الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 28 القصص > الآيات ٥٦-٥٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ ﴾ أجْمَعَ جُلَّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُما: «إنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ عَلَيْهِ وهو يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقالَ لَهُ: أيْ عَمِّ؟، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ، وكانَ بِحَضْرَتِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَّيَّةَ، وأبُو جَهْلٍ لَعَنَهُما اللهُ تَعالى، فَقالا لَهُ: أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يا أبا طالِبٍ ؟
فَقالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمْ قالَ أبُو طالِبٍ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والأشْياخِ، فَتَفَجَّعَ رَسُولُ اللهِ وخَرَجَ عنهُ، فَماتَ أبُو طالِبٍ عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إشارَةً إلى أبِي طالِبٍ».
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَقالُوا ﴾ لِقُرَيْشٍ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: والمُتَكَلِّمْ بِذَلِكَ مِنهُمُ الحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، وقَصَدَ الإخْبارَ بِأنَّ العَرَبَ تُنْكِرُ عَلَيْهِمْ رَفْضَ الأوثانِ وفِراقَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ بِتَخَطُّفِهِمْ مِن أرْضِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ الهُدى ﴾ مَعْناهُ: عَلى زَعْمِكَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عنهُ أنَّهُ قالَ: إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ، ولَكِنْ إنِ اتَّبَعْناكَ يَتَخَطَّفْنا العَرَبُ، فَقَطَعَهُمُ اللهُ تَعالى بِالحُجَّةِ، أيْ: ألَيْسَ كَوْنُ الحَرَمِ لَكم مِمّا يَسَّرْناهُ وكَفَفْنا عنكُمُ الأيْدِي فِيهِ؟
فَكَيْفَ بِكم لَوْ أسْلَمْتُمْ واتَّبَعْتُمْ شَرْعِي ودِينِي؟
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "نُتَخَطَّفْ" بِضَمِّ الفاءِ، و"أمْنُ الحَرَمِ" هو ألّا يُغَزّى ولا يُؤْذى فِيهِ أحَدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ: يُجْمَعُ ويُجْلَبُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "تُجْبى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُجْبى" أيْ: يُجْمَعُ، بِياءٍ مِن تَحْتٍ، ورُوِيَتِ التاءُ مِن فَوْقٍ عن أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرَ، وشَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ مِمّا بِهِ صَلاحُ حالِهِمْ وقِوامُ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ العُمُومُ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ: "ثُمُراتُ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ.
ثُمْ تَوَعَّدَ تَعالى قُرَيْشًا بِضَرْبِ المَثَلِ بِالقُرى المُهْلَكَةِ، أيْ: فَلا تَغْتَرُّوا بِالحَرَمِ والأمْنِ والثَمَراتِ الَّتِي تُجْبى، فَإنَّ اللهَ تَعالى مَهْلِكُ الكَفَرَةِ عَلى ما سَلَفَ في الأُمَمِ.
و"بَطِرَتْ" مَعْناهُ: سَفِهَتْ وأشَرِتَ وطَغَتْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، و"مَعِيشَتَها" نُصِبَتْ عَلى التَفْسِيرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ، وقالَ الأخْفَشُ: هو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بَطِرَتْ في مَعِيشَتِها، ثُمْ أحالَهم عَلى الِاعْتِبارِ في خَرابِ دِيارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَحِجْرِ ثَمُودَ وغَيْرِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"