُكُونِ السِينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرَ، والأعْرَجِ، وهُما بِناءانِ لِلْجَمْعِ، كَما يُقالُ: "سِدْرَةٌ وسِدْرٌ" بِسُكُونِ الدالِ، و"سِدَرٌ" بِفَتْحِ الدالِّ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَن أسْكَنَ السِينَ فَمَعْناهُ: يَجْعَلُ السَحابَ قِطْعَةً واحِدَةً، و"الوَدْقُ": الماءُ يُمْطِرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودَقَها ∗∗∗ ولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقالَها و"خِلالُهُ": الفُطُورُ الَّذِي بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ؛ لِأنَّهُ مُتَحَلِّلُ الأجْزاءِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مِن خِلالِهِ" ﴾ بِكَسْرِ الخاءِ وألِفٍ بَعْدَ اللامِ، جَمْعُ خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "مَن خِلَلِهِ"، وهو اسْمُ جِنْسٍ.

والضَمِيرُ في "خِلالِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعُودَ عَلى "السَحابِ"، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "الكِسَفِ" في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِسُكُونِ السِينِ، وذَكَّرَ الضَمِيرَ مُراعاةً لِلَّفْظِ لا لِمَعْنى الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: "هَذا تَمُرٌّ جَيِّدٌ"، و"مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ نارًا"، ومَن قَرَأ: "كِسَفًا" بِفَتْحِ السِينِ فَلا يُعِيدُ الضَمِيرَ إلّا عَلى السَحابِ فَقَطْ.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿ "مِن قَبْلِهِ" ﴾ تَأْكِيدٌ أفادَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ الفُسْحَةَ في الزَمانِ، أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ بِكَثِيرٍ كالأيّامِ ونَحْوِهِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ "مِن قَبْلِهِ" ﴾ بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالمَطَرِ، فَهو تَأْكِيدٌ مُفِيدٌ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ -: "يُنْزِلُ" مُخَفَّفَةُ، وقَرَأتْ عامَّةُ القُرّاءِ بِالتَثْقِيلِ في الزايِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِمْ لِمُبْلِسِينَ" بِسُقُوطِ "مِن قَبْلِهِ".

و"الإبْلاسُ": الكَوْنُ في حالِ سُوءٍ مَعَ اليَأْسِ مِن زَوالِها.

ثُمَّ عَجَّبَهُ بِمُخاطَبَةٍ يُرادُ بِها جَمِيعُ الناسِ مِن أجْلِ رَحْمَةِ اللهِ وهي المَطَرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، "أثَرِ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "آثارِ" بِالجَمْعِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كَيْفَ يُحْيِي ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ الَّذِي في الفِعْلِ لِلْأثَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى، وهو أظْهَرُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْفَ تَحْيا" بِالتاءِ المَفْتُوحَةِ "الأرْضُ" بِالرَفْعِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَمَيْفَعِ، وأبُو حَيْوَةَ: "تُحْيِي" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ عَلى أنَّ إسْنادَ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الرَحْمَةِ نَصْبًا.

قالَ أبُو الفَتْحِ: قَوْلُهُ: "كَيْفَ تُحْيِي" جُمْلَةٌ مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ عَلى الحالِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: "مَحْيِيَّةً، وهَذِهِ الحَياةُ والمَوْتُ اسْتِعارَةٌ في القَحْطِ والإعْشابِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى - عَلى جِهَةِ القِياسِ والتَنْبِيهِ عَلَيْهِ - بِالبَعْثِ والنُشُورِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ عُمُومٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًۭا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّۭا لَّظَلُّوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ يَكْفُرُونَ ٥١ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ٥٢ وَمَآ أَنتَ بِهَـٰدِ ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ٥٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُمَّ الدُعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عن ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ تَقَلُّبِ ابْنِ آدَمَ في أنَّهُ بَعِيدُ الِاسْتِبْشارِ بِالمَطَرِ أنْ بَعَثَ اللهُ رِيحًا فاصْفَرَّ بِها النَباتُ ظَلَّ يَكْفُرُ قَلَقًا مِنهُ وقِلَّةَ تَوَكُّلٍ وتَسْلِيمٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والضَمِيرُ في ﴿ "فَرَأوهُ" ﴾ لِلنَّباتِ كَما قُلْنا، أو لِلْأثَرِ وهو حُوَّةُ النَباتِ الَّذِي أُحْيِيَتْ بِهِ الأرْضُ، وقالَ قَوْمٌ: هو لِلسَّحابِ، وقالَ قَوْمٌ: هو لِلرِّيحِ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

واللامُ في "لَئِنْ" مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ القَسَمِ، وفي ﴿ "لَظَلُّوا" ﴾ فاللامُ لامُ القَسَمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ظَلُّوا" فِعْلٌ ماضٍ نَزَّلَهُ مَنزِلَةَ المُسْتَقْبَلِ واسْتَنابَهُ مَنابَهُ؛ لِأنَّ الجَزاءَ هُنا لا يَكُونُ إلّا بِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، لَكِنِ اسْتُعْمِلَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ في بَعْضِ المَواضِعِ تَوْثِيقًا لِوُقُوعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ الآيَةُ...

اسْتِعارَةٌ لِلْكُفّارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مَثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النَمْلِ.

وكُلُّهم قَرَأ: "لا تُسْمِعُ" بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ ونَصْبِ "الصُمَّ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "تَسْمَعُ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ "الصُمُّ" رَفَعًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "بِهادِ العُمْيِ" ﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحَرْثِ، وأبُو حَيْوَةَ: "بِهادٍ" بِالتَنْوِينِ "العُمْيَ" نَصْبًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ ﴾ مَعْناهُ: إنْ تُسْمِعْ إسْماعًا يَنْفَعُ ويُجْدِي، وأمّا سَماعُ الكَفَرَةِ فَغَيْرُ مُجْدٍ فاسْتَوَيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن ضَلالَتِهِمْ ﴾ ، لَمّا كانَ الهُدى يَتَضَمَّنُ الصَرْفَ عُدِّيَتْ بِـ"عن" كَما تَتَعَدّى "صَرْفٌ"، ومَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ في قُدْرَتِكَ يا مُحَمَّدُ ولا عَلَيْكَ أنْ تَهْدِيَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مِن ضَلالَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍۢ قُوَّةًۭ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍۢ ضَعْفًۭا وَشَيْبَةًۭ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ٥٤ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا۟ غَيْرَ سَاعَةٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا۟ يُؤْفَكُونَ ٥٥ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَٱلْإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ ۖ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٥٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةً ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمِ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ وهَذِهِ أيْضًا آيَةٌ بَيَّنَ فِيها أنَّ الأوثانَ لا مَدْخَلَ لَها في هَذا الأمْرِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ بِضَمِّ الضادِ في "ضَعْفٍ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي رَجاءَ، والضَمُّ أُصْوَبُ، ورُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللهِ  بِالفَتْحِ فَرَدَّها عَلَيْهِ بِالضَمِّ،» وقالَ كَثِيرٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: ضَمُّ الضادِ في البَدَنِ وفَتْحُها في العَقْلِ، ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ، والجَحْدَرِيِّ، والضَحّاكِ أنَّهم ضَمُّوا الضادَ في الأوَّلِ والثانِي، وفَتَحُوا "ضَعْفًا"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "مِن ضُعُفٍ" بِضَمَّتَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةِ إنَّما يُرادُ بِها حالُ الجِسْمِ، والضَعْفُ الأوَّلُ هو كَوْنُ الإنْسانِ مِن ماءٍ مَهِينٍ، والقُوَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَبِيبَةُ وشَدَّةُ الأمْرِ، والضَعْفُ الثانِي الهَرَمُ والشُحُّ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ وغَيْرِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ المُجْرِمِينَ يُقْسِمُونَ لِجاجًا مِنهم ونُشُوزًا عَلى ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ أنَّهم ما لَبِثُوا تَحْتَ التُرابِ غَيْرَ ساعَةٍ، وهَذا إتِّباعٌ لِتَخَيُّلِهِمُ الفاسِدِ، ونَظَرِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى نَحْوِ ما كانُوا في الدُنْيا يَتَّبَعُونَ، فَيُؤْفَكُونَ عَنِ الحَقِّ، أيْ: يُصْرَفُونَ.

وقِيلَ: المَعْنى: ما لَبِثُوا في الدُنْيا، كَأنَّهُمُ اسْتَقَلُّوها لَمّا عايَنُوا مِن أمْرِ الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ ؛ إذْ لَوْ أرادَ تَقْلِيلَ الدُنْيا بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ لَكانَ مَنزَعًا شَدِيدًا، وكانَ قَوْلُهُمْ: ﴿ "غَيْرَ ساعَةٍ" ﴾ تَجُوُّزًا، أيْ: في القَدْرِ والمُوازَنَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ أنَّهم يَقِفُونَ في تِلْكَ الحالِ عَلى الحَقِّ، ويَعْرِفُونَ أنَّهُ الوَعْدُ المُتَقَرِّرُ في الدُنْيا.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما أرادَ: "أُوتُوا الإيمانَ والعِلْمَ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا، بَلْ ذِكْرُ العِلْمِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ، ولا يَصِفُ اللهُ بِعِلْمٍ مَن لَمْ يَعْلَمْ كُلَّ ما يُوجِبُ الإيمانَ، ثُمَّ ذَكَرَ الإيمانَ بَعْدَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ وتَشْرِيفًا لِأمْرِهِ، كَما قالَ: ﴿ فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ  ﴾ ، فَنَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى مَكانِ الإيمانِ وخَصَّهُ تَشْرِيفًا.

<div class="verse-tafsir"

فَيَوْمَئِذٍۢ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ٥٧ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍۢ ۚ وَلَئِن جِئْتَهُم بِـَٔايَةٍۢ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ٥٨ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ٥٩ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ عن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ وشِدَّةِ أحْوالِهِ عَلى الكَفَرَةِ؛ في أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِذارُ، ولا يُعْطَوْنَ عُتْبى، وهي الرِضى، و"يُسْتَعْتَبُونَ" بِمَعْنى: يَعْتِبُونَ، كَما تَقُولُ: يَمْلِكُ ويَسْتَمْلِكُ، والبابُ في "اسْتَفْعَلَ" أنَّهُ طَلَبُ الشَيْءِ، ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ المَعْنى كانَ يَفْسَدُ إذا كانَ المَفْهُومُ مِنهُ: ولا يَطْلُبُ مِنهم عُتْبى.

وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَنْفَعُ" بِالياءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى  ﴾ ، وحَسُنَ هَذا أيْضًا بِالتَفْرِقَةِ الَّتِي بَيْنَ الفِعْلِ وما أُسْنِدَ إلَيْهِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وهَلْ يَرْجِعُ التَسْلِيمُ أو يَكْشِفُ العَمى ∗∗∗ ثَلاثُ الأثافِي والدِيارُ البَلاقِعُ؟

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، وعَجْرَفَةِ طِباعِهِمْ، في أنَّهُ ضَرَبَ لَهم كُلَّ مَثَلٍ، وبَيَّنَ عَلَيْهِمْ بَيانَ الحَقِّ، ثُمَّ هم مَعَ ذَلِكَ عِنْدَ الآيَةِ والمُعْجِزَةِ يَكْفُرُونَ ويَلِجُّونَ ويَعْمَهُونَ في كُفْرِهِمْ، ويَصِفُونَ أهْلَ الحَقِّ بِالأباطِيلِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذا إنَّما هو مِن طَبَعِهِ وخَتْمِهِ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ قَدْ حَتَّمَ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ في الأزَلِ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: "طَبَعَ السَيْفُ"، أيْ: صَدِئَ أشَدَّ صَدَأٍ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَبْرِ، وقَوّى نَفْسَهُ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ، ونَهاهُ عَنِ الِاهْتِزازِ لِكَلامِهِمْ، أوِ التَحَرُّكِ واضْطِرابِ النَفْسِ لِأقْوالِهِمْ؛ إذْ هم لا يَقِينَ لَهم ولا بَصِيرَةَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ: "يَسْتَحِقَّنَّكَ" بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وقافِ، مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، والجُمْهُورُ عَلى الخاءِ المُعْجَمَةِ والفاءِ، مِنَ الِاسْتِخْفافِ، إلّا أنَّ ابْنَ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبَ سَكَّنا النُونَ مِن "يَسْتَخِفَّنْكَ".

ورُوِيَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ في صَلاةِ الفَجْرِ، فَناداهُ رَجُلٌ مِنَ الخَوارِجِ بِأعْلى صَوْتِهِ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِن الخاسِرِينَ  ﴾ ، فَعَلِمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَقْصِدَهُ في هَذا، وتَعْرِيضَهُ بِهِ، فَأجابَهُ وهو في الصَلاةِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴾ .

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرُومِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله