الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة المؤمنون
تفسيرُ سورةِ المؤمنون كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 110 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ -تَبارَكَ وتَعالى- عن فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وأنَّهم نالُوا البُغْيَةَ وأحْرَزُوا البَقاءَ الدائِمْ، ورُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ اللهَ -تَعالى- لَمّا خَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي، فَقالَتْ: "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ".
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ اللهَ -تَعالى- لَمّا خَلَقَ الجَنَّةَ وأتْقَنَ حُسْنَها قالَ: "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ".
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ: "قَدْ أفْلَحُ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الحاءِ، يُرِيدُ: قَدْ أفْلَحُوا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، ورُوِيَ عنهُ "قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ.
ثُمْ وصَفَ -تَعالى- هَؤُلاءِ المُفْلِحِينَ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ والخُشُوعُ: التَطامُنُ وتَساكُنُ الأعْضاءِ والوَقارُ، وهَذا إنَّما يَظْهَرُ في الأعْضاءِ لِمَن في قَلْبِهِ خَوْفٌ واسْتِكانَةٌ، ورُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ رَأى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في الصَلاةِ فَقالَ: لَوْ خَشَعَ هَذا خَشَعَتْ جَوارِحُهُ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَلْتَفِتُونَ في صَلاتِهِمْ يُمْنَةً ويُسْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُمِرُوا أنْ يَكُونَ بَصَرُ المُصَلِّي حِذاءَ قِبْلَتِهِ أو بَيْنَ يَدَيْهِ، وفي الحَرَمِ إلى الكَعْبَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ وغَيْرِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - - كانَ يَلْتَفِتُ في صِلاتِهِ إلى السَماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».
و"اللَغْوِ": سَقْطُ القَوْلِ، وهَذا يَعُمْ جَمِيعَ ما لا خَيْرَ فِيهِ، ويَجْمَعُ آدابَ الشَرْعِ، وكَذَلِكَ كانَ النَبِيُّ - - وأصْحابُهُ، وكَأنَّ الآيَةَ فِيها مُوادَعَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ في الأمْوالِ، وهَذا بَيِّنٌ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرِيدَ بِالزَكاةِ الفَضائِلَ، كَأنَّهُ أرادَ الأزْكى مِن كُلِّ فِعْلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ صِفَةُ العِفَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزِنا والِاسْتِمْناءِ ومُواقَعَةَ البَهائِمْ، وكُلَّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَراءَ ذَلِكَ ﴾ ، ويُرِيدُ: وراءَ هَذا الحَدِّ الَّذِي حَدَّ، ومَعْنى " ما مَلَكَتْ أيْمانُهم " مِنَ النِساءِ، ولَمّا كانَ "حافِظُونَ" بِمَعْنى (مَحْجُوزُونَ) حَسُنَ اسْتِعْمالُ "عَلى"، و"العادِي": الظالِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِأماناتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "لِأمانَتِهِمْ" بِالإفْرادِ.
والأمانَةُ والعَهْدُ تَجْمَعُ كُلَّ ما تَحَمَّلَهُ الإنْسانُ مِن أمْرِ دِينِهِ ودُنْياهُ قَوْلًا وفِعْلًا، وهَذا يَعُمْ مُعاشَرَةَ الناسِ والمَواعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ورِعايَةُ ذَلِكَ: حِفْظُهُ والقِيامُ بِهِ، والأمانَةُ أعَمُّ مِنَ العَهْدِ؛ إذْ كَلُّ عَهْدٍ فَهو أمانَةٌ فِيما تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أو فِعْلٌ أو مُعْتَقَدٌ، وقَدْ تُعِنُّ أمانَةً فِيما لَمْ يَعْهَدْ فِيهِ تَقَدُّمْ، وهَذا إذا أخَذْناهُما بِنِسْبَتِهِما إلى العَبْدِ، فَإنْ أخَذْناهُما مِن حَيْثُ هُما -عَهْدُ اللهِ إلى عِبادِهِ وأمانَتِهِ الَّتِي حَمَّلَهم - كانا في رُتْبَةٍ واحِدَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "صَلَواتِهِمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "صَلاتِهِمْ" بِالإفْرادِ، وهَذا الإفْرادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهو في مَعْنى الجَمْعُ، والمُحافَظَةُ عَلى الصَلاةِ تَرَقُّبُ أوقاتِها والمُبادَرَةُ إلى وقْتِ الفَضْلِ فِيها.
و"الوارِثُونَ" يُرِيدُ: الجَنَّةَ، ورُوِيَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- عَنِ النَبِيِّ - -: «أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مَسْكَنًا في الجَنَّةِ ومَسْكَنًا في النارِ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيَأْخُذُونَ مَنازِلَهم ويَرِثُونَ مَنازِلَ الكُفّارِ، ويَحْصُلُ الكُفّارُ في مَساكِنِهِمْ في النارِ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ويُحْتَمَلُ أنْ يُسَمِّي اللهُ -تَعالى- الحُصُولَ عَلى الجَنَّةِ وِراثَةً مِن حَيْثُ حَصَّلُوها دُونَ غَيْرِهِمْ، فَهو اسْمٌ مُسْتَعارٌ عَلى الوَجْهَيْنِ.
و"الفِرْدَوْسُ": مَدِينَةُ الجَنَّةِ، وهي جَنَّةُ الأعْنابَ، واللَفْظَةُ -فِيما قالَ مُجاهِدٌ - رُومِيَّةٌ عَرِّبَتْ، وقِيلَ: هي فارِسِيَّةٌ عُرِّبَتْ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْكُرُومِ: فَرادِيسُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ - - لِأُمْ حارِثَةَ: «إنَّها جِنانٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّ ابْنَكِ قَدْ أصابَ الفِرْدَوْسَ».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، والواوِ في أوَّلِهِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ وإنْ تَبايَنَتْ في المَعانِي، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: "الإنْسانَ" فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: أرادَ آدَمُ -عَلَيْهِ السَلامُ- لِأنَّهُ اسْتُلَّ مِنَ الطِينِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمْ جَعَلْناهُ" عائِدًا عَلى ابْنِ آدَمَ -وَإنْ كانَ لَمْ يَذْكُرْهُ- لِشُهْرَةِ الأمْرِ، وأنَّ المَعْنى لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ، نَظِيرَ ذَلِكَ ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ وغَيْرُهُ.
-وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- المُرادُ بِقَوْلِهِ: "الإنْسانَ" ابْنُ آدَمَ.
و ﴿ سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ صَفْوَةُ الماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، ويَتَرَتَّبُ فِيهِ أنَّهُ سُلالَةٌ مِن حَيْثُ كانَ الكُلُّ عن آدَمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- أو عَنِ الأبَوَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ بِما يَكُونُ مِنَ الطِينِ، وذَلِكَ السَبْعُ الَّذِي جَعَلَ اللهُ تَعالى رِزْقَ ابْنِ آدَمَ فِيها، وسَيَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- فِيها إنْ شاءَ اللهُ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-: إنَّ السُلالَةَ هي صَفْوَةُ الماءِ، يَعْنِي المَنِيِّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ : مِنِّي آدَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وهَذا بَيِّنٌ؛ إذْ آدَمُ مِن طِينٍ وذُرِّيَّتَهُ مِن سُلالَةٍ، وما يَكُونُ عَنِ الشَيْءِ فَهو سُلالَتُهُ، وتَخْتَلِفُ وُجُوهُ ذَلِكَ الكَوْنِ، فَمِنهُ قَوْلُهم لِلْخَمْرِ: سُلالَةٌ؛ لِأنَّها سُلالَةُ العِنَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا أنْتَجَتْ مِنها المَهارى تَشابَهَتْ عَلى العُودِ إلّا بِالأُنُوفِ سَلائِلُهُ ومِنَ اللَفْظِ قَوْلُ هِنْدٍ بِنْتُ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ: ........
∗∗∗ سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَحَلَّلَها بَغْلٌ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ سُلالَةُ فَرْجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ وهَذِهِ الفِرْقَةُ يَتَرَتَّبُ مَعَ قَوْلِها عَوْدُ الضَمِيرِ في "جَعَلْناهُ" و"أنْشَأْناهُ".
و"النُطْفَةُ" تَقَعُ في اللُغَةِ عَلى قَلِيلِ الماءِ وكَثِيرِهِ، وهي هُنا لِمَنِّي ابْنِ آدَمَ، و"القَرارُ المَكِينُ" مِنَ المَرْأةِ هو مَوْضِعُ الوَلَدِ، و"المَكِينُ": المُتَمَكِّنُ، فَكَأنَّ "القَرارَ" هو المُتَمَكِّنُ في الرَحِمْ.
و"العَلَقَةُ": الدَمُ الغَرِيضُ، و"المُضْغَةُ": بُضْعَةُ اللَحْمِ قَدْرَ ما يُمْضَغُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عِظامًا" في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرِ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "عَظْمًا" بِالإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ سَلَمَةُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ بِالإفْرادِ أوَّلًا وبِالجَمْعِ في الثانِي، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي بَكْرٍ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ثُمْ جَعَلْنا المُضْغَةَ عِظامًا وعَصَبًا فَكَسَوْناهُ لَحْمًا".
واخْتَلَفَ الناسُ في الخَلْقِ الآخَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- والشَعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدِ: هو نَفْخُ الرُوحِ فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: خُرُوجُهُ إلى الدُنْيا، وقالَ قَتادَةُ -عن فِرْقَةٍ-: نَباتُ شَعْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كَمالُ شَبابِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: تَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الدُنْيا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ، وإنَّما هو عامٌّ في هَذا، وغَيْرِهِ مِن وُجُوهٍ مِنَ النُطْقِ والإدْراكِ وحَسُنِ المُحاوَلَةِ هو بِها آخِرُ، وأوَّلُ رُتْبَةٍ مِن كَوْنِهِ آخِرُ هي نَفْخُ الرُوحِ فِيهِ، والطَرَفُ الآخَرُ مِن كَوْنِهِ آخِرُ تَحْصِيلِهِ المَعْقُولاتِ إلى أنْ يَمُوتَ.
و"تَبارَكَ" هو مُطاوِعٌ "بارَكَ"، فَكَأنَّها بِمَنزِلَةِ "تَعالى وتَقَدَّسَ"، مِن مَعْنى البَرَكَةِ، وهَذِهِ الآيَةِ يُرْوى «أنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- لَمّا سَمِعَ صَدْرَ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "آخَرُ" قالَ: "فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ" فَقالَ رَسُولُ اللهِ - -: "هَكَذا أُنْزِلَتْ"».
وَيُرْوى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- ويُرْوى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، وبِهَذا السَبَبِ ارْتَدَّ وقالَ: أنا آتِي بِمِثْلِ ما يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ مَعْناهُ: أحْسَنُ الصانِعِينَ، يُقالُ لِمَن صَنَعَ شَيْئًا: خَلَقَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تُفْرِي ما خَلَقَتُ وبَعْـ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمْ لا يُفْرِي وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى نَفْيِ هَذِهِ اللَفْظَةِ عَنِ الناسِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّما قالَ: "الخالِقِينَ" لِأنَّهُ -تَبارَكَ وتَعالى- قَدْ أذِنَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في أنْ يَخْلُقَ، واضْطَرَبَ بَعْضُهم في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا تُنْفى اللَفْظَةُ عَنِ البَشَرِ في مَعْنى الصُنْعِ، وإنَّما هي مَنفِيَّةٌ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ والإيجادِ مِنَ العَدَمِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِعُمَرَ بْنَ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- حِينَ سَألَهُ مَشْيَخَةُ الصَحابَةِ عن لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالُوا: اللهُ أعْلَمُ، فَقالَ عُمْرُ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: ما تَقُولُ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟
فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَماواتِ سَبْعًا والأرْضِينَ سَبْعًا، وخَلَقَ ابْنَ آدَمَ مِن سَبْعٍ، وجَعَلَ رِزْقَهُ في سَبْعٍ، فَأراها في لَيْلَةِ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فَقالَ عُمَرُ: أعْجَزَكم أنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ هَذا الغُلامُ الَّذِي لَمْ تَجْتَمِعْ شُئُونُ رَأْسِهِ".
وهَذا الحَدِيثُ بِطُولِهِ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ، فَأرادَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- بِقَوْلِهِ: خُلِقَ ابْنُ آدَمَ مِن سَبْعٍ.
