الآية ٢٩ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٢٩ من سورة الأنبياء

۞ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌۭ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : من ادعى منهم أنه إله من دون الله ، أي : مع الله ، ( فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) أي : كل من قال ذلك ، وهذا شرط ، والشرط لا يلزم وقوعه ، كقوله : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) [ الزخرف : 81 ] ، وقوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) [ الزمر : 65 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ومن يقل من الملائكة: إني إله من دون الله (فَذَلَك) الذي يقول ذلك منهم ( نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ) يقول: نثيبه على قيله ذلك جهنم ( كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) يقول: كما نجزي من قال من الملائكة إني إله من دون الله جهنم، كذلك نجزي ذلك كل من ظلم نفسه، فكفر بالله وعبد غيره، وقيل: عنى بهذه الآية إبليس، وقال قائلو ذلك: إنما قلنا ذلك، لأنه لا أحد من الملائكة قال: إني إله من دون الله سواه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ) قال: قال ابن جُرَيج: من يقل من الملائكة إني إله من دونه؛ فلم يقله إلا إبليس دعا إلى عبادة نفسه، فنـزلت هذه في إبليس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيما، فقال ( فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ).

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ) قال: هي خاصة لإبليس.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن يقل منهم إني إله من دونه قال قتادة والضحاك وغيرهما : عني بهذه الآية إبليس حيث ادعى الشركة ، ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة ، ولم يقل أحد من الملائكة إني إله غيره .

وقيل : الإشارة إلى جميع الملائكة ، أي فذلك القائل : فذلك نجزيه جهنم وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا بالعصمة فهم متعبدون ، وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال .

وقد استدل ابن عباس بهذه الآية على أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أفضل أهل السماء .

وقد تقدم في ( البقرة ) .

كذلك نجزي الظالمين نجزي الظالمين أي كما جزينا هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما بين أنه لا حق لهم في الألوهية، ولا يستحقون شيئا من العبودية بما وصفهم به من الصفات المقتضية لذلك، ذكر أيضا أنه لا حظ لهم، ولا بمجرد الدعوى، وأن من قال منهم: { إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ ْ} على سبيل الفرض والتنزل { فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ْ} وأي ظلم أعظم من ادعاء المخلوق الناقص، الفقير إلى الله من جميع الوجوه مشاركة الله في خصائص الإلهية والربوبية؟\"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن يقل منهم إني إله من دونه ) قال قتادة : عنى به إبليس حين دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه ، فإن أحدا من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله ( فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن يقل منهم إني إله من دونه» أي الله أي غيره، وهو إبليس دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعتها «فذلك نجزيه جهنم كذلك» كما نجريه «نجزي الظالمين» المشركين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن يدَّع من الملائكة أنه إله مع الله - على سبيل الفرض - فجزاؤه جهنم، مثل ذلك الجزاء نجزي كل ظالم مشرك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع كرامتهم عند الله - تعالى - لو ادعى أحد منهم - على سبيل الفرض - أنه إله ، لعاقبه الله عقاباً شديدا ، فقال - تعالى - : ( وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين ) .أى : ومن يقل من الملائكة - على سبيل الفرض والتقدير - ( إني إله مِّن دُونِهِ ) أى : من دون الله - عز وجل - " فذلك " الذى ادعى هذا الادعاء الكاذب " نجزيه جهنم " أى : نجعل جزاءه الإلقاء فى جهنم كسائر المجرمين الكاذبين ، ولا يغنى عنه ما سبق له من طاعة وتكريم ( كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين ) أى : مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع نجزى كل ظالم يضع الأمور فى غير موضعها ، إذ أن حقوق الله - تعالى - لا يجوز لأحد - كائنا من كان - أن ينسبها لنفسه ، سواء أكان ملكا مقربا ، أم نبيا مرسلا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين بالدلائل الباهرة كونه منزهاً عن الشريك والضد والند أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد فقال: ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً ﴾ نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله وأضافوا إلى ذلك أنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً  ﴾ ثم إنه سبحانه وتعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله سبحانه لأن الولد لابد وأن يكون شبيهاً بالوالد فلو كان لله ولد لأشبهه من بعض الوجوه، ثم لابد وأن يخالفه من وجه آخر وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيقع التركيب في ذات الله سبحانه وتعالى وكل مركب ممكن، فاتخاذه للولد يدل على كونه ممكناً غير واجب.

وذلك يخرجه عن حد الإلهية ويدخله في حد العبودية، ولذلك نزه نفسه عنه.

أما قوله: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما نزه نفسه عن الولد أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد وقرئ: ﴿ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ ﴾ من سابقته فسبقته أسبقه.

والمعنى أنهم يتبعونه في قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله فلا يسبق قولهم قوله، وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً كذلك مبني على أمره لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به.

ثم إنه سبحانه ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات علموا كونه عالماً بظواهرهم هم وبواطنهم، فكان ذلك داعياً لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية.

وذكر المفسرون فيه وجوهاً: أحدها: قال ابن عباس: يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم.

وثانيها: ما بين أيديهم الآخرة وما خلفهم الدنيا وقيل على عكس ذلك.

وثالثها: قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم وما يكون بعد خلقهم.

وحقيقة المعنى أنهم يتقلبون تحت قدرته في ملكوته وهو محيط بهم، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف يستحقون العبادة وكيف يتقدمون بين يدي الله تعالى فيشفعون لمن لم يأذن الله تعالى له.

ثم كشف عن هذا المعنى فقال: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ أي لمن هو عند الله مرضي: ﴿ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ أي من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى المفعول ومشفقون خائفون ولا يأمنون مكره وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله تعالى ونظيره قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ فالمعنى أن كل من يقول من الملائكة ذلك القول فإنا نجازي ذلك القائل بهذا الجزاء، وهذا لا يدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه وهو قريب من قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: هذه الصفات تدل على العبودية وتنافي الولادة لوجوه: أحدها: أنهم لما بالغوا في الطاعة إلى حيث لا يقولون قولاً ولا يعملون عملاً إلا بأمره فهذه صفات للعبيد لا صفات الأولاد.

وثانيها: أنه سبحانه لما كان عالماً بأسرار الملائكة وهم لا يعلمون أسرار الله تعالى وجب أن يكون الإله المستحق للعبادة هو لا هؤلاء الملائكة وهذه الدلالة هي نفس ما ذكره عيسى عليه السلام في قوله: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  ﴾ .

وثالثها: أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ومن يكن إلهاً أو ولداً للإله لا يكون كذلك.

ورابعها: أنهم على نهاية الإشفاق والوجل وذلك ليس إلا من صفات العبيد.

وخامسها: نبه تعالى بقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ على أن حالهم حال سائر العبيد المكلفين في الوعد والوعيد فكيف يصح كونهم آلهة.

المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر لأنه لا يقال في أهل الكبائر إن الله يرتضيهم.

والجواب: قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ أي لمن قال لا إله إلا الله.

واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وتقريره هو أن من قال لا إله إلا الله فقد ارتضاه تعالى في ذلك ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله تعالى في ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله لأن المركب متى صدق فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت أن الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية فثبت بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس رضي الله عنهما.

المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أمور ثلاثة: أحدها: تدل على كون الملائكة مكلفين من حيث قال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ ومن حيث الوعيد.

وثانيها: تدل أيضاً على أن الملائكة معصومون لأنه قال: ﴿ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ .

وثالثها: قال القاضي عبد الجبار قوله: ﴿ كذلك نَجْزِى الظالمين ﴾ يدل على أن كل ظالم يجزيه الله جهنم كما توعد الملائكة به وذلك يوجب القطع على أنه تعالى لا يغفر لأهل الكبائر في الآخرة.

والجواب: أقصى ما في الباب أن هذا العموم مشعر بالوعيد وهو معارض بعمومات الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله.

نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة، إلا أنهم ﴿ مُّكْرَمُونَ ﴾ مقرّبون عندي مفضلون على سائر العباد، لما هم عليه من أحوال وصفات ليست لغيرهم، فذلك هو الذي غرّ منهم من زعم أنهم أولادي، تعاليت عن ذلك علواً كبيراً.

وقريء ﴿ مكرّمون ﴾ و ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ ﴾ بالضم، من: سابقته فسبقته أسبقه.

والمعنى: أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله.

والمراد: بقولهم، فأنيب اللام مناب الإضافة، أي لا يتقدّمون قوله بقولهم، كما تقول: سبقت بفرسي فرسه، وكما أنّ قولهم تابع لقوله، فعملهم أيضاً كذلك مبني على أمره: لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به.

وجميع ما يأتون ويذرون مما قدّموا وأخروا بعين الله، وهو مجازيهم عليه، فلإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويعمرون أوقاتهم.

ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم، ثم أنهم مع هذا كله من خشية الله ﴿ مُشْفِقُونَ ﴾ أي متوقعون من أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله.

وبعد أن وصف كرامتهم عليه، وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية.

فاجأ بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنه لا يكون، كما قال: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 88] قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا قَدَّمُوا وأخَّرُوا، وهو كالعِلَّةِ لِما قَبْلَهُ والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ فَإنَّهم لِإحاطَتِهِمْ بِذَلِكَ يَضْبُطُونَ أنْفُسَهم ويُراقِبُونَ أحْوالَهم.

﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ أنْ يُشْفَعَ لَهُ مَهابَةً مِنهُ.

﴿ وَهم مِن خَشْيَتِهِ ﴾ عَظَمَتِهِ ومَهابَتِهِ.

﴿ مُشْفِقُونَ ﴾ مُرْتَعِدُونَ، وأصْلُ الخَشْيَةِ خَوْفٌ مَعَ تَعْظِيمٍ وَلِذَلِكَ خُصَّ بِها العُلَماءُ.

( والإشْفاقُ ) خَوْفٌ مَعَ اعْتِناءٍ فَإنَّ عُدِّيَ بِمَن فَمَعْنى الخَوْفِ فِيهِ أظْهَرُ وإنْ عُدِّيَ بِعَلى فَبِالعَكْسِ.

﴿ وَمَن يَقُلْ مِنهُمْ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الخَلائِقِ.

﴿ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ النُّبُوَّةِ وادِّعاءَ ذَلِكَ عَنِ المَلائِكَةِ وتَهْدِيدَ المُشْرِكِينَ بِتَهْدِيدِ مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ.

﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ مَن ظَلَمَ بِالإشْراكِ وادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ} من الملائكة {إِنّى إله مّن دُونِهِ} من دون الله إني مدني وأبو عمرو {فَذَلِكَ} مبتدأ أي فذلك القائل خيره {نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} وهو جواب الشرط {كذلك نَجْزِى الظالمين}

الكافرين الذين وضعوا الإلهية في غير موضعها وهذا على سبيل الفرض والتمثيل لتحقق عصمتهم وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والضحاك قد تحقق الوعيد في إبليس فان ادعى الالهية لنفسه ودعا على طاعة نفسه وعبادته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن يَقُلْ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ مِنَ الخَلائِقِ، والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ إذِ الكَلامُ في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ عَمّا قالُوهُ في حَقِّهِمْ، والمُرادُ ومَن يَقُلْ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ مُتَجاوِزًا إيّاهُ تَعالى ﴿ فَذَلِكَ ﴾ أيِ الَّذِي فَرَضَ قَوْلَهُ ما ذَكَرَ فَرْضٌ مُحالٌ ﴿ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ كَسائِرِ المُجْرِمِينَ ولا يُغْنِي عَنْهُ ما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ السُّنِّيَّةِ والأفْعالِ المُرْضِيَةِ وعَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ عَدَمُ اعْتِبارِ الفَرْضِ وقالا: إنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ بِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإنَّهُ دَعا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ وشَرَعَ الكُفْرَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ مَلَكُوتِهِ تَعالى وعِزَّةِ جَبَرُوتِهِ واسْتِحالَةِ كَوْنِ المَلائِكَةِ بِحَيْثُ يُتَوَهَّمُ في حَقِّهِمْ ما يَتَوَهَّمُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ ما لا يَخْفى.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَقَرِّيُ (نُجْزِيهِ ) بِضَمِّ النُّونِ أرادَ نُجْزِئُهُ بِالهَمْزِ مِن أجْزَأنِي كَذا كَفانِي ثُمَّ خَفَّفَ الهَمْزَةَ فانْقَلَبَتْ ياءً ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الَّذِي يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ويَتَعَدَّوْنَ أطْوارَهم، والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّقْدِيمِ يُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّقْصانِ دُونَ الزِّيادَةِ أيْ لِأجْزاءٍ أنْقَصَ مِنهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ، أي: من الملائكة: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، يعني: من دون الله، ولم يقل ذلك غير إبليس عدو الله.

فَذلِكَ، يعني: ذلك القائل نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، أي: الكافرين.

قوله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: أو لم يخبروا في الكتاب؟

قرأ ابن كثير: الم ير بغير واو وقرأ الباقون بالواو ومعناهما قريب.

أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً يعني: ملتزما فَفَتَقْناهُما، أي: فرقناهما وأبنا بعضها من بعض.

وقال مجاهد: كانت السماء لا تمطر والأرض لا تنبت، ففتقناهما بالمطر والنبات، وقال القتبي: كانتا منضمتين ففتقنا السماء بالمطر، والأرض بالنبات وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانت السموات واحدة والأرض واحدة، فتفتقت السماء سبعاً، والأرض مثلهن.

وقال الزجاج: ذكر السموات والأرض ثم قال: كانَتا رَتْقاً لأن السموات يعبر عنها بالسماء بلفظ الواحد، وأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرض، والمعنى أن السموات كانت واحدة ففتقتها وجعلتها سبعاً، وكذلك الأرض.

وقيل: إنما فتقت السماء بالمطر، والأرض بالنبات بدليل قوله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، وقال: رَتْقاً ولم يقل رتقين، لأن الرتق مصدر، والمعنى: كانتا ذواتي رتق، ودلهم بهذا على توحيده حيث قال: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ يعني: جعلنا الماء حياة كل شيء، وهو قول مقاتل.

وقال قتادة: خلق كل شيء حي من الماء، وقال أبو العالية رحمه الله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ يعني: من النطفة.

أَفَلا يُؤْمِنُونَ؟

يعني: أفلا يصدقون بتوحيد الله بعد هذه العجائب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأمر، ثم أَخْبَرَ تعالى: أَنَّهُم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى اللَّه أَنْ يشْفَعَ له، قال بعضُ المفسرين: لأَهْلِ لا إله إلاّ اللَّه، والمُشْفِقُ: المُبَالِغُ في الخوفِ، المُحْتَرِقُ النَّفْسِ من الفَزَع على أَمْرٍ ما.

وقوله سبحانه: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ ...

الآية، المعنى: وَمَنْ يَقُلْ منهم كذا أَنْ لو قاله، وليس منهم مَنْ قال هذا، وقال بَعْضُ المفسرين: المراد بقوله:

وَمَنْ يَقُلْ ...

الآية: إبْلِيسُ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ إبَلِيسِ لم يُرْوَ قَطَّ أَنَّهُ ادَّعَى الرُّبِوبِيَّة، ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على عِبْرَةٍ دَالَّةٍ على وَحْدَانِيَّتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، فقال: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً والرَّتْقُ: المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، الذي لا صَدْعَ فيه ولا فَتْحَ، ومنه: امرأةً رتْقَاءُ، واخْتُلِفِ في معنى قوله: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فقالت فِرْقَةٌ:

كانت السماءُ ملتصقة بالأرض ففتقهما اللهُ بالهواء، وقالت فرقةٌ: كانت السمواتُ ملتصقةً بَعْضَهَا ببعضٍ، والأرضُ كذلك ففتقهما الله سبعاً سبعاً فعلى هذين القولين فالرُّؤيَةُ الموقَفِ عليها رؤيةُ قلبٍ، وقالت فرقةٌ: السماءُ قبل المَطَرَ رَتْقٌ، والأَرضُ قبل النباتِ رَتْقٌ ففتقهما الله تعالى بالمَطَرِ والنَّبَاتِ كما قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١١، ١٢] .

وهذا قولٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتعديدَ النعمةِ والحُجَّةِ بِمحسوسٍ بَيِّنٍ، ويُنَاسِبُ قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي: من الماءِ الذي كان عَن الفَتْقِ، فَيَظْهَرُ معنى الآية، ويتوجَّهُ الاعتبارُ بها، وقالت فرقة: السماءُ والأَرْضُ رَتْقٌ بالظُّلْمَةِ ففتقهما الله بالضَّوْءِ والرُّؤْيَةِ على هذين القولين رُؤْيَةُ العَيْنِ، وباقي الآية بَيِّنٌ.

قال ص: قال الزَّجَّاجُ: السمواتُ جَمْعٌ أُرِيدَ به الواحد ولذا قال: كانَتا رَتْقاً.

وقال الحُوفِيُّ: «قال: كانَتا- والسمواتُ جَمْعٌ-: لأَنَّهُ أرادَ الصنفين» انتهى.

وقوله: سَقْفاً مَحْفُوظاً الحِفْظُ هنا عامٌّ في الحِفْظِ من الشيطان، ومن الوهي والسُّقُوطِ، وغير ذلك من الآفاتِ، والفَلَكُ: الجسمُ الدّائر دورة اليوم والليلة/.

١٧ ب ويَسْبَحُونَ معناه: يَتَصَرَّفُونَ، وقالت فرقة: الفَلَكُ مَوْجٌ مكفوفٌ، قوله: يَسْبَحُونَ من السباحة وهي: العوم.

وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)

وقوله عزَّ وجل: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ...

الآية، وتقديرُ الكلام:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( إلّا نُوحِي ) بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا ﴾ في القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: القائِلُ لِهَذا النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ.

والثّانِي: أنَّهُمَ اليَهُودُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ مِنهُمُ المَلائِكَةَ !

قالَهُ قَتادَةُ.

فَعَلى القَوْلَيْنِ، المُرادُ بِالوَلَدِ: المَلائِكَةُ، وكَذَلِكَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ، والمَعْنى: بَلْ عِبادٌ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم، ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ ﴾ ؛ أيْ: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِما يَأْمُرُهم بِهِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَقُولُونَ حَتّى يَقُولَ، ثُمَّ يَقُولُونَ عَنْهُ، ولا يَعْمَلُونَ حَتّى يَأْمُرَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ ؛ أيْ: ما قَدَّمُوا مِنَ الأعْمالِ، ﴿ وَما خَلْفَهُمْ ﴾ ما هم عامِلُونَ، ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: لا يَسْتَغْفِرُونَ في الدُّنْيا، ﴿ إلا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ ؛ أيْ: لِمَن رَضِيَ عَنْهُ، ﴿ وَهم مِن خَشْيَتِهِ ﴾ ؛ أيْ: مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ.

﴿ مُشْفِقُونَ ﴾ ؛ أيْ: خائِفُونَ.

وقالَ الحَسَنُ: يَرْتَعِدُونَ.

﴿ وَمَن يَقُلْ مِنهُمْ ﴾ ؛ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ.

قالَ الضَّحّاكُ في آخَرِينَ: هَذِهِ خاصَّةٌ لِإبْلِيسَ، لَمْ يَدْعُ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ سِواهُ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَإنَّ إبْلِيسَ قالَ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هَبَطُوا مَعَهُ إلى الأرْضِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ: هَذا عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ، وما قالَ أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: مَن يَقُلْ مِنهم كَذا أنْ لَوْ قالَهُ، ولَيْسَ مِنهم مَن قالَ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وَمَن يَقُلْ…" الآيَةَ...

إبْلِيسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّهُ ادَّعى رُبُوبِيَّةً.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَجْزِيهِ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ: "نُجْزِيهِ" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ، ووَجْهُها أنَّ المَعْنى: نَجْعَلُها تَكْتَفِي بِهِ، مِن قَوِلِكَ: أجْزَأنِي الشَيْءُ، ثُمْ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً.

وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" أيْ كَجَزائِنا هَذا القائِلَ جَزاؤُنا الظالِمِينَ.

ثُمْ وقَفَهم عَلى عِبْرَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ جَلَتْ قُدْرَتُهُ.

و"الرَتْقُ": المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ الَّذِي لا صَدْعَ فِيهِ ولا فَتْحَ، ومِنهُ: "امْرَأةٌ رَتْقاءُ".

واخْتَلَفَ المُفَسْرِوُنَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بِالأرْضِ فَفَتَقَهُما اللهُ بِالهَواءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ والأرْضُ كَذِلِكَ فَفَتَقَهُما اللهُ سَبْعًا سَبْعًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَـ "الرُؤْيَةُ" المَوْقِفُ عَلَيْها رُؤْيَةُ القَلْبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ قَبْلَ المَطَرِ رَتْقٌ، والأرْضُ قَبْلَ النَباتِ رَتْقٌ، فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالمَطَرِ والنَباتِ، كَما قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ  ﴾ ﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتَعْدِيدَ النِعْمَةِ والحُجَّةَ بِمَحْسُوسٍ بَيِّنٍ، ويُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ، أيْ: مِنَ الماءِ الَّذِي أوجَدَهُ الفَتْقُ، فَيَظْهَرُ مَعْنى الآيَةِ ويَتَوَجَّهُ الِاعْتِبارُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ والأرْضُ رَتْقٌ بِالظُلْمَةِ فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالضَوْءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرُؤْيَةُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ رُؤْيَةٌ العَيْنِ، والأرْضُ هُنا اسْمٌ لِلْجِنْسِ، فَهو جَمْعٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَتْقًا" بِسُكُونِ التاءِ، و"الرَتْقُ": مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالزَوْرِ والعَدْلِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والشَعْبِي، وأبُو حَيْوَةَ: "كانَتا رَتَقًا" بِفَتْحِ التاءِ، وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَفْضِ والنَفَضِ والخَبْطِ والخَبَطِ، وقالَ: "كانَتا" مِن حَيْثُ هُما نَوْعانِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُيَيْم : ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا.

وَقَوْلُهُ: "كانَتا" في القَوَلَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوِلِكَ: "كانَ زَيْدٌ حَيًّا"، أيْ: ثُمْ لَمْ يَكُنْ، وفي القَوَلَيْنِ الآخَرَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "كانَ زَيْدًا عالِمًا"، أيْ: وهو كَذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "ألَمْ يَرَ" بِإسْقاطِ الواوِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ بَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ والجِنَّ قَدْ خَرَجُوا مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ الوَجْهَ أنْ يُحْمَلَ عَلى أعَمِّ ما يُمْكِنُ، فالحَيَوانُ أجْمَعُ والنَباتُ - عَلى أنَّ الحَياةَ فِيهِ مُسْتَعارَةٌ - داخِلٌ في هَذا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالماءِ المَنِيُّ في جَمِيعِ الحَيَوانِ.

