المحرر الوجيز سورة النور

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة النور

تفسيرُ سورةِ النور كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 181 دقيقة قراءة

تفسير سورة النور كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النُورِ هَذِهِ السُورَةُ كُلُّها مَدَنِيَّةٌ قوله عزّ وجلّ: ﴿ سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ الزانِيَةُ والزانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "سُورَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: "سُورَةً" بِالنَصْبِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعن أبِي الدَرْداءِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ سُورَةٌ، أوِ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "سُورَةٌ" ابْتِداءٌ، وما بَعْدَها صِفَةٌ لَها أخْرَجَتْها عن حَدِّ النَكِرَةِ المَحْضَةِ، فَحَسُنَ الِابْتِداءُ لِذَلِكَ، ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الزانِيَةُ والزانِي ﴾ وفِيما بَعْدَ ذَلِكَ، والمَعْنى: السُورَةُ المُنَزَّلَةُ المَفْرُوضَةُ كَذا وكَذا؛ إذِ السُورَةُ عِبارَةٌ عن آياتٍ مَسْرُودَةٍ لَها بَدْءٌ وخَتْمٌ، ولَكِنْ يَلْحَقُ هَذا القَوْلَ إنَّ كَوْنَ الِابْتِداءِ هو الخَبَرُ لَيْسَ بِالبَيِّنِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ في السُورَةِ بِأسْرِها، وهَذا بَعِيدٌ في القِياسِ.

وَوَجْهُ النَصْبِ إضْمارُ فِعْلٍ قَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ: اتْلُوا سُورَةً، أو نَحْوَهُ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ: أنْزَلْنا سُورَةً أنْزَلْناها، وقالَ الفِراءُ: هي حالٌ مِنَ الهاءِ والألِفِ، والحالُ مِنَ المُكَنّى يَجُوزُ أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفَرَضْناها" بِتَخْفِيفِ الراءٍ، ومَعْناهُ الإثْباتُ والإيجابُ بِأبْلَغِ وُجُوهِهِ، إذْ هو مُشَبَّهٌ بِالفَرْضِ في الإلْزامِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَفَرَّضْناها" بِشَدِّ الراءِ، ومَعْناهُ: جَعَلْناها فَرائِضَ، فَمِن حَيْثُ تَرَدَّدَ ذَلِكَ ضَعَّفَ الفِعْلَ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَفَرَضْناها لَكُمْ"، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في السُورَةِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ فَرْضٌ.

و"الآياتُ البَيِّناتُ": أمْثالُها ومَواعِظُها وأحْكامُها، وقالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: لَيْسَ فِيها مُشْكِلٌ، تَأْوِيلُها مُوافِقٌ لِظاهِرِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ عَلى تَوَقُّعِ البَشَرِ ورَجائِهِمْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الزانِيَةُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "الزانِيَةَ" بِالنَصْبِ، وهو أوجُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَأنَّهُ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدًا أضْرَبَ.

ووَجْهُ الرَفْعِ عِنْدَهُ أنَّهُ أخْبَرَ ابْتِداءً تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ الزانِيَةُ والزانِي، وأجْمَعَ الناسُ عَلى الرَفْعِ وإنْ كانَ القِياسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَصْبَ.

وأمّا الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزُجاجُ فَإنَّ الرَفْعَ عِنْدَهم هو الأوجَهُ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فاجْلِدُوا"؛ لَأنَّ المَعْنى: إنَّ الزانِيَةَ والزانِيَ مَجْلُودانِ بِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.

وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُحاةِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ الخَبَرَ يَنْبَغِي أنْ يُجْلَدُوا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "والزانِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقُدِّمَتِ الزانِيَةُ في اللَفْظِ مِن حَيْثُ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ زِنى النِساءِ أفْشى، وكانَ لِإماءِ العَرَبِ وبَغايا الوَقْتِ راياتٌ، وكُنَّ مُجاهِراتٍ بِذَلِكَ، والعارُ بِالنِساءِ ألْحَقُ إذْ مَوْضِعِهُنَّ الحَجْبُ والصِيانَةُ، فَقَدَّمَ ذِكْرَهُنَّ تَغْلِيظًا واهْتِمامًا.

والألِفُ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ الزانِيَةُ والزانِي ﴾ لِلْجِنْسِ، وذَلِكَ يُعْطِي أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الزُناةِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِاتِّفاقٍ ناسِخَةٌ لِآيَةِ الحَبْسِ وآيَةِ الأذى اللَتَيْنِ في سُورَةِ النِساءِ.

وجَماعَةُ العُلَماءِ عَلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مَنسُوخٌ مِنها، واخْتَلَفُوا في الناسِخِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الناسِخُ السُنَّةُ المُتَواتِرَةُ في الرَجْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ القُرْآنُ الَّذِي ارْتَفَعَ لَفْظُهُ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وهو الَّذِي قَرَأهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَلى المِنبَرِ بِمَحْضَرِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الشَيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ" وقالَ: إنّا قَرَأْناهُ في كِتابِ اللهِ تَعالى، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنْ لَفَظَهُ رُفِعَ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ راهَوَيْهِ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ نَسْخٌ، بَلْ سُنَّةُ الرَجْمِ جاءَتْ بِزِيادَةٍ، فالمُحْصَنُ -عَلى رَأْيِ هَذِهِ الفِرْقَةِ- يُجْلَدُ ثُمْ يُرْجَمُ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وفَعَلَهُ بِشُراحَةَ، ودَلِيلُهم قَوْلُ النَبِيِّ  : «والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ»، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ فِعْلُ النَبِيِّ  حَيْثُ رَجَمَ ولَمْ يَجْلِدْ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ إذْ فِعْلُهُ كَقَوْلِهِ رَفَعَ الجَلْدَ عَنِ المُحْصَنِ، وقالَ ابْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ: هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً في البِكْرَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَأنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِن هَذا حُكْمُهُ إلّا البِكْرانِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ»، وبُقُولِهِ: «عَلى ابْنِكَ جِلْدُ مِائَةٍ»، واسْتَدَلُّوا عَلى أنَّها غَيْرُ عامَّةٍ بِخُرُوجِ الإماءِ والعَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ.

والجِلْدُ يَكُونُ والمَجْلُودُ قاعِدٌ عِنْدَ مالِكٍ، ولا يَجْزِي عِنْدَهُ إلّا في الظَهْرِ، وأصْحابُ الرَأْيِ والشافِعِيُّ يَرَوْنَ أنْ يُجْلَدَ الرَجُلُ وهو واقِفٌ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ ويُفَرَّقُ الضَرْبُ عَلى كُلِّ الأعْضاءِ، وأشارَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالضَرْبِ إلى رِجْلَيْ أمَةٍ جَلَدَها في الزِنى، والإجْماعُ في تَسْلِيمِ الوَجْهِ والعَوْرَةِ والمَقاتِلِ، ويَتَرَجَّحُ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : «أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ»، وقَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أو لَأُوجِعَنَّ مَتْنَكَ، ويُعَرّى الرَجُلُ عِنْدَ مالِكٍ، والنَخْعِيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجِراحِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، والشَعْبِيِّ، وغَيْرُهم يَرَوْنَ أنْ يَضْرِبَ عَلى قَمِيصٍ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وأمّا المَرْأةُ فَتَسْتُرُ قَوْلًا واحِدًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَأْفَةٌ" بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ عَلى وزْنِ فَعْلَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "رَأفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمْ أيْضًا: "رَآفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعالَةٌ، كَسَآمَةٍ وكَآبَةٍ، وهَذِهِ مَصادِرُ أُشْهِرُها الأُولى، مَن "رَؤُفَ" إذا أرَقَّ ورَحِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْخُذُكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَأْخُذُكُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الرَأْفَةِ المَنهِيِّ عنها، فِيمَ هِيَ؟

فَقالَ أبُو مِجْلَزٍ ولاحِقُ بْنُ حَمِيدٍ ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: هي في إسْقاطِ الحَدِّ، أيْ: أقِيمُوهُ ولا بُدَّ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وغَيْرِهِما، ومِن رَأْيِهِمْ أنَّ الضَرْبَ في الزِنى والفِرْيَةَ والخَمْرَ عَلى نَحْوٍ واحِدٍ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُما: الرَأْفَةُ المَنهِيُّ عنها هي في تَخْفِيفِ الضَرْبِ عَنِ الزِنى، ومِن رَأْيِهِمْ أنْ يُخَفَّفَ ضَرْبُ الخَمْرِ والفِرْيَةِ ويَشْتَدَّ ضَرْبُ الزِنى، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: نُهِيَ عَنِ الرَأْفَةِ في الوَجْهَيْنِ، وقالَ أبُو مِجْلِزٍ: إنّا لَنَرْجُمُ المَحْدُودَ ولَكِنْ لا نُسْقِطُ الحَدَّ، «وَقَوْلُ النَبِيِّ  في السَوْطِ: دُونَ هَذا» ضَرْبٌ مِنَ الرَأْفَةِ.

وقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اضْرِبْ ولا تُبْدِينَّ إبْطَكَ، واتَّفَقَ الناسُ عَلى أنَّ الضَرْبَ سَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ، وقالَ الزَهْرِيَّ: ضَرْبُ الزِنا والفِرْيَةِ مُشَدَّدٌ لَأنَّهُما بِمَعْنى واحِدٍ، وضَرْبُ الخَمْرِ مُخَفَّفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي دِينِ اللهِ ﴾ بِمَعْنى: في الإخْلالِ بِدِينِ اللهِ، أيْ: بِشَرْعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدِينُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ.

ثُمْ قَرَّرَهم عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والحَضِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ﴾ ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ تَحُضُّهُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، أيْ: هَذِهِ أفْعالُ الرِجالِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، المَقْصِدُ بِالآيَةِ الإغْلاظُ عَلى الزُناةِ والتَوْبِيخُ بِحَضْرَةِ الناسِ، فَلا خِلافَ أنَّ الطائِفَةَ كُلَّما كَثُرَتْ فَهي ألْيَقُ بِامْتِثالِ الأمْرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في أقَلِّ ما يُجْزِي، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ عَشْرَةٍ، وقالَ: إنَّ هَذا العَدَدَ عَقْدٌ خارِجٍ عَنِ الآحادِ وهي أقَلُّ الكَثْرَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ أرْبَعَةٍ، ورَأوا أنَّ شَهادَةَ الزِنى كَذَلِكَ وأنَّ هَذا بابٌ مِنهُ.

وقالَ الزَهْرِيُّ: الطائِفَةُ ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا، وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: لا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ مالِكٍ، فَرَآها مَوْضِعَ شَهادَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَجْزِي الواحِدُ ويُسَمّى طائِفَةً، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَزَعا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ طائِفَتانِ  ﴾ ونَزَلَتْ في تَقاتُلِ رَجُلَيْنِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَغْرِيبِ، وقَدْ غَرَّبَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى فَدَكٍ، وهو رَأْيُ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وأبِي ذَرٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، ولَكِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ أنْ نَفى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُومِ فَقالَ: لا أنْفِي أحَدًا بَعْدَها، وفِيهِ عن مالِكٍ قَوْلانِ، ولا يَرى تَغْرِيبَ النِساءِ والعَبِيدِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ  : «لا تُسافِرُ المَرْأةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، ومِمَّنْ أبى التَغْرِيبَ جُمْلَةً أصْحابُ الرَأْيِ، وقالَ الشافِعِيُّ: يُنْفى البِكْرُ رَجُلًا كانَ أوِ امْرَأةً، ونَفى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ امْرَأةً إلى البَصْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًۭ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الزانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أو مُشْرِكَةً والزانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أوجَهٍ مِنَ التَأْوِيلِ: أحَدُها أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ تَشْنِيعَ وتَبْشِيعَ أمْرِهِ، وأنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، واتِّصالُ هَذا المَعْنى بِما قَبْلُ حَسَنٌ بَلِيغٌ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لا يَنْكِحُ" أيْ لا يَطَأُ، فَيَكُونُ النِكاحُ بِمَعْنى الجِماعِ، ورَدَّدَ القِصَّةَ مُبالِغَةً وأخْذًا مِن كِلا الطَرَفَيْنِ، ثُمْ زادَ تَقْسِيمَ المُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ مِن حَيْثُ الشِرْكُ أعَمُّ في المَعاصِي مِنَ الزِنى، فالمَعْنى: الزانِي لا يَطَأُ في وقْتِ زِناهُ إلّا زانِيَةً مِنَ المُسْلِمِينَ أو مَن هي أخَسُّ مِنها مِنَ المُشْرِكاتِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأصْحابِهِ أنَّ النِكاحَ في هَذِهِ الآيَةِ الوَطْءُ، وأنْكَرَ الزَجاجُ وقالَ: لا يُعْرَفُ النِكاحُ في كِتابِ اللهِ تَعالى إلّا بِمَعْنى التَزْوِيجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَما قالَ، وفي القُرْآنِ ﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  ﴾ ، وقَدْ بَيَّنَهُ النَبِيُّ  أنَّهُ بِمَعْنى الوَطْءِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ما يَنْحُو إلى هَذا التَأْوِيلِ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ولَكِنْ غَيْرَ مُخَلَّصٍ ولا مُكَمَّلٍ.

والثانِي أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وهَذا قَوْلٌ رُوِيَ مَعْناهُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، قالُوا: وهم قَوْمٌ كانُوا يَزْنُونَ في جاهِلِيَّتِهِمْ بِبَغايا مَشْهُوراتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمُوا لَمْ يُمْكِنْهُمُ الزِنى، فَأرادُوا لِفَقْرِهِمْ- زَواجَ أُولَئِكَ النِسْوَةِ؛ إذْ كانَ مَن عادَتِهِنَّ الإنْفاقُ عَلى مَنِ ارْتَسَمَ بِزَواجِهِنَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِنَّ، والإشارَةُ بِـ "الزانِي" إلى أحَدِ أُولَئِكَ، حَمَلَ عَلَيْهِ اسْمُ الزِنى الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَنْكِحُ ﴾ أيْ لا يَتَزَوَّجُ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْنى التَفَجُّعِ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّ مُصابٍ؟

الزانِي لا يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا زانِيَةً أو مُشْرِكَةً، أيْ: تَنْزِعُ نُفُوسُهم إلى هَذِهِ الخَسائِسِ لِقِلَّةِ انْضِباطِهِمْ.

ويَرُدُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الإجْماعُ عَلى أنَّ الزانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَها مُشْرِكٌ، ثُمْ قَوْلُهُ: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ نِكاحُ أُولَئِكَ البَغايا، فَيَزْعُمْ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ نِكاحَ أُولَئِكَ البَغايا حَرَّمَهُ اللهُ تَعالى عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ومِن أشْهَرِهِنَّ عَناقُ البَغْيُّ، وكانَ الَّذِي هَمَّ بِتَزَوُّجِها دُلْدُلٌ، كانَ يَسْتَخْرِجُ ضَعْفَةَ المُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ سِرًّا، فَفَطِنَتْ لَهُ ودَعَتْهُ إلى نَفْسِها فَأبى الزِنى وأرادَ التَزْوِيجَ، واسْتَأْذَنَ النَبِيَّ  فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولَمّا دَعَتْهُ وأبى قالَتْ لَهُ: أنّى تَبْرُزُ؟

واللهِ لَأفْضَحَنَّكَ؟، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ البَغايا المَذْكُوراتِ أمَّ مَهْزُولٍ جارِيَةَ السائِبِ المَخْزُومِيِّ، ويُقالُ فِيها: أمُّ مَهْزُومٍ، وأُمْ غَلِيظٍ جارِيَةَ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ، وحَنَّةَ القِبْطِيَّةَ جارِيَةَ العاصِي بْنِ وائِلٍ، ومُزْنَةَ جارِيَةَ مالِكِ بْنِ عَمِيلَةَ بْنِ سَبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدارِ، وجَلالَةَ جارِيَةَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وأُمْ سُوَيْدٍ جارِيَةَ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ المَخْزُومِيِّ، وشُرَيْفَةَ جارِيَةَ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدَ، وفَرَسَةَ جارِيَةَ هِشامِ بْنِ رَبِيعَةَ، وقُرَيْبا جارِيَةَ هِلالِ بْنِ أنَسٍ، وغَيْرَهُنَّ مِمَّنْ كانَتْ لَهُنَّ راياتٌ تُعْرَفُ مَنازِلُهُنَّ بِها، وكَذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ إماءُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِيٍّ وغَيْرِهِ مَشْهُوراتٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ في سِياقِ هَذا التَأْوِيلِ: كانَتْ بُيُوتٌ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمّى المَواخِيرَ، كانُوا يُؤَجِّرُونَ فِيها فَتَياتِهِمْ، وكانَتْ مَعْلُومَةً لِلزِّنى، فَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ في التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَّرْتُهُ قَبْلَ هَذا.

وواحِدُ المَواخِيرِ: ماخُورٌ، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُحْدَثِينَ: في كُلِّ وادٍ هَبَطْنا فِيهِ دَسْكَرَةً في كُلِّ نَشَزٍ صَعَدْنا فِيهِ ماخُورُ والتَأْوِيلُ الثالِثُ ذَكَرَهُ الزُجاجُ وغَيْرُهُ عَنِ الحُسْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: المُرادُ الزانِي المَحْدُودُ والزانِيَةُ المَحْدُودَةُ، قالَ: وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى، فَلا يَجُوزُ لِزانٍ مَحْدُودٍ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا مَحْدُودَةً، ورُوِيَ أنَّ مَحْدُودًا تَزَوَّجَ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ فَرَدَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ نِكاحَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ الزِنى، وحَكى الزَهْراوِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «لا يَنْكِحُ الزانِي المَجْلُودُ إلّا مِثْلَهُ»، وهَذا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ، وقَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ، وإدْخالُ "المُشْرِكِ" في الآيَةِ يَرُدُّهُ، وألْفاظُ الآيَةِ تَأْباهُ وإنْ قُدِّرَتِ "المُشْرِكَةُ" بِمَعْنى الكِتابِيَّةِ فَلا حِيلَةَ في لَفْظِ المُشْرِكِ.

والرابِعُ قَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: هَذا حُكْمٌ كانَ في الزُناةِ عامَّةً، ألّا يَتَزَوَّجَ زانٍ إلّا زانِيَةً، ثُمْ جاءَتِ الرُخْصَةُ ونُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ  ﴾ ، ورُوِيَ تَرْتِيبُ هَذا النَسْخِ أيْضًا عن مُجاهِدٍ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ التَحْرِيمَ كانَ في أُولَئِكَ النَفَرِ خاصَّةً لا في الزُناةِ عامَّةً، ذَكَرَ ذَلِكَ عنهُما أبُو عُبَيْدَةَ في ناسِخِهِ، وذَكَرَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حُرِّمْ نِكاحُ أُولَئِكَ البَغايا عَلى أُولَئِكَ النَفَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ "الإشْراكِ" في الآيَةِ يُضَعِّفُ هَذِهِ المَناحِي.

وقَرَأ أبُو البُرْهَشِيمِ: "وَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ".

واخْتُلِفَ فِيمَن زَنى بِامْرَأةٍ ثُمْ أرادَ نِكاحَها فَأجازَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وطاوُسُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكٌ، والثَوْرِيُّ، والشافِعِيُّ.

ومَنَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وعائِشَةُ، وقالُوا: لا يَزالانِ زانِيَيْنِ ما اجْتَمَعا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في القاذِفِينَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ سَبَبُها ما قِيلَ في عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ بِسَبَبِ القَذْفِ عامَّةً لا في تِلْكَ النازِلَةِ.

وذَكَرَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ قَذْفَ النِساءِ مِن حَيْثُ هو أهَمُّ، ورَمْيُهُنَّ بِالفاحِشَةِ أبْشَعُ وأنْكى لِلنُّفُوسِ، وقَذْفُ الرِجالِ داخِلٌ في حُكْمِ الآيَةِ بِالمَعْنى وإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا نَحْوَ نَصِّهِ تَعالى عَلى لَحْمِ الخِنْزِيرِ ودُخُولُ شَحْمِهِ وغَضارِيفِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ بِالمَعْنى وبِالإجْماعِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَعْنى: الأنْفُسُ المُحْصَناتُ، فَهي تَعُمْ بِلَفْظِها الرِجالَ والنِساءَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ  ﴾ ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الصادِ مِنَ "المُحْصَناتِ"، وكَسَرَها يَحْيى بْنُ وثّابٍ.

و"المُحْصَناتُ" العَفائِفُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لَأنَّ هَذا هو الَّذِي يَجِبُ بِهِ جَلْدُ القاذِفِ، والعِفَّةُ أعْلى مَعانِي الإحْصانِ، وفي طَيِّهِ الإسْلامُ، وفي هَذِهِ النازِلَةِ الحُرِّيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ: حَصانٌ رَزانٌ.........................................

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها  ﴾ [الأنْبِياءُ: ٩١].

وذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن صِفاتِ النِساءِ المُنافِيَةِ لِلرَّمْيِ بِالزِنى، ولِتَخْرُجَ مِن ذَلِكَ مِن ثَبَتَ عَلَيْها الزِنى وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغُ الوَطْءَ مِنَ النِساءِ حَسْبَ الخِلافِ في ذَلِكَ.

وعَبَّرَ عَنِ القَذْفِ بِالرَمْيِ مِن حَيْثُ مُعْتادُ الرَمْيِ أنَّهُ مُؤْذٍ كالرَمْيِ بِالحَجَرِ والسَهْمِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُ القاذِفِ مُؤْذِيًا جُعِلَ رَمْيًا، وهَذا كَما قالَ: ...........................

∗∗∗ وجُرْحُ اللِسانِ كَجُرْحِ اليَدِ والقَذْفُ والرَمْيُ مَعْنى واحِدِ.

وشَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلى القاذِفِ في أرْبَعَةِ شُهَداءَ رَحْمَةً بِعِبادِهِ وسِتْرًا لَهم.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ" عَلى إضافَةِ الأرْبَعَةِ إلى الشُهَداءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وأبُو زَرْعَةَ بْنُ جَرِيرٍ: "بِأرْبَعَةٍ" بِالتَنْوِينِ، و"شُهَداءَ" عَلى هَذا إمّا بَدَلٌ وإمّا صِفَةٌ لِلْأرْبَعَةِ وإمّا حالٌ وإمّا تَمْيِيزٌ، وفي هَذَيْنَ نَظَرٌ؛ إذِ الحالُ مِن نَكِرَةٍ والتَمْيِيزُ مَجْمُوعٌ، وسِيبَوَيْهِ يَرى أنَّ تَنْوِينَ العَدَدِ وتَرْكَ إضافَتِهِ إنَّما يَجُوزُ في الشِعْرِ، وقَدْ حَسَّنَ أبُو الفَتْحِ هَذِهِ القِراءَةَ ورَجَّحَها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وحُكْمُ شَهادَةِ الأرْبَعَةِ أنْ تَكُونَ عَلى مُعايَنَةٍ كالمِرْوَدِ والمُكْحُلَةِ في مَوْطِنٍ واحِدٍ، فَإنِ اضْطَرَبَ مِنهم واحِدٌ جُلِدَ الثَلاثَةُ والقاذِفُ، كَما فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في أمْرِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِنى أبُو بَكَرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ وأخُوهُ نافِعٌ -وَقالَ الزَهْراوِيُّ: عَبْدُ اللهِ بْنِ الحارِثِ - وزِيادٌ أخُوهُما لِأُمْ -وَهُوَ مُسْتَلْحَقُ مُعاوِيَةَ - وشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الجَبَلِيُّ، فَلَمّا جاؤُوا لِأداءِ الشَهادَةِ تَوَقَّفَ زِيادٌ ولَمْ يُؤَدِّها كامِلَةً، فَجَلَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ الثَلاثَةَ المَذْكُورِينَ.

والجَلْدُ: الضَرْبُ، والمُجادَلَةُ: المُضارَبَةُ في الجُلُودِ أو بِالجُلُودِ، ثُمُ اسْتُعِيرَ الجَلْدُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْفٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: أُجالِدُهم يَوْمَ الحَدِيقَةِ حاسِرًا ∗∗∗ كَأنْ يَدَيَّ بِالسَيْفِ مِخْراقُ لاعِبِ وَنُصِبَ "ثَمانِينَ" عَلى المَصْدَرِ، و"جَلْدَةً" عَلى التَمْيِيزِ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ألّا نَقْبَلَ لِلْقَذَفَةِ المَحْدُودِينَ شَهادَةً أبَدًا، وهَذا يَقْتَضِي مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم فاسِقُونَ، أيْ خارِجُونَ عن طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمُ اسْتَثْنى جَلَّ وعَزَّ مَن تابَ وأصْلُحُ بَعْدَ القَذْفِ، فَإنَّهُ وعَدَهم بِالرَحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أحْكامٍ في القاذِفِ: جَلْدُهُ، ورَدُّ شَهادَتِهِ أبَدًا، وفِسْقُهُ، فالِاسْتِثْناءُ غَيْرُ عامِلٍ في جِلْدِهِ بِإجْماعٍ، وعامِلٌ في فِسْقِهِ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في عَمَلِهِ في رَدِّ الشَهادَةِ، فَقالَ شُرَيْحٌ القاضِي، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، والحَسَنُ، والثَوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا يَعْمَلُ الِاسْتِثْناءُ في رَدِّ شَهادَتِهِ، وإنَّما يَزُولُ فِسْقُهُ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وأمّا شَهادَةُ القاذِفِ فَلا تُقْبَلُ البَتَّةَ ولَوْ تابَ وأكْذَبَ نَفْسَهُ ولا بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.

وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الِاسْتِثْناءُ عامِلٌ في رَدِّ الشَهادَةِ، فَإذا تابَ القاذِفُ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في صُورَةِ تَوْبَتِهِ فَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والشَعْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ تَوْبَتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِأنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ القَذْفِ الَّذِي حُدَّ فِيهِ، وهَكَذا فَعَلَ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، ونافِعٌ، تابا عَنِ القَوْلِ في المُغِيرَةِ، وأكْذَبا أنْفُسَهُما فَقَبْلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَهادَتَهُما، وأبى أبُو بَكَرَةَ نُفَيْعٌ مِن إكْذابِ نَفْسِهِ فَرَدَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَهادَتَهُ حَتّى ماتَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ-: تَوْبَتُهُ أنْ يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُهُ وإنْ لَمْ يَرْجِعْ عن قَوْلِهِ بِتَكْذِيبٍ.

واخْتَلَفَ فُقَهاءُ المالِكِيِّينَ، مَتى تَسْقُطُ شَهادَةُ القاذِفِ؟

فَقالَ ابْنُ الماجَشُونِ: بِنَفْسِ قَذْفِهِ، وقالَ ابْنُ القاسِمْ، وأشْهَبُ، وسَحْنُونٌ: لا تُسْقُطُ حَتّى يُجْلَدَ، فَإنَّ مَنَعَ مِن جِلْدِهِ مانِعٌ -عَفْوٌ أو غَيْرُهُ- لَمْ تُرَدَّ شَهادَتُهُ.

قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيِّ: شَهادَتُهُ في مُدَّةِ الأجَلِ في الإثْباتِ مَوْقُوفَةٌ، ورَجَّحَ القَوْلَ بِأنَّ التَوْبَةَ إمّا أنْ تَكُونَ بِالتَكْذِيبِ في القَذْفِ وإلّا فَأيُّ رُجُوعٍ لِعَدْلٍ إنْ قَذْفَ وحُدَّ وبَقِيَ عَلى عَدالَتِهِ، و"تابُوا" مَعْناهُ: رَجَعُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَرْجِيحٌ، وقَدْ رَجَّحَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ قَوْلَ مالِكٍ.

واخْتَلَفَ أيْضًا -عَلى القَوْلِ بِجَوازِ شَهادَتِهِ بَعْدَ التَوْبَةِ- في أيِّ شَيْءٍ تَجُوزُ شَهادَتُهُ؟

فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: تَجُوزُ في كُلِّ شَيْءٍ بِإطْلاقٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ مِن حُدَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.

وقالَ سَحْنُونٌ رَحِمَهُ اللهُ: مِن حُدَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في مِثْلِ ما حُدَّ فِيهِ.

وقالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجَشُونِ: مِن حُدَّ في قَذْفٍ أو زِنى فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في شَيْءٍ مِن وُجُوهِ الزِنى ولا في قَذْفٍ ولا في لِعانٍ وإنَّ كانَ عَدْلًا، رَوَيا هَذا القَوْلَ عن مالِكٍ، واتَّفَقُوا -فِيما أحْفَظُهُ- عَلى ولَدِ الزِنا أنَّ شَهادَتَهُ لا تَجُوزُ في الزِنى.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٦ وَٱلْخَـٰمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٧ وَيَدْرَؤُا۟ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٨ وَٱلْخَـٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٩ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ وَيَدْرَأُ عنها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللهِ تَوّابٌ حَكِيمٌ ﴾ لِما نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ تَناوَلَ ظاهِرُها الأزْواجَ وغَيْرَها، فَقالَ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ: يا رَسُولَ اللهِ إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةٍ؟

واللهِ لَأضْرِبَنَّهُ بِالسَيْفِ غَيْرَ مُصَفَّحٍ عنهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : «أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟

لَأنا أغْيَرُ مِنهُ واللهُ أُغْيَرُ مِنِّي»، وفي ألْفاظِ سَعْدٍ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةٌ، هَذا نَحْوَ مَعْناها، ثُمْ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ فَرَمى زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَحْماءِ البَلَوِيِّ، فَعَزَمَ رَسُولُ اللهِ  عَلى ضَرْبِهِ حَدَّ القَذْفِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، عِنْدَ ذَلِكَ فَجَمَعَهُما رَسُولُ اللهِ  في المَسْجِدِ، وتَلاعَنا فَتَلَكَّأتِ المَرْأةُ عِنْدَ الخامِسَةِ لَمّا وُعِظَتْ وقِيلَ: إنَّها مُوجِبَةٌ، فَقالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ ولَجَّتْ، وفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ  بَيْنَهُما، ووَلَدَتْ غُلامًا كَأنَّهُ جَمَلٌ أورَقُ، ثُمْ كانَ -بَعْدَ ذَلِكَ- الغُلامُ أمِيرًا بِمِصْرَ وهو لا يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ أبًا.

وجاءَ أيْضًا عُوَيْمِرٌ العَجْلانِيُّ فَرَمى امْرَأتَهُ ولاعَنَ، والمَشْهُورُ أنَّ نازِلَةَ هِلالٍ قَبْلُ وأنَّها سَبَبُ الآيَةِ، وقِيلَ: نازِلَةُ عُوَيْمِرٍ قَبْلُ، وهو الَّذِي وسَّطَ إلى رَسُولِ اللهِ  عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ.

و"الأزْواجُ" في هَذا الحَكَمِ يَعُمُ المُسْلِماتِ والكافِراتِ والإماءَ، فَكُلَّهُنَّ يُلاعِنُهُنَّ الزَوْجُ لِلِانْتِفاءِ مِنَ الحَمْلِ، وتَخْتَصُّ الحُرَّةُ بِدَفْعِ حَدِّ القَذْفِ عن نَفْسِها.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَصْبِ، وهو كانْتِصابِ المَصْدَرِ، والعامِلُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَشَهادَةُ"، ورَفْعُ "الشَهادَةِ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فالحَكَمُ أو فالواجِبُ، أو عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَيْهِمْ أنْ يَشْهَدُوا، أو بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الخَبَرِ وتَقْدِيرِهِ في آخِرِ الآيَةِ: كافِيَةٌ أو واجِبَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِاللهِ" مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ "فَشَهادَةُ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى خَبَرِ قَوْلِهِ تَعالى: "فَشَهادَةُ"، قالَ أبُو حاتِمْ: لا وجْهَ لِلرَّفْعِ لَأنَّ الشَهادَةَ لَيْسَتْ بِأرْبَعِ شَهاداتٍ، و"بِاللهِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ "فَشَهادَةُ" لَأنَّكَ كُنْتَ تَفْصِلُ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو " أرْبَعَ شَهاداتٍ ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ ﴾ في قَوْلِ مَن نَصَبَ ﴿ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ "شَهادَةُ"، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَأنَّ "الشَهادَةَ" أوقَعَتْها مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ، ومِن رَفَعَ ﴿ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ ﴾ مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ" لِعِلَّةِ الفَصْلِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: "بِاللهِ".

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "والخامِسَةَ" بِالنَصْبِ في الثانِيَةِ، وقَرَأها بِالنَصْبِ فِيهِما طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ فِيهِما: "والخامِسَةُ" بِالرَفْعِ، فَأمّا مَن نَصَبَ فَإنْ كانَ مِن قِراءَتِهِ نَصْبُ قَوْلِهِ تَعالى: "أرْبَعَ شُهُداتٍ" فَإنَّهُ عَطَفَ "الخامِسَةَ" عَلى ذَلِكَ لَأنَّها مِنَ الشَهاداتِ، وإنْ كانَ يَقْرَأُ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ فَإنَّهُ جَعَلَ نَصْبَ قَوْلِهِ: "والخامِسَةَ" عَلى فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: وتَشْهَدُ الخامِسَةَ، وأمّا مِن رَفَعَ قَوْلَهُ: "والخامِسَةَ" فَإنْ كانَ يَقْرَأُ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ فَقَوْلُهُ: "والخامِسَةُ" عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَ يَقْرَأُ "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَصْبِ فَإنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: "والخامِسَةُ" عَلى المَعْنى؛ لَأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ : عَلَيْهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ والخامِسَةُ، واسْتَشْهَدَ أبُو عَلِيٍّ لِهَذا بِحَمْلِ الشاعِرِ: ومُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ.....البَيْتُ............................

عَلى قَوْلِهِ: ....................

∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرِهِنَّ هَباءٌ لَأنَّ المَعْنى: ثُمْ رَواكِدَ.

ولا خِلافَ في السَبْعِ في رَفْعِ قَوْلِهِ تَعالى: "والخامِسَةُ" في الأُولى، وإنَّما خِلافُ السَبْعِ في الثانِيَةِ فَقَطْ، فَنَصْبُهُ حَمْلٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ ﴾ ، "والخامِسَةَ" عَلى القَطْعِ والحَمْلِ عَلى المَعْنى.

وَقَرَأ نافِعٌ: "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"، و"أنْ غَضِبَ اللهُ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى: "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"، و"أنْ غَضَبَ اللهِ"، وهَذا عَلى إضْمارِ الأمْرِ، وهي المُخَفَّفَةُ كَما هي في قَوْلِ الشاعِرِ: في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "أنَّ لَعْنَةَ اللهِ" و"أنَّ غَضَبَ اللهِ" بِتَشْدِيدِ النُونِ فِيهِما ونَصْبِ اللَعْنَةِ والغَضَبِ، ورَجَّحَ الأخْفَشُ القِراءَةَ بِتَثْقِيلِ النُونِ لَأنَّ الخَفِيفَةَ إنَّما يُرادُ بِها التَثْقِيلُ ويُضْمَرُ مَعَها الأمْرُ والشَأْنُ، وما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى إضْمارٍ أُولى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا سِيَّما وأنَّ الخَفِيفَةَ -عَلى قِراءَةِ نافِعٍ - في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْ غَضَبَ اللهِ" قَدْ ولِيَها الفِعْلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ أنْ يَلِيَها الفِعْلُ إلّا أنْ يَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِشَيْءٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا  ﴾ ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى  ﴾ فَذَلِكَ لِقِلَّةِ تَمَكِّنِ "لَيْسَ" في الأفْعالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ بُورِكَ مَن في النارِ  ﴾ فَـ "بُورِكَ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ فَلَمْ يُجُزْ دُخُولُ الفاصِلِ لِئَلّا يُفْسِدَ المَعْنى.

و"العَذابُ المُدْرَأُ" في قَوْلِ العُلَماءِ: الحَدُّ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ الحَبْسُ، وهَذا قَوْلُ أصْحابِ الرَأْيِ، وأنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْها إنْ لَمْ تُلاعِنَ، ولَيْسَ يُوجِبُهُ عَلَيْها قَوْلُ الزَوْجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الحَدِيثِ الوَقْفَةُ في الخامِسَةِ حِينَ تَلَكَّأتْ ثُمْ مَرَّتْ في لِعانِها أنَّها كانَتْ تَحُدُّ لِقَوْلِ النَبِيِّ  لَها: «فَعَذابُ الدُنْيا أيْسَرُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ».

وجُعِلَتِ اللَعْنَةُ لِلرَّجُلِ الكاذِبِ لَأنَّهُ مُفْتَرٍ مُباهِتٌ بِالقَوْلِ فَأُبْعِدَ بِاللَعْنَةِ، وجُعِلَ الغَضَبُ الَّذِي هو أشَدُّ عَلى المَرْأةِ الَّتِي باشَرَتِ المَعْصِيَةَ بِالفِعْلِ ثُمْ كَذَّبَتْ وباهَتَتْ بِالقَوْلِ، فَهَذا مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ، واللهِ أعْلَمُ.

ولا بُدَّ أنْ نَذْكُرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِن مَسائِلَ اللِعانِ إذْ لا يُسْتَغْنى عنها في مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ وحَيْثُ يَجِبُ، أجْمَعَ مالِكٌ وأصْحابُهُ عَلى وُجُوبِ اللِعانِ بِادِّعاءِ رُؤْيَةِ زِنًى لا وطْءَ مِنَ الزَوْجِ، وكَذَلِكَ مَشْهُورُ المَذْهَبِ، وقَوْلُ مالِكٍ إنَّ اللِعانَ يَجِبُ بِنَفْيِ حَمْلٍ يُدَّعى قَبْلَهُ اسْتِبْراءٌ، وحَكى اللَخْمِيُّ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ مَرَّةً: لا يُنْفى الوَلَدُ بِالِاسْتِبْراءِ لَأنَّ الحَيْضَ يَأْتِي عَلى الحَمْلِ، وقالَهُ أشْهَبُ في كِتابِ ابْنِ المَوّازِ، وقالَهُ المُغِيرَةُ، وقالَ: لا يُنْفى الوَلَدُ إلّا بِخَمْسِ سِنِينَ.

واخْتَلَفَ المَذْهَبُ في أنْ يَقْذِفَ الرَجُلُ أو يَنْفِيَ حَمْلًا ولا يُعَلِّلُ ذَلِكَ لا بِرُؤْيَةٍ ولا بِاسْتِبْراءٍ، فَجُلُّ رُواةِ مالِكٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ لِعانًا، بَلْ يَحُدُّ الزَوْجُ، قالَهُ ابْنُ القاسِمْ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: يُلاعِنُ ولا يُسْألُ عن شَيْءٍ.

واخْتُلِفَ -بَعْدَ هَذا القَوْلِ بِاللِعانِ بِالِاسْتِبْراءِ- في قَدْرِ الِاسْتِبْراءِ، فَقالَ مالِكٌ، والمُغِيرَةُ -فِي أحَدِ قَوْلَيْهِ-: يَجْزِي في ذَلِكَ حَيْضَةٌ، وقالَ أيْضًا مالِكٌ: لا يَنْفِيهِ إلّا ثَلاثُ حِيَضٍ.

وأمّا مَوْضِعُ اللِعانِ فَفي المَسْجِدِ وعِنْدَ الحاكِمْ، والمُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ في المَسْجِدِ بِحَضْرَةِ الحاكِمْ، وكَذَلِكَ يَسْتَحِبُّ [أنْ يَكُونَ] بَعْدَ العَصْرِ تَغْلِيظًا بِالوَقْتِ، وكُلُّ وقْتٍ مُجْزٍ.

ومِن قَذَفَ امْرَأتَهَ وهي كَبِيرَةٌ لا تَحْمِلُ تَلاعَنا، هو لِرَفْعِ الحَدِّ، وهي لِدَرْءِ العَذابِ، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً لا تَحْمِلُ لاعَنَ هو لِدَفْعِ الحَدِّ، ولَمْ تَلاعِنْ هي لَأنَّها لَوْ أقَرَّتْ لَمْ يَلْزَمْها شَيْءٌ، وقالَ ابْنُ الماجَشُونِ: لا حَدَّ عَلى قاذِفِ مَن لَمْ يَبْلُغْ، قالَ اللَخْمِيُّ: فَعَلى هَذا لا لِعانَ عَلى زَوْجِ الصَغِيرَةِ الَّتِي لا تَحْمِلُ.

والمُسْتَحَبُّ مِن ألْفاظِ اللِعانِ أنْ يَمْشِيَ مَعَ تَرْتِيبِ القُرْآنِ ولَفْظِهِ، فَيَقُولُ الزَوْجُ: أشْهَدُ بِاللهِ لَرَأيْتُ هَذِهِ المَرْأةَ تَزْنِي، وإنِّي في ذَلِكَ لِمَنِ الصادِقِينَ، ثُمْ يَقُولُ في الخامِسَةِ: لَعْنَةُ اللهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ، وقالَ أصْبَغُ: لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: "كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ"، وقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَقُولُ أشْهَبُ: لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: بِاللهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأمّا في لِعانِ نَفْيِ الحَمْلِ فَقِيلَ: يَقُولُ الرَجُلُ ما هَذا الوَلَدُ مِنِّي ولَزَنَتْ، وقالَ ابْنُ القاسِمْ في المُوازَنَةِ: لا يَقُولُ "وَزَنَتْ" مِن حَيْثُ يُمْكِنُ أنْ تَغْضَبَ، ثُمْ تَقُولُ: غَضَبُ اللهِ عَلَيَّ إنْ كانَ مِنَ الصادِقِينَ، فَإنْ مَنَعَ جَهْلُهُما مِن تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ وأتَيا بِما في مَعْناها أجْزَأ ذَلِكَ.

وحَكى اللَخْمِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ أنَّهُ قالَ: اللِعانُ لا يَرْفَعُ العِصْمَةَ لِقَوْلِ عُوَيْمِرٍ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللهِ إنْ أمْسَكْتُها، قالَ: "فَأُحْدِثُ طَلاقًا"، ومَشْهُورُ المَذْهَبِ أنَّ نَفْسَ تَمامِ اللِعِانِ بَيْنَهُما فُرْقَةٌ، ولا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَفْرِيقِ حاكِمْ، وابْنُ أبِي صُفْرَةَ هَذا لَيْسَ بِعَدَدٍ يُزاحَمُ بِهِ الجُمْهُورُ.

ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ أنَّ الفِرْقَةَ حاصِلَةٌ إثْرَ لِعانِ الزَوْجِ وحْدَهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَفْرِيقَ إلّا بِحُكْمِ السُلْطانِ بَعْدَ تَمامِ لِعانَهُما، فَإنْ ماتَ أحَدُهُما بَعْدَ تَمامِ لِعانَهُما وقَبْلَ حُكْمِ القاضِي ورِثَهُ الآخَرُ، ومَذْهَبُ "المُدَوَّنَةِ" أنَّ اللِعانَ حُكْمُ تَفْرِيقِهِ حُكْمُ الطَلاقِ، ويُعْطى لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها نَفْسُ الصَداقِ، وفي مُخْتَصَرِ ابْنِ الجَلّابِ: لا شَيْءَ لَها، وهَذا عَلى أنَّ تَفْرِيقَ اللِعانِ فَسَخٌ، وقالَ ابْنُ القِصارِ: تَفْرِيقُ اللِعانِ عِنْدَنا فَسْخٌ.

وتَحْرِيمُ اللِعانِ أبَدِيٌّ بِإجْماعٍ فِيما أحْفَظُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، ومِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ مَن لا يَراهُ مُتَأبِّدًا، وإنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِعانِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ إنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِعانِ كانَ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ.

وإنْ تَقَدَّمَتِ المَرْأةُ في اللِعانِ فَقالَ ابْنُ القاسِمْ: لا تُعِيدُ، وقالَ أشْهَبُ: تُعِيدُ.

والجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ الآيَةُ.

مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لِكَشَفَ الزُناةَ بِأيْسَرَ مِن هَذا، أو لَأخَذَهم بِعِقابٍ مِن عِنْدِهِ، أو نَحْوَ هَذا مِنَ المَعانِي الَّتِي أوجَبَ تَقْدِيرُها إبْهامُ الجَوابِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌۭ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلى سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً أُنْزِلَتْ في عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِن أمْرِ الإفْكِ، وفي البُخارِيِّ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: وأنْزَلَ اللهُ تَعالى العَشْرَ الآياتِ، ثُمْ أنْزَلَ اللهُ هَذا في بَراءَتِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّها عَدَّتْ ما تَخْتَصُّ بِها.

و"الإفْكُ": الزُورُ والكَذِبُ، والأفّاكُ الكَذّابُ، و"الإفْكُ" قَلْبُ الحَقِيقَةِ عن حالِها بِالأقْوالِ وصَرْفُها عن جِهَةِ الصَوابِ، وبِذَلِكَ شَبَهُ الكَذِبِ.

واخْتِصارُ حَدِيثِ "الإفْكِ" أنَّ رَسُولَ اللهِ  خَرَجَ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها مَعَهُ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وهي غَزْوَةُ المُرَيْسِيعِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وقالَ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، فَضاعَ لَها هُناكَ عِقْدٌ، فَلَمّا انْصَرَفَتْ إلى الرَحْلِ شَعَرَتْ بِضَياعِهِ فَرَجَعَتْ تَطْلُبُهُ، وسارَ الناسُ حِينَئِذٍ، فَوَجَدَتْهُ وانْصَرَفْتْ فَلَمْ تَجِدْ أحَدًا، وكانَتْ شابَّةً قَلِيلَةَ اللَحْمِ رَفَعَ الرِجالُ هَوْدَجَها ولَمْ يَشْعُرُوا بِزَوالِها، فَلَمّا لَمْ تَجِدْ أحَدًا اضْطَجَعَتْ في مَكانِها رَجاءَ أنْ تُفْتَقَدَ فَيُرْجَعَ إلَيْها، فَنامَتْ في المَوْضِعِ ولَمْ يُوقِظْها إلّا قَوْلُ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وذَلِكَ أنَّهُ تَخَلَّفَ وراءَ الجَيْشِ لِحِفْظِ الساقَةِ، وقِيلَ: اتِّفاقًا، فَلَمّا مَرَّ بِسَوادِها قَرُبَ مِنها فَعَرَفَها فاسْتَرْجَعَ وقالَ: ظَعِينَةُ رَسُولِ اللهِ  خُلِّفَتْ هاهُنا؟

ونَزَلَ عن ناقَتِهِ وتَنَحّى عنها حَتّى رَكِبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، وأخَذَ يَقُودُها حَتّى بَلَغَ بِها الجَيْشَ في نَحْرِ الظَهِيرَةِ، فَوَقْعَ أهْلُ الإفْكِ في مَقالَتِهِمْ، وكانَ الَّذِي يَجْتَمِعُ إلَيْهِ فِيهِ ويَسْتَوْشِيهِ ويُشْعِلُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ المُنافِقُ، وكانَ مِن أهْلِ قالَتِهِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، هَذا اخْتِصارُ الحَدِيثِ، وهو بِكَمالِهِ وإتْقانِهِ في البُخارِيِّ ومُسْلِمْ، وهو في مُسْلِمْ أكْمَلُ.

وكانَ صَفْوانُ صاحِبَ ساقَةِ رَسُولِ اللهِ  في غَزَواتِهِ لِشَجاعَتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَحابَةِ، قالَ لَمّا سَمِعَ ما قالَ الناسُ فِيهِ: سُبْحانَ اللهِ، واللهِ ما كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثى قَطُّ، أرادَ: بِزِنًى، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُهُ المَرْوِيُّ مَعَ امْرَأتِهِ، وقَوْلُ النَبِيِّ  في ابْنَيْهِ: «لَهُما أُشْبَهُ بِهِ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ»، وقِيلَ: كانَ حَصُورًا لا يَأْتِي النِساءَ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ مِن طَرِيقِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وقُتِلَ شَهِيدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ في غَزْوَةِ أرْمِينِيَّةَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: في بِلادِ الرُومِ سَنَةَ ثَمانٍ وخَمْسِينَ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عُصْبَةٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "جاءُوا"، وخَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لا تَحْسَبُوهُ"، والتَقْدِيرُ: إنْ فِعْلَ الَّذِينَ، وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ تَكُونَ "عُصْبَةٌ" خَبَرًا، و"العُصْبَةُ": الجَماعَةُ مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، قالَهُ يَعْقُوبُ وغَيْرُهُ، ولا يُقالُ عُصْبَةٌ لِأقَلَّ مِن عَشْرَةٍ، ولَمْ يُسَمَّ مِن أهْلِ الإفْكِ إلّا حَسّانُ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنَةُ، وعَبْدُ اللهِ، وجُهِلَ الغَيْرُ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وقَدْ سَألَهُ عن ذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، وقالَ: إلّا إنَّهم كانُوا عُصْبَةً كَما قالَ اللهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لا تَحْسَبُوهُ" خِطابٌ لِكُلٍّ مَن ساءَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يُرِيدُ أنَّهُ تَبْرِئَةٌ في الدُنْيا، وتَرْفِيعٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في أنْ نَزَلَ وحْيُهُ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ، وأجْرٌ جَزِيلٌ في الآخِرَةِ، ومَوْعِظَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في غابِرِ الزَمَنِ، ونِقْمَةٌ مِنَ المُفْتَرِينَ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَفي ذَلِكَ شِفاءٌ وخَيْرٌ، وهَذِهِ خَمْسَةُ وُجُوهٍ.

وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى العُصْبَةِ المَذْكُورَةِ، و"اكْتَسَبَ" مُسْتَعْمَلَةٌ في المَآثِمْ ونَحْوَها لَأنَّها تَدُلُّ عَلى اعْتِمالٍ وقَصْدٍ فَهو أبْلَغُ في التَرْتِيبِ، و"كَسَبَ" مُسْتَعْمَلٌ في الخَيْرِ، وذَلِكَ أنَّ حُصُولَهُ مُغْنٍ عَنِ الدَلالَةِ عَلى اعْتِمالٍ فِيهِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "كَسَبَ" في الوَجْهَيْنِ، ومِثْلُهُ: .....................

فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ﴾ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، والعَذابُ المُتَوَعِّدُ بِهِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ دَخَلَ عَلَيْها يَوْمًا وقَدْ عَمِيَ فَأنْشَدَها مَدْحَهُ فِيها: حَصانٌ رَزانٌ ما تَزِنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، تُرِيدُ أنَّهُ وقَعَ في الغَوافِلِ فَأنْشَدَ: فَإنْ كانَ ما قَدْ قِيلَ عَنِّي قُلْتُهُ ∗∗∗ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أنامِلِي فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَها مَسْرُوقٌ: أيَدْخُلُ هَذا عَلَيْكِ وقَدْ قالَ ما قالَ وتَوَعَّدَهُ اللهُ بِالعَذابِ عَلى تَوَلِّيهِ كِبَرَ الإفْكِ؟

فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: أيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى وضَرْبِ الحَدِّ؟

وفي رِوايَةٍ: وضَرْبَةٍ بِالسَيْفِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا قَوْلُهُ عَنِ الحَدِّ فَإنَّ حَسّانَ ومِسْطَحًا وحَمْنَةَ حُدُّوا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ، وذَكَرَهُ التِرْمِذِيُّ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ حُدَّ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عن عَبْدِ اللهِ الرَمْيُ، قالَ عُرْوَةُ في البُخارِيِّ: "أُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُشاعُ ويَتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ ويَسْتَمِعُهُ ويَسْتَوْشِيهِ".

وأمّا ضَرْبُهُ بِالسَيْفِ فَإنَّ صَفْوانَ بْنَ المُعَطَّلِ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ حَسّانَ في الإفْكِ جاءَ فَضَرَبَهُ بِالسَيْفِ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ، وقالَ: تَلَقَّ ذُبابَ السَيْفِ عَنِّي فَإنَّنِي ∗∗∗ غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشاعِرِ فَأخَذَ جَماعَةٌ صَفْوانَ ولَبَّبُوهُ وجاؤُوا بِهِ رَسُولَ اللهِ  ، فَأهْدَرَ رَسُولُ اللهِ  جُرْحَ حَسّانَ واسْتَوْهَبَهُ إيّاهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ حَسّانَ مِمَّنْ تَوَلّى الكِبْرَ.

وقَدْ قالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بِـ "الَّذِي" إلى البادِئِ بِهَذِهِ الفِرْيَةِ والَّذِي اخْتَلَقَها، فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ، ولِلْبادِئِ المُفْتَرِي عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو -عَلى هَذا- غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وهَذا قَوْلُ الضِحاكِ، والحُسْنِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كِبْرَهُ" بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ حَمِيدٌ الأعْرَجُر، ويَعْقُوبُ الزُهْرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كُبْرَهُ" بِضَمِّ الكافِ، وهُما مَصْدَرانِ، مَن كِبَرِ الشَيْءِ وعِظَمِهِ، ولَكِنِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ ضَمَّ الكافِ في السِنِّ، تَقُولُ: هَذا كُبْرُ القَوْمِ، أيْ كَبِيرُهم سِنًّا ومَكانَةً، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  في قِصَّةِ حُوَيْصَةَ ومُحَيْصَةَ: الكُبْرُ» ومِنَ اسْتِعْمالِهِ في المَعْنى الثانِي قَوْلُ ابْنِ الحَطِيمِ: ؎ تَنامُ عن كِبْرِ شَأْنِها فَإذا ∗∗∗ قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْغَرِفُ <div class="verse-tafsir"

لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا وَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ ١٢ لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا۟ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ١٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ الخِطابُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ حاشا مَن تُوَلّى الكِبْرَ، ويُحْتَمَلُ دُخُولُهم في الخِطابِ، وفي هَذا عِتابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: كانَ الإنْكارُ واجِبًا عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقِيسَ فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ الأمْرَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإذا كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ فَكانُوا يَقْضُونَ بِأنَّهُ في صَفْوانَ وعائِشَةَ أبْعَدُ لِفَضْلِهِما رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ أنَّ هَذا النَظَرَ السَدِيدَ وقَعَ مِن أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ وامْرَأتِهِ، وذَلِكَ «أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْها فَقالَتْ لَهُ: يا أبا أيُّوبٍ أسَمِعْتَ ما قِيلَ؟

قالَ: نَعِمْ، وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ يا أمَّ أيُّوبَ تَفْعَلِينَ ذَلِكَ؟

فَقالَتْ: لا واللهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللهِ أفْضَلُ مِنكِ، قالَتْ أمُّ أيُّوبَ: نَعَمْ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَذَلِكَ الفِعْلُ ونَحْوَهُ هو الَّذِي عاتَبَ اللهُ المُؤْمِنِينَ [عَلَيْهِ] إذْ لَمْ يَفْعَلْهُ جَمِيعُهُمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "جاءُوا" لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَلَّوُا الكِبْرَ، وإذا كانُوا عِنْدَ اللهِ كَذَبَةً فَهي الحَقِيقَةُ فِيهِمْ، وعِنْدَ هَذا حُدُّوا، ولَمْ يُرْوَ في شَهِيرِ الدَواوِينِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ حُدَّ، ويُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَأنَّهُ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِالمَقالَةِ بَيِّنَةٌ لِنِفاقِهِ وتَسَتُّرِهِ، وإنَّما كانَ يَخُوضُ فِيهِ مَعَ مَن يُذِيعُهُ ولا يَسْألُ عن شَهادَتِهِ كَما قالَ عُرْوَةُ في البُخارِيِّ: وأُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُقِرُّهُ ويَسْتَوْشِيه.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَكِنْ  اسْتَعْذَرَ مِنهُ عَلى المِنبَرِ، ووَقَذَهُ بِالقَوْلِ، ووَقَعَ في أمْرِهِ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ ما هو مُطَوَّلٌ في مُسْلِمْ في جُمْلَةِ حَدِيثِ الإفْكِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤ إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًۭا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌۭ ١٥ وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌۭ ١٦ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُوا۟ لِمِثْلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٧ وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَعِظُكُمُ اللهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ هَذا عِتابٌ مِنَ اللهِ تَعالى بَلِيغٌ، ذَكَرَ أنَّ حالَتَهُمُ الَّتِي وقَعَ فِيها جَمِيعُهم مِن تَعاطِيهِمُ الحَدِيثَ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُخْبِرُ ولا المُخْبَرُ مُصَدِّقَيْنَ، ولَكِنَّ نَفْسَ التَعاطِي والتَلَقِّي مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ والإفاضَةَ في الحَدِيثِ هو الَّذِي وقَعَ العِتابُ فِيهِ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "إذْ تُلْقُونَهُ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ اللامِ وضَمِّ القافِ، ومِنَ الإلْقاءِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ بَيِّنَةٌ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "إذْ تَتَلَقَّوْنَهُ" مِنَ التَلَقِّي بِتاءَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِحَذْفِ التاءِ الواحِدَةِ وإظْهارِ الذالِ دُونَ إدْغامٍ، وهو أيْضًا مِنَ التَلَقِّي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِإدْغامِ الذالِ في التاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِإظْهارِ الذالِ وإدْغامِ التاءِ في التاءِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ قَلِقَةٌ لَأنَّها تَقْتَضِي اجْتِماعَ ساكِنِينَ، ولَيْسَ كالإدْغامِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "فَلا تَناجَوْا" "وَلا تَنابَزُوا" لَأنَّ لُدُونَةَ الألِفِ الساكِنَةِ وكَوْنَها حَرْفَ لِينٍ حَسُنَتْ هُنالِكَ ما لا يَحْسُنُ مَعَ سُكُونِ الذالِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرٍ وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها -وَهِيَ أعْلَمُ الناسِ بِهَذا الأمْرِ-: "إذْ تَلِقُونَهُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ اللامِ وضَمِّ القافِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: "وَلِقَ الرَجُلُ ولَقًا" إذا كَذَبَ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ في "المُحْكَمِ": قُرِئَ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ"، وحَكى أهْلُ اللُغَةِ أنَّها مِن ولِقَ إذا كَذَبَ، فَجاؤُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي، وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ: إذْ تُلْقُونَ فِيهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ووَصَلَ بِالضَمِيرِ، وَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ الَّذِي هو إسْراعُكَ بِالشَيْءِ بَعْدَ الشَيْءِ، كَعَدُوٍّ في إثْرِ عَدُوٍّ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، يُقالُ: ولِقَ في سَيْرِهِ إذا أسْرَعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جاءَتْ بِهِ عنسٌ مِنَ الشَأْمِ تَلِقْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكُمْ ﴾ مُبالَغَةٌ وإلْزامٌ وتَأْكِيدٌ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَتَحْسَبُونَهُ" لِلْحَدِيثِ والخَوْضِ فِيهِ والإذاعَةِ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ إلى ﴿ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: كانَ يَنْبَغِي عَلَيْكم أنْ تُنْكِرُوهُ ولا يَتَعاطاهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ والنَقْلِ، وأنْ تَنَزَّهُوا اللهَ تَعالى عن أنْ يَقَعَ هَذا مِن زَوْجِ نَبِيِّهِ  ، وأنْ تَحْكُمُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ بِأنَّها بُهْتانٌ، وحَقِيقَةُ البُهْتانِ أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ، والغَيْبَةُ أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما فِيهِ.

ثُمْ وعَظَهم تَعالى في العَوْدَةِ إلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِتَقْدِيرِ: "كَراهِيَةَ أنْ" ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَأْكِيدٌ، كَما تَقُولُ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا.

وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ، و" عَلِيمٌ حَكِيمٌ " صِفَتانِ تَقْتَضِيهِما الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ١٩ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى المُنافِقِينَ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن أشْبَهَهُ، وهي خاصَّةٌ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَحُبُّهم شَياعُ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ مُتَمَكِّنٌ عَلى وجْهِهِ لِعَداوَتِهِمْ في أهْلِ الإيمانِ، وعَذابُهُمُ الألِيمُ في الدُنْيا الحُدُودُ، وفي الآخِرَةِ النارُ.

وقالَتْ فُرْقَةٌ -وَقَوْلُها هو الأظْهَرُ-: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ قاذِفٍ مُنافِقًا كانَ أو مُؤْمِنًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقاذِفُ المُؤْمِنُ لا يَتَّصِفُ بِحُبِّ شَياعِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ يُحِبُّها لِمَقْذُوفِهِ، وكَذَلِكَ آخَرُ لِمَقْذُوفِهِ، وآخَرُ حَتّى تَشِيعَ الفاحِشَةُ مِن مَجْمُوعِ فِعْلِهِمْ، فَهم لَها مُحِبُّونَ بِهَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ أحَبَّ كُلُّ واحِدٍ جُزْءًا مِن شَياعِها، والعَذابُ الألِيمُ في الدُنْيا الحُدُودُ، وفي الآخِرَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ القاذِفُ مُتَوَعَّدًا مِن بَيْنِ العُصاةِ بِعَذابٍ في الآخِرَةِ لا يُزِيلُهُ الحَدُّ حَسْبَ مُقْتَضى حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، ويَكُونُ أمْرُهُ كَأمْرِ المُحارِبِينَ إذا صُلِبُوا، خِزْيٌ في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ.

والوَجْهُ الثانِي أنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الحَدَّ مُسْقِطٌ عَذابَ الآخِرَةِ حَسْبَ حَدِيثِ عُبادَةَ، وأنَّ قَوْلَهُ: "والآخِرَةِ" لا يُرِيدُ بِهِ عُمُومَ القَذْفَةِ، بَلْ يُرِيدُ إمّا المُنافِقِينَ وإمّا مَن لَمْ يَجِدْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: إنْ ماتَ مُصِرًّا غَيْرَ تائِبٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ ﴾ مَعْناهُ: البَرِيءُ مِنَ المُذْنِبِ، وسائِرُ الأُمُورِ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في سَتْرِكم والتَغْلِيظِ في الوَعِيدِ والعَذابِ عَلى قاذِفِيكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ ﴾ الآيَةُ.

جَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: لَفَضَحَكم بِذُنُوبِكم ولَمْ يَسْتُرْكُمْ، ولَعَذَّبَكم فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ مِن قَوْلِ الباطِلِ والبُهْتانِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًۭا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللهِ يُزَكِّي مِن يَشاءُ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، و"خُطُواتِ" جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا تَمْشُوا في سُبُلِهِ وطُرُقِهِ مِنَ الأفْعالِ الخَبِيثَةِ.

وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خُطُواتِ" جَمْعُ خَطَأٍ مِنَ الخَبِيثَةِ وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ فَنَطَقَ بِها خُطُواتِ.

وقَرَأ بِضَمِّ الطاءِ مِن "خُطُواتِ" الجُمْهُورُ، وقَرَأ بِسُكُونِها عاصِمْ، والأعْمَشُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ما زَكى" بِتَخْفِيفِ الكافِ، أيْ: ما اهْتَدى ولا أسْلَمَ ولا عَرَفَ رُشْدًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والحُسْنُ، والأعْمَشُ: "ما زَكّى" بِشَدِّ الكافِ، أيْ: تَزْكِيَتُهُ لَكم وتَطْهِيرُهُ وهِدايَتُهُ إنَّما هي بِفَضْلِهِ لا بِأعْمالِكم وتَحَرُّزِكم مِنَ المَعاصِي.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ وكانَ عَمَلُهُ الصالِحُ أمارَةً عَلى سَبْقِ السَعادَةِ لَهُ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ سَمِيعٌ لِجَمِيعِ أقْوالِهِمْ وكَلامِهِمْ مِن قَذْفٍ وغَيْرِهِ، عَلِيمٌ بِحَقِّ ذَلِكَ مِن باطِلِهِ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ وهم ولا غَلَطٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهِ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ المَشْهُورُ مِنَ الرِواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ ابْنِ أبِي قُحافَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ ابْنَ بِنْتِ خالَتِهِ، وكانَ مِنَ المُهاجِرِينَ البَدْرِيِّينَ المَساكِينِ، وهو مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ المُطَّلِبِ، بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَوْفٌ، ومِسْطَحٌ لَقَبٌ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِمَسْكَنَتِهِ، فَلَمّا وقَعَ أمْرُ الإفْكِ وقالَ مِسْطَحٌ ما قالَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ألّا يُنْفِقَ عَلَيْهِ ولا يَنْفَعَهُ بِنافِعَةٍ أبَدًا، فَجاءَ مِسْطَحٌ فاعْتَذَرَ وقالَ: إنَّما كُنْتُ أغْشى مَجْلِسَ حَسانَ فَأسْمَعُ ولا أقُولُ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ ضَحِكْتَ وشارَكْتَ فِيما قِيلَ، ومَرَّ عَلى يَمِينِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ الضَحاكُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ قَطَعُوا مَنافِعَهم عن كُلِّ مَن قالَ في الإفْكِ وقالُوا: واللهِ لا نَصِلُ مَن تَكَلَّمَ في شَأْنِ عائِشَةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في جَمِيعِهِمْ.

والأوَّلُ أصَحُّ، غَيْرَ أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ الأُمَّةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِألا يَغْتاظَ ذُو فَضْلٍ وسَعَةٍ فَيَحْلِفُ ألّا يَنْفَعَ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ غابِرَ الدَهْرِ.

ورَأى الفُقَهاءُ أنَّ مِن حَلَفَ ألّا يَفْعَلَ سُنَّةً مِنَ السُنَنِ أو مَندُوبًا وأبَّدَ ذَلِكَ أنَّها جُرْحَةٌ في شَهادَتِهِ، ذَكَرَهُ البَلْخِيُّ في المُنْتَفى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «أيُّكُمُ المُتَألِّي عَلى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ»؟

و"يَأْتَلِ" مَعْناهُ: يَحْلِفُ، وزَنُها يَفْتَعِلُ، مِنَ الألْيَةِ وهي اليَمِينُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يُقَصِّرُ، مِن قَوْلِكَ: ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَّرْتَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا  ﴾ ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلا يَتَألَّ"، وهَذا وزْنُهُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الألْيَةِ بِلا خِلافٍ، وهي في المُصْحَفِ "ياءٌ تاءٌ لامٌ" فَلِذَلِكَ ساغَ هَذا الخِلافُ لِأبِي جَعْفَرٍ وزَيْدٍ فَرَوَياهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ مَعَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ إنَّ ثُمْ ألِفًا قَبْلَ التاءِ.

و"الفَضْلُ والسَعَةُ" هُنا: المالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تُحِبُّونَ" الآيَةُ تَمْثِيلٌ وحُجَّةٌ، أيْ: كَما تُحِبُّونَ غُفْرانَ اللهِ لَكم عن ذُنُوبِكم فَكَذَلِكَ أغْفِرُ لِمَن دُونُكُمْ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : «مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ»، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ النَفَقَةَ والإحْسانَ الَّذِي كانَ يَجْرِي عَلَيْهِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: وكَفَّرَ عن يَمِينِهِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "وَلْتَعْفُوا ولْتَصْفَحُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  .

وقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثُ لُطْفُ اللهِ تَعالى فِيها بِالقَذَفَةِ العُصاةِ بِهَذَهِ اللَفْظَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما تُعْطِي الآيَةُ تَفَضُّلًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في الدُنْيا، وإنَّما الرَجاءُ في الآخِرَةِ، أمّا إنَّ الرَجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقِياسٍ، أيْ إذا أمَرَ أُولِي السَعَةِ بِالعَفْوِ، فَطَرَدَ هَذا التَفَضُّلَ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ لا رَبَّ سِواهُ، وإنَّما آياتُ الرَجاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ  ﴾ ، وسَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى عِنْدِي قَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  ﴾ ، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ  ﴾ فَشَرَحَ الفَضْلَ الكَبِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ وبَشَّرَ بِها المُؤْمِنِينَ في تِلْكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ، أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى  ﴾ ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لا يَرْضى بِبَقاءِ أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ في النارِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٢٣ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٤ يَوْمَئِذٍۢ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللهُ هو الحَقَّ المُبِينُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ لَعْنَ القاذِفَ وتَوَعُّدَهُ الشَدِيدَ إنَّما هي خاصَّةً في رُماةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضِحاكُ، وغَيْرُهُما: بَلْ هَذِهِ لِجَمِيعِ أزْواجِ النَبِيِّ  ، غِلَّظَ اللهُ أمْرَ رَمْيِهِنَّ لِمَكانِهِنَّ مِنَ الدِينِ، فَلَعَنَ قاذِفَهُنَّ ولَمْ يَقْرِنْ بِآخِرِ الآيَةِ تَوْبَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقاذِفُ غَيْرِهِنَّ لَهُ اسْمُ الفِسْقِ وذُكِرَتْ لَهُ التَوْبَةُ.

وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَلْ هي في شَأْنِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها إلّا أنَّهُ يُرادُ بِها كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ أوَّلًا في القاذِفِينَ، ثُمْ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي صَدَرَتْ في السُورَةِ الَّتِي فِيها التَوْبَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "المُحْصَناتِ" ما مَعْناهُ.

و"اللَعْنَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الإبْعادُ، وضَرْبُ الحَدِّ، واسْتِيحاشُ المُؤْمِنِينَ مِنهم وهَجْرُهم لَهُمْ، وزَوالُهم عن رُتْبَةِ العَدالَةِ، وعَلى مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةً لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها تَرَتَّبَتْ هَذِهِ الشَدائِدُ في جانِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْباهِهِ.

وفي ضِمْنِ رَمْيِ المُحْصَنَةِ رَمْيُ الرَجُلِ مَعَها، وقَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا.

والعامِلُ في قَوْلِهِ: "يَوْمَ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ العَذابُ، أيْ: يُعَذِّبُونَهُ يَوْمَ، أو نَحْوَهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مِن أعْظَمَ الخِزْيِ والتَنْكِيلِ، فَيَشْهَدُ اللِسانُ وقَلْبُ المُنافِقِ لا يُرِيدُ ما يَشْهَدُ بِهِ، وتَشْهَدُ الأيْدِي والأرْجُلُ [وَتَتَكَلَّمُ] كَلامًا يُقَدِّرُها اللهُ تَعالى عَلَيْهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَشْهَدُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَشْهَدُ" بِالياءِ.

و"الدِينُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الجَزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمْ يُبْقَ سِوى العُدْوا نِ دِنّاهم كَما دانُوا أيْ جازَيْناهم كَما فَعَلُوا، ومِنهُ المَثَلُ "كَما تَدِينُ تُدانُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى الصِفَةِ لِلدِّينِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى الصِفَةِ لِلَّهِ تَعالى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ الحَقَّ دِينَهُمْ" بِتَقْدِيمِ الصِفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ ﴾ يُقَوِّي قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ في الدُنْيا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ، وإلّا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ ۖ وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَوْصُوفِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَبِيثِ والطَيِّبِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ، وقَتادَةُ: هي الأقْوالُ والأفْعالُ، ثُمُ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: الكَلِماتُ والفِعْلاتُ الخَبِيثاتُ لا يَقُولُها ويَرْضاها إلّا الخَبِيثاتُ مِنَ الناسِ، فَهي لَهم وهم لَها بِهَذا الوَجْهِ، وكَذَلِكَ الطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: الكَلِماتُ والفِعْلاتُ الخَبِيثاتُ لا تَلِيقُ ولا تَلْصَقُ عِنْدَ رَمْيِ الرامِي وقَذْفِ القاذِفِ إلّا بِالخَبِيثِينَ مِنَ الناسِ، فَهي لَهم وهم لَها بِهَذا الوَجْهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَوْصُوفُ بِالخَبِيثِ والطَيِّبِ النِساءُ والرِجالُ، وإنَّما الآيَةُ عَلى نَحْوِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً  ﴾ ، فَمَعْنى هَذِهِ: التَفْرِيقُ بَيْنَ حُكْمِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْباهِهِ وبَيْنَ حُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وفُضَلاءِ الصَحابَةِ رَضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ وأُمَّتِهِ، أيْ: إنِ النَبِيَّ  طَيِّبٌ فَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ إلّا كُلَّ طِيبَةٍ، وأُولَئِكَ خِبِّيثُونَ فَهم أهْلُ النِساءِ الخَبِيثاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذِهِ الآيَةِ قِيلَ لِأزْواجِ النَبِيِّ  : الطَيِّباتُ المُبْرَآتُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى "الطَيِّبِينَ" في قَوْلِهِ: ﴿ والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ﴾ .

وقالَ النِقاشَ: الإشارَةُ بِـ ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ ﴾ إلى صَفْوانَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَمَعَهُما في الضَمِيرِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ  ﴾ والمُرادُ: أخَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَمْثِيلِ بِآيَةِ الأُخُوَةِ نَظَرٌ، وبِحَسْبَ هَذِهِ المَعانِي يَتَقَدَّرُ المُرادُ بِالضَمِيرِ في "يَقُولُونَ"، فَتَأمَّلَهُ.

ثُمْ وعَدَ اللهُ تَعالى الطَيِّبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالمَغْفِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ، وبِالرِزْقِ الكَرِيمِ في الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٢٧ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فِيهَآ أَحَدًۭا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا۟ فَٱرْجِعُوا۟ ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكم ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن عُدَيِّ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أكُونُ في مَنزِلِي عَلى الحالِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي أحَدٌ عَلَيْها والِدَ ولا ولَدَ، وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ثُمْ هي عامَّةٌ في الأُمَّةِ غابِرَ الدَهْرِ مِن حَيْثُ هَذِهِ النازِلَةِ تَخْتَصُّ بِكُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ، وبَيْتُ الإنْسانِ هو البَيْتُ الَّذِي لا أحَدَ مَعَهُ فِيهِ، أوِ البَيْتُ الَّذِي فِيهِ زَوْجَتُهُ وأمَتَهُ، وما عَدا هَذا فَهو غَيْرُ بَيْتِهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ ألّا يَدْخُلَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ أُمُّهُ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْناسِ.

ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، اسْتَأْذِنَ عَلى أُمِّي؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: إنَّما هي أُمِّي ولا خادِمْ لَها غَيْرِي، قالَ: أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟

قالَ: لا، قالَ: فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها»، وكَذَلِكَ كَلُّ ذاتِ مَحْرَمٍ مِنهُ لَأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَراهُنَ عارِياتِ، وقالَتْ زَيْنَبُ امْرَأةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذا جاءَ بَيْتَهُ تَنَحْنَحَ مَخافَةَ أنْ يَهْجُمْ عَلى ما يَكْرَهُ.

و"تَسْتَأْنِسُوا" مَعْناهُ: تَسْتَعْمِلُوا، أيْ: تَسْتَعْلِمُوا مَن في البَيْتِ وتَسْتَبْصِرُوا، تَقُولُ: آنَسْتُ إذا عَلِمْتَ عن حِسٍّ وإذا أبْصَرْتَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا  ﴾ ، وقَوْلُهُ: " آنَسْتُ نارًا "، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اُنْظُرْ خَلِيلِيَّ بِبابِ جَلِّقٍ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مَن أحَدِ وقَوْلُ الحارِثِ: آنَسْتُ نَبْأةً....

البَيْتُ ∗∗∗.........................

ووَزْنُ آنَسُ: أفْعَلُ، واسْتَأْنَسَ وزْنُهُ: اسْتَفْعَلَ، فَكَأنَّ المَعْنى في "تَسْتَأْنِسُونَ": تَطْلُبُونَ ما يُؤْنِسُكم ويُؤْنِسُ أهْلَ البَيْتِ مِنكُمْ، وإذا طَلَبَ الإنْسانُ أنْ يَعْلَمَ أمْرَ البَيْتِ الَّذِي يُرِيدُ دُخُولَهُ فَذَلِكَ يَكُونُ بِالِاسْتِئْذانِ عَلى مَن فِيهِ، أو بِأنْ يَتَنَحْنَحَ ويَشْعُرَ بِنَفْسِهِ بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَهُ، ويَتَأنّى قَدْرَ ما يَتَحَفَّظُ، ويَدْخُلَ إثْرَ ذَلِكَ.

وَذَهَبَ الطَبَرِيُّ في "تَسْتَأْنِسُوا" إلى أنَّهُ بِمَعْنى: حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ مِن أنْفُسِكم بِالتَنَحْنُحِ والِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهُ، وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَعْلَمُوا أنْ قَدْ شُهِّرَ بِكم.

وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن آنَسَ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى تَسْتَأْذِنُوا وتُسَلِّمُوا"، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وحَكاها أبُو حاتِمْ "حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْذِنُوا"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَسْتَأْنِسُوا" خَطَأٌ أو وهْمٌ مِنَ الكُتّابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَصاحِفُ الإسْلامِ كُلُّها قَدْ ثَبَتَ فِيها "تَسْتَأْنِسُوا"، وصَحَّ الإجْماعُ فِيها مِن لَدُنْ مُدَّةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَهي الَّتِي لا يَجُوزُ خِلافُها، والقِراءَةُ "يَسْتَأْذِنُوا" ضَعِيفَةٌ، وإطْلاقُ الخَطَأِ والوَهْمِ عَلى الكُتّابِ في لَفْظٍ أجْمَعَ الصَحابَةُ عَلَيْهِ قَوْلٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والأشْبَهُ أنْ يَقَعَ "تَسْتَأْذِنُوا" عَلى التَفْسِيرِ، وظاهِرُ ما حَكى الطَبَرِيُّ أنَّها قِراءَةٌ، ولَكِنْ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما أنَّهُ قالَ: "تَسْتَأْنِسُوا" بِمَعْنى: تَسْتَأْذِنُوا، ومِمّا يَنْفِي هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ "تَسْتَأْنِسُوا" مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، بَيِّنَةُ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ «قالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ اللهِ؟

وعُمَرُ واقِفٌ عَلى بابِ الغُرْفَةِ...» الحَدِيثُ المَشْهُورُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ الأُنْسَ بِهِ  ، فَكَيْفَ يُخَطِّئُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أصْحابَ الرَسُولِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذا؟

وحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا بِسَنَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهم قالُوا: نُسِخَ واسْتُثْنِيَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ  ﴾ ، وهَذا أيْضًا لا يَتَرَتَّبُ فِيهِ نَسْخٌ ولا اسْتِثْناءٌ؛ لَأنَّ الآيَةَ الأُولى في البُيُوتِ المَسْكُونَةِ والمَقْصُورَةِ، والآيَةَ الثانِيَةَ في المُباحَةِ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى الِاسْتِثْناءِ رَأى الأُولى عامَّةً.

وصُورَةُ الِاسْتِئْذانِ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخَلُ؟

فَإنْ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ، وإنَّ أُمِرَ بِالرُجُوعِ انْصَرَفَ، وإنْ سَكَتَ عنهُ اسْتَأْذَنَ ثَلاثًا ثُمْ يَنْصَرِفُ بَعْدَ الثَلاثِ، فَأمّا ثُبُوتُ ما ذَكَرْتُهُ مِن صُورَةِ الِاسْتِئْذانِ فَرَوى الطَبَرِيُّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى بَيْتِ النَبِيِّ  فَقالَ: ألِجُ؟

أو أنَلِجُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  لِأمَةٍ لَهُ يُقالُ لَها رَوْضَةٌ: "قَوْلِي لِهَذا: يَقُولُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُلُ؟"، فَسَمِعَهُ الرَجُلُ فَقالَها، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : "ادْخُلْ"».

ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما آذَتْهُ الرَمْضاءُ يَوْمًا فَأتى فُسْطاطَ امْرَأةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُلُ؟

فَقالَتِ المَرْأةُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ، فَأعادَ فَأعادَتْ، فَقالَ لَها: قُولِي: ادْخُلْ، فَقالَتْ ذَلِكَ فَدَخَلَ، فَكَأنَّهُ تَوَقَّفَ لَمّا قالَتْ: بِسَلامٍ؛ لِاحْتِمالِ اللَفْظِ أنْ تُرِيدَ: ادْخُلْ بِسَلامِكَ لا بِشَخْصِكَ.

ثُمْ لِكُلِّ قَوْمٍ في الِاسْتِئْذانِ عُرْفُهم في العِبارَةِ.

وأمّا ثُبُوتُ الرُجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا فَلِحَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ مَعَ عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وشَهِدَ بِهِ لِأبِي مُوسى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ثُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ..

الحَدِيثُ المَشْهُورُ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذا.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «رَسُولُ الرَجُلِ إذْنُهُ»، أيْ: إذا أرْسَلَ في أحَدٍ فَقَدْ أذِنَ لَهُ في الدُخُولِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ مَعْناهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ بِكم ونَبَّهْناكم لَعَلَّكم.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها ﴾ لِلْبُيُوتِ الَّتِي هي بُيُوتُ الغَيْرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا ﴾ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم فِيها مَتاعٌ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا التَأْوِيلَ، وكَذَلِكَ هو في غايَةِ الضَعْفِ، وكَأنَّ مُجاهِدًا رَأى أنَّ البُيُوتَ غَيْرَ المَسْكُونَةِ إنَّما تُدْخَلُ دُونَ إذْنٍ إذا كانَ فِيها لِلدّاخِلِ مَتاعٌ، ورَأى لَفْظَةَ "المَتاعِ" مَتاعِ البَيْتِ الَّذِي هو البُسُطُ والثِيابُ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَما أدْرَكَتُها، أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي فَيَقُولُ لِي: ارْجِعْ، فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا هو أزْكى لَكم ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَوَعُّدٌ لِأهْلِ التَجَسُّسِ عَلى البُيُوتِ وطَلَبِ الدُخُولِ عَلى غَفْلَةٍ لِلْمَعاصِي والنَظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ، ولِغَيْرِهِمْ مِمّا يَقَعُ في مَحْظُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍۢ فِيهَا مَتَـٰعٌۭ لَّكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ٢٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ﴾ رَوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الِاسْتِئْذانِ تَعَمَّقَ في الأمْرِ، فَكانَ لا يَأْتِي مَوْضِعًا خَرِبًا ولا مَسْكُونًا إلّا سَلَّمَ واسْتَأْذَنَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أباحَ اللهُ تَعالى فِيها رَفْعَ الِاسْتِئْذانِ في كُلِّ بَيْتٍ لا يَسْكُنُهُ أحَدٌ؛ لَأنَّ العِلَّةَ إنَّما هي في الِاسْتِئْذانِ خَوْفَ الكَشَفَةِ عَلى الحُرُماتِ، فَإذا زالَتِ العِلَّةُ زالَ الحُكْمُ.

ومَثَّلَ أهْلُ التَأْوِيلِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ أمْثِلَةً، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هي الفَنادِقُ الَّتِي في طُرُقِ المُسافِرِينَ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْكُنُها أحَدٌ، بَلْ هي مَوْقُوفَةٌ لِيَأْوِيَ إلَيْها كُلُّ ابْنِ سَبِيلٍ، وفِيها مَتاعٌ لَهُمْ، أيِ اسْتِمْتاعٌ بِمَنفَعَتِها، ومَثَّلَ عَطاءٌ في بُيُوتٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ بِالخِرَبِ الَّتِي يَدْخُلُها الإنْسانُ لِلْبَوْلِ والغائِطِ، فَفي هَذا أيْضًا مَتاعٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ القَيْسارِيّاتُ والسُوقُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: لَأنَّهم جاؤُوا بِبُيُوعِهِمْ فَجَعَلُوها فِيها وقالُوا لِلنّاسِ: هَلُمْ، وهَذا قَوْلٌ غَلِطَ قائِلُهُ، وذَلِكَ أنَّ بُيُوتَ القَيْسارِيَّةِ مَحْظُورَةٌ بِأمْوالِ الناسِ، غَيْرُ مُباحَةٍ لِكُلٍّ مَن أرادَ دُخُولَها بِإجْماعٍ، ولا يُدْخِلُها إلّا مَن أُذِنَ لَهُ بِها، بَلْ إنَّ أرْبابَها مُوَكَّلُونَ بِدَفْعِ الناسِ عنها.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ أيْضًا: أرادَ تَعالى دَوْرَ مَكَّةَ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها غَيْرُ مُتَمَلِّكَةٍ، وأنَّ الناسَ شُرَكاءُ فِيها، وأنَّ مَكَّةَ أُخِذَتْ عنوَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو في هَذِهِ المَسْألَةِ القَوْلُ الضَعِيفُ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مَنزِلًا»، وقَوْلُهُ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ» ومَن دَخَلَ دارَهُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ النَظَرِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، ظاهِرُهُ التَوَعُّدُ.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إنَّهُمْ، فَقَوْلُهُ: "يَغُضُّوا" جَوابُ الأمْرِ، وقالَ المازِنِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، ويَلْحَقُ هَذَيْنِ مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ الجَوابَ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يُوجَدُ مَن لا يَغُضُّ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ المُرادَ: يَكُونُونَ في حُكْمِ مَن يَغُضُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أبْصارِهِمْ ﴾ ، أظْهَرَ ما في "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نَظْرَةٍ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ، وإنَّما يَغُضُّ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ وقَعَ التَبْعِيضُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: «لا تُتْبِعِ النَظْرَةَ النَظْرَةَ فَإنَّ الأُولى لَكَ، ولَيْسَتْ لَكَ الثانِيَةُ» الحَدِيثُ.

وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَألَتُ النَبِيَّ  عن نَظْرَةِ الفَجْأةِ فَقالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ»، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والبَصَرُ هو البابُ الأكْبَرُ إلى القَلْبِ وأعْمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إلَيْهِ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُقُوطُ مِن جِهَتِهِ، ووَجَبَ التَحْذِيرُ مِنهُ.

و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الزِنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَتْرِ العَوْرَةِ، والأظْهَرُ أنَّ الجَمِيعَ مُرادٌ واللَفْظُ عامٌّ، وبِهَذِهِ الآيَةِ حَرَّمَ العُلَماءُ دُخُولَ الحَمّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ فَرْجِ ذُكِرَ في القُرْآنِ فَهو مِنَ الزِنى إلّا هَذِهِ الآيَتَيْنِ فَإنَّهُ يَعْنِي التَسَتُّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ عِنْدِي.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وظاهِرُهُ التَوَعُّدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى النِساءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِغَضِّ البَصَرِ عن كُلِّ ما يُكْرَهُ مِن جِهَةِ الشَرْعِ النَظَرُ إلَيْهِ، وفي حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كُنْتُ أنا وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما عِنْدَ النَبِيِّ  ، فَدَخْلَ ابْنُ أُمْ مَكْتُومٍ، فَقالَ النَبِيُّ  : "احْتَجِبْنَ" فَقُلْنا: إنَّهُ أعْمى، فَقالَ النَبِيُّ  : "أفَعَمْياوانِ أنْتُما؟"»، "مِن" يَحْتَمِلُ ما تَقَدَّمَ في الأُولى، و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يَعُمُ الفَواحِشَ وسَتْرَ العَوْرَةِ وما دُونُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ حِفْظٌ.

وأمَرَ اللهُ تَعالى بِألا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِلنّاظِرِينَ، إلّا ما اسْتَثْناهُ مِنَ الناظِرِينِ في باقِي الآيَةِ، ثُمُ اسْتَثْنى ما يَظْهَرُ مِنَ الزِينَةِ، فاخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الوَجْهُ والثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وعَطاءٌ، والأوزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ والثِيابُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الكُحْلُ والسِواكُ والخِضابُ إلى نِصْفِ الذِراعِ والقِرَطَةُ والفَتْخُ، ونَحْوَ هَذا فَمُباحٌ أنْ تُبْدِيَهُ المَرْأةُ لِكُلٍّ مِن دَخْلَ عَلَيْها مِنَ الناسِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ في مَعْنى نِصْفِ الذِراعِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  ، وذَكَرَ آخَرَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، عَنِ النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي بِحُكْمِ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ مَأْمُورَةٌ بِألا تُبْدِيَ، وأنْ تَجْتَهِدَ في الإخْفاءِ لِكُلِّ ما هو زِينَةٌ، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ في كُلِّ ما غَلَبَها فَظَهَرَ بِحُكْمِ ضَرُورَةِ حَرَكَةٍ فِيما لا بُدَّ مِنهُ، أو إصْلاحِ شَأْنٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَما ظَهَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَهو المَعْفِيُّ عنهُ، فَغالِبُ الأمْرِ أنَّ الوَجْهَ بِما فِيهِ والكَفَّيْنِ يَكْثُرُ مِنهُما الظُهُورُ، وهو الظاهِرُ في الصَلاةِ، ويَحْسُنُ بِالحَسَنَةِ الوَجْهِ أنْ تَسْتَتِرَ إلّا مِن ذِي حُرْمَةٍ مُحَرَّمَةٍ، ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ الظاهِرَ مِنَ الزِينَةِ لَها أنْ تُبْدِيَهُ، ولَكِنْ يُقَوِّي ما قُلْناهُ الِاحْتِياطُ ومُراعاةُ فَسادِ الناسِ، فَلا يُظَنُّ أنْ يُباحَ لِلنِّساءِ مِن إبْداءِ الزِينَةِ إلّا ما كانَ بِذَلِكَ الوَجْهِ، واللهُ المُوَفِّقِ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْيَضْرِبْنَ" بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لِلْأمْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ-: "وَلِيَضْرِبْنَ" بِكَسْرِ اللامِ عَلى الأصْلِ؛ لَأنَّ أصْلَ لامِ الأمْرِ الكَسْرُ في "لِيَذْهَبْ ولِيَضْرِبْ"، وإنَّما تَسْكِينُها كَتَسْكِينِ "عَضُدٍ وفَخِذٍ".

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النِساءَ كُنَّ في ذَلِكَ الزَمانِ إذا غَطَّيْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالخُمُرَةِ سَدَلْنَها مِن وراءِ الظَهْرِ، قالَ النِقاشَ: كَما يَصْنَعُ النَبَطُ، فَيَبْقى النَحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سَتْرَ عَلى ذَلِكَ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِلَيِّ الخِمارِ عَلى الجُيُوبِ، وهَيْئَةُ ذَلِكَ [ أنْ تَضْرِبَ المَرْأةُ بِخِمارِها عَلى جَيْبِها] فَيَسْتُرُ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ.

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: رَحِمُ اللهُ المُهاجِراتِ الأوُلُ، لِما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَمَدْنَ إلى أكْثَفِ المُرُوطِ فَشَقَقْنَها أخْمِرَةً، وضَرَبْنَ بِها عَلى الجُيُوبِ، ودَخَلَتْ عَلى عائِشَةَ حَفْصَةُ بِنْتُ أخِيها عَبْدِ الرَحْمَنِ وقَدِ اخْتَمَرَتْ بِشَيْءٍ يَشِفُّ عن عُنُقِها وما هُنالِكَ، فَشَقَّتْهُ عَلَيْها وقالَتْ: إنَّما يُضْرَبُ بِالكَثِيفِ الَّذِي يَسْتُرُ.