هَذِهِ الآيَةَ، وبُقُولِهِ: جُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا ﴾ ﴿ وَعِنَبًا وقَضْبًا ﴾ ﴿ وَزَيْتُونًا ونَخْلا ﴾ ﴿ وَحَدائِقَ غُلْبًا ﴾ ﴿ وَفاكِهَةً وأبًّا ﴾ الآيَةُ، السَبْعُ مِنها لِابْنِ آدَمَ، والأبُّ لِلْأنْعامِ، والقَضْبِ يَأْكُلُهُ ابْنُ آدَمَ وتَسْمَنُ بِهِ النِساءُ، هَذا قَوْلٌ، وقِيلَ: القَضْبُ: البُقُولُ لِأنَّها تُقْضَبُ، فَهي رِزْقُ ابْنِ آدَمَ، وقِيلَ: القَضْبُ والأبُّ لِلْأنْعامِ والسِتَّةُ الباقِيَةُ لِابْنِ آدَمَ، والسابِعَةُ هي الأنْعامُ إذْ هي مِن أعْظَمِ رِزْقِ ابْنِ آدَمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن هَذِهِ الأحْوالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَمائِتُونَ".
بِالألْفِ، و"تُبْعَثُونَ" مَعْناهُ: مِن قُبُورِكم أحْياءٌ، وهَذا خَبَرٌ بِالبَعْثِ والنُشُورِ، و"الطَرائِقُ" كُلُّ ما كانَ طَبَقاتٍ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ: طارَقْتُ نَعْلِي، ويُرِيدُ بِـ"السَبْعُ الطَرائِقُ" السَماواتُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "الطَرائِقُ" بِمَعْنى المَبْسُوطاتِ، مِن: طَرَقْتُ الشَيْءَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ نَفْيٌ عامٌّ، أيْ: في إتْقانِ خَلْقِهِمْ وعن مَصالِحِهِمْ وعن أعْمالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً بِقَدَرٍ ﴾ ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَ المَطَرَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما أرادَ الأنْهارَ الأرْبَعَةَ: سَيْحانَ وجَيْحانَ والفُراتُ والنِيلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنَّ هَذا كُلَّهُ داخِلٌ تَحْتَ الماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى.
وقالَ مُجاهِدٌ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا وهو مِنَ السَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: ويُمْكِنُ أنْ يُقَيَّدَ هَذا بِالعَذْبِ، وإلّا فالأُجاجُ ثابِتٌ في الأرْضِ مَعَ القَحْطِ، والعَذْبُ يَقِلُّ مَعَ القَحْطِ، وأيْضًا فالأحادِيثُ تَقْتَضِي الماءَ الَّذِي كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللهَ -تَعالى- قَدْ جَعَلَ في الأرْضِ ماءً وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِقَدَرٍ" أيْ: عَلى مِقْدارٍ مُصْلِحٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كَثُرَ أهْلَكَ.
و "فَأنْشَأْنا" مَعْناهُ: فَأوجَدْنا وخَلَقْنا، وذَكَرَ تَعالى "النَخِيلَ والأعْنابَ" لِأنَّها ثَمَرَةُ الحِجازِ بِالطائِفِ والمَدِينَةِ وغَيْرِهِما، قالَهُ الطَبَرَيُّ، ولِأنَّهُما أيْضًا أشْرَفُ الثِمارِ، فَذَكَرَهُ مِثالًا لا تَشْرِيفًا لَها وتَنْبِيهًا عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لَكم فِيها" يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّدَ الضَمِيرُ عَلى "الجَنّاتِ" فَيُرِيدُ حِينَئِذٍ جَمِيعَ أنْواعِ الفاكِهَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "النَخِيلِ والأعْنابِ".
خاصَّةً إذْ فِيها مَراتِبُ وأنْواعٌ، والأوَّلُ أعَمُّ لِسائِرِ الثَمَراتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَجَرَةً" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "جَنّاتٍ"، ويُرِيدُ بِها الزَيْتُونَةَ، وهي كَثِيرَةٌ في طُورِ سَيْناءَ مِن أرْضِ الشامِ، وهو الَّذِي كَلَّمَ اللهُ -تَعالى- فِيهِ مُوسى -عَلَيْهِ السَلامُ- قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ.
و " الطَوْرُ ": الجَبَلُ في كَلامِ العَرَبِ، وقِيلَ: هو مِمّا عُرِّبَ مِن كَلامِ العَجَمِ، واخْتُلِفَ في " سِيناءَ " فَقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: الحَسَنُ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنْ يُنَوَّنَ " الطَوْرُ "، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: مُبارَكٌ، وقالَ مُعْمَرٌ عن فِرْقَةٍ: مَعْناهُ: ذُو شَجَرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُهم أنْ يُنَوَّنَ " الطَوْرُ ".
وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ الجَبَلِ، كَما تَقُولُ: جَبَلُ أُحُدٍ، و " سَيْناءُ " اسْمٌ مُضافٌ إلَيْهِ الجَبَلُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: " سِيناءَ " بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ الباقُونَ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: " سَيْناءَ " بِفَتْحِ السِينِ، وكُلُّهم بِالمَدِّ، فَعَلى فَتْحِ السِينِ لا يَنْصَرِفُ الِاسْمُ بِوَجْهٍ، وعَلى كَسْرِ السِينِ فالهَمْزَةُ كَهَمْزَةِ حِرْباءَ، ولَمْ يُصْرَفْ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمُ بُقْعَةٍ أو أرْضٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَنْبُتُ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الباءِ، فالتَقْدِيرُ: تَنْبُتُ ومَعَها الدُهْنُ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْبُتُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ، واخْتُلِفَ في التَقْدِيرِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الباءُ زائِدَةٌ، وهَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ ﴾ ، وهَذا المِثالُ عِنْدِي مُعْتَرَضٌ وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَدْ ذَكَرَهُ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابَ الفَلَجْ نَضْرِبُ بِالبَيْضِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: تَنْبُتُ جَناها ومَعَهُ الدُهْنُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْضًا، وقَدْ قِيلَ: نَبَتَ وأنْبَتَ بِمَعْنى، فَيَكُونُ الفِعْلُ كَما مَضى في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، والأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ أنْبَتَ ويَتَّهِمْ قَصِيدَةَ زُهَيْرٍ الَّتِي فِيها: ..............
∗∗∗......
أنْبَتَ البَقْلُ وقَرَأ الزُهْرِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "تَنْبُتُ" بِرَفْعِ التاءِ ونَصْبِ الباءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي باءُ الحالِ، أيْ: تَنْبُتُ ومَعَها دُهْنُها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "تَخْرُجُ بِالدُهْنِ"، وهي أيْضًا باءُ الحالِ، وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "تَنْبُتُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الباءِ "الدُهْنَ" بِحَذْفِ الباءِ ونَصْبِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، والأشْهَبُ: "بِالدِهانِ"، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الزَيْتِ عَلى الإنْسانِ، وهي مِن أرْكانِ النِعَمِ الَّتِي لا غِنى بِالصِحَّةِ عنها، ويَدْخُلُ في مَعْنى الزَيْتُونَةِ شَجَرُ الزَيْتِ كُلِّهِ عَلى اخْتِلافِهِ بِحَسَبِ الأمْصارِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَصِبْغٍ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأصْباغٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: "وَمَتاعًا لِلْآكِلِينَ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ "الأنْعامُ" هي الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعْزُ، و"العِبْرَةُ" في خَلْقِها وسائِرِ أخْبارِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُسْقِيكُمْ" بِضَمِّ النُونِ مِن "أسْقى"، ورُوِيَتْ عن عاصِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ وابْنُ عامِرٍ: "نَسْقِيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ مِن "سَقى"، فَمِنَ الناسِ مَن قالَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى، ومِنهم مَن قالَ: سَقَيْتُهُ إذا أعْطَيْتُهُ لِلشَّفَةِ، وأسْقَيْتُهُ إذا جَعَلْتُ لَهُ سُقْيًا لِأرْضٍ أو ثَمَرَةٍ أو نَحْوِهِ، فَكَأنَّ اللهَ جَعَلَ الأنْعامَ لِعِبادِهِ سُقْيًا يَشْرَبُونَ ويَنْتَجِعُونَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "تَسْقِيكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، أيْ: تَسْقِيكُمُ الأنْعامُ.
و"المَنافِعُ": الحَمْلُ عَلَيْها، وجُلُودُها، وأصْوافُها، وأوبارُها، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ عَدُّهُ.
و"الفُلْكُ": السُفُنُ، واحِدُها فَلَكٌ، الحَرَكاتُ في الواحِدِ كَحَرَكاتِ قَفَلْ وبَرَدْ، والحَرَكاتُ في الجَمْعِ كَحَرَكاتِ أُسْدٌ وكُتْبٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ﴾ هَذا ابْتِداءُ تَمْثِيلٍ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِأُمَمٍ كَفَرَتْ بِأنْبِيائِها فَأُهْلِكُوا، فَفي ضِمْنِ ذَلِكَ الوَعِيدِ بِأنْ يَحِلَّ لَهم بَلاءٌ نَحْوَ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
ونُوحٌ -عَلَيْهِ السَلامُ- أوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ إلى الناسِ، وإدْرِيسُ -عَلَيْهِ السَلامُ- أوَّلُ مَن نُبِّئَ ولَمْ يُرْسَلْ.
و"المَلَأُ": الأشْرافُ لِأنَّهم عنهم يَصْدُرُ المَلَأُ، وهو جَمْعُ القَوْمِ، وفي قَوْلِ "هَؤُلاءِ" اسْتِبْعادُ بِعْثَةِ البَشَرِ، وهم قَوْمٌ مُقِرُّونَ بِالمَلائِكَةِ، وذَلِكَ لا شَكَّ مُتَقَرِّرٌ عِنْدَهم مِن بَقايا نُبُوَّةِ آدَمَ وإدْرِيسَ -عَلَيْهِما السَلامُ- وغَيْرِهِما، ولَمْ يَكُنْ عن عِلْمٍ صَحِيحٍ ولا مُعْرِفَةٍ بِأخْبارِ نُبُوَّةٍ.
و"الجِنَّةُ": الجُنُونُ، و"تَرَبَّصُوا" مَعْناهُ: اصْبِرُوا وانْتَظِرُوا هَلاكَهُ، و"حَتّى حِينٍ".
مَعْناهُ: إلى وقْتٍ، ولَمْ يُعِينُوهُ، وإنَّما أرادُوا: إلى وقْتٍ يُرِيحُكُمُ القَدْرُ مِنهُ.
ثُمْ إنَّ نُوحًا -عَلَيْهِ السَلامُ- دَعا عَلى قَوْمِهِ حِينَ يَئِسَ مِنهم وإنْ كانَ دُعاؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِنَصٍّ، وإنَّما هو ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ: "بِما كَذَّبُونِ"، فَهو يَقْتَضِي طَلَبَ العُقُوبَةِ، وأمّا النُصْرَةُ بِمَجْرَّدِها فَكانَتْ تَكُونُ بِرَدِّهِمْ إلى الإيمانِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رَبِّ انْصُرْنِي".
بِرَفْعِ الباءِ، وكَذَلِكَ "رَبِّ احْكُمْ" وشِبْهَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأوحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ ﴾ ﴿ فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في صِفَةِ السَفِينَةِ وقَدْرِها في سُورَةِ هُودٍ، و"الفُلْكُ" هُنا مُفْرَدٌ لا جَمْعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ هَذا مَذْهَبُ الحُذّاقِ، ووَقَفَتِ الشَرِيعَةُ عَلى أعْيُنٍ وعَيْنٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَيْنانِ مِن حَيْثُ لَمَّ تُوقَفِ الشَرِيعَةُ عَلى التَثْنِيَةِ، و"وَحْيِنا" مَعْناهُ: في كَيْفِيَّةِ العَمَلِ ووَجْهِ البَيانِ، وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَلامُ- نَزَلَ إلى نُوحٍ -عَلَيْهِ السَلامُ- فَقالَ لَهُ: اصْنَعْ كَذا وكَذا لِجَمِيعِ حُكْمِ السَفِينَةِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ.
واسْتَجَنَّ الكَفّارُ نُوحًا لِادِّعائِهِ النُبُوَّةَ بِزَعْمِهِمْ أنَّها دَعْوى، وسَخِرُوا مِنهُ لِعَمَلِهِ السَفِينَةِ عَلى غَيْرِ مَجْرى، أو لِكَوْنِها أوَّلُ سَفِينَةٍ إنْ صَحَّ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْرُنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى أنْ نَأْمُرَ الماءَ بِالفَيْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ إهْلاكِنا لِلْكَفَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفارَ التَنُّورُ ﴾ .
والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّهُ تَنُّورُ الخَبْزِ، وأنَّهُ أمارَةٌ كانَتْ بَيْنَ اللهِ -تَبارَكَ وتَعالى- وبَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاسْلُكْ" مَعْناهُ: فَأدْخِلْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مِسْكِ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وقَوْلُ الآخَرِ: وكُنْتُ لِزازٍ خَصْمَكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ يُقالُ: سَلَكَ وأسْلَكَ بِمَعْنى.
وقَرَأ حَفْصُ عن عاصِمْ: "مِن كَلٍّ" بِتَنْوِينِ "كَلٍّ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ بِإضافَةِ "كُلٍّ" دُونَ تَنْوِينٍ، و"الزَوْجانِ" كُلُّ ما شَأْنُهُ الِاصْطِحابُ مِن كُلِّ شَيْءٍ كالذَكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ ونَحْوَ النِعالِ وغَيْرِها كُلُّ واحِدٍ زَوْجٌ لِلْآخَرِ، هَذا مَوْقِعُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ، والعَدَدِيُّونَ يُوقِعُونَ الزَوْجَ عَلى الِاثْنَيْنِ، وعَلى هَذا أمَرَ اسْتِعْمالُ العامَّةِ لِلزَّوْجِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأهْلَكَ" يُرِيدُ قَرابَتَهُ، ثُمُ اسْتَثْنى مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّهُ كافِرٌ وهو ابْنُهُ وامْرَأتُهُ، ثُمْ أمْرَ اللهُ نُوحًا -عَلَيْهِ السَلامُ- ألّا يُراجِعَ رَبَّهُ ولا يُخاطِبَهُ شافِعًا في أحَدٍ مِنَ الظالِمِينَ، والإشارَةُ إلى مَنِ اسْتَثْنى إذِ العُرْفُ مِنَ البَشَرِ الحُنُوُّ عَلى الأهْلِ، ثُمْ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى النَجاةِ مِنَ الظَلَمَةِ عِنْدَ اسْتِوائِهِ وتَمَكُّنِهِ في الفُلْكِ، ثُمْ أمَرَهُ بِالدُعاءِ في بَرَكَةِ المَنزِلِ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَنزِلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزايِ، وهو مَوْضِعُ النُزُولِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "مُنْزَلًا" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزايِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْزالِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَوْضِعُ النُزُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ - - أيْ: إنَّ فِيما جَرى عَلى هَذِهِ الأُمَمِ لَعِبَرًا أو دَلائِلَ لِمَن لَهُ نَظَرٌ وعَقْلٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ الزَمَنَ بَعْدَ الزَمَنِ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الإخْبارِ، و"إنَّ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ تَأْكِيدٍ، والفِراءُ يَقُولُ: "إنَّ" نافِيَةٌ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"مُبْتَلِينَ" مَعْناهُ مُصِيبِينَ بِبَلاءٍ ومُخْتَبِرِينَ اخْتِبارًا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ ﴿ فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ قالَ الطَبَرَيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: إنَّ هَذا القَرْنَ هم ثَمُودُ، ورَسُولُهم صالِحُ -عَلَيْهِ السَلامُ- وفي الرِواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْمَ عادٍ أقْدَمَ إلّا أنَّهم لَمْ يُهْلَكُوا بِصَيْحَةٍ، وفي هَذا احْتِمالاتٍ كَثِيرَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.
و"أتْرَفْناهُمْ" مَعْناهُ: نَعَّمْناهم وبَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ، ومَقالَةُ هَؤُلاءِ أيْضًا تَقْتَضِي اسْتِبْعادَ بِعْثَةِ البَشَرِ، وهَذِهِ الطائِفَةُ وقَوْمُ نُوحٍ لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآياتِ أنَّ المُعْجِزَةَ ظَهَرَتْ لَهم وأنَّهم كَذَّبُوا بَعْدَ وُضُوحِها، ولَكِنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا المُعْجِزَةَ، والعِقابَ لا يَتَعَلَّقُ بِأحَدٍ إلّا بَعْدَ تَرْكِهِ الواجِبَ عَلَيْهِ، ووُجُوبِ الِاتِّباعِ إنَّما هو قِيامُ الحُجَّةِ عَلى المَرْءِ أو عَلى مَن هو المَقْصِدُ والجُمْهُورُ، كالعَرَبِ في مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، والأطِبّاءُ لِعِيسى، والسَحَرَةُ لِمُوسى، فَبِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى هَؤُلاءِ قامَتْ عَلى جَمِيعِ مَن ورائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أيَعِدُكُمُ" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَوْقِيفِ، عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ، وبِمَعْنى الهَزْءِ بِهَذا الوَعْدِ، و"أنَّكُمُ" الثانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وفِيها مَعْنى تَأْكِيدِ الأوَّلِ، وكُرِّرَتْ لِطُولِ الكَلامِ، وإنْ كانَ المُبَرِّدُ أبى عِبارَةَ البَدَلِ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ إذْ لَمْ يَذْكُرْ خَبَرَ "أنَّ" الأُولى، والخَبَرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: "أنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مِتُّمْ".
وهَذا المُقَدَّرُ هو العامِلُ في "إذا"، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "أيَعِدُكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ" بِحَذْفِ "أنَّكُمُ" الأُولى، ويَعْنُونَ بِالإخْراجِ النُشُورِ مِنَ القُبُورِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ﴾ اسْتِبْعادٌ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ لَها مَعْنى الفِعْلِ، التَقْدِيرُ: بَعْدَ كَذا، فَطَوْرًا يَلِيها الفاعِلُ دُونَ لامٍ، تَقُولُ: هَيْهاتَ مَجِيءَ زَيْدٍ، أيْ: بَعُدَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقَ ومَن بِهِ وهَيْهاتَ خَلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللامِ كَهَذِهِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ: بَعْدَ الوُجُودِ لِما تُوعَدُونَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِمَعْنى الفِعْلِ أشْبَهَتِ الحُرُوفَ مِثْلَ "مَهْ" وغَيْرِها، فَلِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِفَتْحِ التاءِ، وهي مُفْرِدٌ سُمِّي بِهِ الفِعْلُ في الخَبَرِ، أيْ: بَعُدَ، كَما أنَّ "شَتّانَ" اسْمٌ "افْتَرَقَ"، وعُرْفُ تَسْمِيَةِ الفِعْلِ أنْ يَكُونَ في الأمْرِ كَصَهٍ وهُسٍّ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "هَيْهاتِ هَيْهاتِ" بِكَسْرِ التاءِ غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ.
وقَرَأها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ -بِخِلافٍ عنهُ- "هَيْهاتَ هَيْهاتَ" مُنَوَّنَةٌ، وهي عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعُ "هَيْهاتَ"، وكانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "هَيْهاتَ" إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: هي مِثْلَ "بَيْضاتٍ"، أرادَ: "فِي أنَّها جَمَعَ"، وظَنَّ بَعْضُ النُحاةِ أنَّهُ أرادَ: "فِي اتِّفاقِ المُفْرَدِ" فَقالَ: واحِدٌ "هَيْهاتَ": "هِيهِهٍ"، ولَيْسَ كَما قالَ، وتَنْوِينُ عِيسى عَلى إرادَةِ التَنْكِيرِ، وتَرَكَ أبُو جَعْفَرٍ التَنْوِينَ عَلى إرادَةِ التَعْرِيفِ.
وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: "هَيْهاتْ هَيْهاتْ" بِتاءٍ ساكِنَةٍ، وهي -عَلى هَذا- جَماعَةٌ لا مُفْرَدٌ، وقَرَأها كَذَلِكَ الأعْرَجُ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "هَيْهاتٌ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ مُنَوَّنَةٌ، وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ وخَبَرُهُ ﴿ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ، أيِ: البُعْدُ لِوَعْدِكُمْ، كَما تَقُولُ: النَجْمُ لِسَعْيِكُمْ، ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ "هَيْهاتُ" بِالرَفْعِ دُونَ تَنْوِينٍ، وقَرَأ خالِدُ بْنُ إلْياسَ: "هَيْهاتا هَيْهاتا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ.
والوَقْفُ عَلى "هَيْهاتَ" مِن حَيْثُ هي مَبْنِيَّةٌ بِالهاءِ، ومَن قَرَأ بِكَسْرِ التاءِ وقَفَ بِالتاءِ، وفي اللَفْظَةِ لُغاتٍ: هَيْها، وهَيْهاتَ، وَهَيْهانِ، وأيْهاتِ، وهَيْهاتَ، وهَيْهاتَ، وهَيْهاهُ، "قالَ رُؤْبَةُ: هَيْهاهُ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما تُوعَدُونَ" بِغَيْرِ لامٍ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ أرادُوا أنَّهُ لا وُجُودَ لَنا غَيْرَ هَذا الوُجُودِ، وإنَّما تَمُوتُ مِنّا طائِفَةٌ فَتَذْهَبُ وتَجِيءُ طائِفَةٌ جَدِيدَةٌ، وهَذا كُفْرُ الدَهْرِيَّةِ.
و"بِمُؤْمِنِينَ" مَعْناهُ: بِمُصَدِّقِينَ، ثُمْ دَعا عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ﴾ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ ﴿ ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ -تَعالى- لِهَذا النَبِيِّ الداعِي: عَمّا قَلِيلٍ يَنْدَمُ قَوْمُكَ عَلى كُفْرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَدَمُ.
ومِن ذَكَرِ الصَيْحَةِ ذَهَبَ الطَبَرَيُّ إلى أنَّهم قَوْمُ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِما اسْتَحَقُّوا مِن أفْعالِهِمْ وبِما حَقَّ مِنّا في عُقُوبَتِهِمْ.
و"الغُثاءُ": ما يَحْمِلُهُ السَيْلُ مِن زُبَدِهِ ومُعْتادِهِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيُشَبِّهُ كُلَّ هامِدٍ وتالِفٍ بِذَلِكَ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أنَّهُ أنْشَأ بَعْدَ هَؤُلاءِ أُمَمًا كَثِيرَةً، كُلُّ أُمَّةٍ بِأجَلٍ وفي كِتابٍ لا تَتَعَدّاهُ في وُجُودِها وعِنْدَ مَوْتِها.
و"تَتْرا" مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ فَعْلى مُثُلِ الدَعْوى والعَدْوى ونَحْوِها، ولَيْسَ "تَتْرا" بِفِعْلٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ مِن: تَواتَرَ الشَيْءُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتْرا" كَما تَقَدَّمَ، ووَقْفُهم بِالألْفِ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُمِيلانِها، قالَ أبُو حاتِمْ: هي ألْفُ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَتْرى" بِالتَنْوِينِ، ووَقَفُهُما بِالألْفِ، وهي ألْفُ إلْحاقٍ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: يُقالُ: جاءُوا تَتْرى وتَتْرى، أيْ: مُتَواتِرِينَ، التاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ إبْدالِ الواوِ تاءً إنَّما هو في "افْتَعَلَ" وما تَصَرَّفَ مِنها إذا كانَتْ ياؤُهُ واوًا، فَإنَّ فاءَهُ تَنْقَلِبُ تاءً وتُدْغَمُ في تاءِ "افْتَعَلَ"، وذَلِكَ نَحْوَ "اتَّزَرَ واتَّجَهَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا ﴾ أيْ: في الإهْلاكِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ يُرِيدُ أحادِيثَ مَثَلٍ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ الجَعْلُ حَدِيثًا إلّا في الشَرِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ ﴾ "ثُمْ" هُنا عَلى بابِها لِتَرْتِيبِ الأُمُورِ واقْتِضاءِ المُهْلَةِ، و"الآياتُ" الَّتِي جاءَ بِها مُوسى وهارُونُ هي اليَدُ والعَصا اللَتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَحَدِّي، وهُما "السُلْطانُ المُبِينُ"، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ بِبَنِي إسْرائِيلَ.
و"المَلَأُ": هَهُنا: الجَمْعُ، يَعُمُ الأشْرافَ وغَيْرَهُمْ، و"اسْتَكْبَرُوا" مَعْناهُ: عَنِ الإيمانِ لِمُوسى وأخِيهِ -عَلَيْهِما السَلامُ- لِأنَّهم أنِفُوا مِن ذَلِكَ.
و"عالِينَ" مَعْناهُ: قاصِدِينَ العُلُوَّ بِالظُلْمِ والكِبْرِياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عابِدُونَ" مَعْناهُ: خامِدُونَ مُتَذَلِّلُونَ، ومِن هُنا قِيلَ لِعَرَبِ الحَيْرَةِ: العِبادُ؛ لِأنَّهم دَخَلُوا مِن بَيْنِ العَرَبِ في طاعَةِ كِسْرى، هَذا أحَدُ القَوْلَيْنِ في تَسْمِيَتِهِمْ، والطَرِيقُ المُعَبَّدُ: المُذَلَّلُ، وعُلُوُّ هَؤُلاءِ هو الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُهْلَكِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِالغَرَقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ "الكِتابُ" هو التَوْراةُ، و"لَعَلَّهُمْ" يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ التَوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ والقَبَطَ، والتَرَجِّي في "لَعَلَّ" في حَيِّزِ البَشَرِ، أيْ: كانَ مِن فِعْلِنا مَعَهم ما يَرْجُو مَعَهُ ابْنُ آدَمَ إيمانَهم وهُداهُمْ، والقَضاءُ قَدْ حَكَمَ بِما حَكَمَ.
و "ابْنُ مَرْيَمَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِصَّتُهُما كُلُّها آيَةٌ عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَفْصِيلِ، وأخَذَها مِن كِلا الوَجْهَيْنِ مُتَمَكِّنٌ، و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ، واسْتِعْمالُ اللَفْظَةِ في الأماكِنِ، أيْ: أقْرَرْناهُما، و "الرَبْوَةُ": المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَبْوَةٍ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرٌ عن عاصِمْ بِكَسْرِها.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقِ: "رُباوَةٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الشُهُبُ العَقِيلِيِّ بِفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِها، وكُلُّها لُغاتٌ قُرِئَ بِها، و"القَرارُ": التَمَكُّنُ، فَمَعْنى هَذا أنَّها مُسْتَوِيَةٌ بَسِيطَةٌ لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وقالَ قَتادَةُ: "القَرارُ" هُنا: الحُبُوبُ والثِمارُ.
ومَعْنى الآيَةِ أنَّها مِنَ البِقاعِ الَّتِي كَمُلَتْ خِصالُها فَهي أهْلٌ أنْ يَسْتَقِرَّ فِيها، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلى الكَمالِ في البِقاعِ الَّتِي ماؤُها آبارٌ، فَبَيَّنَ بَعْدُ أنَّ ماءَ هَذِهِ الرَبْوَةِ يُرى مُعَيَّنًا جارِيًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وهَذا كَمالُ الكَمالِ.
و"المَعِينُ": الظاهِرُ الجَرْيَ لِلْعَيْنِ، فالمِيمُ زائِدَةٌ، وهو الَّذِي يُعايِنُ جَرْيَهُ، لا كالبِئْرِ ونَحْوِهُ، وكَذَلِكَ أدْخَلَ الخَلِيلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ في بابِ (عَ، يَ، نَ)، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: "مَعُنَ الماءُ" إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المَعْنُ المَعْرُوفُ والجُودُ، فالمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: واهِيَةٌ أو مُعِينٌ مُمْعِنٌ وهَضَبَةٌ دُونَها لُهُوبُ وقَدِ قالَ رَسُولُ اللهِ - -: «يَرْحَمُ اللهُ هاجَرَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكانَتْ عَيْنًا مُعَيَّنًا».
وهَذا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وهَذِهِ الرَبْوَةُ هي المَوْضِعُ الَّذِي فَرَّتْ إلَيْهِ مَرْيَمُ حِينَ اسْتَحْيَتْ في قِصَّةِ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو الَّذِي قِيلَ لَها فِيهِ: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ الرَبْوَةِ -فَقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ سَعِيدُ: هي الغُوطَةُ بِدِمِشْقَ - وهَذا أشْهَرُ الأقْوالِ لِأنَّ صِفَةَ الغُوطَةِ أنَّها ذاتُ قَرارٍ ومَعِينٍ عَلى الكَمالِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: هي الرَمْلَةُ في فِلَسْطِينَ، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ عن كُرَيْبٍ، عن مُرَّةَ البَهْزِيِّ، عَنِ النَبِيِّ - - ويُعارِضُ هَذا القَوْلَ أنَّ الرَمَلَةَ لَيْسَ يَجْرِي بِها ماءٌ البَتَّةَ، وذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ وضَعَّفَ القَوْلَ بِهِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: الرَبْوَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَرَجَّحُ أنَّ الرَبْوَةَ في بَيْتِ لَحْمٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّ وِلّادَةَ عِيسى هُنالِكَ كانَتْ، وحِينَئِذٍ كانَ الإيواءُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: الرَبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وذَلِكَ أنَّها رُبى يَجْرِي فَيْضُ النِيلِ إلَيْها فَيَمْلَأُ الأرْضَ ولا يَنالُ تِلْكَ الرُبى وفِيها القُرى وبِها نَجاتُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُضَعِّفُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ومَرْيَمَ كانا بِأرْضِ مِصْرَ ولا حُفِظَتْ لَهُما بِهِما قِصَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وقُلْنا يا أيُّها الرُسُلُ، فَتَكُونُ هَذِهِ بَعْضُ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَ، وكَيْفَ كانَ قَوْلُ المَعْنى، فَلَمْ يُخاطَبُوا قَطُّ مُجْتَمَعَيْنِ وإنَّما خُوطِبَ كُلُّ واحِدٍ في عَصْرِهِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: الخِطابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ لِمُحَمَّدٍ - - ثُمُ اخْتَلَفَتْ -فَقالَ بَعْضُها: أقامَهُ مَقامَ الرُسُلِ، كَما قالَ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إنَّ الناسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَثْبُتُ مَعَ النَظَرِ.
والوَجْهُ في هَذا أنْ يَكُونَ الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ - - وخَرَجَ بِهَذِهِ الصِيغَةِ لِيُفْهِمْ وجِيزًا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قَدْ خُوطِبَ بِها كُلُّ نَبِيٍّ، أو هي طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُمُ الكَوْنُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَقُولُ لِتاجِرٍ: يا تُجّارُ يَنْبَغِي أنَّ تُجانِبُوا الرِبا، فَأنْتَ تُخاطِبُهُ بِالمَعْنى، وقَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ تَصْلُحُ لِجَمِيعِ صِنْفِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلَ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ، ووَجْهُ خِطابِهِ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْدِيرٍ لِمُحَمَّدٍ - - و"الطَيِّباتُ" هُنا: الحَلالُ بِلَذَّةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَنْبِيهٌ ما عَلى التَحَفُّظِ، وضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ بِالمُباحَثَةِ -صَلّى اللهُ عَلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ- وإذا كانَ هَذا مَعَهم فَما ظَنُّ كُلُّ الناسِ بِأنْفُسِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمْ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ هَذِهِ" بِكَسْرِ الألِفِ وشَدِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ "أنْ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَشْدِيدِ "أنَّ".
فالقِراءَةُ الأُولى بَيِّنَةٌ عَلى القَطْعِ، وأمّا فَتْحُ الألِفِ وتَشْدِيدُ النُونِ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ آخِرًا بِـ "فاتَّقُونِ" عَلى تَقْدِيرِ: "لِأنَّ"، أيْ: فاتَّقَوْنِ لِأنَّ أُمَّتَكم أُمَّةً واحِدَةً وأنِّي رَبُّكُمْ، وهَذا عِنْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا ﴾ .و"أنَّ" عِنْدَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وهي عِنْدَ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَمّا زالَ الخافِضُ، وقَدْ عَكَسَ هَذا الَّذِي نُسِبَتْ إلَيْهِما بَعْضُ الناسِ، وقالَ الفِراءُ: "أنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أوِ احْفَظُوا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُمَّةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمْ وأبُو عَمْرٍو: "أُمَّةً واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن "هَذِهِ"، وفي هَذا نَظَرٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ إنَّما هو مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وأنَّهُ بِتَقْرِيرِ حُضُورِهِمْ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا لِلنّاسِ، وإذا قُدِّرَتْ ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ - - قَلِقَ اتِّصالُ هَذِهِ واتِّصالُ قَوْلِهِ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ ﴾ ، أمّا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ وإنْ كانَ قِيلٌ لِلْأنْبِياءِ فَأُمَمُهم داخِلُونَ بِالمَعْنى فَيَحْسُنُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّصالُ "فَتَقَطَّعُوا"، ومَعْنى "الأُمَّةُ" هُنا المِلَّةُ والشَرِيعَةُ، والإشارَةُ بِـ"هَذِهِ" إلى الحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو دِينُ الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ: "فَتَقَطَّعُوا" يُرِيدُ الأُمَمَ، أيِ: افْتَرَقُوا، ولَيْسَ بِفِعْلٍ مُطاوِعٍ كَما تَقُولُ "تَقْطَعَ الثَوْبُ"، بَلْ هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى "قَطَعُوا"، ومِثْلُهُ تُجَهِّمَنِي اللَيْلَ، وتُخَوِّفَنِي السَيْرَ، وتُعَرِّفَنِي الزَمَنَ.
وقَرَأ نافِعٌ: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ والباءِ، جَمْعَ زَبُورٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافِ-: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ وفَتْحِ الباءِ، فَأمّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:أحَدُهُما: أنَّ الأُمَمَ تَنازَعَتْ أمْرَها كُتُبًا مُنَزَّلَةً، فاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الصُحُفَ وفِرْقَةٌ التَوْراةَ وفِرْقَةٌ الإنْجِيلَ، ثُمْ حَرَّفَ الكُلُّ وبَدَّلَ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثانِي أنَّهم تَنازَعُوا أمْرَهم كُتُبًا وضَعُوها وضَلالاتٍ ألَّفُوها، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَمَعْناها: فُرُقًا كَزُبُرَ الحَدِيدِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وضَلالَتِهِ، وهَذِهِ غايَةُ الضَلالِ؛ لِأنَّ المُرْتابَ بِما عِنْدَهُ يَنْظُرُ في طَلَبِ الحَقِّ، ومِن حَيْثُ كانَ ذِكْرُ الأُمَمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالًا لِقُرَيْشٍ خاطَبَ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في شَأْنِهِمْ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: "فَذَرْهُمْ"، أيْ: فَذَرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ مَن تَقَدَّمَ.و"الغَمْرَةُ": ما عَمَّهم مِن ضَلالِهِمْ وفَعَلَ بِهِ فِعْلَ الماءِ الغَمْرِ لِما حَصُلَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فَذَرْهم في غَمَراتِهِمْ".
و"حَتّى حِينٍ" أيْ: إلى وقْتِ فَتْحٍ فِيهِمْ غَيْرُ مَحْدُودٍ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
ثُمْ وقَّفَهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللهِ عِنْدَهم بِالمالِ ونَحْوِهُ إنَّما هي لِرِضاهُ عن حالِهِمْ، وبَيَّنَ -تَعالى- أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وخَبَرُ "أنَّ" في قَوْلِهِ: "نُسارِعُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُسارِعُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الكَلامِ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- ضَمِيرٌ عائِدٌ تَقْدِيرُهُ: "لَهم بِهِ".
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: "يُسارِعُ" بِالياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ إمْدادَنا يُسارِعُ، ولا ضَمِيرَ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا ما يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ، ورُوِيَ عن أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورِ "يُسارَعُ" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "نُسْرِعُ" بِالنُونِ وسُقُوطِ الألِفِ، و"الخَيْراتُ" هُنا تَعُمُ الدُنْيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، و"الشُعُورُ" مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما بَلِيَ الإنْسانُ مِن ثِيابِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ ﴾ لَمّا فَرَغَ ذِكْرُ الكَفَرَةِ وتَوَعُّدِهِمْ عَقَّبَ ذَلِكَ ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ ووَعَدَهُمْ، وذَكَرَ ذَلِكَ بِأبْلَغِ صِفاتِهِمْ.
و"الإشْفاقُ" أبْلَغُ التَوَقُّعِ والخَوْفِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن خَشْيَةِ ﴾ لِبَيانِ جِنْسِ الإشْفاقِ، والإشْفاقُ إنَّما هو مِن عَذابِ اللهِ -تَعالى- و"مِن" في قَوْلِنا: "مِن عَذابِ اللهِ" هي لِابْتِداءِ غايَةٍ.
و"الآيَةُ" تَعُمُ القُرْآنَ وتَعُمُ العِبَرُ والمَصْنُوعاتُ الَّتِي لِلَّهِ تَعالى وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ نَظَرٌ واعْتِبارٌ.
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ثُمْ ذَكَّرَهم -تَعالى- مِنَ الطَرَفِ الآخَرِ وهو نَفْيُ الإشْراكِ؛ لِأنَّ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا: ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِآياتِ رَبِّنا، ونُرِيدُ أنْ نُصَدِّقَ بِأنَّهُ المُخْتَرِعُ الخالِقُ، فَذَكَرَ تَعالى نَفْيَ الإشْراكِ الَّذِي لا حَظَّ لَهم فِيهِ بِسَبَبِ أصْنامِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَعْناهُ: يُعْطُونَ ما أعْطَوْا، وقالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ الزَكاةَ المَفْرُوضَةَ وسائِرَ الصَدَقَةِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- ومُجاهِدٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما ضَمَّهم إلى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ العَطاءَ مُسْتَعْمَلٌ في المالِ عَلى الأغْلَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عامٌّ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ، وهَذا أحْسَنُ، كَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يُعْطُونَ مِن أنْفُسِهِمْ في طاعَةِ اللهِ ما بَلَغَهُ جُهْدُهم.
وقَرَأتْ عائِشَةُ أُمُ المُؤْمِنِينَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "يَأْتُونَ ما أتَوْا"، ومَعْناهُ: يَفْعَلُونَ ما فَعَلُوا، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ النَبِيِّ - - وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: مِنَ المَعاصِي، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ في جَمِيعِ الأعْمالِ طاعَتِها ومَعْصِيَتِها، وهَذا أمْدَحُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «عن عائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها- أنَّها قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ﴾ الَّذِي يَزْنِي ويَسْرِقُ؟
قالَ: لا يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، بَلْ هي في الرَجُلِ يَصُومُ ويَتَصَدَّقُ وقَلْبُهُ وجِلٌ يَخافُ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنهُ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ.
و"الوَجَلُ" نَحْوَ الإشْفاقِ والخَوْفِ، وصُورَةُ هَذا الوَجَلِ.
أمّا المُخْلِطُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أبَدًا تَحْتَ خَوْفٍ مِن أنْ يَكُونَ يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِتَخْلِيطِهِ، وأمّا التَقِيُّ والتائِبُ فَخَوْفُهُ مِنَ الخاتِمَةِ وما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الخاتِمَةِ.
وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ البَرِّ ويَخافُونَ ألّا يُنْجِيَهم ذَلِكَ مِن عَذابِ رَبِّهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ حَسَنَةٌ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُؤْمِنُ يَجْمَعُ إحْسانًا وشَفَقَةً، والمُنافِقُ يَجْمَعُ إساءَةً وأمْنًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، والتَقْدِيرُ: بِأنَّهم أو لِأنَّهم أو مِن أجْلِ أنَّهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَجِلَةٌ" عامِلَةٌ في "أنَّ" مِن حَيْثُ إنَّها بِمَعْنى: خائِفَةٌ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّهُمْ" بِالكَسْرِ عَلى إخْبارٍ مَقْطُوعٍ في ضِمْنِهِ تَخْوِيفٌ.
ثُمْ أخْبَرَ -تَعالى- عنهم أنَّهم يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيِّراتِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُسارِعُونَ"، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ" و"أنَّهم إلَيْها سابِقُونَ"، وهَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن أجْلِها سابِقُونَ، فالسابِقُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو إلى رِضْوانِ اللهِ، وعَلى الأوَّلِ هو إلى الخَيْراتِ، وقالَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما-: المَعْنى: سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ في الأزَلِ فَهم لَها، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِأنَّ اللامَ مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ نَسَخٌ لِجَمِيعِ ما ورَدَ في الشَرْعِ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ عَلى الحَقِيقَةِ، وتَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: ثَلاثَةٌ حَقِيقَةٌ ورابِعٌ مُجازِيٌّ، وهو الَّذِي لا يُطاقُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ الإيمانِ لِلْكافِرِ والطاعَةِ لِلْعاصِي، وهَذا التَكْلِيفُ باقٍ وهو تَكْلِيفُ أكْثَرِ الشَرِيعَةِ، وأمّا الثَلاثَةُ فَوَرْدَ الِاثْنانِ مِنها، وفِيها وقْعَ النَسْخُ المُحالُ عَقْلًا في نازِلَةِ أبِي لَهَبٍ والمُحالُ عادَةً في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ الآيَةُ.
والثالِثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ، وهو النَوْعُ المُهْلِكُ لِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُكَلِّفْهُ عِبادَهُ، فَأمّا قَتْلُ القاتِلِ ورَجْمُ الزانِي فَعُقُوبَتُهُ بِما فَعَلَ، وقَدْ مَضى القَوْلُ مُسْتَوْعَبًا في مَسْألَةِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِنا "ناسِخٌ" نَظَرٌ مِن جِهَةِ التَوارِيخِ وما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ وما نَزَلَ بِمَكَّةَ، واللهُ المُعِينُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ ﴾ أظْهَرُ ما قِيلَ فِيهِ أنَّهُ أرادَ كِتابَ إحْصاءِ الأعْمالِ الَّذِي تَرْفَعُهُ المَلائِكَةُ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَهْدِيدٌ وتَأْنِيسٌ مِنَ الحَيْفِ والظُلْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَدَيْنا كِتابٌ ﴾ إلى القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُحْتَمَلُ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي غَمْرَةٍ ﴾ يُرِيدُ: في ضَلالٍ قَدْ غَمَرَها كَما يَفْعَلُ الماءُ الغَمْرُ بِما حَصُلَ فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن هَذا" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ [أنْ يُشِيرَ] إلى كِتابِ الإحْصاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ، أيْ: هم في غَمْرَةٍ مِنَ اطِّراحِها وتَرْكِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى الدِينِ بِجُمْلَتِهِ، أو إلى مُحَمَّدٍ - - وكُلُّ تَأْوِيلٍ مِن هَذِهِ قالَتْهُ فَرِقَّةٌ، وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ ، الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى الغَمْرَةِ والضَلالِ المُحِيطِ بِهِمْ، فَمَعْنى الآيَةِ: بَلْ هم ضالُّونَ مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وهم -مَعَ ذَلِكَ- لَهم سِعاياتٌ فَسادٌ، فَوَسَمَهم تَعالى بِحالَتَيْ شَرٍّ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فالإخْبارُ عَمّا سَلَفَ مِن أعْمالِهِمْ وعَمّا هم فِيهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِن هَذا" فَكَأنَّهُ قالَ: لَهم أعْمالٌ مِن دُونِ الحَقِّ أوِ القُرْآنِ ونَحْوِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ومُجاهِدٌ: إنَّما أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: "وَلَهم أعْمالٌ" عَمّا يُسْتَأْنَفُ مِن أعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهم لَهم أعْمالٌ مِنَ الفَسادِ يَسْتَعْمِلُونَها.
و"حَتّى" حَرْفُ ابْتِداءٍ لا غَيْرَ، و"إذا" الأُولى و"إذا" الثانِيَةُ -الَّتِي هي جَوابٌ- تَمْنَعاهُ مِن أنْ تَكُونَ حَتّى غايَةً لِـ "عامِلُونَ".
و"المُتْرَفُ" هو المُنْعَمُ في الدُنْيا الَّذِي هو مِنها في سَرَفٍ، وهَذِهِ حالٌ شائِعَةٌ في رُؤَساءِ الكَفَرَةِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.
و"يَجْأرُونَ" مَعْناهُ: يَسْتَغِيثُونَ بِصِياحٍ كَصِياحِ البَقَرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجَأْرِ في البَشَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيـ ـكِ فَطَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤُورًا وذَهَبَ مُجاهِدُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا العَذابَ المَذْكُورَ هو الوَعِيدُ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وفِيهِ نَقْدٌ عَلى مُتْرَفِيهِمْ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إذا هُمْ" يَعُودُ عَلى "المُتْرَفِينَ" فَقَطْ لِأنَّهم صاحُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمُ الهَزْمُ والقَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الباقِينَ بَعْدَ المُعَذَّبِينَ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: المُعَذَّبُونَ: قَتْلى بَدْرٍ، والَّذِينَ يَجْأرُونَ: أهْلُ مَكَّةَ لِأنَّهم ناحُوا واسْتَغاثُوا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ ﴾ ﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ ﴾ المَعْنى: يُقالُ لَهم يَوْمَ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِهِ: ﴿ لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ ﴾ ، وهَذا القَوْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، أيْ: تَقُولُ ذَلِكَ لَهُمُ المَلائِكَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا، أيْ: لِسانُ الحالِ يَقُولُ ذَلِكَ، وهَذا عَلى أنَّ الَّذِينَ يَجْأرُونَ هُمُ المُعَذَّبُونَ، وأمّا عَلى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَلا يُحْتَمَلُ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ المَلائِكَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةُ يُرِيدُ بِها القُرْآنُ.
و"تَنْكِصُونَ" مَعْناهُ: تَرْجِعُونَ وراءَكُمْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلْإعْراضِ والإدْبارِ عَنِ الحَقِّ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "عَلى أدْبارِكم تَنْكِصُونَ" بِضَمِّ الكافِ وبِذِكْرِ الأدْبارِ بَدَلًا مِنَ الأعْقابِ.
و"مُسْتَكْبِرِينَ" حالٌ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ الجُمْهُورُ: هو عائِدٌ عَلى الحَرَمِ والمَسْجِدِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِشُهْرَتِهِ في الأمْرِ، والمَعْنى: أنَّكم تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم أنَّ لَكم بِالمَسْجِدِوالحَرَمِ أعْظَمَ الحُقُوقِ عَلى الناسِ والمَنازِلِ عِنْدَ اللهِ، فَأنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ لِذَلِكَ، ولَيْسَ الِاسْتِكْبارُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ مِن حَيْثُ ذَكَرَتِ الآياتُ، والمَعْنى: يُحْدِثُ لَكم سَماعُ الآياتِ كُفْرًا وطُغْيانًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.
وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ الضَمِيرَ لِمُحَمَّدٍ - - وهو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، كَأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "مُسْتَكْبِرِينَ"، ثُمْ قالَ لِمُحَمَّدٍ - : ﴿ سامِرًا تَهْجُرُونَ ﴾ .
وَقَوْلُهُ: "سامِرًا" حالٌ، وهو مُفْرِدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: قَوَّمَ سَمُرَ وسَمِرَ وسامِرٌ، ومَعْناهُ سَهَرَ اللَيْلَ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَمَرِ وهو ما يَقَعُ عَلى الأشْخاصِ مِن ضَوْءِ القَمَرِ، فَكانَتِ العَرَبُ تَجْلِسُ لِلسَّمَرِ تَتَحَدَّثُ، وهَذا أوجَبَ مَعْرِفَتَها بِالنُجُومِ؛ لِأنَّها تَجْلِسُ في الصَحْراءِ فَتَرى الطَوالِعَ مِنَ الغَوارِبَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سامِرًا"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "سُمّارًا"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعِكْرِمَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سَمَرًا"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: مِن دُونِهِمْ إنْ جِئْتَهم سَمَرًا عَزَفُ القِيانِ ومَجْلِسٌ غُمْرٌ وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسْمِرُ حَوْلَ الكَعْبَةِ مَجالِسَ في أباطِيلِها وكَفْرِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَهْجُرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الجِيمِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناها -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناها: تَهْجُرُونَ الحَقَّ وذِكْرَ اللهِ تَعالى، مِنَ الهَجْرِ المَعْرُوفِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَن هَجْرِ المَرِيضِ إذا هَذِي، أيْ: تَقُولُونَ اللَغْوَ مِنَ القَوْلِ، وقالَهُ أبُو حاتِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "تَهْجُرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسَرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومَعْناهُ: يَقُولُونَ الفُحْشَ والهَجْرَ مِنَ القَوْلِ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى سَبِّهِمْ لِرَسُولِ اللهِ - - وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا وغَيْرُهُ، وفي الحَدِيثِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عن زِيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها ولا تَقُولُوا هَجْرًا»، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي نَهِيكٍ "تُهَجِّرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الجِيمِ مَكْسُورَةً، وهو تَضْعِيفُ هَجْرَ وتَكْثِيرُ الهَجْرِ والهَجْرُ عَلى المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيِّ: لَوْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّكم تُبالِغُونَ في المُهاجَرَةِ حَتّى أنَّكم وإنْ كُنْتُمْ سُمْرًا بِاللَيْلِ فَكَأنَّكم تَهْجُرُونَ في الهاجِرَةِ عَلى غايَةِ الِافْتِضاحِ لَكانَ وجْهًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا تَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ تَكْثِيرُ "تُهَجِّرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ لِأنَّ أفْعَلَ لا يَتَعَدّى ولا يَكْثُرُ بِتَضْعِيفٍ؛ إذِ التَضْعِيفُ والهَمْزَةُ مُتَعاقِبانِ.
ثُمْ وبَّخَهم عَلى إعْراضِهِمْ بَعْدَ تَدَبُّرِ القَوْلِ لِأنَّهم -بَعْدَ التَدَبُّرِ والنَظَرِ الفاسِدِ- قالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وسائِرُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ جاءَهُمْ" ﴾ كَذَلِكَ تَوْبِيخٌ أيْضًا، والمَعْنى: أأبْدَعَ لَهم أمْرًا لَمْ يَكُنْ في الناسِ قَبْلَهُمْ؟
بَلْ قَدْ جاءَ الرُسُلُ قَبْلُ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ -عَلَيْهِمُ السَلامُ- وفي هَذا التَأْوِيلِ مِنَ التَجَوُّزِ أنْ جَعَلَ سالِفَ الأُمَمِ آباءٌ؛ إذِ الناسُ في الجُمْلَةِ آخِرُهم مِن أوَّلِهِمْ.
وَيَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَعْنًى آخَرَ عَلى أنْ يُرادَ بِآباءِهِمُ الأوَّلِينَ مِن فَرْطِ مَن سَلَّفَهم في العَرَبِ، كَأنَّهُ قالَ: أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم أمْرٌ غَرِيبٌ مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَأْتِ آباءُهم فَبَهَرَ عُقُولَهُمْ، ونَبَتْ عنهُ أذْهانُهُمْ، فَكَأنَّ التَوْبِيخَ يَتَّسِقُ بِأنْ يُقَدَّرَ الكَلامُ: أفَلَمَّ يَدَبَّرُوا أمْ بُهِرَتْ عُقُولُهم ونَبَتْ أذْهانُهم عن أمْرٍ مِن أُمُورِ اللهِ غَرِيبٌ في سَلَفِهِمْ؟
والمَعْنى الأوَّلُ أبْيَنُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ ﴾ ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عن ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ هَذا أيْضًا تَوْبِيخٌ، والمَعْنى: ألَمْ يَعْرِفُوهُ صادِقًا مُدَّةَ عُمْرِهِ ولَمْ يَقَعْ مِنهم قَطُّ إنْكارٌ لِمَعْرِفَةِ وجْهِ مُحَمَّدٍ - - وإنَّما أنْكَرُوا صِدْقَهُ.
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ تَوْبِيخٌ أيْضًا لِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ الَّذِي جاءَ بِهِ وبَيْنَ ذِي الجَنَّةِ لا يَخْفى عَلى ذِي فِطْرَةٍ، ثُمْ بَيَّنَ تَعالى حالَهُ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في مَجِيئِهِ بِالحَقِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وأبُو صالِحٍ: "الحَقُّ" اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لَيْسَ مِن نَمَطِ الآيَةِ، وقالَ غَيْرُهُما: الحَقُّ هُنا: الصَوابُ والمُسْتَقِيمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأحْرى، عَلى أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ قَبْلَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ - - ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فَسادُ السَماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ لَوْ كانَ بِحُكْمِ هَوى هَؤُلاءِ، وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وأولادًا، ولَوْ كانَ هَذا حَقًّا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ -تَبارَكَ وتَعالى- الصِفاتُ العَلِيَّةُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تِلْكَ الصَنْعَةُ ولا القُدْرَةُ، وكانَ ذَلِكَ فُسّادُ السَماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ومَن قالَ: إنَّ "الحَقَّ" في الآيَةِ اللهُ تَعالى تَشَعَّبَتْ لَهُ لَفْظَةُ "اتَّبَعَ" وصَعُبَ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الفَسادِ المَذْكُورِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ الِاتِّباعَ -عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ- إنَّما هي اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى أنْ تَكُونَ أهْواؤُهم يَصُونُها الحَقُّ ويُقَرِّرُها، فَنَحْنُ نَجِدُ اللهَ -تَعالى- قَدْ قَدَّرَ كُفْرَ أُمَمٍ وأهْواءَهُمْ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ فَسادُ سَمَواتٍ، وأمّا الحَقُّ نَفْسُهُ الَّذِي هو الصَوابُ فَلَوْ كانَ طِبْقَ أهْوائِهِمْ لَفَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَأمَّلَهُ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "وَلَوِ اتَّبَعَ" بِضَمِّ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: الضَمُّ في هَذِهِ الواوِ قَلِيلٌ، والوَجْهُ تَشْبِيهَها بِواوِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذِكْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِوَعْظِهِمْ والبَيانِ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وقَرَأ قَتادَةُ: "نُذَكِّرُهُمْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وذالٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِشَرَفِهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أتَيْتُهم بِذِكْرِهِمْ" بِضَمِّ تاءِ المُتَكَلِّمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا: "بَلْ أتَيْتَهُمْ" خِطابًا لِمُحَمَّدٍ - - وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بَلْ أتَيْنَهم بِذِكْرِهِمْ" أيْ جِئْناهُمْ، ورَوِيَ عن أبِي عَمْرٍو "آتَيْناهُمْ" بِالمَدِّ، بِمَعْنى أعْطَيْناهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرازِقِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِراطِ لَناكِبُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ لَهم كَأنَّهُ قالَ: أمْ سَألْناهم مالًا فَقَلِقُوا بِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؟
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خَراجًا فَخَراجُ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ: "خَرَجًا فَخَراجُ".
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما-: "خُرْجًا فَخَرَجَ"، وهو المالُ الَّذِي يُجْبى ويُؤْتى بِهِ لِأوقاتٍ مَحْدُودَةٍ، قالَ الأصْمَعِيُّ: الخَرْجُ الجُعْلُ مَرَّةً واحِدَةً، والخَراجُ ما تَرَدَّدَ لِأوقاتٍ ما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فَرْقٌ اسْتِعْمالِيٌّ، وإلّا فَهُما في اللُغَةِ بِمَعْنى، وقَدْ قُرِئَ "خَراجًا" في قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ يُرِيدُ ثَوابُهُ، سَمّاهُ خَراجًا مِن حَيْثُ كانَ مُعادِلًا لِلْخَراجِ في هَذا الكَلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَخَراجُ رَبِّكَ رِزْقُ رَبِّكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ ﴾ .
و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ": دِينُ الإسْلامِ.
و"ناكِبُونَ" مَعْناهُ: عادِلُونَ ومُعْرِضُونَ.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ -تَعالى- عنهم أنَّهم لَوْ زالَ عنهُمُ القَحْطُ ومَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالخِصْبِ ورَحِمَهم بِذَلِكَ لَبَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُدَّةِ الَّتِي أصابَتْ فِيها قُرَيْشًا السُنُونُ الجَدْبَةُ والجُوعُ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولَ اللهِ - - في قَوْلِهِ: «اللهم سَبْعًا كَسِنِيِّ يُوسُفَ...» الحَدِيثُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ- عَنِ اسْتِكْبارِهِمْ وطُغْيانِهِمْ بَعْدَ ما نالَهم مِنَ الجُوعِ، هَذا قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ "العَذابَ" هو الجُوعُ والجَدَبُ المَشْهُورُ نُزُولُهُ بِهِمْ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ وما جَرى مَجْراها، وأنَّ "البابَ" المُتَوَعَّدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا القَوْلُ يَرُدُّهُ أنَّ الجَدْبَ الَّذِي نالَهم إنَّما كانَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، «وَرَوِيَ أنَّهم لَمّا بَلَغَهُمُ الجَهْدُ جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى النَبِيِّ - - فَقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمْ يا مُحَمَّدُ، أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ؟
قالَ: بَلى، قالَ: فَقَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، وقَدْ أكَلْنا العَلْهَزَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ».
و"اسْتَكانُوا" مَعْناهُ: انْخَفَضُوا وتَواضَعُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ السُكُونِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ "اسْتَكَنُوا"، ووَجَّهَهَ أنَّ فَتْحَةَ الكافِ مَطَلَتْ فَتَوَلَّدَتِ الألْفُ، ويُعْطِي التَصْرِيفُ أنَّهُ مِن "كانَ"، وأنَّ وزْنَهُ (اسْتَفْعَلَ)، وعَلى الأوَّلِ وزْنُهُ (افْتَعَلَ)، وكَوْنُهُ مِن "كانَ" أبْيَنُ، والمَعْنى: فَما طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا لِرَبِّهِمْ أهْلَ طاعَةٍ، وعَبِيدُ خَيْرٍ.
ورُوِيَ عَنِ الحُسْنِ -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّهُ قالَ: إذا أصابَ الناسُ مِن قِبَلِ الشَيْطانِ بَلاءٌ فَإنَّما هي نِعْمَةٌ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا نِعْمَةَ اللهِ بِالحَمِيَّةِ، ولَكِنِ اسْتَقْبِلُوها بِالِاسْتِغْفارِ، واسْتَكِينُوا وتَضَرَّعُوا إلى اللهِ.
وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .
و"العَذابُ الشَدِيدُ" إمّا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسُيُوفِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وإمّا تَوَعُّدٌ بِعَذابٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهو الصَوابُ لِما ذَكَرْناهُ مِن تَقَدُّمْ بَدْرٍ لِلْمَجاعَةِ، ورَوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ العَذابَ والبابَ الشَدِيدَ هو كُلُّهُ مَجاعَةُ قُرَيْشٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَسَنٌ، كانَ "الأخْذُ" كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، ثُمْ فُتِحَ البابُ عِنْدَ تَناهِيهِ حَيْثُ أُبْلِسُوا وجاءَ أبُو سُفْيانٍ.
و"المَلْبَسُ": الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَرٌّ ويَئِسَ مِن زَوالِهِ ونَسْخِهِ بِخَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَيْلِ والنَهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ابْتَدَأ تَعالى بِتَعْدِيدِ نِعَمٍ في نَفْسِ تَعْدِيدِها اسْتِدْلالٌ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّها لا يَعْزُبُ عنها أمْرُ البَعْثِ ولا يَعْظُمْ.
و"أنْشَأ" بِمَعْنى اخْتَرَعَ، و"السَمْعَ" مَصْدَرٌ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، وقِيلَ: أرادَ الجِنْسَ، و"الأفْئِدَةَ": القُلُوبُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى النُطْقِ والعَقْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شُكْرًا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ: قَلِيلًا مِنكم مَن يَشْكُرُ، أيْ يُؤْمِنُ ويَشْكُرُ حَقَّ الشُكْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ.
و"ذَرَأ" مَعْناهُ: بَثَّ وخَلَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فِيهِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ، و"تُحْشَرُونَ" يُرِيدُ آيَةَ البَعْثِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ أيْ: لَهُ القُدْرَةُ الَّتِي عنها ذَلِكَ.
و"الِاخْتِلافُ" هُنا التَعاقُبُ والكَوْنُ خِلْفَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي هو المُغايِرَةُ البَيِّنَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ، والجَحَدُ قَبْلَهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، أو نَحْوَ هَذا، و"الأوَّلُونَ" يُشِيرُ بِهِ إلى الأُمَمِ الكافِرَةِ كَعادٍ وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ" أيْ لَمُعادُونَ أحْياءٌ، وقَوْلُهُمْ: "وَآباؤُنا" إنْ حَكى المُقالَةَ عَنِ العَرَبِ فَمُرادُهم مِن سَلَفَ مِنَ العالَمِ، جَعَلُوهم آباءً مِن حَيْثُ النَوْعِ واحِدٍ، وإنْ حَكى ذَلِكَ عَنِ الأوَّلِينَ فالأمْرُ مُسْتَقِيمٌ فِيهِمْ، و"الأساطِيرُ" قِيلَ: هي جَمْعُ أُسْطُورَةٍ كَأُعْجُوبَةٍ وأعاجِيبَ وأُحْدُوثَةِ وأحادِيثَ، وقِيلَ: هي جَمْعُ جَمْعٍ، يُقالُ: سَطْرٌ وأسْطارٌ وأساطِيرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ السَبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا يُمْكِنُهم إلّا الإقْرارُ بِها، ويَلْزَمُ مِنَ الإقْرارِ بِها أنْ يُؤْمِنُوا بِبارِئِها ويُذْعِنُوا لِشَرْعِهِ ورِسالَةِ رَسُولِهِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ في الأوَّلِ: "لِلَّهِ" بِلا خِلافٍ، واخْتُلِفَ في الثانِي والثالِثِ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لِلَّهِ" جَوابًا عَلى اللَفْظِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "لِلَّهِ" جَوابًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ في السُؤالِ: لِمَن مُلْكِ السَماواتِ السَبْعِ؟
إذْ قَوْلُكَ: لِمَن هَذِهِ الدارُ؟
وقَوْلُكَ: مَن مالِكُ هَذِهِ الدارِ؟
واحِدٌ في المَعْنى.
ثُمْ جَعَلَ التَوْبِيخَ مُدْرَجًا بِحَسْبِ وُضُوحِ الحُجَّةِ شَيْئًا شَيْئًا، فَوَقَفَ عَلى الأرْضِ ومِن فِيها وجَعَلَ بِإزاءِ ذَلِكَ التَذَكُّرَ، ثُمْ وقَفَ عَلى السَماواتِ السَبْعِ والعَرْشِ وجَعَلَ بِإزاءِ ذَلِكَ التَقِيَّةَ وهي أبْلَغُ مِنَ التَذَكُّرِ، وهَذا بِحَسْبِ وُضُوحِ الحُجَّةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ وعِيدٌ، ثُمْ وقَفَ عَلى مَلَكُوتِ كُلِّ شَيْءٍ، وفي الإقْرارِ بِهَذا التِزامُ كُلِّ ما تَقَعُ بِهِ الغَلَبَةُ في الِاحْتِجاجِ، فَوَقَعَ التَوْبِيخُ بَعْدُ في غايَةِ البَلاغَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأنّى تُسْحَرُونَ ﴾ .
ومَعْنى "أنّى": كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟، وفي هَذا تَقْرِيرُ سِحْرِهِمْ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، والسِحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ لَهُمْ، وهو تَشْبِيهٌ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ التَخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ، عَبَّرَ عنهم بِذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تُسْحَرُونَ" مَعْناهُ: تَمْنَعُونَ، وحَكى بَعْضُهم ذَلِكَ لُغَةً.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، و"مَلَكُوتُ" مَصْدَرٌ في بِناءِ مُبالَغَةٍ.
و"الإجارَةُ": المَنعُ مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى إذا مَنَعَ أحَدًا فَلا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وإذا أرادَ أحَدًا فَلا مانِعَ لَهُ، وكَذَلِكَ في سائِرِ قُدْرَتِهِ وما نَفَذَ مِن قَضائِهِ، لا يُعارِضُ ذَلِكَ شَيْءٌ ولا يُحِيلُهُ عن مَجْراهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ ما اتَّخَذَ اللهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهُ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ مِن نِسْبَتِهِمْ إلى اللهِ تَعالى ما لا يَلِيقُ بِهِ، بَلْ أتَيْناهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "آتَيْناهُمْ" عَلى الخِطابِ لِمُحَمَّدٍ ، و"لَكاذِبُونَ" يُرادُ بِهِ: فِيما ذَكَرُوا اللهَ تَعالى بِهِ مِنَ الصاحِبَةِ والوَلَدِ والشَرِيكِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ ﴾ دَلِيلُ التَمانُعِ، وهَذا هو الفَسادُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا ﴾ ، والجُزْءُ المُخْتَرَعُ مُحالٌ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قُدْرَتانِ فَصاعِدًا، ولَوِ اخْتَلَفَ إلَهانِ في إرادَةٍ فَمُحالٌ نُفُوذِهِما ومُحالٌ عَجْزُهُما، فَإذا انْفَرَدَتْ إرادَةُ الواحِدِ فَهو العالِي والآخَرُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قِيلَ: نُقَدِّرُهُما لا يَخْتَلِفانِ في إرادَةٍ قِيلَ: ذَلِكَ يَعْرِضُ فَإذا جَوَّزَهُ الكُفّارُ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فَإنَّ ما التُزِمْ جَوازُهُ جارَ في الحُجَّةِ مَجْرى ما التُزِمْ وُقُوعُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إذًا" جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهِ: لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "عالَمِ الغَيْبِ" بِكَسْرِ المِيمِ اتِّباعًا لِلْمَكْتُوبَةِ في قَوْلِهِ: "سُبْحانَ اللهِ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "عالَمُ الغَيْبِ" بِالرَفْعِ، والمَعْنى: هو عالَمُ، قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ الرَفْعِ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِابْتِداءُ عِنْدِي أبْرَعُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَتَعالى" عاطِفَةٌ بِالمَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: "عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَتَعالى"، وهَذا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ، أيْ: شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ، و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الناسِ، و"الشَهادَةِ": ما شَهِدُوهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ ﴾ ﴿ وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ بِالنَجاةِ مِن عَذابِ الظَلَمَةِ إنْ كانَ قُضِيَ أنْ يَرى ذَلِكَ، و"إنْ" شَرْطٌ و"ما" زائِدَةٌ، و"تُرِيَنِّي" جَزَمٌ بِالشَرْطِ لَزِمَتِ النُونَ الثَقِيلَةِ، وهي لا تُفارِقُ "إمّا" عِنْدَ المِبْرَدِ، ويَجُوزُ عن سِيبَوَيْهِ أنْ تُفارِقَ فَيُقالُ: "إمّا تُرِيَنِي"، لَكِنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ لُزُومُها فَمِن هُنالِكَ التَزَمَهُ المُبَرِّدُ.
وهَذا الدُعاءُ فِيهِ اسْتِصْحابُ الخَشْيَةِ والتَحْذِيرِ مِنَ الأمْرِ المُعَذَّبِ مِن أجْلِهِ، ثُمْ نَظِيرُهُ لِسائِرِ الأُمَّةِ دُعاءٌ في جَوْدَةِ الخاتِمَةِ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ بِجُمْلَتِها إعْلامٌ بِقُرْبِ العَذابِ مِنهم كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ.
وقَوْلُهُ ثانِيًا: "رَبِّ" اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَرْطِ وجَوابِهِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ ﴾ الآيَةُ أمْرٌ بِالصَفْحِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، وما كانَ مِنها لِهَذا فَهو حُكْمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبَدًا، وما فِيها مِن مَعْنى مُوادَعَةِ الكَفّارِ وتَرْكِ التَعَرُّضِ لَهم والصَفْحِ عن أُمُورِهِمْ فَمَنسُوخٌ بِالقِتالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الدَفْعُ بِالَّتِي هي أحْسَنَ هو السَلامُ، يُسَلِّمْ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ، وقالَ الحَسَنُ: واللهِ لا يُصِيبُها أحَدٌ حَتّى يَكْظِمْ غَيْظُهُ ويَصْفَحَ عَمّا يَكْرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذانَ الطَرَفانِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ عِدَةٌ لِلنَّبِيِّ ، أيِ: اشْتَغِلْ أنْتَ بِهَذا وكِلْ تَعْذِيبَهم والنِقْمَةَ مِنهم إلَيْنا، وأمَرَهُ بِالتَعَوُّذِ مِنَ الشَيْطانِ في هَمَزاتِهِ، وهي سَوْراتُ الغَضَبِ الَّتِي لا يَمْلِكُ الإنْسانُ فِيها نَفْسَهُ، وكَأنَّها هي الَّتِي كانَتْ تُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكَفّارِ فَتَقَعُ المُحادَّةُ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَمْزُ الشَيْطانِ: الجُنُونُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «اللهم إنِّي أُعَوِّذُ بِكَ مِنَ الشَيْطانِ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ»، قالَ أبُو داوُدَ: وهَمْزَةُ المَوْتَةِ وهي الجُنُونُ، ونَفْخُهُ الكِبَرُ، ونَفْثُهُ السِحْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَزَعاتُ وسَوْراتُ الغَضَبِ مِنَ الشَيْطانِ، وهي المُتَعَوِّذُ مِنها في الآيَةِ، والتَعَوُّذُ مِنَ الجُنُونِ أيْضًا وكَيْدٌ، وفي قِراءَةِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "رَبِّ عائِذًا بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ، وعائِذًا بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَحْضُرُونِ ﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونُوا مَعِي في أُمُورِي، فَإنَّهم إذا حَضَرُوا الإنْسانَ كانُوا مُعَدِّينَ لِلْهَمْزِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ حُضُورٌ فَلا هَمْزٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأصْلُ الهَمْزِ الدَفْعُ والوَخْزُ بِيَدٍ وغَيْرَها، ومِنهُ هَمْزُ الخَيْلِ وهَمْزُ الناسِ بِاللِسانِ، وقِيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟
سُئِلَ بِذَلِكَ عَنِ اللَفْظَةِ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ شَخْصُ الفَأْرَةِ فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ "حَتّى" في هَذا المَوْضِعِ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غايَةً مُجَرَّدَةً بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ لَأنَّ ما بَعْدَها هو المَعْنِيُّ بِهِ المَقْصُودُ ذِكْرُهُ.
والضَمِيرُ في "أحَدَهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ: "ارْجِعُونِ" مَعْناهُ: إلى الحَياةِ الدُنْيا.
وجَمْعُ الضَمِيرِ يَتَخَرَّجُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُخاطِبَهُ مُخاطَبَةَ الجَمْعِ تَعْظِيمًا، عَلى نَحْوِ إخْبارِهِ تَعالى عن نَفْسِهِ بِنُونِ الجَماعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ اسْتِغاثَةً بِرَبِّهِ أوَّلًا ثُمْ خاطَبَ مَلائِكَةَ العَذابِ بِقَوْلِهِ: "ارْجِعُونِ".
وقالَ الضِحاكُ: هي في المُشْرِكِ، وقالَ النَبِيُّ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: «إذا عايَنَ المُؤْمِنُ قالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: نَرْجِعُكَ؟
فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟
بَلْ قُدُمًا إلى اللهِ تَعالى، وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا».
وقَرَأ الحَسَنُ والجُمْهُورُ: "لَعَلِّي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لَعَلِّي" بِفَتْحِ الياءِ، و"كَلّا" كَلِمَةُ زَجْرٍ وهي مِن كَلامِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحُدُها: الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِأنَّ هَذا الشَيْءَ يَقَعُ ويَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّها كَلِمَةٌ لا تُغْنِي أكْثَرَ مِن أنْ يَقُولَها، ولا نَفْعَ لَهُ فِيها ولا غَوْثَ، والثالِثُ: أنْ تَكُونَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ رُدَّ لَعادَ، فَتَكُونُ آيَةَ ذَمٍّ لَهم.
والضَمِيرُ في "وَرائِهِمْ" لِلْكُفّارِ، أيْ يَأْتِي بَعْدَ مَوْتِهِمْ حاجِزٌ مِنَ المُدَّةِ، و"البَرْزَخُ" في كَلامِ العَرَبِ: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ، ثُمْ يُسْتَعارُ لِما عَدا ذَلِكَ، فَهو هُنا لِلْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ مَوْتِ الإنْسانِ وبَيْنَ بَعْثِهِ، هَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
و"يَوْمِ" مُضافٌ إلى "يَبْعَثُونَ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُوَرِ" وهو القَرْنُ، وقَرَأ ابْنُ عِياضٍ: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صِفَةِ ارْتِفاعِ الأنْسابِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هَذا في النَفْخَةِ الأولى، وذَلِكَ أنَّ الناسَ بِأجْمَعِهِمْ يَمُوتُونَ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم نَسَبٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهم أمْواتٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يُزِيلُ ما في الآيَةِ مِن ذِكْرِ هَوْلِ الحَشْرِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: إنَّما المَعْنى أنَّهُ عِنْدَ النَفْخَةِ الثانِيَةِ وقِيامُ الناسِ مِنَ القُبُورِ فَهم حِينَئِذٍ لِهَوْلِ المَطْلَعِ قَدِ اشْتَغَلَ كُلُّ امْرِئٍ بِنَفْسِهِ، قَدِ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمُ الوَسائِلُ وزالَ انْتِفاعُ الأنْسابِ، فَلِذَلِكَ نَفاها، فالمَعْنى: فَلا أنْسابَ نافِعَةٌ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ: أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِمَّنْ يَعْرِفُ، لَأنَّهُ يَخافُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ويَفْرَحُ كُلُّ أحَدٍ يَوْمَئِذٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ عَلى ابْنِهِ وأبِيهِ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا حَدِيثٌ.
وكَذَلِكَ ارْتِفاعُ التَساؤُلِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، ثُمْ تَأْتِي في القِيامَةِ مُواطِنُ يَكُونُ فِيها السُؤالُ والتَعارُفُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ حَسَنٌ، وهو مَرْوِيُّ المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وثِقَلُ المَوازِينِ هو بِالحَسَناتِ، والثِقَلُ والخِفَّةُ إنَّما يَتَعاقَبانِ بِأجْرامٍ يَخْتَرِعُ اللهُ تَعالى فِيها ذَلِكَ، وهي فِيما رُوِيَ بَراءاتٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النارُ وهم فِيها كالِحُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ ﴾ ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ ﴾ ﴿ قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ جَمْعُ "المَوازِينِ" مِن حَيْثُ المَوْزُونِ جَمْعٌ وهي الأعْمالُ، ومَعْنى الوَزْنِ: إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الناسِ بِالمَحْسُوسِ عَلى عادَتِهِمْ وعُرْفِهِمْ، ووَزْنُ الكافِرِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُوضَعَ كُفْرُهُ في كِفَّةٍ فَلا يَجِدُ شَيْئًا يُعادِلُهُ في الكِفَّةِ الأُخْرى، وإمّا أنْ تُوضَعَ أعْمالُهُ مِن صِلَةِ رَحِمْ ووَجْهِ بِرٍّ في كِفَّةِ الحَسَناتِ ثُمْ يُوضَعُ كُفْرُهُ في الكِفَّةِ الأُخْرى فَتَخِفُّ أعْمالُهُ.
و"لَفْحُ النارِ": إصابَتُها بِالوَهَجِ والإحْراقِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "كَلِحُونَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، و"الكَلَحُ": انْكِشافُ الشَفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، وهَذا يَعْتَرِي الإنْسانَ عِنْدَ المُباطَشَةِ عِنْدَ الغَضَبِ، ويَعْتَرِي الرُؤُوسَ عِنْدَ النارِ، وقَدْ شَبَّهَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ بِما يَعْتَرِي رُؤُوسَ الكِباشِ إذا شُيِّطَتْ بِالنارِ فَإنَّها تَكْلَحُ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ، ويُسْتَعارُ لِلزَّمانِ والخُطُوبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ، وَ "الآياتُ" هُنا: القُرْآنُ، وأخْبَرَ عنهم تَعالى أنَّهم إذا سَمِعُوا هَذا التَقْرِيرَ أذْعَنُوا، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ، وسَلَّمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "شِقْوَتُنا" بِكَسْرِ الشِينِ دُونَ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ الحَرَمِيَّيْنِ، وقَرَأ الحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "شَقاوَتُنا" بِفَتْحِ الشِينِ وألِفٍ بَعْدِ القافِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وخَيَّرَ عاصِمْ في الوَجْهَيْنِ، وهُما مَصْدَرانِ مِن شَقِيَ يَشْقى، ثُمْ تَدَرَّجُوا مِنَ الإقْرارِ إلى الرَغْبَةِ والتَضَرُّعِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَلُّوا؛ لَأنَّ الإقْرارَ بِالذَنْبِ اعْتِذارٌ وتَنَصُّلٌ، فَوَقَعَ جَوابُ رَغْبَتِهِمْ بِحَسْبِ ما حَتَّمَ اللهُ تَعالى مِن عَذابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ ، وجاءَ "وَلا تُكَلِّمُونِ" بِلَفْظِ نَهْيٍ وهم لا يَسْتَطِيعُونَ الكَلامَ عَلى ما رُوِيَ، فَهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَنعِ، ويُقالُ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إذا سَمِعُوها يَئِسُوا.
وحَكى الطَبَرَيُّ حَدِيثًا طَوِيلًا في مُقاوَلَةٍ تَكُونُ بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ مالِكٍ خازِنِ النارِ، ثُمْ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، وآخِرُها هَذِهِ الكَلِمَةُ "اخْسَئُوا فِيها"، قالَ: فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ جَهَنَّمُ، ويَقَعُ اليَأْسُ، ويَبْقَوْنَ يَنْبَحُ بَعْضُهم في وجْهِ بَعْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَصَرْتُ ذَلِكَ الحَدِيثَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، لَكِنَّ مَعْناهُ صَحِيحٌ، عافانا اللهُ مِن نارِهِ بِمَنِّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "اخْسَئُوُا" زَجْرٌ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في زَجْرِ الكِلابِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ لِابْنِ صَيّادٍ: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ ﴾ ﴿ فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ ﴾ ﴿ إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ ﴾ قَرَأ هارُونُ: "أنَّهُ كانَ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ "أنْ كانَ"، وهَذا كُلُّهُ مُتَعاضِدٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا تُكَلِّمُونِ كانَ فَرِيقٌ" بِغَيْرِ "إنَّهُ"، وهَذِهِ تُعَضِّدُ كَسْرَ الألِفِ مِن "إنَّهُ" لَأنَّها اسْتِئْنافٌ، وهَذِهِ الهاءُ مُبْهَمَةٌ ضَمِيرُ الأمْرِ، والكُوفِيُّونَ يُسَمُّونَها المَجْهُولَةَ، وهي عِبارَةٌ فاسِدَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها مِمّا يُقالُ لِلْكَفَرَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
والفَرِيقُ المُشارُ إلَيْهِ كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَتَّفِقُ أنْ يَكُونَ حالُهُ مَعَ كُفّارٍ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في كُفّارِ قُرَيْشٍ مَعَ صُهَيْبٍ وعَمّارٍ وبِلالٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ونُظَرائِهِمْ، ثُمْ هي عامَّةٌ فِيمَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وبَقِيَّةَ الدَهْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ الباقُونَ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِها، فَقالَتْ طائِفَةٌ هُما بِمَعْنى واحِدٍ، وذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وقالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ: إنَّهُما بِمَعْنى الهُزْءِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ ضَمَّ السِينِ مِنَ السُخْرَةِ والتَخْدِيمِ، وكَسْرَ السِينِ مِنَ السُخْرِ وهو الِاسْتِهْزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنِّي أتانِي حَدِيثٌ لا أُسِرُّ بِهِ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيهِ ولا سُخْرُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ كَسْرِ السِينِ أوجَهُ لَأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ والكَسْرُ فِيهِ أكْثَرُ، وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ ﴾ ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ألّا تَرى إلى إجْماعِ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ السِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ لَمّا تَخَلَّصَ الأمْرُ لِلتَّخْدِيمِ، قالَ يُونُسُ: إذا أُرِيدَ التَخْدِيمُ فَهو بِضَمِّ السِينِ لا غَيْرَ، وإذا أُرِيدَ الهَزْءُ فَهو بِالضَمِّ والكَسْرِ.
وقَرَأ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كُلَّ ما في القُرْآنِ بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو كُلَّ ما في القُرْآنِ بِالكَسْرِ إلّا الَّتِي في الزُخْرُفِ فَإنَّهُما ضَمّا السِينَ كَما فَعَلَ الناسُ لَأنَّها مِنَ التَخْدِيمِ، وأضافَ الإنْسانَ إلى الفَرِيقِ مِن حَيْثُ كانَ بِسَبَبِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اشْتِغالَهم بِالهُزْءِ بِهَؤُلاءِ أنْساهم ما يَنْفَعُهم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَـ "جَزَيْتُهُمْ" عامِلٌ في "أنَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ التَقْدِيرُ: لَأنَّهم.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخارِجَةُ عن نافِعٍ: "إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ" بِكَسْرِ الألِفِ، فالمَفْعُولُ الثانِي لِـ "جَزَيْتُ" مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: الجَنَّةُ أوِ الرِضْوانُ.
و"الفائِزُونَ": المُنْتَهُونَ إلى غايَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ أمَلَهم.
ومَعْنى الفَوْزِ: النَجاةُ مِن هَلَكَةٍ إلى نِعْمَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ ﴾ ﴿ قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ"، و"قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ"، ورَوى البِزِّيُّ عَنِ ابْنُ كَثِيرٍ "قالَ إنْ لَبِثْتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ التاءَ، والباقُونَ لا يُدْغِمُونَها، فَمَعْنى الأوَّلِ: إخْبارٌ بِأنَّ اللهَ يُوَفِّقُهم لِلسُّؤالِ عَنِ المُدَّةِ ثُمْ يَعْلَمُهم آخِرًا بِلَبْثِهِمْ قَلِيلًا، ومَعْنى الثانِيَةِ: الأمْرُ لِواحِدٍ مِنهم مُشارٌ إلَيْهِ، بِمَعْنى: يُقالُ لِأحَدِهِمْ قُلْ كَذا، فَإذا قالَ غَيْرَ القَوِيمِ قِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ لَبِثْتُمْ، ومَعْنى رِوايَةِ البِزِّيِّ: التَوْقِيفُ ثُمُ الإخْبارُ، وفي المَصاحِفِ "قالَ" فِيهِما، إلّا في مُصْحَفِ الكُوفَةِ فَإنَّ فِيهِ "قُلْ" بِغَيْرِ الألْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ"، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الدُنْيا أحْياءً، وعن هَذا وقَعَ السُؤالُ، ونَسُوا لِفَرْطِ هَوْلِ العَذابِ حَتّى قالُوا: ﴿ يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِن هَذا تَوْقِيفُهم عَلى أنَّ أعْمارَهم قَصِيرَةٌ، أدّاهُمُ الكُفْرُ فِيها إلى عَذابٍ طَوِيلٍ.
وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: في جَوْفِ التُرابِ أمْواتًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأصْوَبُ مِن حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ وكانَ قَوْلُهُمْ: إنَّهم لا يَقُومُونَ مِنَ التُرابِ، قِيلَ لَهم لَمّا قامُوا: كَمْ لَبِثْتُمْ؟
وقَوْلُهُ آخِرًا: ﴿ وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ يَقْتَضِي ما قُلْناهُ.
و"عَدَدَ" نُصِبَ بِـ "كَمْ" عَلى التَمْيِيزِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَدَدًا سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "عَدَدًا".
وقالَ مُجاهِدٌ: أرادُوا بِـ "العادِّينَ" المَلائِكَةَ، وقالَ قَتادَةُ: أرادُوا أهْلَ الحِسابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ اللَفْظِ أنَّهم أرادُوا مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ولَمْ يُعِينُوا مَلائِكَةً ولا غَيْرَها؛ لَأنَّ النائِمْ والمَيِّتَ لا يَعُدُّ الحَرَكَةَ فَيُقَدِّرُ لَهُ الزَمانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ مَقْصِدُهُ -عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُكْثَ في الدُنْيا- أيْ قَلِيلُ القَدْرِ في جَنْبِ ما تُعَذِّبُونَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُكْثَ في القُبُورِ مَعْناهُ أنَّهُ قَلِيلٌ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ولَكِنَّكم كَذَّبْتُمْ بِهِ إذْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ؛ إذْ لَمْ تَرْغَبُوا في العِلْمِ والهُدى.
و"عَبَثًا" مَعْناهُ: باطِلًا لِغَيْرِ غايَةٍ مُرادَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْجِعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والمَعْنى فِيها بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ﴾ ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ ﴾ المَعْنى: فَتَعالى اللهُ عن مَقالَتِهِمْ في جِهَتِهِ مِنَ الصاحِبَةِ والوَلَدِ، ومِن حِسابِهِمْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، أيْ: تَنَزَّهَ اللهُ عن تِلْكَ الأُمُورِ وتَعالى عنها.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الكَرِيمُ" بِالرَفْعِ صِفَةً لِلرَّبِّ.
ثُمْ تَوَعَّدَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ عَبَدَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةُ، والوَعِيدُ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ .
و"البُرْهانُ": الحُجَّةُ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ "مَن" شَرْطٌ، وجَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الجَوابَ في قَوْلِهِ: "لا بُرْهانَ"، وهَذا هُرُوبٌ مِن دَلِيلِ الخِطّابِ مِن أنْ يَكُونَ ثُمْ داعٍ لَهُ بُرْهانٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحْفَظُ مِمّا لا يَلْزَمُ، ويَلْحَقُهُ حَذْفُ الفاءِ مِن جَوابِ الشَرْطِ وهو غَيْرُ فَصِيحٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، وفي حِرَفِ أبِيٍّ: "عِنْدَ اللهِ"، ورُوِيَ أنَّ فِيهِ "عَلى اللهِ".
ثُمْ حَتَّمَ وأكَّدَ أنَّ الكافِرَ لا يَبْلُغُ أُمْنِيَّتَهُ ولا يَنْجَحُ سَعْيُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ لا يُفْلِحُ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِها، والمَعْنى أنَّهُ إذْ لا يُذْكَرُ ولا يُفْلِحُ يُؤَخِّرُ حِسابَهُ وعَذابَهُ حَتّى يَلْقى رَبَّهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "يَفْلَحُ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ.
ثُمْ أمَرَ رَسُولَ اللهِ بِالدُعاءِ في المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ والذِكْرِ لَهُ تَعالى بِأنَّهُ خَيْرُ الراحِمِينَ؛ لَأنَّ كُلَّ راحِمْ فَمُتَصَرِّفٌ عَلى إرادَةِ اللهِ تَعالى، وتَوْفِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِمِقْدارِ هَذِهِ الرَحْمَةِ.
ورَحِمَتُهُ تَعالى لا مُشارَكَةَ لِأحَدٍ فِيها، وأيْضًا فَرَحْمَةُ كُلِّ راحِمْ في أشْياءَ وبِأشْياءَ حَقِيراتٍ بِالإضافَةِ إلى المَعانِي الَّتِي تَقَعُ فِيها رَحْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مِنَ الِاسْتِنْقاذِ مِنَ النارِ، وهَيْئَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ، وعَلى ما في الحَدِيثِ فَرَحْمَةُ كُلِّ راحِمْ مَجْمُوعُها كُلُّها جُزْءٌ مِن مِائَةٍ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى جَلَتْ قُدْرَتُهُ؛ إذْ بَثَّ في العالَمِ واحِدَةً وأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَقُلْ رَبُّ اغْفِرْ" بِضَمِّ الباءِ مِن "رَبِّ".
تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةٍ المُؤْمِنُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