الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الحج
تفسيرُ سورةِ الحج كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 148 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ [الحَجُّ: ١٩] إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُنَّ أرْبَعُ آياتٍ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ، وقالَ الضَحاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: سُورَةُ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ ﴾ ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ ، فَهُنَّ مَكِّيّاتٌ، وعَدَّ النَقاشُ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ عَشْرُ آياتٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: السُورَةُ مُخْتَلَطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ ومِنها مَدَنِيٌّ، وهَذا هو الأصَحُّ -واللهُ أعْلَمُ- لِأنَّ الآياتِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَ أوَّلُ السُورَةِ في السَفَرِ عَلى رَسُولِ اللهِ فَنادى بِها فاجْتَمَعَ الناسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذا؟
فَبَهِتُوا، فَقالَ: يَوْمَ يَقُولُ اللهُ: يا آدَمُ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ، فَيُخْرِجُ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةً وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، قالَ: فاغْتَمَّ الناسُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "أبْشِرُوا، فَمِنكم رَجُلٌ ومِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفُ رَجُلٍ...» الحَدِيثُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى الناسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ ﴾ صَدْرُ الآيَةِ تَحْذِيرٌ لِجَمِيعِ العالِمْ، ثُمْ أوجَبَ الخَبَرُ وأكَّدَهُ بِأمْرِ زَلْزَلَةِ القِيامَةِ، وهي إحْدى شَرائِطِها، سَمّاها شَيْئًا؛ لِأنَّها حاصِلَةٌ مُتَيَقِّنٌ وُقُوعَها يَسْتَسْهِلُ لِذَلِكَ أنْ تُسَمّى شَيْئًا وهي مَعْدُومَةٌ؛ إذِ اليَقِينُ بِها يُشَبِّهُها بِالمَوْجُوداتِ، وأمّا عَلى المَآلِ، أيْ هي - إذا وقَعَتْ - شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُطْلِقِ الاسْمَ الآنَ، بَلِ المَعْنى: إنَّها إذا كانَتْ فَهي حِينَئِذٍ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
و "الزَلْزَلَةُ": التَحْرِيكُ العَظِيمُ، وذَلِكَ مَعَ نَفْخَةِ الفَزَعِ، ومَعَ نَفْخَةِ الصَعْقِ حَسْبَما تَضَمَّنَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ مِن ثَلاثِ نَفَخاتٍ.
ومِن لَفْظِ الزَلْزَلَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: يَعْرِفُ الجاهِلُ المُضَلِّلُ أنِ الدَهْـ ـرَ فِيهِ النَكْراءُ والزِلْزالُ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الزَلْزَلَةُ" في الآيَةِ عِبارَةً عن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا ﴾ ، وكَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: «اللهُمُ اهْزِمْهم وزَلْزِلْهم»، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ هي كالمَعْهُودَةِ في الدُنْيا إلّا أنَّها في غايَةِ الشِدَّةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "الزَلْزَلَةِ" المَذْكُورَةِ، هَلْ هي في الدُنْيا عَلى القَوْمِ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ القِيامَةُ، أمْ هي في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ: هي في الدُنْيا، والضَمِيرُ في "تَرَوْنَها" عائِدٌ عَلى الزَلْزَلَةِ، وقَوّى قَوْلَهم أنَّ الرِضاعَ والحَمْلَ إنَّما هو في الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الزَلْزَلَةٌ" في يَوْمِ القِيامَةِ، واحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ أنَسٍ المَذْكُورِ آنِفًا؛ إذْ قَرَأ رَسُولُ اللهِ الآيَةَ ثُمْ قالَ: «إنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النارِ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنِ النَبِيَّ قَرَأ الآيَةَ المُتَضَمِّنَةَ ابْتِداءَ أمْرِ الساعَةِ، ثُمْ قَصَدَ في تَذْكِيرِهِ وتَخْوِيفِهِ إلى فَصْلٍ مِن فُصُولِ يَوْمِ القِيامَةِ فَنَصَّ ذِكْرَهُ، وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ، والضَمِيرُ عِنْدَ هَذِهِ الفِرْقَةِ عائِدٌ عَلى الساعَةِ، أيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ ابْتِداءَها في الدُنْيا، فَيَصِحُّ لَهم بِهَذا التَأْوِيلِ ألّا يَلْزَمَهم وُجُودَ الرِضاعِ والحَمْلِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ أعادُوهُ عَلى الزَلْزَلَةِ فَسَدَ قَوْلُهم بِما يَلْزَمُهم.
عَلى أنَّ النَقاشَ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِـ "كُلِّ ذاتِ حَمْلٍ" مَن ماتَ مِنَ الإناثِ ولَدُها في جَوْفِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
و"الذُهُولُ": الغَفْلَةُ عَنِ الشَيْءِ بِطُرُوءِ ما يَشْغَلُ عنهُ مِن هَمٍّ أو وجَعٍ أو غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: تَتْرُكُ ولَدَها لِلْكَرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تُذْهِلُ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ ونَصْبِ "كَلَّ"، وألْحَقَ الهاءَ في "مُرْضِعَةٍ" لِأنَّهُ أرادَ فاعِلاتِ ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَأجْراهُ عَلى الفِعْلِ، وأمّا إذا أخْبَرَتْ عَنِ المَرْأةِ بِأنَّ لَها طِفْلًا تُرْضِعُهُ فَإنَّما تَقُولُ: "مُرْضِعٌ" مِثْلُ "حامِلٍ"، قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هَذِهِ الهاءُ في "مُرْضِعَةٍ" تَرُدُّ عَلى الكُوفِيِّينَ قَوْلَهُمْ: إنَّ الهاءَ لا تَكُونُ فِيما لا تَلْبَسُ لَهُ بِالرِجالِ، وحَكى الطَبَرِيِّ أنَّ بَعْضَ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ قالَ: أُمُ الصَبِيِّ مُرْضِعَةٌ، والمُسْتَأْجَرَةٌ لَهُ مُرْضِعٌ.
و"الحَمْلُ" بِفَتْحِ الحاءِ: ما كانَ في بَطْنٍ أو عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الناسَ سُكارى ﴾ تَشْبِيهٌ لَهُمْ؛ أيْ: مِنَ الهَمِّ، ثُمْ نَفى عنهُمُ السُكْرَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي هو مِنَ الخَمْرِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سُكارى" بِضَمِّ السِينِ وثُبُوتِ الألْفِ، وكَذَلِكَ في الثانِي، وهَذا هو البابُ، فَمَرَّةً جَعَلَهُ سِيبَوَيْهِ جَمْعًا، ومَرَّةً جَعَلَهُ اسْمَ جَمْعٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ بِفَتْحِ السِينِ فِيهِما، وهَذا أيْضًا قَدْ يَجِيءُ في هَذِهِ الجُمُوعِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرٌ، وقالَ أبُو حاتِمْ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "سَكْرى" في المَوْضِعَيْنِ، ورَواهُ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَبِيِّ ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةٍ، وأصْحابِ عَبْدِ اللهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَوْمٌ يَقُولُونَ "سَكْرى"، جَعَلُوهُ مِثْلَ "مَرْضى"؛ لِأنَّهُما شَيْئانِ يَدْخُلانِ عَلى الإنْسانِ، ثُمْ جَعَلُوا "رَوْبى" مِثْلَ "سَكْرى" وهُمُ المُسْتَثْقَلُونَ نَوْمًا مِن شُرْبِ الرائِبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "سَكْرى" جُمَعَ "سُكْرٍ" كَزَمَنِي وزَمَنٍ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: رَجُلٌ سَكِرٌ بِمَعْنى سَكْرانٌ، فَيَجِيءُ سَكْرى حِينَئِذٍ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، كَما العَلامَةُ في "طائِفَةٍ" لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَتَرى الناسَ سَكْرى وما هم بِسُكارى" بِالضَمِّ والألِفَ.
وحَكى المَهْدَوِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "وَتَرى الناسَ سُكارى وما هم بِسَكْرى"، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو زَرْعَةِ بْنِ عَمْرُو بْنِ جَرِيرٍ في المَوْضِعَيْنِ: "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كالبُشْرى، وبِهَذا أفْتانِي أبُو عَلِيٍّ، وقَدْ سَألْتُهُ عن هَذا.
وقَرَأ أبُو زَرْعَةِ بْنِ عَمْرُو بْنِ جَرِيرٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو نَهْيِكٍ: "وَتُرى" بِضَمِّ التاءِ، "الناسَ" بِالنَصْبِ، قالَ: وإنَّما هي بِحَسْبِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ "وَتُرى الناسُ" بِضَمِّ التاءِ والسِينِ؛ أيْ: تَرى جَماعَةَ الناسِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَعِيرِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ ثُمَّ مِنَ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنَ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنَ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مِنَ يُتَوَفّى ومِنكم مِنَ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنَ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في النَضِرِ بْنِ الحارِثِ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، ثُمْ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ.
و "المُجادَلَةُ": المُحاجَّةُ، والمادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ "الجَدَلِ" وهو الفَتْلُ، والمَعْنى: "يُجادِلُ" في قُدْرَةِ اللهِ وصِفاتِهِ.
وكانَ سَبَبُ الآيَةِ كَلامَ مَن ذَكَرَ في أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لا يَبْعَثُ المَوْتى، ولا يُقِيمُ الأجْسادَ مِنَ القُبُورِ.
و"الشَيْطانُ" هُنا هو مُغْوِيهِمْ مِنَ الجِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الشَيْطانُ مِنَ الإنْسِ، والإنْحاءُ عَلى مُتَّبِعِيهِ.
و "المُرِيدُ": المُتَجَرِّدُ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَرِّ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وشَجَرَةٌ مَرْداءٌ أيْ عارِيَةٌ مِنَ الوَرَقِ، وصَرْحٌ مُمَرَّدٌ أيْ مُمَلَّسٌ مِن زُجاجٍ، وصَخْرَةٌ مَرْداءُ أيْ مَلْساءُ.
والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الشَيْطانِ"، قالَهُ قُتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "المُجادِلِ".
و "أنَّهُ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و "أنَّهُ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى الأُولى مُؤَكَّدَةٌ مِثْلُها، وقِيلَ: هي مُكَرِّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ، وهو مُعْتَرِضٌ بِأنَّ الشَيْءَ لا يُؤَكِّدُ إلّا بَعْدَ تَمامِهِ وتَمامُ "أنَّهُ" الأولى إنَّما هو بِصِلَتِها في قَوْلِهِ: "السَعِيرِ"، وكَذَلِكَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ولِسِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا أنَّهُ بَدَلٌ، وقِيلَ "أنَّهُ" الثانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَشَأْنُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ، وقَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ: فَلَهُ أنْ يُضِلَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُظْهِرُ لِي أنَّ الضَمِيرَ في "أنَّهُ" الأولى لِلشَّيْطانِ، وفي الثانِيَةِ لـ "مَنِ" الَّذِي هو المُتَوَلِّي.
وقَوْلُهُ: "وَيَهْدِيهِ" بِمَعْنى: يَدُلُّهُ عَلى طَرِيقِ ذَلِكَ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى الإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "إنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَإنَّهُ يُضِلُّهُ" بِالكَسْرِ فِيهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ ﴾ الآيَةُ.
هَذا احْتِجاجٌ عَلى العالَمِ بِالبَدْأةِ الأُولى، وضَرَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مَثَلَيْنِ إذا اعْتَبَرَهُما الناظِرُ جَوَّزَ في العَقْلِ البِعْثَةَ مِنَ القُبُورِ، ثُمْ ورَدَ خَبَرُ الشَرْعِ بِوُجُوبِ ذَلِكَ ووُقُوعِهِ.
و "الرَيْبُ": الشَكُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ شَرْطٌ مُضَمِّنُهُ التَوْفِيقَ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "البَعْثَ" بِفَتْحِ العَيْنِ، وهي لُغَةٌ في "البَعْثِ" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهي عِنْدُ الكُوفِيِّينَ تَخْفِيفُ "بَعَثَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ﴾ يُرِيدُ آدَمُ، ثُمْ سَلَّطَ الفِعْلَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرِيدُ المَنِيَّ الَّذِي يَكُونُ مِنَ البَشَرِ، و "النُطْفَةُ" تَقَعُ عَلى قَلِيلِ الماءِ وكَثِيرِهِ، وقالَ النَقاشُ: المُرادُ نُطْفَةُ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ يُرِيدُ مِنَ الدَمِ تَعُودُ النُطْفَةُ إلَيْهِ في الرَحِمْ، أوِ المُقارِنُ لِلنُّطْفَةِ، و "العَلَقُ": الدَمُ العَبِيطُ، وقِيلَ: "العَلَقُ": الشَدِيدُ الحُمْرَةُ، فَسُمِّيَ الدَمُ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: "ثُمْ مِن مُضْغَةٍ" يُرِيدُ بِضْعَةَ لَحْمٍ عَلى قَدْرِ ما يُمْضَغُ، وقَوْلُهُ: "مُخَلَّقَةٍ" مَعْناهُ: مُتَمَّمَةُ البِنْيَةِ "وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" غَيْرِ مُتَمَّمَةِ، أيِ الَّتِي تَسْقُطُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والشَعْبِيٌّ، وأبُو العالِيَةِ، فاللَفْظَةُ بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن "خَلَقَ"، ولَمّا كانَ الإنْسانُ فِيهِ أعْضاءٌ مُتَبايِنَةٌ وكُلٌّ مِنها مُخْتَصٌّ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، في جُمْلَتِهِ تَضْعِيفُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ خُلُقًا كَثِيرَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُخَلَّقَةً" بِالنَصْبِ "وَغَيْرَ" بِالنَصْبِ في الراءِ.
وَيَتَّصِلُ بِهَذا المَوْضِعِ مِنَ الفِقْهِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في أُمُ الوَلَدِ إذا أسْقَطَتْ بِضْعَةً لَمْ تُصَوَّرْ، هَلْ تَكُونُ أمَّ ولَدٍ بِذَلِكَ؟
فَقالَ مالِكُ، والأوزاعِيُّ، وغَيْرُهُما: هي أمُّ ولَدٍ بِالمُضْغَةِ إذا عُلِمْ أنَّها مُضْغَةُ الوَلَدِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: حَتّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقٌ ولَوْ عُضْوٌ واحِدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ أمْرَ البَعْثِ، فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ بِالرَفْعِ في "نُقِرُّ"، المَعْنى: ونَحْنُ نُقِرُّ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لِنُبَيِّنَ لَكُمْ" مَعْناهُ: تَكُونُ المُضْغَةُ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ وطَرَحَ النِساءُ إيّاها، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ لِلنّاسِ أنَّ المَناقِلَ في الرَحِمْ هي هَكَذا، وقَرَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: "وَنُقِرَّ" بِالنَصْبِ، وكَذَلِكَ قَرَأتْ: "نُخْرِجَكُمْ" بِالنَصْبِ، وهي رِوايَةُ المُفَضَّلِ عن عاصِمْ، وحَكى أبُو عَمْرُو الدانِي أنَّ رِوايَةَ المُفَضَّلِ هَذِهِ هي بِالياءِ في "يُقِرُّ" "وَيُخْرِجُكُمْ"، والرَفْعُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ شائِعٌ، ولا يَجُوزُ النَصْبُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما نَشاءُ" بِكَسْرِ النُونِ.
و "الأجَلُ المُسَمّى" هو مُخْتَلِفٌ بِحَسْبَ جَنِينٍ جَنِينٍ، فَثَمَّ مَن يَسْقُطُ، وثَمَّ مَن يُكْمَلُ أمْرُهُ ويَخْرُجُ حَيًّا.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الأشَدِّ" مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ، إلى ثَلاثِينَ، إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، إلى سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، إلى أرْبَعِينَ، إلى خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ، واللَفْظُ تُقالُ بِاشْتِراكٍ، فَأشَدُّ الإنْسانِ عَلى العُمُومِ غَيْرُ أشَدِّ اليَتِيمِ الَّذِي هو الِاحْتِلامُ.
و "الأشَدُّ" في الآيَةِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، والرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ هو حُصُولُ الإنْسانِ في زَمانَهِ واخْتِلالُ قُوَّتِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ الطاعاتِ، واخْتِلالُ عَقْلِهِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إقامَةِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ المُعْتَقَداتِ، وهَذا أبَدًا يُلْحَقُ مَعَ الكِبَرِ، وقَدْ يَكُونُ أرْذَلِ العُمُرِ في قَلِيلٍ مِنَ السِنِّ بِحَسَبِ شَخْصٍ ما لَحِقَتُهُ زَمانَةٌ، وقَدْ ذُكِرَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ أرْذَلَ العُمُرِ خَمْسَةٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، وإنْ صَحَّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَلا يَتَوَجَّهُ إلّا أنْ يُرِيدَ: عَلى الأكْثَرِ، فَقَدْ نَرى كَثِيرًا أبْناءَ ثَمانِينَ سَنَةً لَيْسُوا في أرْذَلِ العُمُرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "العُمُرَ" مُشَبَّعَةً، وقَرَأ نافِعٌ: "العُمُرَ" مُخَفِّفَةَ المِيمِ، واخْتَلَفَ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا يَعْلَمَ ﴾ أيْ: لِيَنْسى مَعارِفَهُ وعِلْمَهُ الَّذِي كانَ مَعَهُ فَلا يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَهَذا مِثالٌ واحِدٌ يَقْضِي لِلْمُعْتَدِّ بِهِ أنَّ القادِرَ عَلى هَذِهِ المَناقِلِ المُتْقِنَ لَها قادِرٌ عَلى إعادَةِ تِلْكَ الأجْسادِ الَّتِي أوجَدَها بِهَذِهِ المَناقِلِ إلى حالِها الأُولى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ لَهُ في الدُنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ هَذا هو المِثالُ الَّذِي يُعْطِي لِلْمُعْتَبِرِ فِيهِ جَوازَ بَعْثِ الأجْسادِ، وذَلِكَ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بَيِّنٌ، فَكَذَلِكَ الأجْسادِ، و "هامِدَةً" مَعْناها: ساكِنَةٌ دارِسَةٌ بالِيَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: هَمَدَ الثَوْبُ إذا بَلِيَ، قالَ الأعْشى: قالَتْ قَتِيلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هَمَدا و "اهْتِزازُ الأرْضِ" هو حَرَكَتُها بِالنَباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْتَرِيها بِالماءِ، و"رَبَتْ" مَعْناهُ: نَشَزَتْ وارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَبْوَةُ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَرَبَأتْ" بِالهَمْزِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وقَرَأها عَبْدُ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَخالِدُ بْنُ إلْياسٍ، وهي غَيْرُ وجِيهَةٍ، ووَجْهُها أنْ تَكُونَ مِن: "رَبَأْتُ القَوْمَ" إذا عَلَوْتَ شَرَفًا مِنَ الأرْضِ طَلِيعَةً، فَكَأنَّ الأرْضَ بِالماءِ تَتَطاوَلُ وتَعْلُو.
و"الزَوْجُ": النَوْعُ، و "البَهِيجُ" فَعِيلٌ مِنَ البَهْجَةِ وهي الحَسَنُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَـ "ذَلِكَ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ "بِأنَّ"، أيْ: هو بِأنَّ اللهَ حَقٌّ مُحْيِي قادِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ ﴾ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِما ذُكِرَ، لَكِنَّ المَعْنى أنَّ الأمْرَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، أو عَلى تَقْدِيرِ: والأمْرُ أنَّ الساعَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ ﴾ الآيَةُ.
الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: " ومِنَ الناسِ " إلى القَوْمِ المُتَقَدِّمْ ذَكْرُهُمْ، وحَكى النَقاشُ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، وكَرَّرَ هَذِهِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: وهَذِهِ الأمْثالُ في غايَةِ الوُضُوحِ والبَيانِ، ومِنَ الناسِ مَعَ ذَلِكَ مَن يُجادِلُ، فَكَأنَّ الواوَ واوُ الحالِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ الواوُ فِيها واوٌ عَطَفَتْ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى ما قَبِلَها، والآيَةُ عَلى مَعْنى الإخْبارِ، وهي ها هُنا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، و "ثانِيَ" حالٌ مِن ضَمِيرٍ في "يُجادِلُ"، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن "مِنَ" لِأنَّها ابْتِداءٌ، والِابْتِداءُ عَمَلُهُ الرَفْعُ لا النَصْبُ، وإضافَةُ "ثانِيَ" غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها؛ لِأنَّها في مَعْنى الِانْفِصالِ إذْ تَقْدِيرُها: ثانِيًا عِطْفِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الكِبْرِ يَرُدُّ وجْهَهُ عَمّا يَتَكَبَّرُ عنهُ، فَهو يَرُدُّ وجْهَهُ يُصَعِّرُ خَدَّهُ ويَلْوِي عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفِهِ، وهَذِهِ هي عِباراتُ المُفَسِّرِينَ.
و "العِطْفُ": الجانِبُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "عِطْفُهُ" بِفَتْحِ العَيْنِ، والعِطافُ: السَيْفُ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يَتَعَطَّفُهُ، أيْ يَصِلُهُ بِجَنْبِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدُ وأهْلُ مَكَّةَ: "لِيَضِلَّ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرُو.
و "الخِزْيِ": الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ في أسْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَتْلِهِ بالصَفْراءِ و"الحَرِيقُ": طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ بِمَعْنى: يُقالُ لَهُ، ونَسَبَ التَقْدِيمَ إلى اليَدَيْنِ إذْ هُما آلَةُ الِاكْتِسابِ، واُخْتُلِفَ في الوَقْفِ عَلى "يَداكَ" فَقِيلَ: لا يَجُوزُ لِأنَّ التَقْدِيرَ: وبِأنَّ اللهَ، أيْ أنَّ هَذا هو العَدْلُ فِيكَ بِجَرائِمِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ بِمَعْنى: والأمْرُ أنَّ اللهَ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ.
و "العَبِيدُ" هُنا ذُكِرُوا في مَعْنى مَكْسَنَتِهِمْ وقِلَّةِ قُدْرَتِهِمْ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الصِيغَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في أعْرابٍ وقَوْمٍ لا يَقِينَ لَهُمْ، كانَ أحَدُهم إذا أسْلَمَ فاتَّفَقَتْ لَهُ اتِّفاقاتٌ حَسّانٌ مِن نُمُوِّ مالٍ ووَلَدٍ ذَكَرٍ يَرْزُقُهُ وغَيْرِ ذَلِكَ قالَ: هَذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتَمَسَّكَ بِهِ لِهَذِهِ المَعانِي، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافٍ تَشاءَمَ بِهِ وارْتَدَّ كَما صَنَعَ العُرَنِيُّونَ وغَيْرُهم.
قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حَرْفٍ" مَعْناهُ: عَلى انْحِرافٍ مِنهُ عَنِ العَقِيدَةِ البَيْضاءِ، أو عَلى شَفًا مِنها، مُعَدٌّ لِلزَّهُوقِ، و "الفِتْنَةُ": الِاخْتِبارُ، وقَوْلُهُ: ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ عِبارَةٌ لِلْمُوَلِّي عَنِ الأُمُورِ.
و "خَسارَتُهُ الدُنْيا والآخِرَةَ" أمّا الدُنْيا فَبِالمَقادِيرِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِ، وأمّا الآخِرَةُ فَبِارْتِدادِهِ وسُوءِ مُعْتَقَدِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والأعْرَجُ: "خاسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ" نَصْبًا عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ﴾ يُرِيدُ الأوثانَ، ومَعْنى "يَدْعُو": يَعْبُدُ، ويَدْعُو أيْضًا في مُلِمّاتِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ: اللامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، وإنَّما التَقْدِيرُ: يَدْعُو مَن يَضُرُّهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَرَأ: "يَدْعُو مَن ضَرَّهُ"، وقالَ الأخْفَشُ: "يَدْعُو" بِمَعْنى يَقُولُ، و "مِن" مُبْتَدَأٌ، و "ضَرُّهُ" مُبْتَدَأٌ، و "أقْرَبُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ، وخَبَرُ "مِن" مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: يَقُولُ لِمَن ضَرَّهُ أقْرَبُ مِنهُ نَفْعُهُ: إلَهٌ، وشِبْهُ هَذا يَقُولُ عنتَرَةُ: يَدْعُونَ عنتَرَ والرِماحَ كَأنَّها...........................
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ، فَتَأمَّلْ إفْسادَهُ لِلْمَعْنى إذْ لَمْ يَعْتَقِدِ الكافِرُ قَطُّ أنَّ ضُرَّ الأوثانِ أقْرَبُ مِن نَفْعِها، واعْتِذارُ أبِي عَلِيٍّ هَنا مُمَوَّهٌ، وأيْضًا فَهو لا يُشَبِّهُ البَيْتَ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى في "يَدْعُو" يُسَمّى، وهَذا كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّ المَحْذُوفَ آخِرًا مَفْعُولٌ تَقْدِيرُهُ: إلَهًا.
وقالَ الزَجاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَدْعُو" في مَوْضِعِ الحالِ وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ، والتَقْدِيرُ: ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ، أيْ: يَدَّعُوهُ، فَيُوقِفُ عَلى هَذا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" بِمَعْنى: الَّذِي، أيِ: الَّذِي هو الضَلالُ البَعِيدُ يَدْعُو، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ" مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ هُوَ الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ، ويَكُونُ "يَدْعُو" عامِلًا في قَوْلِهِ: "ذَلِكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُ "ذَلِكَ" بِمَعْنى "الَّذِي" غَيْرُ سَهْلٍ، وشَبَّهَهُ المَهَدَوِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ .
وقَدْ يَظْهَرُ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "يَدْعُو" مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، ويَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ قالَ: يَدْعُو مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ثُمْ كَرَّرَ "يَدْعُو" -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- غَيْرَ مُعَدّى؛ إذْ قَدْ عُدِّيَ أوَّلُ الكَلامِ، ثُمُ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِقَوْلِهِ: "لَمَن ضَرُّهُ" واللامُ مُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القِسْمِ، والثانِيَةُ الَّتِي في "لَبِئْسَ" لامُ القَسَمِ وإنْ كانَ أبُو عَلِيًّ مالَ إلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ والثانِيَةُ لامُ اليَمِينِ، ويَظْهَرُ أيْضًا في الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُراُدُ: يَدْعُو مِن ضَرَّهُ، ثُمْ عَلَّقَ الفِعْلَ بِاللامِ، وصَحَّ أنْ يُقَدَّرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعَلَّقُ وهي أفْعالُ النَفْسِ كَظَنَنْتَ وحَسِبَتْ، وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى هَذا ورَدَ عَلَيْهِ.
و "العَشِيرُ": القَرِيبُ المُعاشِرُ في الأُمُورِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِـ "المَوْلى" و "العَشِيرِ" هو الوَثَنُ الَّذِي ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصابِئِينَ والنَصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ وسَفَّهَ رَأْيَهم وتَوَعَّدَهم بِخَسارَةِ الآخِرَةِ، عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُخالِفِيهِمْ مِن أهْلِ الإيمانِ، وذَكَرَ ما وعَدَهم بِهِ مِن إدْخالِهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ، ثُمْ أخَذَتِ الآيَةُ في تَوْبِيخِ أُولَئِكَ الأوَّلِينَ وإسْلامِهِمْ إلى رَأْيِهِمْ وإحالَتِهِمْ عَلى ما فِيهِ عَنَتُهم ولَيْسَ فِيهِ راحَتُهُمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَؤُلاءِ العابِدُونَ عَلى حَرْفٍ صَحِبَهُمُ القَلَقُ وظَنُّوا أنَّ اللهَ تَعالى لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأتْباعَهُ، ونَحْنُ إنَّما أمَرْناهم بِالصَبْرِ وانْتِظارِ وعْدِنا، فَمِن ظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ولْيَخْتَنِقْ ولْيَنْظُرْ هَلْ يَذْهَبُ بِذَلِكَ غَيْظُهُ؟
قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وهَذا عَلى جِهَةِ المَثَلِ السائِرِ، قَوْلُهُمْ: دُونَكَ الحَبْلُ فاخْتَنِقْ، يُقالُ ذَلِكَ لِلَّذِي يُرِيدُ مِنَ الأمْرِ ما لا يُمْكِنُهُ.
و "السَبَبُ": الحَبْلُ، و"النَصْرُ" مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ بِهِ إلى مَعْنى الرِزْقِ، كَما قالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرِأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشِقَّ الَّذِي الغَيْثُ ناصِرُهُ وقالَ: وقَفَ بِنا سائِلٌ مِن بَنِي أبِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي يَنْصُرُهُ اللهُ، و"السَماءُ" -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ-: الهَواءُ عُلُوًّا، فَكَأنَّهُ أرادَ: سَقْفًا أو شَجَرَةً أو نَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَماءُ هي المَعْرُوفَةُ، وذَهَبَ إلى مَعْنًى آخَرَ، كَأنَّهُ قالَ لِمَن يَظُنُّ أنَّ اللهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا: إنْ كُنْتَ تَظُنُّ ذَلِكَ فامْدُدْ سَبَبًا إلى السَماءِ واقْطَعْهُ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَإنْ عَجَزْتَ فَكَذَلِكَ لا تَقْدِرُ عَلى قَطْعِ سَبَبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ السَماءِ؛ إذْ نُصْرَتُهُ مِن هُنالِكَ، والوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و "القَطْعُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- لَيْسَ بِالِاخْتِناقِ، بَلْ هو جَزْمُ السَبَبِ، وفي مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ثُمْ لِيَقْطَعَهُ بِها"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ القَطْعَ هُنا هو الِاخْتِناقُ.
وقالَ الخَلِيلُ: وقَطْعُ الرَجُلِ إذا اخْتَنَقَ بِحَبْلٍ أو نَحْوِهُ، ثُمْ ذَكَرَ الآيَةَ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يُرادَ بِهِ الكُفّارُ وكُلُّ مَن يَغْتاظُ بِأنْ يَنْصُرَهُ اللهُ ويَطْمَعَ ألّا يُنْصَرَ، قِيلَ لَهُمْ: مَن ظَنَّ أنَّ هَذا لا يُنْصَرُ فَلْيَمُتْ كَمَدًا، هو مَنصُورٌ لا مَحالَةَ، فَلْيَخْتَنِقْ هَذا الظانُّ غَيْظًا وكَمَدًا، ويُؤَيِّدْ هَذا أنَّ الطَبَرِيَّ والنَقّاشَ قالا: ويُقالُ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطْفانَ قالُوا: نَخافُ أنْ يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ مِنَ المَنافِعِ.
والمَعْنى الأوَّلُ الَّذِي قِيلَ لِلْعابِدِينَ عَلى حَرْفٍ لَيْسَ بِهَذا، ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: مَن قَلِقَ واسْتَبْطَأ النَصْرَ وظَنَّ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لا يُنْصَرُ فَلْيَخْتَنِقْ سَفاهَةً إذْ تَعَدّى الأمْرَ الَّذِي حَدَّ لَهُ في الصَبْرِ وانْتِظارِ صُنْعِ اللهِ تَعالى.
وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَنْصُرَهُ" عائِدٌ عَلى "مَن"، والمَعْنى: مَن كانَ مِنَ القَلِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والضَمِيرُ في التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنْ يُرادَ الكُفّارُ لا يَعُودُ إلّا عَلى النَبِيِّ فَقَطْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الدِينِ والقُرْآنِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَقْطَعْ فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِ اللامِ فِيهِما عَلى الأصْلِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ اللامِ فِيهِما وفي لامِ الأمْرِ في كُلِّ القُرْآنِ مَعَ الواوِ والفاءِ و ثُمْ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَمْرُو، وعِيسى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أُمًّا الفاءُ والواوُ -إذا دَخَلَتْ إحْداهُما عَلى الأمْرِ- فَحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهم يَرَوْنَها كَأنَّها مِنَ الكَلِمَةِ فَسُكُونُ اللامِ تَخْفِيفٌ، وهو أفْصَحُ مِن تَحْرِيكِها، وأمّا "ثُمْ" فَهي كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فالوَجْهُ تَحْرِيكِ اللامِ بَعْدَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رَأى بَعْضُ النَحْوِيِّينَ المِيمَ مِن "ثُمْ" بِمَنزِلَةِ الواوِ والفاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ما يَغِيظُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وفي "يَغِيظُ" عائِدٌ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً حَرْفًا فَلا عائِدَ عَلَيْها، و "الكَيْدُ" هو مَدُّهُ السَبَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبْيَنُ وُجُوهِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ مَثَلًا، ويَكُونُ النَصْرُ المَعْرُوفَ، والقَطْعُ الِاخْتِناقَ، والسَماءُ الِارْتِفاعَ في الهَواءِ بِسَقْفٍ أو شَجَرَةٍ أو نَحْوِهِ فَتَأْمُلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ إلى ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ، المَعْنى: وكَما وعَدْنا بِالنَصْرِ وأمَرْنا بِالصَبْرِ كَذَلِكَ، أنْزَلْنا القُرْآنَ آيَةً بَيِّنَةً لِمَن نَظَرَ واهْتَدى، لا لِيَقْتَرِحَ مَعَها ويَسْتَعْجِلَ القَدَرَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وكَما بَيَّنْتُ حُجَّتِي عَلى مَن جَحَدَ قُدْرَتِي عَلى إحْياءِ المَوْتى كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ.
والضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وجاءَتْ هَذِهِ الضَمائِرُ هَكَذا وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ المُشاِرِ إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنَّ اللهَ" في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ: والأمْرُ أنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ، وهِدايَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هي خَلْقِهِ الرَشادُ والإيمانُ في نَفْسِ الإنْسانِ.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِعْلِهِ بِالفِرَقِ المَذْكُورِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ، واليَهُودُ، والصابِئُونَ.
وهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويَسْتَقْبِلُونَ القِبْلَةَ ويُوَحِّدُونَ اللهَ ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والنَصارى والمَجُوسُ وهم عَبَدَةُ النارِ والشَمْسِ والقَمَرِ.
والمُشْرِكُونَ وهم عَبَدَةُ الأوثانِ.
قالَ قَتادَةُ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، خَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ وواحِدٌ لِلرَّحْمَنِ.
وخَبَرُ "إنَّ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، ثُمْ دَخَلَتْ "إنَّ" عَلى الخَبَرِ مُؤَكِّدَةً، وحَسَنُ ذَلِكَ لِطُولِ الكَلامِ فَهي وما بَعْدَها خَبَرُ "إنَّ" الأولى، وقَرَنَ الزَجاجُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مَلِكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ نَقَلَهُ الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا البَيْتُ كالآيَةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ في البَيْتِ في قَوْلِهِ: "بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ"، و "إنَّ" الثانِيَةُ وجُمْلَتُها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
ثُمْ تَمَّ الكَلامُ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "القِيامَةِ"، واسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عن إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وعالِمْ بِهِ، وهَذا خَبَرٌ مُناسِبٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِرَقِ، وفَصْلُ اللهِ تَعالى بَيْنَ هَذِهِ الفِرَقِ هو بِإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ والكافِرِينَ النارَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ والجِبالُ والشَجَرُ والدَوابُّ وكَثِيرٌ مَن الناسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللهَ فَما لَهُ مَن مُكْرِمٍ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ ﴿ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ ﴾ ﴿ وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ ﴾ ﴿ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ "ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهَذِهِ آيَةُ إعْلامٍ بِتَسْلِيمِ المَخْلُوقاتِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى وخُضُوعِها.
وذَكَرَ في الآيَةِ كُلَّ ما عَبَدَ الناسُ إذْ في المَخْلُوقاتِ أعْظَمُ مِمّا ذَكَرَ كالبِحارِ والرِياحِ والهَواءِ، فَـ "مَن في السَماواتِ": المَلائِكَةُ، و"مَن في الأرْضِ" مَن عَبَدَ مِنَ البَشَرِ.
و"الشَمْسُ" كانَتْ تَعْبُدُها حِمْيَرُ، وهم قَوْمُ بِلْقِيسٍ، و "القَمَرُ" كانَتْ كِنانَةُ تَعْبُدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وكانَتْ تَمِيمُ تَعْبُدُ الدُبْرانِ، وكانَتْ لِخُمْ تَعْبُدُ المُشْتَرِيَ، وكانَتْ طَيُّ تَعْبُدُ الثُرَيّا، وكانَتْ قُرَيْشُ تَعْبُدُ الشِعْرَ، وكانَتْ أسَدُ تَعْبُدُ عُطارِدَ، وكانَتْ رَبِيعَةُ تَعْبُدُ المُرْزِمْ، و"الجِبالُ والشَجَرُ" مِنها النارُ وأصْنامُ الحِجارَةِ والخَشَبُ، و"الدَوابُّ" فِيها البَقَرُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا عَبَدَ مِنَ الحَيَوانِ كالدِيكِ ونَحْوِهِ.
و "السُجُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلْأمْرِ، وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: ............................
تَرى الأكَمَّ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وهَذا مِمّا يَتَعَذَّرُ فِيهِ السُجُودُ المُتَعارَفُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: سُجُودُ هَذِهِ الأشْياءِ هو بُطْلانُها، وقالَ بَعْضُهُمْ: سُجُودُها هو بِظُهُورِ الصَنْعَةِ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ، وإنَّما خَلَطَ هَذِهِ الآيَةَ بِآيَةِ التَسْبِيحِ، وهُنالِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هي بِآثارِ الصَنْعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ: وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ سَجْدًا، أيْ كَراهِيَةً وعَلى رُغْمِهِ، إمّا بِخُضُوعِهِ عِنْدَ المَكارِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ: سُجُودُهُ بِظِلِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ مُعادَلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ الناسِ ﴾ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم مَرْحُومُونَ بِسُجُودِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللهُ ﴾ الآيَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَما لَهُ مِن مُكْرِمْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الراءِ عَلى مَعْنى: مِن مَوْضِعٍ، أو عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَمَدْخَلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والدَوابُّ" مُشَدَّدَةَ الباءِ، وقَرَأ الزَهْرِيُّ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الباءِ، وهي قَلِيلَةٌ ضَعِيفَةٌ، وهي تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا: ظَلَّتْ وأحَسَّتْ، وكَما قالَ عَلْقَمَةُ: كَأنَّ إبْرِيقَهم ظَبْيٌ عَلى شَرَفٍ ∗∗∗ مُفَدَّمٌ بِسَبا الكَتّانِ مُلْثُومُ أرادَ: بِسَبائِبَ الكَتّانِ: وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في مَثْلِهِ: حَتّى إذا ما لَمْ أجِدْ غَيْرَ الشَرِّ ∗∗∗ كُنْتُ امْرِءًا مِن مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ وهَذا بابٌ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشِعْرِ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ ﴾ الآيَةُ.
اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "هَذانِ" فَقالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ، وهِلالُ بْنُ يُسافٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُتَبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم سِتَّةٌ: حَمْزَةُ، وعَلَيٌّ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، بَرَزُوا لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأقْسَمَ أبُو ذَرٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى هَذا القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقْعَ أنَّ الآيَةَ فِيهِمْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَيْنَهم تَخاصُمْ، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أقْدَمُ دِينًا مِنكم ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: المُخاصَمَةُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والحُسْنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمْ، والكَلْبِيُ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ تُعَضِّدُهُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ الناسِ ﴾ ، المَعْنى: فَهم مُؤْمِنُونَ ساجِدُونَ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ ، ثُمْ أشارَ إلى هَذَيْنَ الصِنْفَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ ، والمَعْنى أنَّ الإيمانَ وأهْلَهُ والكُفْرَ وأهْلَهُ خَصْمانِ مُذْ كانا إلى قِيامِ الساعَةِ بِالعَداوَةِ والجِدالِ والحَرْبِ.
وقَوْلُهُ: "خَصْمانِ" يُرِيدُ: طائِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ خَصْمٍ هي مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والواحِدُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ الجَمْعَ قَوْلُهُ تَعالى: "اخْتَصَمُوا"، فَإنَّها قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "اخْتَصَما في رَبِّهِمْ".
وقَوْلُهُ: "فِي رَبِّهِمْ" مَعْناهُ: في شَأْنِ رَبِّهِمْ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في رِضى رَبِّهِمْ، وفي ذاتِهِ.
ثُمْ بَيَّنَ حُكْمَ الفَرِيقَيْنِ، فَتَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفّارَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ، و "قُطِّعَتْ" مَعْناهُ: جُعِلَتْ لَهم بِتَقْدِيرٍ كَما يُفَصَّلُ الثَوْبُ، ورُوِيَ أنَّها مِن نُحاسٍ، وقِيلَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحِجارَةِ أحَرَّ مِنهُ إذا حَمِيَ.
ورُوِيَ في صَبِّ الحَمِيمِ - وهو الماءُ المَغْلِيُّ- أنَّهُ تُضْرَبُ رُؤُوسُهم بِالمَقامِعِ فَتَنْكَشِفُ أدْمِغَتُهم فَيُصَبُّ الحَمِيمُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: بَلْ يُصَبُّ الحَمِيمُ أوَّلًا فَيَفْعَلُ ما وُصِفَ ثُمْ تُضْرَبُ بِالمَقامِعِ بَعْدَ ذَلِكَ.
و "الحَمِيمُ" الماءُ المَغْلِيُّ، و "يُصْهَرُ" مَعْناهُ: يُذابُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُعْصَرُ، وهَذِهِ العِبارَةُ قَلِقَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَنْضَجُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................
∗∗∗ تَصْهَرُهُ الشَمْسُ ولا يَنْصَهِرُ وإنَّما يُشْبِهُ -فِيمَن قالَ: يُعْصَرُ- أنَّهُ أرادَ الحَمِيمَ يَهْبِطُ -كُلَّما يُلْقى- في الجَوْفِ ويَكْشِطُهُ ويَسْلِتُهُ، وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ عَنِ النَبِيِّ «أنَّهُ يَسْلِتُهُ ويَبْلُغُ بِهِ قَدَمَيْهِ ويُذِيبُهُ، ثُمْ يُعادُ كَما كانَ».
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَصْهَرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُصَهَّرُ" بِفَتْحِ الصادِ وشَدِّ الهاءِ، و"المِقْمَعَةُ" -بِكَسْرِ المِيمِ- مِقْرَعَةٌ مِن حَدِيدٍ يُقْمَعُ بِها المَضْرُوبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أرادُوا" رُوِيَ فِيهِ أنَّ لَهَبَ النارِ إذا ارْتَفَعَ رَفَعَهم فَيَصِلُونَ إلى أبْوابِ النارِ فَيُرِيدُونَ الخُرُوجَ فَيُضْرَبُونَ بِالمَقامِعِ وتَرُدُّهُمُ الزَبانِيَةُ.
و "مِن" في قَوْلِهِ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن غَمٍّ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ غايَةٍ أيْضًا، وهي بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وقَوْلُهُ: "وَذُوقُوا" هُنا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"الحَرِيقِ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ أيْ: مُحْرِقٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَذانِ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "هَذانِّ" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأها شِبْلٌ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ في المُبْهَماتِ كاللذانِ وهَذانِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَهُدُوا إلى الطَيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُعادَلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَحِلُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ وتَخْفِيفِها، يُقالُ: حَلَيَ الرَجُلُ وحَلِيَتِ المَرْأةُ إذا صارَتْ ذاتِ حُلِيٍّ.
وقِيلَ: هي مِن قَوْلِهِمْ: لَمْ يَحِلْ فَلانٌ بِطائِلٍ.
و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن أساوِرَ" هي لِبَيانِ الجِنْسِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِتَّبْعِيضِ.
و"الأساوِرُ" جَمْعُ سُوارٍ وإسْوارٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةُ جَمْعُ سَوارٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِن أسْوِرَةٍ مِن ذَهَبٍ.
و "اللُؤْلُؤُ": الجَوْهَرُ، وقِيلَ: صِغارُهُ، وقِيلَ: كِبارُهُ، والأشْهُرُ أنَّهُ اسْمٌ لِلْجَوْهَرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ "الأساوِرِ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يَحِلُّونَ فِيها أساوِرَ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والجَحْدَرِيِّ، وسَلّامٍ، ويَعْقُوبَ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعِيسى، وابْنِ عُمَرَ، وحَمَلَ أبُو الفَتْحِ نَصْبَهُ عَلى إضْمارٍ فَعَلَ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَلُؤْلُؤٌ" بِالخَفْضِ عَطْفًا إمّا عَلى لَفْظَةِ "الأساوِرِ"، ويَكُونُ "اللُؤْلُؤُ" في غَيْرِ الأساوِرِ، وإمّا عَلى "الذَهَبِ" لِأنَّ الأساوِرَ تَكُونُ أيْضًا مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ قَدْ جُمِعَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وطَلْحَةٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وأهْلِ مَكَّةَ، وثَبُتَتْ في "الإمامِ" ألْفٌ بَعْدَ الواوِ، قالَهُ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لَيْسَ فِيها ألِفٌ، ورَوى يَحْيى عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ بِهَمْزِ الواوِ الثانِيَةِ دُونَ الأُولى، ورَوى المُعَلّى بْنِ مَنصُورٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ ضِدَّ ذَلِكَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَهَمْزُهُما وتَخْفِيفُهُما وهَمْزُ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى جائِزٌ كُلُّهُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِئَلِئًا" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.
وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم بِلِباسِ الحَرِيرِ لِأنَّها مِن أكْمَلِ حالاتِ الآخِرَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ».
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُشْبِهُ أُمُورُ الآخِرَةِ أُمُورَ الدُنْيا إلّا في الأسْماءِ فَقَطْ، وأمّا الصِفاتُ فَمُتَبايِنَةٌ.
و"الطَيِّبُ مِنَ القَوْلِ": لا إلَهَ إلّا اللهَ وما جَرى مَعَها مِن ذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وتَسْبِيحِهِ وتَقْدِيسِهِ، وسائِرِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن مُحاوَرَةٍ وحَدِيثٍ طَيِّبٍ، فَإنَّها لا تُسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ، و"صِراطُ الحَمِيدِ" هو طَرِيقُ اللهِ تَعالى الَّذِي دَعا عِبادَهُ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الحَمِيدِ" نَفْسَ الطَرِيقِ، فَأضافَ إلَيْهِ عَلى حَدِّ إضافَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَدارِ الآخِرَةِ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ ﴾ الآيَةُ.
قَوْلُهُ: "وَيَصُدُّونَ" تَقْدِيرُهُ: وهم يَصُدُّونَ، وبِهَذا حَسُنَ عَطْفُ المُسْتَقْبَلِ عَلى الماضِي، وقالَتْ طائِفَةٌ: الواوُ زائِدَةٌ، و"يَصُدُّونَ" خَبَرُ "إنَّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، وإنَّما الخَبَرُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: "والبادِ"، تَقْدِيرُهُ: خَسِرُوا أو هَلَكُوا، وجاءَ "يَصُدُّونَ" مُسْتَقْبَلًا إذْ هو فَعَلَ يُدِيمُونَهُ، كَما جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ﴾ ونَحْوَهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ رَسُولُ اللهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ لَهم صَدٌّ قَبْلَ ذَلِكَ الجَمْعِ، إلّا أنْ يُرادَ صَدُّهم لِأفْرادٍ مِنَ الناسِ فَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في صَدْرِ المَبْعَثِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: " المَسْجِدُ الحَرامُ " أرادُوا بِهِ مَكَّةَ كُلَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ قَصَدَ بِالذِكْرِ المُهِمُ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ، وهو عَلى الِابْتِداءِ، و "العاكِفُ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: الخَبَرُ "سَواءٌ" وهو مُقَدَّمٌ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والمَعْنى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ قِبْلَةً أو مُتَعَبَّدًا، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "جَعَلَ" ويَرْتَفِعُ "العاكِفُ" بِهِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَعْنًى مُسْتَوٍ أُعْمِلَ عَمَلَ اسْمِ الفاعِلِ، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "جَعَلْناهُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "العاكِفِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الناسِ"، و "العاكِفُ": المُقِيمُ في البَلَدِ، و "البادِي": القادِمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "البادِي" بِالياءِ، ووَقَفَ أبُو عَمْرُو بِغَيْرِ ياءٍ، ووَصَلَ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ: "البادِّ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ في رِوايَةِ المُسَيِّبِي، وأبُو بَكْرٍ وإسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، ورَوى ورَشَّ الوَصْلَ بِالياءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ وصَلا ووَقَفًا، وهي في "الإمامِ" بِغَيْرِ ياءٍ.
وأجْمَعَ الناسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، فَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخِطابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ، وجَماعَةُ مَعَهم إلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في دُورِ مَكَّةَ، وأنَّ القادِمْ لَهُ النُزُولُ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيَهُ شاءَ أو أبى، وقالَ ذَلِكَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ كانَ الأمْرُ في الصَدْرِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ سابِطٍ: وكانَتْ دُورُهم بِغَيْرِ أبْوابٍ حَتّى كَثُرَتِ السَرِقَةُ فاتَّخَذَ رَجُلٌ بابًا فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: أتُغْلِقُ بابًا في وجْهِ حاجِّ بَيْتِ اللهِ؟
فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ حِفْظَ مَتاعِهِمْ مِنَ السَرِقَةِ، فَتَرَكَهُ فاتَّخَذَ الناسُ الأبْوابَ.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ الأُمَّةِ مِنهم مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَتِ الدُورُ كالمَسْجِدِ، ولِأهْلِها الِامْتِناعُ بِها والِاسْتِبْدادُ، وعَلى هَذا هو العَمَلُ اليَوْمَ.
وهَذا الخِلافُ مُتَرَكِّبٌ عَلى الِاخْتِلافِ في مَكَّةَ، هَلْ هي عنوَةٌ كَما رُوِيَ عن مالِكٍ والأوزاعِيِّ ؟
أو صُلْحٌ كَما رُوِيَ عَنِ الشافِعِيِّ ؟
فَمَن رَآها صُلْحًا فَإنَّ الِاسْتِواءَ عِنْدَهُ في المَنازِلِ بِعِيدٌ، ومَن رَآها عنوَةً أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ: الِاسْتِواءُ فِيها قَدَّرَهُ الأئِمَّةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْطِعُوها أحَدًا وإنَّما سُكْنى مَن سَكَنَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ قَوْلِ النَبِيِّ : «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلُ مَنزِلًا»، يَقْتَضِي الِاسْتِواءَ، وأنَّها مُتَمَلَّكَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَلى التَأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ ؛ لِأنَّهُ تُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ ورِثَ جَمِيعَ مَنازِلَ أبِي طالِبٍ وغَيْرِهِ، وتُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ باعَ مَنازِلَ بَنِي هاشِمْ حِينَ هاجَرُوا.
ومِنَ الحُجَّةِ لِتُمَلِّكَ أهْلَها دَوْرَهم أنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ اشْتَرى مِن صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ دارًا لِلسِّجْنِ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، ويَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ في وقْتِ المَوْسِمْ لِلضَّرُورَةِ والحاجَةِ فَيَخْرُجُ الأمْرُ حِينَئِذٍ عَنِ الِاعْتِبارِ بِالعنوَةِ والصُلْحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإلْحادٍ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الباءُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ الشَثَّ صَدْرُهُ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَبَهانِ وَمِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ضَمِنتُ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا ∗∗∗............................
وهَذا كَثِيرٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ الناسُ بِإلْحادٍ.
و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهَذا الإلْحادُ والظُلْمُ يَجْمَعُ جَمِيعَ المَعاصِي مِنَ الكُفْرِ إلى الصَغائِرِ، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ المَكانِ تَوَعَّدَ اللهَ تَعالى عَلى نِيَّةِ السَيِّئَةِ فِيهِ، ومِن نَوى سَيِّئَةً ولَمْ يَعْمَلْها لَمْ يُحاسَبْ بِذَلِكَ إلّا في مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ: الشِرْكُ، وقالَ أيْضًا؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرُو رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَوْلُ "لا واللهِ وبَلى واللهِ" بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ، وقالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: الحُكْرَةُ بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ بِالظُلْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُمُومُ يَأْتِي عَلى هَذا كُلِّهِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمَن يَرِدُ" مِنَ الوُرُودِ، حَكاهُ الفِراءُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وأعَمُّ وأمْدَحُ لِلْبُقْعَةِ.
و"مَن" شَرْطٌ جازِمَةٌ لِلْفِعْلِ، وذَلِكَ مَنعَ مَن عَطْفِها عَلى "الَّذِينَ" واللهُ المُسْتَعانُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُكَّعِ السُجُودِ ﴾ ﴿ وَأذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ بَوَّأْنا، و "بَوَّأ" هي تَعْدِيَةٌ بِالتَضْعِيفِ، و"باءَ" مَعْناهُ: رَجَعَ، فَكَأنَّ المُبَوِّئَ يَرُدُّ المُبَوَّأ إلى المَكانِ، واسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ بِمَعْنى "سَكَنَ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ ﴾ ، وقالَ الشاعِرُ: كَمْ صاحِبٍ لِيَ صالِحٌ بَوَّأتْهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إبْراهِيمَ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "بَوَّأْنا" نازِلَةٌ مَنزِلَةُ فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللامِ كَنَحْوِ جَعَلْنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ بِـ "بَوَّأْنا" مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: الناسُ أوِ العالَمُ، ثُمْ قالَ: "لِإبْراهِيمَ"، بِمَعْنى: لَهُ كانَتْ هَذِهِ الكَرامَةُ وعَلى يَدَيْهِ بُوِّئُوا.
و"البَيْتُ" هو الكَعْبَةُ، وكانَ -فِيما رُوِيَ- قَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مُتَعَبَّدًا لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمْ دُرِسَ بِالطُوفانِ وغَيْرِهِ، فَلِما جاءَتْ مُدَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ أمْرَهُ اللهُ تَعالى بِبِنائِهِ، فَجاءَ إلى مَوْضِعِهِ وجَعَلَ يَطْلُبُ أثَرًا، فَبَعَثَ اللهُ رِيحًا فَكَشَفَ لَهُ عن أساسِ آدَمَ فَرَتَّبَ قَواعِدَهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ﴾ هي مُخاطَبَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ حُكِيَتْ لَنا، بِمَعْنى قِيلَ لَهُ: " ألّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا "، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "أنْ لا يُشْرِكُ بِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى نُقِلَ مَعْنى القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ، قالَ أبُو حاتِمْ: ولا بُدَّ مِن نَصْبِ الكافِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، بِمَعْنى: لِئَلّا يُشْرِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ.
وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى مَن أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ، أيْ: هَذا كانَ الشَرْطُ عَلى أبِيكم فَمِن بَعْدُ وأنْتُمْ، فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: الخِطابُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أنْ لا تُشْرِكْ ﴾ لِمُحَمَّدٍ ، وأمَرَ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ والأذانِ بِالحَجِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو الأصَحُّ.
و"تَطْهِيرُ البَيْتِ" عامٌّ في الكَفْرِ والبِدَعِ وجَمِيعِ الأنْجاسِ والدِماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"القائِمُونَ" هُمُ المُصَلُّونَ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن أرْكانِ الصَلاةِ أعْظَمَها وهِيَ: القِيامُ والرُكُوعُ والسُجُودُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَأذِّنْ" بِشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَآذِنْ" بِمَدَّةٍ وتَخْفِيفِ الذالِ، وتَصَحَّفَ هَذا عَلى ابْنِ جِنِّيِّ ؛ فَإنَّهُ حَكى عنهُما "وَأذِنَ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وأعْرَبَ عن ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَهُ عَطْفًا عَلى "بَوَّأْنا".
ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أُمِرَ بِالأذانِ بِالحَجِّ قالَ: يا رَبِّ وإذا نادَيْتُ فَمَن يَسْمَعُنِي؟
فَقِيلَ لَهُ: نادِ يا إبْراهِيمُ، فَعَلَيْكَ النِداءُ وعَلَيْنا البَلاغُ، فَصَعِدَ عَلى أبِي قُبَيْسٍ -وَقِيلَ: عَلى حَجَرِ المَقامِ - ونادى: أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ قَدْ أمَرَكم بِحَجِّ هَذا البَيْتِ فَحُجُّوا، واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ألْفاظِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، واللازِمْ أنْ يَكُونَ فِيها ذِكْرُ البَيْتِ والحَجِّ، ورُوِيَ أنَّهُ يَوْمَ نادى أسْمَعَ كُلَّ مَن يَحُجُّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في أصْلابِ الرِجالِ، وأجابَهُ كُلُّ شَيْءٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جَمادٍ وغَيْرِهِ: لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، فَجَرَتِ التَلْبِيَةُ عَلى ذَلِكَ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِالحَجِّ" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها، و "رِجالًا" جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتُجّارٍ، [وَصاحِبٍ وصِحابٍ]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُجَلَّزٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "رُجّالًا" بِضَمِّ الراءِ وشَدِّ الجِيمِ، كَكاتِبٍ وكُتّابٍ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "رُجالًا" بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وهو قَلِيلٌ في أبْنِيَةِ الجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "رُجالى" عَلى وزْنِ فُعالى، فَهو مِثْلُ كُسالى.
و "الضامِرُ"، قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِها الناقَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: ناقَةٌ ضامِرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: عَهْدِي بِها في الحَيِّ قَدْ دُرِّعَتْ ∗∗∗ هَيْفاءُ مِثْلَ المُهْرَةِ الضامِرِ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَأْتِينَ" مُسْتَقِيمًا عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الضامِرُ" كُلُّ ما اتَّصَفَ بِذَلِكَ مِن جَمَلٍ أو ناقَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأظْهَرُ، لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الجَماعاتِ أوِ الرِفاقِ، فَيَحْسُنُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: "يَأْتِينَ".
وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَأْتُونَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والضِحاكِ.
وفِي تَقْدِيمِ "رِجالًا" تَفْضِيلٌ لِلْمُشاةِ في الحَجِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما آسى عَلى شَيْءٍ فاتَنِي إلّا أنْ أكُونَ حَجَجْتُ ماشِيًا، فَإنِّي سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: "يَأْتُونَكَ رِجالًا"، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: حَجَّ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَلامُ ماشِيَيْنِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِسُقُوطِ ذِكْرِ البَحْرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فَرْضَ الحَجِّ بِالبَحْرِ ساقِطٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ مالِكٌ في المَوّازِيَّةِ: لا أسْمَعُ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأنُّسٌ، لا أنَّهُ يَلْزَمُ مِن سُقُوطِ ذِكْرِ البَحْرِ سُقُوطَ الفَرْضِ، وذَلِكَ أنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ في ضَفَّةِ بَحْرِ فَيَأْتِيها الناسُ بِالسُفُنِ، ولا بُدَّ لِمَن رَكِبَ البَحْرَ أنْ يَصِيرَ في إتْيانِ مَكَّةَ إمّا راجِلًا وإمّا عَلى ضامِرٍ، فَإنَّما ذُكِرَتْ حالَتا الوُصُولِ، وإسْقاطُ فَرْضِ الحَجِّ بِمُجَرَّدِ[عَدَمِ الذِكْرِ] البَحْرُ لَيْسَ بِالكَثِيرِ ولا بِالقَوِيِّ، فَأمّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ عَدُوُّ أو خَوْفٌ أو هَوْلٌ شَدِيدٌ أو مُرْضٌ يُلْحِقُ شَخْصًا ما فَمالِكٌ والشافِعِيٌّ وجُمْهُورُ الناسِ عَلى سُقُوطِ الوُجُوبِ في ذَلِكَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِسَبِيلٍ يُسْتَطاعُ، وذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ (الاسْتِظْهارِ) في هَذا المَعْنى كَلامًا ظاهِرُهُ أنَّ الوُجُوبَ لا يُسْقِطُهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأعْذارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
و "الفَجُّ": الطَرِيقُ الواسِعَةُ، و"العَمِيقُ" مَعْناهُ: البَعِيدُ، وقالَ الشاعِرُ إذا الخَيْلُ جاءَتْ مِن فِجاجٍ عَمِيقَةٍ ∗∗∗ يَمُدُّ بِها في السَيْرِ أشْعَثُ شاحِبُ و"المَنافِعُ" في هَذِهِ الآيَةِ: التِجارَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرِهِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أرادَ الأجْرَ ومَنافِعَ الآخِرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ بِعُمُومِ الوَجْهَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "اسْمَ اللهِ"، يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ هاهُنا المُسَمّى، بِمَعْنى: ويَذْكُرُوا اللهَ، عَلى تَجَوُّزٍ في هَذِهِ العِبارَةِ، إلّا أنْ يُقْصَدَ ذِكْرُ القُلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ التَسْمِياتِ، وذِكْرُ اللهِ تَعالى إنَّما هو بِذِكْرِ أسْمائِهِ، ثُمْ يَذْكُرُ القَلْبُ السُلْطانَ والصِفاتِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنْ يَكُونَ الذِكْرُ بِمَعْنى حَمْدِهِ وتَقْدِيسِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَتِهِ في الرِزْقِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «إنَّها أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللهِ»، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ تَعالى عَلى النَحْرِ والذَبْحِ، وقالُوا: إنَّ في ذِكْرِ الأيّامِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الذَبْحَ في اللَيْلِ لا يَجُوزُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِ الرَأْيِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الأيّامُ المَعْلُوماتِ" هي أيّامُ العَشْرِ ويَوْمُ النَحْرِ وأيّامُ التَشْرِيقِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينِ: هي أيّامُ العَشْرِ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أيّامُ التَشْرِيقِ، ذَكَرَهُ القُتَيْبِيُّ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ فِيها مالِكٌ وأصْحابُهُ: بَلِ الأيّامُ المَعْلُوماتُ يَوْمُ النَحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وأيّامُ التَشْرِيقِ الثَلاثَةُ هي المَعْدُوداتُ، فَيَكُونُ يَوْمُ النَحْرِ مَعْلُومًا لا مَعْدُودًا، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ ومَعْدُوداتٌ والرابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَمَلَ هَؤُلاءِ عَلى هَذا التَفْصِيلِ أنَّهم أخَذُوا "ذِكْرَ اسْمِ اللهِ" هُنا عَلى الذَبْحِ لِلْأضاحِيِّ والهَدْيِ وغَيْرِهِ، فاليَوْمُ الرابِعُ لا يُضَحّى فِيهِ عِنْدَ مالِكٍ وجَماعَةٍ، وأخَذُوا التَعَجُّلَ والتَأخُّرَ بِالنَفَرِ في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، فَتَأمَّلْ هَذا يَبِنْ لَكَ قَصْدُهُمْ، ويَظْهَرُ أنْ تَكُونَ المَعْلُوماتُ والمَعْدُوداتُ بِمَعْنًى، أيْ تِلْكَ الأيّامُ الفاضِلَةُ كُلُّها، ويَبْقى أمْرُ الذَبْحِ وأمْرُ الِاسْتِعْجالِ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُودٍ ولا بِمَعْلُومٍ، وتَكُونُ فائِدَةُ قَوْلِهِ: "مَعْلُوماتٍ" و"مَعْدُوداتٍ" التَحْرِيضَ عَلى هَذِهِ الأيّامِ وعَلى اغْتِنامِ فَضْلِها؛ إذْ لَيْسَتْ كَغَيْرِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي مَخْصُوصاتٌ فَلْتُغْتَنَمْ.
وقَوْلُهُ، تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبَ، واسْتَحَبَّ أهْلُ العِلْمِ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْكُلَ مِن هَدْيِهِ أو ضَحِيَّتِهِ مَعَ التَصَدُّقِ بِأكْثَرِها، مَعَ تَجْوِيزِهِمُ الصَدَقَةَ بِالكُلِّ وأكْلَ الكُلِّ، و"البائِسُ": الَّذِي قَدْ مَسَّهُ ضُرُّ الفاقَةِ وبُؤْسُها، يُقالُ: بَأسَ الرَجُلُ يَبْؤُسُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن نَزَلَتْ بِهِ نازِلَةُ دَهْرٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ فَقْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «لَكِنَّ البائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةٍ»، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ أهْلُ الحاجَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُورِ ﴾ ﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ ﴾ اخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في سُكُونِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا ﴾ وفي تَحْرِيكِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالكَسْرِ، وفي تَحْرِيكِ "لِيَقْضُوا" وتَسْكِينِ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ﴾ تَوْجِيهُ جَمِيعِ ذَلِكَ.
و"التَفَثُ" ما يَفْعَلُهُ المُحْرِمْ عِنْدَ حَلِّهِ مِن تَقْصِيرِ شَعْرٍ وحَلْقِهِ وإزالَةِ شَعَثِ ونَحْوِهُ مِن إقامَةِ الخَمْسِ مِنَ الفِطْرَةِ حَسَبَ الحَدِيثِ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ قَضاءُ جَمِيعِ مَناسِكِهِ إذْ لا يُقْضى التَفَثُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "وَلِيُوَفُّوا" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، و"وَفى" و"أوفى" لُغَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ في كِتابِ اللهِ تَعالى و"أوفى" أكْثَرُ.
و"النُذُورُ" ما مَعَهم مِن هَدْيٍ وغَيْرِهِ، و"الطَوافُ" المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو طَوافُ الإفاضَةِ الَّذِي هو مِن واجِباتِ الحَجِّ، قالَ الطَبَرِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ في ذَلِكَ.
قالَ مالِكٌ: هو واجِبٌ يَرْجِعُ تارِكَهُ مِن وطَنِهِ إلّا أنْ يَطُوفَ طَوّافَ وداعٍ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ مِنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ بِحَسْبَ التَرْتِيبِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى طَوافِ الوَداعِ إذِ المُسْتَحْسَنُ أنْ يَكُونَ ولا بُدَّ، وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَمْرُو بْنِ أبِي سَلَمَةَ قالَ: سَألَتُ زُهَيْرًا عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ فَقالَ: هو طَوافُ الوَداعِ.
وقالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: واخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في وجْهِ صِفَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: العَتِيقُ: القَدِيمُ، يُقالُ: سَيْفٌ عَتِيقٌ، وقَدْ عَتَقَ الشَيْءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ؛ إذْ هو أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، إلّا أنَّ ابْنَ الزُبَيْرِ قالَ: سُمِّي عَتِيقًا لِأنَّ اللهَ تَعالى أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ بِمَنعِهِ إيّاهُ مِنهُمْ، ورَوَيَ في هَذا حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مَوْضِعَهُ قَطُّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَمِّي عَتِيقًا لِأنَّ اللهَ تَعالى يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَرُدُّهُ التَصْرِيفُ.
وقِيلَ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مَن غَرَقِ الطُوفانُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "العَتِيقِ" صِفَةُ مَدْحٍ تَقْتَضِي جَوْدَةَ الشَيْءِ، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «حَمَلْتُ عَلى فَرَسٍ عَتِيقٍ» الحَدِيثُ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُمْ: كَلامٌ حُرٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ: فَرْضُكم ذَلِكَ، أوِ الواجِبُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: امْتَثَلُوا ذَلِكَ ونَحْوَ هَذا الإضْمارِ، وأحْسَنُ الأشْياءِ مُضْمَرًا أحْسَنُها مَظْهَرًا، ونَحْوَ هَذِهِ الإشارَةِ البَلِيغَةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ: هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعْيا بِخُطَّتِهِ وسَطَ النَدِيِّ إذا ما ناطِقٌ نَطَقا و"الحُرُماتُ" المَقْصُودَةُ هاهُنا هي أفْعالُ الحَجِّ المُشارُ إلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَعْظِيمُ المَواضِعِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، ووَعَدَ عَلى تَعْظِيمِها بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيضًا وتَحْرِيصًا، ثُمْ لَفْظُ الآيَةِ -بَعْدَ ذَلِكَ- يَتَناوَلُ كُلَّ حُرْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الشَرْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهُوَ خَيْرٌ" ظاهِرُهُ أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وإنَّما هي عِدَةٌ بِخَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ "خَيْرٌ" لِلتَّفْضِيلِ عَلى تَجَوُّزٍ في هَذا المَوْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن تَحْرِيمِ أشْياءَ بِرَأْيِها كالبُحَيْرَةِ والسائِبَةِ، فَأذْهَبَ اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ وأحَلَّ لَهم جَمِيعَ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ثُمْ أمَرَهم بِاجْتِنابِ الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ، والكَلامُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِبَيانِ الجِنْسِ فَيَقَعُ نَهْيُهُ عن رِجْسِ الأوثانِ فَقَطْ، وتَبْقى سائِرُ الأرْجاسِ نَهْيِها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والمَعْنى الثانِي أنْ تَكُونَ "مَن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَكَأنَّهُ نَهاهم عَنِ الرِجْسِ عامًّا ثُمْ عَيَّنَ لَهم مَبْدَأهُ الَّذِي مِنهُ يَلْحَقُهُمْ؛ إذْ عِبادَةُ الوَثَنِ جامِعَةٌ لِكُلِّ فَسادٍ ورِجْسٍ، ويُظْهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى الذَبائِحِ الَّتِي كانَتْ لِلْأوثانِ، فَيَكُونُ هَذا مِمّا يُتْلى عَلَيْهِمْ، ومَن قالَ: إنَّ "مَن" لِلْتَبْعِيضِ قَلَبَ مَعْنى الآيَةِ وأفْسَدَهُ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الآيَةَ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأوثانِ.
و"الزُورُ" عامٌّ في الكَذِبِ والكُفْرِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما عَدا الحَقَّ فَهو كَذِبٌ وباطِلٌ وزُورٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُورِ بِالشِرْكِ»، وتَلا هَذِهِ الآيَةُ، و"الزُورُ" مُشْتَقٌّ مِنَ الزَوَرِ وهو المَيْلُ، ومِنهُ في جانِبِ فُلانٍ زَوَرٌ، ويُظْهِرُ أنَّ الإشارَةَ في زُورِ أقْوالِهِمْ في تَحْرِيمِ وتَحْلِيلِ ما كانُوا قَدْ شَرَّعُوهُ في الأنْعامِ.
و"حُنَفاءَ" مَعْناهُ: مُسْتَقِيمِينَ أو مائِلِينَ إلى الحَقِّ بِحَسْبَ أنَّ لَفْظَةَ "الحَنَفِ" مِنَ الأضْدادِ، تَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ وتَقَعُ عَلى المَيْلِ.
و"حُنَفاءَ" نَصْبٌ عَلى الحالِ.
وقالَ قَوْمٌ: "حُنَفاءَ" مَعْناهُ: حُجّاجًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَخْصِيصٌ لا حُجَّةَ مَعَهُ.
وَ "غَيْرَ مُشْرِكِينَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أُخْرى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "حُنَفاءَ".
ثُمْ ضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أظْهَرُهُ في غايَةِ السُقُوطِ ويُحْتَمَلُ الهَوْلُ والِانْبِتاتُ مِنَ النَجاةِ، بِخِلافِ ما ضَرَبَ لِلْمُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ ﴾ ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: إذا حَدَّثْتُكم عن رَسُولِ اللهِ فَلَئِنْ أخِرَّ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ أهْوَنُ عَلَيَّ مِن أنَّ أكْذَبَ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ.
وقَرَأ نافِعُ وحْدَهُ: "فَتَخَطَّفَهُ الطَيْرُ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الطاءِ عَلى حَذْفِ تاءِ التَفَعُّلِ، وقَرَأ الباقُونَ: "فَتَخْطِفُهُ الطَيْرُ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِخِطَّفَهُ" بِكَسْرِ التاءِ والخاءِ وفَتْحِ الطاءِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الخاءِ، والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِنَ السَماءِ تَخْطِفُهُ" بِغَيْرِ فاءٍ وعَلى نَحْوِ قِراءَةِ الجَماعَةِ.
وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ عَلى الماضِي لِأنَّهُ بِتَقْدِيرٍ: فَهو نَخْطَفُهُ الطَيْرُ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "الرِياحُ".
و"السَحِيقُ": البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أسْحَقُهُ اللهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ : «فَأقُولُ سُحْقًا سُحْقا»، ومِنهُ "نَخْلَةٌ سُحُوقٌ" لِلْبَعِيدَةِ في السَماءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ التَقْدِيرُ في هَذا المَوْضِعِ: الأمْرُ ذَلِكَ.
و"الشَعائِرُ" جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي كُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ أمْرٌ أشْعَرَ بِهِ وأعْلَمَ، قالَتْ فِرْقَةٌ: قَصَدَ بِالشَعائِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الهَدْيِ والأنْعامَ المُشْعِرَةَ، ومَعْنى "تَعْظِيمِها" التَسْمِينِ والِاهْتِبالَ بِأمْرِها والمُغالاةِ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ.
وعَوْدُ الضَمِيرِ في "فَإنَّها" عَلى التَعْظِمَةِ والفَعْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ، وقُرِئَ "القُلُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "تَقْوى"، ثُمُ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ أنَّ لِلنّاسِ في أنْعامِهِمْ مَنافِعَ مِنَ الصُوفِ واللَبَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ ما لَمْ يَبْعَثْها رَبُّها هَدْيًا، فَإذا بَعَثَها فَهو "الأجَلُ المُسَمّى"، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: أرادَ: لَكم في الهَدْيِ المَبْعُوثِ مَنافِعُ مِنَ الرُكُوبِ والِاحْتِلابِ لِمَنِ اضْطُرَّ، و"الأجَلُ المُسَمّى": نَحْرُها، وتَكُونُ "ثُمْ" لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لِأنَّ "المَحَلَّ" قَبْلَ "الأجَلِ"، ومَعْنى الكَلامِ عِنْدَ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ: ثُمْ مَحِلُّها إلى مَوْضِعِ النَحْرِ، فَذِكْرُ البَيْتِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الحُرُمْ وهو المَقْصُودُ بِالهَدْيِ وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحُسْنُ: تِلْكَ الشَعائِرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَواضِعُ الحَجِّ كُلُّها ومَعالِمُهُ بِمِنى وعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةَ والصَفا والمَرْوَةَ والبَيْتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي أنَّ البَدَنَ مِنَ الشَعائِرِ، و"المَنافِعُ": التِجارَةُ وطَلَبُ الرِزْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كَسْبَ الأجْرِ والمَغْفِرَةَ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، و"الأجَلُ": الرُجُوعُ إلى مَكَّةَ وطَوافُ الإفاضَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمْ مَحِلُّها" مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ المُحَرَّمِ مَعْناهُ، ثُمْ أخَّرَ هَذا كُلَّهُ إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ، فالبَيْتُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُرادٌ بِنَفْسِهِ، قالَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ).
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَنسَكًا، أيْ مَوْضِعَ نُسُكٍ وعِبادَةٍ، ثُمْ أنَّ المَنسَكَ ظَرْفٌ كالمَذْبَحِ ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ، كَأنَّهُ قالَ: عِبادَةٌ وَنَحْوَها، والناسِكُ: العابِدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سُنَّةٌ في إراقَةِ دِماءِ الذَبائِحِ، وقَرَأ مُعْظَمُ القُرّاءِ: "مَنسَكًا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو مِن: نَسَكَ يَنْسُكُ بِضَمِّ السِينِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مَنسِكًا" بِكَسْرِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الفَتْحُ أُولى؛ لِأنَّهُ إمّا المَصْدَرُ وإمّا المَكانُ وكُلاهُما مَفْتُوحٌ، والكَسْرُ في هَذا مِنَ الشاذِّ في اسْمِ المَكانِ أنْ يَكُونَ (مَفْعِلْ) مِن: فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلَ مَسْجِدٌ، مِن: سَجَدَ يَسْجُدُ، ولا يَسُوغُ فِيهِ القِياسُ، ويُشْبِهُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَهُ مِنَ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: أمَرْناهم عِنْدَ ذَبائِحِهِمْ بِذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَكُونَ الذَبْحُ لَهُ لِأنَّهُ رازِقُ ذَلِكَ، ثُمْ رَجَعَ اللَفْظُ مِنَ الخَبَرِ عَنِ الأُمَمِ إلى إخْبارِ الحاضِرِينَ بِما مَعْناهُ: فالإلَهُ واحِدٌ لِجَمِيعِكُمْ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ في الذَبِيحَةِ إنَّما يَنْبَغِي أنْ تُخْلِصَ لَهُ، و"أسْلَمُوا" مَعْناهُ: لِحَقِّهِ ولِوَجْهِهِ ولِإنْعامِهِ آمَنُوا وأسْلَمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِسْلامَ.
ثُمْ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُبَشِّرَ بِشارَةً عَلى الإطْلاقِ، وهي أبْلَغُ مِنَ المُفَسِّرَةِ لِأنَّها مُرْسَلَةٌ مَعَ نِهايَةِ التَخَيُّلِ، و "المُخْبِتِينَ": المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، و"الخَبْتُ": ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الَّذِي مَشْيُهُ مَتَطامِنٌ كَأنَّهُ في حُدُورٍ مِنَ الأرْضِ، وقالَ عَمْرُو بْنِ أوسِ: المُخْبِتُونَ: الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ شَرِيفٌ مَن خُلُقِ المُؤْمِنِ الهَيِّنِ اللَيِّنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُطَمْئِنُونَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، ووَصَفَهم تَعالى بِالخَوْفِ والوَجِلِ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ، وتِلْكَ لِقُوَّةِ يَقِينِهِمْ ومُراعاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وكَأنَّهم بَيْنَ يَدَيْهِ، ووَصْفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإقامَةِ الصَلاةِ وإدامَتِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصَلاةُ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقٍ، والحُسْنِ: "الصَلاةُ" بِالنَصْبِ عَلى تَوَهُّمُ النُونِ وأنَّ حَذْفَها لِلتَّخْفِيفِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وَقَرَأ الأعْمَشُ: "والمُقِيمِينَ الصَلاةَ" بِالنُونِ والنُصْبِ في "الصَلاةِ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "والمُقِيمُ الصَلاةَ"، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ -قَوْلُهُ تَعالى: "وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ"- نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ "البُدْنُ": جَمْعُ بَدَنَةٍ، وهي ما أُشْعِرَ مِن ناقَةٍ أو بَقَرَةٍ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وسَمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَبْدَنُ، أيْ تَسْمَنُ، وقِيلَ: بَلْ هَذا الِاسْمُ خاصٌّ بِالإبِلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُدْنَ": جَمْعُ بَدَنٍ -بِفَتْحِ الباءِ والدالِ- ثُمُ اخْتَلَفَتْ، فَقالَ بَعْضُها: البُدْنَ مُفْرِدٌ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ العَظِيمُ السَمِينُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ويُقالُ لِلسَّمِينِ مِنَ الرِجالِ: بَدُنَ، وقالَ بَعْضُها: البُدْنَ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمْرٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والبَدَنُ" ساكِنَةُ الدالِّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "البُدُنُ" بِضَمِّ الدالِّ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بَدَنَةٍ كَثُمُرٍ، وعَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى الناسِ في هَذِهِ البُدُنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الشَعائِرِ".
و"الخَيْرُ" قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ في "المَنافِعِ" الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، والصَوابُ عُمُومُهُ في خَيْرِ الدُنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلَيْها" يُرِيدُ: عِنْدَ نَحْرِها.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوافَّ" بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: مُطِيعَةٌ في قِيامِها، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيِّ، وشَقِيقٌ، وَسُلَيْمانَ التَيْمِيِّ، والأعْرَجُ: "صَوافِي" جَمْعُ صافِيَةٍ، أيْ: خالِصَةٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، لا شَرِكَةَ فِيها لِشَيْءٍ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُشْرِكُ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَوافٍ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَنْوِينِها مُخَفِّفَةً، وهي بِمَعْنى الَّتِي قَبْلَها لَكِنْ حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: "صَوافِنَ" بِالنُونِ جَمْعُ صافِنَةٍ، وهي الَّتِي قَدْ رَفَعَتْ إحْدى يَدَيْها بِالعَقْلِ لِئَلّا تَضْطَرِبُ، والصافِنُ مِنَ الخَيْلِ: الرافِعُ لِفَراهَتِهِ إحْدى يَدَيْهِ وقِيلَ إحْدى رِجْلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصافِناتُ الجِيادُ ﴾ ، وقالَ عَمْرُو بْنِ كُلْثُومٍ: تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا و"وَجَبَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِها، ومِنهُ: وجَبَتِ الشَمْسُ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: ألَمْ تُكْسِفُ الشَمْسُ والبَدْرُ والـ ∗∗∗ ـكَواكِبُ لِلْجَبَلِ الواجِبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبٌ، وكُلُّ العُلَماءِ يَسْتَحِبُّ أنْ يَأْكُلَ الإنْسانُ مِن هَدْيِهِ، وفِيهِ أجْرٌ وامْتِثالٌ إذْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِن هَدْيِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والطَبَرِيُّ: هي إباحَةٌ.
و"القانِعُ": السائِلُ، يُقالُ: قَنِعَ الرَجُلُ يَقْنَعُ قَنُوعًا إذا سَألَ، بِفَتْحِ النُونِ في الماضِي، وقَنِعَ بِكَسْرِ النُونِ يَقْنَعُ قَناعَةً فَهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واسْتَغْنى بِبُلْغَتِهِ، قالَهُ الخَلِيلُ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشَمّاخُ: لِمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ فَمُحَرِّرُوا القَوْلِ مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: القانِعُ: السائِلُ.
و"المُعْتَرُّ": المُتْعَرِضُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعَكَسَتْ فِرْقَةٌ هَذا القَوْلَ، حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: القانِعُ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتُهُ، والمُعْتَرُّ هو المُعْتَرِضُ، وحُكِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَرُّ: السائِلُ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: القانِعُ: الجارُ وإنَّ كانَ غَنِيًّا، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "القانِعَ"، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: أطْعَمُوا المُتَعَفِّفَ الَّذِي لا يَأْتِي مُعْتَرِضًا، وذَهَبَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ إلى أنَّهُ أرادَ "القانِعَ" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا.
وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَها عَلى ما ذَكَرْتُهُ آنِفًا أحْسَنُ، وإنَّما يُلْجَأُ إلى هَذا إذا لَمْ تُوجَدُ مَندُوحَةً، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعَمْرُو بْنِ عَبِيدٍ: "المُعْتَرِي"، والمَعْنى واحِدٌ، ويُرْوى عن أبِي رَجاءٍ "والمُعْتَرَّ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقالَ الشاعِرُ: لَعَمْرُكَ ما المُعْتَرُّ يَغْشى بِلادَنا ∗∗∗ لِنَمْنَعَهُ بِالضائِعِ المُتَهَضِّمْ وذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أنَّ الهَدْيَ أثْلاثٌ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن أبِيهِ: أُطْعِمُ القانِعُ والمُعْتَرُّ ثُلْثًا، والبائِسُ الفَقِيرُ ثُلْثًا، وأهْلِي ثُلْثًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لَيْسَ لِصاحِبِ الهَدْيِ مِنهُ إلّا الرُبْعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْسانِ لا عَلى الفَرْضِ، ثُمْ قالَ تَعالى: "كَذَلِكَ"، أيْ: كَما أمَرْتُكم فِيها بِهَذا كُلِّهِ سَخَّرْناها لَكُمْ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّنا وبِالإضافَةِ إلى نَظَرِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَنالَ" عِبارَةُ مُبالَغَةٍ وتَوْكِيدٍ، وهي بِمَعْنى: لَنْ يَرْتَفِعَ عِنْدَهُ ويَتَحَصَّلَ سَبَبُ ثَوابٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنْ أهِلَ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يُضَرِّجُونَ البَيْتَ بِالدِماءِ فَأرادَ المُؤْمِنُونَ فِعْلَ ذَلِكَ فَنَهى اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: ولَكِنْ يَنالُ الرِفْعَةَ عِنْدَهُ والتَحْصِيلَ حَسَنَةً لَدَيْهِ التَقْوى، أيِ الإخْلاصِ وعَمَلِ الطاعاتِ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرِ، والزَهْرِيُّ: "لَنْ تَنالَ"، "وَلَكِنْ تَنالُهُ" بِتاءٍ فِيهِما.
والتَسْمِيَةُ والتَكْبِيرُ عَلى الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ هو أنْ يَقُولَ الذابِحُ: بِاسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ نَزَلَتْ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم حَسْبَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها، فَأمّا ظاهِرُ اللَفْظِ فَيَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ مُحْسِنٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ ﴾ ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللهُ ولَوْلا دَفْعُ اللهُ الناسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهُ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللهُ مِن يَنْصُرُهُ إنَّ اللهُ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ المُؤْمِنِينَ، لَمّا كَثُرُوا بِمَكَّةَ وآذاهُمُ الكُفّارُ وهاجَرَ مَن هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ أرادَ بَعْضُ مُؤْمِنِي مَكَّةَ أنْ يَقْتُلَ مَن أمْكَنَهُ مِنَ الكُفّارِ ويَغْتالُ ويَغْدِرُ ويَحْتالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "كَفُورٍ"، ووَعَدَ فِيها بِالمُدافِعَةِ، ونَهى أفْصَحَ نَهْيٍ عَنِ الخِيانَةِ والغَدْرِ.
وقَرَأ نافِعُ، والحُسْنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يُدافِعُ" "وَلَوْلا دِفاعُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ كَثِيرٍ: "يَدْفَعُ"، "وَلَوْلا دَفْعُ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُدافِعُ"، "وَلَوْلا دَفْعُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُجْرِيَتْ "دافَعَ" في هَذِهِ القِراءَةِ مَجْرى "دَفَعَ"، كَعاقَبْتُ اللِصَّ وطارَقَتِ النَعْلَ، فَجاءَ المَصْدَرُ دَفْعًا، قالَ أبُو الحَسَنِ والأخْفَشُ: أكْثَرُ الكَلامِ أنَّ اللهَ يَدْفَعُ، ويَقُولُونَ: دافَعَ اللهُ عنكَ إلّا أنْ دَفْعَ أكْثَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في الآيَةِ "يُدافِعُ" لِأنَّهُ قَدْ عَنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن يَدْفَعُهم ويُؤْذِيهِمْ فَتَجِيءُ مُعارَضَتُهُ ودَفْعُهُ مُدافِعَةً عنهُمْ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ "دِفاعًا" مَصْدَرُ "دَفَعَ"، كَحَسَبْتُ حِسابًا.
ثُمْ أذِنَ اللهُ تَعالى في قِتالِ المُؤْمِنِينَ لِمَن قاتَلَهم مِنَ الكَفّارِ بِقَوْلِهِ: "أذِنَ"، وصُورَةُ الإذْنِ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسْبَ القِراءاتِ، فَبَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فَقَرَأ نافِعٌ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "أُذِنَ" بِضَمِّ الألْفِ "يُقاتِلُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، أيْ: في أنْ يُقاتِلَهُمْ، فالإذْنُ في هَذِهِ القِراءَةِ ظاهَرٌ أنَّهُ في مُجازاةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والحَسَنُ، والزَهْرِيُّ: "أُذِنَ" بِضَمِّ الألْفِ "يُقاتِلُونَ" بِكَسْرِ التاءِ، فالإذْنُ في هَذِهِ القِراءَةِ في ابْتِداءِ القِتالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أذِنَ" بِفَتْحِ الألِفِ "يُقاتِلُونَ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الألِفِ والتاءِ جَمِيعًا، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُذِنَ لِلَّذِينِ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ" بِكَسْرِ التاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "أُذِنَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "لِلَّذِينِ قاتَلُوا"، وذَلِكَ قَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ إلّا أنَّهُما فَتَحا هَمْزَةَ "أُذِنَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّهم ظُلِمُوا ﴾ مَعْناهُ: كانَ الإذْنُ بِسَبَبِ أنَّهم ظَلَمُوا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ ما نَقَضَ المُوادَعَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا سَمِعْتُ عَلِمْتُ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ في مُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ أرادُوا الهِجْرَةَ إلى المَدِينَةِ فَمُنِعُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما بَعْدَ هَذا في الآيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ مُنِعُوا الخُرُوجَ لا أُخْرِجُوا.
ثُمْ وعَدَ تَعالى بِالنَصْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ يُرِيدُ كُلَّ مِن نَبَتْ بِهِ مَكَّةُ وآذاهُ أهْلُها حَتّى أخْرَجُوهُ بِإذايَتِهِمْ، طائِفَةٌ إلى الحَبَشَةِ وطائِفَةٌ إلى المَدِينَةِ، ونَسَبَ الإخْراجَ إلى الكُفّارِ لِأنَّ الكَلامَ في مَعْرِضِ تَقْرِيرِ الذَنْبِ وإلْزامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهِ البَدَلُ، وجَوَّزَهُ أبُو إسْحَقٍ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ الناسَ ﴾ الآيَةُ تَقْوِيَةٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ، وذَكَرَ الحُجَّةَ بِالمَصْلَحَةِ فِيهِ، وذَكَرَ أنَّهُ مُتَقَدِّمْ في الأُمَمِ، وبِهِ صَلَحَتِ الشَرائِعُ واجْتَمَعَتِ المُتَعَبِّداتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُذِنَ في القِتالِ فَلْيُقاتِلِ المُؤْمِنُونَ، ولَوْلا القِتالُ والجِهادُ لَتُغُلِّبَ عَلى الحَقِّ في كُلِّ أُمَّةٍ.
هَذا أصْوَبُ تَأْوِيلاتِ الآيَةِ.
ثُمْ ما قِيلَ بَعْدُ مِن مَثْلِ الدِفاعِ تَبِعَ لِلْجِهادِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ ظُلْمَ قَوْمٍ لِشَهادَةِ العُدُولِ ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ ظُلْمَ الظَلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ الكُفّارَ عَنِ التابِعَيْنِ فَمِن بَعْدَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ فِيهِ دَفْعُ قَوْمٍ بِقَوْمٍ إلّا أنَّ مَعْنى القِتالِ ألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ العَذابَ بِدُعاءِ الفُضَلاءِ والأخْيارِ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وما شاكَلَهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي ولا بُدَّ مَدْفُوعًا مِنَ الناسِ ومَدْفُوعًا عنهُ، فَتَأمَّلَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لَهُدِمَتْ" مُخَفَّفَةَ الدالِّ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَهُدِّمَتْ" مُشَدَّدَةَ الدالِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ تَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي صَوامِعُ كَثِيرَةٌ فَفي هَدْمِها تَكْرارٌ وكَثْرَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ فَثَقَّلَ الياءَ، وقالَ: " قَصْرٍ مَشِيدٍ " فَخَفَّفَ لِكَوْنِهِ فَرْدًا، ومِنهُ ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ ، و ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ .
وَ "الصَوْمَعَةُ": مَوْضِعُ العِبادَةِ، وزْنُها فَوْعَلَةٌ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ مُنْفَرِدٌ حَدِيدُ الأعْلى، والصَوْمَعُ مِنَ الرِجالِ: الحَدِيدُ القَلْبِ، وكانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ مُخْتَصَّةً بِالرُهْبانِ النَصارى وبِعُبّادِ الصابِئِينَ -قالَهُ قَتادَةُ - ثُمُ اُسْتُعْمِلَ في مِئْذَنَةِ المُسْلِمِينَ.
و"البِيَعُ": كَنائِسُ النَصارى، واحِدَتُها بَيْعَةٌ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هي كَنائِسُ اليَهُودِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمْ أدْخَلَ عن مُجاهِدٍ ما لا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
و"الصَلَواتُ" مُشْتَرَكَةٌ لِكُلِّ مِلَّةٍ، واسْتُعِيرَ الهَدْمُ لِلصَّلَواتِ مِن حَيْثُ تُعَطَّلَ، أو أرادَ: مَوْضِعَ صَلَواتٍ، وذَهَبَتْ فَرِقَّةٌ إلى أنَّ "الصَلَواتَ" اسْمٌ لِكَنائِسِ اليَهُودِ، وأنَّ اللَفْظَةَ عِبْرانِيَّةٌ عُرِّبَتْ، ولَيْسَتْ بِجَمْعِ صَلاةٍ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: الصَلَواتُ مَساجِدُ الصابِئِينَ.
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَلَواتٌ" بِفَتْحِ الصادِ واللامِ وبِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، وذَلِكَ إمّا بِتَقْدِيرِ: مَواضِعُ صَلَواتِ، وإمّا عَلى أنَّ تَعْطِيلَ الصَلاةِ هَدَمُها، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "صَلْواتٌ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صِلْواتٌ" بِكَسْرِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، حَكاها ابْنُ جِنِّيِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَصُلُواتٌ" بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ وبِضَمِّ الصادِ واللامِ، عَلى وزْنِ فُعُولِ، قالَ: وهي مَساجِدُ النَصارى، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ: "وَصُلُوبٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وبِالباءِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ صَلِيبٍ، وقَرَأ الضَحّاكُ والكَلْبِيُّ: "وَصُلُوثٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وبِالثاءِ مَنقُوطَةً ثَلاثًا، قالُوا: وهي مَساجِدُ اليَهُودِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَلْوَتٌ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَصُلُواتٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ، حَكاها ابْنُ جِنِّيِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُلُوَتَيِ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدِ التاءِ، وحَكى ابْنُ جِنِّيِ أنَّ خارِجَ بابِ المُوصِلِ بُيُوتٌ تُدْفَنُ فِيها النَصارى يُقالُ لَها: صَلَواتٌ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: "صِلْوِتَيْ" بِكَسْرِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ وكَسْرِ الواوِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدِ التاءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ خَصِيفٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ قَصْدُها تَقْسِيمُ مُتَعَبِّداتِ الأُمَمِ، فالصَوامِعُ لِلرُّهْبانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ: لِلصّابِئِينَ، والبِيَعُ لِلنَّصارى، والصَلَواتُ لِلْيَهُودِ، والمَساجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ أنَّها قُصِدَ بِها المُبالَغَةُ في ذِكْرِ المُتَعَبِّداتِ، وهَذِهِ الأسْماءُ تَشْتَرِكُ الأُمَمُ في مُسَمَّياتِها إلّا البَيْعَةَ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَصارى في عُرْفِ لُغَةِ العَرَبِ، ومَعانِي هَذِهِ الأسْماءِ هي في الأُمَمِ الَّتِي لَها كِتابٌ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ المَجُوسَ ولا أهْلَ الِاشْتِراكِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَيْسَ لَهم ما تَجِبُ حِمايَتُهُ، ولا يُوجَدُ ذِكْرُ اللهِ تَعالى إلّا عِنْدَ أهْلِ الشَرائِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهِ كَثِيرًا ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ.
ثُمْ وعَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنَصْرِهِ ونَصْرِ دِينِهِ وشَرْعِهِ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى القِتالِ والجِدِّ فِيهِ، ثُمُ الآيَةُ تَعُمْ كُلَّ مَن نُصِرَ حَقًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ ﴾ ﴿ وَقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ ﴾ ﴿ وَأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ هَؤُلاءِ خاصَّةً مُكِّنُوا في الأرْضِ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ المَذْكُورِينَ في صَدْرِ الآيَةِ، والعُمُومُ في هَذا كُلِّهِ أبْيَنُ، ويَتَّجِهُ الأمْرٌ في جَمِيعِ الناسِ، وإنَّما الآيَةُ آخِذَةٌ عَهْدًا عَلى كُلِّ مَن مَكَّنَهُ اللهُ تَعالى، كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما مُكِّنَ، فَأمّا الصَلاةُ والزَكاةُ فَكُلٌّ مَأْخُوذٌ بِإقامَتِها، وأمّا الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَكَلٌّ بِحَسْبَ قُوَّتِهِ، والآيَةُ أمْكَنَ ما هي في المُلُوكِ، والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ يَعُمّانِ الإيمانَ والكُفْرَ فَما دُونَهُما.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ خاصَّةً مِنَ الناسِ، وهَذا عَلى أنَّ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "يُقاتَلُونَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو عَلى أنَّ "الَّذِينَ" تابِعٌ لِـ "مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مَن يَنْصُرُهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ تَوَعُّدٌ لِلْمُخالِفِ عن هَذِهِ الأوامِرِ الَّتِي تَقْتَضِيها الآيَةُ لِمَن مُكِّنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا، وهَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ووَعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مَثَّلَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ.
وأسْنَدَ فِعْلًا فِيهِ عَلامَةَ التَأْنِيثِ إلى "قَوْمٌ" مِن حَيْثُ أرادَ والقَبِيلَةَ لِيَطَّرِدَ القَوْلَ في عادٍ وثَمُودٍ، وقَوْمُ نُوحٍ هم أوَّلُ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ نَبِيَّها، ثُمْ أسْنَدَ التَكْذِيبَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَن لَمْ يُسَمَّ فاعِلَهُ مِن حَيْثُ لَمْ يُكَذِّبُهُ قَوْمُهُ بَلْ كَذَّبَهُ القِبْطُ وقَوْمُهُ مُؤْمِنُونَ بِهِ.
و"أمْلَيْتُ" مَعْناهُ: أمْهَلَتْ، وكَأنَّ الإمْهالَ أنَّ تُمْهِلَ مَن تَنْوِي فِيهِ المُعاقَبَةَ وأنْتَ في حَيِّزِ إمْهالِكِ عالِمْ بِفِعْلِهِ.
و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالغَدِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ والإعْذارِ، وهو في هَذِهِ المَصادِرِ بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: فَكَما فَعَلَتْ بِهَذِهِ الأُمَمِ كَذَلِكَ أفْعَلُ بِقَوْمِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ ﴾ "كَأيِّنَ" هي كافُ التَشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى "أيْ": قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ أوعَبْتُ القَوْلَ في مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ وقِراءَتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ ﴾ ، وهي لَفْظَةُ إخْبارٍ، وقَدْ تَجِيءُ اسْتِفْهامًا، وحَكى الفِراءُ: كَأيِّنَ ما لَكَ؟
أيْ: كَمْ ما لَكَ؟
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكْناها"، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكَتْها" بِالإفْرادِ، والمُرادُ أهْلُ القَرْيَةِ، و"ظالِمَةٌ" مَعْناهُ: بِالكُفْرِ، و"خاوِيَةٌ" مَعْناهُ: خالِيَةً، ومِنهُ: خَوى النَجْمُ إذا خَلا مِنَ القُوَّةِ، ونَحْوَهُ "ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها"، و"العُرُوشُ": السُقُوفُ، فالمَعْنى أنَّ السُقُوفَ سَقَطَتْ ثُمْ وقَعَتِ الحِيطانُ عَلَيْها فَهي عَلى العُرُوشِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ ، قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "العُرُوشِ"، وقِيلَ: عَلى "القَرْيَةِ"، وهو أصْوَبُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَبِئْرٍ" بِهَمْزَةٍ عَلى الياءِ، وسَهَّلَها الجُمْهُورُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَطَّلَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الطاءِ وتَخْفِيفِها، والجُمْهُورُ عَلى "مُعَطَّلَةٍ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتَحِ العَيْنِ وشَدِّ الطاءِ.
و"المُشَيَّدُ": المَبْنِيِ بِالشِيدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المَشِيدُ: المُعَلّى بِالآجُرِّ ونَحْوَهُ فَمِنَ المَشِيدِ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْـ ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ: بَناهُ بِالشِيدِ، والأظْهَرُ في البَيْتِ أنَّهُ أرادَ: عَلاهُ بِالمَرْمَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ "مَشِيدًا مَعْناهُ: مُعَلّى مُحَصَّنًا، ومَعْنى الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ قَبْلَ خَرابِهِ.
ثُمْ وبَّخَهم عَلى الغَفْلَةِ وتَرَكَ الِاعْتِبارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ ، أيْ: في البِلادِ فَيَنْظُرُوا في أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ، وذَلِكَ هو الحَقُّ، ولا يُنْكِرُ أنَّ لِلدِّماغِ اتِّصالًا بِالقَلْبِ يُوجِبُ فَسادَ العَقْلِ مَتى اخْتَلَّ الدِماغُ.
قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَكُونَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، صُرِفَ الفِعْلُ مِنَ الجَزْمِ إلى النَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ لَفْظَةُ مُبالَغَةٍ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ العَمى عَمى الأبْصارِ وإنَّما العَمى حَقُّ العَمى عَمى القَلْبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ تَعْمى ولَكِنَّ المَقْصُودَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ»، و«لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ»، والضَمِيرُ في "فَإنَّها" لِلْقِصَّةِ ونَحْوَها مِنَ التَقْدِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ مُبالَغَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "بِأفْواهِهِمْ"، وكَما تَقُولُ: نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي، ونَحْوَ هَذا.
والضَمِيرُ في "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ" لِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ ﴾ وعِيدُ وإخْبارٍ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ إلى وقْتٍ مَحْدُودٍ، والوَعْدُ هُنا مُقَيَّدٌ بِالعَذابِ فَلِذَلِكَ ورَدَ في مَكْرُوهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِ اللهِ تَعالى كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ مِن هَذِهِ لِطُولِ العَذابِ وبُؤْسِهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَما أجْهَلَ مَن يَسْتَعْجِلُ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللهِ لِإحاطَتِهِ فِيهِ وعِلْمِهِ وإنْفاذِ قُدْرَتِهِ كَألْفِ سَنَةٍ عِنْدَكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ يَقْتَضِي أنَّ عَشَرَةَ آلافِ سَنَةٍ إلى ما لا نِهايَةَ مِنَ العَدَدِ في حُكْمِ الألْفِ، ولَكِنَّهم قالُوا: ذَكَرَ الألْفَ لِأنَّها مُنْتَهى العَدَدِ دُونَ تَكْرارٍ فاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ لا يُناسِبُ الآيَةَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ اللهِ تَعالى ألْفُ سَنَةٍ مِن هَذا العَدَدِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ : «إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تُؤَخَّرَ أُمَّتِي نِصْفُ يَوْمٍ»، وقَوْلُهُ: «يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وذَلِكَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ»، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِقْدارُ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: وإنْ طالَ الإمْهالُ فَإنَّهُ في بَعْضِ يَوْمٍ مِن أيّامِ اللهِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَكَأيِّنْ" لِأنَّهُ جَلَبَ مَعْنًى آخَرَ، ذَكَرَ أوَّلًا القُرى المُهْلَكَةَ دُونَ إمْلاءٍ بَلْ بِعَقِبِ التَكْذِيبِ، ثُمْ ثَنّى بِالمُهْمَلَةِ لِئَلّا يَفْرَحُ هَؤُلاءِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عنهم.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَعُدُّونَ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ عَلى الغائِبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبِهِمْ وإنَّ الظالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّما أنا نَذِيرُ عَذابِ اللهِ، لَيْسَ إلَيَّ أنْ أُعَجِّلَ عَذابًا ولا أنْ أُؤَخِّرَهُ عن وقْتِهِ، ثُمْ قَسَّمَ حالَةَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِأنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ سُتْرَةَ ذُنُوبِهِمْ ورِزْقَهُ إيّاهم في الجَنَّةِ، و"الكَرِيمُ" صِفَةُ نَفْيِ المَذامِّ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، وبِأنَّ لِلْكافِرِينَ المُعاجِزِينَ عَذابَ الجَحِيمِ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا أمَرَهُ أنْ يَقُولَهُ، أيْ: هَذا مَعْنى رِسالَتِي لا ما تَتَمَنَّوْنَ أنْتُمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "سَعَوْا" مَعْناهُ: تَحَيَّلُوا وكادُوا، مِنَ السِعايَةِ، و"الآياتُ": آياتُ القُرْآنِ، أيْ: كادُوا بِالتَكْذِيبِ وسائِرِ أقْوالِهِمْ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعاجِزِينَ"، مَعْناهُ: مُغالِبِينَ، كَأنَّهم طَلَبُوا عَجْزَ صاحِبِ الآياتِ، والآياتُ تَقْتَضِي تَعْجِيزَهُمْ، فَصارَتْ مُفاعَلَةً، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ في تَفْسِيرِ "مُعاجِزِينَ" بِظانِّينَ أنَّهم يَغْلِبُونَ اللهَ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ خارِجٌ عَنِ اللَفْظَةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَجِّزِينَ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِشَدِّ الجِيمِ، ومَعْناهُ: مُعَجِّزِينَ الناسَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: جاعِلُوهم بِالتَثْبِيطِ عَجَزَةً عَنِ الإيمانِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "مُعَجِّزِينَ" مَعْناهُ: ناسِبِينَ أصْحابَ النَبِيِّ -رَضِيَ اللهُ عنهُمُ- إلى العَجْزِ، كَما تَقُولُ: فَسَّقْتُ فُلانًا وزَنَّيْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ إلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - - عَنِ النازِلَةِ الَّتِي ألْقى الشَيْطانُ فِيها في أُمْنِيَةِ النَبِيِّ - .
و"تَمَنّى" مَعْناهُ المَشْهُورُ: أرادَ وأحَبَّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَعْناها في الآيَةِ، والمُرادُ أنَّ الشَيْطانَ ألْقى ألْفاظَهُ بِسَبَبِ ما تَمَنّاهُ رَسُولُ اللهِ - - مِن مُقارَبَةِ قَوْمِهِ وكَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لَهُ، قالُوا: فَلَمّا تَمَنّى رَسُولُ اللهِ - - مِن ذَلِكَ ما لَمْ يَقْضِهِ اللهُ -تَبارَكَ وتَعالى- وجَدَ الشَيْطانُ السَبِيلَ، فَحِينَ «قَرَأ رَسُولُ اللهِ - - "النَجْمَ" في مَسْجِدِ مَكَّةَ وقَدْ حَضَرَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ألْقى الشَيْطانُ "تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى"، فَقالَ الكُفّارُ: هَذا مُحَمَّدٌ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِما نُرِيدُ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ، فَلَمّا انْتَهى إلى السَجْدَةِ سَجَدَ الناسُ أجْمَعُونَ إلّا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإنَّهُ أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَفَعَها إلى جَبْهَتِهِ وقالَ: يَكْفِينِي هَذا.» قالَ البُخارِيُّ: هو أُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو أبُو أُحَيْحَةُ سَعِيدُ بْنُ العاصِي، ثُمُ اتَّصَلَ بِمُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا - - فَفَرِحُوا لِذَلِكَ، وأقْبَلَ بَعْضُهم فَوَجَدُوا ألْقِيَةَ الشَيْطانِ قَدْ نُسِخَتْ وأهْلَ مَكَّةَ قَدِ افْتُتِنُوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَمَنّى" مَعْناهُ: تَلا، والأُمْنِيَةُ: التِلاوَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: .............
∗∗∗ تَمَنّى داوُدُ الزَبُورَ عَلى رَسَلٍ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: "إلّا أمانِيَّ"، أيْ: إلّا تِلاوَةً.
وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى سَبَبِ إلْقاءِ الشَيْطانِ في تِلاوَةِ النَبِيِّ - - ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن ذِكْرِ الآلِهَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "هُنَّ الغَرانِقَةُ" وقَعَ في كُتُبِ التَفْسِيرِ ونَحْوِها، ولَمْ يُدْخِلْهُ البُخارِيُّ ولا مُسْلِمْ، ولا ذَكَرَهُ -فِي عِلْمِي- مُصَنِّفٌ مَشْهُورٌ، بَلْ يَقْتَضِي مَذْهَبُ أهْلِ الحَدِيثِ أنَّ الشَيْطانَ ألْقى، ولا يُعَيِّنُونَ هَذا السَبَبَ ولا غَيْرَهُ، ولا خِلافَ أنَّ إلْقاءَ الشَيْطانِ إنَّما هو لِألْفاظٍ مَسْمُوعَةٍ بِها وقَعَتِ الفِتْنَةُ، ثُمُ اخْتَلَفَ الناسُ في صُورَةِ هَذا الإلْقاءِ -فالَّذِي في التَفاسِيرِ- وهو مَشْهُورُ القَوْلِ أنَّ النَبِيَّ - - تَكَلَّمَ بِتِلْكَ الألْفاظِ، وأنَّ الشَيْطانَ أوهَمَهُ ووَسْوَسَ في قَلْبِهِ حَتّى خَرَجَتْ تِلْكَ الألْفاظُ عَلى لِسانِهِ، ورُوِي «أنَّهُ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَلامُ- بَعْدَ ذَلِكَ فَدارَسَهُ سُورَةَ النَجْمِ، فَلَمّا قالَها رَسُولُ اللهِ - - قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لَمْ آتِكَ بِهَذا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ - -: أفْتَرَيْتُ عَلى اللهِ وقُلْتُ ما لَمْ يَقُلْ لِي؟".
وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَغْتَمُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ » الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وحَدَّثَنِي أبِي -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّهُ لَقِيَ بِالمَشْرِقِ مِن شُيُوخِ العُلَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: هَذا لا يَجُوزُ عَلى النَبِيِّ - - وهو المَعْصُومُ في التَبْلِيغِ، وإنَّما الأمْرُ أنَّ الشَيْطانَ نَطَقَ بِلَفْظٍ أسْمَعَهُ الكُفّارَ عِنْدَ قَوْلِ النَبِيِّ - -: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ .
وقَرَّبَ صَوْتَهُ مِن صَوْتِ النَبِيِّ - - حَتّى التَبَسَ الأمْرُ عَلى المُشْرِكِينَ وقالُوا: مُحَمَّدٌ قَرَأها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"تَمَنّى" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: "تَلا" ولا بُدَّ، وقَدْ ورَدَ هَذا التَأْوِيلُ عَنِ الإمامِ أبِي المَعالِي -رَحِمَهُ اللهُ- وغَيْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: والرَسُولُ أخَصُّ مِنَ النَبِيِّ، وكَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُرْسَلُوا، وكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٍّ، و"النَسْخُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الإذْهابُ، كَما تَقُولُ: نَسَخَتِ الشَمْسُ الظِلَّ، ولَيْسَ بِرَفْعِ ما اسْتَقَرَّ مِنَ الحُكْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وطَوَّفَ الطَبَرَيُّ وأشْبَعَ الإسْنادَ في أنَّ إلْقاءَ الشَيْطانِ كانَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ - - واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في الألْفاظِ فَفي بَعْضِها: "تِلْكَ الغَرانِقَةُ"، وفي بَعْضِها: "تِلْكَ الغَرانِيقُ"، وفي بَعْضِها: "وَإنَّ شَفاعَتَهُمْ"، وفي بَعْضِها: وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ"، وفي بَعْضِها: "مِنها الشَفاعَةُ تُرْتَجى".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرانِيقُ: السادَةُ العِظامُ الأقْدارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أهْلًا بِصائِدَةِ الغَرانِقِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَيْطانُ ﴾ الآيَةُ.
اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَجْعَلَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَيَنْسَخُ اللهُ ﴾ ، و"الفِتْنَةُ": الِامْتِحانُ والاخْتِبارُ، و"الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ" هم عامَّةُ الكُفّارِ، و"القاسِيَةُ قُلُوبُهُمْ" خَواصٌّ مِنهم عُتاةٌ كَأبِي جَهْلٍ، والنَضِرِ، وعُقْبَةِ.
و"الشِقاقُ": البُعْدُ عَنِ الخَيْرِ، والضَلالِ، والكَوْنُ في شِقٍّ غَيْرِ شَقِّ الصَلاحِ، و"بَعِيدٍ" مَعْناهُ أنَّهُ انْتَهى بِهِمْ وتَعَمَّقَ؛ فَرَجْعَتُهم مِنهُ غَيْرُ مَرْجُوَّةٌ.
و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ هَمْ أصْحابُ مُحَمَّدٍ - - والضَمِيرُ في "أنَّهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، و"فَتُخْبِتَ" مَعْناهُ: تَتَطامَنُ وتَخْضَعُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبَتِ، وهو المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادٍ" بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادِي" بِياءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ مُعادِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَإنَّ الظالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً أو يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أو ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهِ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللهِ لَهو خَيْرُ الرازِقِينَ ﴾ ﴿ لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إنَّ اللهُ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وأنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ "المِرْيَةُ": الشَكُّ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنهُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى مُحَمَّدٍ - - وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى ما ألْقى الشَيْطانُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ أيْضًا: عَلى سُجُودِ النَبِيِّ - - في سُورَةِ النَجْمِ، و"الساعَةُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ يَوْمَ القِيامَةِ، "واليَوْمُ العَقِيمُ" يَوْمُ بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الساعَةُ" ساعَةُ مَوْتِهِمْ أو قَتْلِهِمْ في الدُنْيا كَيَوْمِ بَدْرٍ ونَحْوِهُ، و"اليَوْمُ العَقِيمُ" يَوْمُ القِيامَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وهَذانِ القَوْلانِ جَيِّدانِ لِأنَّهُما أحْرَزا التَقْسِيمَ بـِ "أو"، ومَن جَعَلَ "الساعَةَ" و"اليَوْمَ العَقِيمَ" يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدِ أفْسَدَ رُتْبَةَ أو، وسُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ أو يَوْمُ الِاسْتِئْصالِ عَقِيمًا لِأنَّهُ لا لَيْلَةَ بَعْدَهُ ولا يَوْمَ، والأيّامُ كَأنَّها نَتائِجُ؛ لِمَجِيءِ واحِدٍ إثْرَ واحِدٍ، فَكَأنَّ آخِرَ يَوْمٍ قَدْ عَقِمْ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، وجُمْلَةُ هَذِهِ الآيَةِ تَوَعُّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ السابِقُ مِنهُ أنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ مِن حَيْثُ لا مِلْكَ فِيهِ لِأحَدٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ ونَحْوَهُ مِن حَيْثُ يَنْفُذُ قَضاءُ اللهِ وحْدَهُ ويَبْطُلُ ما سِواهُ، ويَمْضِي حُكْمُهُ فِيمَن أرادَ تَعْذِيبَهُ، فَأمّا مَن تَأوَّلَهُ في يَوْمِ القِيامَةِ فاتَّسَقَ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ، ومَن تَأوَّلَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ ونَحْوِهِ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ابْتِداءً؛ خَبَرٌ عن حالِهِمُ المُتَرَكِّبَةُ عَلى حالِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ العَقِيمِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ.
وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآيَةُ ابْتِداءً مَعْنًى آخَرُ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ بِالمَدِينَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ قالَ بَعْضُ الناسِ: مَن قُتِلَ مِنَ المُهاجِرِينَ أفْضَلُ مِمَّنْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُسَوِّيَةٌ بَيْنَهم في أنَّ اللهَ -تَبارَكَ وتَعالى- يَرْزُقُ جَمِيعَهم رِزْقًا حَسَنًا.
ولَيْسَ هَذا بِقاضٍ بِتَساوِيهِمْ في الفَضْلِ، وظاهِرُ الشَرِيعَةِ أنَّ المَقْتُولَ أفْضَلُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: المَقْتُولُ والمَيِّتُ في سَبِيلِ اللهِ شَهِيدانِ، ولَكِنْ لِلْمَقْتُولِ مَزِيَّةُ ما أصابَهُ في ذاتِ اللهِ -تَعالى- و"الرِزْقُ الحَسَنُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ رِزْقَ الشُهَداءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ في البَرْزَخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ في الجَنَّةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ مِن "دَخَلَ"، فَهو مَحْمُولٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: فَيَدْخُلُونَ مُدْخَلًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ مِن "أدْخَلَ".
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ قالَ: كانَ فَضالَةُ بُرُودَسْ أمِيرًا عَلى أرْباعِ، فَخَرَجَ بِجِنازَتَيْ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما قَتِيلٌ والآخَرُ مُتَوَفًّى، فَرَأى مَيْلَ الناسِ مَعَ جِنازَةِ القَتِيلِ، فَقالَ: أراكم أيُّها الناسُ تَمِيلُونَ مَعَ القَتِيلِ وتُفَضِّلُونَهُ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أُبالِي مِن أيِّ حُفْرَتَيْهِما بُعِثْتُ، اقْرَءُوا قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أو ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهِ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ إلى ﴿ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ .
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ومَن عاقَبَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ﴾ المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ.
ثُمْ أخْبَرَ -تَعالى- عَمَّنْ عاقَبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن ظَلَمَهُ مِنَ الكَفَرَةِ.
وَوَعَدَ المَبْغِيُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَنْصُرُهُ، وسَمّى الذَنْبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمِ العُقُوبَةِ كَما تُسَمّى العُقُوبَةُ كَثِيرًا باسِمُ الذَنْبِ، وهَذا كُلُّهُ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَقِيَهم كُفّارٌ في الشَهْرِ الحَرامِ، فَأبى المُؤْمِنُونَ مِن قِتالِهِمْ، وأبى المُشْرِكُونَ إلّا القِتالَ، فَلَمّا اقْتَتَلُوا جَدَّ المُؤْمِنُونَ ونَصَرَهُمُ اللهُ -تَعالى- فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ﴾ مَعْناها: نَصْرُ اللهِ -تَعالى- أولِياءَهُ ومَن بُغِيَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ القادِرُ عَلى العَظائِمْ، الَّذِي لا تُضاهى قُدْرَتُهُ، فَأوجَزَ العِبارَةَ بِأنْ أشارَ بِـ"ذَلِكَ" إلى النَصْرِ، وعَبَّرَ عَنِ القُدْرَةِ بِتَفْصِيلِها، فَذَكَرَ مِنها مَثَلًا لا يُدَّعى لِغَيْرِ اللهِ -تَعالى- وجَعَلَ تَقْصِيرَ اللَيْلِ وزِيادَةَ النَهارِ وعَكْسَها إيلاجًا تَجَوُّزًا وتَشْبِيهًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ ﴾ مَعْناهُ نَحْوَ ما ذَكَرْناهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَدْعُونَ"، والإشارَةُ بِما يُدْعى مِن دُونِهِ، قالَتْ فِرْقَةٌ: هي إلى الشَيْطانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي إلى الأصْنامِ، والعُمُومُ هُنا حَسَنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَماءَ أنَّ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ إنَّ اللهَ بِالناسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ وبَعْدَهُ خَبَرٌ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَظَلَّتِ الأرْضُ تَخْضَرُّ عنهُ.
وقَوْلُهُ: "فَتُصْبِحُ" بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: فَتُضْحِي أو فَتَصِيرُ، عِبارَةٌ عَنِ اسْتِعْجالِها إثْرَ نُزُولِ الماءِ واسْتِمْرارِها كَذَلِكَ عادَةً، ورُفِعَ قَوْلَهُ: "فَتُصْبِحُ" مِن حَيْثُ الآيَةِ خَبَرٌ، والفاءُ عاطِفَةٌ ولَيْسَتْ بِجَوابٍ لِأنَّ كَوْنَها جَوابًا لِقَوْلِهِ: "ألَمْ تَرَ" فاسِدُ المَعْنى، ورُوِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: هَذا لا يَكُونُ إلّا بِمَكَّةَ أو تِهامَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا أنَّهُ أخَذَ قَوْلَهُ: "فَتُصْبِحُ" مَقْصُودًا بِهِ صَباحَ لَيْلَةِ المَطَرِ، وذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ الِاخْضِرارَ في سائِرِ البِلادِ يَتَأخَّرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وقَدْ شاهَدْتُ هَذا في السُوسِ الأقْصى، نَزَلَ المَطَرُ بَعْدَ قَحْطٍ وأصْبَحَتْ تِلْكَ الأرْضُ الرَمْلَةُ الَّتِي نَسَفَتْها الرِياحُ؛ قَدِ اخْضَرَّتْ بِنَباتٍ ضَعِيفٍ دَقِيقٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُخْضَرَّةً"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُخْضَرَّةٌ".
و"اللَطِيفُ": المُحَكِمْ لِلْأُمُورِ بِرِفْقٍ، واللامُ في "لَهُ" لامُ المِلْكِ، و"الغَنِيُّ" الَّذِي لا حاجَةَ بِهِ إلى شَيْءٍ، هَكَذا هو عَلى الإطْلاقِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الحَيَوانِ والمَعادِنِ وسائِرِ المَرافِقِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والفُلْكَ" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ مِنَ الإعْرابِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "ما" بِتَقْدِيرِ: وسَخَّرَ الفُلْكَ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المَكْتُوبَةِ، بِتَقْدِيرِ: وأنَّ الفُلْكَ، وقَوْلُهُ: "تَجْرِي" عَلى الإعْرابِ الأوَّلِ في مَوْضِعِ الحالِ، وعَلى الإعْرابِ الثانِي في مَوْضِعِ الخَبَرِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والفُلْكُ" بِالرَفْعِ، فَـ"تَجْرِي" خَبَرٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا بِإذْنِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ، كَأنَّ طَيَّ السَماءِ ونَقْصَ هَذِهِ الهَيْئَةِ كَوُقُوعِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الوَعِيدَ لَهم في أنَّهُ إنْ أذِنَ في سُقُوطِ السَماءِ عَلَيْكم سَقَطَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ قَوْلُهُ: "إلّا بِإذْنِهِ" عَلى "الإمْساكِ"؛ لِأنَّ الكَلامَ يَقْتَضِي: بِغَيْرِ عُمُدٍ ونَحْوِهُ فَكَأنَّهُ أرادَ: إلّا بِإذْنِهِ فَبِهِ نُمْسِكُها.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ ﴾ ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ الإحْياءُ والإماتَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثُ مَراتِبَ، وسَقَطَ مِنها المَوْتُ الأوَّلُ الَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ في غَيْرِها، إلّا أنَّهُ بِالمَعْنى في هَذِهِ، و"المَنسَكُ" المَصْدَرُ، فَهو بِمَعْنى العِبادَةِ والشَرِيعَةِ، وهو أيْضًا مَوْضِعُ النُسُكِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ السِينِ وفِرْقَةٌ بِكَسْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في هَذِهِ السُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هم ناسِكُوهُ" يُعْطِي أنَّ "المَنسَكَ".
المَصْدَرَ، ولَوْ كانَ المَوْضِعَ لَقالَ: هم ناسِكُونَ فِيهِ، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ جِدالِ الكُفّارِ في أمْرِ الذَبائِحِ، وقَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ: تَأْكُلُونَ ما ذَبَحْتُمْ وهو مِن قَتْلِكُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ مِنَ المِيتَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ هَذِهِ المُنازَعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ ﴾ .
هَذِهِ البَيِّنَةُ مِنَ الفِعْلِ والنَهْيِ تَحْتَمِلُ مَعْنى التَخْوِيفِ وتَحْتَمِلُ مَعْنى احْتِقارِ الفاعِلِ وأنَّهُ أقَلُّ مِن أنْ يُفاعِلَ، وهَذا هو المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو إسْحاقٍ: المَعْنى: فَلا تُنازِعُهم فَيُنازِعُوكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَقْدِيرُ الَّذِي قُدِّرَ إنَّما يَحْسُنُ مَعَ مَعْنى التَخْوِيفِ، وإنَّما يَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هُنا المَعْنى: فَلا تَبْدَأْهم بِمُنازَعَتِكَ، فالنَهْيُ إنَّما يُرادُ بِهِ مَعْنى مِن غَيْرِ اللَفْظِ، كَما يُرادُ في قَوْلِهِمْ: "لا أرَيْنَّكَ هَهُنا"، أيْ: لا تَكُنْ هَهُنا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَلا يَنْزَعُنَّكَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأمْرِ" مَعْناهُ -عَلى التَأْوِيلِ أنَّ "المَنسَكَ" الشَرْعِيَّةُ-: لا يُنازِعُنَّكَ في الدِينِ والكِتابِ ونَحْوِهُ، وعَلى أنَّ "المَنسَكَ" مَوْضِعُ الذَبْحِ عَلى ما رَوَتِ الفِرْقَةُ المَذْكُورَةُ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الذَبائِحِ، فَيَكُونُ "الأمْرُ": الذَبْحُ.
و"الهُدى" في هَذِهِ الآيَةِ: الإرْشادُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ جادَلُوكَ ﴾ الآيَةُ مُوادَعَةٌ مَحْضَةٌ، نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهَ يَسِيرٌ ﴾ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتُنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النارُ وعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ لَمّا أخْبَرَ اللهُ -تَعالى- في الآيَةِ قَبْلَها أنَّهُ يَحْكم بَيْنَ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ الخَبَرَ بِأنَّ عِنْدَهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ لِيَقَعَ الحُكْمُ في مَعْلُومٍ، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عَلى طَرِيقِ التَشْبِيهِ عَلى عِلْمِ اللهِ -تَعالى- وإحاطَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ في كِتابٍ وهو اللَوْحُ المَحْفُوظُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ فِي كِتابٍ وكَوْنِهِ مَعْلُومًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحُكْمِ في الِاخْتِلافِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- فِعْلَ الكَفَرَةِ في أنَّهم يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ مِن دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِلِ اللهُ فِيهِ حُجَّةً ولا بُرْهانًا، و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ تَوَعُّدٌ.
والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ مِنَ النَبِيِّ - - أو مِن أحَدِ أصْحابِهِ، وسَمِعُوا ما فِيهِ مِن رَفَضِ آلِهَتِهِمْ والدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ، عُرِفَتِ المَساءَةُ في وُجُوهِهِمْ، و"المُنْكَرُ" مِن مُعْتَقَدِهِمْ وعَداوَتِهِمْ وأنَّهم يُدَبِّرُونَ ويُسْرِعُونَ إلى السَطْوَةِ بِالتالِي، والمَعْنى أنَّهم يَكادُونَ يَسْطُونَ دَهْرَهم أجْمَعَ، وأمّا في الشاذِّ مِنَ الأوقاتِ فَقَدْ يُسْطى بِالتالِّينَ نَحْوَ ما فُعِلَ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وبِالنَبِيِّ - - حِينَ أغاثَهُ وحَلَّ الأمْرَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- وبِعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- حِينَ أجارَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ، وأبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- وغَيْرَ ذَلِكَ.و"السَطْوُ" إيقاعٌ بِمُباطَشَةٍ أو أمْرٍ بِها.
ثُمْ أمَرَ اللهُ -تَعالى- نَبِيَّهُ - - أنْ يَقُولَ لَهم عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ والتَقْرِيعِ: أأُنَبِّئُكُمْ، أيْ: أُخْبِرُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمْ، والإشارَةُ بِ "ذَلِكُمْ" إلى السَطْوِ، ثُمُ ابْتَدَأ يُنْبِئُ، كَأنَّ قائِلًا قالَ لَهُ: وما هُوَ؟
قالَ النارُ، أيْ: نارُ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ اللهَ وعَدَهم بِالنارِ، فَيَكُونَ الوَعْدُ بِالشَرِّ ونَحْوِ ذَلِكَ لِما نَصَّ عَلَيْهِ، ولِمْ يَجِئْ مُطْلَقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّ اللهَ تَعالى وعَدَ النارَ بِأنْ يُطْعِمَها الكُفّارَ، فَيَكُونَ الوَعْدُ عَلى بابِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَسَرُّعُها إلى الكُفّارِ وقَوْلُها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ [ق: ٣٠] ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَساوِئِها، و"المَصِيرُ" مَفْعِلٌ مَن "صارَ" عَلى تَحَوُّلٍ مِن حالٍ إلى حالٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ويَقْتَضِي كَلامُ الطَبَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإشارَةَ بـِ "ذَلِكُمْ" هي إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ - - التالِينَ، ثُمْ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأكْرِهِ إلَيْكم مِن هَؤُلاءِ أنْتُمُ الَّذِينَ وُعُدِّتُمُ النارَ، وأُسْنِدَ نَحْوُ هَذا القَوْلِ إلى قائِلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ ﴿ ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ ﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ يَعُمُ العالَمَ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ الَّذِينَ أرادَ اللهُ -تَعالى- أنْ يُبَيِّنَ عِنْدَهم خَطَأ الكافِرِينَ، ولا شَكَّ أنَّ المُخاطَبَ هم ولَكِنَّهُ خِطابٌ يَعُمْ جَمِيعَ الناسِ، مَتى نَظَرَهُ أحَدٌ في أمْرِ عِبادَةِ الأوثانِ تَوَجَّهَ لَهُ الخِطابُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في فاعِلِ "ضُرِبَ"، مَن هُوَ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ضُرِبَ أهْلُ الكُفْرِ مَثَلًا لِلَّهِ أصْنامَهم وأوثانَهم.
فاسْتَمِعُوا أنْتُمْ أيُّها الناسُ لِأمْرِ هَذِهِ الآلِهَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلًا لِهَذِهِ الأصْنامِ وهو كَذا وكَذا، فالمِثالُ والمَثَلُ في القَوْلِ الأوَّلِ هي الأصْنامُ، والَّذِي جُعِلَ لَهُ المِثالُ اللهُ -تَعالى- والمِثالُ في التَأْوِيلِ الثانِي هو في الذُبابِ وأمْرُهُ، والَّذِي جُعِلَ لَهُ هي الأصْنامُ، ومَعْنى "ضُرِبَ": أُثْبِتَ وأُلْزِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ ﴾ ، وقَوْلُنا: ضُرِبَتِ الجِزْيَةُ وضُرِبَ البَعْثُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ضُرِبَ المَثَلُ" مِنَ الضَرْبِ الَّذِي هو المَثَلُ، ومِن قَوْلِكَ: "هَذا ضَرْبٌ هَذا"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِثْلَ مَثَلٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، والضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُدْعَوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحَ العَيْنَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والضَمِيرُ لِلْأصْنامِ.
وبَدَأ -تَعالى- بِنَفْيِ الخَلْقِ والِاخْتِراعِ عنهم مِن حَيْثُ هي صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم صِفَتِي، ثُمْ ثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَعْجِيزِ، وذَكَرَ تَعالى أمْرَ سَلْبِ الذُبابِ لِأنَّهُ كانَ كَثِيرًا مَحْسُوسًا عِنْدَ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُضَمِّخُونَ أوثانَهم بِأنْواعِ الطَيِّبِ فَكانَ الذُبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ، وكانُوا مُتَألِّمِينَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ فَجُعِلَتْ مَثَلًا.
و"الذُبابُ" جَمْعُهُ "أذُبَّةٌ" في القَلِيلِ و"ذِبّانٌ" في الكَثِيرِ كَغُرابُ وأغْرِبَةٌ وغِرْبانٌ، ولا يُقالُ ذُباباتٌ إلّا في الذُيُولِ لا في الحَيَوانِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالطالِبِ الأصْنامَ وبِالمَطْلُوبِ الذُبابَ -أيْ: أنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا طالِبِينَ لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ مِنَ الحَيَوانِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ ضَعُفَ الكُفّارُ في طَلَبِهِمُ الصَوابَ والفَضِيلَةَ مِن جِهَةِ الأصْنامِ، وضَعُفَ الأصْنامُ في إعْطاءِ ذَلِكَ وإنالَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ضَعُفَ الطالِبُ وهو الذُبابُ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الأصْنامِ، وضَعُفَ الأصْنامُ في ألّا مَنَعَةَ لَهُمْ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَدَلَّ ضَعْفُ الذُبابِ الَّذِي هو مَحْسُوسٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وضَعْفُ الأصْنامِ في ألّا مَنَعَةَ لَهم عن هَذا المُجْمَعِ عَلى ضَعْفِهِ عَلى أنَّ الأصْنامَ في أحَطِّ رُتْبَةٍ وأخَسِّ مَنزِلَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ المَذْكُورِينَ، والضَمِيرُ في "قَدَرُوا" لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: ما وفَّوْهُ حَقَّهُ مِنَ التَعْظِيمِ والتَوْحِيدِ، ثُمْ أخْبَرَ بِقُوَّةِ اللهِ -تَعالى- وعِزَّتِهِ، وهُما صِفَتانِ مُناقِضَتانِ لِعَجْزِ الأصْنامِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ الناسِ إنَّ اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ رَوِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "الأُمُورُ" نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ: ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا ﴾ الآيَةُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ "يَصْطَفِي" أيْ: ﴿ مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ إلى الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ حَسْبَما ورَدَ في الأحادِيثِ، ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ المَبْعُوثُونَ لِإصْلاحِ الخَلْقِ، الَّذِينَ اجْتَمَعَتْ لَهُمُ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِمْ، وحَقِيقَتُها: ما قَبْلَهم مِنَ الحَوادِثِ وما بَعْدَهُمْ، و"الأُمُورُ" جَمْعُ "أمْرٍ"، لَيْسَ يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ.
ثُمْ أمَرَ اللهُ -تَعالى- بِعِبادَتِهِ، وخَصَّ الرُكُوعَ والسُجُودَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلصَّلاةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ في هَذِهِ الآيَةِ سَجْدَةٌ؟
ومَذْهَبُ مالِكٍ -رَحِمَهُ اللهُ- ألّا يَسْجُدَ هُنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وافْعَلُوا الخَيْرَ ﴾ نَدْبٌ فِيما عَدا الواجِباتِ الَّتِي صَحَّ وُجُوبُها مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلُهُ -تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى ﴾ ، و "الفَلّاحُ" في هَذِهِ الآيَةِ نَيْلُ البُغْيَةِ وبُلُوغُ الأمَلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ فَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَصِيرُ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ آيَةٌ أمَرَ اللهُ -تَعالى- فِيها بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ، وهو قِتالُ الكُفّارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو جِهادُ النَفْسِ، وجِهادُ الكافِرِينَ، وجِهادُ الظَلَمَةِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، أمَرَ اللهُ عِبادَهُ بِأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ في ذاتِ اللهِ حَقَّ فِعْلِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: والعُمُومُ حَسَنٌ.
وبَيَّنَ أنَّ عُرْفَ اللَفْظَةِ يَقْتَضِي الجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ هِبَةُ اللهِ وَغَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَقَّ جِهادِهِ ﴾ وقَوْلَهُ في الأُخْرى: ﴿ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ [آل عِمْرانَ: ١٠٢] مَنسُوخٌ بِالتَخْفِيفِ إلى الِاسْتِطاعَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ومَعْنى الِاسْتِطاعَةُ في هَذِهِ الأوامِرِ هو المُرادُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ تَكْلِيفُ بُلُوغِ الغايَةِ شَرْعًا ثابِتًا فَيُقالُ: إنَّهُ نُسِخَ بِالتَخْفِيفِ، وإطْلاقُهُمُ النَسْخَ في هَذا غَيْرُ مُحْدِقٍ.و"اجْتَباكُمْ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ ﴾ مَعْناهُ: مِن تَضْيِيقٍ، يُرِيدُ: في شِرْعَةِ المِلَّةِ، وذَلِكَ أنَّها حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ، لَيْسَتْ كَشَدائِدَ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، بَلْ فِيها التَوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُخَصُ ونَحْوِ هَذا مِمّا كَثُرَ عَدُّهُ.و"الحَرَجَةُ": الشَجَرُ المُلْتَفُّ المُتَضايِقُ، ورَفْعُ الحَرَجِ صَحَّ لِجُمْهُورِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولِمَنِ اسْتَقامَ عَلى مِنهاجِ الشَرْعِ، وأمّا السَلّابَةُ والسُرّاقُ وأصْحابُ الحُدُودِ فَعَلَيْهِمُ الحَرَجُ، وهم جاعِلُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِمُفارَقَتِهِمُ الدِينَ، ولَيْسَ في الشَرْعِ أعْظَمُ حَرَجًا مِن إلْزامِ ثُبُوتِ رَجُلٍ لِاثْنَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ -تَعالى- ومَعَ صِحَّةِ اليَقِينِ وجَوْدَةِ العَزْمِ لَيْسَ بِحَرَجٍ.
وقَوْلُهُ: "مِلَّةَ" نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: بَلْ جَعَلَها، أو نَحْوَهُ مِن أفْعالِ الإغْراءِ، وقالَ الفِراءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ كَأنَّهُ قالَ: "كَمِلَّةِ"، وقِيلَ: هو كَما يُنْصَبُ المَصْدَرُ.
وقَوْلُهُ: "هُوَ سَمّاكُمْ"، قالَ ابْنُ زَيْدِ: الضَمِيرُ لِإبْراهِيمَ والإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسِ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدُ: الضَمِيرُ لِلَّهِ -تَعالى- و"مِن قَبْلُ" مَعْناهُ: في الكُتُبِ القَدِيمَةِ، "وَفِي هَذا": في القُرْآنِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُضَعِّفُ قَوْلَ مَن قالَ: الضَمِيرُ، لِإبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ مُسْتَأْنَفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ الرَسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: بِالتَبْلِيغِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ﴾ أيْ: بِتَبْلِيغِ رُسُلِهِمْ إلَيْهِمْ عَلى ما أخْبَرَكم نَبِيُّكم.
وأسْنَدَ الطَبَرَيُّ إلى قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: أُعْطِيتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ، كانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ﴾ ، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ ﴾ ، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: سَلْ تُعْطَ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ .
ثُمْ أمَرَ -تَعالى- بِالصَلاةِ المَفْرُوضَةِ أنْ تُقامَ ويُدامَ عَلَيْها بِجَمِيعِ حُدُودِها، وبِالزَكاةِ أنْ تُؤَدّى، كَما أنْعَمَ عَلَيْكم فافْعَلُوا كَذا، ثُمْ أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِاللهِ -تَعالى- أيْ: بِالتَعَلُّقِ بِهِ والخُلُوصِ لَهُ، وطَلَبِ النَجاةِ مِنهُ ورَفَضِ التَوَكُّلِ عَلى سِواهُ.و"المَوْلى" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: الَّذِي يَلِيكم نَصْرُهُ وحِفْظُهُ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ بِحَمْدِ اللهِ تَعالى وعَوْنِهِ