ثُمْ وقَفَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة من أقوالهم الباطلة على قصة أخرى.

فلما فرغ من بيان باطلهم فيما اتخذوا من دون الله آلهة انتقل إلى بيان باطل آخر وهو اعتقادهم أن الله اتخذ ولداً.

وقد كانت خُزاعة من سكان ضواحي مكة يزعمون أن الملائكة بنات الله من سَرَوات الجن وشاركهم في هذا الزعم بعضٌ من قريش وغيرِهم من العرب.

وقد تقدم عند قوله تعالى ﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ﴾ في سورة النحل (57).

والولَد اسم جمع مفردُه مثلُه، أي اتخذ أولاداً، والولد يشمل الذكر والأنثى، والذين قالوا اتخذ الله ولداً أرادوا أنه اتخذ بناتتٍ، قال تعالى: ﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ﴾ [النحل: 57].

ولما كان اتخاذ الولد نقصاً في جانب واجب الوجود أعقب مقالتهم بكلمة ﴿ سبحانه ﴾ تنزيهاً له عن ذلك فإن اتخاذ الولد إنما ينشأ عن الافتقار إلى إكمال النقص العارض بفقد الولد كما قال تعالى في سورة يونس (68) ﴿ قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني ﴾ ولما كان المراد من قوله تعالى: ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ [البقرة: 116] أنهم زعموا الملائكة بناتتِ الله تعالى أعقب حرف الإضراب عن قولهم بالإخبار بأنهم عبادٌ دون ذِكرِ المبتدأ للعلم به.

والتقدير: بل الملائكة عباد مكرمون، أي أكرمهم الله برضاه عنهم وجعلهم من عباده المقربين وفضلهم على كثير من خلقه الصالحين.

والسبْق، حقيقته: التقدم في السير على سائر آخر.

وقد شاع إطلاقه مجازاً على التقدم في كل عمل.

ومنه السبق في القول، أي التكلم قبل الغَير كما في هذه الآية.

ونفيه هنا كناية عن عدم المساواة، أي كناية عن التعظيم والتوقير.

ونظيره في ذلك النهيُ عن التقدم في قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ [الحجرات: 1] فإن التقدم في معنى السبق.

فقوله تعالى: ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ معناه لا يصدر منهم قول قبل قوله، أي لا يقولون إلاّ ما أذن لهم أن يقولون.

وهذا عام يدخل فيه الردّ على زعم المشركين أن معبوداتهم تشفع لهم عند الله إذا أراد الله عقابهم على أعمالهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما سيصرح بنفيه.

وتقديم ﴿ بأمره ﴾ على ﴿ يعملون ﴾ لإفادة القصر، أي لا يعملون عملاً إلا عن أمر الله تعالى فكما أنهم لا يقولون قولاً لم يأذن فيه كذلك لا يعملون عملاً إلا بأمره.

وقوله تعالى ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ تقدم نظيره في سورة البقرة (255).

وقوله تعالى ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ تخصيص بالذكر لبعض ما شمله قوله تعالى ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ اهتماماً بشأنه لأنه مما كفروا بسببه إذ جعلوا الآلهة شفعاء لهم عند الله.

وحذف مفعول ﴿ ارتضى ﴾ لأنه عائد صلة منصوب بفعل، والتقدير: لمن ارتضاه، أي ارتضى الشفاعة له بأن يأذن الملائكة أن يشفعوا له إظهاراً لكرامتهم عند الله أو استجابةً لاستغفارهم لمن في الأرض، كما قال تعالى ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ في سورة الشورى (5).

وذلك الاستغفار من جملة ما خلقوا لأجله فليس هو من التقدم بالقول.

ثم زاد تعظيمهم ربهم تقريراً بقوله تعالى: وهم من خشيته مشفقون}، أي هم يعظمونه تعظيم من يخاف بطشته ويحذر مخالفة أمره.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله تعالى ﴿ من خشيته ﴾ للتعليل، والمجرور ظرف مستقر، وهو حال من المبتدأ.

و ﴿ مشفقون ﴾ خبر، أي وهم لأجل خشيته، أي خشيتهم إياه.

والإشفاق: توقع المكروه والحذر منه.

والشرط الذي في قوله تعالى: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ الخ...

شرط على سبيل الفرض، أي لو قاله واحد منهم مع العلم بأنهم لا يقولونه لأجل ما تقرر من شدة خشيتهم.

فالمقصود من هذا الشرط التعريض بالذين ادَّعوا لهم الإلهية بأنهم ادعوا لهم ما لا يرضَونه ولا يقولونه، وأنهم ادعوا ما يوجب لقائله نار جهنم على حد ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ [الزمر: 65].

وعدل عن (إن) الشرطية إلى (مَن) الشرطيّة للدلالة على العموم مع الإيجاز.

وأدخل اسم الإشارة في جواب الشرط لتحقيق التعليق بنسبته الشرط لأداته للدلالة على جدارة مضمون الجزاء بمن ثبت له مضمون الشرط، وفي هذا إبطال لدعوى عامة النصارى إلهية عيسى عليه السلام وأنهم يقولون عليه ما لم يقله.

ثم صرح بما اقتضاه التعريض فقال تعالى ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو جهنم يجزي المثبتين لله شريكاً.

والظلم: الشرك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ بِما يَلْزَمُهم مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وذِكْرُ مَن قَبْلِي مِمَّنْ يُخاطَبُ مِنَ الأُمَمِ بِالإيمانِ، وهَلَكَ بِالشِّرْكِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ذِكْرُ مَن مَعِيَ بِإخْلاصِ التَّوْحِيدِ في القُرْآنِ، وذِكْرُ مَن قَبْلِي في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: ما قَدَّمُوا وما أخَّرُوا مِن عَمَلِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفِيهِ الثّالِثُ: ما قَدَّمُوا: ما عَمِلُوا، وما أخَّرُوا: يَعْنِي ما لَمْ يَعْمَلُوا، قالَهُ عَطِيَّةُ.

﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَغْفِرُونَ في الدُّنْيا إلّا لِمَنِ ارْتَضى.

الثّانِي: لا يَشْفَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا لِمَنِ ارْتَضى.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِمَنِ ارْتَضى عَمَلَهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِمَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: قالت اليهود: إن الله عز وجل صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة.

فقال الله تكذيباً لهم ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ أي الملائكة ليس كما قالوا، بل هم عباد أكرمهم الله بعبادته ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ يثني عليهم ﴿ ولا يشفعون ﴾ قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: لأهل التوحيد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: لمن رضي عنه.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: قول لا إله إلا الله.

واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: الذين ارتضاهم لشهادة أن لا إله إلا الله.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ فقال: «إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي مررت بجبريل، وهو بالملأ الأعلى ملقى كالحلس البالي من خشية الله» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يقل منهم ﴾ يعني من الملائكة ﴿ إني إله من دونه ﴾ قال: ولم يقل ذلك أحد من الملائكة إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه...

﴾ الآية.

قال: إنما كانت هذه خاصة لإبليس.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: فتقت السماء بالغيث، وفتقت الأرض بالنبات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ﴾ قال: لا يخرج منهما شيء ﴿ ففتقناهما ﴾ قال: فتقت السماء بالمطر وفتقت الأرض بالنبات.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية من طريق عبدالله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً أتاه فسأله عن ﴿ السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ﴾ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعالَ فأخبرني ما قال.

فذهب إلى ابن عباس فسأله قال: نعم، كانت السماء رتقاء لا تمطر وكانت الأرض رتقاء لا تنبت، فلما خلق الله الأرض فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات.

فرجع الرجل على ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر: الآن علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق ابن عباس هكذا كانت.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ﴾ قال: ملتصقتين.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن الليل، كان قبل أم النهار؟

قال: الليل.

ثم قرأ ﴿ إن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: فتق من الأرض ست أرضين معها، فتلك سبع أرضين بعضهن تحت بعض، ومن السماء سبع سموات منها معها، فتلك سبع سموات بعضهن فوق بعض ولم تكن الأرض والسماء مماستين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سموات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: كانتا جمعاً ففصل الله بينهما بهذا الهواء.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانت السموات والأرضون ملتزقتين، فلما رفع الله السماء وابتزها من الأرض، فكان فتقها الذي ذكر الله.

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من الماء» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال: نطفة الرجل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال: خلق كل شيء من الماء، وهو حياة كل شيء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ﴾ أي: الملائكة ﴿ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ ﴾ من دون الله ﴿ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ قال قتادة: (١) (٢) (٣) ﴿ كَذَلِكَ ﴾ كما جزيناهم جهنم ﴿ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين.

(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 17، وذكره السيوطي في في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 625 وعزاه لابن أبي حاتم.

(٣) قال ابن عطية 10/ 140: وهذا ضعيف؛ لأن إبليس لم يرد قط أنه ادعى ربوبية.

اهـ.

والأظهر أن يقال إنّ السياق في الملائكة، والمعنى على سبيل الفرض أنهم يقولون ذلك، وهم لا يقولونه.

انظر: "روح المعاني" للآلوسي 17/ 33.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ ﴾ الآية على فرض أن لو قالوا ذلك، ولكنهم لا يقولونه، وإنما مقصد الآية الردّ على المشركين وقيل: إن الذي قال: إني إله هو إبليس لعنه الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا نوحي إليه ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ إني إله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان.

﴿ ألم ير ﴾ بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

﴿ ولا تسمع ﴾ من الاسماع خطأ بالنبي  الصم بالنصب: ابن عامر.

الآخرون على الغيبة من السماع.

﴿ الصم ﴾ بالرفع ﴿ مثقال حبة ﴾ بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع.

الباقون بالنصب.

الوقوف: ﴿ ينشرون ﴾ ه ﴿ لفسدتا ﴾ ج للابتداء ﴿ بسبحان ﴾ للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يسالون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ برهانكم ﴾ ج لاتحاد المقول من غير عاطف ﴿ قبلي ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ه {  } ط ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا يشفعون ﴾ ه لا للاستثناء ﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ففتقناهما ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ حي ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ محفوظاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ط ﴿ الخالدون ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ هزوا ﴾ ط ﴿ آلهتكم ﴾ ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ من عجل ﴾ ط ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ يستهزئون ﴾ ه ط ﴿ من الرحمن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ من دوننا ﴾ ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار ﴿ يصبحون ﴾ ه ﴿ العمر ﴾ ط ﴿ من أطرافها ﴾ ط ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ بالوحي ﴾ ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ﴿ ينذرون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أتينا بها ﴾ ط ﴿ حاسبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل.

﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ أنزلناه ﴾ ط ﴿ منكرون ﴾ .

التفسير: إنه  بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية.

أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي.

ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها.

ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور.

والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية.

ومعنى ﴿ هم ﴾ افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده.

ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: ﴿ لو كان فيهما ﴾ أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما ﴿ آلهة إلا الله ﴾ اي غير الله.

قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد.

وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما ﴿ لفسدتا ﴾ وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله ﴿ غير الله ﴾ وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.

وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية.

والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع.

والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك.

الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف.

ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي.

ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟

فإن قلت: يقدر.

كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما.

ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟

فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز.

ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه  عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز.

ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها.

ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد.

أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد.

واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ وإلهكم إله واحد  ﴾ ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر.

وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد.

وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه  أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله ﴿ فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً  ﴾ وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: أرباً واحداً أم الـــــــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله  فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر  أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر.

أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟

وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات.

وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد.

وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه  عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح.

وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة.

ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله ﴿ وهم يسألون ﴾ وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً.

وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله  كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله  قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل.

ثم كرر ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ على ذلك عقلاً أو نقلاً.

أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي.

عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء.

وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله ﴿ وذكر من قبلي ﴾ صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ بل أكثرهم ﴾ تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع.

ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله ﴿ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ﴾ على أحد التفسيرين بقوله ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية.

ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله {  } ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله ﴿ مكرمون ﴾ مقربون ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم ﴿ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ﴾ وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ كقوله في طه ﴿ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً  ﴾ وقد مر البحث فيه.

قال في الكشاف ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية.

ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير.

"عن رسول الله  أنه رأى جبرئيل  ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل." ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ﴿ ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  ﴾ وفي قوله ﴿ فذلك ﴾ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر.

ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ الرتق بالسكون السد.

رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين.

عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض.

ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون.

وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر.

ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع  ﴾ ويؤيده قوله عقيبه ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله  بإظهار النور فيهما كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار  ﴾ وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ والفطر الشق.

وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد.

وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟

كيف وقد قال الله  ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ ؟

[الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم.

وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي  .

وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم  .

قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟

وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.

وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه.

وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله ﴿ وجعلنا ﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان.

ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها  ﴾ قوله ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً  ﴾ والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة ﴿ سبلاً ﴾ قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: ﴿ لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً  ﴾ والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله  .

ومنهم من زعم أن الضمير في قوله ﴿ وجعلنا ﴾ فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.

قال علماء الإسلام: ليس في قوله ﴿ وجعلنا السماء سقفاً ﴾ إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة.

وفي المحفوظ وجهان: أي ﴿ محفوظاً ﴾ بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين.

﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها.

قوله ﴿ كل في فلك ﴾ من مقلوب الكل.

والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك.

وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم.

والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه.

ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ﴿ يسبحون ﴾ والسباحة لا تكون إلا في الماء.

ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري.

وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك.

قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟

وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك.

ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما.

الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد.

قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ﴿ يسبحون ﴾ مجموعاً.

قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة.

وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم.

قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة.

وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات.

قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين.

قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها.

وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً.

وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله ﴿ وما جعلنا البشر من قبل الخلد ﴾ على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود.

وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: ﴿ وما جعلنا ﴾ الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله  أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا.

والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا.

قوله ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره.

قوله ﴿ ونبلوكم ﴾ أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم.

وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر.

و ﴿ فتنة ﴾ مصدر مؤكد ﴿ لنبلوكم ﴾ من غير لفظه.

وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة.

استدلت المجسمة بقوله ﴿ وإلينا ﴾ أنه  جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك ﴿ ثم إلينا ﴾ ولم يذكر قوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: "مر النبي  بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.

فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف!

فسمع النبي  قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية" فأنزل الله  ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ﴾ اي ما يتخذونك ﴿ إلا هزوا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم.

وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً.

ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد.

وقيل ﴿ بذكر الرحمن ﴾ أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ من عجل ﴾ أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولاً  ﴾ وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس.

وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر.

وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله ﴿ كن ﴾ وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ﴿ سأريكم آياتي ﴾ وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول.

وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن.

سؤال: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ؟

وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة.

وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها.

آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟

أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم ﴿ لو يعلم ﴾ جواب "لو" محذوف و ﴿ حين ﴾ مفعول به ﴿ ليعلم ﴾ والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.

ويجوز أن يكون ﴿ يعلم ﴾ متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون ﴿ حين ﴾ منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما.

ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم.

قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار.

وقيل: للساعة.

وفي قوله ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال.

ثم سلى رسوله  بقوله ﴿ ولقد استهزئ ﴾ الآية.

وقد مرت في أول الأنعام.

ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال ﴿ قل من يكلؤكم بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ والنهار ﴾ إذا تقلبتم في وجوه المصالح ﴿ من الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما.

قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.

أما قوله ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم ﴾ فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل".

وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى ﴿ من دوننا ﴾ أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال ﴿ لا يستطيعون ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها.

وقوله ﴿ ولا هم منا يصبحون ﴾ قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته.

والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله".

والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع!

ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله.

وفي قوله ﴿ حتى طال عليهم العمر ﴾ إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد.

والاستفهام في قوله ﴿ أفهم الغالبون ﴾ للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون.

ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر.

واللام في ﴿ الصم ﴾ للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع ﴿ الصم ﴾ في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا.

ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة.

منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله.

قوله ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء.

وعن الزجاج أراد ذوات القسط.

واللام في ﴿ ليوم القيامة ﴾ بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا".

وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة.

وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف.

يروي أن داود  سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟

فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.

وفي قوله ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿ وإن كان ﴾ أي الوزن والعمل ﴿ مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة.

قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟

وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة.

وقوله ﴿ من خردل ﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه.

والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه.

رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟

فقال: حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.

والآية تبطل قوله لأن الله  تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.

قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو.

﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ كقوله ﴿ وكفى بالله حسيباً  ﴾ وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة ﴿ وضياء ﴾ كقوله ﴿ فيها هدى ونور  ﴾ ﴿ وذكراً للمتقين ﴾ اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله ﴿ بالغيب ﴾ إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله  "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات.

ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ وهذا ذكر مبارك ﴾ أي كثير البركة ﴿ أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾ أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.

ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم.

التأويل: ﴿ أم اتخذوا آلهة ﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿ آلهة إلا الله ﴾ كالعقل والهوى ﴿ لفسدتا ﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ لأن أفعاله  صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿ وهم يسألون ﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من خجالة قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ ﴿ وما خلفهم ﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿ كانتا رتقاً ﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ ففتقناهما ﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿ وجعلنا من ﴾ ماء حياة العلم ﴿ كل شيء حي ﴾ بالحياة الأبدية ﴿ وجعلنا في الأرض ﴾ أرض القالب ﴿ رواسي ﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿ أن تميد بهم ﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿ فجاجاً سبلاً ﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿ وجعلنا ﴾ سماء القلب ﴿ سقفاً محفوظاً ﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿ وهو الذي خلق ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ ونبلوكم ﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿ فتنة ﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ اختياراً وقهراً ﴿ وإذا رآك الذين كفروا ﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ سأريكم آياتي ﴾ اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.

ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿ بالليل والنهار ﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿ بل متعنا هؤلاء ﴾ الجهال ﴿ وآباءهم ﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة.

ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ البشرية ﴿ ونضع الموازين ﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿ نحن قسمنا ﴾ ﴿ تلك الرسل فضلنا ﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ : أنهم لم ينسبوا الولد إليه، ولا قالوا ذلك: إنه اتخذ ولداً على حقيقة الولادة، ولكن قالوا ذلك على الصفوة واصطفائه من أضافوا ونسبوا إليه؛ لأن الذين قالوا: إنهم ولده من نحو عيسى وعزير والملائكة ليسوا كما وصفوا، ولكنهم عباد مكرمون، ثم أخبر بما أكرمهم فقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ أخبر أنهم لا يتقدمون في قول ولا فعل إلا بإذن منه وأمر.

أو أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ ﴾ أي: لا يأمرون بشيء ولا ينهون عن شيء إلا بإذن من الله وأمر منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ هذا قد ذكرناه في سورة "طه".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً  ﴾ فيكون تأويل قوله: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ أي: إلا لمن أذن له.

ثم يتوجه قوله: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ إلى الشفيع، أي: لا يؤذن لأحد بالشفاعة إلا من كان مرضيا مرتضى دينا وعملا، ويتوجه قوله: ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ إلى المشفوع له: إلا لمن ارتضى عنه الرب مذهباً وعملا؛ حتى لم يدخل في عمله تقصير.

ثم الشفاعة إنما جعلت في الأصل للتجاوز فيما دخل في العمل من التقصير.

ثم لا يخلو الذي يشفع له إما أن يكون صاحب الصغيرة فيجوز أن يعذب عليها، أو أن يكون صاحب كبيرة، ففيه دلالة التجاوز والعفو عن صاحب الكبيرة؛ لأنا قد قلنا: إن الشفاعة إنما جعلت لمن منه التقصير في العمل، ففيه دلالة نقص قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن صاحب الصغيرة معفو عنه الصغيرة حتى لا يجوز أن يعذب عليها، وصاحب الكبيرة لا يجوز العفو عنه والتجاوز، بل هو معذب أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ هذا - والله أعلم - كأنه صلة قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية، أي: من خشية عذابه وهيبته لا يتقدمون بقول ولا فعل ولا أمر ولا نهي؛ خوفاً منه وهيبة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

هذا كأنه مقطوع عما سبق وتقدم ذكره غير موصول به؛ لأن ما سبق هو القول منهم: إنه اتخذ الرحمن ولداً، فلو كان على اتصاله بالأول، لكان يقول: ومن يقل منهم: إني ولد إله؛ لأنهم قالوا: ﴿ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ ، ولم يقولوا: إنه اتخذ الرحمن إلها، فلو كان على الصلة بالأول والجواب له، فهو يخرج على الجواب لهم، ومن يقل منهم: إني ولد إله، لكن كأنهم كانوا فرقاً: منهم من قال: اتخذ ولدا، ومنهم من عبد دونه الملائكة واتخذهم آلهة، فخرج هذا جواباً لذلك فقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية، فإن قيل لنا في قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ ، وقد عبد عيسى من دونه، وعبد الملائكة دونه؛ فيكون حصب جهنم على ظاهر ما ذكر، قلنا: تأويل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ أي: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ بأمر الذين عبدوا وقالوا لهم: اعبدوني ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، دليله ما ذكر في الآية: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي: المشركين ﴿ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ هاهنا: المشركين الكافرين.

ثم قال الحسن في قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ ﴾ : لا يحتمل أن يكونوا يقولون ذلك؛ لما وصفهم بالطاعة له وترك الخلاف لأمره، لكنه ذكر هذا؛ ليعلم الخلق أن من قال ذلك وإن عظم قدره عنده، وجلت منزلته أنه يجزيه بما ذكر أنه يستوجب لذلك.

ولكن عندنا المعصية من الملائكة ممكن محتمل؛ دليله قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ ﴾ ، ولأنه قد مدحهم بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6]، وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19]، فدل ذلك كله على أنهم مختارون في ذلك غير مجبولين عليه.

وقال بعضهم من أهل التأويل: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ هو إبليس هو كان منهم، وهو الذي قال ذلك ﴿ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ ﴾ فاعبدوني، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن يقل من الملائكة من باب الافتراض: إني معبود من دون الله، فإننا نجزيه على قوله بعذاب جهنم يوم القيامة خالدًا فيها، ومثل هذا الجزاء نجزي الظالمين بالكفر والشرك بالله.

<div class="verse-tafsir" id="91.BBJaq"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله