الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الأنبياء
تفسيرُ سورةِ الأنبياء كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 143 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْبِياءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: (الكَهْفُ ومَرْيَمُ وطَهَ والأنْبِياءُ مِنَ العَتاقِ الأوَّلِ، وهي مِن تِلادِي)، يُرِيدُ: مِن قَدِيمِ ما كَسَبْتُ وحَفِظْتُ مِنَ القُرْآنِ كالمالِ التِلادِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ رَوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ كانَ يَبْنِي جِدارًا، فَمَرَّ بِهِ آخَرُ في يَوْمِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ الَّذِي كانَ يَبْنِي الجِدارَ: ماذا نَزَلَ اليَوْمَ مِنَ القُرْآنِ؟
فَقالَ لَهُ الآخَرُ: نَزَلَ اليَوْمَ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ ، فَنَفَضَ يَدَهُ مِنَ البُنْيانِ وقالَ: واللهِ لا بُنِيَتْ أبَدًا وقَدِ اقْتَرَبَ الحِسابُ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الناسِ وإنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَفارَّ قُرَيْشٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ يُرِيدُ الكُفّارَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ قِسْطُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ ﴾ وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ مِمّا يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: "مُحْدَثٍ" يُرِيدُ نُزُولَهُ وإتْيانَهُ إيّاهُمْ، لا هو في نَفْسِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالذِكْرِ أقْوالُ النَبِيِّ في أمْرِ الشَرِيعَةِ، ووَعْظُهُ وتَذْكِيرُهُ، فَهو مُحْدَثٌ عَلى الحَقِيقَةِ، وجَعْلِهِ "مِن رَبِّهِمْ" مِن حَيْثُ إنَّ النَبِيَّ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ولا يَقُولُ إلّا ما هو مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الذِكْرُ" الرَسُولُ نَفْسُهُ، واحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ ﴾ ، فَهو مُحْدَثٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَكُونُ مَعْنى "اسْتَمَعُوهُ" بِمَعْنى: اسْتَمَعُوا إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم يَلْعَبُونَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ: اسْتِماعُهم في حالِ لَعِبٍ، فَهو غَيْرُ نافِعٍ ولا واصِلُ النَفْسِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهم وأسَرُّوا النَجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَماءِ والأرْضِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ قَوْلُهُ: "لاهِيَةً" حالٌ بَعْدَ حالٍ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في إعْرابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأسَرُّوا النَجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ - فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "أسَرُّوا" فاعِلٌ، وأنَّ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنهُ، وأنَّ لُغَةَ "أكَلُونِي البَراغِيثُ" لَيْسَتْ في القُرْآنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: الواوُ والألْفُ عَلامَةٌ أنَّ الفاعِلَ مَجْمُوعٌ، كالتاءِ في قَوْلِكَ: "قامَتْ هِنْدٌ"، و"الَّذِينَ" فاعِلٌ بِـ "أسَرُّوا"، وهَذا عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فاعِلٌ، و"الَّذِينَ" مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أسَرَّها الَّذِينَ، أو قالَها الَّذِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والوُقُوفُ عَلى "النَجْوى" في هَذا القَوْلِ وفي القَوْلِ الأوَّلِ أُحْسِنُ، ولا يُحْسَنُ في الثانِي.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، والوَقْفُ مَعَ هَذا حَسَنٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرِهِ: أعْنِي الَّذِينَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ "الناسِ" في قَوْلِهِ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ أقْوالٌ ضَعِيفَةٌ.
ومَعْنى: " أسَرُّوا النَجْوى ": تَكَلَّمُوا بَيْنَهم بِالسِرِّ والمُناجاةِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أسَرُّوا": أظْهَرُوا، وهو مِنَ الأضْدادِ، ثُمْ بَيَّنَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، ثُمْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ في الجَهالَةِ -: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِحْرَ ﴾ ، أيْ ما يَقُولُ، شَبَّهُوهُ بِالسِحْرِ، المَعْنى: أفَتَتَّبِعُونَ السِحْرَ؟
﴿ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ، أيْ تُدْرِكُونَ أنَّهُ سِحْرٌ، وتَعْلَمُونَ ذَلِكَ، كَأنَّهم قالُوا: تَضِلُّونَ عَلى بَيِّنَةٍ ومَعْرِفَةٍ، ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم ولِلنّاسِ جَمِيعًا: ﴿ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَماءِ والأرْضِ ﴾ ، أيْ: يَعْلَمُ أقْوالَكم هَذِهِ وهو بِالمِرْصادِ في المُجازاةِ عَلَيْها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قُلْ رَبِّي"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قالَ رَبِّي" عَلى مَعْنى الخَبَرِ عن نَبِيِّهِ ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ، قالَ الطَبَرَيْ رَحِمَهُ اللهُ: وهُما قِراءَتانِ مُسْتَفِيضَتانِ في قِراءَةِ الأمْصارِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلْ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ ﴾ ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ وما كانُوا خالِدِينَ ﴾ لَمّا اقْتَضَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّهم قالُوا إنَّ ما عِنْدَهُ سِحْرٌ، عَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ جَمِيعَ ما قالَتْهُ طَوائِفُهُمْ، ووَقَعَ الإضْرابُ بِكُلِّ مَقالَةٍ عَنِ المُتَقَدِّمَةِ لَها لِيَتَبَيَّنَ اضْطِرابُ أمْرِهِمْ، فَهو إضْرابٌ عن جَحْدٍ مُتَقَدِّمْ لِأنَّ الثانِي لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ في نَفْسِهِ.
و"الأضْغاثُ": الأخْلاطُ، وأصْلُ الضِغْثِ: القَبْضَةُ المُخْتَلِطَةُ مِنَ العُشْبِ والحَشِيشِ، فَشُبِّهَتْ تَخالِيطُ الحُلْمِ بِذَلِكَ، وهو ما لا يَتَفَسَّرُ ولا يَتَحَصَّلُ، ثُمْ حَكى قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ مُفْتَرٍ قاصِدٌ لِلْكَذِبِ،ثُمْ حُكِيَ قَوْلُ مَن قالَ: شاعِرٌ، وهي مَقالَةُ فِرْقَةٍ عامِّيَّةٍ مِنهُمْ، لِأنَّ نُبَلاءَ العَرَبِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ بِالبَدِيهَةِ أنَّ مَبانِيَ القُرْآنِ لَيْسَتْ مَبانِي شِعْرٍ، ثُمْ حَكى اقْتِراحَهم وتَمَنِّيهِمْ آيَةً تَضْطَرُّهم وتَكُونُ في غايَةِ الوُضُوحِ كَناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وغَيْرِها.
وقَوْلُهُ: ﴿ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ ﴾ دالٌّ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ بِإتْيانِ الرُسُلِ الأُمَمَ المُتَقَدِّمَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ قَبْلَهُ كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها عادَتُنا أنَّ القَوْمَ إنْ كَفَرُوا بِها عاجَلْناهُمْ، وما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي نَزَلَتْ بِها هَذِهِ النازِلَةُ، أفَهَذِهِ كانَتْ تُؤْمِنُ.
وقَوْلُهُ: "أهْلَكْناها" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِلْقَرْيَةِ، والجُمْلَةُ إذا اتَّبَعَتِ النَكِراتِ فَهي صِفاتٌ لَها، وإذا اتَّبَعَتِ المَعارِفَ فَهي أحْوالٌ مِنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ عَلى فِرْقَةٍ مِنهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنَ البَشَرِ رَسُولًا يَشُفُّ عَلى نَوْعِهِ مِنَ البَشَرِ بِهَذا القَدْرِ مِنَ الفَضْلِ، فَمَثَّلَ اللهُ تَعالى في الرَدِّ عَلَيْهِمْ بِمَن سَبَقَ مِنَ الرُسُلِ مِنَ البَشَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "نُوحِي" بِالنُونِ، ثُمْ أحالَهم عَلى سُؤالِ أهْلِ الذِكْرِ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قُرَيْشٍ كِتابٌ ولا أثارَةٌ مِن عِلْمٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أهْلِ الذِكْرِ، مَن هُمْ؟
فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أهْلِ الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أحْبارُ أهْلِ الكِتابِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أهْلِ الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَأمَّلَ؛ وذَلِكَ أنَّ الذَكَرَ هو كُلُّ ما يَأْتِي مِن تَذْكِيرِ اللهِ عِبادَهُ، فَأهْلُ القُرْآنِ أهْلُ ذِكْرٍ، وهَذا أرادَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأمّا المُحالُ عَلى سُؤالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا أهْلَ القُرْآنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهم كانُوا خُصُومَهُمْ، وإنَّما أُحِيلُوا عَلى سُؤالِ أحْبارِ أهْلِ الكِتابِ مِن حَيْثُ كانُوا مُوافِقِينَ لَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ، فَتَجِيءُ شَهادَتُهم - بِأنَّ الرُسُلَ قَدِيمًا مِنَ البَشَرِ لا مَطْعَنَ فِيها - لازِمَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ ، قِيلَ: الجَسَدُ مِنَ الأشْياءِ يَقَعُ عَلى ما لا يَتَغَذّى، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عِجْلا جَسَدًا ﴾ ، فَمَعْنى هَذا: ما جَعَلْناهم أجْسادًا لا تَتَغَذّى، وقِيلَ: الجَسَدُ يَعُمُ المُتَغَذِّي مِنَ الأجْسامِ وغَيْرَ المُتَغَذِّي.
فالمَعْنى: ما جَعَلْناهم أجْسادًا وجَعَلْناهم مَعَ ذَلِكَ لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ كالجَماداتِ أو كالمَلائِكَةِ، فَـ ﴿ جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنفِيٌّ، وعَلى الثانِي مُوجَبٌ والنَفْيُ واقِعٌ عَلى صِفَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ، ثُمْ نَفى عنهُمُ الخُلْدَ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ القَدِيمِ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَغَيْرُ خالِدٍ في دارِ الدُنْيا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ ﴾ هَذِهِ وعِيدٌ في ضِمْنِ وصْفِهِ تَعالى سِيرَتَهُ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِن أنَّهُ يُصَدِّقُ مَواعِيدَهُمْ، فَكَذَلِكَ يُصَدِّقُ لِمُحَمَّدٍ ولِأصْحابِهِ ما وعَدَهم مِنَ النَصْرِ وظُهُورِ الكَلِمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن نَشاءُ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُؤْمِنِينَ.
و"المُسْرِفُونَ": الكُفّارُ المُفَرِّطُونَ في غَيِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، وكُلُّ مِن تَرَكَ الإيمانَ مُسْرِفٌ.
ثُمْ وبَّخَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، والكِتابُ: القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ الذِكْرُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ إلَيْكم بِأمْرِ دِينِكم وآخِرَتِكم ونَجاتِكم مِن عَذابِهِ، فَأضافَ الذِكْرَ إلَيْهِمْ حَيْثُ هو في أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ شَرَفُكم وذِكْرُكم آخِرَ الدَهْرِ كَما تُذْكَرُ عِظامُ الأُمُورِ، وفي هَذا تَحْرِيضٌ، ثُمْ تَأكَّدَ التَحْرِيضُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ، وحَرَّكَهم ذَلِكَ إلى النَظَرِ.
ثُمْ مَثَّلَ لَهم عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "قَصَمْنا"، و"قَصَمْنا" مَعْناهُ: أهْلَكْنا، وأصْلُ القَصْمِ: الكَسْرُ في الأجْرامِ، فَإذا اسْتُعِيرَ لِلْقَوْمِ أوِ القَرْيَةِ ونَحْوِهِ فَهو ما يُشْبِهُ الكَسْرَ، وهو إهْلاكُهُمْ، فَأوقَعَ هَذِهِ الأُمُورَ عَلى القَرْيَةِ، والمُرادُ أهْلُها، وهَذا مَهِيعٌ كَثِيرٌ، ومِنهُ: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْشَأْنا بَعْدَها ﴾ مَعْناهُ: خَلَقْنا وأثْبَتْنا أُمَّةً أُخْرى غَيْرَ المُهْلَكَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا ﴾ وصْفٌ عن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُجْمَلَةِ أوَّلًا، قِيلَ: كانَتْ بِاليَمَنِ تُسَمّى حَضُوراءُ بَعَثَ اللهُ تَعالى إلى أهْلِها رَسُولًا فَقَتَلُوهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ بُخْتَ نَصْرَ صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَهَزَمُوا جَيْشَهُ مَرَّتَيْنِ، فَنَهَضَ في الثالِثَةِ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَلَمّا هَزَمَهم وأعْمَلَ القَتْلَ فِيهِمْ رَكَضُوا هارِبِينَ، ويُحْتَمَلُ ألّا يُرِيدَ بِالآيَةِ قَرْيَةً بِعَيْنِها، وأنَّهُ واصِفُ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُعَذَّبَةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ قَرْيَةٍ كانُوا إذا أحَسُّوا العَذابَ مِن أيِّ نَوْعٍ كانَ أخَذُوا في الفِرارِ، و"أحَسُّوا": باشَرُوهُ بِالحَواسِّ.
و"الرَكْضُ": تَحْرِيكُ القَدَمِ عَلى الصِفَةِ المَعْهُودَةِ، والفارُّ والجارِي بِالجُمْلَةِ راكِضٌ، إمّا دابَّةٌ وإمّا الأرْضُ تَشْبِيهًا بِالدابَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرْكُضُوا ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ رِجالِ بُخْتَ نَصْرَ عَلى الرِوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّهم خَدَعُوهم واسْتَهْزَءُوا بِهِمْ بِأنْ قالُوا لِلْهارِبِينَ مِنهُمْ: لا تَفِرُّوا وارْجِعُوا إلى مَواضِعِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ صُلْحًا أو جِزْيَةً أو أمْرًا يُتَّفَقُ عَلَيْهِ، فَلَمّا انْصَرَفُوا أمَرَ بُخْتَ نَصْرَ أنْ يُنادى فِيهِمْ: يا ثارّاتِ النَبِيِّ المَقْتُولِ، فَقُتِلُوا بِالسَيْفِ عن آخِرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا كُلُّهُ مَرْوِيٌّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لا تَرْكُضُوا" إلى آخَرِ الآيَةِ مِن كَلامِ مَلائِكَةِ العَذابِ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ، أنَّ الآياتِ وصْفُ قِصَّةِ كُلِّ قَرْيَةٍ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ حَضُوراءَ ولا غَيْرِها، فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّ أهْلَ هَذِهِ القُرى كانُوا بِاغْتِرارِهِمْ يَرَوْنَ أنَّهم مِنَ اللهِ بِمَكانٍ، وأنَّهُ لَوْ جاءَهم عَذابٌ أو أمْرٌ لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ حَتّى يُخاصَمُوا أو يُسْألُوا عن وجْهِ تَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ، فَيَحْتَجُّونَ هم عِنْدَ ذَلِكَ بِحُجَجٍ تَنْفَعُهم في ظَنِّهِمْ، فَلَمّا نَزَلَ العَذابُ دُونَ هَذا الَّذِي أمَّلُوهُ ورَكَضُوا فارِّينَ نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ - عَلى وجْهِ الهَزْءِ بِهِمْ -: لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا لَعَلَّكم تُسْألُونَ كَما كُنْتُمْ تَطْمَعُونَ بِسَفَهِ رَأْيِكُمْ، ثُمْ يَكُونُ قَوْلُهُ: "حَصِيدًا" أيْ بِالعَذابِ تَرْكُضُونَ كالحَصِيدِ، و"الإتْرافُ": التَنْعِيمُ، و"دَعْواهُمْ" مَعْناهُ: دُعاؤُهم وكَلامُهُمْ، أيْ: لَمْ يَنْطِقُوا بِغَيْرِ التَأسُّفِ، و"الحَصِيدُ" يُشَبِّهُ بِحَصِيدِ الزَرْعِ بِالمِنجَلِ، الَّذِي رَدَّهُمُ الهَلاكُ كَذَلِكَ، و"خامِدِينَ" أيْ مَوْتى دُونَ أرْواحٍ، مُشَبَّهِينَ بِالنارِ إذا طُفِيَتْ.
ولِما فَرَغَ وصْفُ هَذا الحالِ وعَظَ اللهُ تَعالى السامِعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ، أيْ: كَما ظَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، وكَما تَظُنُّونَ أيُّها الكَفَرَةُ الآنَ، فَفي الآيَةِ وعِيدٌ بِهَذا الوَجْهِ، والمَعْنى: إنَّما خَلَقَنا هَذا كُلَّهُ لِيُعْتَبَرَ بِهِ ويُنْظَرَ فِيهِ ويُؤْمَنَ بِاللهِ بِحَسَبِهِ.
قالَ بَعْضُ الناسِ: "تُسْئَلُونَ" مَعْناهُ: تُفَهَّمُونَ وتُفَقَّهُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تُسْئَلُونَ" مَعْناهُ: شَيْئًا مِن أمْوالِكم وعَرَضِ دُنْياكُمْ، عَلى وجْهِ الهَزْءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلى مَن قالَ مِنَ الكَفّارِ أمْرَ مَرْيَمَ وما ضارَعَهُ مِنَ الكُفْرِ، تَعالى اللهُ عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ، و"اللهْوُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَرْأةُ، ورُوِيَ أنَّها في بَعْضِ لُغاتِ العَرَبِ تَقَعُ عَلى الزَوْجَةِ، و"إنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الشَرْطِيَّةَ، بِمَعْنى: لَوْ كُنّا فاعِلِينَ، ولَسْنا كَذَلِكَ، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ هُنا اعْتِراضٌ وانْفِصالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، بِمَعْنى "ما"، وكُلُّ هَذا قَدْ قِيلَ.
و"الحَقُّ" عامٌّ في القُرْآنِ والرِسالَةِ والشَرْعِ وكُلِّ ما هو حَقٌّ، و"الباطِلُ" أيْضًا عامٌّ كَذَلِكَ، و"يَدْمَغُهُ" مَعْناهُ: يُصِيبُ دِماغَهُ، وذَلِكَ مَهْلِكٌ في البَشَرِ، فَكَذَلِكَ الحَقُّ يُهْلِكُ الباطِلَ، و"الوَيْلُ": الخِزْيُ والهَمُّ، وقِيلَ: هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ فَهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ مُخاطِبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وصَفُوا اللهَ تَبارَكَ وتَعالى بِما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، تَعالى اللهُ وتَبارَكَ وتَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عن قَوْلِهِمْ، بَلْ هو كَما وصَفَ نَفْسَهُ، وفَوْقَ ما نَعَتَهُ بِهِ خَلْقُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَيْلَ والنَهارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَلَهُ" يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُعادِلًا لِقَوْلِهِ: "وَلَكُمُ الوَيْلُ"، كَأنَّهُ تَقْسِيمُ الأمْرِ في نَفْسِهِ، أيْ: لِلْمُخْتَلِقِينَ هَذِهِ المَقالَةَ الوَيْلُ ولَهُ تَعالى مَن في السَماواتِ والأرْضِ، واللامُ في "لَهُ" لامُ المِلْكِ، و ﴿ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعُمُ المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ وغَيْرَهُمْ، ثُمْ خَصَّصَ مِن هَذا العُمُومِ مَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِنَ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: "وَمَن عِنْدَهُ"؛ لِأنَّ "عِنْدَ" هُنا لَيْسَتْ في المَسافاتِ، وإنَّما هي تَشْرِيفٌ في المَنزِلَةِ، فَوَصَفَهم تَعالى بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَةِ اللهِ، ولا يَسْأمُونَها ولا يَكِلُّونَ فِيها.
و"الحَسِيرُ" مِنَ الإبِلِ: المُعْيِي، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: هُنَّ الوَجى كَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَوى ولا زالَ مِنها ضالِعٌ وحَسِيرُ و"حَسَرَ" و"اسْتَحْسَرَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأفْعالِ، وإنْ كانَ في اسْتَفْعَلَ لِطَلَبِ الشَيْءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَفْتُرُونَ"، رُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ قالَ: جَعَلَ اللهُ لَهُمُ التَسْبِيحَ كالنَفَسِ وطَرْفِ العَيْنِ لِلْبَشَرِ، يَقَعُ مِنهم دائِمًا دُونَ أنْ تَلْحَقُهم فِيهِ سَآمَةٌ، وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ بَيْنَما هو جالِسٌ مَعَ أصْحابِهِ إذْ قالَ: "تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ؟
" قالُوا: ما نَسْمَعُ مِن شَيْءٍ يا رَسُولَ اللهِ.
قالَ: "إنِّي لَأسْمَعُ أطِيطَ السَماءِ، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ راحَةٍ إلّا وفِيها مَلَكٌ ساجِدٌ أو قائِمْ"».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ ﴾ ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهُ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مِن مَعِيَ وذِكْرُ مِن قَبْلِي بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ ﴾ هَذِهِ "أمُ" الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي هُنا تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّ في القَوْلِ إضْرابًا عَنِ الأوَّلِ ووَقَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: هَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً يُحْيُونَ ويَخْتَرِعُونَ؟
أيْ: لَيْسَتْ آلِهَتُكم كَذَلِكَ، فَهي غَيْرُ آلِهَةٍ؛ لِأنَّ مِن صِفَةِ الإلَهِ القُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُنْشِرُونَ" بِضَمِّ الياءِ، بِمَعْنى: يُحْيُونَ غَيْرَهُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: "يَنْشُرُونَ" بِمَعْنى يَحْيَوْنَ هم وتُدُومُ حَياتُهُمْ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتُ وأنْشَرَهُ اللهُ.
ثُمْ بَيَّنَ تَبارَكَ وتَعالى أمْرَ التَمانُعِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا ﴾ ، وذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَذْهَبُ بِما خَلَقَ، واقْتِضابُ القَوْلِ في هَذا أنَّ إلَهَيْنِ لَوْ فُرِضا فَرَّقَ بَيْنَهُما الِاخْتِلافُ في تَحْرِيكِ جِرْمٍ وتَسْكِينِهِ، فَمُحالٌ أنْ تَتِمُ الإرادَتانِ، ومُحالٌ ألّا تَتِمّا جَمِيعًا، وإذا تَمَّتِ الواحِدَةُ كانَ صاحِبُ الأُخْرى عاجِزًا، وهَذا لَيْسَ بِإلَهٍ، وجَوازُ الِاخْتِلافِ عَلَيْهِما بِمَنزِلَةِ وُقُوعِهِ مِنهُما.
ونَظَرٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَخْرُجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَمُحالٌ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ قُدْرَتانِ، فِإذا كانَتْ قُدْرَةُ أحَدِهِما تُوجِدُ بَقِيَ الآخَرُ فَضْلًا لا مَعْنًى لَهُ في ذَلِكَ الجُزْءِ، ثُمْ يَتَمادى النَظَرُ هَكَذا جُزْءًا جُزْءًا.
ثُمْ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا وصَفَهُ أهْلُ الجَهالَةِ والكُفْرِ.
ثُمْ وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بِأنَّهُ ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ ، وهَذا وصْفٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ بِحَقِّ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ لا يُعارَضُ ولا يُسْألُ عن شَيْءٍ يَفْعَلُهُ؛ إذْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ في مُلْكِهِ ما يَشاءُ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مُحْكًمُ الأفْعالِ وواضِعُ كُلِّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، فَلَيْسَ في أفْعالِهِ سُؤالٌ ولا اعْتِراضٌ.
وهَؤُلاءِ مِنَ البَشَرِ يُسْألُونَ لِهاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مالِكِينَ، ولِأنَّهم في أفْعالِهِمْ خَلَلٌ كَثِيرٌ.
ثُمْ قَرَّرَهم تَعالى ثانِيَةً عَلى اتْخِاذِ الآلِهَةِ، وفي تَكْرارِ هَذا التَقْرِيرِ مُبالَغَةٌ في نَكِيرِهِ وبَيانِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَقْرِيرِ زِيادَةٌ عَلى الأوَّلِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ ، فَكَأنَّهُ قَرَّرَهم هُنا عَلى قَصْدِ الكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمْ دَعاهم إلى الحُجَّةِ والإتْيانِ بِالبُرْهانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "هَذا" جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَدِيمَها وحَدِيثَها، أيْ: لَيْسَ فِيها بُرْهانٌ عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ مِن دُونِ اللهِ، بَلْ فِيها ضِدُّ ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "هَذا" القُرْآنَ، والمَعْنى: فِيهِ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وذِكْرُ الآخِرِينَ، فَذِكْرُ الآخِرِينَ بِالدَعْوَةِ وبَيانِ الشَرْعِ لَهم ورَدِّهم عَلى طَرِيقِ النَجاةِ، وذِكْرُ الأوَّلِينَ بَقَصِّ أخْبارِهِمْ وذِكْرِ الغُيُوبِ في أُمُورِهِمْ.
ومَعْنى الكَلامِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَرْضُ القُرْآنِ في مَعْرِضِ البُرْهانِ، أيْ: هاتُوا بُرْهانَكم فَهَذا بُرْهانِي أنا ظاهِرٌ في ذِكْرِ مَن مَعِي وذِكْرِ مَن قَبْلِي.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "هَذا ذِكْرُ مَن وذِكْرُ مَن" بِالإضافَةِ فِيهِما، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ" بِالإضافَةِ "وَذِكْرٌ مِن قَبْلِي" بِتَنْوِينِ "ذِكْرٌ" الثانِي وكَسْرِ المِيمِ مِن قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِي"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، وابْنُ مُصَرِّفِ بِالتَنْوِينِ في "ذِكْرٌ" مِنَ المَوْضِعَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ في "مِن" في المَوْضِعَيْنِ، وضَعَّفَ أبُو حاتِمْ هَذِهِ القِراءَةَ، كَسْرَ المِيمِ في الأُولى، ولَمْ يَرَ لَها وجْهًا.
ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ تَعالى بَأنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَ لِإعْراضِهِمْ عنهُ، ولَيْسَ المَعْنى: فَهم مُعْرِضُونَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلِ المَعْنى: فَهم مُعْرِضُونَ ولِذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هَذا القَوْلُ هو الحَقُّ، والوَقْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى "لا يَعْلَمُونَ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ ﴾ ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ لَمّا أخْبَرَهم تَبارَكَ وتَعالى أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ لِإعْراضِهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ ما أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا أوحى إلَيْهِ أنَّ اللهَ تَعالى فَرْدٌ صَمَدٌ، وهَذِهِ عَقِيدَةٌ لَمْ تَخْتَلِفْ فِيها النُبُوّاتُ، وإنَّما اخْتَلَفَتْ في الأحْكامِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُوحِي" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُوَحى" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ.
ثُمْ عَدَّدَ اللهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم مَعَ اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً كانُوا يُقِرُّونَ بَأنَّ اللهَ تَعالى هو الخالِقُ الرازِقُ إلّا أنَّهم قالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخَذَ المَلائِكَةَ بَناتٍ، وقالَ نَحْوَ هَذِهِ المَقالَةِ النَصارى في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، واليَهُودُ في عُزَيْرٍ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ رادَةً عَلى جَمِيعِهِمْ مُنَبِّهَةً عَلَيْهِمْ.
ثُمْ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عن مَقالَةِ الكَفَرَةِ، وأضْرَبَ عن مَقالِهِمْ، ونَصَّ ما هو الأمْرُ في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ، وهَذِهِ عِبارَةٌ تَشْمَلُ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ ﴾ عِبارَةٌ عن حُسْنِ طاعَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ ومُراعاتِهِمْ لِامْتِثالِ الأمْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَ مِن أفْعالِهِمْ وأعْمالِهِمْ والحَوادِثِ الَّتِي لَها إلَيْهِمْ تُنْسَبُ، وما تَأخَّرَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَشْفُعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى اللهُ أنْ يُشْفَعَ لَهُمْ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لِأهْلِ لا إلَهَ إلا اللهُ.
و"المُشْفِقُ": البالِغُ في الخَوْفِ المُحْتَرِقُ مِنَ الفَزَعِ عَلى أمْرٍ ما.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: مَن يَقُلْ مِنهم كَذا أنْ لَوْ قالَهُ، ولَيْسَ مِنهم مَن قالَ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وَمَن يَقُلْ…" الآيَةَ...
إبْلِيسُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّهُ ادَّعى رُبُوبِيَّةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَجْزِيهِ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ: "نُجْزِيهِ" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ، ووَجْهُها أنَّ المَعْنى: نَجْعَلُها تَكْتَفِي بِهِ، مِن قَوِلِكَ: أجْزَأنِي الشَيْءُ، ثُمْ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً.
وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" أيْ كَجَزائِنا هَذا القائِلَ جَزاؤُنا الظالِمِينَ.
ثُمْ وقَفَهم عَلى عِبْرَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ جَلَتْ قُدْرَتُهُ.
و"الرَتْقُ": المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ الَّذِي لا صَدْعَ فِيهِ ولا فَتْحَ، ومِنهُ: "امْرَأةٌ رَتْقاءُ".
واخْتَلَفَ المُفَسْرِوُنَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بِالأرْضِ فَفَتَقَهُما اللهُ بِالهَواءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ والأرْضُ كَذِلِكَ فَفَتَقَهُما اللهُ سَبْعًا سَبْعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَـ "الرُؤْيَةُ" المَوْقِفُ عَلَيْها رُؤْيَةُ القَلْبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ قَبْلَ المَطَرِ رَتْقٌ، والأرْضُ قَبْلَ النَباتِ رَتْقٌ، فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالمَطَرِ والنَباتِ، كَما قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ ﴾ ﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتَعْدِيدَ النِعْمَةِ والحُجَّةَ بِمَحْسُوسٍ بَيِّنٍ، ويُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ، أيْ: مِنَ الماءِ الَّذِي أوجَدَهُ الفَتْقُ، فَيَظْهَرُ مَعْنى الآيَةِ ويَتَوَجَّهُ الِاعْتِبارُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ والأرْضُ رَتْقٌ بِالظُلْمَةِ فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالضَوْءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرُؤْيَةُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ رُؤْيَةٌ العَيْنِ، والأرْضُ هُنا اسْمٌ لِلْجِنْسِ، فَهو جَمْعٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَتْقًا" بِسُكُونِ التاءِ، و"الرَتْقُ": مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالزَوْرِ والعَدْلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والشَعْبِي، وأبُو حَيْوَةَ: "كانَتا رَتَقًا" بِفَتْحِ التاءِ، وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَفْضِ والنَفَضِ والخَبْطِ والخَبَطِ، وقالَ: "كانَتا" مِن حَيْثُ هُما نَوْعانِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُيَيْم : ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا.
وَقَوْلُهُ: "كانَتا" في القَوَلَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوِلِكَ: "كانَ زَيْدٌ حَيًّا"، أيْ: ثُمْ لَمْ يَكُنْ، وفي القَوَلَيْنِ الآخَرَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "كانَ زَيْدًا عالِمًا"، أيْ: وهو كَذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "ألَمْ يَرَ" بِإسْقاطِ الواوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ بَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ والجِنَّ قَدْ خَرَجُوا مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ الوَجْهَ أنْ يُحْمَلَ عَلى أعَمِّ ما يُمْكِنُ، فالحَيَوانُ أجْمَعُ والنَباتُ - عَلى أنَّ الحَياةَ فِيهِ مُسْتَعارَةٌ - داخِلٌ في هَذا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالماءِ المَنِيُّ في جَمِيعِ الحَيَوانِ.
ثُمْ وقَفَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا السَماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عن آياتِها مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَيْلَ والنَهارَ والشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ "الرَواسِي" جَمْعُ راسِيَةٍ، أيْ ثابِتَةٍ، يُقالُ: رَسا يَرْسُو إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الأجْرامِ الكِبارِ كالجِبالِ والسَفِينَةِ ونَحْوِها.
ويُرْوى أنَّ الأرْضَ كانَتْ تُكْفَأُ بِأهْلِها حَتّى ثَقَّلَها اللهُ تَعالى بِالجِبالِ فاسْتَقَرَّتْ.
و"المَيْدُ": التَحَرُّكُ، و"الفِجاجُ": الطُرُقُ المُتَّسِعَةُ في الجِبالِ وغَيْرِها، و"سُبُلًا": جَمْعُ سَبِيلٍ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها" يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الرَواسِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأرْضِ، وهو أحْسَنُ.
و"يَهْتَدُونَ" مَعْناهُ: في مَسالِكِهِمْ وتَصْرِفِهِمْ.
وَ "السَقْفُ": ما عَلا، و الحِفْظُ هُنا عامٌّ في الحِفْظِ مِنَ الشَياطِينِ ومِنَ الوَهْيِ والسُقُوطِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآفاتِ.
و"آياتِها": كَواكِبُها وأمْطارُها والرَعْدُ والبَرْقُ والصَواعِقُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُشْبِهُهُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عن آيَتِها" بِالإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجِنْسُ.
و "الفَلَكُ": الجِسْمُ الدائِرُ دَوْرَةَ اليَوْمِ واللَيْلَةِ، فالكُلُّ في ذَلِكَ سابِحٌ مُتَصَرِّفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ إلى الكَلامِ فِيما هو الفَلَكُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كَحَدِيدَةِ الرَحى، وقالَ بَعْضُهُمْ: كالطاحُونَةِ، وغَيْرُ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي التَسَوُّرُ عَلَيْهِ، غَيْرَ أنّا نَعْرِفُ أنَّ الفَلَكَ جِسْمٌ مُسْتَدِيرٌ، و"يَسْبَحُونَ" مَعْناهُ: يَتَصَرَّفُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، ورَأوا قَوْلَهُ: "يَسْبَحُونَ" مِنَ السِباحَةِ وهو العَوْمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ ﴾ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكم بِالشَرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ ﴾ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَنْ يَمُوتَ وإنَّما هو مُخَلَّدٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ فَأنْكَرَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والمَعْنى: لَمْ نُخَلِّدْ أحَدًا، ولا أنْتَ نُخَلِّدُكَ، ويَنْبَغِي ألّا يَنْتَقِمْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلَيْكَ في هَذا أفَهم مُخَلَّدُونَ إنْ مِتَّ أنْتَ فَيَصِحُّ لَهُمُ انْتِقامٌ؟
وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ طَعَنُوا عَلى النَبِيَّ بِأنَّهُ بَشَّرٌ، وأنَّهُ يَأْكُلُ الطَعامَ وَيَمُوتُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إرْسالُهُ؟
فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ.
وألِفُ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةٌ في المَعْنى عَلى جَوابِ الشَرْطِ، وقُدِّمَتْ في أوَّلِ الجُمْلَةِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدَرُ الكَلامِ، والتَقْدِيرُ: أفْهُمُ الخالِدُونَ إنْ مِتَّ؟
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "أفِئِنْ" عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُتَّ" بِضَمِّ المِيمِ، وفِرْقَةٌ: "مِتَّ" بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، والمُرادُ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوفَةٍ.
و "الذَوْقُ" هاهُنا مُسْتَعارٌ، و"نَبْلُوكُمْ" مَعْناهُ: نَخْتَبِرُكُمْ، وقُدِّمُ الشَرُّ لِأنَّ الِابْتِلاءَ بِهِ أكْثَرُ، ولِأنَّ العَرَبَ مِن عادَتِها أنْ تَقْدَمَ الأقَلَّ والأرْدَأ، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ ﴾ ، فَبَدَأ في تَقْسِيمِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالظُلْمِ.
وقالَ الطَبَرَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّهُ جُعِلَ الخَيْرُ والشَرُّ هاهُنا عامًّا في الغِنى والفَقْرِ والصِحَّةِ والمَرَضِ والطاعَةِ والمَعْصِيَةِ والهُدى والضَلالَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الخَيْرِ والشَرِّ هُنا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِتْنَةً وابْتِلاءً، وذَلِكَ خَيْرُ المالِ وشَرُهُ، وخَيْرُ البَدَنِ وشَرُهُ، وخَيْرُ الدُنْيا في الحَياةِ وشَرُها، وأمّا الهُدى والضَلالُ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا، ولا الطاعَةُ ولا المَعْصِيَةُ؛ لِأنَّ مَن هُدِيَ فَلَيْسَ نَفْسُ هُداهُ اخْتِبارًا، بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ خَيْرُهُ، فَعَلى هَذا فَفي الخَيْرِ والشَرِّ ما لَيْسَ فِيهِ اخْتِبارٌ، كَما يُوجَدُ أيْضًا اخْتِبارٌ بِالأوامِرِ والنَواهِي ولَيْسَ بِداخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ.
و"فِتْنَةً" مَعْناهُ: امْتِحانًا وكَشْفًا.
ثُمْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الرَجْعَةِ إلَيْهِ والقِيامِ مِنَ القُبُورِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ ﴾ وعِيدٌ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُرْجَعُونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَرْجِعُونَ" بِفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، عَلى الخُرُوجِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَحْمَنِ هم كافِرُونَ ﴾ ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ رَأيا رَسُولَ اللهِ في المَسْجِدِ فاسْتَهْزَءا بِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وعُظَماءَهم يَعُمَّهم هَذا المَعْنى مِن أنَّهم يُنْكِرُونَ أخْذَ رَسُولِ اللهِ في أمْرِ آلِهَتِهِمْ، وذِكْرِهِ لَهم بِفَسادٍ.
و"إنْ" بِمَعْنى "ما"، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ: أهَذا الَّذِي؟
وقَوْلُهُ: "يَذْكُرُ" لَفْظٌ يَعُمُ المَدْحَ والذَمَ لَكِنَّ قَرِينَةَ المَقالِ أبَدًا تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِنَ الذِكْرِ، وتَمَّ ما حَكى عنهم في قَوْلِهِ: "آلِهَتَكُمْ".
ثُمْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ قَرَنَ بِإنْكارِهِمْ ذِكْرَ الأصْنامِ كُفْرَهم بِذِكْرِ اللهِ، أيْ: فَهم أحَقُّ بِالمَلامِ، وهُمُ المُخْطِئُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِذِكْرِ" أيْ: بِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ، و"لا إلَهَ إلّا اللهُ" مِنهُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِذِكْرِ الرَحْمَنِ ﴾ ، رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ أنْكَرُوا هَذِهِ اللَفْظَةَ وقالُوا: ما نَعْرِفُ الرَحْمَنَ إلّا بِاليَمامَةِ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ "الرَحْمَنِ" قُصِدَ بِهِ العِبارَةُ عَنِ اللهِ تَعالى، كَما لَوْ قالَ: وهم بِذِكْرِ اللهِ، وهَذا التَأْوِيلُ أغْرَقَ في ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ تَوْطِئَةٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ، وطَلَبِهِمْ آيَةً مُقْتَرَحَةً، وهي مَقْرُونَةٌ بِعَذابٍ مُجْهِزٍ إنْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
ووَصَفَ تَعالى الإنْسانَ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ بِأنَّهُ خُلِقَ مِن عَجَلٍ، وهَذا عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ البَطّالِ: أنْتَ مِن لَعِبٍ ولَهْوٍ، وكَما قالَ رَسُولُ اللهِ : «لَسْتُ مِن دَدٍ ولا دَدٌ مِنِّي».
وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: وأنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ عَلى الفَمِ كَأنَّهم مِمّا كانُوا أهْلَ ضَرْبٍ لِلْهامِّ، ومُلازَمَةِ الضَرْبِ قالَ: إنَّهم مِنَ الضَرْبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يَتِمْ بِهِ مَعْنى الآيَةِ المَقْصُودُ في أنْ ذُمَّتْ عَجَلَتُهم وقِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ: إنَّ الآياتِ سَتَأْتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ : إنَّهُ عَلى المَقْلُوبِ، كَأنَّهُ أرادَ: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ جُعِلَ طَبِيعَةً مِن طَبائِعِهِ وجُزَءًا مِن أخْلاقِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ لَيْسَ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وإنَّما هو إخْبارٌ مُجَرَّدٌ، وإنَّما حَمَلَ قائِلِيهِ عَلَيْهِ عَدَمُهم وجْهَ التَجْوُّزِ والِاسْتِعارَةِ في أنْ يَبْقى الكَلامُ عَلى تَرْتِيبِهِ، ونَظِيرُ هَذا القَلْبِ الَّذِي قالُوهُ قَوْلُ العَرَبِ: "إذا طَلَعَتِ الشِعْرى اسْتَوَتِ العُودُ عَلى الحِرْباءِ"، وكَما قالُوا: "عُرِضَتِ الناقَةُ عَلى الحَوْضِ"، وكَما قالَ الشاعِرُ: حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِرْبالِ آخُذُهُ ∗∗∗ فَرْدًا يُجَرُّ عَلى أيِدِي المُفْدِينا وَأمّا المَعْنى في تَأْوِيلِ مَن رَأى الكَلامَ مِنَ المَقْلُوبِ فَكالمَعْنى الَّذِي قَدَّمْناهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ إنَّما أرادَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خَلَقَهُ اللهُ تَعالى في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَتَعَجَّلَ بِهِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَمْسِ، ورَوى بَعْضُهم أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: يا رَبِّ أكْمِلْ خَلْقِي فَإنَّ الشَمْسَ عَلى الغُرُوبِ أو قَدْ غَرَبَتْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ لا يُناسِبُ مَعْنى الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَجَلُ: الطِينُ، والمَعْنى: خُلِقَ آدَمُ مِن طِينٍ، وأنْشَدَ النَقّاشُ: ...................
∗∗∗ والنَخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ مُغايِرٌ لِمَعْنى الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ أيْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كُنْ"، فَهو حالُ عَجَلَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، وفِيهِ تَخْصِيصُ ابْنِ آدَمَ بِشَيْءٍ كُلُّ مَخْلُوقٍ يُشارِكُهُ فِيهِ، ولَيْسَ في هَذِهِ الأقْوالِ ما يَصِحُّ مَعْناهُ ويَلْتَئِمُ مَعَ الآيَةِ إلّا القَوْلُ الأوَّلُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خُلِقَ الإنْسانُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَ الإنْسانَ" عَلى مَعْنى: خَلَقَ اللهُ الإنْسانَ، فَمَعْنى الآيَةِ بْجُمْلَتِها ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ ، عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن تَعَجُّلِ هَؤُلاءِ المَقْصُودِينَ بِالرَدِ.
ثُمْ تَوَعَدَّهم بِقَوْلِهِ: ﴿ سَأُرِيكم آياتِي ﴾ ، أيْ: سَيِأْتِي ما يَسُوؤُكم إذا مِتُّمْ عَلى كُفْرِكِمْ، يُرِيدُ يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرَهُ، ثُمْ فَسَّرَ تَعالى اسْتِعْجالَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ وكانَ اسْتِفْهامُهم عَلى جِهَةِ الهُزْءِ والتَكْذِيبِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ يُرِيدُونَ مُحَمَّدًا ومَن آمَنَ بِهِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَوَعَّدُونَهم عَلى لِسانِ الشَرْعِ، ومَوْضِعُ "مَتى" رَفْعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: يَكُونُ أو يَجِيءُ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عن وُجُوهِهِمُ النارَ ولا عن ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ حُذِفَ جَوابُ "لَوْ" إيجازًا لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأُبْهِمْ قَدْرُ العَذابِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأهْيَبُ مِنَ النَصِّ عَلَيْهِ، وهَذا مَحْذُوفٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ المَوْتى ﴾ ، ويُقَدَّرُ المَحْذُوفُ في جَوابِ هَذِهِ الآيَةِ: لَمّا اسْتَعْجَلُوهُ، ونَحْوُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِينَ لا يَكُفُّونَ عن وُجُوهِهِمُ النارَ ﴾ يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَكَرَ الوُجُوهَ خاصَّةً لِشَرَفِها مِنَ الإنْسانِ وأنَّها مَوْضِعُ حَواسِهِ وهو أحْرَصُ عَلى الدِفاعِ عنها، ثُمْ ذَكَرَ الظُهُورَ لِيُبَيِّنَ عُمُومَ النارِ لِجَمِيعِ أبْدانِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ تَأْتِيهِمُ" اسْتِدْراكٌ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ نَفْيٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الآياتِ لا تَأْتِي بِحَسَبِ اقْتِراحِهِمْ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، والضَمِيرُ لِلسّاعَةِ الَّتِي تُصَيِّرُهم إلى العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنّارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَلْ يَأْتِيهِمْ" بِالياءِ عَلى أنَّ الضَمِيرَ لِلْوَعْدِ، "فَيَبْهَتُهُمْ" بِالياءِ عَلى أنَّ الضَمِيرَ لِلْوَعْدِ أيْضًا، و"البَغْتَةُ": الفَجْأةُ مِن غَيْرِ مُقَدِّمَةٍ، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخَّرُونَ.
ثُمْ آنَسَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِما جَرى عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ مِنَ اسْتِهْزاءِ قَوْمِهِمْ بِهِمْ وحُلُولِ العَذابِ بِالمُسْتَهْزِئِينَ، و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ وحَلَّ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في العَذابِ والمَكارِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ما كانُوا" فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما كانُوا، ونَحْوُهُ، ومَعَ هَذا التَأْنِيسِ الَّذِي لِمُحَمَّدٍ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ وضَرْبُ مَثَلٍ لَهُ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَيْلِ والنَهارِ مَن الرَحْمَنِ بَلْ هم عن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ ﴾ ﴿ بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُسْتَهْزِئِينَ بِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ الكافِرِينَ بِذْكِرِ الرَحْمَنِ الجاهِلِينَ بِهِ، قُلْ لَهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ: مَن يَحْفَظُكُمْ؟
و"كَلَأ" مَعْناهُ حَفِظَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ «اكْلَأْ لَنا الفَجْرَ»، وفي آخِرِ الكَلامِ تَقْدِيرٌ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم مانِعٌ ولا كالِئٌ، وعَلى هَذا المَعْنى تَرَكَّبَتْ "بَلْ" في قَوْلِهِ سُبِحانَهُ: ﴿ بَلْ هم عن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ، ثُمْ يَقْضِي عَلَيْهِمُ التَقْرِيرُ في أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ اللهِ بِأنْ كَشَفَ أمْرَ آلِهَتِهِمْ، والمَعْنى: يَظُنُّونَ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي بِهَذِهِ الصِفَةِ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا، بَلْ لا يَمْنَعُهم أحَدٌ إلّا نَحْنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم مِنّا يُصْحَبُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: يُجارُونَ ويُمْنَعُونَ، والآخَرُ: ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ بِخَيْرٍ ولا بَرَكَةٍ ونَحْوُ هَذا، وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ ثَمَّ شَيْءٌ مِن هَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَلَّ هَؤُلاءِ لَأنّا مَتَّعْناهم ومَتَّعْنا آباءَهم فَنَسُوا عِقابَ اللهِ وظَنُّوا أنَّ حالَهم لا تَبِيدُ، والمَعْنى: طالَ العُمُرُ في رَخاءٍ.
ثُمْ وقَفَهم تَعالى عَلى مَواضِعِ العِبْرَةِ في الأُمَمِ وفي البَشَرِ بِحَسَبِ الخِلافِ والأطْرافِ، و"الرُؤْيَةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَلا يَرَوْنَ" رُؤْيَةُ العَيْنِ تَتْبَعُها رُؤْيَةُ القَلْبِ، و"نَأْتِي" مَعْناهُ: بِالقُدْرَةِ والبَأْسِ، و"الأرْضَ" عامَّةٌ في الجِنْسِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن أطْرافِها" إمّا أنْ يُرِيدَ: فِيما يَخْرَبُ مِنَ المَعْمُورِ فَذاكَ بَعْضُ الأرْضِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ مَوْتَ البَشَرِ فَهو تَنَقُّصٌ لِلْقُرُونِ، ويَكُونُ المُرادُ حِينَئِذٍ أهْلَ الأرْضِ، وقالَ قَوْمٌ: النَقْصُ مِنَ الأطْرافِ مَوْتُ العُلَماءِ، ثُمْ وقَفَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - أهم يَغْلِبُونَ مَن غَلَبَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ وقَهَرَ الكُلَّ بِسُلْطانِهِ وعَظَمَتِهِ؟
أيْ إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ بَيِّنٌ، بَلْ هم مَغْلُوبُونَ مَقْهُورُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُمُّ الدُعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا أيُّها المُقْتَرِحُونَ المُتَشَطِّطُونَ إنَّما أُنْذِرُكم بِوَحِيٍ يُوحِيهِ اللهُ إلىَّ، وبِدِلالاتٍ عَلى العِبَرِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِيَنْظُرَ فِيها، كَنُقْصانِ الأرْضِ مِن أطْرافِها وغَيْرِهُ، ولَمْ أُبْعَثْ بِآيَةٍ مُطَّرِدَةٍ ولا بِما تَقْتَرِحُونَهُ، ثُمْ قالَ: "وَلا يَسْمَعُ" بِمَعْنى: وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَمّا أُنْذِرُ بِهِ، فَهو غَيْرُ نافِعٍ لَكُمْ، ومَثَّلَ أمْرَهم بِالصُمْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَلا يَسْمَعُ" بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى "الصُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلا يُسْمِعُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ ونَصْبِ "الصُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا تُسْمَعُ" بِالتاءِ مَضْمُومَةً وفَتْحِ المِيمِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، والفِرْقَتانِ نَصَبَتا "الدُعاءَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا يَسْمَعُ الصُمُ الدُعاءِ" بِإضافَةِ "الصُمْ" إلى "الدُعاءِ"، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ وإنْ كانَتْ مُتَوَجِّهَةً.
ثُمْ خاطَبَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا مُتَوَعِّدًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ ﴾ ، والنَفْحَةُ: الخَطْرَةُ والمَسَّةُ، كَما تَقُولُ: نَفَحَ بِيَدِهِ إذا مالَ بِها هَكَذا ضارِبًا إلى جِهَةٍ، ومِنهُ "نَفْحَةُ الطِيبِ" كَأنَّهُ يَخْطُرُ خَطَراتٍ عَلى الحاسَّةِ، ومِنهُ: نَفَحَ لَهُ مِن عَطاياهُ إذا أخَذَ مِنها نَصِيبًا، ومِنهُ: "نَفَحَ الفَرَسُ بِرِجْلِهِ" إذا رَكَضَ، والمَعْنى: ولَئِنْ مَسَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ صَدْمَةُ عَذابٍ في دُنْياهم لَيَنْدَمُنُّ ولَيُقِرُّنَ بِظُلْمِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ الساعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ ﴿ وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ لَمّا تَوَعَدَهم بِنَفْحَةٍ مِن عَذابِ الدُنْيا عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَوَعُّدٍ بِوَضْعِ المَوازِينَ، وإنَّما جَمَعَها وهي مِيزانٌ واحِدٌ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ وزْنًا يَخُصُّهُ، ووَحَّدَ "القِسْطَ" وهو قَدْ جاءَ بِلَفْظِ المَوازِينَ مَجْمُوعًا مِن حَيْثُ "القِسْطُ" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهَ، كَما تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ ورِضًى".
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "القِصْطَ" بِالصادِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِيَوْمِ القِيامَةِ" أيْ: لِحِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ، أو لِحُكْمِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو بِتَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المِيزانَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِعَمُودٍ وكِفَّتَيْنِ تُوزَنُ بِهِ الأعْمالُ، لِيُبَيَّنَ لِلنّاسِ المَحْسُوسَ المَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ، والخِفَّةُ والثِقَلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأجْسامٍ يُقْرِنُها اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأعَمْالِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ صُحُفَ الأعْمالِ أو مِثالاتٍ تُخْلَقُ أو ما شاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مِثْقالُ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ مُسْتَأنْفَةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِثْقالَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ الشَيْءُ أوِ العَمَلُ مِثْقالَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أتَيْنا" عَلى مَعْنى: جِئْنا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: "آتَيْنا" عَلى مَعْنى: واتَيْنا مِنَ المُواتاةِ، ولا يَقْدِرُ يُفَسِّرُ "آتَيْنا" بِأعْطَيْنا لَمّا تَعَدَّتْ بِحَرْفِ جَرٍّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُوَهِّنُ هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ تَبْدِيلَ الواوِ المَفْتُوحَةِ هَمْزَةً لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وإنَّما يُعْرَفُ ذَلِكَ في المَضْمُومَةِ أوِ المَكْسُورَةِ، وفي قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ تَوَعُّدٌ.
ثُمْ عَقَّبَ سَبْحانَهُ وتَعالى بِأمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
و"الفُرْقانُ" فِيما قالَتْ فِرْقَةٌ: التَوْراةُ، وهي "الضِياءُ والذِكْرُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ: "ضِئاءُ" بِهَمْزَتَيْنِ قَبْلَ الألِفِ وبَعْدَها، وقَرَأ الباقُونَ: "ضِياءُ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "الفُرْقانُ ضِياءٌ" بِغَيْرِ واوٍ، وهي قِراءَةُ عِكْرِمَةَ والضَحاكِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ بِذَلِكَ كُلِّهِ التَوْراةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الفُرْقانُ" هو ما رَزَقَهُ اللهُ مِن نَصْرٍ وظُهُورِ حُجَّةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فَرَّقَ بِينَ أمْرِهِ وبَيْنَ أمْرِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ، و"الضِياءُ" التَوْراةُ، و"الذِكْرُ" بِمَعْنى التَذْكِرِ.
وقَوْلُهُ: "بِالغَيْبِ" يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها في غَيْبِهِمْ وخَلَواتِهِمْ وحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، وهَذا أرْجَحُها، والثانِي أنَّهم يَخْشَوْنَ اللهَ عَلى أنَّ أمْرَهُ تَعالى غائِبٌ عنهُمْ، وإنَّما اسْتَدَلُّوا بِدَلائِلَ لا بِمُشاهَدَةٍ، والثالِثُ أنَّهم يَخْشَوْنَ اللهَ رَبَّهم بِما أعْلَمَهم بِهِ مِمّا غابَ عنهم مِن أمْرِ آخِرَتِهِمْ ودُنْياهُمْ، و"الإشْفاقُ": أشَدُّ الخَشْيَةِ، و"الساعَةُ": القِيامَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهَذا" إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، و"أنْزَلْناهُ" إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أثْبَتْناهُ، كَما تَقُولُ: أنْزَلَ الشَيْطانُ فُلانًا بِمَكانِ كَذا إذا أثْبَتَهُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ النُزُولُ بِالمَلَكِ، ثُمْ وقَفَهم تَبارَكَ وتَعالى تَقْرِيرًا وتَوْبِيخًا، هَلْ يَصِحُّ لَهم إنْكارُ بَرَكَتِهِ وما فِيهِ مِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى وإلى صالِحِ العَمَلِ؟
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ﴾ ﴿ قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ﴾ ﴿ قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلَهم جُذاذًا إلا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾ الرُشْدُ عامٌّ في هِدايَتِهِ إلى رَفْضِ الأصْنامِ، وفي هِدايَتِهِ في أمْرِ الكَوْكَبِ والشَمْسِ والقَمَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُبُوَّةِ فَما دُونَها.
وقالَ بَعْضُهم مَعْناهُ: وُفِّقَ لِلْخَيْرِ صَغِيرًا، وهَذا كُلُّهُ مُتَقارِبٌ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "مِن قَبْلُ" مَعْناهُ: مِن قَبْلِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ، فَبِهَذِهِ الإضافَةِ هو قَبْلُ كَما هي نِسْبَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ ﴾ مَدْحٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ ما أُهِّلَ لَهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ ، والعامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "آتَيْنا"، و"التَماثِيلُ": الأصْنامُ؛ لِأنَّها كانَتْ عَلى صُورَةِ الإنْسانِ مِن خَشَبٍ، و"العُكُوفُ": المُلازَمَةُ لِلشَّيْءِ.
وقَوْلُهُ: "فَطَرَهُنَّ" عِبارَةٌ عنها كَأنَّها تَعْقِلُ، وهَذِهِ مِن حَيْثُ لَها طاعَةٌ وانْقِيادٌ، وقَدْ وُصِفَتْ في مَواضِعَ بِما يُوصَفُ بِهِ مَن يَعْقِلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتاللهِ لأكِيدَنَّ ﴾ الآيَةَ.
رُوِيَ أنَّهم حَضَرَهم عِيدٌ لَهم فَعَزَمَ قَوْمٌ مِنهم عَلى حُضُورِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ مَعَهم طَمَعًا مِنهم أنْ يَسْتَحْسِنَ شَيْئًا مِن أخْبارِهِمْ، فَمَشى مَعَهُمْ، فَلَمّا كانَ في الطَرِيقِ عَزَمَ عَلى التَخَلُّفِ عنهُمْ، فَقَعَدَ وقالَ لَهُمْ: إنِّي سَقِيمٌ، فَمَرَّ بِهِ جُمْهُورُهُمْ، ثُمْ قالَ في خَلْوَةٍ مِن نَفْسِهِ: ﴿ وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ ، وسَمِعَهُ قَوْمٌ مِن ضَعَفَتِهِمْ مِمَّنْ كانَ يَسِيرُ في آخِرِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: إلى عِيدِهِمْ، ثُمُ انْصَرَفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَيْتِ أصْنامِهِمْ وحْدَهُ فَدَخَلَ ومَعَهُ قَدُومٌ، فَوَجَدَ الأصْنامَ وقَفَتْ، أكَبَرُها في الأوَّلِ ثُمُ الَّذِي يَلِيهِ فالَّذِي يَلِيهِ، وقَدِ جَعَلُوا أطْعِمَتَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ تَبَرُّكًا بِها لِيَنْصَرِفُوا مِن ذَلِكَ العِيدِ إلى أكْلِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ السَلامُ يَقْطَعُها بِذَلِكَ القَدُومِ ويُهَشِّمُها، حَتّى أفْسَدَ أشْكالَها كُلَّها، حاشى الكَبِيرَ فَإنَّهُ تَرَكَهُ بِحالِهِ وعَلَّقَ القَدُومَ مِن يِدِهِ وخَرَجَ عنها.
و"جُذاذًا" مَعْناهُ قِطَعًا صِغارًا، والجَذُّ: القَطْعُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جُذاذًا" بِضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِكَسْرِها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو نَهِيكٍ، وأبُو السَمّاكِ بِفَتْحِها، وهي لُغاتٌ، والمَعْنى واحِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَجَعَلَهُمْ" ونُحْوُهُ مُعامَلَةٌ لِلْأصْنامِ بِحالِ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ كانَتْ تُعْبَدُ وتُنَزَّلُ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ، والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" أظْهَرُ ما فِيهِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ فَعَلَ هَذا كُلَّهُ تَوَخِّيًا مِنهُ أنْ يَعْقِبَ ذَلِكَ مِنهم رَجْعَةٌ إلَيْهِ وإلى شَرْعِهِ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الكَسْرِ المَتْرُوكِ، ولَكِنْ يُضْعِفُ ذَلِكَ دُخُولُ التَرَجِّي في الكَلامِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ الناسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ المَعْنى: فانْصَرَفُوا مِن عِيدِهِمْ فَرَأوا ما حَدَثَ بِآلِهَتِهِمْ فَأكْبَرُوا ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ قالُوا: ﴿ مَن فَعَلَ هَذا ﴾ عَلى جِهَةِ البَحْثِ وِالإنْكارِ، و"قالُوا" الثانِيَةُ الضَمِيرُ فِيها يَعُودُ لِلْقَوْمِ الضَعَفَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ قالَ: ﴿ وَتاللهِ لأكِيدَنَّ ﴾ ، واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ رَفْعِ قَوْلِهِ: " إبْراهِيمُ " فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مُرْتَفِعٌ بِتَقْدِيرِ النِداءِ، كَأنَّهم أرادُوا: الَّذِي يُقالُ لَهُ عِنْدَ ما يُدْعى: يا إبْراهِيمُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى إضْمارِ الِابْتِداءِ، تَقْدِيرُهُ: هو إبْراهِيمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أرْجَحُ.
وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَجّاجِ الإشْبِيلِي الأعَلَمُ: هو رَفْعٌ عَلى الإهْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَمّا رَأى وُجُوهَ الرَفْعِ كَأنَّها لا تَوُضِّحُ المَعْنى الَّذِي قَصَدُوهُ ذَهَبَ إلى رَفْعِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ، كَما قَدْ يَرْفَعُ التَجَرُّدُ والعُرُوُّ عَنِ العَوامِلِ الابْتِداءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والوَجْهُ عِنْدِي أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، عَلى أنْ يُجْعَلَ " إبْراهِيمُ " غَيْرَ دالٍّ عَلى الشَخْصِ، بَلْ تَجْعَلُ النُطْقَ بِهِ دالًّا عَلى بِناءِ هَذِهِ اللَفْظَةِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ وزْنُ فَعْلٍ"، أو "زَيْدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ"، فَلَمْ تَدُلَّ بِوَجْهٍ عَلى الشَخْصِ بَلْ دَلْلَتْ بِنُطْقِها عَلى نَفْسِ اللَفْظَةِ، وعَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ تَقُولُ: "قُلْتُ إبْراهِيمُ "، ويَكُونُ مَفْعُولًا صَحِيحًا أنْزَلْتَهُ مَنزِلَةَ قَوْلٍ وكَلامٍ فَلا يَتَعَذَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يُبْنى الفِعْلُ فِيهِ لِلْمَفْعُولِ.
وَقْوُلُهُ: ﴿ عَلى أعْيُنِ الناسِ ﴾ يُرِيدُ: في مَحْفَلٍ وبِمَحْضَرِ الجُمْهُورِ، وقَوْلُهُ: "يَشْهَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَهادَةَ عَلَيْهِ، يُرِيدُونَ بِفِعْلِهِ أو بِقَوْلِهِ: ﴿ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ المُشاهَدَةَ، أيْ: يُشاهِدُونَ عُقُوبَتَهُ أو غَلَبَتَهُ المُؤَدِّيَةَ إلى عُقُوبَتِهُ، المَعْنى: فَجاءَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ أُتِيَ بِهِ فَقالُوا لَهُ: أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِالآلِهَةِ؟
فَقالَ لَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، عَلى جِهَةِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ، أيْ أنَّهُ غارَ مِن أنْ يَعْبُدَ هو ويَعْبُدَ الصِغارُ مَعَهَ فَفَعَلَ هَذا بِها لِذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ هي الأكْثَرُ: إنَّ هَذا الكَلامَ قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِأنَّها كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ تُؤَدِّي إلى خِزْيِ قَوْمٍ كافِرِينَ.
والحَدِيثُ الصَحِيحُ يَقْتَضِي ذَلِكَ وهو قَوْلُ النَبِيِّ : «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ: قَوْلُهُ: "إنِّي سَقِيمٌ" وقَوْلُهُ: "بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا"، وقَوْلُهُ لِلْمَلِيكِ: "هِيَ أُخْتِي».
ثُمْ تَطَرَّقَ إلى مَوْضِعِ خِزْيِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى نَفْيِ الكَذِبِ عن هَذِهِ المَقالاتِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِ النَبِيِّ : «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ...» أيْ لَمْ يَقُلْ كَلامًا ظاهِرُهُ الكَذِبُ، أو يُشْبِهُ الكَذِبَ، وذَهَبَتْ إلى تَخْرِيجِ هَذِهِ المَقالاتِ، فَخَرَجَّتْ هَذِهِ الآيَةَ عَلى مَعْنى أنَّهُ أرادَ تَعْلِيقَ فِعْلِ الكَبِيرِ بِنُطْقِ الآخَرِينَ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ هو الفاعِلُ إنْ نَطَقَ هَؤُلاءِ، ولَمْ يَجْزِمُ الخَبَرَ عَلى أنَّ الكَبِيرَ فَعَلَ هَذا، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - في قَوْلِهِ: "فَسْئَلُوهُمْ".
وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى جِهَةٍ أُخْرى بِأنْ قالَ: قَوْلُهُ "فَعَلَهُ" لَيْسَ مِنَ الفِعْلِ، وَإنَّما هُوَ: "فَلَعَلَّهُ" عَلى جِهَةِ التَوَقُّعِ، حُذِفَ اللامُ، عَلى قَوْلِهِمْ: "عَلَّهُ" بِمَعْنى "لَعَلَّهُ" ثُمْ خُفِّفَتِ اللامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَكَلُّفٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ ﴾ ﴿ أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ ﴿ قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ ﴾ ﴿ وَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ ﴾ المَعْنى: فَظَهَرَ لَهم ما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن أنَّ الأصْنامَ الَّتِي قَدْ أهَّلُوها لِلْعِبادَةِ يَنْبَغِي أنْ تُسْألَ وتُسْتَفْسَرَ، فَقالُوا: إنَّكم أنْتُمُ الظالِمُونَ في تَوْقِيفِ هَذا الرَجُلِ عَلى هَذا الفِعْلِ وأنْتُمْ مَعَكم مَن تَسْألُونَ، ثُمُ ارْتَكَبُوا في ضَلالِهم ورَأوا بِالفِكْرَةِ وبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ، فَساقَهم ذَلِكَ حَتّى نَطَقُوا عنهُ إلى مَوْضِعِ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِلَّذِي يَرْتَطِمْ في غَيِّهِ كَأنَّهُ مَنكُوسٌ عَلى رَأْسِهِ، فَهي أقْبَحُ هَيْئَةٍ لِلْإنْسانِ، وكَذَلِكَ هَذا هو في أسْوَأِ حالاتِ النَظَرِ، فَقالُوا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ نُكِسُوا في حَيْرَتِهِمْ: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ ، أيْ: فَما بالُكَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ؟
فَوَجَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ هَذِهِ المَقالَةِ مَوْضِعَ الحُجَّةِ فَوَقَفَهم مُوَبِّخًا عَلى عِبادَتِهِمْ تَماثِيلَ لا تَنْفَعُ بِذاتِها ولا تَضُرُّ، ثُمْ حَقَّرَ شَأْنَها وأزْرى بِها في قَوْلِهِ: "أُفٍّ لَكُمْ".
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أُفَّ لَكُمْ" بِالفَتْحِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "أُفِّ لَكُمْ" بِالكَسْرِ وتَرَكِ التَنْوِينِ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "أُفٍّ لَكُمْ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ.
و"أُفٍّ" لَفْظَةٌ تُقالُ عِنْدَ المُسْتَقْذَراتِ مِنَ الأشْياءِ فَيُسْتَعارُ ذَلِكَ لِلْمَكْرُوهِ مِنَ المَعانِي كَهَذا وغَيْرِهِ.
فَلَمّا غَلَبَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن جِهَةِ النَظَرِ والحُجَّةِ نَكَّسُوا رُؤُوسَهم وأخَذَتُهم عِزَّةٌ بِإثْمٍ وانْصَرَفُوا إلى طَرِيقِ الغَشْمِ والغَلَبَةِ فَقالُوا: "حَرِّقُوهُ"، ورُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ هو رَجُلٌ مِنَ الأكْرادِ مِن أعْرابِ فارِسٍ، أيْ مِن بادِيَتِها، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَلَجْلَجُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ تَحْرِيضٌ، كَما تَقُولُ: أعْزِمْ عَلى كَذا إنْ كُنْتَ عازِمًا.
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا اجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى تَحْرِيقِهِ حَبَسَهُ نُمْرُودُ المَلِكُ، وأمَرَ بِجَمْعِ الحَطَبِ فَجُمِعَ في مُدَّةِ أشْهُرٍ، وكانَ المَرِيضُ يَجْعَلُ عَلى نَفْسِهِ نَذْرًا إنْ هو بَرِئَ أنْ يَجْمَعَ كَذا وكَذا حِزْمَةً حَتّى اجْتَمَعَ مِنَ الحَطَبِ - مِمّا تَبَرَّعَ بِهِ الناسُ ومِمّا جُلِبَ لِلْمَلِكِ مِن أهْلِ الرَساتِيقِ - كالجَبَلِ مِنَ الحَطَبِ، ثُمْ أُضْرِمْ نارًا، فَلَمّا أرادُوا طَرْحَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ فِيهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى القُرْبِ مِنهُ، فَجاءَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ فَقالَ لَهُمْ: أنا أصْنَعُ لَكم آلَةً يُلْقى بِها في النارِ، فَعَلَّمَهم صَنْعَةَ المَنجَنِيقِ، ثُمْ أُخْرِجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ فَشُدَّ بِرِباطٍ ووُضِعَ في كِفَّةِ المَنجَنِيقِ ورُمِيَ بِهِ فُوُضِعَ في النارِ، وقَدْ قِيلَ لِلنّارِ: ﴿ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ ﴾ فاحْتَرَقَ الحَبْلُ الَّذِي رُبِطَ بِهِ فَقَطْ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَهُ وهو في الهَواءِ فَقالَ لَهُ: ألَكَ حاجَةٌ؟
فَيُرْوى أنَّهُ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا.
ويُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُ: إنِّي خَلِيلٌ، وإنَّما أطْلُبُ حاجَتِي مِن خَلِيلِي لا مِن رَسُولِهِ، فَقالَ اللهُ تَعالى: يا إبْراهِيمُ قَطَعْتَ الواسِطَةَ بَيْنِي وبَيْنَكَ لَأقْطَعَنَّها بَيْنِي وبَيْنَ النارِ، يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا، ورُوِيَ أنَّهُ حِينَ خُوطِبَتِ النارُ خَمَدَتْ كُلُّ نارٍ في الأرْضِ، ورُوِيَ أنَّ الغُرابَ كانَ يَنْقُلُ الحَطَبَ إلى نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ الوَزَغَةَ كانَتْ تَنْفُخُ عَلَيْهِ لِتَضْرَمَ، وكَذَلِكَ البَغْلُ، ورُوِيَ أنَّ العَضْرَفُوطَ والخُطّافَ والضُفْدَعَ كانُوا يَنْقُلُونَ الماءَ لِتَطْفَأ النارُ، فَأبْقى اللهُ عَلى هَذِهِ الوِقايَةَ وسَلَّطَ عَلى تِلْكَ الأُخْرى النَوائِبَ والأيْدِيَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ فِيما رُوِيَ: إنَّ اللهَ تَعالى لَوْ لَمْ يَقُلْ: "وَسَلامًا" لَهَلَكَ إبْراهِيمُ مِن بَرْدِ النارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في قَصَصِ حَرْقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَكَرُوا تَحْدِيدَ مُدَّةِ بَقائِهِ في النارِ وصُورَةَ بَقائِهِ فِيها مِمّا رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، والصَحِيحُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ أُلْقِيَ في النارِ فَجَعَلَها اللهُ تَعالى عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَخَرَجَ مِنها سالِمًا، وكانَتْ أعْظَمَ آيَةٍ، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: إنَّها نارٌ مَسْحُورَةٌ لا تَحْرِقُ، فَرَمَوْا فِيها شَيْخًا مِنهم فاحْتَرَقَ، ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ بَسْطَةٌ وطَعامٌ في تِلْكَ النارِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الجَنَّةِ، ورُوِيَ أنَّ العِيدانَ أيْنَعَتْ وأثْمَرَتْ لَهُ هُنالِكَ ثِمارُها الَّتِي كانَتْ أُصُولَها.
وقَوْلُهُ: "وَسَلامًا" مَعْناهُ: وسَلامَةً، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي تَحِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وكانَ الوَجْهُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا.
و"الكَيْدُ" هو ما أرادُوا مِن حَرْقِهِ، وكانُوا في خَسارَةٍ مِن كُفْرِهِمْ وغَلَبَتِهِ لَهم وحَرْقِ الشَيْخِ الَّذِي جَرَّبُوا بِهِ النارَ، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ بَنى بُنْيانًا واطَّلَعَ مِنهُ عَلى النارِ فَرَأى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَعَهُ ناسٌ فَعَجِبَ وسَألَ: هَلْ طُرِحَ مَعَهُ أحَدٌ؟
فَقِيلَ لَهُ: لا، فَناداهُ فَقالَ: مَن أُولَئِكَ؟
فَقالَ: هم مَلائِكَةُ رَبِّي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَرْوِيُّ في هَذا كَثِيرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلا جَعَلْنا صالِحِينَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَلاةِ وإيتاءَ الزَكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أُخْرِجَ مِنَ النارِ أحْضَرَهُ النُمْرُودُ وكَلَّمَهُ، ثُمْ خَتَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فُلَجَّ وقالَ لِإبْراهِيمَ في بَعْضِ قَوْلِهِ: يا إبْراهِيمُ أيْنَ جُنُودُ رَبِّكَ الَّذِي تَزْعُمُ؟
فَقالَ لَهُ: سَيُرِيكَ فِعْلَ أضْعَفِ جُنُودِهِ، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى نُمْرُودَ وأصْحابِهِ سَحابَةً مِن بَعُوضٍ فَأكَلَتْهم عن آخِرِهِمْ ودَوابَّهم حَتّى كانَتِ العِظامُ تَلُوحُ بِيضًا، ودَخَلَتْ مِنها بَعُوضَةٌ في رَأْسِ نُمْرُودَ فَكانَ رَأْسُهُ يُضْرَبُ بِالعِيدانِ وغَيْرِها، ودامَ تَعْذِيبُهُ بِها زَمَنًا طَوِيلًا وهَلَكَ مِنها، وخَرَجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وابْنُ أخِيهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تِلْكَ الأرْضِ مُهاجِرِينَ، وهي كُوثا مِنَ العِراقِ، ومَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ابْنَةُ عَمِّهِ سارَةُ زَوْجُهُ، وفي تِلْكَ السَفْرَةِ لَقِيَ الجَبّارَ الَّذِي رامَ أخْذَها مِنهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الأرْضِ الَّتِي بُورِكَ فِيها ونَجّى اللهُ إلَيْها إبْراهِيمَ وُلُوطًا عَلَيْهِما السَلامُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكَّةُ، وذَكَرُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا ﴾ ، وقالَ الجُمْهُورُ: مِن أرْضِ الشامِ، وهي الأرْضُ الَّتِي بارَكَ اللهُ فِيها، أمّا مِن جِهَةِ الآخِرَةِ فَبِالنُبُوَّةِ والإيمانِ، وأمّا مِن جِهَةِ الدُنْيا فَفي أطْيَبِ بِلادِ اللهِ أرْضًا، وأعْذَبِها ماءً، وأكْثَرِها ثَمَرَةً ونِعْمَةً، وهو المَوْضِعُ المَعْرُوفُ بِسُكْنى إبْراهِيمَ وعَقِبِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ عَذْبٌ إلّا وأصْلُهُ وخُرُوجُهُ مِن تَحْتِ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وهي أرْضُ المَحْشَرِ، وفِيها يُجْمَعُ الناسُ، وفِيها يَنْزِلُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وبِها يُهْلِكُ المَسِيحُ الدَجّالَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ يَوْمًا في خُطْبَةٍ: «إنَّهُ كانَ بِالشامِ جُنْدٌ، وبِالعِراقِ جُنْدٌ، وبِاليَمَنِ جُنْدٌ"، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، خِرْ لِي، فَقالَ: "عَلَيْكَ بِالشامِ فَإنَّ اللهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشامِ وأهْلِهِ، ومَن بَقِيَ فَلْيَلْحَقْ بِأمْنِهِ»، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ لِكَعْبِ الأحْبارِ: ألا تَتَحَوَّلُ إلى المَدِينَةِ ؟
فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي أجِدُ في كِتابِ اللهِ المُنَزَّلِ أنَّ الشامَ كَنْزُ اللهِ مِن أرْضِهِ، وبِها كَنْزُهُ مِن عِبادِهِ، ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ ولُوطًا عَلَيْهِما السَلامُ هاجَرا مِن كُوثا ومَرّا بِمِصْرَ، ولَيْسَتْ بِالطَرِيقِ ولَكِنَّهم نَكَبُوا خَوْفَ الِاتِّباعِ حَتّى جاءُوا الشامَ، فَنَزَلَ إبْراهِيمُ السَبْعَ مِنَ أرْضِ فِلِسْطِينَ وهي بَرِّيَّةُ الشامِ، ونَزَلَ لُوطٌ بِالمُؤْتَفِكَةِ.
و"إسْحاقُ" هو ابْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَلامُ، و" يَعْقُوبُ " ولَدُ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَلامُ، و"النافِلَةُ": العَطِيَّةُ، كَما تَقُولُ: نَفَلَنِي الإمامُ كَذا، ونافِلَةُ الطاعَةِ كَأنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِعَبادِهِ يُثِيبُهم عَلَيْها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَوْهُوبُ إسْحاقُ، و"النافِلَةُ" يَعْقُوبُ عَلَيْهِما السَلامُ، والأوَّلُ أبْيَنُ، و"يَهْدُونَ" مَعْناهُ: يُرْشِدُونَ غَيْرَهُمْ، و"إقامَ" مَصْدَرٌ، وِفي هَذا نَظَرٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ ﴾ ﴿ وَأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ ﴾ التَقْدِيرُ: وآتَيْنا لُوطًا، فَهو مَنصُوبٌ بِفْعِلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، و"الحُكْمُ" فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الناسِ، و"الخَبائِثُ" إتْيانُ الرِجالِ وضُراطِهِمْ في مَجالِسِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُفْرِهِمْ.
وقَوْلِهِ في نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: "مِن قَبْلُ" بِالإضافَةِ إلى إبْراهِيمَ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَلامُ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو الغَرَقُ وما نالَ قَوْمَهُ مِنَ الهَلَكَةِ بِدُعائِهِ عَلَيْهِمُ الَّذِي اسْتُجِيبَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَنَصَرْناهُ" لَمّا كانَ جُلُّ نُصْرَتِهِ النَجاةَ وكانَتْ غَلَبَةُ قَوْمِهِ بِغَيْرِ يَدِهِ بَلْ بِأمْرٍ أجْنَبِيٍّ مِنهُ حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "نَصَرْناهُ مِن"، ولا تَتَمَكَّنُ هُنا "عَلى" كَما تَتَمَكَّنُ في أمْرِ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْمِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ضَرْبُ مَثَلٍ لِقِصَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْمِهِ، ونَجاةُ الأنْبِياءِ وهَلاكُ مُكَذِّبِيهِمْ ضِمْنُها تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ﴾ ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ داوُدَ وسُلَيْمانَ، هَكَذا قَدَّرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ عِنْدِي ويَقْوى أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَآتَيْنا داوُدَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "وُنُوحًا"، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ ، والمَعْنى عَلى هَذا التَأْوِيلِ مُتَّسِقٌ.
وسُلَيْمانُ هو ابْنُ داوُدَ عَلَيْهِما السَلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مَلِكًا عَدْلًا نَبِيًّا يَحْكم بَيْنَ الناسِ فَوَقَعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ هَذِهِ النازِلَةُ، وكانَ ابْنُهُ إذْ ذاكَ قَدْ كَبُرَ، وكانَ يَجْلِسُ عَلى البابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ الخُصُومُ، وكانُوا يَدْخُلُونَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن بابٍ آخَرَ، فَتَخاصَمَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ رَجُلٌ لَهُ زَرْعٌ، وقِيلَ: كَرْمٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"الحَرْثُ" يُقالُ فِيهِما، وهو في الزَرْعِ أبْعَدُ عَنِ الِاسْتِعِارَةِ، دَخَلَتْ حَرْثَهُ غَنَمُ رَجُلٍ آخَرَ فَأفْسَدَتْ، فَرَأى داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَدْفَعَ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الحَرْثِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى أنْ يَبْقى كَرْمُهُ بِيَدِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ دَفَعَ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الحَرْثِ والحَرْثَ إلى صاحِبِ الغَنَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيُشْبِهُ عَلى هَذا القَوْلِ الواحِدِ أنَّهُ رَأى الغَنَمَ تُقاوِمُ الغَلَّةَ الَّتِي أُفْسِدَتْ، وعَلى القَوْلِ الثانِي رَآها تُقاوِمُ الحَرْثَ وغَلَّتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يُظَنُّ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ إلّا أنَّ حُكْمَهُ بِنَظَرٍ مُتَوَجِّهٍ.
فَلَمّا خَرَجَ الخَصْمانِ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ تَشَكّى لَهُ صاحِبُ الغَنَمِ، فَجاءَ سُلَيْمانُ إلى داوُدَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، إنَّكَ حَكَمْتَ بِكَذا، وإنِّي رَأيْتُ ما هو أرْفَقُ بِالجَمِيعِ، قالَ: وما هُوَ؟
قالَ: أنْ يَأْخُذَ صاحِبُ الغَنَمِ الحَرْثَ يَقُومُ عَلَيْهِ ويُصْلِحُهُ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، ويَأْخُذَ صاحِبُ الحَرْثِ الغَنَمَ في تِلْكَ المُدَّةِ يَنْتَفِعُ بِمَرافِقِها مِن لَبَنٍ وصُوفٍ ونَسْلٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا كَمُلَ الحَرْثُ وعادَ إلى حالِهِ صَرَفَ كُلُّ واحِدٍ مالَ صاحِبِهِ، فَرَجَعَتِ الغَنَمُ إلى رَبِّها والحَرْثُ إلى رَبِّهِ، فَقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ: وُفِّقْتَ يا بُنَيَّ، وقَضى بَيْنَهُما بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ رَأى ما يَتَحَمَّلُهُ صاحِبُ الغَنَمِ مِن فَقْدِ مَرافِقِ غَنَمَهِ تِلْكَ المُدَّةَ، ومِن مَؤُونَةِ إصْلاحِ الحَرْثِ، يُوازِي ما فَسَدَ في الحَرْثِ، وفَضَلَ حُكْمُهُ حُكْمَ أبِيهِ في أنَّهُ أحْرَزَ أنْ يُبْقِيَ مِلْكَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَلى مَتاعِهِ، وتَبْقى نَفْسُهُ بِذَلِكَ طَيِّبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ لَمْ يَكُنِ الحُكْمُ فِيها بِاجْتِهادٍ، وإنَّما حَكَمَ داوُدُ بِوَحْيٍ، وحَكَمَ سُلَيْمانُ بِوَحْيٍ نَسَخَ اللهُ بِهِ حُكْمَ داوُدَ، وجَعَلَتْ فِرْقَةٌ - ومِنها ابْنُ فُورَكَ - قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ أيْ فَقَهْناهُ القَضاءَ الفاصِلَ الناسِخَ الَّذِي أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَسْتَقِرَ في النازِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتاجُ هَذِهِ الفِرْقَةُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ إلى هَذا التَعَبِ ويَبْقى لَها المَعْنى قَلِقًا.
وَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: إنَّ حُكْمَهُما كانَ بِاجْتِهادٍ، وأدْخَلَ العُلَماءُ هَذِهِ الآيَةَ في كُتُبِهِمْ عَلى مَسْألَةِ اجْتِهادِ العالِمَيْنِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ هُنا تَلْخِيصُ مَسْألَةِ الاجْتِهادِ، واخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في العالِمَيْنِ - فَما زادَ - يُفْتِيانِ مِنَ الفُرُوعِ والأحْكامِ في المَسْألَةِ فَيَخْتَلِفانِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَقُّ في مَسائِلِ الفُرُوعِ في طَرَفٍ واحِدٍ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وقَدْ نَصَبَ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةً وحَمَلَ المُجْتَهِدِينَ عَلى البَحْثِ عنها والنَظَرِ فِيها، فَمَن صادَفَ العَيْنَ المَطْلُوبَةَ في المَسْألَةِ فَهو المُصِيبُ عَلى الإطْلاقِ، ولَهُ أجْرانَ، أجْرٌ في الِاجْتِهادِ وأجْرٌ في الإصابَةِ، ومَن لَمْ يُصادِفْها فُهو مُصِيبٌ في اجْتِهادِهِ مُخْطِئٌ في أنْ لَمْ يُصِبِ العَيْنَ، فَلَهُ أجْرٌ وهو غَيْرُ مَعْذُورٍ، وهَذا هو الَّذِي قالَ النَبِيُّ : «إذا اجْتَهَدَ العالِمُ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ»، وكَذَلِكَ أيْضًا يَدْخُلُ في قَوْلِهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ: «إذا اجْتَهَدَ العالِمْ فَأخْطَأ»، العالِمْ يَجْتَهِدُ فَيُخالِفُ نَصًّا لَمْ يَمُرَّ بِهِ، كَقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في النِكاحِ: إنَّهُ العَقْدُ في مَسْألَةِ التَحْلِيلِ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ ونَحْوِهِ، وهَذا يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ «إذا اجْتَهَدَ العالِمْ فَأخْطَأ» وبَيْنَ قَوْلِهِ: «كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ» أيْ أخْطَأ العَيْنَ المَطْلُوبَةَ وأصابَ في اجِتِهادِهِ، ورَأتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ أنَّ العالِمُ المُخْطِئَ لا إثْمَ عَلَيْهِ في خَطَئِهِ وإنْ كانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَقُّ في طَرَفٍ واحِدٍ ولَمْ يَنْصِبِ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ دَلِيلًا، بَلْ وكَلَ الأمْرَ إلى نَظَرِ المُجْتَهِدِينَ، فَمَن أصابَهُ أصابَ، ومَن أخْطَأهُ فَهو مَعْذُورٌ ومَأْجُورٌ، ولَمْ نُتَعَبَّدْ بِإصابَةِ العَيْنِ بَلْ تُعُبِّدْنا بِالاجْتِهادِ فَقَطْ.
وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُنَّةِ - وهو المَحْفُوظُ عن مالِكٍ وأصْحابِهِ -: الحَقُّ في مَسائِلِ الفُرُوعِ في الطَرَفَيْنِ، وكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، والمَطْلُوبُ إنَّما هو الأفْضَلُ في الظَنِّ، فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ قَدْ أدّاهُ نَظَرُهُ إلى الأفْضَلِ في نَظَرِهِ، والدَلِيلُ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ الصَحابَةَ فَمَن بَعْدَهم قَرَّرَ بَعْضُهم خِلافَ بَعْضٍ ولَمْ يَرَ أحَدٌ مِنهم أنْ يَقَعَ الِاعْتِمادُ عَلى قَوْلِهِ دُونَ قَوْلِ مُخالِفِهِ، ومِنهُ رَدُّ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ لِلْمَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ عن حَمْلِ الناسِ عَلى المُوَطَّأِ إلى كَثِيرٍ مِن هَذا المَعْنى، وإذا قالَ العالِمْ في أمْرٍ ما: حَلالٌ، فَذَلِكَ هو الحَقُّ فِيما يَخْتَصُّ بِذَلِكَ العالِمْ عِنْدَ اللهِ تَعالى وبِكُلِّ مَن أخَذَ بِقَوْلِهِ، وإذا قالَ آخَرُ: حَرامٌ وكُلُّ ذَلِكَ بِاجْتِهادٍ، فَذَلِكَ أيْضًا حَقٌّ عِنْدَ اللهِ تَعالى فَما يَخْتَصُّ بِذَلِكَ العالِمِ وبِكُلِّ مَن أخَذَ بِقَوْلِهِ، فَأمّا مَن قالَ إنَّ الحَقَّ في طَرَفٍ فَرَأى مَسْألَةَ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَلامُ مُطَّرِدَةً عَلى قَوْلِهِ، وأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ صادَفَ العَيْنَ المَطْلُوبَةَ وهي الَّتِي فَهِمْ، ومَن رَأى الحَقَّ في الطَرَفَيْنِ رَأى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ فَهِمُ القَضِيَّةَ المُثْلى والَّتِي هي أرْجَحُ، لا أنَّ الأُولى خَطَأٌ، وعَلى هَذا يَحْمِلُونَ قَوْلَ النَبِيِّ : «إذا اجْتَهَدَ العالِمْ فَأخْطَأ» أيْ: أخْطَأ الأفْضَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَثِيرًا ما يَكُونُ بَيْنَ الأقْوالِ في هَذِهِ المَسائِلِ قَلِيلُ تَبايُنٍ إلّا أنَّ ذَلِكَ الشُفُوفَ يُشَرِّفُ القَوْلَ وكَثِيرًا ما يَتَبَيَّنُ الفَضْلُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِأدْنى نَظَرٍ، ومَسائِلُ الفُرُوعِ تُخالِفُ مَسائِلَ الأُصُولِ في هَذا، ومَسْألَةُ المُجْتَهِدَيْنِ في نَفْسِها مَسْألَةُ أصْلٍ، والفَرْقُ بَيْنَ مَسائِلِ الفُرُوعِ ومَسائِلِ الأُصُولِ أنَّ مَسائِلَ الأُصُولِ الكَلامُ فِيها إنَّما هو في وُجُودِ شَيْءٍ ما، كَيْفَ هُوَ؟
كَقَوْلِنا: "يُرى اللهُ يَوْمَ القَيامَةِ" فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: "لا يُرى"، وكَقَوْلِنا: "اللهُ واحِدٌ"، وقالَتِ النَصارى: "ثَلاثَةٌ"، وهَكَذا هَل لِلْمَسائِلِ عَيْنٌ مَطْلُوبَةٌ؟
ومَسائِلُ الفُرُوعِ إنَّما الكَلامُ فِيها عَلى شَيْءٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ، كَيْفَ حُكْمُهُ مِن تَحْلِيلٍ أو تَحْرِيمٍ ونَحْوِ هَذا؟
والأحْكامُ خارِجَةٌ عن ذاتِهِ ووُجُودِهِ، وإنَّما هي بِمَقايِيسَ واسْتِدْلالاتٍ، وتُعْتَبَرُ مَسائِلُ الفُرُوعَ بِأنَّها كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَنْسَخَ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومَسائِلُ الأُصُولِ ما لَوْ تَقَرَّرَ الوَجْهُ الواحِدُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِ الآخَرُ ناسِخًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَسْألَةُ الِاجْتِهادِ طَوِيلَةٌ ومُتَشَعِّبَةٌ، إلّا أنَّ هَذِهِ النُبْذَةَ تَلِيقُ بِالآيَةِ وتَقْتَضِيها حِرْصًا عَلى الإيجازِ.
ويَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ فَصْلٌ آخَرُ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ وهو رُجُوعُ الحاكِمْ بَعْدَ قَضائِهِ مِنَ اجْتِهادٍ إلى اجْتِهادٍ آخَرَ أرْجَحَ مِنَ الأوَّلِ، فَإنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ فَعَلَ ذَلِكَ في هَذِهِ النازِلَةِ، واخْتَلَفَ فُقَهاءُ المَذْهَبِ المالِكِيِّ في القاضِي يَحْكم في قَضِيَّةٍ، ثُمْ يَرى بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ غَيْرَ ما حَكَمَ بِهِ أصْوَبُ، فَيُرِيدُ أنْ يَنْقُضَ الأوَّلَ ويَقْضِيَ بِالثانِي، فَقالَ عَبْدُ المَلِكِ، ومُطَرِّفٌ في (الواضِحَةِ): ذَلِكَ لَهُ ما دامَ في وِلايَتِهِ، فَأمّا إنْ كانَتْ وِلايَةٌ أُخْرى فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وهو بِمَنزِلَةِ غَيْرِهِ مِنَ القُضاةِ، وهَذا هو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في "المُدَوَّنَةِ".
وقالَ سَحْنُونٌ في رُجُوعِهِ مِنَ اجْتِهادٍ فِيهِ قَوْلٌ إلى غَيْرِهِ مِمّا رَآهُ أصْوَبَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، ويَسْتَأْنِفُ الحُكْمَ بِما قَوِيَ عِنْدَهُ آخِرًا، قالَ سَحْنُونٌ: إلّا أنْ يَكُونَ نَسِيَ الأقْوى عِنْدَهُ أو وهِمْ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ فَلَهُ نَقْضُهُ، وأمّا إنْ حَكَمَ بِحُكْمٍ وهو الأقْوى عِنْدَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثُمْ تَوَجَّهَ عِنْدَهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى نَقْضِ الأوَّلِ، [قالَ سَحْنُونٌ في كِتابِ ابْنِهِ.
وقالَ أشْهَبُ في كِتابِ ابْنِ المَوّازِ: إنْ كانَ رُجُوعُهُ إلى الأصْوَبِ في مالٍ فَلَهُ نَقْضُ الأوَّلِ]، وإنْ كانَ في طَلاقٍ أو نِكاحٍ أو عِتْقٍ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحَرْثِ، رَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّهُ كانَ زَرْعًا، ورَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّهُ كانَ كَرْمًا.
و "النَفْشُ": تَسَرُّبُ البَهائِمْ في الزَرْعِ وغَيْرِها بِاللَيْلِ، و"الهَمْلُ": تُسَرُّبُها في ذَلِكَ بِالنَهارِ واللَيْلِ، قالَ ابْنُ سِيدَهِ: لا يُقالُ الهَمْلُ في الغَنَمِ، وإنَّما هو في الإبِلِ، ومَضى الحُكْمُ في الإسْلامِ بِتَضْمِينِ أرْبابِ النَعَمِ ما أفْسَدَتْ بِاللَيْلِ لِأنَّ عَلى أهْلِها أنْ يُثْقِفُوها، وعَلى أهْلِ الزُرُوعِ وغَيْرِها حِفْظُها بِالنَهارِ، هَذا هو مُقْتَضى الحَدِيثِ في ناقَةِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وجُمْهُورِ الأُمَّةِ، ووَقَعَ في كِتابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أنَّ الحَدِيثَ إنَّما جاءَ في أمْثالِ المَدِينَةِ الَّتِي هي حِيطانٌ مُحْدِقَةٌ، وأمّا البِلادُ الَّتِي هي زُرُوعٌ مُتَّصِلَةٌ غَيْرَ مُحْظَرَةٍ وبَساتِينُ كَذَلِكَ فَيَضْمَنُ أرْبابُ الغَنَمِ ما أفْسَدَتْ مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ تَرْكَ تَثْقِيفِ الحَيَوانِ في مِثْلِ هَذِهِ البِلادِ تَعَدٍّ لِأنَّها لا بُدَّ تُفْسِدُ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في ذَلِكَ: لا ضَمانَ، وأدْخَلَهُ في عُمُومِ قَوْلِ النَبِيِّ : «جُرْحِ العَجْماءِ جُبارُ»، فَقاسَ جَمِيعَ أفْعالِها عَلى جُرُوحِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ تَأوَّلَ قَوْمٌ مِنهم أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُخْطِئْ في هَذِهِ النازِلَةِ، بَلْ فِيها أُوتِيَ الحُكْمَ والعِلْمَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ لِأنَّهُ لَمْ يُصِبِ العَيْنَ المَطْلُوبَةَ في هَذِهِ النازِلَةِ مَدَحَهَ اللهُ تَعالى بِأنَّ لَهُ حُكْمًا وعِلْمًا يَرْجِعُ إلَيْهِ في غَيْرِ هَذِهِ النازِلَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنّا فاعِلِينَ ﴾ مُبالَغَةٌ في الخَيْرِ وتَحْقِيقٌ لَهُ، وفي اللَفْظِ مَعْنى: وكانَ ذَلِكَ في حَقِّهِ وعِنْدَ مُسْتَوْجِبِهِ مِنّا، فَكَأنَّهُ قالَ: وكُنّا فاعِلِينَ لِأجْلِ اسْتِجابَةِ ذَلِكَ وحُذِفَ اخْتِصارًا لِدِلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْهِ عَلى ما حُذِفَ مِنهُ، وقَوْلُهُ: "لِحُكْمِهِمْ" يُرِيدُ داوُدَ وسُلَيْمانَ والخَصْمَيْنِ، لِأنَّ الحُكْمَ يَنْضافُ إلى جَمِيعِهِمْ وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهاتُ الإضافَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِحُكْمِهِما".
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يُسَبِّحْنَ" فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ - وهي الأكْثَرُ - إلى أنَّهُ قَوْلُهُ "سُبْحانَ اللهِ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنها مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ إلى أنَّهُ بِمَعْنى: يُصَلِّينَ مَعَهُ بِصَلاتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ ﴾ ﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ﴾ عَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلى البَشَرِ أنْ عَلَّمَ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ صَنْعَةَ الدُرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَكانَ يَصْنَعُها أحْكَمَ صَنْعَةٍ لِتَكَوُّنَ وِقايَةً مِنَ الحَرْبِ وسَبَبَ نَجاةٍ مِنَ العَدُوِّ، و"اللَبُوسِ" في اللُغَةِ: السِلاحُ، فَمِنهُ الدِرْعُ والسَيْفُ والرُمْحُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ومَعِيَ لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ رَوْقَ بِجَبْهَةِ ذِي نَعاجٍ مُجْفَلِ يَعْنِي الرُمْحَ.
وقَرَأ نافِعٌ والجُمْهُورُ: "لِيُحْصِنَكُمْ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: لِيُحْصِنَكم داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أوِ اللَبُوسُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "لِتُحْصِنَكُمْ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: لِتُحْصِنَكُمُ الصَنْعَةُ أوِ الدُرُوعُ الَّتِي أوقَعَ عَلَيْها اللَبُوسَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "لِنُحْصِنَكُمْ" بِالنُونِ عَلى مَعْنى رَدِّ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، ويُرْوى أنَّهُ كانَ الناسُ يَتَّخِذُ القَوِيُّ مِنهم لِباسًا مِن صَفائِحِ الحَدِيدِ، فَكانَ ثِقْلُهُ يَقْطَعُ بِأكْثَرِ الناسِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِيحَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: وسَخَّرَنا الرِيحَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِيحُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ في المَجْرُورِ قَبْلَهُ.
ويُرْوى أنَّ الرِيحَ العاصِفَةَ كانَتْ تَهُبُّ عَلى سَرِيرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ الَّذِي فِيهِ بِساطُهُ، وقَدْ مَدَّ حَوْلَ البِساطِ بِالخَشَبِ والألْواحِ حَتّى صَنَّعَ سَرِيرًا يَحْمِلُ جَمِيعَ عَسْكَرِهِ وأقْواتِهِ، فَتُقِلُّهُ مِنَ الأرْضِ في الهَواءِ ثُمْ تَتَوَلّاهُ الرِيحُ الرُخاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَحْمِلُهُ إلى حَيْثُ أرادَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ ، اخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أرْضُ الشامِ وكانَتْ مَسْكَنَهُ ومَوْضِعَ مُلْكِهِ، وخَصَّصَ في هَذِهِ الآيَةِ انْصِرافَهُ في سَفَراتِهِ إلى أرْضِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي سَفَرَهُ إلى المَواضِعِ الَّتِي سافَرَ إلَيْها، و"البَرَكَةُ" في أرْضِ الشامِ بَيِّنَةُ الوُجُوهِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ العاصِفَةَ هي في القُبُولِ عَلى عادَةِ البَشَرِ والدَوابِّ في الإسْراعِ إلى الوَطَنِ، والرُخاءَ كانَتْ في البَدْأةِ حَيْثُ أصابَ، أيْ حَيْثُ يَقْصِدُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقْتُ تَأنٍّ وتَدْبِيرِ وتَقَلُّبِ رَأْيٍ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٍ، والكَلامُ تامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ: "إلى الأرْضِ"، وقَوْلِهِ: "الَّتِي بارَكْنا فِيها" صِفَةٌ لَلرِّيحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأرْضَ الَّتِي يَسِيرُ إلَيْها سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ كائِنَةً ما كانَتْ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسِيرُ إلى أرْضٍ إلّا أصْلَحَها، وقَتَلَ كُفّارَها، وأثْبَتَ فِيها الإيمانَ، وبَثَّ فِيها العَدْلَ، ولا بَرَكَةَ أعْظَمُ مِن هَذا، فَكَأنَّهُ قالَ: إلى أيِّ أرْضٍ بارَكْنا فِيها فَبَعَثْنا سُلَيْمانَ إلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الشَياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ ﴾ ﴿ وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الراحِمِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "يَغُوصُونَ لَهُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: وسَخَّرْنا مِنَ الشَياطِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَتَناسَبُ هَذا مَعَ القِراءَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ" بِالنَصْبِ والرَفْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَغُوصُونَ" جَمْعٌ عَلى مَعْنى "مِن" لا عَلى لَفْظِها، و"الغَوْصُ": الدُخُولُ في الماءِ والأرْضِ، والعَمَلُ دُونَ ذَلِكَ البُنْيانِ وغَيْرِهِ مِنَ الصَنائِعِ والخِدْمَةِ ونَحْوِهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَكُنّا لَهم حافِظِينَ ﴾ ، قِيلَ: مَعْناهُ: مِن إفْسادِهِمْ ما صَنَعُوهُ، فَإنَّهم كانَ لَهُ حِرْصٌ عَلى ذَلِكَ لَوْلا ما حالَ اللهُ تَعالى بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: عادِلِينَ وحاضِرِينَ، أيْ لا يَشِذُّ عن عِلْمِنا وتَسْخِيرِنا أحَدٌ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: " وأيُّوبَ "، أحْسَنُ ما فِيهِ النَصْبُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ أيُّوبَ، وفي قَصَصِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ طُولٌ واخْتِلافٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وتَلْخِيصُ ذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إلى قَوْمٍ، وكانَ كَثِيرَ المالِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وكانَ صاحِبَ البَثَنِيَّةِ مِن أرْضِ الشامِ، فَغَبَرَ كَذَلِكَ مُدَّةً، ثُمْ إنَّ اللهَ تُبارِكُ وتَعالى لَمّا أرادَ مِحْنَتَهُ وابْتِلاهُ أذِنَ لِإبْلِيسَ في أنْ يُفْسِدَ مالَهُ، فاسْتَعانَ بِذُرِّيَّتِهِ فَأحْرَقُوا مالَهُ ونِعَمَهُ أجْمَعَ، فَكانَ كُلَّما أُخْبِرَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَمِدَ اللهَ تَعالى وقالَ: هي عارِيَةٌ اسْتَرَدَّها صاحِبُها والمُنْعِمْ بِها، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ ذَلِكَ جاءَ فَأخْبَرَ بِعَجْزِهِ عنهُ، فَأذِنَ اللهُ لَهُ في إهْلاكِ بَنِيهِ وقَرابَتِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ أجْمَعَ فَدامَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى شُكْرِهِ، فَأخْبَرَهُ إبْلِيسُ بِعَجْزِهِ، فَأذِنَ اللهُ تَعالى لَهُ في إصابَتِهِ في بَدَنِهِ، وحَجَرَ عَلَيْهِ لِسانَهُ وعَيْنَيْهِ وقَلْبَهُ، فَجاءَ إبْلِيسُ وهو ساجِدٌ فَنَفَخَ في أنْفِهِ نَفْخَةً احْتَرَقَ بَدَنُهُ مِنها، وجَعَلَها اللهُ أكَلَةً في بَدَنِهِ، فَلَمّا عَظُمَتْ وتَقْطَّعَ أخْرَجَهُ الناسُ مِن بَيْنِهِمْ وجَعَلُوهُ عَلى سُباطَةٍ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ بَشَرٌ حاشا زَوْجَتِهِ، ويُقالُ: كانَتْ بِنْتَ يُوسُفَ الصَدِيقِ، وقِيلَ: اسْمُها رَحْمَةٌ، وقِيلَ في أيُّوبَ: إنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الرُومِ مِن ذُرِّيَّةِ عِيصُو، فَكانَتْ زَوْجَتُهُ تَسْعى عَلَيْهِ وتَأْتِيهِ يَأْكُلُ وتَقُومُ عَلَيْهِ، فَدامَ في هَذا العَذابِ مُدَّةً طَوِيلَةً، قِيلَ: ثَلاثِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: تِسْعَةُ أعْوامٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ، وهو في كُلِّ ذَلِكَ صابِرٌ شاكِرٌ حَتّى جاءَهُ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ فَوَقَرُوهُ بِالقَوْلِ وأنَّبُوهُ ونَجَهُوهُ وقالُوا: ما صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ هَذا إلّا لِخُبْثِ باطِنِهِ فِيكَ، فَراجَعَهم أيُّوبُ في آخِرِ قَوْلِهِمْ بِكَلامٍ مُقْتَضاهُ أنَّهُ ذَلِيلٌ لا يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ حُجَّةٍ ولا بَيانِ ظُلامَةٍ، فَخاطَبَهُ اللهُ تَعالى مُعاتِبًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ ومُبِينًا أنَّهُ لا حُجَّةَ لِأحَدٍ مَعَ اللهِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ثُمْ عَرَّفَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ قَدْ أذِنَ في صَلاحِ حالِهِ، وعادَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ، فَدَعا أيُّوبُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ ذَلِكَ فاسْتُجِيبَ لَهُ.
ويُرْوى أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَزَلْ صابِرًا لا يَدْعُو في كَشْفِ ما بِهِ، وكانَ - فِيما رُوِيَ - تَقَعُ مِنهُ الدُودُ فَيَرُدُّها بِيَدِهِ حَتّى مَرَّ بِهِ قَوْمٌ كانُوا يُعادُونَهُ فَشَمِتُوا بِهِ فَتَألَّمَ لِذَلِكَ ودَعا حِينَئِذٍ فاسْتُجِيبَ لَهُ، وكانَتِ امْرَأتُهُ غائِبَةً عنهُ في بَعْضِ شَأْنِها فَأنْبَعَ اللهُ لَهُ عَيْنًا وأمْرَ بِالشُرْبِ مِنها فَبَرِئَ باطِنُهُ، وأُمِرَ بِالِاغْتِسالِ فَبَرِئَ ظاهِرُهُ ورُدَّ إلى أفْضَلِ حالهِ، وأُتِيَ بِأحْسَنِ الثِيابِ، وهَبَّ عَلَيْهِ رِجْلٌ مِن جَرادٍ مِن ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنها في ثَوْبِهِ، فَناداهُ اللهُ تَعالى: يا أيُّوبُ ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عن هَذا؟
قالَ: بَلى يا رَبِّ ولَكِنْ لا غِنى لِي عن بَرَكَتِكَ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَلَمْ تَرَهُ عَلى السُباطَةِ فَجَزِعَتْ وظَنَّتْ أنَّهُ أُزِيلَ عنها وجَعَلَتْ تَتَوَلَّهُ.
فَقالَ لَها: ما شَأْنُكِ أيَّتُها المَرْأةُ؟
فَهابَتْهُ لِحُسْنِ هَيْئَتِهِ، فَقالَتْ: إنِّي فَقَدْتُ مَرِيضًا كانَ لِي في هَذا المَوْضِعِ، ومَعالِمُ المَكانِ قَدْ تَغَيَّرَتْ، وتَأمَّلَتْهُ في أثْناءِ المُقاوَلَةِ فَرَأتْ أيُّوبَ، فَقالَتْ لَهُ: أنْتَ أيُّوبُ ؟
فَقالَ لَها: نَعِمْ، فاعْتَنَقَها وبَكى، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُفارِقْها حَتّى أراهُ اللهُ جَمِيعَ مالِهِ حاضِرًا بَيْنَ يَدَيْهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أهْلِهِ ووَلَدَهُ الَّذِينَ آتاهُ اللهُ، فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ في الدُنْيا، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ووَلَدَهُ بِأعْيانِهِمْ، وجَعَلَ مِثْلَهم لَهُ عِدَّةً في الآخِرَةِ، وقِيلَ: بَلْ أُوُتِيَ جَمِيعَ ذَلِكَ في الدُنْيا مِن أهْلٍ ومالٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ﴾ أيْ: وتَذْكِرَةً ومَوْعِظَةً، ولا يَعْبُدُ اللهَ إلّا مُؤْمِنٌ، والذِكْرى إنَّما هي في مِحْنَتِهِ، والرَحْمَةُ في زَوالِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنِّي مَسَّنِيَ الضُرُّ ﴾ تَقْدِيرُهُ: بِأنِّي مَسَّنِي، فَحُذِفَ الجارُّ وبَقِيَتْ "أنِّي" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ مِحْنَةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ قَوْمٍ عَلى مَلِكٍ جارٍ عَلَيْهِمْ فَأغْلَظَ لَهُ القَوْمُ ولَيَّنَ لَهُ أيُّوبُ القَوْلَ خَوْفًا مِنهُ عَلى مالِهِ، فَعاقَبَهُ اللهُ عَلى ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُقالُ لَهُ: ما لَكَ لا تَدْعُو في العافِيَةِ؟
فَكانَ يَقُولُ: إنِّي لَأسْتَحِيِي مِنَ اللهِ أنْ أسْألَهُ زَوالَ عَذابِهِ حَتّى يَمُرَّ عَلَيَّ فِيهِ ما مَرَّ مِنَ الرَخاءِ، وأصابَهُ البَلاءُ - فِيما رُوِيَ - وهو ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ وَأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصالِحِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إسْماعِيلَ، وهو إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَلامُ، وهو أبُو العَرَبِ المَعْرُوفِينَ اليَوْمَ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وإدْرِيسُ هو خَنُوخُ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَ اللهُ مِن بَنِي آدَمَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ خَيّاطًا يُسَبِّحُ اللهَ عِنْدَ إدْخالِ الإبْرَةِ ويَحْمَدُهُ عِنْدَ إخْراجِها، وذُو الكِفْلِ كانَ نَبِيًّا، ورُوِيَ أنَّهُ بُعِثَ إلى رَجُلٍ واحِدٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَكِنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ورُوِيَ أنَّ " ألِيَسَعَ " جَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: مَن يَتَكَفَّلُ لِي بِصِيامِ النَهارِ وقِيامِ اللَيْلِ وألّا يَغْضَبَ وأُوَلِّيهِ النَظَرَ لِلْعِبادِ بَعْدِي؟
فَقامَ إلَيْهِ شابٌّ فَقالَ: أنا لَكَ بِذَلِكَ، فَراجَعَهُ ثَلاثًا في ذَلِكَ يَقُولُ: أنا لَكَ بِذَلِكَ، فاسْتَعْمَلَهُ، فَلَمّا ماتَ " ألِيَسَعَ " قامَ بِالأمْرِ فَجاءَ إبْلِيسُ لِيُغْضِبَهُ - وكانَ لا يَنامُ إلّا في القائِلَةِ - فَكانَ يَأْتِيهِ وقْتَ القائِلَةِ أيّامًا فَيُوقِظُهُ ويَشْتَكِي ظُلامَتِهِ ويَقْصِدُ تَضْيِيقَ صَدْرِهِ، فَلَمْ يَضِقْ بِهِ صَدَرا، ومَضى مَعَهُ لِيُنْصِفَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ ذَلِكَ أبْلَسَ عنهُ، وكَفاهُ اللهُ شَرَّهُ، فَسُمِّيَ " ذا الكِفْلِ " لِأنَّهُ تَكَفَّلَ بِأمْرٍ فَوَفّى بِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَذا النُونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ ذا النُونِ، والنُونُ: الحُوتُ، وصاحِبُهُ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، ونُسِبَ إلى الحُوتِ الَّذِي التَقَمَهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُها في مَوْضِعِها الَّذِي يَقْتَضِيهِ، وهو نَبِيُّ أهْلِ نِينَوى، وهَذا هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ : «مَن قالَ أنّا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى فَقَدْ كَذَبَ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى»، وهَذا الحَدِيثُ وقَوْلُهُ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى» يُتَوَهَّمُ أنَّهُما يُعارِضانِ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى المِنبَرِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ».
والِانْفِصالُ عن هَذا بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما ذِكْرُهُ الناسَ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ» يَتَأخَّرُ في التارِيخِ، وأنَّها مَنزِلَةٌ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِها لَمْ يَكُنْ عَلِمَها وقْتَ تِلْكَ المَقالاتِ الأُخَرِ، والوَجْهُ الثانِي وهو عِنْدِي أجْرى مَعَ حالِ النَبِيِّ ، أنَّهُ إنَّما نُهِيَ عَنِ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مَذْكُورَيْنِ وذَهَبَ مَذْهَبَ التَواضُعِ ولَمْ يَزَلْ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ، ولَكِنَّهُ نَهى أنْ يُفَضَّلَ عَلى مُوسى كَراهَةَ أنْ يَغْضَبَ لِذَلِكَ اليَهُودُ فَيَزِيدُ نِفارَها عَنِ الإيمانِ، وسَبَبُ الحَدِيثِ يَقْتَضِي هَذا، وذَلِكَ أنْ يَهُودِيًّا قالَ: لا والَّذِي فَضَّلَ مُوسى عَلى العالَمِينَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: أتَقُولُ هَذا ورَسُولُ اللهِ بَيْنَ أظْهَرْنا؟
١٤ فُسَرى الأمْرُ وارْتَفَعَ إلى النَبِيِّ فَنَهى عن تَفْضِيلِهِ عَلى مُوسى، ونَهى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن تَفْضِيلِهِ عَلى يُونُسَ لِئَلا يَظُنَّ أحَدٌ بِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ نَقْصَ فَضِيلَةٍ بِسَبَبِ ما وقَعَ لَهُ، فَنَهْيُهُ عَنِ التَفْضِيلِ عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَدِيثٍ ثالِثٍ: «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ».
وهَذا كُلُّهُ مَعَ قَوْلِهِ: «أنا سَيْدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرٍ» وإطْلاقُ الفَضْلِ لَهُ دُونَ اقْتِرانٍ بِأحَدٍ بَيِّنٌ صَحِيحٌ.
وتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ يَلُوحُ، فَقَدْ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلْحُطَيْئَةِ: امْدَحْ مَمْدُوحَكَ ولا تُفَضِّلْ بَعْضَ الناسِ عَلى بَعْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظَةُ "سَيِّدٍ" ولَفْظَةُ "خَيْرٍ" سِيّانِ، فَهَذا مَبْدَأُ جَمْعٍ آخَرَ بَيْنَ الأحادِيثِ يُذْهِبُ ما يُظَنُّ مِنَ التَعارُضِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مُغاضِبًا"، قِيلَ: إنَّهُ غاضَبَ قَوْمَهُ حِينَ طالَ عَلَيْهِ أمْرُهم وتَعَنُّتُهم فَذَهَبَ فارًّا بِنَفْسِهِ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى أمَرَهُ بِمُلازَمَتِهِمْ والصَبْرِ عَلى دُعائِهِمْ، فَكانَ ذَنْبُهُ في مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ شابًّا فَلَمْ يَحْتَمِلْ أثْقالَ النُبُوَّةِ وتَفَسَّخَ تَحْتَها كَما يَتَفَسَّخُ الرُبَعُ تَحْتَ الحِمْلِ، ولِهَذا قِيلَ لِلنَّبِيِّ : ﴿ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ ﴾ أيْ: فاصْبِرْ ودُمْ عَلى الشَقاءِ بِقَوْمِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما غاضَبَ المَلِكَ الَّذِي كانَ عَلى قَوْمِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوٌ مِنَ الأوَّلِ فِيما يَلْحَقُ مِنهُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: إنَّما ذَهَبَ مُغاضِبًا رَبَّهُ واسْتَفَزَّهُ إبْلِيسُ، ورَوَوْا في ذَلِكَ أنْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا طالَ عَلَيْهِ أمْرُ قَوْمِهِ طَلَبَ مِنَ اللهِ عَذابَهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ العَذابَ يَجِيئُهم يَوْمَ كَذا، فَأخْبَرَهم يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: إنْ رَحَلَ عَنّا فالعَذابُ نازِلٌ، وإنْ أقامَ بَيْنَنا لَمْ نُبالِ، فَلَمّا كانَ سَحَرَ ذَلِكَ اليَوْمِ قامَ يُونُسُ فَرَحَلَ فَأيْقَنُوا بِالعَذابِ فَخَرَجُوا بِأجْمَعِهِمْ إلى البَرازِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ صِغارِ البَهائِمْ وأُمَّهاتِها وتَضَرَّعُوا وتابُوا فَرَفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ، وبَقِيَ يُونُسُ في مَوْضِعِهِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ يَنْتَظِرُ الخَبَرَ، فَلَمّا عَرَفَ أنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا ساءَهُ أنْ عَدُّوهُ كاذِبًا، وقالَ: واللهِ لا انْصَرَفْتُ إلَيْهِمْ أبَدًا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِن دِينِهِمْ قَتْلُ الكَذّابِ، فَغَضِبَ حِينَئِذٍ عَلى رَبِّهِ وخَرَجَ عَلى وجْهِهِ حَتّى دَخَلَ في سَفِينَةٍ في البَحْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ مِنَ الضَعْفِ ما لا خَفاءَ بِهِ مِمّا لا يُتَّصَفُ بِهِ نَبِيٌّ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَفَزَّهُ إبْلِيسُ ووَقَّعَ في ظَنِّهِ إمْكانَ أنْ لَنْ يَقْدِرَ اللهُ عَلَيْهِ بِمُعاقَبَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: " ظَن أن له نقدر عليه " أنْ لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ في مَذْهَبِهِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: " يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر "، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ القَدَرِ، أيْ ظَنَّ أنْ لَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الكَلامُ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أيْ: أفَظَنَ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؟
وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: "أفَظَنَّ" بِالألِفِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "نُقَدِّرَ" بِضَمِّ النُونِ وفَتْحِ القافِ وشَدِّ الدالِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَظَنَّ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ"، وعنهُ أيْضًا: "نَقْدِرَ"، وبَعْدَ هَذا الكَلامِ حَذَفٌ كَثِيرٌ اقْتُضِبَ لِبَيانِهِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
المَعْنى: فَدَخَلَ البَحْرَ وكَذا وكَذا حَتّى التَقَمَهُ الحُوتُ وصارَ في ظُلْمَةِ جَوْفِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في جَمْعِ "الظُلُماتِ" ما المُرادُ بِهِ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ظُلْمَةُ اللَيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ الحُوتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ حُوتٍ التَقَمَ الحُوتَ الأوَّلَ، وظُلْمَةُ الحُوتِ الأوَّلِ الَّذِي التَقَمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُعَبَّرَ بِالظُلُماتِ عن جَوْفِ الحُوتِ الأوَّلِ فَقَطْ، كَما قالَ: ﴿ فِي غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ ، وكُلُّ جِهاتِهِ ظُلْمَةٌ فَجَمْعُها سائِغٌ، ورُوِيَ أنْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ سَجَدَ في جَوْفِ الحُوتِ حِينَ سَمِعَ تَسْبِيحَ الحِيتانِ في قَعْرِ البَحْرِ، ثُمْ قالَ في دُعائِهِ: "اللهم إنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ لَمْ يَتَّخِذْهُ أحَدٌ قَبْلِي".
و"أنْ" مُفَسِّرَةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: "أنِ امْشُوا"، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَوْلُهُ: "مِنَ الظالِمِينَ" يُرِيدُ فِيما خالَفَ فِيهِ مِن تَرْكِ مُداوَمَةِ قَوْمِهِ والصَبْرِ عَلَيْهِمْ، هَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ غَيْرِهِ، فاسْتَجابَ اللهُ لَهُ وأخْرَجَهُ إلى البَرِّ، ووَصْفُ هَذا يَأْتِي في مَوْضِعِهِ.
و"الغَمُّ" ما كانَ نالَهُ حِينَ التَقَمَهُ الحُوتُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نُنْجِي" بِنُونَيْنِ الثانِيَةُ ساكِنَةٌ، وقَرَأ عاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "نُجِّي" بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وشَدِّ الجِيمِ، ورُوَيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُنَجِّي" بِنُونَيْنِ الأُولى مَضْمُومَةٌ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ والجِيمُ مُشَدَّدَةٌ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى والثالِثَةُ فَبَيِّنَتانِ، والأُولى فِعْلُها مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ، والأُخْرى بِالتَضْعِيفِ، وأمّا القِراءَةُ الوُسْطى الَّتِي هي بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ ساكِنَةٍ فَقالَ أبُو عَلَيٍّ: لا وجْهَ لَها، وإنَّما هي وهْمٌ مِنَ السامِعِ، وذَلِكَ أنَّ عاصِمًا قَرَأ: "نُنْجِي" والنُونُ الثانِيَةُ لا يَجُوزُ إظْهارُها لِأنَّها تُخْفى مَعَ هَذِهِ الحُرُوفِ، يَعْنِي الجِيمَ وما جَرىَ مَجْراها، فَجاءَ الإخْفاءُ يُشْبِهُها بِالإدْغامِ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ "نُنْجِي" ثُمْ يَدَعُو اجْتِماعُ النُونَيْنِ إلى إدْغامِ إحْداهِما في الجِيمِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ إنَّما يَدْعُو إلى ذَلِكَ إذا كانَتِ الحَرَكَةُ فِيهِما مُتَّفِقَةً، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ "نُنَجِّي" وتُسَكَّنُ الياءُ ويَكُونُ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَّمَ فاعِلُهُ المَصْدَرَ، كَأنَّهُ قالَ: نُجِّيَ النَجاءُ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ هَذِهِ لا تَجِيءُ إلّا في ضَرُورَةٍ، فَلَيْسَتْ في كِتابِ اللهِ تَعالى، والشاهِدُ فِيها قَوْلُ الشاعِرِ: ولَوْ ولَدَتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا وأيْضًا فَإنَّ الفِعْلَ الَّذِي بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ إذا كانَ ماضِيًا لَمْ يُسَكَّنْ آخِرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَصاحِفُ فِيها نُونٌ واحِدَةٌ كُتِبَتْ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ النُونُ الثانِيَةُ مَخْفِيَّةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ ﴾ تَقَدَّمَ أمْرُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ في سُورَةِ مَرْيَمَ، وإصْلاحِ الزَوْجَةِ، قِيلَ: بِأنْ جَعَلَها تَحْمَلُ وهِي عاقِرٌ، فَحاضَتْ وحَمَلَتْ، وهَذا هو الَّذِي يُشْبِهُ الآيَةَ، وقِيلَ: بِأنْ أُزِيلَ بَذاءٌ كانَ في لِسانِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وعُمُومُ اللَفْظَةِ يَتَناوَلُ كُلَّ وُجُوهِ الإصْلاحِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَدْعُونَنا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَدْعُونا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "رَغَبًا" بِفَتْحِ الراءِ والغَيْنِ، "وَرَهَبًا" كَذَلِكَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الراءِ فِيهِما وبِسُكُونِ الغَيْنِ والهاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِ الراءِ وسُكُونِ الغَيْنِ والهاءِ، والمَعْنى أنَّهم يَدْعُونَ في وقْتِ تَعَبُّدِهِمْ وهم بِحالِ رَغْبَةٍ ورَجاءٍ ورَهْبَةٍ وخَوْفٍ في حالٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ الرَغْبَةَ والرَهْبَةَ مُتَلازِمَتانِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: الرَغَبُ أنْ تُرْفَعَ بُطُونُ الأكُفِّ نَحْوَ السَماءِ، والرَهَبُ أنْ تُرْفَعَ ظُهُورُهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا أنَّ عادَةَ كُلِّ داعٍ مِنَ البَشَرِ أنْ يَسْتَعِينَ بِيَدَيْهِ، فالرَغَبُ - مِن حَيْثُ هو طَلَبٌ - يَحْسُنُ مَعَهُ أنْ يُوَسِّعَ باطِنَ الراحِ نَحْوَ المَطْلُوبِ مِنهُ؛ إذْ هو مَوْضِعُ الإعْطاءِ، وبِها يَتَمَلَّكُ، والرَهَبُ - مِن حَيْثُ هو دَفْعُ مَضَرَّةٍ - يَحْسُنُ مَعَهُ طَرْحُ ذَلِكَ والإشارَةُ إلى ذِهابِهِ وتَوَقِّيهِ بِنَفْضِ اليَدَيْنِ ونَحْوِهِ.
و"الخُشُوعُ": التَذَلُّلُ بِالبَدَنِ المُتَرَكِّبِ عَلى التَذَلُّلِ بِالقَلْبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ ﴾ ﴿ وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ ﴾ ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرِ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها: وهي مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ أُمْ عِيسى عَلَيْهِما السَلامُ.
و"الفَرْجُ" - فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ -: الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ، وفي إحْصانِها هو المَدْحُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَرْجُ هُنا فَرْجُ ثَوْبِها الَّذِي مِنهُ نَفَخَ المَلَكُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وأمّا نَفْخُ الوَلَدِ فِيها فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّما نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، وأضافَ "الرُوحَ" إضافَةَ المِلْكِ إلى المالِكِ، و"ابْنُها": هو عِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأرادَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ مَجْمُوعَ قِصَّةِ عِيسى وقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها آيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ.
و"لِلْعالَمِينَ" يُرِيدُ: لِمَن عاصَرَ فَما بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا خِطابًا لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ثُمْ أخْبَرَ عَنِ الناسِ أنَّهم تَقَطَّعُوا، ثُمْ وعَدَ وأوعَدَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، أيْ: جَعَلْنا مَرْيَمَ وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ بِأنْ بَعَثَ لَهم بِمَلَّةٍ وكِتابٍ، وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ ، أيْ دَعا الجَمِيعَ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبادَتِهِ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ، ثُمْ فَرَّقَ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ فَذَكَرَ المُحْسِنَ بالوَعْدِ، أيْ: فَمَن عَمِلَ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَهو بِسَعْيِهِ يُجازى، وذَكَرَ المُسِيءَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ الآيَةَ، فَتَأمَّلِ الوَعِيدَ فِيها عَلى كُلِّ قَوْلٍ تَذْكِرَةٌ فَإنَّهُ بَيِّنٌ، و"الكُفْرانُ" مَصْدَرٌ كالكُفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَأيْتُ أُناسًا لا تَنامُ خُدُودُهم وخَدِّي ولا كُفْرانَ لِلَّهِ نائِمْ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَحَرامٌ" فَقَرَأ عِكْرَمَةُ وغَيْرُهُ: "وَحَرِمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "وَحَرامٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "وَحِرْمٌ" بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ العَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ عنهُ -: "وَحَرْمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وقَرَأتْ فْرْقَةٌ: "وَحَرَّمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ وشَدِّ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَحُرِّمَ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ: "وَحَرُمَ" بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الراءِ.
والمُسْتَفِيضُ مِن هَذِهِ القِراءاتِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَحِرْمٌ"، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَحَرامٌ"، وهُما مَصْدَرانِ مِثْلُ "الحِلِّ والحَلالِ".
فَأمّا مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: حَرامٌ وحِرْمٌ مَعْناهُ: جَزْمٌ وحَتْمٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى الدُنْيا فَيَتُوبُونَ ويُسْتَعْتَبُونَ، بَلْ هم صائِرُونَ إلى العَذابِ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "الإهْلاكُ" هو بالطَبْعِ عَلى القُلُوبِ ونَحْوُهُ، و"الرُجُوعُ" هو إلى التَوْبَةِ والإيمانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المَعْنى: وحَرامٌ، أيْ: مُمْتَنِعٌ - وحِرْمٌ كَذَلِكَ - عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، وقالُوا: لا زِيادَةَ في الكَلامِ.
واخْتَلَفُوا في "الإهْلاكِ والرُجُوعِ" بِحَسَبِ القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، قالَ أبُو عَلَيٍّ: يَحْتَمِلُ أنْ يَرْتَفِعَ "حَرامٌ" بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ رُجُوعُهُمْ، و"لا" زائِدَةٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْتَفِعَ "حَرامٌ" عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: والإقالَةُ والتَوْبَةُ حَرامٌ، ثُمْ يَكُونُ التَقْدِيرُ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ، فَتَكُونُ "لا" عَلى بابِها، كَأنَّهُ قالَ: هَذا عَلَيْهِمْ مُمْتَنِعٌ بِسَبَبِ كَذا، فَقالَ تَحْرِيمٌ في الآيَةِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَ كَتَحْرِيمِ الشَرْعِ الَّذِي إنْ شاءَ المَنهِيُّ عنهُ رَكِبَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ في الآيَةِ مَعْنًى ضِمْنُهُ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ مَن عَمِلَ صالِحًا وهو مُؤْمِنٌ، ثُمْ عادَ إلى ذِكْرِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ مِن كُفْرِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّهم لا يُحْشَرُونَ إلى رَبٍّ، ولا يَرْجِعُونَ إلى مَعادٍ، فَهم يَظُنُّونَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا عِقابَ يَنالُهُمْ، فَجاءَتِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لِظَنِّ هَؤُلاءِ، أيْ: "مُمْتَنِعٌ عَلى الكَفَرَةِ المُهْلَكِينَ أنْ لا يُرْجَعُونَ، بَلْ هم راجِعُونَ إلى عِقابِ اللهِ وألِيمِ عَذابِهِ"، فَتَكُونُ "لا" عَلى بابِها، والحَرامُ عَلى بابِهِ، وكَذِلِكَ الحِرْمُ فَتَأمَّلْهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾ ﴿ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ ﴾ تَحْتَمِلُ "حَتّى" - في هَذِهِ الآيَةِ - أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "وَتَقَطَّعُوا"، وتَحْتَمِلُ - عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةِ - أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ "يُرْجَعُونَ"، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حَرْفَ ابْتِداءٍ: وهو الأظْهَرُ بِسَبَبِ "إذا"؛ لِأنَّها تَقْتَضِي جَوابًا وهو المَقْصُودُ ذِكْرُهُ.
واخْتُلِفَ هُنا في الجَوابِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ قَوْلُهُ: " اقترب الوعد " والواوُ زائِدَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - مِنها الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: الجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يا ويْلَنا"، التَقْدِيرُ: قالُوا يا ويْلَنا، ولَيْسَتِ الواوُ بِزائِدَةٍ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ الجَوابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا هي شاخِصَةٌ ﴾ ، وهَذا هو المَعْنى الَّذِي قُصِدَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ رُجُوعُهُمُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وحُرِّمْ عَلَيْهِمُ امْتِناعُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فُتِحَتْ" بِتَخْفِيفِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "فُتِّحَتْ" بِتَثْقِيلِها.
ورُوِيَ أنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يُشْرِفُونَ في كُلِّ يَوْمٍ عَلى الفَتْحِ فُيَقُولُونَ: غَدًا يُفْتَحُ، ولا يَرُدُّونَ المَشِيئَةَ إلى اللهِ تَعالى، فَإذا كانَ الغَدُ وجَدُوا الرَدْمَ كَأوَّلِهِ، حَتّى إذا أذِنَ اللهُ في فَتْحِهِ قالَ قائِلُهُمْ: غَدًا نَفْتَحُهُ إنْ شاءَ اللهُ، فَيَجِدُونَهُ كَما تَرَكُوهُ قَرِيبَ الِانْفِتاحِ فَيَفْتَحُونَهُ حِينَئِذٍ.
وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: " يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ " بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَسْهِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ تَوْجِيهُ ذَلِكَ وكَثِيرٌ مِن حِالِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فَغَنَيْناها هُنا عن إعادَةِ ذَلِكَ.
و"الحَدَبُ" كُلُّ مُسَنَّمٍ مِنَ الأرْضِ كالجَبَلِ والظَرِبِ والكُدْيَةِ والقَبْرِ ونَحْوِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وُهُمْ" يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، يَعْنِي أنَّهم يَطْلُعُونَ مِن كُلِّ ثَنِيَّةٍ ومُرْتَفَعٍ ويَعُمُّونَ الأرْضَ، وذَلِكَ أنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ قالَ رَسُولُ اللهِ : «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: يا آدَمُ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ مِن ذُرِيَّتِكَ، فَيُخْرِجُ مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ قالَ: فَفَزِعَ الناسُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "إنَّ مِنكم رَجُلًا ومِن يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ألْفُ رَجُلٍ»، ويُرْوى أنَّ الرَجُلَ مِنهم لا يَمُوتُ حَتّى يُوَلَدَ لَهُ ألْفُ ولَدٍ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ.
وقالَتِ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وُهُمْ" جَمِيعُ العالَمِ، وإنَّما هو تَعْرِيفٌ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن كُلُّ جَدَثٍ"، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ.
و"يَنْسِلُونَ" مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ في تَطامُنٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَسَلانُ الذِئْبِ أمْسى قارِبًا بَرْدَ اللَيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي سَعِيدٍ قالَ: يَخْرُجُ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ فَلا يَتْرُكُونَ أحَدًا إلّا قَتَلُوهُ إلّا أهْلَ الحُصُونِ، فَيَمُرُّونَ عَلى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةِ، فُيَمُرُّ آخِرُهم فَيَقُولُ: كانَ ها هُنا ماءٌ، فَيَبْعَثُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَغَفَ حَتّى يَكْسَرَ أعْناقَهُمْ، فَيَقُولُ أهْلُ الحُصُونِ: لَقَدْ هَلَكَ أعْداءُ اللهِ، فَيُدْلُونَ رَجُلًا يَنْظُرُ فَيَجِدُهم قَدْ هَلَكُوا، قالَ: فَيُنْزِلُ اللهُ ماءً مِنَ السَماءِ فَيَقْذِفُ بِهِمْ في البَحْرِ فَيُطَهِّرُ الأرْضَ مِنهم، وفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ نَحْوُ هَذا، وفي آخِرِهِ قالَ: وعِنْدَ ذَلِكَ طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَأى صِبْيانًا يَلْعَبُونَ ويَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ فَقالَ: هَكَذا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «إنَّ الرَجُلَ لَيَتَّخِذُ الفَلُوَّ مِن بَعْدِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فَلا يَبْلُغُ مَنفَعَتَهُ حَتّى تَقُومَ الساعَةُ»، وقَوْلُهُ: "هِيَ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها ضَمِيرُ القِصَّةِ، كَأنَّهُ قالَ: فَإذا القِصَّةُ أوِ الحادِثَةُ شاخِصَةٌ أبْصارُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ضَمِيرَ "الأبْصارِ" تَقَدَّمَتْ لِدِلالَةِ الكَلامِ، ويَجِيءُ ما يُفَسِّرُها، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ: فَلا وأبِيها لا تَقُولُ خَلِيلَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ والشُخُوصُ بِالعَيْنِ: إحْدادُ النَظَرِ دُونَ أنْ يَطْرِفَ، وذَلِكَ يَعْتَرِي مِنَ الخَوْفِ المُفْرِطِ أو عِلَّةٍ أو نَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ: "يا ويْلَنا" تَقْدِيرُهُ: يا ويْلَنا لَقَدْ كانَتْ بِنا غَفْلَةٌ عَمّا وجَدْنا الآنَ وتَبَيَّنّا مِنَ الحَقائِقِ، ثُمْ تَرَكُوا الكَلامَ الأوَّلَ ورَجَعُوا إلى نَقْدِ ما كانَ يُداخِلُهم مِن تَعَمُّدِ الكُفْرِ وقَصْدِ الإعْراضِ فَقالُوا:، ﴿ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ ﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ، أيْ: إنَّكم وأصْنامَكم حَصَبُ جَهَنَّمَ، و"الحَصَبُ": ما تُوقَدُ بِهِ النارُ، إمّا لِأنَّها تُحْصَبُ بِهِ أيْ تُرْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ لُغَةً في الحَطَبِ إذا رُمِيَ، وأمّا قَبْلَ أنْ تُرْمى فَلا يُسَمّى حَصَبًا إلّا بِتَجَوُّزٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَصَبُ" بِالصادِ مَفْتُوحَةً، وسَكَّنَها ابْنُ السَمَيْفَعِ ؛ وذَلِكَ عَلى إيقاعِ المَصْدَرِ مَوْقِعَ اسْمِ المَفْعُولِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ: "حَطَبُ جَهَنَّمَ" بِالطاِءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما: "حَضَبُ جَهَنَّمِ" بِالضادِ مَنقُوطَةً مَفْتُوحَةً، وسَكَّنَها كَثِيرٌ غَيْرُهُ، والخَضَبُ أيْضًا ما يُرْمى بِهِ في النارِ لِتُوقَدَ بِهِ، والمَحْضِبُ العُودُ الَّذِي تُحَرَّكُ بِهِ النارُ أوِ الحَدِيدَةُ ونَحْوُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَكُ في حَرْبِنا مُحْضِبًا لِتَجْعَلَ قَوْمَكَ شَتّى شُعُوبا وقُولُهُ تَعالى: "وَما تَعْبُدُونَ" يُرِيدُ الأصْنامَ، وحَرَّقَها بِالنارِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِعابِدِها، ومِن حَيْثُ تَقَعُ "ما" لِمَن يَعْقِلُ في بَعْضِ المَواضِعِ اعْتَرَضَ في هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبَعْرى عَلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ: إنَّ عِيسى وعُزَيْرًا ونَحْوُهُما قَدْ عُبِدا مِن دُونِ اللهِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونا حَصَبًا لِجَهَنَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ الآيَةَ، ثُمْ قَرَّرَ الأمْرَ بِالإشارَةِ إلى الأصْنامِ الَّتِي أراها في قَوْلِهِ: "ما تَعْبُدُونَ" فَقالَ: ﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها ﴾ ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "هَؤُلاءِ" مِن حَيْثُ هي عِنْدَهم بِحالِ مَن يَعْقِلُ، و"الوُرُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ وُرُودُ الدُخُولِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عنها مُبْعَدُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ ﴾ ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِمَّنْ تَوَعَّدَ.
و"الزَفِيرُ": صَوْتُ المُعَذَّبِ، وهو كَشَهِيقِ الحَمِيرِ وشِبْهِهِ إلّا أنَّهُ مِنَ الصَدْرِ، وقَوْلُهُ: "لا يَسْمَعُونَ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لا يَسْمَعُونَ خَيْرًا ولا سارًّا مِنَ القَوْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ عَذابَهم أنْ يُجْعَلُوا في تَوابِيتَ في داخِلِ تَوابِيتَ أُخَرَ فَيَصِيرُونَ هُنالِكَ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا.
ولَمّا اعْتَرَضَ ابْنُ الزِبَعْرى بِأمْرِ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ، وُعُزَيْرٍ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ مُبَيِّنَةً أنَّ هَؤُلاءِ لَيْسُوا تَحْتَ المُرادِ لِأنَّهم لَمْ يَرْضَوْا ذَلِكَ ولا دَعَوْا إلَيْهِ، و"الحُسْنى" يُرِيدُ كَلِمَةَ الرَحْمَةِ والحَتْمِ بِالتَفْضِيلِ.
و"الحَسِيسُ": الصَوْتُ، وهو بِالجُمْلَةِ ما يَتَأدّى إلى الحِسِّ مِن حَرَكَةِ الأجْرامِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَهم بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةِ، لِأنَّ الحَدِيثَ يَقْتَضِي أنَّ في المَوْقِفِ تَزْفَرُ جَهَنَّمُ زَفْرَةً لا يَبْقى نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ إلّا جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ.
و"الفَزَعُ الأكْبَرُ" عامٌّ في كُلِّ هَوْلٍ يَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَكَأنْ يَوْمَ القِيامَةِ بِجُمْلَتِهِ هو الفَزَعُ الأكْبَرُ، وإنْ خُصِّصَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يُقْصَدَ لِأعْظَمِ هَوْلِهِ.
قالَتْ فِرْقَةٌ في ذَلِكَ: هو ذَبْحُ المَوْتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو وُقُوعُ طَبَقِ جَهَنَّمَ عَلى جَهَنَّمَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو الأمْرُ بِأهْلِ النارِ إلى النارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو وقْتُ النَفْخَةِ الآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وما قَبْلَهُ مِنَ الأوقاتِ أشْبَهُ أنْ يَكُونَ فِيها الفَزَعُ لِأنَّها وقْتٌ لِرَجْمِ الظُنُونِ وتَعَرُّضِ الحَوادِثِ، فَأمّا وقْتُ ذَبْحِ المَوْتِ ووَقْعِ طَبَقِ جَهَنَّمَ فَوَقْتٌ قَدْ حُصِّلَ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، فَذَلِكَ فَزَعٌ بَيِّنٌ أنَّهُ لا يُصِيبُ أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَضْلًا عَنِ الأنْبِياءِ، اللهم إلّا أنْ يُرِيدَ: لا يَحْزُنُهُمُ الشَيْءُ الَّذِي هو عِنْدَ أهْلِ النارِ فَزَعٌ أكْبَرُ، فَأمّا إنْ كانَ فَزَعًا لِلْجَمِيعِ فَلا بُدَّ مِمّا قُلْنا مِن أنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ يَعُمْ كُلَّ مُؤْمِنٍ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: عُثْمانُ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وِلا مِرْيَةَ أنَّها مَعَ نُزُولِها في خُصُوصٍ مَقْصُودٍ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن سُعِدَ في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يُرِيدُ بِالسَلامِ عَلَيْهِمْ والتَبْشِيرِ لَهُمْ، أيْ: هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي وُعِدْتُمْ فِيهِ الثَوابَ والنَعِيمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَماءَ كَطَيِّ السِجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَبُورِ مِن بَعْدِ الذِكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصالِحُونَ ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَطْوِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَطْوِي السَماءَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى مَعْنى: يَطْوِي اللهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُطْوى" بِتاءْ مَضْمُومَةٍ وبِرَفْعِ "السَماءِ" عَلى ما لَمْ يُسَّمَ فاعِلُهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "السِجِلِّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: مَلَكٌ يَطْوِي الصُحُفَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: رَجُلٌ كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ .
وهَذا كُلُّهُ وما شاكَلَهُ ضَعِيفٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِجِلُّ: الصَحِيفَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها، والمَعْنى: "كَطَيِّ السِجِلِّ" أيْ: كَما يُطْوى السِجِلُّ مِن أجْلِ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ: كَما يَطْوِي السِجِلُّ الكِتابَ الَّذِي فِيهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَوْمَ نَطْوِي كالهَيْئَةِ الَّتِي فِيها طَيُّ السِجِلِّ لِلْكِتابِ، فَفي التَشْبِيهِ تَجَوُّزٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "السِجْلِ" بِشَدِّ السِينِ وسُكُونِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللامِ، وفَتَحَ أبُو السَمالِ السِينَ فَقَرَأها: "السَجْلَ"، وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ: "السُجُلُ" بَضَمِّ السِينِ وشَدِّها وضَمِّ الجِيمِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِلْكِتابِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "لِلْكُتُبِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ البَعْثِ، أيْ: كَما اخْتَرَعْنا الخَلْقَ أولًا عَلى غَيْرِ مِثالٍ كَذَلِكَ نُنْشِئُهم تارَةً أُخْرى فَنَبْعَثُهم مِنَ القُبُورِ، والثانِي أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن أنَّ كُلَّ شَخْصٍ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى هَيْئَتِهِ الَّتِي خَرَجَ بِها إلى الدُنْيا، ويُؤَيُّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «يُحْشَرُ الناسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ».
والكافُ في قَوْلِهِ: "كَما بَدَأْنا" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "نُعِيدُهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ، بِمَعْنى أنَّ الأمْرَ واجِبٌ فِيهِ ذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الزَبُورُ": اسْمٌ يَعُمْ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مَن "زَبَرْتُ الكِتابَ": إذا كَتَبْتُهُ، قالَتْ فَرِقَّةٌ: و"الذِكْرُ" أرادَ بِهِ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الذِكْرُ الَّذِي في السَماءِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزَبُورُ هو زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والذِكْرُ أرادَ بِهِ التَوْراةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزَبُورُ ما بَعْدَ التَوْراةِ مِنَ الكُتُبِ، والذِكْرُ التَوْراةُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "الزَبُورَ" بِضَمِّ الزايِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الأرْضَ" أرادَ بِها أرْضَ الدُنْيا، أيْ كُلَّ ما يَنالُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأرْضِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ أرْضَ الجَنَّةِ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأورَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الإخْبارَ عَمّا كانَ صَنَعَهُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: فاعْلَمُوا أنّا كُنّا وفِينا لَهم بِما وعَدْناهُمْ، فَكَذَلِكَ نُنْجِزُ لَكم ما وعَدْناكم مِنَ النُصْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فِي هَذا" إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ بِجُمْلَتِهِ، والعِبادَةُ تَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِاللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: عَمَّ العالَمِينَ وهو يُرِيدُ مَن آمَنَ فَقَطْ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ لَيْسَ بِرَحْمَةٍ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ وماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العالَمُونَ عامٌّ ورَحْمَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بَيِّنَةٌ، وهي لِلْكافِرِينَ بِأنَّ اللهَ تَعالى رَفَعَ عَنِ الأُمَمِ أنْ يُصِيبَهم ما كانَ يُصِيبُ القُرُونَ قَبْلَهم مِن أنْواعِ العَذابِ المُسْتَأْصِلَةِ كالطُوفانِ وغَيْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وما أرْسَلْناكَ لِلْعالَمِينَ إلّا رَحْمَةً، أيْ: هو رَحْمَةٌ في نَفْسِهِ وهُدًى، أخَذَ بِهِ مَن أخَذَ، وأعْرَضَ عنهُ مَن أعْرَضَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى سَواءٍ وإنْ ﴾ مَعْناهُ: عَرَّفْتُكم بِنِذارَتَيْ، وأرَدْتُ أنْ تُشارِكُونِي في مَعْرِفَةِ ما عِنْدِي مِنَ الخَوْفِ عَلَيْكم مِنَ اللهِ.
ثُمْ أعْلَمَهم بِأنَّهُ لا يَعْرِفُ تَعْيِينَ وقْتٍ لِعِقابِهِمْ، بَلْ هو مُتَرَقِّبٌ في القُرْبِ والبُعْدِ، وهَذا أهْوَلُ وأخْوَفُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ، أيْ: يَعْلَمُ جَمِيعَ الأشْياءِ الواقِعَةِ مِنكُمْ، وهو بِالمِرْصادِ في الجَزاءِ عَلَيْها.
وقَرَأ يَحْيى بْنِ عامِرٍ: "وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ" "وَإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ" بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، وأنْكَرَ ابْنُ مُجاهِدٍ فَتْحَ هَذِهِ الياءِ، ووَجْهُهُ أبُو الفَتْحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهُ" الضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى الإمْلاءِ لَهُمْ، وصَفْحِ اللهِ تَعالى عن عَذابِهِمْ، وتَمادِي النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ.
و "فِتْنَةٌ" مَعْناها: امْتِحانٌ وابْتِلاءٌ، و "المَتاعُ" ما يَسْتَمْتِعُ بِهِ مُدَّةَ الحَياةِ الدُنْيا.
ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ عَلى جِهَةِ الدُعاءِ: ﴿ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ﴾ ، والدُعاءُ بِهَذا ها هُنا فِيهِ تَوَعُّدٌ، أيْ: إنَّ الحَقَّ إنَّما هو نُصْرَتِي عَلَيْكُمْ، وأمْرُ اللهِ تَعالى بِهَذا الدُعاءِ دَلِيلٌ عَلى الإجابَةِ والعِدَّةِ بِها.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "رَبِّ احْكُمْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنِ القَعْقاعِ: "رَبِّ" بِالرَفْعِ عَلى المُنادى المُفْرَدِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "رَبِّيَ أحْكَمُ" عَلى وزْنِ أفْعَلُ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "رَبِّي أحْكَمَ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعانِي هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ.
ثُمْ تَوَكَّلَ في آخِرِ الآيَةِ واسْتَعانَ بِاللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قُلْ رَبِّ احْكُمْ"، وقَرَأ عاصِمْ - فِيما رُوِيَ عنهُ -: "قالَ رَبِّ احْكُمْ".
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "عَلى ما يَصِفُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ والناسُ: "عَلى ما تَصِفُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى المُخاطَبَةِ.
كَمَلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْبِياءِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