الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 21 الأنبياء > الآيات ٢٩-٣٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: مَن يَقُلْ مِنهم كَذا أنْ لَوْ قالَهُ، ولَيْسَ مِنهم مَن قالَ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وَمَن يَقُلْ…" الآيَةَ...
إبْلِيسُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّهُ ادَّعى رُبُوبِيَّةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَجْزِيهِ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ: "نُجْزِيهِ" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ، ووَجْهُها أنَّ المَعْنى: نَجْعَلُها تَكْتَفِي بِهِ، مِن قَوِلِكَ: أجْزَأنِي الشَيْءُ، ثُمْ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً.
وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" أيْ كَجَزائِنا هَذا القائِلَ جَزاؤُنا الظالِمِينَ.
ثُمْ وقَفَهم عَلى عِبْرَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ جَلَتْ قُدْرَتُهُ.
و"الرَتْقُ": المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ الَّذِي لا صَدْعَ فِيهِ ولا فَتْحَ، ومِنهُ: "امْرَأةٌ رَتْقاءُ".
واخْتَلَفَ المُفَسْرِوُنَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بِالأرْضِ فَفَتَقَهُما اللهُ بِالهَواءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ والأرْضُ كَذِلِكَ فَفَتَقَهُما اللهُ سَبْعًا سَبْعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَـ "الرُؤْيَةُ" المَوْقِفُ عَلَيْها رُؤْيَةُ القَلْبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ قَبْلَ المَطَرِ رَتْقٌ، والأرْضُ قَبْلَ النَباتِ رَتْقٌ، فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالمَطَرِ والنَباتِ، كَما قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ ﴾ ﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتَعْدِيدَ النِعْمَةِ والحُجَّةَ بِمَحْسُوسٍ بَيِّنٍ، ويُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ، أيْ: مِنَ الماءِ الَّذِي أوجَدَهُ الفَتْقُ، فَيَظْهَرُ مَعْنى الآيَةِ ويَتَوَجَّهُ الِاعْتِبارُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ والأرْضُ رَتْقٌ بِالظُلْمَةِ فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالضَوْءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرُؤْيَةُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ رُؤْيَةٌ العَيْنِ، والأرْضُ هُنا اسْمٌ لِلْجِنْسِ، فَهو جَمْعٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَتْقًا" بِسُكُونِ التاءِ، و"الرَتْقُ": مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالزَوْرِ والعَدْلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والشَعْبِي، وأبُو حَيْوَةَ: "كانَتا رَتَقًا" بِفَتْحِ التاءِ، وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَفْضِ والنَفَضِ والخَبْطِ والخَبَطِ، وقالَ: "كانَتا" مِن حَيْثُ هُما نَوْعانِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُيَيْم : ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا.
وَقَوْلُهُ: "كانَتا" في القَوَلَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوِلِكَ: "كانَ زَيْدٌ حَيًّا"، أيْ: ثُمْ لَمْ يَكُنْ، وفي القَوَلَيْنِ الآخَرَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "كانَ زَيْدًا عالِمًا"، أيْ: وهو كَذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "ألَمْ يَرَ" بِإسْقاطِ الواوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ بَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ والجِنَّ قَدْ خَرَجُوا مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ الوَجْهَ أنْ يُحْمَلَ عَلى أعَمِّ ما يُمْكِنُ، فالحَيَوانُ أجْمَعُ والنَباتُ - عَلى أنَّ الحَياةَ فِيهِ مُسْتَعارَةٌ - داخِلٌ في هَذا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالماءِ المَنِيُّ في جَمِيعِ الحَيَوانِ.
ثُمْ وقَفَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا.
<div class="verse-tafsir"