ومَشْهُورُ القِراءَةِ ضَمُّ الجِيمِ مِن "جُيُوبِهِنَّ"، وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِكَسْرِها بِسَبَبِ الياءِ كَقِراءَتِهِمْ ذَلِكَ في بُيُوتٍ وشُيُوخٍ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائِهِنَّ أو آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبْنائِهِنَّ أو أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ أو بَنِي أخَواتِهِنَّ أو نِسائِهِنَّ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أو التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِجالِ أو الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِساءِ ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: ولا يَقْصِدْنَ تَرْكَ الإخْفاءِ لِلزِّينَةِ الباطِنَةِ كالخَلْخالِ والأقْراطِ ونَحْوِهُ، ويَطْرَحْنَ مَؤُونَةَ التَحَفُّظِ إلّا مَعَ مَن سُمِّيَ.

وبَدَأ بِالبُعُولَةِ وهُمُ الأزْواجُ لَأنَّ اطِّلاعَهم يَقَعُ عَلى أعْظَمِ مِن هَذا، ثُمْ ثَنّى بِهِ المَحارِمْ وسَوّى بَيْنِهِمْ في إبْداءِ الزِينَةِ، ولَكِنَّهم تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسْبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ، فَلا مِرْيَةَ أنَّ كَشْفَ الأبِ والأخِ عَلى المَرْأةِ أحْوَطُ مِن كَشْفِ ولَدِ زَوْجِها، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُ ما يُبْدى لَهُمْ، فَيُبْدى لِلْأبِ ما لا يَجُوزُ إبْداؤُهُ لِوَلَدِ الزَوْجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أو نِسائِهِنَّ" يَعْنِي جَمِيعَ المُؤْمِناتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أو صِنْفِهِنَّ، ويَدْخُلُ في هَذا الإماءُ المُؤْمِناتُ، ويَخْرُجُ مِنهُ نِساءُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الذِمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءَ أهْلِ الذِمَّةِ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ المُسْلِمِينَ، فامْنَعْ مِن ذَلِكَ وحُلْ دُونَهُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَرى الذِمِّيَّةُ عُرْيَةَ المُسْلِمَةِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قامَ أبُو عُبَيْدَةَ فابْتَهَلَ وقالَ: أيُّما امْرَأةٍ تَدَخُّلُ الحَمّامَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، لا تُرِيدُ إلّا أنْ تُبَيِّضَ وجْهَها فَسَوَّدَ اللهُ وجْهَها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الإماءُ الكِتابِيّاتُ، ويَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهو الظاهِرُ مِن مَذْهَبِ عائِشَةَ وأُمْ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةُ العُلَماءِ: لا يَدْخُلُ العَبْدُ عَلى سَيِّدَتِهِ فَيَرى شَعْرَها ونَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ وغْدًا، فَمَنَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ الكَشْفَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وَأباحَتْهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" فَيَدْخُلُ فِيهِ عَبْدُ الغَيْرِ.

وقَوْلُهُ: "أوِ التابِعِينَ" يُرِيدُ الأتْباعَ [الَّذِينَ يَدْخُلُونَ] لِيُطْعَمُوا الفُضُولَ، وهم مِنَ الرِجالِ الَّذِينَ لا إرْبَةَ لَهم في الوَطْءِ، فَهي شَرْطانِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِفَةِ المَجْبُوبُ والمَعْتُوهُ والمُخَنَّثُ والشَيْخُ الفانِي والزَمِنُ المَوْقُوذُ بِزَمانَتِهِ، ونَحْوَ هَذا هو الغالِبُ في هَذِهِ الأصْنافِ، ورُبَّ مُخَنَّثٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، ألّا تَرى إلى حَدِيثِ " هِيتٍ " ونَهى رَسُولُ اللهِ  عن كَشْفِهِ عَلى النِساءِ لَمّا وصَفَ بادِيَةَ بِنْتَ غَيْلانَ بْنِ مُعَتَّبٍ ؟

وتَأمَّلَ ما رُوِيَ في أخْبارِ الدَلّالِ المُخَنَّثِ، وكَذَلِكَ الحَمْقى والمَعْتُوهُونَ فِيهِ مِمَّنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، والَّذِي لا إرْبَةَ لَهُ مِنَ الرِجالِ قَلِيلٌ.

و"الإرْبَةُ": الحاجَةُ إلى الوَطْءِ، وعَبَّرَ عن هَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَقالَ: هو الَّذِي يَتْبَعُكَ لا يُرِيدُ إلّا الطَعامَ وما يَأْكُلُهُ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، وهو عَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في "التابِعِينَ"، أو عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ "التابِعَيْنِ"، وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "التابِعِينَ"، والقَوْلُ فِيها كالقَوْلِ في ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "أوِ الطِفْلِ" اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الجَمْعِ، ويُقالُ: "طِفْلٌ" ما لَمْ يُراهِقِ الحُلُمْ، و"يَظْهَرُوا" مَعْناهُ: يَطَّلِعُونَ بِالوَطْءِ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ الواوِ مِن "عَوْراتٍ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ فَتْحُ الواوِ، وقالَ الزُجاجُ: الأكْثَرُ سُكُونُ الواوِ، كَجَوْزاتٍ وبَيْضاتٍ لِثِقَلِ الحَرَكَةِ عَلى الواوِ والياءِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى الأصْلِ في فَعْلَةٍ وفَعْلاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٣٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ  ﴾ ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ المُعْتَمِرِ عن أبِيهِ قالَ: زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ بُرَتَيْنِ مِن فِضَّةٍ، واتَّخَذَتْ جَزْعًا، فَجَعَلَتْ في ساقَيْها فَمَرَّتْ عَلى القَوْمِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها الأرْضَ، فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجَزْعِ فَصَوَّتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وسَماعُ هَذِهِ الزِينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ.

قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى آيَةٌ أكْثَرَ ضَمائِرَ مِن هَذِهِ، جَمَعَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ ضَمِيرًا لِلْمُؤْمِناتِ مِن مَخْفُوضٍ ومَرْفُوعٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "لِيَعْلَمَ ما سُرَّ مِن زِينَتِهِنَّ".

ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ بِالتَوْبَةِ مُطْلَقَةً، وقَدْ قَيَّدَ تَوْبَةَ الكَفّارِ بِالإخْلاصِ وبِالِانْتِهاءِ في آيَةٍ أُخْرى، وتَوْبَةَ أهْلِ الذِمَّةِ بِالتَبْيِينِ، يُرِيدُ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وأمَرَ بِهَذِهِ التَوْبَةِ مُطْلَقَةً عامَّةً مِن كُلِّ شَيْءٍ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أيُّهُ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الهاءِ مِن "أيُّهَ"، ووَجْهُهُ أنْ يَجْعَلَ الخاءَ كَأنَّها مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَيَكُونُ إعْرابُ المُنادى فِيها، وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ جِدًّا، وبَعْضُهم يَقِفُ "أيُّهْ"، وبَعْضُهم يَقِفُ "أيُّها" بِالألْفِ، وقَوّى أبُو عَلِيٍّ الوَقْفَ بِالألْفِ لَأنَّ عِلَّةَ حَذْفِها في الوَصْلِ إنَّما هو سُكُونُها وسُكُونُ اللامِ، فَإذا كانَ الوَقْفُ ذَهَبَتِ العِلَّةُ فَرَجَعَتِ الألْفُ كَما تَرْجِعُ الياءُ إذا وقَفَتْ عَلى "مُحِلِّي" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ  ﴾ ، والِاخْتِلافُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في "أيُّهَ المُؤْمِنُونَ" كَذَلِكَ هو في "يَأيُّهَ الساحِرُ"، و"أيُّهَ الثَقَلانِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى ﴾ ، هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُلِّ مِن تَصَوَّرَ أنْ يَنْكِحَ في نازِلَةٍ ما، فَهُمُ المَأْمُورُونَ بِتَزْوِيجِ مَن لا زَوْجَ لَهُ ومَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ لا تَتَزَوَّجُ إلّا بِوَلِيٍّ، و"الأيِّمْ" يُقالُ لِلرَّجُلِ ولِلْمَرْأةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِـ ـيٍّ أيِّمْ مِنهم وناكِحِ وَلِعُمُومِ هَذا اللَفْظِ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والزانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ والصالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ ﴾ يُرِيدُ: لِلنِّكاحِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مِن عَبِيدِكُمْ"، والجُمْهُورِ عَلى "مِن عِبادِكُمْ"، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ قَرِينَةَ التَرْفِيعِ بِالنِكاحِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

وهَذا الأمْرُ بِالنِكاحِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، فَفي نازِلَةٍ يَتَصَوَّرُ وُجُوبُهُ، وفي نازِلَةِ النَدْبُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا بِحَسْبَ ما قِيلَ في النِكاحِ.

ثُمْ وعَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِإغْناءِ الفُقَراءِ المُتَزَوِّجِينَ طَلَبًا لِرِضى اللهِ عنهم واعْتِصامًا مِن مَعاصِيهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: التَمَسُوا الغِنى في النِكاحِ، وقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: عَجَبِي مِمَّنْ لا يَطْلُبُ الغِنى بِالنِكاحِ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

قالَ النِقاشُ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن قالَ إنَّ القاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ إذا كانَ الزَوْجُ فَقِيرًا لا يَقْدِرُ عَلى النَفَقَةِ؛ لَأنَّ اللهَ قالَ: ﴿ يُغْنِهِمُ اللهُ ﴾ ولَمْ يَقِلْ: "يُفَرِّقُ بَيْنَهُما".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ ضَعِيفٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكَمًا فِيمَن عَجَزَ عَنِ النَفَقَةِ، وإنَّما هي وعْدٌ بِالإغْناءِ، كَما وعَدَ بِهِ تَعالى مَعَ التَفَرُّقِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ  ﴾ ، ونَفَحاتُ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَأْمُولَةٌ في كُلِّ حالٍ، مَوْعُودٌ بِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ نَحْوَ المَعْنى الَّذِي فِيهِ القَوْلُ، أيْ واسِعٌ الفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمُسْتَحِقِّ التَوْسِعَةِ والإغْناءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللهُ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ "اسْتَعَفَّ" وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ، ومَعْناهُ: طَلَبَ أنْ يَكُونَ عَفِيفًا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ النِكاحُ ولا يَجِدُهُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذَّرَ أنْ يَسْتَعِفَّ، ثُمْ لَمّا كانَ أغْلَبُ المَوانِعِ عَلى النِكاحِ عَدَمَ المالِ وعَدَ بِالإغْناءِ مِن فَضْلِهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَعُمُ الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ كُلَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النِكاحُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذَّرَ.

وقالَتْ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ: النِكاحُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ ما يُمْهَرُ ويُنْفَقُ في الزَواجِ كاللِحافِ واللِباسِ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ ولِما يُلْبَسُ، وحَمَلَهم عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، فَظَنُّوا أنَّ المَأْمُورَ بِالِاسْتِعْفافِ إنَّما هو مِن عَدِمُ المالَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ بِهِ، وفي هَذا القَوْلِ تَخْصِيصُ المَأْمُورِينَ بِالِاسْتِعْفافِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ كافَّةً أنْ يُكاتِبَ مِنهم كُلُّ مَن لَهُ مَمْلُوكٌ وطَلَبَ المَمْلُوكُ الكِتابَةَ وعَلِمْ سَيِّدُهُ مِنهُ خَيْرًا، قالَ النِقاشُ: سَبَبُها أنَّ غُلامًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى سَألَ مَوْلاهُ الكِتابَةَ فَأبى عَلَيْهِ، وقالَ مَكِّيٌّ: هو صُبَيْحٌ القِبْطِيُّ غُلامُ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، ولَفْظُ "الكِتابَ" في الآيَةِ مَصْدَرٌ كالقِتالِ والجِلادِ ونَحْوِهُ مِن مَصادِرِ فاعَلَ، و"الكِتابَةُ" فِعالَةٌ مِن حَيْثُ هَذا يَكْتُبُ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا عَلى نَفْسِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ هَذا الأمْرُ بِالكِتابَةِ عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ، عَلى قَوْلَيْنِ: فَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ذَلِكَ عَلى النَدْبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَلِكَ واجِبٌ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في سِيرِينَ، حِينَ سَألَ سِيرِينُ الكِتابَةَ فَتَلَكَّأ أنَسٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: كاتِبُهُ أو لَأضْرِبَنَّكَ بِالدِرَّةِ، وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ والضِحاكِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالخَيْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو المالُ، ولَمْ تَرَ عَلى سَيِّدِ عَبْدٍ أنْ يُكاتِبَ إلّا إذا عَلِمْ أنَّ لَهُ مالًا يُؤَدِّي مِنهُ أو مِنَ التَجْرِ فِيهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وسَلْمانَ أنَّهُما أبَيا مِن كِتابَةِ عَبْدَيْنِ رَغِبا في الكِتابَةِ ووَعَدا بِاسْتِرْفاقِ الناسِ، فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِعَبْدِهِ: أتُرِيدُ أنْ تُطْعِمَنِي أوساخَ الناسِ؟

وقالَ مالِكٌ: إنَّهُ لَيُقالُ: يُرادُ بِالخَيْرِ القُوَّةُ والأداءُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الخَيْرُ هو صِدْقُ المَوْعِدِ، وقِلَّةُ الكَذِبِ، والوَفاءُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مالٌ، وقالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: الخَيْرُ هو الصَلاحُ في الدِينِ، وهَذا في زَمَنِهِ القَوْلُ الَّذِي قَبِلَهُ.

والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وحُرْمَةُ العِتْقِ إنَّما يَتَلَبَّسُ بِها بَعْدَ الأداءِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إذا أدّى ثُلُثَ الكِتابَةِ فَهو عَتِيقٌ غَرِيمٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العَتاقَةُ تَجْرِي فِيهِ بِأوَّلِ نَجْمٍ يُؤَدِّيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أمْرٌ لِكُلِّ مُكاتِبٍ أنْ يَضَعَ لِلْعَبْدِ مِن مالِ كِتابَتَهُ، واسْتَحْسَنَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ رُبْعَ الكِتابَةِ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، واسْتَحْسَنَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ مَسْعُودٍ ثُلُثَها، وقالَ قَتادَةُ: عُشْرُها، ورَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أوَّلِ نُجُومِهِ مُبادَرَةً إلى الخَيْرِ وخَوْفًا ألّا يُدْرِكَ آخِرَها، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الوَضْعُ في آخِرِ نَجْمٍ، وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّهُ إذا وضَعَ مِن أوَّلِ نَجْمٍ رُبَّما عَجَزَ العَبْدُ فَرَجَعَ هو ومالُهُ إلى السَيِّدِ، فَعادَتْ إلَيْهِ وضِيعَتُهُ، وهي شِبْهُ الصَدَقَةِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ هَذا الأمْرَ عَلى النَدْبِ، ولَمْ يَرَ لِقَدْرِ الوَضْعِيَّةِ حَدّا، ورَأى الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ الوَضِيعَةَ واجِبَةً يَحْكم بِها الحاكِمْ عَلى المُكاتِبِ وعَلى ورَثَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ، وبُرَيْدَةُ: إنَّما الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ ﴾ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ في أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلى المُكاتَبِينَ، وأنْ يُعِينُوهم في فِكاكِ رِقابِهِمْ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما الخِطابُ لِوُلاةِ الأُمُورِ بِأنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَدَقَةِ حَظَّهُمْ، وهو الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: " وفي الرِقابِ ".

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ وَمَثَلًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٣٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنَ قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَتْ لَهُ أمَةٌ تُسَمّى مُسَيْكَةَ، وقِيلَ: مُعاذَةُ، فَكانَ يَأْمُرُها بِالزِنا والكَسْبِ بِهِ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى النَبِيِّ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ وفِيمَن فَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ المُنافِقِينَ».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا  ﴾ راجِعٌ إلى "الفَتَياتِ"، وذَلِكَ أنَّ الفَتاةَ إذا أرادَتِ التَحَصُّنَ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ ويُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ السَيِّدُ مُكْرِهًا، ويُمْكِنُ أنْ يُنْهى عَنِ الإكْراهِ، وإذا كانَتِ الفَتاةُ لا تُرِيدُ التَحَصُّنَ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ لِلسَّيِّدِ: لا تُكْرِهْها؛ لَأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ فِيها وهي مُرِيدَةٌ لِلزِّنى، فَهَذا أمْرٌ في [سادَةٍ وفَتَياتٍ] حالُهم هَذِهِ، وذَهَبَ هَذا النَظَرُ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا  ﴾ راجِعٌ إلى [الأيامى] في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا الشَرْطُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنْ أرَدْنَ" مُلْغًى، ونَحْوَ هَذا مِمّا ضَعُفَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.

و"عَرْضَ الحَياةِ الدُنْيا" في هَذِهِ الآيَةِ: الشَيْءُ الَّذِي تَكْتَسِبُهُ الأُمَّةُ بِفَرْجِها، ومَعْنى باقِي الآيَةِ: فَإنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِهِنَّ، وقَدْ يُتَصَوَّرُ الغُفْرانُ والرَحْمَةُ بِالمُكْرَهِينَ بَعْدَ أنْ تَقَعَ التَوْبَةُ مِن ذَلِكَ، فالمَعْنى: غَفُورٌ لِمَن تابَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ" بِزِيادَةِ "لَهُنَّ".

ثُمْ عَدَّدَ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ فِيما أنْزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ المُنِيراتِ، وفِيما ضَرَبَ لَهم مِن أمْثالِ الماضِينَ مِنَ الأُمَمِ لِيَقَعَ التَحَفُّظَ مِمّا وقَعَ أُولَئِكَ فِيهِ، وفِيما ذَكَرَ لَهم مِنَ المَواعِظِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُبَيَّناتٍ" بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: بَيَّنَها اللهُ تَعالى وأوضَحَها، وقَرَأ الحَسَنُ، وطِلْحَةُ، وعاصِمْ، والأعْمَشُ: "مُبَيِّناتٍ" بِكَسْرِ الياءِ، أيْ: بَيَّنَتِ الحَقَّ وأوضَحَتْهُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍۢ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ دُرِّىٌّۭ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌۭ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍۢ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورُ عَلى نُورُ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مِن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ "النُورُ" في كَلامِ العَرَبِ: الأضْواءُ المُدْرَكَةُ بِالبَصَرِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا فِيما صَحَّ مِنَ المَعانِي ولاحَ، فَيُقالُ: "كَلامٌ لَهُ نُورٌ"، ومِنهُ "الكِتابُ المُنِيرُ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نِسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مَن شَمْسِ الضُحى نُورًا ومَن فَلَقِ الصَباحِ عَمُودا واللهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَبَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ كالأضْواءِ المُدْرَكَةِ، ولَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَعْنى إلّا أنَّهُ أرادَ: اللهُ ذُو نُورِ السَماواتِ والأرْضِ، أيْ بِقُدْرَتِهِ أنارَتْ أضْواؤُها، واسْتَقامَتْ أُمُورُها، وقامَتْ مَصْنُوعاتُها، فالكَلامُ عَلى التَقْرِيرِ لِلذِّهْنِ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ نُورُ الأُمَّةِ، أيْ بِهِ قِوامُ أُمُورِها وصَلاحُ جُمْلَتِها، والأمْرُ في المَلِكِ مَجازٌ، وهو في صِفَةِ اللهِ تَعالى حَقِيقَةٌ مَحْضَةٌ؛ إذْ هو الَّذِي أبْدَعَ المَوْجُوداتِ، وخَلَقَ العَقْلَ نُورًا هادِيًا؛ لَأنَّ ظُهُورَ الوُجُودِ بِهِ حَصَلَ، كَما حَصَلَ بِالضَوْءِ ظُهُورُ المُبْصِراتِ، تَبارَكَ اللهُ لا رَبَّ سِواهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: دِينُ اللهِ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: هادِي أهْلَ السَماواتِ والأرْضِ.

والأوَّلُ أعَمُّ لِلْمَعانِي وأوضَحُ مَعَ التَأمُّلِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "اللهُ نَوَّرَ" بِفَتْحِ النُونِ والواوِ المُشَدَّدَةِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ فَعَلَ.

ورُوِيَ أنَّ اليَهُودَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَسَمُوا في تَأْوِيلِها، واعْتَرَضُوا مُحَمَّدًا  بِأنْ قالُوا: كَيْفَ هو نُورُ الأرْضِ والسَماءِ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ﴾ الآيَةُ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَنْتُمْ، وإنَّما هو نُورٌ بِأنَّهُ قِوامُ كُلِّ شَيْءٍ وخالِقُهُ ومُوجِدُهُ، مَثَلُ نُورِهِ كَذا وكَذا.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في "نُورِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَ كَعْبُ الأحْبارِ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  ، أيْ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ  ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضِحاكُ: هو عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِينَ"، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَتِهِ "مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ"، ورُوِيَ أنَّ فِيها "مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ"، وقالَ الحَسَنُ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ والإيمانِ، قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: "والأرْضِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ أقْوالٌ فِيها عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى مَن لَمْ يَجْرِ لَهُ ذَكْرٌ، وفِيها قَطْعُ المَعْنى المُرادِ بِالآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "نُورِهِ" عائِدٌ عَلى اللهُ تَعالى، ثُمُ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في المُرادِ بِالنُورِ الَّذِي أُضِيفَ إلى اللهِ تَعالى إضافَةَ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: سَماءُ اللهِ، وناقَةُ اللهِ، فَقالَ بَعْضُها: هو مُحَمَّدٌ  ، وقالَ بَعْضُها: هو المُؤْمِنُ، وقالَ بَعْضُها: هو الإيمانُ والقُرْآنُ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَّجِهَةٌ مُطَّرِدٌ مَعَها المَعْنى، فَكَأنَّ اليَهُودَ لَمّا تَأوَّلُوا ﴿ اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى الضَوْءِ قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما هو نُورٌ بِأنَّهُ قِوامُ كُلِّ شَيْءٍ وهادِيهِ، مَثَلُ نُورِهِ في مُحَمَّدٍ  ، أو في المُؤْمِنِ، أو في القُرْآنِ والإيمانِ كَمِشْكاةٍ، وهي الكُوَّةُ غَيْرُ النافِذَةِ فِيها القِنْدِيلُ ونَحْوَهُ.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ تَضْطَرِدُ فِيها مُقابَلَةُ جُزْءٍ مِنَ المِثالِ لِجُزْءٍ مِنَ المُمَثَّلِ، فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: "المُمَثَّلُ بِهِ مُحَمَّدٌ  -وَهُوَ قَوْلُ كَعْبِ الخَيْرِ - فَرَسُولُ اللهِ  هو المِشْكاةُ، أو صَدْرُهُ، والمِصْباحُ هو النُبُوَّةُ وما يَتَّصِلُ بِها مِن عَمَلِهِ وهُداهُ، والزُجاجَةُ قَلْبُهُ، والشَجَرَةُ المُبارَكَةُ هي الوَحْيُ والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللهِ إلَيْهِ وسَبَبُهُ المُتَّصِلُ بِهِ، والزَيْتُ هو الحُجَجُ والبَراهِينُ والآياتُ الَّتِي تَضَمَّنَها الوَحْيُ.

وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: "المُمَثَّلُ بِهِ المُؤْمِنُ" -وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - فالمِشْكاةُ صَدْرُهُ، والمِصْباحُ الإيمانُ والعِلْمُ، والزُجاجَةُ قَلْبُهُ، والشَجَرَةُ القُرْآنُ، وزَيْتُها هو الحُجَجُ والحِكْمَةُ الَّتِي تَضَمَّنَها، قالَ أُبَيٌّ: فَهو عَلى أحْسَنِ الحالِ يَمْشِي في الناسِ كالرَجُلِ الحَيِّ يَمْشِي في قُبُورِ الأمْواتِ.

ومِن قالَ: "إنِ المُمَثَّلَ بِهِ القُرْآنُ والإيمانُ" فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: مَثَلُ نُورِهِ -الَّذِي هو الإيمانُ في صَدْرِ المُؤْمِنِ- في قَلْبِهِ كَمِشْكاةٍ، أيْ: كَهَذِهِ الجُمْلَةِ.

وهَذا القَوْلُ لَيْسَ في مُقابَلَةِ التَشْبِيهِ كالأوَّلَيْنِ، لَأنَّ المِشْكاةَ لَيْسَتْ تَقابُلُ الإيمانَ.

وَتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ فِيهِ مُقابَلَةُ جُزْءٍ مِنَ المَثالِ لِجُزْءٍ مِنَ المُمَثَّلِ بِهِ، بَلْ وقَعَ التَشْبِيهُ فِيهِ جُمْلَةً بِجُمْلَةٍ، [وَذَلِكَ أنْ يُرِيدَ: مَثَلُ نُورِ اللهِ الَّذِي هو هُداهُ وإتْقانُهُ صَنْعَةَ كُلِّ مَخْلُوقٍ وبَراهِينُهُ الساطِعَةُ عَلى الجُمْلَةِ] كَهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ النُورِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أنْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ صِفاتِ النُورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِي الناسِ، أيْ: فَمَثَلُ نُورِ اللهِ في الوُضُوحِ كَهَذا الَّذِي هو مُنْتَهاكم أيُّها البَشَرُ.

و"المِشْكاةُ": الكُوَّةُ في الحائِطِ غَيْرِ النافِذَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ عِياضٍ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهي أجْمَعُ لِلضَّوْءِ، والمِصْباحُ فِيها أكْثَرُ إنارَةً مِنهُ في غَيْرِها، وقالَ مُجاهِدٌ: المِشْكاةُ: العَمُودُ الَّذِي يَكُونُ المِصْباحُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ أبُو مُوسى: المِشْكاةُ: الحَدِيدَةُ أوِ الرَصاصَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الفَتِيلُ في جَوْفِ الزُجاجَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: المِشْكاةُ: الحَدائِدُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها القِنْدِيلُ.

والأوَّلُ أصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي زُجاجَةٍ" لَأنَّهُ جِسْمٌ شَفّافٌ، المِصْباحُ فِيهِ أنْوَرُ مِنهُ في غَيْرِ الزُجاجِ.

و"المِصْباحُ": الفَتِيلُ بِنارِهِ.

وأمالَ الكِسائِيُّ -فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي - الألْفَ مِن "مِشْكاةٍ" فَكَسَرَ الكافَ الَّتِي قَبِلَها، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمْ: "فِي زَجاجَةٍ" بِفَتْحِ الزايِ و"الزَجاجَةُ" كَذَلِكَ، وهي لُغَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أيْ في الإنارَةِ والضَوْءِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مُعِنِّينَ: إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّها بِالمِصْباحِ كَذَلِكَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّها في نَفْسِها لِصَفائِها وجَوْدَةِ جَوْهَرِها كَذَلِكَ، وهَذا التَأْوِيلُ أبْلَغُ في التَعاوُنِ عَلى النُورِ، قالَ الضِحاكُ: الكَوْكَبُ الدُرِّيُّ هو الزَهْرَةُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ: "دُرِّيٌّ" بِضَمِّ الدالِ وشَدِّ الياءِ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: إمّا أنْ يُنْسَبَ الكَوْكَبُ إلى الدُرِّ لِبَياضِهِ وصَفائِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ "دُرِّيءٌ" مَهْمُوزٌ مِنَ الدُرّاءِ وهو الدَفْعُ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "دُرِّيءٌ" بِالهَمْزَةِ، وهو فَعِيلٌ مَنَّ الدُرّاءِ، بِمَعْنى أنَّها تَدْفَعُ بَعْضَها بَعْضًا، أو بِمَعْنى أنَّ بِها ما يَدْفَعُ خَفاءَها، وفَعِيلٌ بِناءٌ لا يُوجَدُ في الأسْماءِ إلّا في قَوْلِهِمْ: مَرِيقٌ لِلْعُصْفُرِ وفي السُرِّيَّةِ إذا اشْتُقَّتْ مِنَ السِرِّ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَلِيٍّ وضَعَّفَها غَيْرُهُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "دِرِّيءٌ" عَلى وزْنٍ فِعِيلٌ بِكَسْرِ الفاءِ، مِنَ الدَرْءِ، وهَذِهِ مُتَوَجِّهَةٌ.

وقَرَأ قَتادَةُ: "دَرِّيءَ" بِفَتْحِ الدالِ والهَمْزَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا عَزِيزٌ، وإنَّما حُفِظَ مِنهُ "السِكِّينَةُ" بِشَدِّ الكافِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو رَجاءٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمْ: "دَرِّيٌّ" بِفَتْحِ الدالِّ دُونَ هَمْزٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "تُوقَدُ" بِضَمِّ التاءِ، أيِ الزُجاجَةُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأهْلُ الكُوفَةِ، والحُسْنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَوَقَّدُ" بِفَتْحِ التاءِ والواوِ وشَدِّ القافِ وضَمِّ الدالِّ، أيِ الزُجاجَةُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ: "تَوَقَّدُ" بِفَتْحِ التاءِ والدالِ، أيِ المِصْباحُ، وقَرَأ عاصِمْ -فِيما رَوى عنهُ إسْماعِيلُ - "يُوقَدُ" بِالياءِ المَرْفُوعَةِ، عَلى مَعْنى: يُوقَدُ المِصْباحُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَرَأ السُلَمِيُّ، والحُسْنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وسَلّامٌ، وقَتادَةُ: "يَوَقَّدُ" بِفَتْحِ الياءِ والواوِ والقافِ المُشَدَّدَةِ ورَفْعِ الدالِّ، أصْلُهُ: يَتَوَقَّدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن شَجَرَةٍ" أيْ: مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، و"المُبارَكَةُ": المُنَمّاةُ، و"الزَيْتُونُ" مِن أعْظَمِ الثِمارِ نَماءً واطِّرادَ أفْنانٍ وغَضارَةً ولا سِيَّما بِالشامِ، والرُمّانُ كَذَلِكَ، والعِيانُ يَقْضِي بِذَلِكَ، وقَوْلُ أبِي طالِبٍ يَرْثِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: لَيْتَ شِعْرِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْـ ∗∗∗ ـرٍو، ولَيْتَ يَقُولُها المَحْزُونُ ∗∗∗ بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ الرُمّانُ والزَيْتُونُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ فِيهِما بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "زَيْتُونَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ" بِالرَفْعِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما حَكى عنهُ الطَبَرِيُّ -: مَعْناهُ أنَّها شَجَرَةٌ في دَوْحَةٍ قَدْ أحاطَتْ بِها فَهي غَيْرُ مُنْكَشِفَةٍ مِن جِهَةِ الشَرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ عِنْدِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لَأنَّ الوُجُودَ يَقْتَضِي أنَّ الشَجَرَةَ الَّتِي تَكُونُ بِهَذِهِ الصِفَةِ يَنْفَذُ جَناها.

وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَجَرَةُ مِن شَجَرِ الدُنْيا، وإنَّما هو مِثْلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِنُورِهِ، ولَوْ كانَتْ في الدُنْيا لَكانَتْ إمّا شَرْقِيَّةً وإمّا غَرْبِيَّةً.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ أنَّها مِن شَجَرِ الشامِ ؛ لَأنَّ شَجَرَ الشامِ هي أفْضَلُ الشَجَرِ، ومِنَ الأرْضِ المُبارَكَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ أنَّها في مُنْكَشَفٍ مِنَ الأرْضِ، تُصِيبُها الشَمْسُ طُولَ النَهارِ، تَسْتَدِيرُ عَلَيْها، فَلَيْسَتْ خالِصَةً لِلشَّرْقِ فَتُسَمّى شَرْقِيَّةً، ولا لِلْغَرْبِ فَتُسَمّى غَرْبِيَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ مُبالَغَةً في صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ وحُسْنِهِ وجَوْدَتِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَمْسَسْهُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ أيْ هَذِهِ كُلُّها مُعاوِنٌ تَكامَلَ بِها هَذا النُورُ المُمَثَّلُ بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ تَمَّ المِثالُ.

ثُمْ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى هُداهُ لِنُورِهِ مَن شاءَ وأسْعَدَ مِن عِبادِهِ، وذَكَرَ تَفَضُّلَهُ في ضَرْبِ الأفْعالِ لِلْعِبادِ لِيَقَعَ لَهُمُ العِبْرَةُ والنَظَرُ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ٣٦ رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ٣٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عن ذِكْرِ اللهِ وإقامِ الصَلاةِ وإيتاءِ الزَكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ الباءُ في "بُيُوتٍ" تَضُمْ وتُكْسَرُ، واخْتُلِفَ في الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فِي" فَقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "مِصْباحٌ"، قالَ أبُو حاتِمْ: وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُسَبِّحُ" المُتَأخِّرُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُوقِفُ عَلى "عَلِيمٌ"، قالَ الرُمّانِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُوقَدُ".

واخْتَلَفَ الناسُ في البُيُوتِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والحُسْنُ، ومُجاهِدٌ: هي المَساجِدُ المَخْصُوصَةُ لِلَّهِ تَعالى الَّتِي مِن عادَتِها أنَّ تُنَوَّرَ بِذَلِكَ النَوْعِ مِنَ المَصابِيحِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أرادَ / بَيْتَ المَقْدِسِ، وسَمّاهُ بُيُوتًا مِن حَيْثُ فِيهِ مَواضِعُ يَتَحَيَّزُ بَعْضُها عن بَعْضٍ، ويُؤْثَرُ أنَّ عادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ في وقِيدِ بَيْتِ المَقْدِسِ كانَتْ غايَةً في التَهَمُّمْ بِهِ، وكانَ الزَيْتُ مُنْتَخَبًا مَخْتُومًا عَلى ظُرُوفِهِ، قَدْ صُنِعَ صَنْعَةً وقَدِّسَ حَتّى لا يَجْزِيَ الوَقِيدُ بِغَيْرِهِ، فَكانَ أضْوَأ بُيُوتِ الأرْضِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ بُيُوتَ الإيمانِ عَلى الإطْلاقِ، مَساجِدَ ومَساكِنَ، فَهي الَّتِي يَسْتَصْبِحُ فِيها بِاللَيْلِ لِلصَّلاةِ وقِراءَةُ العِلْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بُيُوتَ النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ يُقَوِّي أنَّها المَساجِدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أذِنَ" بِمَعْنى أمَرَ وقَضى، وحَقِيقَةُ الإذْنِ العِلْمُ والتَمْكِينُ دُونَ حَظْرٍ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أمْرٌ وإنْفاذٌ كانَ أقْوى، و"تُرْفَعَ" قِيلَ: مَعْناهُ تُبْنى وتُعْلى، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، فَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ  ﴾ ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : «مَن بَنى مَسْجِدًا مِن مالِهِ بَنى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ»، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ تَعْظُمْ ويُرْفَعُ شَأْنُها.

و"ذِكْرُ اسْمِهِ تَعالى" هو بِالصَلاةِ والعِبادَةِ قَوْلًا وفِعْلًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ: "يُسَبَّحُ" بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "يُسَبِّحُ" بِكَسْرِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، فِـ "رِجالٌ" -عَلى القِراءَةِ الأولى- مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يُسَبِّحُ"، تَقْدِيرُهُ: يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، فَهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ......................

أيْ: يَبْكِيهِ ضارَعٌ، و"رِجالٌ" -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- مُرْتَفِعٌ بِـ "يُسَبِّحُ" الظاهِرُ، ورُوِيَ عن يَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُ قَرَأ: "تُسَبِّحُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

و"الغُدُوُّ والآصالُ" قالَ الضِحاكُ: أرادَ الصُبْحَ والظَهْرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ رَكْعَتِي الضُحى والعَصْرَ، وإنَّ رَكْعَتِي الضُحى لَفي كِتابِ اللهِ تَعالى، وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالِ".

ثُمْ وصَفَ اللهُ تَعالى المُسَبِّحِينَ بِأنَّهم لِمُراقَبَتِهِمْ أمْرَ اللهِ تَعالى وطَلَبِهِمْ لِرِضاهُ لا يَشْغَلُهم عَنِ الصَلاةِ وذِكْرِ اللهِ شَيْءٌ مِن أُمُورِ الدُنْيا.

وقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الأسْواقِ الَّذِينَ إذا سَمِعُوا النِداءَ بِالصَلاةِ تَرَكُوا كُلَّ شُغْلٍ وبادَرُوا إلَيْها، ورَأى سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أهْلَ الأسْواقِ وهم مُقْبِلُونَ إلى الصَلاةِ فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرادَ اللهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عن ذِكْرِ اللهِ ﴾ ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَ "إقامِ" مُصْدَرٌ مَن أقامَ يُقِيمُ، أصْلُهُ إقْوامٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فَبَقِيَتْ ساكِنَةً والألْفُ ساكِنَةٌ، فَحُذِفَتِ الواوَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، فَجاءَ "إقامِ"، فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو مَصْدَرٌ بِنَفْسِهِ قَدْ لا يُضافُ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أقَمْتُهُ إقامًا، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ مُضافًا، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وقالَ بَعْضُهم مِن حَيْثُ رَأوهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا: أُلْحِقَتْ بِهِ هاءٌ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ فَجاءَ "إقامَةً"، فَهم إذا أضافُوهُ حَذَفُوا العِوَضَ لِاسْتِغْنائِهِمْ عنهُ، فَإنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كاسْمٍ واحِدٍ.

و"الزَكاةِ" هُنا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الطاعَةُ لِلَّهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ في المالِ.

و"اليَوْمُ المُخَوِّفُ" الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هو يَوْمُ القِيامَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ، كَيْفَ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَرى الناسُ الحَقائِقَ عِيانًا فَتَتَقَلَّبُ قُلُوبُ الشاكِينَ ومُعْتَقِدِي الضَلالِ عن مُعْتَقَداتِها إلى اعْتِقادِ الحَقِّ عَلى وجْهِهِ، وكَذَلِكَ الأبْصارُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَقَلُّبٌ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، ومَقْصِدُ الآيَةِ هو وصْفُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ.

فَأمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَلَيْسَ يَقْتَضِي هَوْلًا، وأمّا الثانِي فَلَيْسَ التَقَلُّبُ في جَمْرِ جَهَنَّمَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما هو بَعْدَهُ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ ذَلِكَ -لِشِدَّةِ هَوْلِهِ ومَطْلَعِهِ- القُلُوبُ والأبْصارُ فِيهِ مُضْطَرِبَةٌ قَلِقَةٌ مُتَقَلِّبَةٌ مِن طَمَعٍ في النَجاةِ إلى طَمَعٍ، ومِن حَذَرِ هَلاكٍ إلى حَذَرٍ، ومِن نَظَرٍ في هَوْلٍ إلى النَظَرِ في الآخَرِ.

والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا المَعْنى في الحُرُوبِ ونَحْوِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بَلْ كانَ قَلْبُكَ في جَناحَيْ طائِرِ ومِنهُ قَوْلٌ بِشارٍ: كَأنَّ فُؤادَهُ كُرَةٌ تَنَزّى ∗∗∗........................

وهَذا كَثِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٣٨ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًۭٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٣٩ أَوْ كَظُلُمَـٰتٍۢ فِى بَحْرٍۢ لُّجِّىٍّۢ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌۭ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللهُ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ أو كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَجْزِيَهُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلُوا ذَلِكَ، ويَسَّرُوا لِذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "يُسَبِّحُ".

وقَوْلُهُ: "أحْسَنَ ما عَمِلُوا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنَ ما عَمِلُوا، ثُمْ وعَدَهم عَزَّ وجَلَّ بِالزِيادَةِ مِن فَضْلِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهُمْ، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ، ثُمْ ذَكَرَ أنَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ، ويَخُصُّهُ بِما يَشاءُ مِن رَحْمَتِهِ دُونَ حِسابٍ ولا تَعْدِيدٍ، وكُلُّ تَفَضُّلٍ لِلَّهِ فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، وكُلُّ جَزاءٍ عَلى عَمَلِ فَهو بِحِسابٍ.

ولِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حالَةَ الإيمانِ والمُؤْمِنِينَ وتَنْوِيرِهِ قُلُوبَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وأعْمالِهِمْ، فَمَثَّلَ لَها ولَهم تَمْثِيلَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما يَقْتَضِي حالَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ مِن أنَّها غَيْرُ نافِعَةٍ ولا مُجْدِيَةٍ، والثانِي يَقْتَضِي حالها في الدُنْيا مِن أنَّها في الغايَةِ مِنَ الضَلالِ والغُمَّةِ الَّتِي مَثَّلَها ما ذَكَرَ مِن تَناهِي الظُلْمَةِ في قَوْلِهِ: "أو كَظُلُماتٍ".

و"السَرابُ": ما تَرَقْرَقَ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ، وأوهَمَ الناظِرَ إلَيْهِ عَلى البُعْدِ أنَّهُ ماءٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ يَنْسَرِبُ كالماءِ، فَكَذَلِكَ أعْمالُ الكافِرِ، يَظُنُّ في دُنْياهُ أنَّها نافِعَتُهُ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَجِدْها شَيْئًا، فَهي كالسَرابِ الَّذِي يَظُنُّهُ الرائِي العَطْشانُ ماءً، فَإذا قَصَدَهُ وأتْعَبَ نَفْسَهُ بِالوُصُولِ إلَيْهِ لَمْ يَجُدْ شَيْئًا، و"القِيعَةُ": جَمْعُ قاعٍ، كَجارٍ وجِيرَةٍ، والقاعُ: المُنْخَفِضُ البِساطُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  فِي مانِعِ زَكاةِ الأنْعامِ: فَيُبْطَحُ لَها بِقاعٍ قَرْقَرٍ».

وقِيلَ: القِيعَةُ مُفْرِدٌ، وهو بِمَعْنى القاعُ.

وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "بِقِيعاتٍ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ بِخِلافٍ-: "الظَمَآنُ" بِفَتْحِ المِيمِ وطَرْحِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى المِيمِ وتَرَكَ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ يُرِيدُ: شَيْئًا نافِعًا في العَطَشِ، أو يُرِيدُ: شَيْئًا مَوْجُودًا عَلى العُمُومِ، ويُرِيدُ بِـ "جاءَهُ": جاءَ مَوْضِعَهُ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "جاءَهُ" عَلى السَرابِ، ثُمْ يَكُونُ في الكَلامِ بَعْدَ ذَلِكَ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ يُظَنُّ عَمَلَهُ نافِعًا حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ أنْ يُعُودَ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "أعْمالُهُمْ"، ويَكُونُ تَمامُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: "ماءً"، ويَسْتَغْنِي الكَلامُ عن مَتْرُوكٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، لَكِنْ يَكُونُ في المَثَلِ إيجازٌ واقْتِضابٌ لِوُضُوحِ المَعْنى المُرادِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ ﴾ أيْ: بِالمَجازاتِ، والضَمِيرِ في "عِنْدَهُ" عائِدٌ عَلى العِلْمِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، فِيهِ تُوعَدٌ وسُرْعَةُ الحِسابِ مِن حَيْثُ هو بِعِلْمٍ لا تَكَلُّفُ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أو كَظُلُماتٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "كَسَرابٍ"، وهَذا المِثالُ الأخِيرُ تَضَمَّنَ صِفَةَ أعْمالِهِمْ في الدُنْيا، أيْ إنَّهم مِنَ الضَلالِ ونَحْوَهُ في مِثْلِ هَذِهِ الظُلْمَةِ المُجْتَمِعَةِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ في هَذا المِثالِ أجْزاءً تُقابِلُ أجْزاءً مِنَ المُمَثَّلِ، فَقالَ: الظُلُماتُ: الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ، والبَحْرُ اللُجِّيُّ: صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ، واللُجِّيُّ مَعْناهُ ذُو اللُجَّةِ وهي مُعْظَمُ الماءِ وغَمْرُهُ، واجْتِماعُ مائِهِ أشَدُّ لِظُلْمَتِهِ، والمَوْجُ هو الضَلالُ أوِ الجَهالَةُ الَّتِي غَمَرَتْ قَلْبَهُ، والفِكْرُ المُعْوَجَّةُ، والسَحابُ هو شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ وما رِينَ بِهِ عَلى قَلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ سائِغٌ، وألّا يُقَدَّرَ هَذا التَقابُلُ سائِغٌ.

وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "أو كَظُلُماتٍ" بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ قَنْبَلٍ -: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "ظُلُماتٍ" الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي بَزَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "سَحابُ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ عَلى "ظُلُماتٍ".

وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ لَفْظٌ يَقْتَضِي مُبالَغَةَ الظُلْمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا اللَفْظِ، هَلْ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الرَجُلَ -المُقَدَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ وأخْرَجَ يَدَهُ- رَأى يَدَهُ أو لَمْ يَرَها البَتَّةَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَها جُمْلَةً، وذَلِكَ أنْ "كادَ" مَعْناها قارَبَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يُقارِبْ رُؤْيَتَها، وهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الرُؤْيَةِ جُمْلَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَآها بَعْدَ عُسْرٍ وشِدَّةٍ، وكانَ ألّا يَراها، ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ "كادَ" إذا صَحِبَها حَرْفُ النَفْيِ وجَبَ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، وإذا لَمْ يَصْحَبْها انْتَفى الفِعْلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لازِمْ مَتى كانَ حَرْفُ النَفْيِ بَعْدَ "كادَ" داخِلًا عَلى الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، تَقُولُ: "كادَ زَيْدٌ يَقُومُ" فالقِيامُ مَنفِيٌّ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ زَيْدٌ ألّا يَقُومَ" فالقِيامُ واجِبٌ واقِعٌ، وتَقُولَ: "كادَ النَعامُ يَطِيرُ"، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الطَيَرانِ عنهُ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ النَعامُ ألّا يَطِيرَ" وجَبَ الطَيَرانُ لَهُ، فَإذا كانَ حَرْفُ النَفْيِ مَعَ "كادَ" فالأمْرُ مُحْتَمَلٌ، مَرَّةً يُوجِبُ الفِعْلَ، ومَرَّةً يَنْفِيهِ، تَقُولُ: "المَفْلُوجُ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ تَضَمَّنَ نَفْيَ السُكُونِ، وتَقُولُ: "رَجُلٌ مُتَكَلِّمْ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ يَتَضَمَّنُ إيجابَ السُكُونِ بَعْدَ جُهْدٍ ونادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" تَضَمِّنَ وُجُوبَ الذَبْحِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" يَتَضَمَّنُ في أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ نَفْيَ الرُؤْيَةِ، ولِهَذا ونَحْوَهُ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: "إنَّ أفْعالَ المُقارَبَةِ لَها نَحْوٌ آخَرُ" بِمَعْنى أنَّها دَقِيقَةُ التَصَرُّفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: في الدُنْيا، أيْ: مَن لَمْ يَهْدِهِ اللهُ لَمْ يَهْتَدِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: في الآخِرَةِ، أيْ: مَن لَمْ يَرْحَمْهُ اللهُ ويُنَوِّرْ حالَهَ بِالعَفْوِ والرَحْمَةِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وألْيَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ، وأيْضًا فَذَلِكَ مُتَلازِمْ، نُورُ الآخِرَةِ إنَّما هو لِمَن نَوَّرَ قَلْبَهُ في الدُنْيا وهُدِيَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ مَن مَرَّ لِآخِرَتِهِ عَلى كُفْرِهِ فَهو غَيْرُ مَرْحُومٍ ولا مَغْفُورٍ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَـٰٓفَّـٰتٍۢ ۖ كُلٌّۭ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ٤١ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ٤٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ والطَيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ "ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ الفِكْرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّهُ قالَ: انْتَبِهْ، اللهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ، و"التَسْبِيحُ" هُنا التَعْظِيمُ والتَنْزِيهُ، فَهو مِنَ العُقَلاءِ بِالنُطْقِ وبِالصَلاةِ مِن كُلِّ ذِي دِينٍ، واخْتُلِفَ في تَسْبِيحِ الطَيْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ ورَدَ الكِتابُ بِتَسْبِيحِهِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو لَفْظُ تَجَوُّزٍ، وإنَّما تَسْبِيحُهُ بِظُهُورِ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو -لِذَلِكَ- يَدْعُو إلى التَسْبِيحِ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ عامَّةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، مَن لَهُ عَقْلٌ وسائِرُ الجَماداتِ، لَكِنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ ذَلِكَ عَبَّرَ عنهُ بِـ "مَن" تَغْلِيبًا لِحُكْمِ مَن يَعْقِلُ.

و"صافّاتٍ" مَعْناهُ: مُصْطَفَّةٌ في الهَواءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "والطَيْرُ" بِنَصْبِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "والطَيْرُ صافّاتٌ" مَرْفُوعَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمْ صَلاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَ نَفْسِهِ، فَهو يُثابِرُ عَلَيْهِما ويُؤَدِّيهِما، قالَ مُجاهِدٌ: الصَلاةُ لِلْبِشْرِ والتَسْبِيحُ لِما عَداهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمْ صَلاةَ اللهِ وتَسْبِيحَ اللهِ اللَذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، وقالَ الزُجاجُ وغَيْرُهُ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمُ اللهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، فالضَمِيرانِ لِلْكُلِّ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عُلِمْ صَلاتُهِ وتَسْبِيحُهِ" بِالرَفْعِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ذَكَرَها أبُو حاتِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ في وصْفِ قُدْرَةِ اللهِ وعِلْمِهِ بِخَلْقِهِ، وقَرَأ عِيسى، والحُسْنُ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، فَفِيهِ المَعْنى المَذْكُورُ وزِيادَةُ الوَعِيدِ والتَخْوِيفِ مِنَ اللهِ تَعالى، وإعْلامٌ بَعْدُ بِكَوْنِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ لَهُ، وتَذْكِيرُهُ بِأمْرِ المَصِيرِ إلَيْهِ والحَشْرُ يُقَوِّي أمْرَ التَخْوِيفِ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "واللهُ بَصِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ".

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَابًۭا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُۥ ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ رُكَامًۭا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍۢ فِيهَا مِنۢ بَرَدٍۢ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَـٰرِ ٤٣ يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ٤٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِن السَماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مِن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عن مِن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ﴾ ﴿ يُقَلِّبُ اللهُ اللَيْلَ والنَهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ "الرُؤْيَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ، والتَقْدِيرُ: أنَّ أمْرَ اللهِ وقُدْرَتَهُ.

و"يُزْجِي" مَعْناهُ: يَسُوقُ، والإزْجاءُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ كُلِّ ثَقِيلٍ ومُدافَعَتِهِ كالسَحابِ والإبِلِ المَزاحِفِ، كَما قالَ الفَرَزْدَقُ: .............................

عَلى مَزاحِفَ تُزْجِيها مَحاسِيرُ والبِضاعَةُ المُزْجاةُ: الَّتِي تَحْتاجُ مِنَ الشَفاعَةِ والتَحْسِينِ إلى ما هو كَسَوْقِ الثَقِيلِ، ومِنهُ قَوْلُ حَبِيبٍ في الشَيْبِ: "وَنَحْنُ نُزْجِيهِ" وسِيبَوَيْهِ أبَدًا يَقُولُ في كَلامِهِ: "فَأنْتَ تُزْجِيهِ إلى كَذا"، أيْ تَسُوقُهُ ثَقِيلًا مُتَباطِئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أيْ بَيْنَ مُفْتَرَقِ السَحابِ نَفْسِهِ؛ لَأنَّ مَفْهُومَ السَحابِ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَهُ فُرُوجًا، وهَذا كَما تَقُولُ: جَلَسْتُ بَيْنَ الدُورِ، ولَوْ أُضِيفَتْ "بَيْنَ" إلى مُفْرَدٍ لَمْ يَصِحَّ إلّا أنْ تُرِيدَ آخَرَ، لا تَقُولُ: "جَلَسْتُ بَيْنَ الدارِ" إلّا أنْ تُرِيدَ: "وَبَيْنَ كَذا".

ووِرَشٌ عن نافِعٍ لا يَهْمِزُ "يُؤَلِّفُ"، وقالُونَ عن نافِعٍ، والباقُونَ يَهْمِزُونَ "يُؤَلِّفُ"، وهو الأصْلُ.

و"الرُكامُ": الَّذِي يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويَتَكاثَفُ، والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّ اللهَ تَعالى إذا جَعَلَ السَحابَ رُكامًا بِالرِيحِ عَصْرَ بَعْضَهُ بَعْضًا فَخَرَجَ الوَدْقُ مِنهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا  ﴾ ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: كِلْتاهُما حَلَبُ العَصِيرِ فَعاطِنِي ∗∗∗ بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمَفْصِلِ وَيُرْوى "لِلْمِفْصَلِ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِفَتْحِ الصادِ، فالمِفْصَلُ: واحِدُ المَفاصِلِ، والمَفْصِلُ: اللِسانُ، ويُرْوى بِالقافِ، أرادَ حَسّانُ الخَمْرَ والماءَ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ، أيْ: هَذِهِ مِن عَصْرِ العِنَبِ وهَذِهِ مِن عَصْرِ السَحابِ، فَسَّرَ هَذا التَفْسِيرَ قاضِي البَصْرَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ حَلَفَ صاحِبُهم بِالطَلاقِ أنْ يَسْألَ القاضِي عن تَفْسِيرِ بَيْتِ حَسّانَ.

و"الوَدْقَ": المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودَقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبَقَلَ إبْقالَها وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِن خِلالِهِ" وهو جَمْعُ خَلَلٍ، كَجَبَلٍ وجِبالٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضِحاكُ: "مِن خَلَلِهِ".

وقَرَأ عاصِمْ، والأعْرَجُ: "وَيُنَزِّلُ" عَلى المُبالَغَةِ، والجُمْهُورُ عَلى التَخْفِيفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ ﴾ قِيلَ: تِلْكَ حَقِيقَةٌ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى في السَماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، وإنَّما أرادَ وصْفَ كَثْرَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: عِنْدَ فُلانٍ جِبالٌ مِنَ المالِ، وجِبالٌ مِنَ العِلْمِ، أيْ في الكَثْرَةِ مِثْلَ الجِبالِ، وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ تَقْدِيرُهُ زِيادَةَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن بَرَدٍ"، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ السَماءِ" هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن جِبالٍ" هي لِلتَّبْعِيضِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن بَرَدٍ" هي لِبَيانِ الجِنْسِ.

وَ "السَنّا" (مَقْصُورٌ): الضَوْءُ، و"السَناءُ" (مَمْدُودًا): المَجْدُ والِارْتِفاعُ في المَنزِلَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَنا" بِالقَصْرِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَناءَ" بِالمَدِّ والهَمْزِ، وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا: "بُرَقِهِ" بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الراءِ، وهي جَمْعُ بُرْقَةٍ -بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الراءِ- فُعْلَةٍ، وهي القَدْرُ مِنَ البَرْقِ، كَلُقْمَةٍ ولُقَمٍ وغُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَذْهَبُ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "يَذْهَبُ" بِضَمِّها، مَن أذْهَبَ، كَأنَّ التَقْدِيرَ: يُذْهِبُ النُفُوسَ بِالأبْصارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُهْنِ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ [الحَجُّ: ٢٥] فالباءُ زائِدَةٌ دالَّةٌ عَلى فِعْلٍ يُناسِبُها.

ثُمُ اقْتَضَتْ ألْفاظُ الآيَةِ الإخْبارَ عن تَقْلِيبِ اللَيْلِ والنَهارِ، والإتْيانِ بِهَذا بَعْدَ هَذا دُونَ تَوْطِئَةٍ، وهَذا هو الَّذِي تَعْجِزُ عنهُ الفُصَحاءُ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَخْلِيقُ في الألْفاظِ والتَوْطِئَةُ بِالكَلامِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِۦ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰٓ أَرْبَعٍۢ ۚ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٤٥ لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٤٦ وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٧ وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ٤٨ وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ٤٩ أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ ۚ بَلْ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٥٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مِن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إنَّ اللهُ عَلى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ ﴿ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمِ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واللهُ خالِقُ كُلِّ" عَلى الإضافَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واللهُ خَلَقَ كُلَّ"، و"الدابَّةُ": كُلُّ مَن يَدِبُّ مِنَ الحَيَوانِ، أيْ يَتَحَرَّكُ مُنْتَقِلًا أمامَهُ قُدُمًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الطَيْرُ إذْ قَدْ يَدِبُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .....................

دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الحُوتُ، وفي الحَدِيثِ «دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلَ الظَرَبِ»، وقَوْلُهُ: "مِن ماءٍ" قالَ النَقاشُ: أرادَ أمْنِيَةَ الذُكُورِ، وقالَ جُمْهُورُ النَظْرَةِ: أرادَ أنَّ خِلْقَةَ كُلِّ حَيَوانٍ أنَّ فِيها ماءً كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ الماءِ والطِينِ، وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِلشَّيْخِ الَّذِي سَألَ في غُزاةِ بَدْرٍ: مِمَّنْ أنْتُما؟

فَقالَ النَبِيُّ  : نَحْنُ مِن ماءٍ»، الحَدِيثُ.

والمَشْيُ عَلى البَطْنِ لِلْحَيّاتِ والحُوتِ ونَحْوَهُ مِنَ الدُودِ وغَيْرِهِ، وعَلى الرِجْلَيْنِ لِلْإنْسانِ والطَيْرِ إذا مَشى، والأرْبَعِ لِسائِرِ الحَيَوانِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ"، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ، ولَكِنَّهُ قُرْآنٌ لَمْ يُثْبِتْهُ الإجْماعُ، لَكِنْ قالَ النَقاشُ: إنَّما اكْتَفى القَوْلُ بِذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ عن ذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ لَأنَّ جَمِيعَ الحَيَوانِ إنَّما اعْتِمادُهُ عَلى أرْبَعٍ، وهي قِوامُ مَشْيِهِ، وكَثْرَةُ الأرْجُلِ في بَعْضِهِ زِيادَةٌ في الخِلْقَةِ لا يَحْتاجُ ذَلِكَ الحَيَوانُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ تِلْكَ الأرْجُلَ الكَثِيرَةَ لَيْسَتْ باطِلًا، بَلْ هي مُحْتاجٌ إلَيْها في تَنَقُّلِ الحَيَوانِ، وفي كُلِّها تَتَحَرَّكُ في تَصَرُّفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ يَعُمْ كُلَّ ما نَصَبَ اللهُ تَعالى مِن آيَةٍ وصَنَعَهُ لِلْعِبْرَةِ، وكُلَّ ما نَصَّ في كِتابِهِ مِن آيَةِ تَنْبِيهٍ وتَذْكِيرٍ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الآياتِ ثُمْ قَيَّدَ الهِدايَةَ إلَيْها لَأنَّهُ مِن قِبَلِهِ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وسَبَبُها فِيما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ اسْمُهُ بِشْرٌ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى التَحاكم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  ، وكانَ المُنافِقُ مُبْطِلًا، فَأبى مِن ذَلِكَ ودَعا اليَهُودُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ»، وأسْنَدَ الزَهْراوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: مَن دَعاهُ خَصْمُهُ إلى حَكَمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهو ظالِمْ.

و"مُذْعِنِينَ" أيْ مُظْهِرِينَ لِلِانْقِيادِ والطاعَةِ، وهم إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ حَيْثُ أيْقَنُوا بِالنَجْحِ، وأمّا إذا طَلَبُوا بِحَقٍّ فَهم عنهُ مُعْرِضُونَ.

ثُمْ وقَّفَهم تَعالى عَلى أسْبابِ فِعْلِهِمْ تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ، أيْ لِيُقِرُّوا بِأحَدٍ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ أو مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، فَهو بَلِيغٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ البَيْتُ....................

ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الظالِمُونَ، وقالَ: ﴿ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ الرَسُولَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما يَحْكم بِأمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ.

والحَيْفُ: المَيْلُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٥١ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ٥٢ ۞ وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا۟ ۖ طَاعَةٌۭ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ٥٣ قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ٥٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَسُولَ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "قَوْلَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قَوْلُ" بِالرَفْعِ، واخْتُلِفَ عَنِ الآخِرَيْنِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: شَرْطُ "كانَ" أنْ يَكُونَ اسْمُها أعْرَفُ مَن خَبَرِها، فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ أقْوى، والمَعْنى: إنَّما كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَهُ المُؤْمِنُونَ إذا دُعُوا إلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَـ "كانَ" هَذِهِ لَيْسَتْ إخْبارًا عَنِ الماضِي، وإنَّما كَقَوْلِ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةً أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ  ، وجُعِلَ الدُعاءُ إلى اللهِ مِن حَيْثُ هو إلى شَرْعِهِ ودِينِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَحْكُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ، والحَسَنُ: "لِيُحْكَمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"المُفْلِحُونَ": البالِغُونَ آمالَهم في دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ.

و"جَهْدُ اليَمِينِ" بُلُوغُ الغايَةِ في تَعْقِيدِها، و"لَيَخْرُجُنَ" مَعْناهُ: إلى الغَزْوِ، وهَذِهِ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا حِينَ دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ: أحَدُها النَهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ؛ إذْ عُرِفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ، طاعَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكُمْ، وفي هَذا الوَجْهُ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ، والثالِثُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ، طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم هو المَطْلُوبُ مِنكُمْ، والرابِعُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تُقْنِعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمِ، طاعَةُ اللهِ مَعْرُوفَةٌ، وشَرْعُهُ وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهِيعٌ لائِحٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تُقْسِمُوا ﴾ ، و ﴿ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ اعْتِراضٌ بَلِيغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وكُلِّ مَن يَسْتَعْلِي عن أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُ: "تَوَلَّوْا" مَعْناهُ: تَتَوَلَّوْا، مَحْذُوفُ التاءِ الواحِدَةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ ﴾ ، ولَوْ جَعَلْنا "تَوَلَّوْا" فِعْلًا ماضِيًا وقَدَّرْنا في الكَلامِ خُرُوجًا مِن خِطابِ الحاضِرِ إلى ذِكْرِ الغائِبِ لاقْتَضى الكَلامُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا".

والَّذِي حُمِّلَ رَسُولُ اللهِ  هو التَبْلِيغُ ومُكافَحَةُ الناسِ بِالرِسالَةِ وإعْمالُهُ الجَهْدَ في إنْذارِهِمْ، والَّذِي حُمِّلَ الناسُ هو السَمْعُ والطاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -رِوايَةُ ورْشٍ -: "وَيَتَّقِهِي" بِياءٍ بَعْدَ الهاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو الوَجْهُ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "وَيَتَّقِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ لا يَبْلُغُ بِها الياءَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "وَيَتَّقِهْ" جَزْمًا لِلْهاءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "وَيَتَّقْهِ" بِسُكُونِ وكَسْرِ الهاءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٥٥ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٥٦ لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٥٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا الرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "اسْتُخْلِفَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ  شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ" يُرِيدُ: في البِلادِ الَّتِي تُجاوِرُهم والأصْقاعِ الَّتِي قَضى بِامْتِدادِهِمْ إلَيْها، واسْتِخْلافُهم هو أنْ يُمَلِّكَهُمُ البِلادَ ويَجْعَلَهم أهْلَها كَما جَرى في الشامِ وفي العِراقِ وخُراسانَ والمَغْرِبِ، وقالَ الضِحاكُ في كِتابِ النَقاشِ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم لَأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ في الآيَةِ أنَّها في اسْتِخْلافِ الجُمْهُورِ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" لامُ القَسَمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "وَلِيُبَدِّلَنَّهُمْ" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - والحَسَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وجاءَ في مَعْنى تَبْدِيلِ خَوْفِهِمْ بِالأمْنِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قالَ أصْحابُهُ: أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السَلامَ؟

قالَ رَسُولُ اللهِ  : لا تُغَبَّرُونَ إلّا قَلِيلًا حَتّى يَجْلِسَ الرَجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ»، وقَوْلُهُ: "يَعْبُدُونَنِي" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، أيْ هم يَعْبُدُونَنِي، وقَوْلُهُ: "وَمَن كَفَرَ" يُرِيدُ: كَفَرَ هَذِهِ النِعَمَ إذا وقَعَتْ، ويَكُونُ الفِسْقُ -عَلى هَذا- غَيْرَ المُخْرِجِ عَنِ المِلَّةِ، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: ظَهَرَ ذَلِكَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكُفْرَ والفِسْقَ المُخْرِجَيْنِ عَنِ المِلَّةِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، فَإنَّهُ قالَ: كانَ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ  نِفاقٌ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ.

ولِما قَدَّمَ تَعالى عَمَلَ الصالِحاتِ بَيَّنَها في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَصَّ عَلى عَظْمِها وهي إقامَةُ الصَلاةِ وإيتاءُ الزَكاةِ، وعَمَّ بِطاعَةِ الرَسُولِ لَأنَّها عامَّةٌ لِجَمِيعِ الطاعاتِ.

و"لَعَلَّكُمْ" مَعْناهُ: في حَقِّكم ومُعْتَقَدِكم.

ثُمْ أنْحى القَوْلَ عَلى الكَفَرَةِ بِأنْ نَبَّهَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِمُفَلَّتِينَ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ  ، وقَرَأها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ، والآخَرُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا والمَفْعُولُ أنْفُسُهُمْ، وأعْجَزَ الرَجُلَ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمْ أخْبَرَ بِأنَّ مَأْواهُمُ النارُ، وأنَّها بِئْسَ الخاتِمَةِ والمَصِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍۢ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍۢ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٥٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن الظَهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم الآياتِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يُرادُ بِهِ الرِجالُ خاصَّةً، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: يُرادُ بِهِ النِساءُ خاصَّةً، وسَبِيلُ الرِجالِ أنْ يَسْتَأْذِنُوا في كُلِّ وقْتٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن أبِي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما ونَحْوَهُ، وقِيلَ: الرِجالُ والنِساءُ كُلُّهم مُرادٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ الناسُ: "الحُلُمْ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الحُلْمَ" بِسُكُونِ اللامِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَسْتَحْسِنُها.

وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَرَكَها الناسُ، وكَذَلِكَ تَرَكَ الناسُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ  ﴾ ، فَأبى الناسُ إلّا أنَّ الأكْرَمَ هو الأنْسَبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ العِبارَةُ بِتَرْكِ [الناسِ] إغْلاظٌ وزَجْرٌ، إذْ لَمْ تُلْتَزَمْ حَقَّ الِالتِزامِ، وإلّا فَما قالَ اللهُ تَعالى هو المُعْتَقَدُ في ذَلِكَ عِنْدَ العُلَماءِ المَكْتُوبُ في تَوالِيفِهِمْ، أعْنِي أنَّ الكَرَمَ التَقْوى، وأمّا أمْرُ الِاسْتِئْذانِ فَإنَّ تَغْيِيرَ المَبانِي والحُجُبِ أغْنَتْ عن كَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِئْذانِ، وصَيَّرَتْهُ عَلى حَدٍّ آخَرَ، وأيْنَ أبْوابُ المَنازِلِ اليَوْمَ مِن مَواضِعِ النَوْمِ؟

وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: كانَ العَمَلُ بِهَذِهِ الآيَةِ واجِبًا إذْ كانُوا لا غَلْقَ ولا أبْوابَ، ولَوْ عادَتِ الحالُ لِعادَ الوُجُوبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ الآنُ واجِبَةٌ في كَثِيرٍ مِن مَساكِنِ المُسْلِمِينَ في البَوادِي والصَحارى ونَحْوَها.

ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ اللهَ تَعالى أدَّبَ عِبادَهُ بِأنْ يَكُونَ العَبِيدُ -إذْ لا بالَ لَهُمْ- والأطْفالُ الَّذِينَ لَمَّ يَبْلُغُوا الحُلُمْ إلّا أنَّهم عَقَلُوا مَعانِيَ الكَشَفَةِ ونَحْوَها، يَسْتَأْذِنُونَ عَلى أهْلِيهِمْ في هَذِهِ الأوقاتِ الثَلاثَةِ، وهي الأوقاتُ الَّتِي تَقْتَضِي عادَةُ الناسِ الِانْكِشافَ فِيها ومُلازِمَةَ التَعَرِّي في المَضاجِعِ، وهِيَ: عِنْدَ الصَباحِ لَأنَّ الناسَ في ذَلِكَ الوَقْتِ عُراةٌ في مَضاجِعِهِمْ، وقَدْ يَنْكَشِفُ النائِمْ فَمَن مَشى ودَخَلَ وخَرَجَ فَحُكْمُهُ أنْ يَسْتَأْذِنَ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلى ما يَجِبُ سِتْرُهُ، وكَذَلِكَ في وقْتِ القائِلَةِ -وَهِيَ الظَهِيرَةُ- لَأنَّ النَهارَ يَظْهَرُ فِيها إذا عَلا واشْتَدَّ حَرُّهُ، وبَعْدَ العَشاءِ لَأنَّهُ وقْتَ التَعَرِّي لِلنَّوْمِ والتَبَدُّلِ لِلْفِراشِ، وأمّا غَيْرُ هَذِهِ الأوقاتِ الَّتِي هي عُرْوَةٌ، أيْ ذاتُ انْكِشافٍ، فالعُرْفُ مِنَ الناسِ التَحَفُّظُ والتَحَرُّزُ، فَلا حَرَجَ في دُخُولٍ هَذِهِ الصَنِيفَةِ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ إذْ هم طَوّافُونَ يَمْضُونَ ويَجِيئُونَ لا يَجِدُ الناسُ بُدًّا مِن ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "طَوّافِينَ" بِالياءِ، وقالَ الحَسَنُ: إذا أباتَ الرَجُلُ خادِمَهُ مَعَهُ فَلا اسْتِئْذانَ عَلَيْهِ حَتّى في هَذِهِ الأوقاتِ الثَلاثَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "طَوّافُونَ" و ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ لَأنَّهم لَمْ يُؤَمَرُوا بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، إنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثَةَ مَواطِنَ، فالظَرْفَيْنِ في "ثَلاثُ" بَيِّنَةٌ.

قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "ثَلاثُ عَوْراتٍ" بِرَفْعِ "ثَلاثُ"، وكَذا عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "ثَلاثَ عَوْراتٍ" بِنَصْبِ "ثَلاثَ"، وهَذِهِ عَلى البَدَلِ مِنَ الظَرْفِ في قَوْلِهِ: "ثَلاثَ مَرّاتٍ"، وهَذا البَدَلُ إنَّما يَصِحُّ مَعْناهُ بِتَقْدِيرِ: أوقاتٍ ثَلاثَ عَوْراتٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، و"عَوْراتٍ" جَمْعُ عَوْرَةٍ، وبابُهُ في الصَحِيحِ أنْ يَجِيءَ عَلى "فَعَلاتٍ" بِفَتْحِ العَيْنِ، كَجَفْنَةٍ وجَفَناتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، وسَكَّنُوا العَيْنَ في المُعْتَلِّ كَبَيْضَةٍ وبَيْضاتٍ وجَوْبَةٍ وجَوْباتٍ ونَحْوَهُ، لَأنَّ فَتْحَهُ داعٍ إلى اعْتِلالِهِ فَلَمْ يُفْتَحْ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا۟ كَمَا ٱسْتَـْٔذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٥٩ وَٱلْقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًۭا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌۭ لَّهُنَّ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٦٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ المَعْنى أنَّ الأطْفالَ أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ في الأوقاتِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ، وأُبِيحَ لَهُمُ الأمْرُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوقاتِ، ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونُوا -إذا بَلَغُوا الحُلُمَ- عَلى حُكْمِ الرِجالِ في الِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ، وهَذا بَيانٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

و"القَواعِدُ" يُرِيدُ النِساءَ اللائِي قَدْ أسْنَنَّ وقَعَدْنَ عَنِ الوَلَدِ، واحِدَتُهُنَّ قاعِدٌ، وقالَ رَبِيعَةُ: هي هُنا الَّتِي تُسْتَقْذَرُ مِن كِبَرِها، قالَ غَيْرُهُ: وقَدْ تَقْعُدُ المَرْأةُ عَنِ الوَلَدِ وفِيها مُسْتَمْتَعٌ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ مِنَ النِساءِ أنَّ ذَواتِ هَذا السِنِّ لا مَذْهَبَ لِلرَّجُلِ فِيهِنَّ أُبِيحَ لَهُنَّ ما لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِنَّ، وأُزِيلَ عنهُنَّ كُلْفَةَ التَحَفُّظِ المُتْعِبِ؛ إذْ عِلَّةُ التَحَفُّظِ مُرْتَفِعَةٌ فِيهِنَّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ يَضَعْنَ مِن ثِيابِهِنَّ"، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: "مِن جَلابِيبِهِنَّ"، والعَرَبُ تَقُولُ: "امْرَأةٌ واضِعٌ" لِلَّتِي كَبَرَتْ فَوَضَعَتْ خِمارَها، ثُمُ اسْتُثْنِيَ عَلَيْهِنَّ في وضْعِ الثِيابِ ألّا يَقْصِدْنَ بِهِ التَبَرُّجَ وإبْداءَ الزِينَةِ، فَرُبَّ عَجُوزٍ يَبْدُو مِنها الحِرْصُ عَلى أنْ يَظْهَرَ لَها جَمالٌ ونَحْوَ هَذا مِمّا هو أقْبَحُ الأشْياءِ وأبْعَدُهُ عَنِ الحَقِّ.

والتَبَرُّجُ طَلَبُ البُدُوِّ والظُهُورِ، ومِنهُ: "بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ"، وأصْلُ ذَلِكَ بُرُوجُ السَماءِ والأسْوارِ، والَّذِي أُبِيحُ وضْعُهُ لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ الجِلْبابُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ والرِداءُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تَحَفُّظَ الجَمِيعِ مِنهُنَّ واسْتِعْفافَهُنَّ عن وضْعِ الثِيابِ والتِزامَهُنَّ ما يَلْتَزِمُهُ الشَبابُ مِنَ السَتْرِ، أفْضَلُ لَهُنَّ وخَيْرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنْ يَتَعَفَّفْنَ" بِغَيْرِ سِينٍ، ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُ كُلُّ قائِلٍ وقائِلَةٍ، عَلِيمٌ بِمَقْصِدِ كُلِّ أحَدٍ في قَوْلِهِ، وفي هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ تُوعَدٌ وتَحْذِيرٌ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًۭا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةًۭ طَيِّبَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٦١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أو بُيُوتِ آبائِكم أو بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أو بُيُوتِ إخْوانِكم أو بُيُوتِ أخَواتِكم أو بُيُوتِ أعْمامِكم أو بُيُوتِ عَمّاتِكم أو بُيُوتِ أخْوالِكم أو بُيُوتِ خالاتِكم أو ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أو صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أو أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى الَّذِي رَفَعَ اللهَ فِيهِ الحَرَجَ عَنِ الأصْنافِ الثَلاثَةِ، فَظاهِرُ الآيَةِ وأمْرُ الشَرِيعَةِ أنَّ الحَرَجَ مَرْفُوعٌ عنهم في كُلِّ ما يَضْطَرُّهم إلَيْهِ العُذْرُ، وتَقْتَضِي نِيَّتُهُمُ الإتْيانَ فِيهِ بِالأكْمَلِ، ويَقْتَضِي العُذْرُ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الأنْقَصُ، فالحَرَجُ مَرْفُوعٌ عنهم في هَذا.

فَأمّا ما قالَ الناسُ في الحَرَجِ هُنا، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الحَرَجُ في الغَزْوِ، أيْ: لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في تَأخُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ الآيَةُ مَعْنًى مَقْطُوعٍ مِنَ الأوَّلِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ كُلُّها في مَعْنى المَطاعِمْ، قالَتْ: وكانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ المَبْعَثِ تَتَجَنَّبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ الأعْذارِ، فَبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَقْذُّرًا لِجَوَلانِ اليَدِ مِنَ الأعْمى، ولِانْبِساطِ الجَلْسَةِ مِنَ الأعْرَجِ، ولِرائِحَةِ المَرِيضِ وعِلّاتِهِ، وهي أخْلاقٌ جاهِلِيَّةٌ وكِبْرٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤَدِّبَةً، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَحَرُّجًا مِن غَيْرِ أهْلِ الأعْذارِ إذْ هم مَقْصُورُونَ في الأكْلِ عن دَرَجَةِ الأصِحّاءِ، لِعَدَمِ الرُؤْيَةِ في الأعْمى، ولِلْعَجْزِ عَنِ المُزاحَمَةِ في الأعْرَجِ، ولِضَعْفِ المَرِيضِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في إباحَةِ الأكْلِ مَعَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: إنْ أهَّلَ هَذِهِ الأعْذارِ تَحَرَّجُوا في الأكْلِ مَعَ الناسِ لِأجْلِ عُذْرِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً لَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الآيَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ الناسَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ قالُوا: لا مالَ أعَزُّ مِنَ الطَعامِ، وتَحَرَّجُوا مِن أنْ يَأْكُلَ أحَدٌ مَعَ هَؤُلاءِ فَيَغْبِنَهم في الأكْلِ فَيَقَعَ في أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا عن أكْلِ طَعامِ القُراباتِ لِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً جَمِيعَ هَذِهِ المَطاعِمْ، ومُبَيِّنَةً أنَّ تِلْكَ إنَّما هي في التَعَدِّي والقِمارِ وكُلِّ ما يَأْكُلُهُ المَرْءُ مِن مالِ الغَيْرِ والغَيْرُ كارِهٌ، أو بِصِفَةٍ فاسِدَةٍ ونَحْوَهُ.

وقالَ عَبِيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: قَوْلُهُ في الأصْنافِ الثَلاثَةِ إنَّما نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ الناسَ كانُوا إذا نَهَضُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا أهْلَ العُذْرِ في مَنازِلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَكانَ أُهِلُ العُذْرِ يَتَجَنَّبُونَ أكْلَ مالِ الغائِبِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً لَهم أكَلَ الحاجَةِ مِن طَعامِ الغائِبِ إذا كانَ الغائِبُ قَدْ بَنى عَلى ذَلِكَ.

وقِيلَ: كانَ الرَجُلُ إذا ساقَ أهْلَ العُذْرِ إلى بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ذَهَبَ بِهِمْ إلى بَيْتِ قَرابَتِهِ، فَتَحَرَّجَ أهْلُ الأعْذارِ مِن ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وذَكْرَ اللهُ تَعالى بُيُوتَ القَراباتِ وسَقَطَ مِنها بُيُوتُ الأبْناءِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ ؛ لَأنَّ بَيْتَ ابْنِ الرَجُلِ بَيْتُهُ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "إمَّهاتِكُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ﴾ يَعْنِي ما حُزْتُمْ وصارَ في قَبْضَتِكُمْ، فَعَظَّمَهُ ما مَلَكَهُ الرَجُلُ في بَيْتِهِ وتَحْتَ غَلْقِهِ، وذَلِكَ هو تَأْوِيلُ الضِحاكِ ومُجاهِدٍ، وعِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ يَدْخُلُ في الآيَةِ الوُكَلاءُ والعَبِيدُ والأُجَراءُ بِالمَعْرُوفِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَلَكْتُمْ" بِفَتْحِ المِيمِ واللامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَلِّكْتُمْ" بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَفاتِحَهُ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَفاتِيحَهُ" بِياءٍ بَيْنَ التاءِ والحاءِ، الأُولى عَلى جَمْعِ مِفْتَحٍ، والثانِيَةُ عَلى جَمْعِ مِفْتاحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ".

وقَرَنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الصَدِيقَ بِالقَرابَةِ المَحْضَةِ الوَكِيدَةِ؛ لَأنَّ قُرْبَ المَوَدَّةِ لَصِيقٌ، قالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِقَتادَةَ: ألا أشْرَبُ مِن هَذا الجُبِّ؟

فَقالَ: أنْتَ لِي صَدِيقٌ فَما هَذا الِاسْتِئْذانُ؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ النَقاشِ: الصَدِيقُ أوكَدُ مِنَ القَرابَةِ، ألّا تَرى في اسْتِغاثَةِ الجَهَنَّمِيِّينَ: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ  ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أو أشْتاتًا ﴾ رَدٌّ لِمَذْهَبِ جَماعَةٍ مِنَ العَرَبِ كانَتْ لا تَأْكُلُ أفْرادًا البَتَّةَ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الشُعَراءِ: إذا ما صَنَعَتِ الزادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلَهُ وحْدِي وكانَ بَعْضُ العَرَبِ إذا كانَ لَهُ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُ إلّا أنْ يَأْكُلَ مَعَ ضَيْفِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبِينَةً سُنَّةَ الأكْلِ، ومُذْهِبَةً كُلَّ ما خالَفَها مِن سُنَّةِ العَرَبِ، ومُبِيحَةً مِن أكْلِ المُنْفَرِدِ ما كانَ عِنْدَ العَرَبِ مُحَرَّمًا، نَحَتْ بِهِ نَحْوَ كَرَمِ الخُلُقِ فَأفْرَطَتْ في إلْزامِهِ، وإنَّ إحْضارَ الأكِيلِ لَحَسَنٌ ولَكِنْ بِألّا يَحْرُمُ الانْفِرادُ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ  : «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ»، وبُقُولَهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا  ﴾ الآيَةُ، وبِقَوْلِهِ  مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «لا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ» الحَدِيثُ.

ثُمْ خَتَمَ اللهُ تَعالى الآيَةَ بِتَبْيِينِهِ سُنَّةَ السَلامِ في البُيُوتِ، واخْتَلَفَ الناسُ في أيِّ البُيُوتِ أرادَ، فَقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: أرادَ المَساجِدَ، والمَعْنى: سَلَّمُوا عَلى مَن فِيها مِن صِنْفِكُمْ، فَهَذا كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في المَساجِدِ أحَدٌ فالسَلامُ أنْ يَقُولَ المَرْءُ: السَلامُ عَلى رَسُولِ اللهِ، وقِيلَ: يَقُولُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، يُرِيدُ المَلائِكَةَ، ثُمْ يَقُولُ: السَلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "تَحِيَّةً" مَصْدَرٌ، ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ لَأنَّ فِيها الدُعاءَ واسْتِجْلابَ مَوَدَّةِ المُسْلِمْ عَلَيْهِ، والكافُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكَ" كافُ تَشْبِيهٍ، و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى هَذِهِ السُنَنِ، أيْ: هَذا الَّذِي وصَفَ يَطَّرِدُ تَبْيِينَ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَها وتَعْمَلُونَ لَها.

وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الِاسْتِئْذانِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الناسُ، وهي المُقَدَّمَةُ في السُورَةِ، فَإذا كانَ الإذْنُ مَحْجُورًا فالطَعامُ أحْرى، وكَذَلِكَ فَرَضَتْ فِرْقَةٌ نَسْخًا بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنُسَخُ لا يُتَصَوَّرُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الآياتِ، بَلْ هي كُلُّها مَحْكَمَةٌ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ فَفي التَعَدِّي والخُدَعِ والغَرَرِ واللهْوِ والقِمارِ ونَحْوَهُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَفي إباحَةِ طَعامِ هَذِهِ الأصْنافِ الَّتِي يَسُرُّها اسْتِباحَةُ طَعامِها عَلى هَذِهِ الصِفَةِ، وأمّا آيَةُ الإذْنِ فَعِلَّةُ إيجابِ الِاسْتِئْذانِ خَوْفُ الكَشْفِ، فَإذا اسْتَأْذَنَ الرَجُلُ خَوَّفَ الكَشَفَةِ ودَخَلَ المَنزِلَ بِالوَجْهِ المُباحِ صَحَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أكْلُ الطَعامِ بِهَذِهِ الإباحَةِ، ولَيْسَ يَكُونُ في الآيَةِ نَسْخٌ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ جَامِعٍۢ لَّمْ يَذْهَبُوا۟ حَتَّىٰ يَسْتَـْٔذِنُوهُ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ فَإِذَا ٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٦٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ "إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ لِلْحَصْرِ، اقْتَضى ذَلِكَ المَعْنى؛ لَأنَّهُ لا يَتِمْ إيمانٌ إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ المَرْءُ بِاللهِ ورَسُولِهِ، وبِأنْ يَكُونَ مِنَ الرَسُولِ سامِعًا غَيْرَ مُعَنِّتٍ في أنْ يَكُونَ الرَسُولُ  يُرِيدُ أمْرًا فَيُرِيدُ هو إفْسادَهُ بِزَوالِهِ في وقْتِ الجَمْعِ ونَحْوَ ذَلِكَ.

و"الأمْرُ الجامِعُ" يُرادُ بِهِ ما لِلْإمامِ حاجَةٌ إلى جَمْعِ الناسِ فِيهِ لِإذاعَةِ مَصْلَحَةٍ، فَأدَبُ الإسْلامِ اللازِمْ في ذَلِكَ -إذا كانَ الأمْرُ حاضِرًا- ألّا يَذْهَبَ أحَدٌ لِعُذْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، فَإذا ذَهَبَ بِإذْنٍ ارْتَفَعَ عنهُ الظَنُّ السَيِّئُ، والإمامُ الَّذِي يُرْتَقَبُ إذْنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو إمامُ الإمْرَةِ، وقالَ مَكْحُولٌ، والزَهْراوِيُّ: الجُمْعَةُ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ، وإمامُ الصَلاةِ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَأْذِنَ إذا قَدَّمَهُ إمامُ الإمْرَةِ إذا كانَ يَرى المُسْتَأْذِنَ، ومَشى بَعْضُ الناسِ دَهْرًا عَلى اسْتِئْذانِ إمامِ الصَلاةِ، ورُوِيَ أنَّ هَرَمَ بْنَ حِبّانَ كانَ يَخْطُبُ، فَقامَ رَجُلٌ فَوَضْعَ يَدَهُ عَلى أنْفِهِ، وأشارَ إلى هَرَمٍ بِالِاسْتِئْذانِ فَأذِنَ لَهُ، فَلِما قُضِيَتِ الصَلاةُ كَشَفَ عن أمْرِهِ أنَّهُ إنَّما ذَهَبَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَقالَ هَرَمٌ: اللهم أخِّرْ رِجالَ السُوءِ لِزَمانِ السُوءِ.

وظاهِرُ الآيَةِ إنَّما يَقْتَضِي أنْ يُسْتَأْذَنَ أمِيرُ الإمْرَةِ الَّذِي هو في مَقْعَدِ النُبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ رُبَّما كانَ لَهُ رَأْيٌ في حَبْسِ ذَلِكَ الرَجُلِ لِأمْرٍ مِن أُمُورِ الدِينِ، فَأمّا إمامُ الصَلاةِ فَقَطْ فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهِ؛ لَأنَّهُ وكِيلٌ عَلى جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الدَيْنِ لِلَّذِي هو في مَقْعَدِ النُبُوَّةِ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَأْذَنَ لِمَن عَرَفَ مِنهُ صِحَّةَ العُذْرِ وهُمُ الَّذِينَ يَشاءُ.

ورَوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْتِ حَفْرِ رَسُولِ اللهِ  خَنْدَقَ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانَ يَسْتَأْذِنُ لِضَرُورَةٍ، وكانَ المُنافِقُونَ يَذْهَبُونَ دُونَ اسْتِئْذانٍ، فَأخْرَجَ اللهُ تَعالى الَّذِينَ لا يَسْتَأْذِنُونَ عن صَنِيفَةِ المُؤْمِنِينَ، وأُمِرَ النَبِيُّ  أنْ يَأْذَنَ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي لا تَدْعُوهُ ضَرُورَةٌ إلى حَبْسِهِ، وهو الَّذِي يَشاءُ، ثُمْ أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لِصِنْفَيِ المُؤْمِنِينَ مِن أُذِنَ لَهُ ومَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وفي ذَلِكَ تَأْنِيسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَأْفَةٌ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًۭا ۚ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ٦٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عن أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  ، وأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى ألّا يَجْعَلُوا مُخاطَبَةَ رَسُولِ اللهِ  في النِداءِ كَمُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإنَّ سِيرَتَهم كانَتِ التَداعِيَ بِالأسْماءِ، وعَلى غايَةِ البَداوَةِ وقِلَّةِ الِاهْتِبالِ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وفي غَيْرِها أنْ يَدْعُوَ رَسُولَ اللهِ  بِأشْرَفِ أسْمائِهِ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى التَوْقِيرِ والتَعْزِيزِ، فالمُبْتَغِي في الدُعاءِ أنْ يَقُولَ: يا رَسُولَ اللهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِتَوْقِيرٍ وخَفْضِ صَوْتٍ وبِرٍّ، وألّا يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هُوَ: لا تَحْسَبُوا دُعاءَ الرَسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، أيْ: دُعاؤُهُ عَلَيْكم مُجابٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظُ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، والأوَّلُ أصَحُّ.

ثُمْ أخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى أنَّ المُتَسَلِّلِينَ مِنهم لِواذًا قَدْ عَلَّمَهُمْ، واللِواذُ: الرَوَغانُ والمُخالَفَةُ، وهو مَصْدَرُ "لاوَذَ" ولَيْسَ بِمَصْدَرِ "لاذَ"؛ لَأنَّهُ كانَ يُقالُ لَهُ: "لِياذًا"، ذَكَرَهُ الزَجاجُ وغَيْرُهُ.

ثُمْ أمَرَهم بِالحَذَرِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ونِقْمَتِهِ إذا خالَفُوهُ عن أمْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخالِفُونَ عن أمْرِهِ ﴾ مَعْناهُ: يَقَعُ خِلافُهم بَعْدَ أمْرِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: كانَ المَطَرُ عن رِيحٍ، و"عن" هي لِما عَدا الشَيْءَ، و"الفِتْنَةُ" في هَذا المَوْضِعِ: الإخْبارُ والرَزايا في الدُنْيا، أو بِالعَذابِ الألِيمِ في الآخِرَةِ، ولا بُدَّ لِلْمُنافِقِينَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألا إنَّ" اسْتَفْتَحَ الكَلامَ وأخْبَرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَمَواتِ والأرْضِ مُلْكًا وخَلَفًا، ثُمْ أخْبَرَهم أنَّهُ قَدْ عَلِمْ ما أهْلُ الأرْضِ والسَماءِ عَلَيْهِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ مِنهُمُ المُخاطِبِينَ لَأنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهم بِهِ أعْنِي، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: "يَعْلَمُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: والعِلْمُ الظاهِرُ لَكم -أو نَحْوَ هَذا- يَوْمَ، فَيَكُونُ النَصْبُ عَلى الظَرْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرْجِعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو: "يَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

وقالَ عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ الجُهَنِيُّ: «رَأيْتُ النَبِيَّ  يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ خاتِمَةَ النُورِ فَقالَ: "واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ».

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النُورِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله