المحرر الوجيز سورة طه

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة طه

تفسيرُ سورةِ طه كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 168 دقيقة قراءة

تفسير سورة طه كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

طه ١ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ٢ إِلَّا تَذْكِرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰ ٣ تَنزِيلًۭا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ٤ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ٥ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ٦ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ٧ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ٨

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ وآياتُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ ومِائَةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ طه ﴾ ﴿ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى ﴾ ﴿ إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ﴿ تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا ﴾ ﴿ الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَرى ﴾ ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ طه ﴾ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في كُلِّ الحُرُوفِ المُتَقَدِّمَةِ في أوائِلِ السُورِ، إلّا قَوْلُ مَن قالَ هُناكَ: إنَّ الحُرُوفَ إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَما تَقُولُ: "أ، ب، ج"، فَإنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ ها هُنا؛ لَأنَّ ما بَعْدَ "طَهَ" مِنَ الكَلامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عن "طَهَ".

واخْتَصَّتْ "طَهَ" بِأقْوالٍ لا تَتَرَتَّبُ في أوائِلِ السُوَرِ المَذْكُورَةِ، فَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُ مَن قالَ: "طَهَ" مَعْناهُ: "يا رَجُلُ" بِالسُرْيانِيَّةِ وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن لُغاتِ العَجَمِ، وحُكِيَ أنَّها لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ في عَكٍّ، وأنْشَدَ الطَبَرَيُّ في ذَلِكَ: دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا وَيُرْوى: مُزايِلًا.

وقالَ الآخَرُ: إنَّ السَفاهَةَ طَهَ مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ إنَّما هو ما كانَ رَسُولُ اللهِ  يَتَحَمَّلُهُ مِن مَشَقَّةِ الصَلاةِ حَتّى كانَتْ قَدَماهُ تَتَوَرَّمُ ويَحْتاجُ إلى التَرْوِيحِ، فَقِيلَ لَهُ: طا الأرْضَ، أيْ: لا تَتْعَبْ حَتّى تَحْتاجَ إلى التَرْوِيحِ، فالضَمِيرُ في "طَهَ" لِلْأرْضِ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ألِفًا ساكِنَةً.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طَهَ"، وأصْلُهُ: طَأْ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُدْخِلَتْ هاءُ السَكْتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ والهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن قالُونَ عن نافِعٍ، ورَوى يَعْقُوبُ عنهُ كَسْرَها، ورُوِيَ عنهُ بَيْنَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَتْ فِرْقَةٌ، وفَخَّمَتْ فَرِقَّةٌ، والتَفْخِيمُ لُغَةُ الحِجازِ والنَبِيِّ  ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةٌ، والكِسائِيُّ: "طَهَ" بِكَسْرِ الطاءِ والهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "طَهَ" بِفَتْحِ الطاءِ وكَسْرِ الهاءِ، ورُوِيَ عَنِ الضِحاكِ وعَمْرِو بْنِ فائِدٍ أنَّهُما قَرَآ: "طاوِي".

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِتَشْقى" مَعْناهُ التَبَلُّغُ مِن نَفْسِكَ في العِبادَةِ والقِيامِ في الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَبَبُ الآيَةِ أنَّ / قُرَيْشًا نَظَرَتْ إلى عَيْشِ رَسُولِ اللهِ  وشَظَفِهِ وكَثْرَةِ عِيالِهِ، فَقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَعَ رَبِّهِ في شَقاءٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ رادَّةً عَلَيْهِمْ، أيْ: إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْزِلِ القُرْآنَ لِيَجْعَلَ مُحَمَّدًا شَقِيًّا، بَلْ لِيَجْعَلَهُ أسْعَدُ بَنِي آدَمَ في النَعِيمِ المُقِيمِ في أعْلى المَراتِبِ، فالشَقاءُ الَّذِي رَأيْتُمْ هو تَنَعُّمُ النَفْسِ، ولا شَقاءَ مَعَ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ في لَفْظَةِ الشَقاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ يَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ ﴿ لِتَشْقى ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلْناهُ تَذْكِرَةً.

و"يَخْشى" يَتَضَمَّنُ الإيمانَ والعَمَلَ الصالِحَ؛ إذِ الخَشْيَةُ باعِثَةٌ عَلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ تَنْزِيلا ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَماواتِ العُلا ﴾ صِفَةٌ أقامَها مَقامَ المَوْصُوفِ، وأفادَ ذَلِكَ العِبْرَةَ والتَذْكِرَةَ وتَحْقِيرَ الأوثانِ وبَعْثَ النُفُوسِ عَلى النَظَرِ.

و"العُلى" جَمْعُ عُلْيا، فُعْلى.

وقَوْلُهُ: ﴿ الرَحْمَنُ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "خَلَقَ".

وقَوْلُهُ: ﴿ اسْتَوى ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو بِمَعْنى: اسْتَوْلى، وقالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: هو بِمَعْنى اسْتِواءُ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً، وقالَ الشَعْبِيُّ وجَماعَةٌ غَيْرِهِ: هَذا مِن مُتَشابِهِ القُرْآنِ، نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْرِضُ لِمَعْناهُ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ لِرَجُلٍ سَألَهُ عن هَذا الِاسْتِواءِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والسُؤالُ عن هَذا بِدَعَةٌ، وأظُنُّكَ رَجُلَ سُوءٍ، أخْرَجُوهُ عَنِّي، فَأدْبَرَ السائِلُ وهو يَقُولُ: يا أبا عَبْدِ اللهِ، لَقَدْ سَألَتُ عنها أهْلَ الشامِ وأهْلَ العِراقِ فَما وُفِّقَ فِيها أحَدٌ تَوْفِيقَكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ أبُو المَعالِي قَوْلَ مَن قالَ: لا يُتَكَلَّمُ في تَفْسِيرِها، فَإنْ قالَ: إنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يُجْمِعُ عَلى أنَّ لَفْظَةَ الِاسْتِواءِ لَيْسَتْ عَلى عُرْفِها في مَعْهُودِ الكَلامِ العَزِيزِ، فَإذا فَعَلَ هَذا فَقَدَ فَسَّرَ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ في تَأخُّرِهِ عن طَلَبِ الوَجْهِ والمَخْرَجِ البَيِّنِ، بَلْ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى الناسِ، وإيهامٌ لِلْعَوّامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ تَمادٍ في الصِفَةِ المَذْكُورَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الخالِقِ المُنْعِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَحْتَ الثَرى ﴾ قَصَصٌ في أمْرِ الحُوتِ ونَحْوِهِ اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُحْدَثٍ فَهو لِلَّهِ بِالمِلْكِ والِاخْتِراعِ، ولا قَدِيمَ سِواهُ تَعالى.

و"الثَرى" التُرابُ النَدِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: وإنْ كُنْتُمْ أيُّها الناسُ إذا أرَدْتُمْ إعْلامَ أحَدٍ بِأمْرٍ، أو مُخاطَبَةَ أوثانِكم وغَيْرِها، فَأنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِالقَوْلِ، فَإنَّ اللهَ الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَعْلَمُ السِرَّ وأخْفى، فالمُخاطَبَةُ بِـ "تَجْهَرْ" لِمُحَمَّدٍ  ، وهي مُرادٌ بِها جَمِيعُ الناسِ إذْ هي آيَةُ اعْتِبارٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ السِرِّ وما هو أخْفى مِنهُ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو الكَلامُ الخَفِيُّ الخافِتُ كَقِراءَةِ السِرِّ في الصَلاةِ، و الأخْفى ما هو في النَفْسِ مُتَحَصِّلٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: السِرُّ هو ما في نُفُوسِ البَشَرِ وكُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيها في المُسْتَأْنِفِ بِحَسْبِ المُمْكِناتِ مِن مَعْلُوماتِ البَشَرِ، والأخْفى ما هو مِن مَعْلُوماتِ اللهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ البَشَرُ البَتَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ جَعَلَ "وَأخْفى" فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ.

و " الأسْماءُ الحُسْنى " يُرِيدُ بِها المُسَمَّياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ المَعانِيَ الَّتِي هي في غايَةِ الحَسَنِ، ووَحَّدَ الصِفَةَ مَعَ جَمْعِ المَوْصُوفِ لِما كانَتِ المُسَمَّياتُ لا تَعْقِلُ، وهَذا جارٍ مَجْرى ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ، و ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي  ﴾ وغَيْرُهُ، وذِكْرَ أهْلُ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ هي الَّتِي قالَ فِيها رَسُولُ اللهِ  : «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».

<div class="verse-tafsir"

وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩ إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًۭى ١٠ فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ ١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى ١٢ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى ﴾ ﴿ إذْ رَأى نارًا فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أو أجِدُ عَلى النارِ هُدًى ﴾ ﴿ فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى ﴾ ﴿ إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى ﴾ ﴿ وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى ﴾ ﴿ إنَّنِي أنا اللهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ هو تَوْقِيفٌ مُضْمَنُهُ تَنْبِيهُ النَفْسِ إلى ما يُورَدُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَبْدَأُ الرَجُلَ إذا أرَدْتَ إخْبارَهُ بِأمْرٍ غَرِيبٍ فَتَقُولُ: أعَلِمْتَ كَذا وكَذا؟

ثُمْ تَبْدَأُ تُخْبِرُهُ، والعامِلُ في "إذْ" ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَدِيثُ مُوسى ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وتَقْدِيرِهِ: وهَلْ أتاكَ ما فَعَلَ مُوسى إذْ رَأى نارًا، ونَحْوَ.

هَذا، وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ رَحَلَ مِن مَدْيَنَ بِأهْلِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ وهو يُرِيدُ أرْضَ مِصْرَ، وقَدْ طالَتْ مُدَّةُ جِنايَتُهُ هُنالِكَ، فَرَجا خَفاءَ أمْرِهِ، وكانَ - فِيما يَزْعُمُونَ - رَجُلًا غَيُورًا، فَكانَ يَسِيرُ اللَيْلَ بِأهْلِهِ ولا يَسِيرُ النَهارَ مَخافَةَ كَشَفَةِ الناسِ، فَضَلَّ عن طَرِيقِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ نَدِيَّةٍ، ويُرْوى أنَّهُ فَقَدَ الماءَ فَلَمْ يَدْرِ أيْنَ يَطْلُبُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ - وقَدْ قَدَحَ زَنْدُهُ فَلَمْ يُورِ شَيْئًا - إذْ رَأى نارًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: امْكُثُوا، أيْ أقِيمُوا، وذَهَبَ هو إلى النارِ فَإذا هي مُضْطَرِمَةٌ في شَجَرَةٍ خَضْراءَ يانِعَةٍ، قِيلَ: كانَتْ مِن عُنّابٍ، وقِيلَ: مِن عَوْسَجٍ، وقِيلَ: مِن عُلَيْقَةٍ، فَلَمّا دَنا مِنها تَباعَدَتْ مِنهُ ومَشَتْ، فَإذا رَجَعَ عنها اتَّبَعَتْهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أيْقَنَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِن أُمُورِ اللهِ تَعالى الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، ونُودِيَ وانْقَضى أمْرُهُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الحَقُّ، وحَكى النِقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أقامَ في ذَلِكَ الأمْرِ حَوَّلًا، ومَكَثَ أهْلُهُ، قالُوا: وهَذا أمْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وضَعِيفٌ في نَفْسِهِ.

و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: أحْسَسْتُ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنْـ ناصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والنارُ عَلى البُعْدِ لا تُحَسُّ إلّا بِالبَصَرِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ اللَفْظَ بِـ "رَأيْتُ"، و"آنَسَ" أعَمُّ مَن رَأى لَأنَّكَ تَقُولُ: آنَسْتُ مِن فُلانٍ خَيْرًا أو شَرًّا.

و"القَبَسُ": الجَذْوَةُ مِنَ النارِ عَلى رَأْسِ العُودِ أوِ القَصَبَةِ أو نَحْوَهُ، و"الهُدى" أرادَ الطَرِيقَ، أيْ: لَعَلِّي أجِدُ ذا هُدًى مُرْشِدًا لِي أو دَلِيلًا وإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَبَرًا، و"الهُدى" يَعُمْ هَذا كُلَّهُ، وإنَّما رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هُدى نازِلَتَهُ فَصادَفَ الهُدى عَلى الإطْلاقِ.

وَفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأسْرِها في هَذِهِ السُورَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  عَمّا لَقِيَ في تَبْلِيغِهِ مِنَ المَشَقّاتِ وكُفْرِ الناسِ، فَإنَّما هي لَهُ عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ في أمْرِهِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ وحَمْزَةَ "فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ في القَصَصِ، وكَسَرَ الباقُونَ الهاءَ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أتاها ﴾ ، الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وقَوْلُهُ: ﴿ نُودِيَ ﴾ كِنايَةٌ عن تَكْلِيمِ اللهِ لَهُ، وفي "نُودِيَ" ضَمِيرٌ يَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ مُوسى إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أنِّي" بِفَتْحِ الألْفِ عَلى مَعْنى: لِأجْلِ أنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ.

و"نُودِيَ" قَدْ تُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ ∗∗∗ إنَّ المُنَوَّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقُ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ الَّذِي مِن أجْلِهِ أمْرَ بِخَلْعِ النَعْلَيْنِ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأُمِرَ بِطَرْحِ النَجاسَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ بَقَرَةٍ ذَكِيٍّ، ولَكِنْ أُمِرَ بِخَلْعِها لِيَنالَ بِرَكَةَ الوادِي المُقَدَّسِ وتَمَسَّ قَدَماهُ تُرْبَةَ الوادِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنى آخَرَ هو الألْيَقُ بِها عِنْدِي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِعَظِيمِ الحالِ الَّتِي حَصَلَ فِيها، والعُرْفُ عِنْدَ المُلُوكِ أنْ تَخْلَعَ النَعْلانِ ويَبْلُغَ الإنْسانُ إلى غايَةِ تَواضُعِهِ، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا تُبالِي كانَتْ نَعْلاهُ مِن مَيْتَةٍ أو غَيْرِها.

وَ ﴿ المُقَدَّسِ ﴾ مَعْناهُ: المُطَهَّرُ، و ﴿ طُوًى ﴾ مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قَدِّسْ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: طَوَيْتُهُ أنْتَ، أيْ سِرْتَ بِهِ، أيْ طُوِيَتْ لَكَ الأرْضُ مَرَّتَيْنِ مِن ظَنِّكِ.

وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "طَوًى" بِالتَنْوِينِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَكانِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "طَوى" عَلى أنَّهُ اسْمُ البُقْعَةِ، بِدُونِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ عن أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "طاوِي"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ الوادِي، و"طُوًى" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ثُنًى وثُنًى، أيْ: مُثْنِيًا.

وقَرَأ السَبْعَةُ غَيْرَ حَمْزَةَ: "وَأنا اخْتَرْتُكَ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ تَناسُبُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنا رَبُّكَ ﴾ ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنِّي اخْتَرْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَأنّا اخْتَرْناكَ" بِالجَمْعِ وفَتْحِ الهَمْزَةَ وشَدِّ النُونِ، والآيَةُ عَلى هَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا  ﴾ ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ  ﴾ ، فَخَرَجَ مِن إفْرادٍ إلى جَمْعٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: سَمِعَتْ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ "اسْتَمِعْ لِما يُوحى" وقَفَ عَلى حَجَرٍ، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ، وألْقى ذَقَنَهُ عَلى صَدْرِهِ، ووَقَفَ يَسْتَمِعُ، وكانَ كُلُّ لِباسِهِ صُوفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالوادِ المُقَدَّسِ طاوِي".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتَذْكِيرِي فِيها، أو يُرِيدُ: لِأذْكُرَكَ في عِلِّيِّينَ بِها، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا - يَحْتَمِلُ الإضافَةَ إلى الفاعِلِ أو إلى المَفْعُولِ، واللامُ لامُ السَبَبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ "لِذِكْرِي" أيْ عِنْدِ ذِكْرِي، أيْ إذا ذَكَرْتَنِي وأمْرِي لَكَ بِها، فاللامُ - عَلى هَذا - بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ  ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرى"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِذِكْرى" بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِلذِّكْرِ".

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ١٥ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ١٦ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ١٧ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ﴾ ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ﴾ ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ ﴾ تَحْذِيرٌ ووَعِيدٌ، أيِ: اعْبُدْنِي فَإنَّ عِقابِي وثَوابِي بِالمِرْصادِ، و"الساعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: القِيامَةُ، بِلا خِلافٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحُسْنُ، وعاصِمْ: "أكادُ أُخْفِيها" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى،: أُظْهِرُها، أيْ أنَّها مِن صِحَّةِ وُقُوعِها وتَيَقُّنِ كَوْنِهِ تَكادُ تَظْهَرُ، لَكِنْ تَنْحَجِبُ إلى الأجَلِ المَعْلُومِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أخْفَيْتُ الشَيْءَ" بِمَعْنى: أظْهَرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عِشِيٍّ مُجَلِّبِ ومِنهُ قَوْلُهُ أيْضًا: فَإنْ تَدْفِنُوا الداءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: أُزِيلُ خَفاءَها وهو ما تُلَفُّ بِهِ القِرْبَةُ ونَحْوَها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أكادَ أُخْفِيها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أُظْهِرُها، و"أخْفَيْتُ" مِنَ الأضْدادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مُخْتَلٌّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، عَلى مَعْنى العِبارَةِ عن شِدَّةِ غُمُوضِها عَلى المَخْلُوقِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ إنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ أكادُ ﴾ وتَمَّ الكَلامُ، بِمَعْنى: أكادُ أُنَفِّذُها لِقُرْبِها وصِحَّةِ وُقُوعِها، ثُمُ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُخْفِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" زائِدَةٌ لا دُخُولَ لَها في المَعْنى، بَلْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وأنَّ اللهَ يُخْفِي وقْتَ إتْيانِها عَنِ الناسِ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" بِمَعْنى: أُرِيدُ، فالمَعْنى: أُرِيدُ إخْفاءَها عنكم لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، واسْتَشْهَدَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗....................

وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أكادُ" عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها لِمُقارَبَةِ ما لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّ الكَلامَ جارٍ عَلى اسْتِعارَةِ العَرَبِ ومَجازِها، فَلَمّا كانَتِ الآيَةُ عِبارَةً عن شَدَّةِ خَفاءِ أمْرِ القِيامَةِ ووَقْتِها، وكانَ القَطْعُ بِإتْيانِها مَعَ جَهْلِ الوَقْتِ أهِيبُ عَلى النُفُوسِ، بالَغَ قَوْلُهُ تَعالى في إعْتامِ وقْتِها فَقالَ: ﴿ أكادُ أُخْفِيها ﴾ حَتّى لا تَظْهَرَ البَتَّةَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ، ولا بُدَّ مِن ظُهُورِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَلْخِيصُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وهو الأقْوى عِنْدِي.

ورَوى بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْنى: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي" ما في القَوْلِ مِنَ القَلَقِ، فَقالُوا: مَعْنى "مِن نَفْسِي": مِن تِلْقائِي ومِن عِنْدِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا رَفْضٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ ورُجُوعٌ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتَرْناهُ أخِيرًا، فَتَأمَّلْهُ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِتُجْزى" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "آتِيَةٌ"، وهَكَذا بِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ، و"تَسْعى" مَعْناهُ: تَكْتَسِبُ وتَجْتَرِحُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها ﴾ ، عائِدٌ عَلى "الساعَةِ"، يُرِيدُ: الإيمانُ بِالساعَةِ، فَأوقَعَ الضَمِيرَ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصَلاةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى "لا إلَهَ إلّا اللهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَّجَهٌ، والأوَّلانِ أبْيَنُ وجْهًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتَرْدى" مَعْناهُ: تَهْلَكُ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: تَنادَوْا فَقالُوا أرْدَتِ الخَيْلُ فارِسًا ∗∗∗ فَقُلْتُ: أعَبْدُ اللهِ ذَلِكُمُ الرَدِي؟

وهَذا الخِطابُ كُلُّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وقالَ النِقاشُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا يَصُدَّنَّكَ عنها ﴾ لِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا بَعِيدٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَرَكَّبَ ذَلِكَ القَوْلُ المُتَقَدِّمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ تَقْدِيرُهُ ومُضْمَنُهُ التَنْبِيهُ وجَمْعُ النَفْسِ لِتَلَقِّي ما يُورِدُ عَلَيْها، وإلّا فَقَدَ عَلِمُ اللهُ تَعالى ما هي في الأزَلِ.

وقَوْلُهُ: "بِيَمِينِكَ" مِن صِلَةِ "تِلْكَ"، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: عَدَسْ!

ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ: ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى عَتَبَ عَلى مُوسى إضافَةَ العَصا إلى نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، فَقِيلَ لَهُ: "ألْقِها" لِيَرى مِنها العَجَبَ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا مِلْكَ لَهُ عَلَيْها ولا تَنْضافُ إلَيْهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ - "عَصايِي" بِكَسْرِ الياءِ مِثْلَ غُلامِي، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَصى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهم ∗∗∗..............

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَصايَ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ قَرَأ: "عَصايْ" بِياءٍ ساكِنَةٍ.

ثُمْ ذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مَنافِعَ عَصاهُ عِظَمَها وجُمْهُورَها، وأجْمَلَ سائِرَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأهُشُّ" بِضَمِّ الهاءِ والشِينِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أخَبَطُ بِها الشَجَرَ حَتّى يَنْتَشِرَ الوَرَقُ لِلْغَنَمِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَأهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، والمَعْنى كالَّذِي تَقَدَّمَ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَأهُسُّ" بِضَمِّ الهاءِ والسِينِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ، ومَعْناهُ: أزْجُرُها وأُخَوِّفُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" بِالجَرِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى غَنَمِي" فَأوقَعُوا الفِعْلَ عَلى الغَنَمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَنْمِي" بِسُكُونِ النُونِ، ولا أعْرِفُ لَها وجْهًا، وقَوْلُهُ: "أُخْرى" - فَوَحَّدَ مَعَ تَقَدُّمُ الجَمْعِ - وهو المَهِيعُ في تَوابِعِ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ والكِنايَةُ عنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجْرى مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ الأسْماءُ الحُسْنى  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ، وقَدْ مَرَّ القَوْلُ في هَذا المَعْنى غَيْرَ مَرَّةٍ.

وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هي الَّتِي كانَ أخَذَها مِن بَيْتِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ الَّذِي كانَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ اتَّفَقا عَلى الرَعِيَّةِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هَبَطَ بِها مِنَ الجَنَّةِ، وكانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في ورَقِ الرَيْحانِ، وهو الجِسْمُ المُسْتَطِيلُ في وسَطِها، وقَدْ تَقَدَّمُ شَرْحُ أمْرِها فِيما مَضى.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ ١٩ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ تَسْعَىٰ ٢٠ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ٢١ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ٢٢ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ٢٣ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ٢٥ وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ٢٦ وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى ٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ٢٨ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ٢٩ هَـٰرُونَ أَخِى ٣٠ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ٣١ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ٣٢ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ ألْقِها يا مُوسى ﴾ ﴿ فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى ﴾ ﴿ قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى ﴾ ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ﴾ ﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ ﴿ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ ﴿ وَيَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ ﴿ واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي ﴾ ﴿ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ ﴿ واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي ﴾ ﴿ هارُونَ أخِي ﴾ ﴿ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي ﴾ ﴿ وَأشْرِكْهُ في أمْرِي ﴾ ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴾ ﴿ إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا ﴾ لَمّا أرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُدَرِّبَهُ في تَلَقِّي النُبُوَّةِ وتَكالِيفِها أمَرَهُ بِإلْقاءِ العَصا، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَلَبَ اللهُ أوصافَها وأغْراضَها، وكانَتْ عَصا ذاتَ شُعْبَتَيْنِ، فَصارَتِ الشُعْبَتانِ لَها فَمًا، وصارَتْ حَيَّةً تَسْعى، أيْ تَنْتَقِلُ وتَمْشِي وتَلْتَقِمُ الحِجارَةَ، فَلِمّا رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَأى عِبْرَةً فَوَلّى مُدَبِّرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَقالَ اللهُ لَهُ: خُذْها ولا تَخَفْ، وذَلِكَ أنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أيْ لِحِقَهُ ما يَلْحَقُ البَشَرَ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَناوَلَها بِكُمَّيْ جُبَّتِهِ، فَنُهِيَ عن ذَلِكَ فَأخَذَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وهي سِيرَتُها الأُولى.

ثُمْ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَضُمْ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ، وهو الجَناحُ اسْتِعارَةً ومَجازًا، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: أضُمُّهُ لِلصَّدْرِ والجَناحِ وبَعْضُ الناسِ يَقُولُ: "الجَناحُ": اليَدُ.

وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ألّا تَرى أنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ سُمِّيَ ذا الجَناحَيْنِ بِسَبَبِ يَدَيْهِ حِينَ أُقِيمَتْ لَهُ الجَناحانِ مَقامَ اليَدَيْنِ، شُبِّهَ بِجَناحِ الطائِرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ مَرْعُوبٍ مِن ظُلْمَةٍ أو نَحْوَها فَإنَّهُ إذا ضَمَّ يَدَهُ إلى جَناحِهِ فَتَرَ رُعْبُهُ وجُمِعَ جَأْشُهُ، فَجَمَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ تَفْتِيرَ الرُعْبِ مَعَ الآيَةِ في اليَدِ.

ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَتْ بَيْضاءَ تَشُفُّ وتُضِيءُ كَأنَّها شَمْسٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن غَيْرِ سُوءٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا مُثْلَةٍ، بَلْ هو أمْرٌ يَنْحَسِرُ ويَعُودُ لِحُكْمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَ الآياتِ بِالكُبَرِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى  ﴾ و ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ونَحْوِهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِأنَّهُما أكْبَرُ الآياتِ، كَأنَّهُ قالَ: لِنُرِيَكَ الكُبْرى مِن آياتِنا، فَهُما مَعْنَيانِ.

ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ، وهو مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ في بَعْضِ ما قِيلَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، ولا صِحَّةَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

و"طَغى" مَعْناهُ: تَجاوَزَ الحَدَّ في فَسادٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ الآيَةُ، لَمّا أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالذَهابِ إلى فِرْعَوْنَ عَلَمَ أنَّها الرِسالَةُ، وفَهِمْ قَدْرَ التَكْلِيفِ، فَدَعا اللهَ في المَعُونَةِ إذْ لا حَوْلَ لَهُ إلّا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ مَعْناهُ: لِفَهْمِ ما يَرِدُ عَلَيَّ مِنَ الأُمُورِ، و"العُقْدَةُ" الَّتِي دَعا في حَلِّها هي الَّتِي اعْتَرَتْهُ بِالجَمْرَةِ الَّتِي جَعَلَها في فَمِهِ حِينَ جَرَّبَهُ فِرْعَوْنُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ قَتْلَهُ وهو طِفْلٌ حِينَ مَدَّ يَدَهُ إلى لِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ: بَلى، هو يَعْقِلُ وهو عَدُوٌّ لِي، فَقالَتْ لَهُ: نُجَرِّبُهُ، قالَ: أفْعَلُ، فَدَعَتْ بِجَمَراتٍ مِن نارٍ وبِطَبَقٍ فِيهِ ياقُوتُ، فَقالَ: إنْ أخَذَ الياقُوتَ عِلْمَنا أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ أخْذَ النارَ عَذَرْناهُ، فَمَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى جَمْرَةٍ فَأخَذَها فَلَمْ تَعْدُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَها في فِيهِ فَأحْرَقَتْهُ وأورَثَتْ لِسانَهُ عُقْدَةً في كِبَرِهِ، أيْ حَبْسَةً مُلْبِسَةً في بَعْضِ الحُرُوفِ.

قالَ ابْنُ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: كَفَّ اللهُ النارَ عن يَدِهِ لِئَلّا تَقُولُ النارُ: طَبْعِي، وأحْرَقَتْ لِسانَهُ لِئَلّا يَقُولَ مُوسى: مَكانَتِي، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما طَلَبَ مِن حَلِّ العُقْدَةِ قَدْرَ أنْ يَفْقَهَ قَوْلَهُ، فَجائِزًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ زالَ، وجائِزًا أنْ يَكُونَ بَقِيَ مِنهُ القَلِيلُ، فَيَجْتَمِعُ أنْ يُؤْتى هو سُؤْلَهُ وأنْ يَقُولَ فِرْعَوْنُ: ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ  ﴾ ، ولَوْ فَرَضْناهُ زالَ جُمْلَةً لَكانَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ سَبًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِحالَتِهِ القَدِيمَةِ.

و"الوَزِيرُ": المُعِينُ القائِمْ بِوِزْرِ الأُمُورِ، وهو ثِقَلُها، ويُحْتَمَلُ الكَلامُ أنَّ طَلَبَ الوَزِيرِ مِن أهْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ، ثُمْ أُبْدِلَ هارُونُ مِنَ الوَزِيرِ المَطْلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واجْعَلْ هارُونَ وزِيرًا، فَإنَّما ابْتَدَأ الطَلَبَ فِيهِ، فَيَكُونُ - عَلى هَذا - مَفْعُولًا أوَّلًا بِـ "اجْعَلْ".

وكانَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ أكْبَرَ مِن مُوسى بِأرْبَعَةِ أعْوامٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشْدُدُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و"أُشْرِكُهُ" بِضَمِّها عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أسْنَدَ هَذِهِ الأفْعالَ إلى نَفْسِهِ، ويَكُونُ الأمْرُ هُنا لا يُرِيدُ بِهِ النُبُوَّةَ بَلْ يُرِيدُ تَدْبِيرَهُ ومَساعِيهِ؛ لَأنَّ النُبُوَّةَ لا يَكُونُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُشْرَكَ فِيها بَشَّرا، وقَرَأ الباقُونَ: "اُشْدُدْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "وَأشْرِكْ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ في شَدِّ الأزْرِ وتَشْرِيكِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُبُوَّةِ، وهَذِهِ هي الوَجْهُ لَأنَّها تُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُعاءِ، وتَعْضُدُها آياتٌ غَيْرَ هَذِهِ تَقْتَضِي بِطَلَبِهِ تَصْدِيقَ هارُونَ إيّاهُ.

و"الأزْرُ" بِمَعْنى الظَهْرُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، كَأنَّهُ قالَ: شُدَّ بِهِ عَوْنِي، واجْعَلْهُ مُقاوِمِي فِيما أُحاوِلُهُ مِنَ الأُمُورِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: بِمَحْنِيَةٍ قَدْ آزَرَ الضالَّ نَبْتُها ∗∗∗ مَجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخُيَّبَ أيْ: قاوَمَهُ وصارَ في طُولِهِ.

وفَتْحَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن "أخِي" وسَكَّنَها الباقُونَ، ورُوِيَ عن نافِعٍ "وَأشْرِكْهُو" بِزِيادَةِ واوٍ في اللَفْظِ بَعْدَ الهاءِ، ثُمْ جَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ما طَلَبَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعالى سَبَبًا يَلْزَمُ كَثِيرَ العِبادَةِ والِاجْتِهادَ في أمْرِ اللهِ.

وقَوْلُهُ: "كَثِيرًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَسْبِيحًا كَثِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ ٣٦ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ٣٧ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ٣٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ﴾ ﴿ إذْ أوحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى ﴾ ﴿ أنِ اقْذِفِيهِ في التابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمِّ بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ﴾ المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: قَدْ أُعْطَيْتَ يا مُوسى طَلِبَتَكَ في شَرْحِ الصَدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وحَلِّ العُقْدَةِ، إمّا بِالكُلِّ وإمّا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ في الأفْعالِ، وإيتاءُ هَذا السُؤالِ مِنَّةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَرَنَ إلَيْها قَدِيمَ مِنَّتَهُ عِنْدَهُ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ عَلَيْها لِيَعْظُمُ اجْتِهادُهُ وتَقْوى بَصِيرَتُهُ.

وكانَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - أنَّ فِرْعَوْنَ ذُكِرَ لَهُ أنَّ خَرابَ مُلْكُهُ يَكُونُ عَلى يَدَيْ غُلامٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ ولَدٍ يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ثُمْ إنَّهُ رَأى مَعَ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ أنَّ فَناءَ بَنِي إسْرائِيلَ يَعُودُ عَلى القِبْطِ بِالضَرَرِ؛ إذْ هم كانُوا عَمَلَةَ الأرْضِ والصُنّاعِ ونَحْوَ هَذا، فَعَزَمَ عَلى أنْ يَقْتُلَ الوَلْدانَ سَنَةً ويَسْتَحْيِيهِمْ سَنَةً، فَوُلِدَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَنَةِ الِاسْتِحْياءِ فَكانَتْ أُمُّهُ آمِنَةً، ثُمْ وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في العامِ الرابِعِ سَنَةِ القَتْلِ، فَخافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ الذَبْحَ فَبَقِيَتْ مُهْتَمَّةً، فَأوحى اللهُ إلَيْها، قِيلَ: بِمَلَكٍ جاءَ لَها فَأخْبَرَها وأمَرَها، قالَ بَعْضُ مَن رَوى هَذا: ولَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لَأنّا نَجْدُ في الشَرْعِ ورِواياتِهِ أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمَتْ مَن لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَتْ أمُّ مُوسى رَسُولِ اللهِ  نَبِيَّةً بِهَذا الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كانَ هَذا الوَحْيُ رُؤْيًا رَأتْها في النَوْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وحْيُ إلْهامٍ وتَسْدِيدٍ كَوَحْيِ اللهِ إلى النَحْلِ وغَيْرِها، فَألْهَمَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى أنِ اتَّخَذَتْ تابُوتًا فَقَذَفَتْ فِيهِ مُوسى راقِدًا في فِراشٍ، ثُمْ قَذَفَتْهُ في يَمِّ النِيلِ، وكانَ فِرْعَوْنُ جالِسًا في مَوْضِعٍ يُشْرِفُ عَلى النِيلِ إذْ رَأى التابُوتَ، فَأمَرَ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ وامْرَأتُهُ مَعَهُ، فَفَتَحَ فَرَآهُ، فَرَحِمَتْهُ امْرَأتُهُ وطَلَبَتْهُ لِتَتَّخِذَهُ ابْنًا فَأباحَ لَها ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ التابُوتَ جاءَ في الماءِ إلى المَشْرَعَةِ الَّتِي كانَ جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَسْتَقِينَ فِيها الماءُ، فَأخَذْنَ التابُوتَ وحَمَلْنَهُ إلَيْها، فَأخْرَجَتْهُ وأعْلَمَتْ فِرْعَوْنَ وطَلَبَتَهُ مِنهُ، ثُمْ إنَّها عَرَضَتْهُ لِلرَّضاعِ فَلَمْ يَقْبَلِ امْرَأةً، فَجَعَلَتْ تُنادِي عَلَيْهِ في المَدِينَةِ ويُطافُ يُعْرَضُ لِلْمَراضِعِ، فَكُلَّما عُرِضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةٌ أباها، وكانَتْ أُمُّهُ حِينَ ذَهَبَ عنها في النَيْلِ بَقِيَتْ مَغْمُومَةً فُؤادُها فارِغٌ إلّا مِن هَمِّهِ، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: اطْلُبِي أثَرَهُ في المَدِينَةِ عَسى يَقَعُ إلَيْنا مِنهُ خَبَرٌ، فَبَيْنَما الأُخْتُ تَطُوفُ إذْ بَصُرَتْ بِهِ وفَهِمَتْ أمْرَهُ، فَقالَتْ لَهُمْ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَتَعَلَّقُوا بِها وقالُوا لَها: أنْتِ تَعْرِفِينَ هَذا الصَبِيَّ، فَقالَتْ: لا، غَيْرَ أنِّي أعْلَمُ مِن أهْلِ هَذا البَيْتِ الحِرْصَ عَلى التَقَرُّبِ إلى المَلِكَةِ والجَدِّ في خِدْمَتِها وإرْضائِها، فَتَرَكُوها وسَألُوها الدَلالَةَ، فَجاءَتْ بِأُمْ مُوسى فَلَمّا قَرَّبَتْهُ شَرِبَ ثَدْيَها، فَسُرَّتْ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وقالَتْ لَها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فَقالَتْ لَها: ما كُنْتُ لِأدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي، ولَكِنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي، فَأحْسَنَتْ إلى أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ غايَةَ الإحْسانِ، واعْتَزَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِهَذا الرِضاعِ، والسَبَبِ مِنَ المَلِكَةِ، وأقامَ مُوسى حَتّى كَمَّلَ رَضاعَهُ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها آسِيَةُ أنْ جِيئِي بِوَلَدِي لِيَوْمِ كَذا، وأمَرَتْ خَدَمَها ومِن لَها أنْ يَلْقَيْنَهُ بِالتُحَفِ والهَدايا واللِباسِ، فَوَصْلَ إلَيْها عَلى ذَلِكَ وهو بِخَيْرٍ حالٍ وأجْمَلِ شَبابٍ، فَسُرَّتْ بِهِ ودَخَلَتْ عَلى فِرْعَوْنَ لِيَراهُ ويُحِبَّهُ، فَرَآهُ وأعْجَبَهُ وقَرَّبَهُ، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ وجَبَذَها، فاسْتَشاطَ فِرْعَوْنُ وقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي، وأمَرَ بِقَتْلِهِ، فَناشَدَتْهُ فِيهِ امْرَأتُهُ وقالَتْ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: بَلْ يَعْقِلُ، فاتَّفَقا عَلى تَجْرِبَةٍ بِالجَمْرَةِ والياقُوتِ حَسْبَما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَلِّ العُقْدَةِ، فَنَجّاهُ اللهُ مِن فِرْعَوْنَ ورَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَشَبَّ عِنْدَها إلى أنْ تَرَعْرَعَ، وكانَ فَتًى جَلْدًا فاضِلًا، فاعْتَزَّتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ بِظاهِرِ ذَلِكَ الرِضاعِ، وكانَ يَحْمِيهِمْ ويَكُونُ ضِلْعُهُ مَعَهم وهو يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم ومِن صِمِيمِهِمْ، فَكانَتْ بَصِيرَتُهُ في حِمايَتِهِمْ، وكانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ أعْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ.

ثُمْ إنَّ قِصَّةَ القِبْطِيِّ المُتَقاتِلِ مَعَ الإسْرائِيلِيِّ نَزَلَتْ، وذِكْرُها في مَوْضِعِها مُسْتَوْعَبٌ، فَخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مِصْرَ حَتّى وصَلَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَ مَن أمْرِهِ مَعَ شُعَيْبٍ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ ما هو في مَوْضِعِهِ مُسْتَوْعِبٌ في مَوْضِعِهِ، مِن أنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الصُغْرى عَلى رَعِيَّةِ الغَنَمِ عَشْرِ سِينَ، ثُمْ إنَّهُ اعْتَزَمَ الرَحِيلَ بِزَوْجَتِهِ إلى بِلادِ مِصْرَ، فَجاءَ في طَرِيقِهِ فَضَلَّ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَرَأى النارَ حَسْبَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَعَدَّدَ اللهُ تُبارِكُ تَعالى عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ مِن لُطْفِ اللهِ بِهِ في كُلِّ فَضْلٍ، وتَخْلِيصِهِ لَهُ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى، وهَذِهِ الفِتُونِ الَّتِي فَتَنَهُ بِها، أيِ اخْتَبَرَهُ وخَلَّصَهُ حَتّى صَلَحَ لِلنُّبُوَّةِ وسَلَّمَ لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُوحى ﴾ إيهامٌ يَتَضَمَّنُ عِظْمَ الأمْرِ وجَلالَتَهُ في النِعَمِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى  ﴾ ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ والكَلامِ، و ﴿ أنِ اقْذِفِيهِ ﴾ بَدَلٌ مِن "ما"، والضَمِيرُ الأوَّلُ في "اقْذِفِيهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، وفي الثانِي عَلى التابُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ ﴾ خَبَرٌ خَرَجَ في صِغِيةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأُوجِبُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «قُومُوا فَلْأُصَلِّ لَكم»، فَأخْبَرَ الخَبَرُ في صِيغَةِ الأمْرِ لِنَفْسِهِ مُبالَغَةً، وهَذا كَثِيرٌ، ومِن حَيْثُ خَرَجَ الفِعْلُ مُخْرِجَ الأمْرِ حَسَنَ جَوابُهِ كَذَلِكَ.

و"العَدُوُّ" الَّذِي كانَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى ولِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو فِرْعَوْنُ، ولَكِنَّ أُمْ مُوسى أُخْبَرَتْ بِهِ عَلى الإيهامِ، وَلِذَلِكَ قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، وهي لا تَدْرِي أيْنَ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ مَحَبَّةً مِنهُ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: أرادَ مَحَبَّةَ آسِيَةَ، لَأنَّها كانَتْ مِنَ اللهِ وكانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ القَبُولَ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ في الأرْضِ لِخِيارِ عِبادِهِ، وكانَ حَظُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُ غايَةَ الوَفْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ إجْلالًا يُحِبُّهُ بِهِ كُلٌّ مَن رَآهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطاهُ مَلاحَةَ العَيْنَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ، وأقْوى الأقْوالِ أنَّهُ القَبُولُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي" بِكَسْرِ اللامِ وضَمِّ التاءِ عَلى مَعْنى: ولِتُغَذّى وتُطْعَمَ وتُرَبّى، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "وَلِتَصْنَعَ" بِفَتْحِ التاءِ، قالَ ثَعْلَبٌ: مَعْناهُ: لِتَكُونَ حَرَكَتُكَ وتَصَرُّفُكَ عَلى عَيْنٍ مِنِّي، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلِيَصْنَعَ" بِالياءِ وكَسْرِ اللامِ عَلى الأمْرِ لِلْغائِبِ، وذَلِكَ مُتَّجِهٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى عَيْنِي ﴾ مَعْناهُ: بِمَرْأًى مِنِّي وأمْرٍ مُدْرَكٍ مُبْصَرٍ مُراعًى.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًۭا فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ ٤٠ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ٤١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مَن الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ﴾ ﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ العامِلُ في "إذْ" فَعَلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: ومَنَنّا إذْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في القَصَصِ المَذْكُورِ آنِفًا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقَرَّ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْ تَقِرَّ" بِكَسْرِ القافِ، والنَفْسُ الَّتِي قَتَلَها هي نَفْسُ القِبْطِيِّ الَّذِي كانَ يُقاتِلُ الإسْرائِيلِيَّ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، و"الغَمُّ": هَمُّ النَفْسِ، وكانَ هَمُّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأمْرِ مِن طَلَبِهِ لِيَثْأرَ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ مَعْناهُ: خَلَّصْناكَ تَخْلِيصًا، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: اخْتَبَرْناكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يُرادُ إلّا ما اخْتُبِرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وتَكْلِيفِهِ، وما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يَدْخُلُ في اخْتِبارِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وعِدَّةُ سِنِيِّهِ في أهْلِ مَدْيَنَ عَشَرَةُ أعْوامٍ؛ لَأنَّهُ إنَّما قَضى أوفى الأجَلَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ عَلى قَدَرٍ ﴾ أيْ: بِمِيقاتٍ مَحْدُودٍ لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي قَدْ أرادَها اللهُ بِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نالَ الخِلافَةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ مَعْناهُ: جَعَلَتْكَ مَوْضِعَ الصَنِيعَةِ ومَقَرَّ الإجْمالِ والإحْسانِ، وقَوْلُهُ: "لِنَفْسِي" إضافَةَ تَشْرِيفٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَيْتُ اللهِ" ونَحْوَهُ.

«والصِيامُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»، وعَبَّرَ بِالنَفْسِ عن شِدَّةِ القُرْبِ وقُوَّةِ الِاخْتِصاصِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ٤٢ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ٤٤ قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ٤٥ قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي ﴾ ﴿ اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى ﴾ ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى ﴾ ﴿ قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أو أنْ يَطْغى ﴾ ﴿ قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنُفُوذِ إلى دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وخاطَبَ مُوسى وحْدَهُ تَشْرِيفًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هارُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ مَلِكٍ أنْ يُنَفِّذَ، و"بِآياتِي" مَعْناهُ: بِعَلاماتِي الَّتِي أعْطَيْتُكُما مِن مُعْجِزَةٍ وآيَةِ وحْيٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ كالتَوْراةِ، و"تَنِيا" مَعْناهُ: تَضْعُفا وتُبْطِئا، تَقُولُ: ونى فَلانٌ في أمْرِ كَذا إذا تَباطَأ فِيهِ عن ضَعْفٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .............................

فَما أنا بِالوانِي ولا الضَرَعِ الغُمْرِ والوَنى: الكَلالُ والفَشَلُ في البَهائِمْ والإنْسِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَهِنا في ذَكَرِي"، مَعْناهُ: ولا تَلِينا، مِن قَوْلِكَ: هَيِّنٌ لَيِّنٌ.

و"القَوْلُ اللَيِّنُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: كَنِّياهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهُما بِتَحْسِينِ الكَلِمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الوَجْهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن يُرِيدُ دُعاءَ إنْسانٍ إلى أمْرٍ يَكْرَهُهُ، فَإنَّما الوَجْهُ أنْ يُحَرِّرَ في عِبارَتِهِ المَعْنى الَّذِي يُرِيدُ حَتّى لا يُخِلَّ بِهِ ولا يَخِرَّ مِنهُ، ثُمْ يَجْتَهِدُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنْ تَكُونَ عِبارَتُهُ لَطِيفَةً ومُقابَلَتُهُ لَيِّنَةً، فَذَلِكَ أجْلَبُ لِلْمُرادِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ أنْ يَسْلُكا مَعَ فِرْعَوْنَ إكْمالَ الدَعْوَةِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُ" مَعْناهُ: عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَوَقُّعُ فِيها إنَّما هو راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "يَفْرُطَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، ومَعْناهُ: يُعَجِّلُ ويَتَسَرَّعُ بِمَكْرُوهٍ فِينا، ومِنهُ الفارِطُ في الماءِ، وهو الَّذِي يَتَقَدَّمُ القَوْمَ إلَيْهِ، قالَ الشاعِرَ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا ∗∗∗ كَما تَقَدَّمَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ وَقالَتْ فِرْقَةٌ: "يُفْرِطَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَشْتَطُّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُفْرَطُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناها أنْ يَحْمِلَهُ حامِلٌ عَلى التَسَرُّعِ إلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّنِي مَعَكُما ﴾ أيْ: بِالنَصْرِ والمَعُونَةِ والقُدْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ، وهَذا كَما تَقُولُ: الأمِيرُ مَعَ فُلانٍ إذا أرَدْتَ أنَّهُ يَحْمِيهِ.

"أسْمَعُ وأرى" عِبارَتانِ عَنِ الإدْراكِ الَّذِي لا تَخْفى مَعَهُ خافِيَةٌ، تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ٤٧ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ ٤٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَلامُ عَلى مِن اتَّبَعَ الهُدى ﴾ ﴿ إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى ﴾ ﴿ قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى ﴾ المَعْنى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَأعْلَماهُ أنَّكُما رَسُولانِ إلَيْهِ، وعَبَّرَ لِفِرْعَوْنَ بِـ "رَبِّكَ" تَحْقِيرًا لَهُ؛ إذْ كانَ يَدَّعِي الرُبُوبِيَّةَ، ثُمْ أمَرا بِدَعْوَتِهِ إلى أنْ يَبْعَثَ مَعَهُما بَنِي إسْرائِيلَ ويُخْرِجَهم مِن ذُلِّ خِدْمَةِ القِبْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إلى الإيمانِ، وهَذِهِ جُمْلَةُ ما دُعِيَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ "الإيمانُ وإرْسالُ بَنِي إسْرائِيلَ"، والظاهِرُ أنَّ رِسالَتَهُ إلَيْهِ لَيْسَتْ عَلى حَدِّ إرْسالِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَعْذِيبُ بَنِي إسْرائِيلَ كانَ ذَبْحُ أولادِهِمْ وإذْلالِهِمْ.

و"الآيَةُ" الَّتِي أحالا عَلَيْها هي العَصا واليَدُ.

وقالَ: "جِئْناكَ" -والجائِي بِها مُوسى - تَجَوُّزًا مِن حَيْثُ هُما مُشْرَكانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ كَلامٍ وفَصْلَهِ، فَيَقْوى أنْ يَكُونَ "السَلامُ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، كَأنَّهُما رَغِبا بِها عنهُ، وجَرْيًا عَلى العُرْفِ في التَسْلِيمِ عِنْدَ الفَراغِ مِنَ القَوْلِ فَسَلَّما عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، وفي هَذا تَوْبِيخٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِعْمالُ الناسِ هَذِهِ الآيَةَ في مُخاطَبَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في دَرَجِ القَوْلِ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا ﴾ فَيَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِأنَّ السَلامَةَ لِلْمُهْتَدِينَ، وهَذانَ المَعْنَيانِ قالَتْ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما فِرْقَةٌ لَكِنْ دُونَ هَذا التَلْخِيصِ، وقالُوا: "السَلامُ" بِمَعْنى: السَلامَةُ، و"عَلى" بِمَعْنى "اللامِ"، أيِ: السَلامُ لِمَنِ اتَّبَعَ الهُدى.

وَلِما فَرَغا مِنَ المَقالَةِ الَّتِي أمَرَ بِها عن قَوْلِهِ: "وَتَوَلّى" خاطَبَهُما فِرْعَوْنُ، وفي سَرْدِ هَذِهِ الآيَةِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَلَمّا قالا جَمِيعَ ما أُمِرا بِهِ قالَ لَهُما فِرْعَوْنُ: فَمَن رَبُّكُما؟

وقَوْلُهُ: "يا مُوسى" بَعْدَ جَمْعِهِ مَعَ "هارُونَ" في الضَمِيرِ نِداءٌ بِمَعْنى التَخْصِيصِ والتَوْقِيفِ؛ إذْ كانَ صاحِبَ عِظَمِ الرِسالَةِ ولِزَيْمِ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ٥١ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ٥٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ ﴿ قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ ﴿ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ اسْتَبَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِجَوابِهِ مِن حَيْثُ خَصَّهُ في السُؤالِ، ثُمْ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللهِ بِالَّتِي لا تَشْرِيكَ لِفِرْعَوْنَ فِيهِ ولا بِوَجْهِ مَجازٍ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ الذَكْرَ مِن كُلِّ الحَيَوانِ - نَوْعَهُ وخِلْقَتُهُ - أُنْثى، ثُمْ هَدى لِلْإتْيانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ، أيْ أكْمَلَ ذَلِكَ لَهُ وأتْقَنَهُ، ثُمْ هَدى أيْ: يَسَّرَّ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ أشْرَفُ مَعْنًى وأعَمُّ في المَوْجُوداتِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "أعْطى" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: كَمالُهُ أو مَصْلَحَتُهُ.

وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحاجَّتَهُ بِحَسْبِ ما تُقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ ومُناقَضَتَهُ فِيهِ، فَلَيْسَ يَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يُرِيدَ إلّا: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ ولَمْ يُوجَدْ أمْرُكَ عِنْدَها؟

فَرَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمُ ذَلِكَ إلى اللهِ تَعالى.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فِرْعَوْنُ قَطْعَ الكَلامِ الأوَّلِ والرُجُوعَ إلى سُؤالِ مُوسى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الناسِ رَوَغانًا في الحُجَّةِ وحِيدَةً، وقِيلَ: "البالُ": الحالُ، فَكَأنَّهُ سَألَهُ عن حالِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بالَكم».

وقالَ النِقاشُ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ﴾ لِما سَمِعَ مُؤْمِنُ آلَهِ يَقُولُ: ﴿ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ  ﴾ ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ  ﴾ الآيَةُ، ورَدَّ مُوسى العَلَمَ إلى اللهِ لَأنَّهُ لَمْ تَأْتِهِ التَوْراةُ بَعْدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ يُرِيدُ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، أو فِيما كَتَبَهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ، تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى عن هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، وقَدْ كانَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "فِي كِتابٍ"، و"يَضِلُّ" مَعْناهُ: يُتْلَفُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ﴾ مِن صِفَةِ الكِتابِ، أيْ أنَّ الكِتابَ لا يَغِيبُ عَنِ اللهِ تَعالى، تَقُولُ العَرَبُ: "ضَلَّنِي الشَيْءُ" إذا لَمْ أجِدْهُ، و"أضْلَلْتُهُ أنا"، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  حِكايَةً عَنِ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي طَلَبَ أنْ يَحْرُقَ بَعْدَ مَوْتِهِ: لَعَلِّي أضِلُّ اللهَ» الحَدِيثُ، ﴿ وَلا يَنْسى ﴾ أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، يَصِفُهُ بِأنَّهُ لا يَنْسى، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا، فالنِسْيانُ هُنا اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ إلا أحْصاها  ﴾ ، فَوَصَفَهُ بِالإحْصاءِ مِن حَيْثُ حُصِرَتْ فِيهِ الحَوادِثُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ ٥٣ كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ٥٤ ۞ مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ٥٥ وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكُمُ فِيها سُبُلا وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِنَ نَباتٍ شَتّى ﴾ ﴿ كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُهى ﴾ ﴿ مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى ﴾ انْظُرْ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، هي مِمّا تَقْضِي بِدايَةُ العُقُولِ أنَّ فِرْعَوْنَ وكُلَّ بَشَرٍ بَعِيدٌ مِنها؛ لَأنَّهُ لَوْ قالَ: هو الرازِقُ القادِرُ المُرِيدُ العالِمْ ونَحْوَهُ مِنَ العِباراتِ لَأمْكَنَ فِرْعَوْنَ أنْ يُغالِطَ ويَقُولَ: أنا أفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّما أتاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِصِفاتٍ لا يُمْكِنُ فِرْعَوْنَ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِهادًا" بِكَسْرِ المِيمِ وبِألْفٍ، و"المِهادُ" هو جَمْعُ مَهْدٍ، وقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كَفَرْشِ وفِراشِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَهْدًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الهاءِ، وقَوْلُهُ: "سَلَكَ" بِمَعْنى: نَهَجَ ولَحَبَ، و"السُبُلُ": الطُرُقُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، عَلى تَقْدِيرِ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: "فَأخْرَجْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ ثُمْ وصَلَ اللهُ تَعالى كَلامَ مُوسى بِإخْبارِهِ لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ الخُلُقُ أجْمَعُ بِهَذِهِ الآياتِ المُنَبَّهِ عَلَيْها.

و"الأزْواجُ" بِمَعْنى: الأنْواعُ، وقَوْلُهُ: "شَتّى" نَعْتٌ لِلْأزْواجِ، أيْ: مُخْتَلِفاتٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ ﴾ بِمَعْنى هي صالِحَةٌ أنْ يُؤْكَلَ مِنها وتَرْعى الغَنَمُ فِيها، فَأخْرَجَ العِبارَةَ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ لَأنَّهُ أوحى الأفْعالِ وأهْدَأها لِلنُّفُوسِ، و"النُهى" جَمْعُ نُهْيَةٍ، والنُهْيَةُ: العَقْلُ الناهِي عَنِ القَبائِحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنها خَلَقْناكُمْ ﴾ ، أيْ: مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِن حَيْثُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تُرابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ﴾ يُرِيدُ: بِالمَوْتِ والدَفْنِ أوِ الفَناءِ كَيْفَ كانَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنها نُخْرِجُكُمْ ﴾ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ  عن فِرْعَوْنَ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ الكَلامَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ إنَّما هو خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ  ، وقَوْلُهُ: "كُلَّها" عائِدٌ عَلى الآياتِ الَّتِي رَآها، لا أنَّهُ رَأى كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ اللهَ أراهُ آياتٍ ما، وهي العَصا واليَدُ والطَمْسَةُ وغَيْرَ ذَلِكَ، وكانَ رُؤْيَتُهُ لِهَذِهِ الآياتِ مُسْتَوْعِبَةً، يَرى كُلَّها كامِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: "لَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا بِكَمالِها"، وأضافَ الآياتِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَشْرِيفًا لَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأبى" يَقْتَضِي تَكَسُّبَ فِرْعَوْنَ، وهَذا هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَوابُ والعِقابُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٥٧ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى ٥٨ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى ٥٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى ﴾ ﴿ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِينَةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضُحًى ﴾ هَذِهِ المُقاوَلَةُ مِن فِرْعَوْنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ قَوِيَ، وكَثُرَ مُتَّبِعُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ووَقَعَ أمْرُهُ في نُفُوسِ الناسِ، وذَلِكَ أنَّها مُقاوَلَةُ مَن يَحْتاجُ إلى الحُجَّةِ لا مَن يَصْدَعُ بِأمْرِ نَفْسِهِ.

وأرْضُهم هي أرْضُ مِصْرَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا نَخْلُفُهُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا نَخْلُفْهُ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، و"نَحْنُ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ مِن حَيْثُ احْتاجَ الكَلامُ إلى العَطْفِ عَلَيْهِ أكَّدَ.

و"مَوْعِدًا" مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ "اجْعَلْ"، و"مَكانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ.

وهَذا الَّذِي اخْتارَ أبُو عَلِيٍّ، ومَنَعَ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: "مَوْعِدًا" لَأنَّهُ قَدْ وصَفَ، وهَذِهِ الأسْماءُ العامِلَةُ عَمَلَ الفِعْلِ إذا نُعِتَتْ أو عُطِفَ عَلَيْها أو أُخْبِرَ عنها أو صُغِّرَتْ أو جُمِعَتْ وتَوَغَّلَتْ في الِاسْمِيَّةِ بِمِثْلِ هَذا لَمْ تَعْمَلْ ولا تَعَلَّقَ بِها شَيْءٌ هو مِنها، وقَدْ يُتَوَسَّعُ في الظُرُوفِ فَتُعَلَّقُ بَعْدَ ما ذَكَرْناهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ  ﴾ ، فَقَوْلُهُ: "إذْ" مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: "لَمَقْتُ اللهِ" وهو قَدْ أخْبَرَ عنهُ، وإنَّما جازَ هَذا في الظَرْفِ خاصَّةً، وكَذَلِكَ مَنَعَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ السادِّ مَسَدَّ المَفْعُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ، ومَنعَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" نَصْبًا عَلى المَفْعُولِ الثانِي بِـ "نُخْلِفُهُ"، وجَوَّزَهُ جَماعَةٌ مِنَ النُحاةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَتَّسِعَ في أنْ يُخْلِفَ المَوْعِدَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "سِوًى" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "سُوًى" بِضَمِّها، والجُمْهُورُ نَوَّنَ النُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ: "سِوى" بِكَسْرِ السِينِ غَيْرَ نُونِ الواوِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: تَرْكُ الصَرْفِ هُنا مُشْكِلٌ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الوَقْفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَواءً"، ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أبِي عَيْلَةَ، ومَعْنى "سِوى" أيْ: عَدْلًا ونَصَفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَكَأنَّهُ قالَ: مَكانًا قَرِيبًا مِنّا قُرْبَهُ مِنكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّما أرادَ: حالُنا فِيهِ مُسْتَوِيَةٌ، فَيَعُمْ ذَلِكَ القُرْبَ، وأنْ تَكُونَ المَنازِلُ فِيهِ واحِدَةً في تَعاطِي الحَقِّ، أيْ: لا يَعْتَرِضُكم فِيهِ الرِياسَةُ، وإنَّما تُقْصَدُ الحُجَّةُ، و"سُوًى" لُغَةً في "سِوى"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سُوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ لا وهْدَ فِيهِ ولا نَجْدَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: سُوًى مَكانًا هَذا.

فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِينَةِ ﴾ ، اتَّسَعَ في الظَرْفِ مَن قَرَأهُ بِرَفْعِ "يَوْمُ" فَجَعَلَهُ خَبَرًا، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والثَقَفِيُّ: "يَوْمَ" بِالنَصْبِ عَلى الظَرْفِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، ورُوِيَ أنْ يَوْمَ الزِينَةِ كانَ عِيدًا لَهم ويَوْمًا مَشْهُورًا، وصادَفَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وكانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقِيلَ: هو يَوْمُ كَسْرِ الخَلِيجِ الباقِي إلى اليَوْمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْ يُحْشَرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى "الزِينَةِ" فَهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: مَوْعِدُكم أنْ يَحْشُرَ، وتَعَلَّقَ عَطْفُهُ عَلى "يَوْمُ"، وفِيهِ نَظَرٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُحْشَرَ" بِرَفْعِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: "يَحْشُرَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ ونَصْبِ "الناسَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَحْشُرَ" بِالنُونِ، و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، ومَعْناهُ: نَحْشُرُ الناسَ لِمُشاهَدَةِ المُعارَضَةِ والتَهَيُّؤِ لِقَبُولِ الحَقِّ حَيْثُ كانَ.

<div class="verse-tafsir"

فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍۢ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ٦١ فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ٦٢ قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ٦٣ فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ٦٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى ﴾ ﴿ قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ﴾ ﴿ فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَجْوى ﴾ ﴿ قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى ﴾ ﴿ فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ﴾ المَعْنى: فَجُمِعَ السَحَرَةُ ووَعَدَهم وأمْرَهم بِالإعْدادِ لِمُوسى، فَهَذا هو كَيْدُهُ، ثُمْ أتى فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ وأهْلِ دَوْلَتِهِ، والسَحَرَةُ مَعَهُ، وكانَتْ عِصابَةٌ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى أسْحَرَ مِنها، وجاءَ أيْضًا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلسَّحَرَةِ: "وَيْلَكُمْ"، وهَذِهِ مُخاطَبَةُ مُحَذِّرٍ، نَدَبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِ الحَقِّ إذا رَأوهُ، وألّا يُباهِتُوا بِكَذِبٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونافِعٌ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فَيَسْحِتَكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "فَيُسْحِتَكُمْ" بِضَمِّ الياءِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، يُقالُ: سُحِتْ وأُسْحِتَ بِمَعْنى: أهْلَكَ وأذْهَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: عَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ فَهَذا مِن أُسْحِتَ.

فَلَمّا سَمِعَ السَحَرَةُ هَذِهِ المَقالَةَ هالَهم هَذا المَنزَعُ، ووَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِن مَهابَتِهِ رُعْبٌ شَدِيدٌ، وتَنازَعُوا أمْرَهُمْ، و"التَنازُعُ" يَقْتَضِي اخْتِلافًا كانَ بَيْنَهم في السِرِّ، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هو مُحِقٌّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُبْطِلٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ فَسَيَغْلِبُنا، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تُعْهَدُ مِنَ الجُمُوعِ الكَثِيرَةِ في وقْتِ الخَوْفِ كالحَرْبِ ونَحْوَ هَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ تَناجِيهِمْ إنَّما كانَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ تَناجِيهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي بَعَدَ هَذا ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ قِيلَتْ عَلانِيَةً، ولَوْ كانَ تَناجِيهِمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثُمْ تَنازَعٌ، و"النَجْوى": السِرُّ والمُسارَّةُ، أيْ: كانَ كُلُّ رَجُلٍ يُناجِي مَن يَلِيهِ، ثُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ سِرًّا مَخافَةَ فِرْعَوْنَ أنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِمْ ضَعْفًا؛ لَأنَّهم حِينَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا مُصَمِّمِينَ عَلى غَلَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، بَلْ كانَ ظَنًّا مِن بَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هَذانِ لَساحِرانِ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ" مُشَدَّدَةَ النُونِ "هَذانَ" بِألِفٍ ونُونٍ مُخَفَّفَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "إنْ هَذانِّ لَساحِرانِ" بِتَخْفِيفِ نُونِ "إنْ" وتَشْدِيدِ نُونِ "هَذانِ لَسَحَرانِ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "إنْ" خَفِيفَةً "هَذانِ" خَفِيفَةً أيْضًا "لَساحِرانِ".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانَ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ ذانِ لَساحِرانِ"، وقَرَأتْ فَرِقَّةٌ: "ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانِّ" بِتَشْدِيدِ النُونِ مِن "هَذانِّ".

فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنَّ" بِمَعْنى: نَعَمْ، كَما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ في خُطْبَتِهِ: إنِ الحَمْدُ لِلَّه بِرَفْعِ "الحَمْدُ"،» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنْ وراكِبُها" حِينَ قالَ لَهُ الرَجُلُ: لَعَنَ اللهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، ويُدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ أنَّ اللامَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهو مِمّا يَجُوزُ في الشِعْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُمُ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَحْمِ بِعَظْمِ الرَقَبَهْ وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِلُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وهو إبْقاءُ ألِفِ التَثْنِيَةِ في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: زَوَّدَ مِنها بَيْنَ أُذُناهُ طَعْنَةً ∗∗∗ دَعَتْهُ إلى هابِي التُرابِ عَقِيمُ وقَوْلُ الآخَرِ: أطْرَقَ إطْراقَ الشُجاعِ ولَوْ يَرى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُجاعِ لَصَمَّها وَتُعْزى هَذِهِ اللُغَةُ لِكِنانَةَ، وتُعْزى لَخَثْعَمَ، وقالَ الفِراءُ: الألْفُ في "هَذانِ" دِعامَةٌ ولَيْسَتْ بِمَجْلُوبَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وإنَّما هي ألِفُ "هَذا" تُرِكَتْ في حالِ التَثْنِيَةِ، كَما نَقُولُ: "الَّذِي" ثُمْ في الجَمْعِ نَزِيدُ نُونًا وتُتْرَكُ الياءُ في حالِ النَصْبِ والرَفْعِ والخَفْضِ، وقالَ الزُجاجَ: في الكَلامِ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهِ: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ دُخُولُ اللامِ في الخَبَرِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: ألِفُ "هَذانِ" مُشَبَّهَةٌ هُنا بِألِفِ تَفْعَلانِ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لِما كانَ "هَذا" بِحالٍ واحِدَةٍ في رَفْعِهِ ونَصْبِهِ وخَفْضِهِ تُرِكَتْ تَثْنِيَتُهُ هُنا كَذَلِكَ.

وقالَتْ جَماعَةٌ - مِنهم عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها - وأبُو عَمْرٍو -: هَذا مِمّا لَحَنَ الكاتِبُ فِيهِ وأُقِيمَ بِالصَوابِ وهو تَخْفِيفُ النُونِ مِن "إنْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ مُعْتَرِضَةٌ، إلّا ما قِيلَ مِن أنَّها لُغَةٌ، و"إنْ" بِمَعْنى: أجَلْ ونَعَمْ، أوَ "إنْ" في الكَلامِ ضَمِيرٌ.

وأمّا مِن قَرَأ: "إنْ" خَفِيفَةً، فَهي عن سِيبَوَيْهٍ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ ويَرْتَفِعُ بَعْدَها الِاسْمُ، ويَقُولُ الفِراءُ: هي بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَعْنى "إلّا" ووَجْهُ سائِرِ القِراءاتِ بَيِّنٌ.

وعَبَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ "الطَرِيقَةِ" بِـ "السادَةِ"، وأنَّما يُرادُ أهْلُ العَقْلِ والسِنِّ والحِجى، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "فَلانٌ طَرِيقَةُ قَوْمِهِ"، أيْ: سَيِّدُهُمْ، والأظْهَرُ في الطَرِيقَةِ هُنا أنَّها السِيرَةُ والمَمْلَكَةُ والحالُ الَّتِي هي عَلَيْها، و"المُثْلى" تَأْنِيثُ أمْثَلَ، أيِ: الفاضِلَةُ الحَسَنَةُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَأجْمَعُوا" بِقَطْعِ الألْفِ وكَسْرِ المِيمِ، عَلى مَعْنى: أعَزِمُوا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "فَأجْمِعُوا" مِن "جَمَّعَ"، أيْ: ضُمُّوا سِحْرَكم بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ثُمْ" بِفَتْحِ المِيمِ "اِيتُوا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "ثُمُ اِيتُوا" بِكَسْرِهِما، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَلَطٌ، ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن "ثُمْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثُمُ ائْتُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَفًّا ﴾ حالٌ، أيْ: مُصْطَفِّينَ، وتَداعَوْا إلى هَذا لَأنَّهُ أهَيَبُ وأظْهَرُ لَهم.

و"أفْلَحَ" مَعْناهُ: ظَفَرَ بِبُغْيَتِهِ، و"اسْتَعْلى": طَلَبَ العُلُوَّ في أمْرِهِ وسَعى سَعْيَهُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ٦٥ قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ٦٦ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ ٦٧ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ٦٨ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ٦٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى ﴾ ﴿ قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ ﴿ فَأوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ﴾ ﴿ قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى ﴾ ﴿ وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ الساحِرُ حَيْثُ أتى ﴾ خَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أنْ يَبْتَدِئَ بِالإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ بَعْدَهُمْ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ألْفَ ساحِرٍ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا تِسْعَمِائَةِ ألْفٍ، ثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الفَيُّومِ، وثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الفِرْما، وثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ، وكانَ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصى قَدِ اسْتَعْمَلَ فِيها السِحْرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا ﴾ هي لِلْمُفاجَأةِ، كَما تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا زَيْدٌ، وهي الَّتِي تَلِيها الأسْماءُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عِصِيُّهُمْ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُخَيَّلُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى ما لَمَّ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والثَقَفِيُّ: "تُخَيَّلُ" بِضَمِّ التاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ الياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الحِبالِ والعِصِيِّ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَخَيَّلُ" بِفَتْحِ التاءِ والياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الجِبالِ والعِصِيِّ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها"مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِنَ الآياتِ والقَصَصِ في كُتُبِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ تَتَحَرَّكُ وتَنْتَقِلُ بِحِيَلِ السِحْرِ، وبِدَسِّ الأجْسامِ الثَقِيلَةِ المَيّاعَةِ فِيها، وكانَ تَحَرُّكُها يُشْبِهُ تَحَرُّكَ الَّذِي لَهُ إرادَةٌ كالحَيَوانِ، وهو السَعْيُ، فَإنَّهُ لا يُوصَفُ بِالسَعْيِ إلّا مَن يَمْشِي مِنَ الحَيَوانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها لَمْ تَكُنْ تَتَحَرَّكُ، ولَكِنَّهم سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ وكانَ الناظِرُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَنْتَقِلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللهُ أعْلَمُ أيُّ ذَلِكَ كانَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَأوجَسَ" عِبارَةً عَمّا يَعْتَرِي نَفْسَ الإنْسانِ إذا وقَعَ ظَنُّهُ في أمْرٍ عَلى شَيْءٍ يَسُوءُهُ، وظاهِرُ الأمْرِ كُلِّهِ الصَلاحُ، فَهَذا الفِعْلُ مِن أفْعالِ النَفْسِ يُسَمّى الوَجِيسُ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أوجَسَ" بِأضْمَرَ، وهَذِهِ العِبارَةُ أعَمُّ مِن بِكَثِيرِ الوَجِيسِ.

و"خِيفَةً" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أصْلُها "خَوْفَةً" فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِلتَّناسُبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَوْفَةً" بِفَتْحِ الخاءِ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِلتَّناسُبِ.

وخَوْفُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما كانَ عَلى الناسِ أنْ يَضِلُّوا لِهَوْلِ ما رَأى.

والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ عَلى الجُمْلَةِ وبَقِيَ يَنْتَظِرُ الفَرَجَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْتَ الأعْلى ﴾ أيِ: الغالِبُ لِمَن ناوَأكَ في هَذا المَقامِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَلَقَّفْ" بِالجَزْمِ وشَدِّ القافِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَلَقُّفَ"، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْقى عَلى الِاتِّساعِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْقى وهي العَصا، وهَذِهِ حالٌ وإنْ كانَتْ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "تَلْقُفْ" بِسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ القافِ، وأنَّثَ الفِعْلَ وهو مُسْنَدٌ إلى ما في اليَمِينِ مِن حَيْثُ كانَتِ العَصا مُرادَةً بِذَلِكَ.

ورَوى البَزِّيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يُشَدِّدُ الفاءَ مِن "تَلَقَّفَ"، كَأنَّهُ أرادَ: تَتَلَقَّفُ فَأدْغَمَ، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذِهِ القِراءَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبِهُ أنَّ قارِئَها إنَّما يَلْتَزِمُها في الوَصْلِ حَيْثُ يُسْتَغْنى عن جَلْبِ ألِفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَيَدُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْدَ" بِالنَصْبِ، وهَذا عَلى أنَّ "ما" كافَّةٌ و "كَيْدَ" مَنصُوبٌ بِـ "صَنَعُوا"، ورَفْعُ "كَيَدُ" عَلى أنَّ "ما" بِمَعْنى الَّذِي.

و "يُفْلِحُ" مَعْناهُ: يَبْقى ويَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أنَّ الساحِرَ يُقْتَلُ حَيْثُ ثُقِفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا جَزاءُ مَن عَدِمُ الفَلاحَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيْنَ أتى"، والمَعْنى بِهِما مُتَقارِبٌ.

ورُوِيَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ جَلَسَ في عِلْيَةٍ لَهُ طُولُها ثَمانُونَ ذِراعًا، والناسُ تَحْتَهُ في بَسِيطٍ، وجاءَ سَبْعُونَ ألْفَ ساحِرٍ فَألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ ما فِيهِ وَقَّرَ ثَلاثُمِائَةِ بَعِيرٍ، فَهالَ الأمْرُ، ثُمْ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ألْقى عَصاهُ مِن يَدِهِ فاسْتَحالَتْ ثُعْبانًا، وجَعَلَتْ تَنْمُو حَتّى رُوِيَ أنَّها عَبَرَتِ النَهْرَ بِذَنَبِها، وقِيلَ: البَحْرَ، وفِرْعَوْنُ في هَذا يَضْحَكُ ويَرى أنَّ الِاسْتِواءَ حاصِلٌ، ثُمْ أقْبَلَتْ تَأْكُلُ الحِبالَ والعِصِيَّ حَتّى أفْنَتْها، فَفَرَّتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ: يا مُوسى.

فَمَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ إلَيْها فَرَجَعَتْ عَصى كَما كانَتْ، فَنَظَرَ السَحَرَةُ وعَلِمُوا الحَقَّ ورَأوا عَدَمَ الحِبالِ والعِصِيِّ فَآمَنُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.

<div class="verse-tafsir"

فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ ٧١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأُلْقِيَ السَحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى ﴾ ﴿ قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى ﴾ فِي خِلالِ هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيرٌ وحَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القَوْلِ، فالمُقَدَّرُ مِن ذَلِكَ هُنا: "فَألْقى مُوسى عَصاهُ فالتَقَمَتْ كُلَّ ما جاؤُوا بِهِ"، أو نَحْوَ هَذا، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا رَأتِ العَصا لا أثَرَ فِيها لِلسِّحْرِ ثُمْ رَأتِ انْقِلابَها حَيَّةً، وأكْلَها لِلْحِبالِ والعِصِيِّ ثُمْ رُجُوعَها إلى حالَتِها وعَدَمَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أيْقَنُوا بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الأمْرَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وقَدَّمَ "هارُونَ" قَبْلَ "مُوسى" لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسُ الآيِ بِنَقْلِ مَعْنى قَوْلِ السَحَرَةِ، وهَذا مِثْلَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى  ﴾ ، فَتَأْخِيرُ "شَتّى" إنَّما هو لِتَعْتَدِلَ رُؤُوسُ الآيِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى  ﴾ ، فَتَأْخِيرُ قَوْلِهِ: " وأجَل مُسَمّى " أنَّما هو لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسُ الآيِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ، ووَرْشٌ عن نافِعٍ: "آمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، "أأمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾ مُقارَبَةٌ مِنهُ وبَعْضُ إذْعانٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن خِلافٍ ﴾ يُرِيدُ قَطْعَ اليَدِ اليُمْنى مَعَ الرِجْلِ الشِمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي جُذُوعِ النَخْلِ ﴾ اتِّساعٌ مِن حَيْثُ هو مَرْبُوطٌ في الجِذْعِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: زَيْدٌ في الدارِ، ويَصْلُحُ في هَذا المَعْنى "عَلى" مِن حَيْثُ هو مَرْبُوطٌ في أعْلاها، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: رَكِبْتُ عَلى الفَرَسِ، وقَوْلُهُ: "أيُّنا" يُرِيدُ نَفْسَهُ ورَبَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والأوَّلُ أذْهَبُ مَعَ مَخْرَفَةِ فِرْعَوْنَ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ٧٢ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ٧٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا ﴾ ﴿ إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِحْرِ واللهُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ قالَ السَحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ لِما تَدْعُوهُمْ: ﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ ﴾ ، أيْ: لَنْ نُفَضِّلَكَ ونُفَضِّلَ السَلامَةَ مِنكَ عَلى ما رَأيْنا مِن حُجَّةِ اللهِ تَعالى وآياتِهِ المُبَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا، هَذا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ إنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِي" عاطِفَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي واوُ القَسَمِ، و "فَطَرَنا" مَعْناهُ: خَلَقْنا واخْتَرَعْنا، فافْعَلْ يا فِرْعَوْنُ ما شِئْتَ، وإنَّما قَضاؤُكَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا، والآخِرَةُ مِن وراءِ ذَلِكَ لَنا بِالنَعِيمِ ولَكَ بِالعَذابِ.

وهَؤُلاءِ السَحَرَةُ اخْتَلَفَ الناسُ هَلْ نَفَذَ فِيهِمْ وعِيدُ فِرْعَوْنَ ؟

فَقالَتْ طائِفَةٌ: صَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ كَما قالَ، فَأصْبَحَ القَوْمُ سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ بِلُطْفِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ومَن مَعَهُ الغالِبُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ، وصَلْبُ السَحَرَةِ وقَطْعُ أيْدِيهِمْ لا يَدْفَعُ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ غَلَبَ إلّا بِظاهِرِ العُمُومِ، والِانْفِصالِ عن ذَلِكَ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِحْرِ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما ضَمَّهم إلَيْهِ مِن مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدِيمًا يَأْخُذُ ولِدانَ الناسِ بِتَعْلِيمِ السِحْرِ ويُجْبِرُهم عَلى ذَلِكَ، فَأشارَ السَحَرَةُ إلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ واللهُ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ٧٤ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ ٧٥ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَرَجاتُ العُلا ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مِن تَزَكّى ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها مِن كَلامِ السَحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ لَهُ والبَيانِ فِيما فَعَلُوهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي مِن كَلامِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ  تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ، وحُسْنِ ما فَعَلَ السَحَرَةُ، ومَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا.

قَدْ تَضَمَّنَتِ القِصَّةُ المَذْكُورَةُ مِثالَهُ.

و المُجْرِمُ الَّذِي اكْتَسَبَ الجَرائِمْ والخَطايا.

وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا ﴾ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ، فَإنَّهُ مُعَذَّبٌ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمْ لا يُجْهِزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحَ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ، فَهو لا يَحْيى حَياةً هَنِيَّةً.

وأمّا مَن يَدْخُلُ النارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالمَعاصِي فَهم قَبْلَ أنْ تُخْرِجَهُمُ الشَفاعَةُ في غَمْرَةٍ قَدْ قارَبُوا المَوْتَ، إلّا أنَّهم لا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ ولا يُجَدَّدُ عَذابُهُمْ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ «أنَّهم يُماتُونَ إماتَةً»، وهَذا هو مَعْناهُ، لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ.

و "الدَرَجاتُ العُلى" هي القِرَبُ مِنَ اللهِ تَعالى، و "تَزَكّى" مَعْناهُ: أطاعَ اللهَ وأخَذَ بِأزْكى الأُمُورِ.

وتَأمَّلِ التَكَسُّبَ في لَفْظَةِ "تَزَكّى" فَإنَّهُ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ ٧٧ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ٧٨ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أوحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى ﴾ ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ ﴾ ﴿ وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عن أمْرِ مُوسى، وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَحَرَةِ المُتَقَدِّمْ مُدَّةٌ مِنَ الزَمانِ حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ، وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: الجَرادُ والقَمْلُ إلى آخِرِها، وكُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كانَتِ الآياتُ أوحى اللهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في اللَيْلِ سارِيًا، و "السُرى": سَيْرُ اللَيْلِ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ أسْرِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا  ﴾ ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الناصِبَةَ لِلْأفْعالِ، وتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا".

وقَوْلُهُ: "بِعِبادِي" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وكُلُّ الخَلْقِ عِبادُ اللهِ، ولَكِنَّ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي  ﴾ .

ورُوِيَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لِما أشْعَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلَيْلَةِ الخُرُوجِ اسْتَعارُوا مِن مَعارِفِهِمْ مِنَ القِبْطِ حُلِيًّا وثِيابًا.

ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أذِنَ لَهم في ذَلِكَ وقالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ سَيُنَفِّلُكُمُوها، ويُرْوى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ دُونَ رَأْيِهِ، وهو الأشْبَهُ بِهِ  ، وسَيَأْتِي في جَمْعِ الحُلِيِّ ما يُؤَيَّدُ ذَلِكَ، ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَجَنُوا زادَهم لَيْلَةَ سُراهم ووَضَعُوهُ لِيَخْتَمِرَ، فَأعْجَلَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في الخُرُوجِ، فَطَبَخُوهُ فَطَيْرًا، فَهي سُنَّتُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ العامِ إلى هَلُمْ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بِحْرَ القَلْزَمِ، فاتَّصَلَ الخَبَرُ بِفِرْعَوْنَ، فَجَمْعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم ونَهَضَ وراءَهُ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ، فَجَزِعَ بَنُو إسْرائِيلَ، رَأوا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ أمامَهُمْ، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَثِقُ بِصُنْعِ اللهِ تَعالى.

فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ تَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُرُقُ الواسِعَةُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في عَدَدِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ فَقِيلَ: كانَ في خَيْلِهِ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، فَلَمّا وصَلَ مُوسى البَحْرَ وقارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، أوحى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ.

ويُرْوى أنَّ الوَحْيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ، ويُرْوى أنَّهُ إنَّما أوحى إلَيْهِ بِذَلِكَ في مَوْطِنِ وُقُوعِهِ.

واتَّصَلَ الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى جِهَةِ وصْفِ الحالِ وضَمِّ بَعْضِ الأُمُورِ إلى بَعْضٍ، فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ البَحْرَ فانْفَلَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ ماءٍ واقِفٍ، فَدَخْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللهُ تَعالى رِيحَ الصِبا فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُرُقَ حَتّى يَبِسَتْ، ودَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ، فَجَزِعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم لَعَنَهُ اللهُ: إنَّما انْفَلَقَ لِي مِن هَيْبَتِي، وها هُنا كَمالُ إضْلالِهِ لَهُمْ، وحَمَلَهُ اللهُ عَلى الدُخُولِ، وجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ راكِبًا عَلى فَرَسٍ أُنْثى فَأتْبَعَها فَرَسَ فِرْعَوْنَ، وتابَعَهُ الناسُ حَتّى تَكامَلُوا في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ، وسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ انْطِباقَ الماءِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِأجْمَعِهِمْ مِنَ البَحْرِ فَعَجِبُوا، فَأخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ قَدْ هَلَكُوا فِيهِ، فَطَلَبُوا مِصْداقَ ذَلِكَ فَلَفَظَ البَحْرُ الناسَ، وألْقى اللهُ تَعالى فِرْعَوْنَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ بِدِرْعِهِ المَعْرُوفَةِ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اخْتِصارُ قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسْبَ ألْفاظِها، وقَدْ مَضى أمْرُ فِرْعَوْنَ بِأوعَبَ مِن هَذا في مَوْضِعٍ اقْتَضاهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَبَسًا" مَصْدَرٌ وصَفَ بِهِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "يابِسًا"، وأشارَ إلى ذِكْرِهِ الزَجّاجُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "لا تَخْفَ" إمّا عَلى جَوابِ الأمْرِ، وإمّا عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا تَخافُ" وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ حالًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الطَرِيقِ بِتَقْدِيرِ: لا تَخافُ فِيهِ، أيْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: لا تَخافُ دَرْكًا مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، ولا تَخْشى غَرَقًا مِنَ البَحْرِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - فِيما رُوِيَ عنهُ -: "فاتَّبَعَهُمْ" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وتَبِعَ واتَّبَعَ إنَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وفَدَيْتُ وافْتَدَيْتُ، وحَفَرْتُ واحْتَفَرْتُ.

وقَوْلُهُ: "بِجُنُودِهِ"، إمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَعَ ما جُرَّ بِها في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِتَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ إذْ لا يَتَعَدّى دُونَ حَرْفِ جَرٍّ إلّا إلى واحِدٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُمْ" بِسُكُونِ التاءِ، وهَذا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فالباءُ - عَلى هَذا - إمّا زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنْدَهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ باءَ الحالِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرًا، كَأنَّكَ قُلْتَ: رُؤَساءَهُ أو عَزْمَهُ، ونَحْوَ هَذا، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَغَشِيَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَغَشّاهُمُ اللهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ما غَشِيَهُمْ ﴾ إيهامٌ أهْوَلَ مِنَ النَصِّ عَلى قَدْرٍ ما، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ﴾ يُرِيدُ: مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى هَذِهِ النِهايَةِ، ثُمْ أكَّدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَما هَدى" مُقابَلَةً لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ: ﴿ وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَشادِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ٨٠ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ٨١ وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ٨٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى ﴾ ﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ﴾ ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ قِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ عِنْدَ حُلُولِ هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي عَدَّدَها اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وبَيْنَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ وبَيْنَ هَذِهِ المَقالَةِ مُدَّةٌ وحَوادِثُ، ولَكِنْ يَخُصُّ اللهُ تَعالى بِالذِكْرِ ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَقالَةُ خُوطِبَ بِها مُعاصِرُو رَسُولِ اللهِ  ، المَعْنى: هَذا فِعْلُنا بِأسْلافِكُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "كُلُوا" بِتَقْدِيرِ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، وتَكُونُ الآيَةُ - عَلى هَذا - اعْتِراضًا في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ القَصْدُ بِهِ تَوْبِيخُ هَؤُلاءِ الحُضُورِ إذْ لَمْ يَصْبِرْ سَلَفُهم عَلى أداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: [أنْجَيْنا - وواعَدْنا - ونَزَّلْنا عَلَيْكم ورَزَقْناكُمْ]، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَعَدْناكُمْ" بِغَيْرِ ألْفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [أنْجَيْتُ - وواعَدْتُ ونَزَّلْتُ ورَزَقْناكُمْ].

وقَوْلُهُ: "وَواعَدْناكُمْ" قِيلَ: هي لُغَةٌ في "وَعَدَ" لا تَقْتَضِي فِعْلَ اثْنَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ حُمِلَتْ عَلى المَعْهُودِ؛ فَلِأنَّ التَلَقِّيَ والعَهْدَ والعَزْمَ عَلى ذَلِكَ يَقُومُ مَقامَ المُواعَدَةِ.

وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى لِما أنْجى بَنِي إسْرائِيلَ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ، وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَنِي إسْرائِيلَ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَسِيرُوا إلى جانِبِ طُورِ سَيْناءَ لِيُكَلِّمْ فِيهِ مُوسى ويُناجِيَهُ بِما فِيهِ صَلاحُهم بِأوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، فَلَمّا أخَذُوا في السَيْرِ تَعَجَّلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلِقاءِ رَبِّهِ حَسْبَما يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الطُورِ هو الَّذِي كَلَّمَ اللهُ تَعالى فِيهِ مُوسى أوَّلًا حَيْثُ رَأى النارَ وكانَ في طَرِيقِهِ مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَ بِهِ، و "الطُورُ": الجَبَلُ الَّذِي لا شُعَراءَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنُ" إمّا أنْ يُرِيدَ اليَمَنَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ اليَمِينَ بِالإضافَةِ إلى "ذِي يَمِينٍ"، إنْسانٍ أو غَيْرِهِ.

و "المَنَّ والسَلْوى" طَعامُهُمْ، وقَدْ مَضى في البَقَرَةِ اسْتِيعابُ تَفْسِيرِهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ يُرِيدُ الحَلالَ المُلِذَّ؛ لِأنَّ المَعْنى في هَذا المَوْضِعِ قَدْ جَمَعَهُما.

واخْتَلَفَ الناسُ ما المَقْصُودُ الأوَّلُ بِلَفْظَةِ "الطَيِّبِ" في القُرْآنِ، فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الحَلالُ، وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ما يَطِيبُ لِلنُّفُوسِ، وساقَ إلى هَذا الخِلافِ تَفَقُّهُهم في الخِشاشِ والمُسْتَقْذَرِ مِنَ الحَيَوانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ﴾ مَعْناهُ: تَتَعَدَّوْنَ الحَدَّ وتَتَعَسَّفُونَ كالَّذِي فَعَلُوا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَيَحِلُّ" بِكَسْرِ الحاءِ، و "يُحَلِّلُ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، و"يَحْلُلُ" بِضَمِّ اللامِ، ومَعْنى الأوَّلِ: فَيَجِبُ ويَحِقُّ، ومَعْنى الثانِي: فَيَقَعُ ويَنْزِلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ هَوى ﴾ مَعْناهُ: سَقَطَ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ خَنافِرَ: فَهَوى هَوْيَ العِقابِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ لَمْ يَكُنْ سُقُوطًا فَهو تَشْبِيهٌ بِالساقِطِ، والسُقُوطُ حَقِيقَةٌ قَوْلُ الآخَرِ: .......................

∗∗∗ هُوِيَّ الدَلْوِ أرْسَلَهُ الرِشاءُ وشَبَّهَ الَّذِي وقَعَ في طامَّةٍ أو ورْطَةٍ بَعْدَ أنْ كانَ بِنَجْوَةٍ مِنها بِالساقِطِ، فالآيَةُ مِن هَذا، أيْ: هَوِيَ في جَهَنَّمَ وفي سُخْطِ اللهِ، وقِيلَ: أُخِذَ الفِعْلُ مِنَ الهاوِيَةِ وهو قَعْرُ جَهَنَّمَ.

ولِما حَذَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى غَضَبَهُ والطُغْيانَ في نِعَمِهِ فَتَحَ بابَ الرَجاءِ لِلتّائِبِينَ، والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى جَمِيعِ الناسِ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿ وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ  ﴾ [النُورُ: ٣١]، والناسُ فِيهِ عَلى مَراتِبَ: إمّا مُواقِعُ الذَنَبِ وقُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ باقِيَةٌ فَتَوْبَتُهُ النَدَمُ عَلى ما مَضى والإقْلاعُ التامُّ عن مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وإمّا الَّذِي واقَعَ الذَنْبَ ثُمْ زالَتْ قُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ مِن شَيْخٍ أو بِآفَةٍ فَتَوْبَتُهُ النَدَمُ واعْتِقادُ التَرْكِ إنْ لَوْ كانَتْ قُدْرَةٌ، وأمّا مَن لَمْ يُواقِعْ ذَنْبًا فَتَوْبَتُهُ العَزْمُ عَلى تَرْكِ كُلِّ ذَنْبٍ، والتَوْبَةُ مِن ذَنْبٍ تَصِحُّ مَعَ الإقامَةِ عَلى غَيْرِهِ، وهي تَوْبَةٌ مُقَيَّدَةٌ، وإذا تابَ العَبْدُ ثُمْ عاوَدَ الذَنْبَ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ فَيَحْتَمِلُ حُذّاقُ أهْلِ السُنَّةِ ألّا يُعِيدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الذَنْبَ الأوَّلَ؛ لِأنَّ التَوْبَةَ كانَتْ مَحْضَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعِيدَهُ لِأنَّها تَوْبَةٌ لَمْ يُوفِ بِها.

واضْطَرَبَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اهْتَدى ﴾ مِن حَيْثُ وجَدُوا الهُدى ضِمْنَ الإيمانِ والعَمَلِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ لَزِمُ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمُ اسْتَقامَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثُمْ أخَذَ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ  ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ أصابَ العَمَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ عَرَفَ أمْرَ مَشِيبِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: والى أهْلَ البَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصُ واحِدٍ مِنها دُونَ ما هو مِن نَوْعِهِ بَعِيدٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، والَّذِي يَقْوى في مَعْنى "ثُمُ اهْتَدى" أنْ يَكُونَ: ثُمْ حَفِطَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ الِاهْتِداءَ - عَلى هَذا الوَجْهِ - غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ، ورُبَّ مُؤْمِنٍ عَمِلَ صالِحًا قَدْ أوبَقَهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ كالقَدَرِيَّةِ والمُرْجِئَةِ وسائِرِ أهْلِ البِدَعِ والخَوارِجِ، فَمَعْنى "ثُمُ اهْتَدى": ثُمْ مَشى في عَقائِدِ الشَرْعِ عَلى طَرِيقٍ قَوِيمٍ، جَعَلَنا اللهُ تَعالى مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي حِفْظِ المُعْتَقَداتِ يَنْحَصِرُ عِظَمُ أمْرِ الشَرْعِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٨٣ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ٨٤ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ٨٥ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ٨٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أعْجَلَكَ عن قَوْمِكَ يا مُوسى ﴾ ﴿ قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ﴾ ﴿ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السامِرِيُّ ﴾ ﴿ فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ قِصَصُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا شَرَعَ في النُهُوضِ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمُ اللهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَّفَ العاجِلَ والآجِلَ، رَأى - عَلى جِهَةِ الِاجْتِهادِ - أنْ يَتَقَدَّمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وحِرْصًا عَلى القُرْبِ، وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُورِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا، وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى مَعْنى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القِيامِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أُولاءِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: "أولايَ" بِفَتْحِ الياءِ.

وقَوْلُهُ: "عَلى أثَرِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى أثَرِي" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى إثْرِي" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ.

وأعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ إنَّما اسْتَعْجَلَ طَلَبَ الرِضا، فَأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ فَتَنَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيِ اخْتَبَرَهم بِما صَنَعَهُ السامِرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ، أيْ في مَيْلٍ مَعَ الشَهَواتِ، ووُقُوعٍ في اخْتِلافِ كَلِمَةٍ، وقَوْلُهُ: "مِن بَعْدِكَ" أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأضَلَّهُمُ السامِرِيُّ " عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى السامِرِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأضَلُّهُمُ السامِرِيُّ " بِضَمِّ اللامِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ عَنِ السامِرِيِّ أنَّهُ أضَلُّ القَوْمِ.

و" السامِرِيُّ " رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقالُ: إنَّهُ كانَ ابْنُ خالِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ كانَ أصْلُهُ مِنَ العَجَمِ مَن أهْلِ كَرْمانَ، والأوَّلُ أصَحُّ، وكانَ قَصَصُ السامِرِيِّ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا عِنْدَهُ حِيَلٌ وسِحْرٌ، وقَبَضَ القَبْضَةَ مِن أثَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وعَلِمْ بِما أقْدَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ لِفِتْنَةِ القَوْمِ أنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ بِتِلْكَ القَبْضَةِ ما يُرِيدُ مِمّا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوِ ادَّعى النُبُوءَةَ مَعَ ذَلِكَ العَجَلِ لَما صَحَّ ولا جازَ أنْ يَخُورَ ولا أنْ تَتِمُ الحِيلَةُ فِيهِ، لَكِنَّهُ لَمّا ادَّعى لَهُ الرُبُوبِيَّةَ، وعَلاماتُ كَذِبِهِ قائِمَةٌ لائِحَةٌ صَحَّتِ الفِتْنَةُ بِهِ وجازَ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى، كَقِصَّةِ الدَجّالِ الَّذِي تُخْرَقُ لَهُ العاداتُ لِأنَّهُ مُدَّعِي الرُبُوبِيَّةِ، ولَوْ كانَ مُدَّعِيَ نُبُوءَةٍ لَما صَحَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

فَلَمّا رَأى السامِرِيُّ مُوسى قَدْ غابَ، ورَأى بَقِيَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ في طَلَبِهِمْ مِن مُوسى آلِهَةً حِينَ مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ أصْنامًا عَلى صِفَةِ البَقَرِ.

وقِيلَ: كانَتْ بَقَرًا حَقِيقَةً - عَلِمْ أنَّهُ سَيَفْتِنُهم مِن هَذِهِ الطَرِيقِ.

فَيُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُمْ: إنَّ الحُلِيَّ الَّذِي عِنْدَكم مِن مالِ القِبْطِ قَبِيحٌ بِكم حَبْسُهُ، ولَكِنِ اجْمَعُوهُ عِنْدِي حَتّى يَحْكُمُ اللهُ لَكم فِيهِ، وقِيلَ إنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَهم بِجَمْعِهِ ووَضْعِهِ في حُفْرَةٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى ويَسْتَأْذِنَ فِيهِ رَبَّهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ المالُ الَّذِي جَمَعُوهُ لِلسّامِرِيِّ مِمّا لَفَظَ البَحْرُ مِن أمْوالِ القِبْطِ الغارِقِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ، فَرُوِيَ - مَعَ هَذا الِاخْتِلافِ - أنَّ الحُلِيَّ اجْتَمَعَ عِنْدَ السامِرِيِّ، وأنَّهُ صاغَ العِجْلَ وألْقى القَبْضَةَ فِيهِ فَخارَ.

ورُوِيَ - وهو الأصَحُّ والأكْثَرُ - أنَّهُ ألْقى الناسُ الحُلِيَّ في حُفْرَةٍ أو نَحْوِها، وألْقى هو عَلَيْها القَبْضَةَ، فَتَجَسَّدَ العِجْلُ، وهَذا وجْهُ فِتْنَةِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، وعَلى هَذا نَقُولُ: انْخَرَقَتْ لِلسّامِرِيِّ عادَةٌ، وأمّا عَلى أنْ يَصُوغَهُ فَلَمْ تَتَخَرَّقْ لَهُ عادَةٌ، وإنَّما فُتِنُوا حِينَئِذٍ بِخُوارِهِ فَقَطْ، وذَلِكَ الصَوْتُ قَدْ يُولَدُ في الأجْرامِ بِالصَنْعَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِما وقَعَ رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَغْيِيرِ مُنْكَرِهِمْ.

وقَوْلُهُ: "أسِفًا" أيْ: حَزِينًا، مِن حَيْثُ عَلِمْ أنَّهُ مَوْضِعُ عُقُوبَةٍ لا بُدَّ لَهُ بِدَفْعِها، ولا بُدَّ مِنها، و"الأسَفُ" في كَلامِ العَرَبِ مَتى كانَ مِن ذِي قُدْرَةٍ عَلى مَن دُونَهُ فَهو غَضَبٌ، ومَتى كانَ مِنَ الأقَلِّ عَلى الأقْوى فَهو حُزْنٌ.

وتَأمَّلْ ذَلِكَ فَهو مُطَّرِدٌ إنْ شاءَ اللهُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ٨٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمُ غَضَبٌ مِن رَبُّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي  ﴾ ﴿ قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ ﴾ ﴿ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ﴾ وبَخَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَوْمَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، و"الوَعْدُ الحَسَنُ" هو ما وعَدَهم مِنَ الوُصُولِ إلى جانِبِ الطَوْرِ الأيْمَنِ، وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفُتُوحِ في الأرْضِ، والمَغْفِرَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ أهْلَ طاعَتِهِ.

وقَوْلُهُ: وعْدًا، إمّا أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ، والمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَوْعُودِ، ويَكُونُ هو المَفْعُولُ الثانِي بِعَيْنِهِ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى أعْذارٍ لَمْ تَكُنْ ولا تَصِحُّ لَهُمْ، وهي طُولُ العَهْدِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم خُلْفٌ في المَوْعِدِ.

وإرادَةُ غَضَبِ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ، ولَكِنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ مَن لَمْ يَتَدَيَّنْ.

وسُمِّيَ العَذابُ غَضَبًا مِن حَيْثُ هو ناشِئٌ عَنِ الغَضَبِ، والغَضَبُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ جُعِلَ ظُهُورُ النِقْمَةِ والعِقابِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، فَهو مِنَ التَرَدُّدِ بَيْنَ الحالَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ: "بِمَلْكِنا" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِمُلْكِنا" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "بِمِلْكِنا" بِكَسْرِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ لُغاتٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ظاهِرُ الكَلامِ أنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، ولَكِنَّ أبا عَلِيٍّ - وغَيْرَهُ - قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَعانِيها، فَأمّا ضَمُّ المِيمِ فَمَعْناهُ - عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ - لَمْ يَكُنْ لَنا مَلِكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ بِقُوَّتِهِ وسُلْطانِهِ، وإنَّما أخْلَفْناهُ بِنَظَرٍ أدّى إلَيْهِ ما فَعَلَ السامِرِيُّ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ لَهم مَلِكًا، وإنَّما هو كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: يَشْتَكِي سَقْطَةً مِنها وقَدْ رَقَصَتْ بِها المَفاوِزُ حَتّى ظَهْرَها حَدَبٌ أيْ: لا يَكُونُ مِنها سَقْطَةٌ فَتَشْتَكِي، قالَ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا  ﴾ ، أيْ: لَيْسَ مِنهم سُؤالٌ فَيَكُونُ مِنهم إلْحافٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ مِن قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ، وإنَّما مَشى في ذَلِكَ أثَرَ الزُجاجِ دُونَ تَعَقُّبٍ، وقَدْ شَرَحْتُ هَذا المَعْنى في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا  ﴾ ، وتَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الأمْثِلَةِ لِأنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا الِاخْتِلافَ، والأمْثِلَةُ فِيها رَفْعُ الوَجْهَيْنِ.

وَأمّا فَتْحُ المِيمِ فَهو مَصْدَرٌ مِن مَلِكِ، والمَعْنى: ما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنّا مَلَكْنا الصَوابَ ولا وُفِّقْنا لَهُ، بَلْ غَلَبَتْنا أنْفُسُنا.

وأمّا كَسْرُ المِيمِ فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما تَحُوزُهُ اليَدُ، ولَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الَّتِي يُبْرِمُها الإنْسانُ، ومَعْناها كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها.

والمَصْدَرُ مُضافٌ في الوَجْهَيْنِ إلى الفاعِلِ.

والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، أيْ: بِمِلْكِنا الصَوابَ، وهَذا كَما قَدْ يُضافُ أحْيانًا إلى المَفْعُولِ والفاعِلِ مُقَدَّرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن دُعاءِ الخَيْرِ  ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "حُمِّلْنا" بِضَمِّ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حَمَلْنا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ.

و"الأوزارُ": الأثْقالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التَسْمِيَةُ مِن حَيْثُ هي ثَقِيلَةُ الأجْرامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن حَيْثُ تَأْثَمُوا في قَذْفِها وظَهَرَ لَهم أنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ فَكانَتْ آثامًا لِمَن حَمَلَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ ﴾ أيْ: فَكَما قَذَفْنا نَحْنُ فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ ما كانَ بِيَدِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الألْفاظُ تَقْتَضِي أنَّ العِجْلَ لَمْ يَصُغْهُ السامِرِيُّ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِعْلِ السامِرِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا ﴾ ، ومَعْنى "جَسَدًا" أيْ شَخْصًا لا رُوحَ فِيهِ، وقِيلَ: مَعْنى "جَسَدًا": لا يَتَغَذّى، و"الخُوارُ": صَوْتُ البَقَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا العِجْلُ يَخُورُ ويَمْشِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَكَذا تَكُونُ الفِتْنَةُ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ خُوارُهُ بِالرِيحِ، كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ فَيُصَوِّتُ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ٩٠ قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ٩١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ  ﴾ ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي ﴾ ﴿ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَقالُوا" لِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: ضَلُّوا حِينَ قالَ كِبارُهم لِصِغارِهِمْ، و "هَذا" إشارَةٌ إلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنَسِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: فَنَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ وإلَهَهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "فَنَسِيَ" إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عَنِ السامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ دِينَهُ وطَرِيقَ الحَقِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالنِسْيانُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَعْنى الذُهُولِ، وفي الثانِي بِمَعْنى التَرْكِ.

ثُمْ قَرَنَ اللهُ تَعالى مَوْضِعَ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ﴾ ، المَعْنى: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ضَلُّوا أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما هو جَمادٌ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَرْجِعُ قَوْلًا، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟

وهَذِهِ خِلالٌ لا يَخْفى مَعَها الحُدُوثُ والعَجْزُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الخِلالَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ أوجَبَتْ كَوْنَهُ إلاهًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألّا يَرْجِعُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، "وَأنَّ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ: أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألّا يَرْجِعَ"، "وَأنَّ" - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هي الناصِبَةُ.

وأخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ قالَ لَهم في أوَّلِ حالِ العِجْلِ: إنَّما هو فِتْنَةٌ وبَلاءٌ وتَمْوِيهٌ مِنَ السامِرِيِّ، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ والخَلْقُ والِاخْتِراعُ، فاتَّبِعُونِي إلى الطُورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللهُ تَعالى إلَيْهِ، وأطِيعُوا أمْرِي فِيما ذَكَرَتْهُ لَكم.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّما" "وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنَ" بِكَسْرِ الهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنَما" "وَأنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّما" بِالكَسْرِ و"أنَّ" بِالفَتْحِ، والقِراءَةُ الوُسْطى ضَعِيفَةٌ.

فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ وعَظَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ ونَدَبَهم إلى الحَقِّ: لَنْ نَبْرَحَ عابِدِينَ لِهَذا الإلَهِ، عاكِفِينَ عَلَيْهِ، أيْ: لازِمِينَ لَهُ، و"العُكُوفُ": الِانْحِناءُ عَلى الشَيْءِ مِن شِدَّةِ مُلازَمَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: ؎ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا <div class="verse-tafsir"

قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ٩٣ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ٩٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ ﴿ قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ فِي سَرْدِ القِصَصِ اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَوَجَدَ الأمْرَ كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى لَهُ، فَجَعَلَ يُؤَنِّبُ هارُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِحَذْفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِها في الوَصْلِ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ الياءِ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ بِبَنِي إسْرائِيلَ نَحْوَ جَبَلِ الطُورِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِّي لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَشَتْ مَعِي طائِفَةٌ وأقامَتْ طائِفَةٌ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، فَتَفَرَّقَ الجَمْعُ، فَخِفْتُ لَوْمَكَ عَلى التَفْرِيقِ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ ألّا تَسِيرَ بِسَيْرِي وعَلى طَرِيقَتِي في الإصْلاحِ والتَسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِ الأمْرَ كانَ مُتَفاقِمًا، فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ وقَعَ القِتالُ واخْتِلافُ الكَلِمَةِ فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما لا يَنْتُ جُهْدِي.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِمَعْنى: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَبَّعَنِي.

واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ دُخُولِ "لا"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وذَهَبَ حُذّاقُ النُحاةِ إلى أنَّها مُؤَكِّدَةٌ، وأنَّ في الكَلامِ فِعْلًا مُقَدَّرًا، كَأنَّهُ قالَ: ما مَنعُكَ ذَلِكَ، أو خَصَّكَ، أو نَحْوَ هَذا عَلى "ألّا تَتَّبِعَنِ"؟

وما قَبْلُ وما بَعْدُ يَدُلُّ عَلى هَذا ويَقْتَضِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يابْنَ أُمْ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "يا بْنَ أُمّا" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا: وبَناهُ كَخَمْسَةَ عَشَرَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يا بْنَ أُمْ" بِالكَسْرِ عَلى حَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وهو شاذٌّ لِأنَّها لَيْسَتْ كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامِي، وإنَّما هي كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامَ غُلامِي، وهَذِهِ ياءٌ لا تُحْذَفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا ثُمْ أضافَ إلى نَفْسِهِ فَحَذَفَ الياءَ كَما تُحْذَفُ مِنَ الأسْماءِ المُفْرَدَةِ إذا أُضِيفَتْ، نَحْوَ يا غُلامُ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ هارُونُ أخا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا مِن أُمِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ شَقِيقَهُ، وإنَّما دَعاهُ بِأُمِّهِ لِأنَّ التَداعِيَ بِالأُمْ أشْفَقُ وأشَدُّ اسْتِرْحامًا، وأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ هارُونَ غَضَبًا، وكانَ حَدِيدَ الخُلُقِ عَلَيْهِ السَلامُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَـٰسَـٰمِرِىُّ ٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ٩٦ قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ٩٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ﴾ ﴿ قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ ﴿ قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا ﴾ المَعْنى: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُخاطِبًا لِلسّامِرِيِّ: فَما خَطْبُكَ؟

وقَوْلُهُ: "فَما خَطْبُكَ" كَما تَقُولُ: ما شَأْنُكَ؟

وما أمْرُكَ؟، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا؛ لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ؟

وما شُؤْمُكَ؟

وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلِكَ.

و" السامِرِيُّ " قِيلَ: هو مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقالُ: إلى قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: سامِرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ مَعْرُوفَةٌ اليَوْمَ بِبِلادِ مِصْرَ، وقِيلَ: اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: "بَصُرْتُ"، قَرَأتْ فِرْقَةٌ "بَصُرْتُ" بِضَمِّ الصادِ عَلى مَعْنى: صارَتْ بَصِيرَتِي بِصُورَةٍ ما، فَهو كَظَرُفْتُ وشَرُفْتُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَصِرْتُ" بِكَسْرِ الصادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِنَ البَصِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ البَصَرِ، وذَلِكَ أنَّ في أمْرِ السامِرِيِّ ما زادَ عَلى الناسِ بِالبَصَرِ، وهو وجْهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وفَرَسُهُ، وبِالبَصِيرَةِ، وهو ما عَلِمَهُ مِن أنَّ القَبْضَةَ إذا نَبَذَها مَعَ الحُلِيِّ جاءَهُ مِن ذَلِكَ ما يُرِيدُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُبْصِرُوا بِهِ" بِالياءِ، يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُبْصِرُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، يُرِيدُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قَبْضَةً" بِالضادِ مَنقُوطَةً، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وغَيْرُهُمْ: "فَقَبَصْتُ قَبْصَةً" بِالصادِّ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِأصابِعِي فَقَطْ، وقَرَأ الحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ - "قُبْصَةً" بِضَمِّ القافِ.

و"الرَسُولُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الأثَرُ" هو تُرابٌ تَحْتَ حافِرِ فَرَسِهِ.

وَسَبَبُ مَعْرِفَةِ السامِرِيِّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَيَّزَهُ فِيما رُوِيَ أنَّ أُمُ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَطَرَحَتْهُ في مَغارَةٍ، فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ يَغْذُوهُ فِيها ويَحْمِيَهُ حَتّى كَبِرَ وشَبَّ، فَمَيَّزَهُ بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ: "فَنَبَذْتُها" أيْ عَلى الحُلِيِّ فَكانَ مِنها ما تَراهُ، وهَذا مَحْذُوفٌ مِنَ اللَفْظِ يَقْتَضِيهِ الحالُ والمُخاطَبَةُ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ ، أيْ: كَما وقَعَ وحَدَثَ قَرَّبَتْ لِي نَفْسِي وجَعَلَتْهُ لِي سُؤْلًا ورَأْبًا حَتّى فَعَلَتْهُ.

وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا في حَدٍّ أو وحْيٍ، فَعاقَبَهُ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ بِأنْ أبْعَدَهُ ونَحّاهُ عَنِ الناسِ، وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِاجْتِنابِهِ واجْتِنابِ قَبِيلَتِهِ، وأنْ لا يُؤاكِلُوا ولا يُناكِحُوا، ونَحْوَ هَذا، وعَلَّمَهُ مَعَ ذَلِكَ، وجَعَلَ لَهُ أنْ يَقُولَ مُدَّةَ حَيّاتِهِ: "لا مِساسَ"، أيْ: لا مُماسَّةَ ولا إذايَةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا مِساسَ" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ السِينِ، عَلى النَصْبِ بِالتَبْرِئَةِ، وهو اسْمٌ يَنْصَرِفُ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: أصْبَحَ مِن ذاكَ كالسامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسًا ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: حَتّى يَقُولَ الأزْدُ لا مِساسًا واسْتِعْمالُهُ عَلى هَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لا مَساسِ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ، وَهُوَ مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ كَفُجّارٍ ونَحْوِهِ، وشَبَّهَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ بِنِزالٍ ودِراكٍ ونَحْوِهِ، والشَبَهُ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ هي مَعْدُولاتٌ، وفارَقَهُ في أنَّ هَذِهِ عَدَلَتْ عَنِ الأمْرِ، و"مِساسَ" و"فُجّارَ" عَدَلَتْ عَنِ المَصْدَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: تَمِيمٌ كَرَهْطِ السامِرِيِّ وقَوْلِهِ ألّا لا يُرِيدُ السامِرِيُّ مِساسَ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُخْلَفَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لَنْ تُخْلِفَهُ" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ تَسْتَطِيعَ الزَوَغانَ عنهُ والحَيْدَةَ، فَتَزُولُ عن مَوْعِدِ العَذابِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لَنْ نُخْلِفَهُ" بِالنُونِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: المَعْنى: لَنْ نُصادِفَهُ مُخَلَّفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّها بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ.

ثُمْ وبَّخَهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ ﴾ الآيَةَ أيِ: انْظُرْ صَنِيعَكَ وتَغْيِيرَنا لَهُ ورَدَّنا الأمْرَ فِيهِ إلى الواجِبِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلْتَ" بِفَتْحِ الظاءِ، عَلى حَذْفِ اللامِ الواحِدَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظِلْتَ" بِكَسْرِ الظاءِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ اللامِ إلى الظاءِ ثُمْ حَذْفِها بَعْدَ ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: لا أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحُسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شَوَسٌ أرادَ: أحْسُسْنَ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ السِينِ إلى الحاءِ ثُمْ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: حُسَيْنَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلِلْتَ"، و"ظَلَّ" مَعْناهُ: أقامَ يَفْعَلُ الشَيْءَ نَهارًا، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الدائِبِ لَيْلًا ونَهارًا، بِمَثابَةِ طَفِقَ.

و"عاكِفًا" مَعْناهُ: مُلازِمًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنُحْرِقَنَّهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ بِمَعْنى: بِالنارِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَنَحْرُقَنَّهُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ خَفِيفَةً، بِمَعْنى: لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، وقَرَأ نافِعٌ وغَيْرُهُ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وهَذا تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ الحَرْقَ بِالنارِ، وتَحْتَمِلُ بِالمِبْرَدِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما: "لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمْ لَنَحْرُقَنَّهُ ثُمْ لَنَنْسِفَنَّهُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ مَعَ رِوايَةِ مَن رَوى أنَّ العِجْلَ صارَ لَحْمًا ودَمًا، وعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَتَرَكَّبُ أنْ يَكُونَ هُناكَ حَرْقٌ بِنارٍ، وإلّا فَإذا كانَ جَمادًا مِن ذَهَبٍ فَإنَّما هو حَرْقٌ بِمِبْرَدٍ، اللهم إلّا أنْ تَكُونَ إذابَهً، ويَكُونُ النَسْفُ مُسْتَعارًا لِتَفْرِيقِهِ في اليَمِّ مُذابًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسِفَنَّهُ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسُفَنَّهُ" بِضَمِّ السِينِ، و"النَسْفُ": تَفْرِيقُ الرِيحِ الغُبارَ، وكُلَّ ما هو مِثْلَهُ كَتَفْرِيقِ الغِرْبالِ ونَحْوِهُ فَهو نَسْفٌ.

و"اليَمُّ": غَمَرَ الماءَ مِن بَحْرٍ أو نَهْرٍ، وكُلُّ ما غَمَرَ الإنْسانَ مِنَ الماءِ فَهو يَمٌّ.

و"نَسْفًا" تَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ، واللامِ في قَوْلِهِ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" لامُ القَسَمِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القِصَصِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَرَدَ العِجْلَ حَتّى رَدَّهُ كالغُبارِ ثُمْ ذَراهُ في البَحْرِ، ثُمْ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَشْرَبَ جَمِيعَهم مِنَ الماءِ، فَمَن شَرِبَ مِمَّنْ كانَ في قَلْبِهِ حُبُّ العِجْلِ خَرَجَ عَلى شارِبِهِ مِنَ الذَهَبِ فَضِيحَةً لَهُ، وقالَ مَكِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَأسْنَدَ -: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ، وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عنهُمْ، وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعَ لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ أعْلَمَهم مُوسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ رِوايَةُ الجُمْهُورِ عَلى خِلافِها، وإنَّما تَعَجَّلَ مُوسى وحْدَهُ فَوَقَعَ أمْرُ العِجْلِ، ثُمْ جاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وصَنَعَ بِالعِجْلِ ما صَنَعَ، ثُمْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَبْعِينَ عَلى مَعْنى الشَفاعَةِ في ذَنْبِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ يُطْلِعَهم أيْضًا عَلى أمْرِ المُناجاةِ فَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهْضَتانِ، واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا ٩٨ كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًۭا ٩٩ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا ١٠٠ خَـٰلِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلًۭا ١٠١ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا ١٠٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما إلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا ﴾ ﴿ مَن أعْرَضَ عنهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا ﴾ ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَيِّنًا لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ بِمَعْنى: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، و"عِلْمًا" تَمْيِيزٌ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "تَفَقَّأتْ شَحْمًا" و"تَصَبَّبَتْ عَرَقًا"، والمَصْدَرُ في الأصْلِ فاعِلٌ، ولَكِنْ يُسْنَدُ الفِعْلُ إلى غَيْرِهِ ويُنْصَبُ هو عَلى التَمْيِيزِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "وَسَّعَ كُلَّ شَيْءٍ" بِفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، بِمَعْنى: خَلْقُ الأشْياءِ وكُثْرُها بِالِاخْتِراعِ فَوَسَّعَها مَوْجُوداتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ ﴾ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ  ، أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ نَبَأ بَنِي إسْرائِيلَ هَذا في خَبَرِ العِجْلِ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَكَذا نَقُصُّ عَلَيْكَ، فَكَأنَّها تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ، وقَوْلُهُ: "ما قَدْ سَبَقَ" يُرِيدُ بِهِ ما قَدْ سَبَقَ مُدَّةَ مُحَمَّدٍ  ، و"الذِكْرُ": القُرْآنُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْمِلُ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: "يُحَمَّلُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن أعْرَضَ عنهُ ﴾ يُرِيدُ: بِالكُفْرِ بِهِ والتَكْذِيبِ لَهُ، و"الوِزْرُ": الثِقَلُ، وهو هُنا ثِقَلُ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيهِ"، و"حِمْلًا" تَمْيِيزٌ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِنهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْفَخُ" بِضَمِّ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَنْفُخُ" بِفَتْحِ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ يَنْفُخُ المَلِكُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "نَنْفُخُ" بِالنُونِ، أيْ: بِأمْرِنا وإذْنِنا، وهَذِهِ القِراءَةُ تُناسِبُ قَوْلَهُ: "نَحْشُرُ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُورِ" بِسُكُونِ الواوِ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّهُ القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وبِهَذا جاءَتِ الأحادِيثُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُوَرُ: جَمَعَ صُورَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ، وهَذِهِ صَرِيحَةٌ في بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: "وَنَحْشُرُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَحْشُرُ" بِالياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُحْشَرُ" بِضَمِّ الياءِ "المُجْرِمُونَ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمَّ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةٌ مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.

وقَوْلُهُ: "زُرْقًا" اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِحَشْرِهِمْ أوَّلَ قِيامِهِمْ سُودَ الألْوانِ زُرْقَ العُيُونِ، فَهو تَشْوِيهٌ ما، ثُمْ يُعْمَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي مَواطِنُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عِطاشًا، والعَطَشُ الشَدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، فَكَأنَّهم يَبْيَضُّ سَوادُ عُيُونِهِمْ مِن شِدَّةِ العَطَشِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: زُرْقَ الألْوانِ، وهي غايَةٌ في التَشْوِيهِ لِأنَّهُمْ: يَجِيئُونَ كَلَوْنِ الرَمادِ، ومَهِيعُ كَلامِ العَرَبِ أنْ يُسَمّى هَذا اللَوْنُ أزْرَقَ، ومِنهُ زُرْقَةُ الماءِ، قالَ الشاعِرُ: لَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ وضَعْنَ عَصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمْ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "سِنانٌ أزْرَقُ" لِأنَّهُ نَحْوَ ذَلِكَ اللَوْنِ.

<div class="verse-tafsir"

يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًۭا ١٠٣ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًۭا ١٠٤ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا ١٠٥ فَيَذَرُهَا قَاعًۭا صَفْصَفًۭا ١٠٦ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا ١٠٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا ﴾ ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا ﴾ ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ﴾ ﴿ فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا ﴾ ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ "يَتَخافَتُ المُجْرِمُونَ بَيْنَهُمْ": يَتَسارَوْنَ، المَعْنى أنَّهم لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عنهم قَدْرَ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: في دارِ الدُنْيا ومُدَّةِ العُمْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الأرْضِ مُدَّةَ البَرْزَخِ، وقالَتْ أُخْرى: ما بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ في الصُوَرِ.

و ﴿ أمْثَلُهم طَرِيقَةً ﴾ مَعْناهُ: أثْبَتُهم نَفْسًا وأعْلَمُهم بِالحَقِيقَةِ بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ، فَهم في هَذِهِ المَقالَةِ يَظُنُّونَ أنَّ هَذا قَدْرُ لُبْثِهِمْ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيَسْئَلُونَكَ"، قِيلَ: إنَّ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ سَألَ رَسُولَ اللهِ  عَنِ الجِبالِ، ما يَكُونُ أمْرُها يَوْمَ القِيامَةِ؟

وقِيلَ: بَلْ سَألَهُ عن ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى النَسْفِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيُدَكْدِكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمْ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى تُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ، فَذَلِكَ هو النَسْفُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيَذَرُها" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَواضِعَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ التُرابَ الَّذِي نَسَفَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَقَعُ عَلى الأرْضِ بِاعْتِدالٍ حَتّى تَكُونَ الأرْضُ كُلُّها مُسْتَوِيَةً.

و"القاعُ": المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ المُعْتَدِلُ الَّذِي لا نَشَزَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ الخَطّابِ: لَتَكُونَنَّ بِالبِطاحِ قُرَيْشٌ بُقْعَةَ القاعِ في أكُفِّ الإماءِ.

و"الصَفْصَفُ" نَحْوَهُ في المَعْنى.

و"العِوَجُ" ما يَعْتَرِي اعْتِدالَ الأرْضِ مِنَ الأخْذِ يَمْنَةً ويَسْرَةً بِحَسْبَ النَشْزِ مِن جَبَلٍ وظَرِبٍ وكَدِيَةٍ ونَحْوِهِ، و"الأمْتُ": ما يَعْتَرِي الأرْضَ مِنَ ارْتِفاعٍ وانْخِفاضٍ، يُقالُ: "مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما تَرَكَ فِيهِ أمْتًا"، فَكَأنَّ "الأمْتَ" في الآيَةِ العَوَجُ في السَماءِ تِجاهَ الهَواءِ، و"العِوَجُ" في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالخَفْضِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَئِذٍۢ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا ١٠٨ يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا ١٠٩ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا ١١٠ ۞ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا ١١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ المَعْنى: يَوْمَ نَنْسِفُ الجِبالَ يَتْبَعُ الخَلائِقُ داعِيَ اللهِ تَعالى إلى المَحْشَرِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ إلى الداعِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ لا عِوَجَ لَهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ بِهِ، أيْ: لا شَكَّ فِيهِ، ولا يُخالِفُ وُجُودُهُ خَبَرَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لا مَحِيدَ لِأحَدٍ عَنِ اتِّباعِهِ، والمَشْيِ نَحْوَ صَوْتِهِ.

و"الخُشُوعُ": التَطامُنُ والتَواضُعُ، وهو في الأصْواتِ اسْتِعارَةٌ بِمَعْنى الخَفاءِ والِاسْتِسْرارِ، ومَعْنى: "لِلرَّحْمَنِ": لِهَيْبَتِهِ وهَوْلِ مَطْلَعِ قُدْرَتِهِ.

و"الهَمْسُ": الصَوْتُ الخَفِيُّ الخافِتُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ "بِالهَمْسِ المَسْمُوعِ" تَخافُتَهم بَيْنَهم وكَلامَهُمُ السِرَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ صَوْتَ الأقْدامِ، وأنَّ أصْواتَ النُطْقِ ساكِنَةٌ.

و "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، ويَكُونُ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ يُرادُ بِها المَشْفُوعُ لَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى تَقْدِيرِ: لَكِنَّ مَن أذِنَ لَهُ الرَحْمَنُ يَشْفَعُ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَما يَجُوزُ الوَجْهانِ في قَوْلِكَ: "ما في الدارِ أحَدٌ إلّا حِمارًا، وإلّا حِمارٌ"، والنُصْبُ أوجَهُ، و "مَن" - عَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ - لِلشّافِعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ خَلْقَهُ أجْمَعَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَرْتِيبٍ ما بَيْنَ اليَدِ وما خَلْفَهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، عَلى أنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا في هَذِهِ الآيَةِ: ما خَلْفَهُمُ: الدُنْيا، وما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: أمْرُ الآخِرَةِ والثَوابُ والعِقابُ، وهَذا بِأنْ يَعْرِضَها حالَةَ وُقُوفٍ حَتّى يَجْعَلَها كالأجْرامِ، وأمّا إنْ قَدَّرْناها في نَسَقِ الزَمانِ فالأمْرُ عَلى العَكْسِ بِحُكْمِ ما بَيَّناهُ قَبْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَنَتِ الوُجُوهُ ﴾ مَعْناهُ: ذَلَّتْ، والعانِي: الأسِيرُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في أمْرِ النِساءِ: «هُنَّ عِوانٍ عِنْدَكم»، وهَذِهِ حالَةُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: أرادَ تَعالى سُجُودَ الناسِ عَلى الوُجُوهِ والآرابِ السَبْعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ رُوِيَ هَذا أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ سُجُودًا، وجَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا فَقَوْلُهُ مُسْتَقِيمٌ، وإنْ كانَ أرادَ سُجُودَ الدُنْيا فَإنَّهُ أفْسَدَ المَعْنى، و"القَيُّومُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِن قِيامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَجِبُ فِيهِ.

و"خابَ" مَعْناهُ: لَمْ يَنْجَحْ ولا ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ، و"الظُلْمُ" يَعُمُ الشِرْكَ والمَعاصِي، وخَيْبَةُ كُلِّ حامِلٍ بِقَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الظُلْمِ، فَخَيْبَةُ المُشْرِكِ عَلى الإطْلاقِ، وخَيْبَةُ العاصِي مُقَيَّدَةٌ بِوَقْتٍ وحَدٍّ في العُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا ١١٢ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ١١٣ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ١١٤

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أو يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا ﴾ ﴿ فَتَعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ مَن حَمَلَ ظُلْمًا  ﴾ ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ الصالِحاتِ ﴾ تَيْسِيرٌ في الشَرْعِ؛ لِأنَّها "مِنَ" الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، و"الظُلْمُ" أعَمُّ مِنَ "الهَضْمِ"، وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى ويَتَداخَلانِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَناسَقا في هَذِهِ الآيَةِ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى تَخْصِيصِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْنى، فَقالُوا: الظُلْمُ أنْ تَعْظُمْ عَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ وتَكْثُرَ أكْثَرَ مِمّا يَجِبُ، والهَضْمُ أنْ يَنْقُضَ حَسَناتِهِ ويَبْخَسَها، وكُلَّهم قَرَأ: "فَلا يَخافُ" عَلى الخَبَرِ، غَيْرُ ابْنِ كَثِيرٍ فَإنَّهُ قَرَأ: "فَلا يَخْفَ" عَلى النَهْيِ ثُمْ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ ﴾ أيْ: كَما قَدَّرْنا هَذِهِ الأُمُورَ وجَعَلْناها حَقِيقَةً بِالمِرْصادِ لِلْعِبادِ، كَذَلِكَ حَذَّرْنا هَؤُلاءِ أمْرَنا، وأنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وتَوَعَّدْنا فِيهِ بِأنْواعٍ مِنَ الوَعِيدِ، لَعَلَّهم - بِحَسْبِ تَوَقُّعِ البَشَرِ وتَرَجِّيهِمْ - يَتَّقُونَ ويَخْشَوْنَ عِقابَهُ فَيُؤْمِنُونَ ويَتَذَكَّرُونَ نِعَمَهُ عِنْدَهم وما حَذَّرَهم مِن ألِيمِ عِقابِهِ، هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿ أو يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أو يُكْسِبُهم شَرَفًا، ويُبْقِي عَلَيْهِمْ إيمانَهم وذِكْرًا صالِحًا في الغابِرِينَ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "أو يَحْدُثْ" ساكِنَةَ الثاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "أو نُحْدِثُ" بِالنُونِ وسُكُونِ الثاءِ، ولا وجْهَ لِلْجَزْمِ إلّا عَلى أنَّ تَسْكِينَ حَرْفِ الإعْرابِ اسْتِثْقالًا لِحَرَكَتِهِ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ جَرِيرٍ: ................................

ولا تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ ﴾ خَتْمٌ لِلْقَوْلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَدَّمَ صِفَةَ سُلْطانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وعِظَمَ قُدْرَتِهِ وذِلَّةَ عَبِيدِهِ وتَلَطُّفَهُ بِهِمْ، خَتَمَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ القَوْلِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُهُ أنَّ النَبِيَّ  كانَ يَخافُ وقْتَ تَكَلُّمْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ لَهُ أنْ يَنْسى أوَّلَ القُرْآنِ، فَكانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَسْتَتِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ الوَحْيَ، فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ، وهي بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَبِيَّ  كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ القُرْآنَ أمَرَ بِكُتُبِهِ لِلْحِينِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَتَأنّى حَتّى تُفَسَّرَ لَهُ المَعانِي وتُقَرَّرَ عِنْدَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ الآيَةِ «أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى رَسُولِ اللهِ  أنَّ زَوْجَها لَطَمَها، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ  : "بَيْنَكُما القِصاصُ"، ثُمْ نَزَلَتْ ﴿ الرِجالُ قَوّامُونَ  ﴾ »، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَعْنى التَثَبُّتِ في الحُكْمِ بِالقُرْآنِ حَتّى يُبَيِّنَ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن قَبْلِ أنْ يَقْضِيَ إلَيْكَ وحْيَهُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، "مِن قَبْلِ أنْ يَقْضِيَ إلَيْكَ وحْيَهُ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، رَغْبَةً في خَيْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا ١١٥ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ١١٦ فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ١١٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى ﴾ ﴿ فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ قالَ الطَبَرَيُّ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: وإنْ يُعْرِضْ - يا مُحَمَّدُ - هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ عن آياتِي ويُخالِفُوا رُسُلِي ويُطِيعُوا إبْلِيسَ: فَقَدِيمًا ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُوهم آدَمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ أنَّ كَوْنَ آدَمَ مِثالًا لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وآدَمُ إنَّما عَصى بِتَأْوِيلٍ، فَفي هَذا غَضاضَةٌ عَلَيْهِ  ، وأمّا الظاهِرُ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ قِصَصٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وإمّا أنْ يُجْعَلَ تَعَلُّقَهُ أنَّهُ لَمّا عُهِدَ إلى مُحَمَّدٍ  ألّا يَعْجَلَ بِالقُرْآنِ مُثِّلَ لَهُ بِنَبِيٍّ قَبْلَهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ فَعُوقِبَ؛ لِيَكُونَ أشَدَّ في التَحْذِيرِ وأبْلَغَ في العَهْدِ إلى مُحَمَّدٍ  .

والعَهْدُ هُنا في مَعْنى الوَصِيَّةِ، و"نَسِيَ" مَعْناهُ: تَرَكَ، ونِسْيانُ الذُهُولِ لا يُمْكِنُ هُنا؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِالناسِي عِقابٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَنَسِيَ" بِسُكُونِ الياءِ، ووَجْهُها طَلَبُ الخِفَّةِ.

و"العَزْمُ": المُضِيُّ عَلى المُعْتَقَدِ في أيِّ شَيْءٍ كانَ، وآدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مُعْتَقِدًا ألّا يَأْكُلَ مِنَ الشَجَرَةِ، لَكِنَّهُ لَمّا وسْوَسَ إلَيْهِ إبْلِيسُ لَمْ يَعْزِمْ عَلى مُعْتَقَدِهِ.

وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ العَزْمِ هُنا بِالصَبْرِ وبِالحِفْظِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو أعَمُّ مِن حَقِيقَةِ العَزْمِ.

والشَيْءُ الَّذِي عُهِدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ هو ألّا يَقْرَبَ الشَجَرَةَ، وأُعْلِمْ مَعَ ذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَهُ.

وقالَ أبُو أُمامَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَوْ أنَّ أحْلامَ بَنِي آدَمَ جُمِعَتْ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ووُضِعَتْ في كِفَّةِ مِيزانٍ ووُضِعَ حُلْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في كِفَّةٍ أُخْرى لَرَجَحَهُمْ، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ الآيَةُ ابْتِداءُ قِصَّةٍ، والعامِلُ في "إذْ" فَعَلَ مُضْمَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ هَذِهِ القِصَّةِ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِن ذَلِكَ ما تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، فالمَلائِكَةُ قِيلَ كانَ جَمِيعُهم مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ فَرِقَّةٌ فاضِلَةٌ مِنهم عَدَدُهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ.

و"السُجُودُ" الَّذِي أُمِرُوا بِهِ سُجُودُ كَرامَةٍ لِآدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وعِبادَةٍ لِلَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ في قَوْلِ مَن جَعَلَ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ، ومُنْقَطِعٌ في قَوْلِ مَن قالَ: هو مِن قَبِيلَةٍ غَيْرِ المَلائِكَةِ يُقالُ لَها الجِنُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى ﴾ ، أيْ: لا يَقَعُ مِنكُما طاعَةٌ لَهُ في إغْوائِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ خُرُوجِكُما مِنَ الجَنَّةِ.

ثُمْ خَصَّصَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: "فَتَشْقى" مِن حَيْثُ كانَ المُخاطَبُ أوَّلًا المَقْصُودُ في الكَلامِ، وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ الشَقاءِ في مَعِيشَةِ الدُنْيا في حَيِّزِ الرِجالِ.

ورُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أُهْبِطَ هَبَطَ مَعَهُ ثَوْرٌ أحْمَرُ، فَكانَ يَحْرُثُ ويَمْسَحُ العَرَقَ، فَهَذا هو الشَقاءُ الَّذِي خُوِّفَ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ١١٨ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ١١٩ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ ١٢٠ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى ﴾ ﴿ وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى ﴾ ﴿ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى ﴾ ﴿ فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ﴾ المَعْنى: إنَّ لَكَ يا آدَمُ نِعْمَةً تامَّةً وعَطِيَّةً مُسْتَمِرَّةً ألّا يُصِيبَكَ جُوعٌ ولا عُرْيٌ ولا ظَمَأٌ ولا بُرُوزٌ لِلشَّمْسِ يُؤْذِيكَ، وهو الضُحى، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَإنَّكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "وَأنَّكَ" بِفَتْحِ الألِفِ، وَجَعَلَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الجُوعَ مَعَ العُرْيِ، والظَمَأ مَعَ الضُحى، وكانَ عُرْفُ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الجُوعُ مَعَ الظَمَإ لِلتَّناسُبِ، والعُرْيُ مَعَ الضُحى لِأنَّها لا تَتَضادُّ، والعُرْيُ يَمَسُّ بِسَبَبِهِ البَرْدُ فَيُؤْذِي، والحَرُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالضاحِي، وهَذِهِ الطَرِيقَةُ مَهِيعٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تُفَرِّقَ النَسَبَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: أنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ∗∗∗ لَمْ أسَبَإ الزِقَّ الرَوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ وذَهَبَ بَعْضُ الأُدَباءِ إلى أنَّ بَيْتَيِ امْرِئِ القَيْسِ فِيهِما مُحافَظَةٌ لِلنَّسَبِ، وأنَّ رُكُوبَ الخَيْلِ لِلصَّيْدِ وغَيْرِهِ مِنَ اللَذّاتِ يُناسِبُ تُبْطِنَ الكاعِبِ.

ومِنَ الضُحى قَوْلُ الشاعِرِ: أتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَمْسُ عارَضَتْ ∗∗∗ فَيُضْحِي وأمّا بِالعَشِيِّ فَيُخْصِرُ و"وَسْوَسَةُ الشَيْطانِ" قالُوا: كانَتْ دُونَ مُشافَهَةٍ إلْقاءً في النَفْسِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بِالمُشافَهَةِ والمُخاطَبَةِ، وهو ظاهِرُ القِصَّةِ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ، وكانَ دُخُولُهُ إلى الجَنَّةِ فِيما رُوِيَ - في فَمِ الحَيَّةِ، وكانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ قالَ اللهُ لَهُ: لا تَأْكُلْ مِن هَذِهِ الشَجَرَةِ، وعَيَّنَ لَهُ شَجَرَةً قَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في جِنْسِها، فَلَمّا وصَفَها لَهُ إبْلِيسُ أنَّها شَجَرَةُ الخُلْدِ الَّتِي مَن أكَلَها كانَ مَلَكًا مُخَلَّدًا، عَمَدَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى غَيْرِ تِلْكَ الَّتِي نُهِيَ عنها مِن جِنْسِها فَأكَلَها بِتَأْوِيلِ أنَّ النَهْيَ كانَ عَلى النَدْبِ لا عَلى التَحْرِيمِ، وسارَعَتْ إلى ذَلِكَ حَوّاءُ وكانَتْ مَعَهُ في النَهْيِ، فَلَمّا رَآها آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ أكَلَتْ أكَلَ، فَطارَتْ عنهُما ثِيابُها، وظَهَرَ تَبَرُّءُ الأشْياءِ مِنهُما، وبَدَتْ سَوْءاتُهُما.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَطَفِقا يَخْصِفانِ ﴾ مَعْناهُ: جَعَلا يَفْعَلانِ ذَلِكَ دائِمًا، و"يَخْصِفانِ" مَعْناهُ: يُلَفِّقانِ ويَضُمّانِ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، فَكانا يَسْتَتِرانِ بِالوَرَقِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِن ورَقِ التِينِ.

ثُمْ نَصَّ تَبارَكَ وتَعالى عَلى آدَمَ أنَّهُ عَصى، و"غَوى" مَعْناهُ: ضَلَّ، مِنَ الغَيِّ الَّذِي هو ضِدُّ الرُشْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ" بِفَتْحِ الألِفِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "ألّا تَجُوعَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَ إنَّكَ لا تَظْمَأُ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ لَكَ".

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ١٢٢ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ١٢٣ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًۭا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ١٢٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى ﴾ ﴿ قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى ﴾ ﴿ وَمَن أعْرَضَ عن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴾ ﴿ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى ﴾ "اجْتَباهُ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَهُ واصْطَفاهُ، و"تابَ عَلَيْهِ" مَعْناهُ: رَجَعَ بِهِ مِن حالِ المَعْصِيَةِ إلى حالِ النَدَمِ وهَداهُ لِصَلاحِ الأقْوالِ والأعْمالِ، وأمْضى عُقُوبَتَهُ عَزَّ وجَلَّ في إهْباطِهِ مِنَ الجَنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "اهْبِطا" مُخاطَبَةَ آدَمَ وحَوّاءَ، ثُمْ أخْبَرَهُما بِقَوْلِهِ: "جَمِيعًا" أنَّ إبْلِيسَ والحَيَّةَ يَهْبِطانِ مَعَهُما، وأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْسالِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، و"عَدُوٌّ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ شَرْطٌ، وجَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ ﴾ وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ القِسْمِ الثانِي، والهُدى مَعْناهُ دَعْوَةُ شَرْعِي.

ثُمْ أعْلَمَهم أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَدّاهُ وآمَنَ بِهِ فَإنَّهُ لا يَضِلُّ في الدُنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ، وأنَّ مَن أعْرَضَ عن ذِكْرِ اللهِ وكَفَرَ بِهِ فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، و"الضَنْكُ": النَكَدُ الشاقُّ مِنَ العَيْشِ في المَنازِلِ أو في مُواطِنِ الحَرْبِ ونَحْوِها، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: ...........................

وإنْ نَزَلُوا يَوْمًا بِضَنْكٍ أنْزِلُ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُؤَنَّثُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ضَنْكى"، أُتْبِعَتْ بِالصِفَةِ لَفْظَةُ "المَعِيشَةِ".

واخْتَلَفَ الناسُ في المَعِيشَةِ الضَنْكِ، مَتى هو الوَقْتُ الَّذِي هي فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي الدُنْيا، ومَعْنى ذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ مُتَّسِعَ الحالِ والمالِ فَمَعَهُ مِنَ الحِرْصِ والأمَلِ والتَعْذِيبِ بِأُمُورِ الدُنْيا والرَغْبَةِ واتِّساعِ صَفاءِ العَيْشِ بِذَلِكَ ما يَصِيرُ مَعِيشَتَهُ ضَنْكًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي ضَنْكٌ بِأكْلِ الحَرامِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ العِيشَةُ الضَنْكُ هي في البَرْزَخِ، وهو أنْ يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ غُدُوًّا ورَواحًا، وبِالجُمْلَةِ عَذابُ القَبْرِ عَلى ما رُوِيَ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَمْلُ هَذِهِ الفِرْقَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ المَعِيشَةَ الضَنْكَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى  ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَعِيشَةُ الضَنْكُ في الآخِرَةِ، وهي عَذابُهم في جَهَنَّمَ وأكْلُهُمُ الزَقُّومَ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ مِن وعِيدٍ لَهُمْ، ثُمْ أخْبَرَ عن حالَةٍ أُخْرى هي أيْضًا في يَوْمِ القِيامَةِ وهي حَشْرُهم عُمْيًا، ثُمْ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى  ﴾ مَعْنى هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَنْكِ والعَمى ونَحْوِهِ هو عَذابُهُ في الآخِرَةِ، وهو أشَدُّ وأبْقى مِن كُلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الظَنُّ والتَخَيُّلُ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ نَوْعًا مِن عَذابِ الآخِرَةِ ثُمْ ذَكَرَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَنَحْشُرُهُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَحْشُرُهُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَنَحْشُرُهُ" بِسُكُونِ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أعْمى" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أعْمى" بِالإمالَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَمى هُنا هو عَمى البَصِيرَةِ عَنِ الحُجَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ كانَ هَذا لَمْ يُحِسَّ الكافِرُ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ ماتَ أعْمى البَصِيرَةِ ويُحْشَرُ كَذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَمى عَمى البَصَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأوجَهُ، مَعَ أنَّ عَمى البَصِيرَةِ حاصِلٌ في الوَجْهَيْنِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا  ﴾ فَمَن رَآهُ "فِي العَيْنِ" فَلا بُدَّ أنْ يَتَأوَّلَها مَعَ هَذا إمّا أنَّها في طائِفَتَيْنِ وإمّا في مَوْطِنَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا ﴾ ، "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى العَمى الَّذِي حَلَّ بِهِ، أيْ مِثْلِ هَذا في الدُنْيا أنْ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، و"النِسْيانُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى التَرْكِ، ولا مَدْخَلَ لِلذُّهُولِ في هَذا المَوْضِعِ، و"تُنْسى" بِمَعْنى: تَتْرُكُ في العَذابِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القُرَشِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ١٢٧ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ١٢٨ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًۭا وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ١٢٩ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ١٣٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُهى ﴾ ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى ﴾ ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ﴾ المَعْنى: وكَما وصَفْنا مِن ألِيمِ الأفْعالِ نَجْزِي المُسْرِفِينَ المُتَعَدِّينَ الكُفّارَ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى ﴾ إنْ كانَتْ مَعِيشَةُ الضَنْكِ في الدُنْيا أو في البَرْزَخِ فَجاءَ هَذا وعِيدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ وعِيدٍ، وإنْ كانَتِ المَعِيشَةُ "الضَنْكُ" في الآخِرَةِ فَأكَّدَ الوَعِيدُ بِعَيْنِهِ هَذا القَوْلَ الَّذِي جَعَلَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ فَوْقَ كُلِّ عَذابٍ يَتَخَيَّلُهُ الإنْسانُ أو يَقَعُ في الدُنْيا.

ثُمُ ابْتَدَأ يُوَبِّخُهم ويَذَكِّرُهُمُ العِبَرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ .

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَهْدِ" بِالياءِ بِمَعْنى: يَتَبَيَّنُ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في الفاعِلِ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الفاعِلُ "كَمْ"، وهَذا قَوْلٌ كُوفِيٌّ، ونُحاةُ البَصْرَةِ لا يُجِيزُونَهُ؛ لِأنَّ "كَمْ" لَها صَدْرُ الكَلامِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفَلَمْ يَهْدِ لَهم مَن أهْلَكْنا"، فَكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُناسِبُ ذَلِكَ التَأْوِيلَ في "كَمْ"، وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاعِلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: أفَلَمْ يَهْدِ لَهم ما جَعَلَ اللهُ لَهم مِنَ الآياتِ والعِبَرِ، فَأضافَ الفِعْلَ إلى اللهِ تَعالى بِهَذا الوَجْهِ: قالَهُ الزَجّاجُ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاعِلُ مُقَدَّرٌ، الهُدى أوِ الأمْرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أوِ النَظَرُ والِاعْتِبارُ، هَذا أحْسَنُ ما يُقَدَّرُ بِهِ عِنْدِي.

وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَهْدِ" بِالنُونِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُناسِبُ تَأْوِيلَ مَن قالَ في الَّتِي قَبِلَها: الفاعِلُ اللهُ، و"كَمْ" - عَلى هَذِهِ الأقْوالِ - نُصِبَ بِـ "أهْلَكْنا".

ثُمْ قَيَّدَ "القُرُونَ" بِأنَّهم يَمْشِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ في مَساكِنِهِمْ، فَإنَّما أرادَ عادًا وثَمُودَ والطَوائِفَ الَّتِي كانَتْ قُرَيْشٌ تَجُوزُ عَلى بِلادِهِمْ في المُرُورِ إلى الشامِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُمَشَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ.

و"النُهى" جَمْعُ نُهْيَةٍ، وهو ما يَنْهى الإنْسانَ عن فِعْلِ القَبِيحِ.

ثُمْ أعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ العَذابَ كانَ يَصِيرُ لَهم لِزامًا لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في تَأْخِيرِهِ عنهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى عِنْدَهُ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ في التَأْخِيرِ لِأجَلٍ مُسَمًّى لَكانَ العَذابُ لِزامًا، كَما تَقُولُ: لَكانَ حَتْمًا أو واجِبًا واقِعًا، لَكِنَّهُ قَدَّمَ وأخَّرَ لِتَتَشابَهَ رُؤُوسُ الآيِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الأجَلِ -فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ.

والعَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ - عَلى هَذا - هو عَذابُ جَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأجَلِ مَوْتَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.

فالعَذابُ - عَلى هَذا - ما يَلْقى في قَبْرِهِ وما بَعْدَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأجِلِ يَوْمَ بَدْرٍ.

فالعَذابُ - عَلى هَذا - هو قَتْلُهم بِالسَيْفِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِمّا ذَكَرْناهُ قالَتْ فِرْقَةٌ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنْ يَوْمَ بَدْرٍ هو اللِزامُ، وهو البَطْشَةُ الكُبْرى.

ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالصَبْرِ عَلى أقْوالِهِمْ: إنَّهُ ساحِرٌ، وإنَّهُ كاهِنٌ، وإنَّهُ كَذّابٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى: لا تَحْفُلُ بِهِمْ فَإنَّهم مُدْرِكَةُ المُهْلِكَةِ.

وكَوْنُ اللِزامِ يَوْمَ بَدْرٍ أبْلَغُ في آياتِ نَبِيِّنا  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، قالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ الخَمْسِ: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ ﴾ : صَلاةُ الصُبْحِ، ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِها ﴾ : صَلاةُ العَصْرِ، ﴿ وَمِن آناءِ اللَيْلِ ﴾ : العَتَمَةُ، ﴿ وَأطْرافَ النَهارِ ﴾ : المَغْرِبُ والظَهْرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ آناءِ اللَيْلِ ﴾ : المَغْرِبُ والعَشاءُ، و" أطْرافَ النَهارِ ": الظَهْرُ وحْدَها، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرادَ قَوْلُ: "سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ" مِن بَعْدِ صَلاةِ الصُبْحِ إلى رَكْعَتِي الضُحى، وقَبْلَ غُرُوبِ الشَمْسِ؛ فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : «مَن سَبَّحَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَمْسِ تَسْبِيحَةً غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وسَمّى الطَرَفَيْنِ أطْرافًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما  ﴾ ، وإمّا عَلى أنْ يَجْعَلَ النَهارَ لِلْجِنْسِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ طَرَفٌ، وهي الَّتِي جَمَعَ.

وأمّا مَن قالَ: " أطْرافَ النَهارِ " لِصَلاةِ الظُهْرِ وحْدَها فَلا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَتَمَسَّكَ بِأنْ يَكُونَ النَهارُ لِلْجِنْسِ كَما قُلْنا، أو يَقُولَ: إنَّ النَهارَ يَنْقَسِمْ قِسْمَيْنِ فَصَلَهُما الزَوالُ، ولِكُلِّ قِسْمٍ طَرَفانِ، فَعِنْدَ الزَوالِ طَرَفانِ، الآخَرُ مِنَ القَسَمِ الأوَّلِ، والأوَّلُ مِنَ القَسَمِ الآخَرِ، فَقالَ عَنِ الطَرَفَيْنِ: أطْرافًا عَلى نَحْوِ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما  ﴾ ، وأشارَ إلى هَذا النَظَرِ أبُو بَكْرٍ بْنُ فَوْرَكٍ في "المُشْكِلِ".

و"الآناءُ" جَمْعُ "إنى" وهي الساعَةُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ: لْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القَدَحِ مَرَّتْهُ في كُلِّ إنى قُضاةُ اللَيْلِ يَنْتَعِلُ وَقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى نَوافِلَ، فَمِنها آناءُ اللَيْلِ، ومِنها قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ، ورَكْعَتا الفَجْرِ والمَغْرِبِ أطْرافُ النَهارِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَعَلَّكَ تَرْضى" بِفَتْحِ التاءِ، أيْ: لَعَلَّكَ تُثابُ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ بِما تَرْضى بِهِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "لَعَلَّكَ تَرْضى"، أيْ: لَعَلَّكَ تُعْطى ما يُرْضِيكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ ١٣١ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ١٣٢ وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ١٣٣

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ﴿ وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ الأُولى ﴾ قالَ بَعْضُ الناسِ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَبَعَثَ إلى يَهُودِيٍّ لِيُسْلِفَهُ شَعِيرًا، فَأبى اليَهُودِيُّ إلّا بِرَهْنٍ، فَبَلَّغَ الرَسُولُ ذَلِكَ النَبِيَّ  فَقالَ: «واللهِ إنِّي لِأمِينٌ في السَماءِ وأمِينٌ في الأرْضِ»، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُعْتَرَضٌ أنْ يَكُونَ سَبَبًا؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ والقِصَّةَ المَذْكُورَةَ مَدَنِيَّةٌ في آخِرِ عُمْرِ النَبِيِّ  ، لِأنَّهُ ماتَ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وإنَّما الظاهِرُ أنَّ الآيَةَ مُتَناسِقَةٌ مَعَ ما قَبْلَها، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى وبَّخَهم عَلى تَرْكِ الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السابِقَةِ، ثُمْ تَوَعَّدَهم بِالعَذابِ المُؤَجَّلِ، ثُمْ أمَرَ نَبِيَّهُ  بِالِاحْتِقارِ لِشَأْنِهِمْ والصَبْرِ عَلى أقْوالِهِمْ والإعْراضِ عن أمْوالِهِمْ وما في أيْدِيهِمْ مِنَ الدُنْيا؛ إذْ ذَلِكَ مُنْصَرِمْ عنهُمْ، صائِرٌ بِهِمْ إلى خِزْيٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أبْلَغُ مِن "وَلا تَنْظُرُ"، لِأنَّ الَّذِي يَمُدُّ بَصَرَهُ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ حِرْصٌ مُقْتَرِنٌ، والَّذِي يَنْظُرُ قَدْ لا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَهُ، و"الأزْواجُ": الأنْواعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أقْوامًا مِنهم وأصْنافًا، وقَوْلُهُ: ﴿ زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ شَبَّهَ نِعَمَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالزَهْرِ، وهو ما اصْفَرَّ مِنَ النُورِ، وقِيلَ: الزَهْرُ: النُورُ جُمْلَةٌ؛ لِأنَّ الزَهْرَ لَهُ مَنظَرٌ ثُمْ يَضْمَحِلُّ، فَكَذَلِكَ حالُ هَؤُلاءِ، ونَصْبُ "زَهْرَةَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: جَعَلْناهُ زَهْرَةً، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الحالِ، وذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَها لَيْسَ بِمَحْضٍ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "زَهْرَةً" بِالتَنْوِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "زَهْرَةَ" بِالهاءِ مُسَكَّنَةً، وفِرْقَةٌ: "زَهَرَةَ" بِفَتْحِ الهاءِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَهم بِهِ، ويَجْعَلَهُ فِتْنَةً لَهم وأمْرًا يُجازَوْنَ عَلَيْهِ بِالسُوءِ لِفَسادِ تَقَلُّبِهِمْ فِيهِ، ورِزْقُ اللهِ تَعالى الَّذِي أحَلَّهُ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ خَيْرٌ وأبْقى، أيْ: ورِزْقُ الدُنْيا خَيْرٌ، ورِزْقُ الآخِرَةِ أبْقى، وبَيَّنَ أنَّهُ خَيْرٌ مِن رِزْقِ الدُنْيا.

ثُمْ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْ يَأْمُرَ أهْلَهُ بِالصَلاةِ ويَمْتَثِلَها مَعَهم ويَصْطَبِرَ عَلَيْها ويُلازِمَها، وتَكَفَّلَ هو بِرِزْقِهِ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأخْبَرَهُ أنَّ العاقِبَةَ لِأُولى التَقْوى وفي حَيِّزِها، فَثَمَّ نَصْرُ اللهِ في الدُنْيا ورَحْمَتُهُ في الآخِرَةِ، وهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، ويَدْخُلُ في عُمُومِهِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ، ورُوِيَ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ إذا رَأى شَيْئًا مِن أخْبارِ السَلاطِينِ وأحْوالِهِمْ بادَرَ إلى مَنزِلِهِ فَدَخَلَهُ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى ﴾ ، ثُمْ يُنادِي: الصَلاةَ الصَلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللهُ، ويُصَلِّي، وكانَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُوقِظُ أهْلَ دارِهِ لِصَلاةِ اللَيْلِ ويُصَلِّي ويَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَحْنُ نَرْزُقُكَ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَحْنُ نَرْزُقْكَ" بِسُكُونِها.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن طَوائِفَ مِنَ الكُفّارِ قالُوا عن مُحَمَّدٍ  : ﴿ لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ بِعَلامَةٍ مِمّا اقْتَرَحْناها عَلَيْهِ، أو بِما يُبْهِرُ ويَضْطَرُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُسُلُ اللهِ تَعالى إنَّما اقْتَرَنَتْ مَعَهم آياتٌ مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ، مَحْفُوفَةٌ بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ، لِيَضِلَّ مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ ضَلالُهُ، ويَهْتَدِي مَن سَبَقَ في هُداهُ، فَوَبَّخَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ الأُولى ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، أعْظَمَ شاهِدٍ وأكْبَرَ آيَةٍ لَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "تَأْتِهِمْ" عَلى لَفْظَةٍ "بَيِّنَةٍ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "يَأْتِهِمْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةُ ما في الصُحُفِ" بِالإضافَةِ إلى "ما"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةٌ" بِالتَنْوِينِ، و"ما" بَدَلٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيِّنَةَ ما" بِالنَصْبِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - فاعِلَةٌ بِـ "تَأْتِي"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُحُفِ" بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فِي الصُحْفِ" بِسُكُونِها.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ١٣٤ قُلْ كُلٌّۭ مُّتَرَبِّصٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ١٣٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِراطِ السَوِيِّ ومَنِ اهْتَدى ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ هَذِهِ الأُمَّةَ الكافِرَةَ قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا  لَقامَتْ لَهم حُجَّةٌ وقالُوا: ﴿ لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ الآيَةَ.

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ  ، قالَ: «يَحْتَجُّ عَلى اللهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الهالِكُ في الفَتْرَةِ، والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ، والصَبِيُّ الصَغِيرُ، فَيَقُولُ المَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ: رَبِّ، لِمْ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا؟

ويَقُولُ الصَبِيُّ نَحْوَهُ، ويَقُولُ الهالِكُ في الفَتْرَةِ: يارَبِّ، لِمْ لَمْ تُرْسِلْ إلَيَّ رَسُولًا؟

ولَوْ جاءَنِي لَكُنْتُ أطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، قالَ: فَتُرْفَعُ لَهم نارٌ، ويُقالُ لَهُمْ: رُدُّوها، قالَ: فَيَرُدُّها مَن كانَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ سَعِيدٌ، ويَكِعُّ عنها الشَقِيُّ، فَيَقُولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: إيّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أتَتْكُمْ؟"».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا الصَبِيُّ والمَغْلُوبُ عَلى عَقْلِهِ فَبَيِّنٌ أمْرُهُما، وأمّا صاحِبُ الفَتْرَةِ فَلَيْسَ كَكُفّارِ قُرَيْشٍ قَبْلَ النَبِيِّ  ؛ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وغَيْرَهم مِمَّنْ عَلِمْ وسَمِعَ عن نُبُوَّةٍ ورِسالَةٍ في أقْطارِ الأرْضِ فَلَيْسَ بِصاحِبِ فَتْرَةٍ، والنَبِيُّ  قَدْ «قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ عن أبِيهِ: أبِي وأبُوكَ في النارِ»، ورَأى عَمْرُو بْنُ لِحَيٍّ في النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وإنَّما صاحِبُ الفَتْرَةِ يَفْرِضُ أنَّهُ آدَمِيٌّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ رَسُولًا ولا دَعا إلى دِينٍ، وهَذا قَلِيلُ الوُجُودِ، اللهم إلّا أنْ يَشِذَّ في أطْرافِ الأرْضِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ العُمْرانِ، و الذُلُّ والخِزْيُ مُقْتَرِنانِ بِعَذابِ الآخِرَةِ،.

ثُمْ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  أنْ يَتَوَعَّدَهم ويَحْمِلَهم ونَفْسَهُ عَلى التَرَبُّصِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، و"التَرَبُّصُ": التَأنِّي، و"الصِراطُ": الطَرِيقُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِن أصْحابِ الصِراطِ السَوِيِّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السَواءَ"، فَكَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَسَّمَتِ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: سَتَعْلَمُونَ هَذا مِن هَذا، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السَوّا" بِشَدِّ الواوِ وفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الصِراطَ السُوؤى" بِضَمِّ السِينِ وهَمْزَةٍ عَلى الواوِ، عَلى وزْنِ فَعْلى.

و"مَنِ اهْتَدى" مَعْناهُ: رَشِدَ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ طَهَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر