الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الأنبياء
تفسيرُ سورةِ الأنبياء كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 513 دقيقة قراءةسُورَةُ الأنْبِياءِ 21 نَزَلَتْ بِمَكَّةَ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وفي البَحْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ وأطْلَقَ ذَلِكَ فِيها، واسْتَثْنى مِنها في الإتْقانِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ ﴾ الآيَةَ وهي مِائَةٌ واثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً في عَدِّ الكُوفِيِّ وإحْدى عَشْرَةَ في عَدِّ الباقِينَ كَما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ والدّانِيُّ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبْلَها غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وهي سُورَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها مَوْعِظَةٌ فَخِيمَةٌ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ فَأكْرَمَ عامِرٌ مَثْواهُ وكَلَّمَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ فَجاءَهُ الرَّجُلُ فَقالَ: إنِّي اسْتَقْطَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وادِيًا ما في العَرَبِ وادٍ أفْضَلُ مِنهُ وقَدْ أرَدْتُ أنْ أقْطَعَ لَكَ مِنهُ قِطْعَةً تَكُونُ لَكَ ولِعَقِبِكَ مِن بَعْدِكَ فَقالَ عامِرٌ: لا حاجَةَ لِي في قَطِيعَتِكَ نَزَلَتِ اليَوْمَ سُورَةٌ أذْهَلَتْنا عَنِ الدُّنْيا ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ ﴾ إلى آخِرِهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما قالَ الإمامُ، والقُرْطُبِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَتَسْمَعُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الآياتِ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في وصْفِ المُشْرِكِينَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ ما فِيها مِن قَبِيلِ نِسْبَةِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ فَلا يُنافِي كَوْنَ تَعْرِيفِهِ لِلْجِنْسِ، ووَجْهُ حُسْنِهِ ها هُنا كَوْنُ أُولَئِكَ البَعْضِ هُمُ الأكْثَرُونَ ولِلْأكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ شَرْعًا وعُرْفًا.
ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ إرادَةَ الجِنْسِ والضَّمائِرُ فِيما بَعْدُ لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهم في هَذِهِ السُّورَةِ ولَيْسَ بِأبْعَدَ مِمّا سَبَقَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ دَلالَةَ ما ذُكِرَ عَلى التَّخْصِيصِ لَيْسَتْ إلّا عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الأوْصافِ بِما فَسَّرُوها بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ كُلٌّ مِنها عَلى مَعْنًى يَشْتَرِكُ فِيهِ عُصاةُ المُوَحِّدِينَ ولا يَخْفى أنَّ في ذَلِكَ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ جِدًّا، واللّامُ صِلَةٌ لِاقْتَرَبَ كَما هو الظّاهِرُ وهي بِمَعْنى إلى أوْ بِمَعْنى مِن فَإنَّ اقْتَرَبَ افْتَعَلَ مِنَ القُرْبِ ضِدُّ البُعْدِ وهو يَتَعَدّى بِإلى وبِمِن، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى القَوْلِ بِأنَّها بِمَعْنى إلى فَقِيلَ فِيهِ تَحَكُّمٌ لِحَدِيثِ تَعَدِّي القُرْبِ بِهِما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِن مِن وإلى اللَّتَيْنِ هُما صِلَتا القُرْبِ بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ إلّا أنَّ إلى عَرِيقَةٌ في هَذا المَعْنى ومِن عَرِيقَةٌ في ابْتِداءِ الغايَةِ فَلِذا أُوثِرَ التَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِ اللّامِ المَذْكُورَةِ بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ القَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى إلى واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وفي الكَشْفِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِلَةً لِاقْتَرَبَ اقْتَرَبَ مِنَ النّاسِ لِأنَّ مَعْنى الِاخْتِصاصِ وابْتِداءِ الغايَةِ كِلاهُما مُسْتَقِيمٌ يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ المَفْهُومَ مِنهُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ مِنَ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الِاقْتِرابِ بِمَعْنى ابْتِداءِ الغايَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِعَدَمِ مُلاءَمَةِ ذَلِكَ المَعْنى مَواقِعَ اسْتِعْمالِ تِلْكَ الكَلِمَةِ فالحَقُّ أنَّها بِمَعْنى انْتِهاءِ الغايَةِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ مِن يَجِيءُ لِذَلِكَ، قالَ الشَّمْنِيُّ: وفي الجَنْيِ الدّانِيِّ مَثَّلَ ابْنُ مالِكٍ لِانْتِهاءِ الغايَةِ بِقَوْلِهِمْ تَقَرَّبْتُ مِنهُ فَإنَّهُ مُساوٍ لِتَقَرَّبْتُ إلَيْهِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ فِعْلَ الِاقْتِرابِ كَما يُسْتَعْمَلُ بِمِن يُسْتَعْمَلُ بِإلى، وقَدْ ذُكِرَ في مَعانِي مِنَ انْتِهاءِ الغايَةِ كَما سَمِعْتَ ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ في مَعانِي إلى ابْتِداءَ الغايَةِ والأصْلُ أنْ تَكُونَ الصِّلَتانِ بِمَعْنًى فَتُحْمَلُ مِن عَلى إلى في كَوْنِ المُرادِ بِها الِانْتِهاءَ وغايَةُ ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الكَشْفِ حَمَلَها عَلى ابْتِداءِ الغايَةِ لِأنَّهُ أشْهَرُ مَعانِيها حَتّى ذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى إرْجاعِ سائِرِها إلَيْهِ وجَعَلَ تَعْدِيَتَهُ بِها حَمْلًا عَلى ضِدِّهِ المُتَعَدِّي بِها وهو فِعْلُ البُعْدِ كَما أنَّ فِعْلَ البَيْعِ يُعَدّى بِمِن حَمْلًا لَهُ عَلى فِعْلِ الشِّراءِ المُتَعَدِّي بِها عَلى ما ذَكَرَهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ في بَحْثِ الحُرُوفِ الجارَّةِ والمَشْهُورُ أنَّ ( اقْتَرَبَ ) بِمَعْنى قَرُبَ كارْتَقَبَ بِمَعْنى رَقَبَ، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ لِزِيادَةِ مَبْناهُ والمُرادُ مِنِ اقْتِرابِ الحِسابِ اقْتِرابُ زَمانِهِ وهو السّاعَةُ، ووَجْهُ إيثارِ بَيانِ اقْتِرابِهِ مَعَ أنَّ الكَلامَ مَعَ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِأصْلِ بَعْثِ الأمْواتِ ونَفْسِ إحْياءِ العِظامِ الرُّفاتِ فَكانَ ظاهِرُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أنْ يُؤْتى بِما يُفِيدُ أصْلَ الوُقُوعِ بَدَلَ الِاقْتِرابِ وأنْ يُسْنِدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِ السّاعَةِ لا إلى الحِسابِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ وُقُوعَ القِيامِ وحُصُولَ بَعْثِ الأجْسادِ والأجْسامِ أمْرٌ ظاهِرٌ بِلا تَمْوِيهٍ وشَيْءٌ واضِحٌ لا رَيْبَ فِيهِ وأنَّهُ وصَلَ في الظُّهُورِ والجَلاءِ إلى حَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى العُقَلاءِ، وأنَّ الَّذِي يُرْخى في بَيانِهِ أعِنَّةُ المَقالِ بَعْضُ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ كالحِسابِ المُوجِبِ لِلِاضْطِرابِ بَلْ نَفْسُ وُقُوعِ الحِسابِ أيْضًا غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ لا يَنْبَغِي أنْ تَرْتابَ فِيهِ العُقُولُ والأذْهانُ وأنَّ الَّذِي قُصِدَ بَيانُهُ هَهُنا أنَّهُ دَنا أوانُهُ واقْتَرَبَ زَمانُهُ فَيَكُونُ الكَلامُ مُفْصِحًا عَنْ تَحَقُّقِ القِيامِ الَّذِي هو مُقْتَضى المَقامِ عَلى وجْهٍ وجِيهٍ أكِيدٍ ونَهْجٍ بَدِيعٍ سَدِيدٍ لا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَعَ المُشْرِكِينَ السّائِلِينَ عَنْ زَمانِ السّاعَةِ المُسْتَعْجِلِينَ لَها اسْتِهْزاءً كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الإخْبارُ عَنِ الِاقْتِرابِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإيثارُ بَيانِ اقْتِرابِ الحِسابِ عَلى بَيانِ اقْتِرابِ سائِرِ وُقُوعِ مُسْتَتْبِعاتِ البَعْثِ كَفُنُونِ العَذابِ وشُجُونِ العِقابِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مُجَرَّدَ اقْتِرابِ الحِسابِ الَّذِي هو مِن مَبادِي العَذابِ ومُقَدِّماتِهِ كافٍ في التَّحْذِيرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ ووافٍ بِالرَّدْعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُلُوِّ والِاسْتِكْبارِ فَكَيْفَ الحالُ في نَفْسِ العَذابِ والنَّكالِ.
وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ إسْنادَ ذَلِكَ إلى الحِسابِ لا إلى السّاعَةِ لِانْسِياقِ الكَلامِ إلى بَيانِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ وإعْراضِهِمْ عَمّا يُذَكِّرُهم إيّاهُ وفِيهِ ما فِيهِ، ثُمَّ الوَجْهُ اللّائِحُ في النَّظَرِ الجَلِيلِ لِإسْنادِ الِاقْتِرابِ إلى الحِسابِ دُونَ النّاسِ مَعَ جَوازِ العَكْسِ هو أنَّ الِاقْتِرابَ إذا حَصَلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُسْنَدُ إلى ما هو مُقْبِلٌ عَلى الآخَرِ مُتَحَرِّكٌ ومُتَوَجِّهٌ إلى جِهَتِهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا حَتّى أنَّهُ لَوْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُتَوَجِّهًا إلى الآخَرِ يَصِحُّ إلى كُلٍّ مِنهُما، وقَدْ سَمِعْتَ أنَّ المُرادَ مِنَ اقْتِرابِ الحِسابِ اقْتِرابُ زَمانِهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الشّائِعَ المُسْتَفِيضَ اعْتِبارُ الوَجْهِ والإتْيانِ مِنَ الزَّمانِ إلى ذِي الزَّمانِ لا بِالعَكْسِ فَلِذَلِكَ يُوصَفُ الزَّمانُ بِالمُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ فَكانَ الجَدِيرُ أنْ يُسْنَدَ الِاقْتِرابُ إلى زَمانِ الحِسابِ ويُجْعَلَ النّاسُ مَدْنُوًّا إلَيْهِمْ.
وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ في هَذا الإسْنادِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ ما لا يَخْفى لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ ذَلِكَ بِصُورَةِ شَيْءٍ مُقْبِلٍ عَلَيْهِمْ لا يَزالُ يَطْلُبُهم فَيُصِيبُهم لا مَحالَةَ انْتَهى، وهو مَعْنًى زائِدٌ عَلى ما ذَكَرْنا لا يَخْفى لُطْفُهُ عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ واليَلْمَعِيِّ الخَبِيرِ، والمُرادُ مِنَ اقْتِرابِ ذَلِكَ مِنَ النّاسِ عَلى ما اخْتارَهُ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ دُنُوُّهُ مِنهم بَعْدَ بُعْدِهِ عَنْهم فَإنَّهُ في كُلِّ ساعَةٍ يَكُونُ أقْرَبَ إلَيْهِمْ مِنهُ في السّاعَةِ السّابِقَةِ، واعْتُرِضَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ المُرادُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الباقِي مِن مُدَّةِ الدُّنْيا أقَلَّ وأقْصَرَ مِمّا مَضى مِنها فَإنَّهُ كَصُبابَةِ الإناءِ ودُرْدِيِّ الوِعاءِ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي ولا حاجَةَ إلَيْهِ في تَحْقِيقِ مَعْناهُ.
نَعَمْ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ عُرْفًا كَوْنُهُ قَرِيبًا في نَفْسِهِ أيْضًا فَيُصارُ حِينَئِذٍ إلى هَذا التَّوْجِيهِ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ التَّعَلُّقِ بِالِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الإنْصافِ فَإنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالحُدُوثِ المُسْتَفادِ مِنها فَلا وجْهَ لَهُ إذِ الِاقْتِرابُ بِالمَعْنى المَذْكُورِ أمْرٌ حَدَثَ بِمُضِيِّ الأكْثَرِ مِن مُدَّةِ الدُّنْيا وإنْ أرادَ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمُضِيِّ المُسْتَفادِ مِنها فَلا وجْهَ لَهُ أيْضًا إذِ الدَّلائِلُ دَلَّتْ عَلى حُصُولِ هَذا الِاقْتِرابِ حِينَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ المَوْعُودِ في آخِرِ الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ.
ثُمَّ قالَ: فَلَيْتَ شِعْرِي ما مَعْنى عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِما نَحْنُ فِيهِ بَلْ رُبَّما يُمْكِنُ أنْ يَدَّعِيَ عَدَمَ المُناسَبَةِ في المَعْنى الَّذِي اخْتارَهُ نَفْسَهُ فَإنَّ الِاقْتِرابَ بِذَلِكَ المَعْنى مُسْتَمِرٌّ مِن أوَّلِ بَدْءِ الدُّنْيا إلى يَوْمِ نُزُولِ الآيَةِ بَلْ إلى ما بَعْدُ فالَّذِي يُناسِبُهُ هو الصِّيغَةُ المُنْبِئَةُ عَنِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ، ثُمَّ لا يَخْفى عَلى أصْحابِ الأفْهامِ أنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي اعْتَرَضَهُ أنْسَبُ بِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن إخافَةِ الكَفَرَةِ اللِّئامِ المُرْتابِينَ في أمْرِ القِيامِ لِما فِيهِ مِن بَيانِ قُرْبِهِ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ أ.ه.
فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ المُرادُ اقْتِرابُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا نِسْبَةَ لِلْكائِناتِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالقُرْبِ والبُعْدِ.
ورُدَّ بِأنَّهُ غَفْلَةٌ أوْ تَغافُلٌ عَنِ المُرادِ فَإنَّ المُرادَ مِن عِنْدِ اللَّهِ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ أوْ في حُكْمِهِ وتَقْدِيرِهِ لا الدُّنُوُّ والِاقْتِرابُ المَعْرُوفُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنَ القُرْبِ تَحَقُّقَهُ في عِلْمِهِ تَعالى أوْ تَقْدِيرِهِ.
وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: لَيْسَ المُرادُ مِن كَوْنِ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى نِسْبَتَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجْعَلَ هو عَزَّ وجَلَّ مَدْنُوًّا مِنهُ ومُقَرَّبًا إلَيْهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا بَلِ المُرادُ قُرْبُ الحِسابِ لِلنّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِبُلُوغِ تَأنِّيهِ إلى حَدِّ الكَمالِ يَسْتَقْصِرُ المُدَدَ الطِّوالَ فَيَكُونُ الحِسابُ قَرِيبًا مِنَ النّاسِ عِنْدَ جَنابِهِ المُتَعالِ وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أعْوامٌ وأحْوالٌ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ ﴿ ونَراهُ قَرِيبًا ﴾ وهَذا المَعْنى يُفِيدُ وراءَ إفادَتِهِ تَحَقُّقَ الثُّبُوتِ لا مَحالَةَ أنَّ المُدَّةَ الباقِيَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الحِسابِ شَيْءٌ قَلِيلٌ في الحَقِيقَةِ وما عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ اسْتِطالَتِهِ واسْتِكْثارِهِ فَمِنَ التَّسْوِيلاتِ الشَّيْطانِيَّةِ وأنَّ اللّائِقَ بِأصْحابِ البَصِيرَةِ أنْ يَعُدُّوا تِلْكَ المُدَّةَ قَصِيرَةً فَيُشَمِّرُوا الذَّيْلَ لِيَوْمٍ يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ ويَكُونُ إلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ المَساقُ، وقَوْلُ شَيْخِ الإسْلامِ في الاعْتِراضِ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ لا سَبِيلَ إلى اعْتِبارِهِ ها هُنا لِأنَّ قُرْبَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّجَدُّدُ والتَّفاوُتُ حَتْمًا وإنَّما اعْتِبارُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾ ونَظائِرِهِ مِمّا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحُدُوثِ مَبْنِيٌّ عَلى حَمْلِ القُرْبِ عِنْدَهُ تَعالى عَلى القُرْبِ إلَيْهِ تَعالى بِمَعْنى حُضُورِ ذَلِكَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ فَإنَّهُ الَّذِي لا يَجْرِي فِيهِ التَّفاوُتُ حَتْمًا وأمّا قُرْبُ الأشْياءِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ زَمانًا أوْ مَكانًا فَلا رَيْبَ أنَّهُ يَتَجَدَّدُ تَعَلُّقاتُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ فَيَعْلَمُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ صِفَةِ العِلْمِ نَفْسِها قَدِيمَةً عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ اهَـ.
واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالعِنْدِيَّةِ ما سَمِعْتَهُ أوَّلًا وهو مَعْنًى شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ وجُعِلَ التَّجَدُّدُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ كَما قِيلَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ اقْتِرابِهِ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ فَإنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ والبَعِيدُ ما وقَعَ ومَضى ولِذا قِيلَ: فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ ولا بُدَّ أنْ يُرادَ مِن تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ لا تَحَقُّقُهُ في العِلْمِ الأزَلِيِّ لِيُغايِرَ القَوْلَ السّابِقَ.
وبَعْضُ الأفاضِلِ قالَ: إنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالِاقْتِرابِ المُسْتَفادِ مِن صِيغَةِ الماضِي إلّا أنْ يُصارَ إلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ الصِّيغَةِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَن تَقَدَّسَ عَنِ الأنْدادِ وتَنَزَّهَ عَنِ الأضْدادِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ كَما صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الإسْلامِ لِلْمُسارَعَةِ إلى إدْخالِ الرَّوْعَةِ فَإنَّ نِسْبَةَ الِاقْتِرابِ إلى المُشْرِكِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ يَسُوؤُهم ويُورِثُهم رَهْبَةً وانْزِعاجًا مِنَ المُقْتَرِبِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لا يَحْصُلُ لَهُمُ التَّرْوِيعُ والِانْزِعاجُ لِما سَتَسْمَعُ مِن غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِالآياتِ النّازِلَةِ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَتَأتّى تَعْجِيلُ المَساءَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنْ لا يُزْعِجَهُمُ الإنْذارُ والتَّذْكِيرُ ولا يُرَوِّعَهُمُ التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ لِجَوازِ أنْ يَخْتَلِجَ في ذِهْنِهِمُ احْتِمالُ الصِّدْقِ ولَوْ مَرْجُوحًا فَيَحْصُلُ لَهُمُ الخَوْفُ والإشْفاقُ.
وأُيِّدَ بِما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ ﴾ قالَ الكُفّارُ فِيما بَيْنَهم: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ ما هو كائِنٌ فَلَمّا تَأخَّرَتْ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ فَأشْفَقُوا فانْتَظَرُوا قُرْبَها فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ انْتَهى.
وقالَ بَعْضُهم في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّ الِاقْتِرابَ مُنْبِئٌ عَنِ التَّوَجُّهِ والإقْبالِ نَحْوَ شَيْءٍ فَإذا قِيلَ اقْتَرَبَ أشْعَرَ أنَّ هُناكَ أمْرًا مُقْبِلًا عَلى شَيْءٍ طالِبًا لَهُ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى خُصُوصِيَّةِ المُقْتَرَبِ مِنهُ فَإذا قِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ ( لِلنّاسِ ) دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ طالِبٌ لَهم مُقْبِلٌ عَلَيْهِمْ وهم هارِبُونَ مِنهُ فَأفادَ أنَّ المُقْتَرِبَ مَمّا يَسُوؤُهم فَيَحْصُلُ لَهُمُ الخَوْفُ والِاضْطِرابُ قَبْلَ ذِكْرِ الحِسابِ بِخِلافِ ما إذا قِيلَ اقْتَرَبَ الحِسابُ لِلنّاسِ فَإنَّ كَوْنَ إقْبالِ الحِسابِ نَحْوَهم لا يُفْهَمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إلّا بَعْدَ ذِكْرٍ لِلنّاسِ فَتَحَقُّقُ فائِدَةِ التَّعْجِيلِ في التَّقْدِيمِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ بَلْ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي ذَهابُ الوَهْمِ في تَعْيِينِ ذَلِكَ الأمْرِ الهائِلِ إلى كُلِّ مَذْهَبٍ إلى أنْ يُذَكَرَ الفاعِلُ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ في وجْهِ تَعْجِيلِ التَّهْوِيلِ: إنَّ جَرَيانَ عادَتِهِ الكَرِيمَةِ عَلى إنْذارِ المُشْرِكِينَ وتَحْذِيرِهِمْ وبَيانِ ما يُزْعِجُهم يَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَيَّنَ اقْتِرابَهُ مِنهم شَيْءٌ سَيِّئٌ هائِلٌ فَإذا قُدِّمَ الجارُّ يَحْصُلُ التَّخْوِيفُ حَيْثُ يُعْلَمُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ الكَلامَ في حَقِّ المُشْرِكِينَ الجارِي عادَتُهُ الكَرِيمَةُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تَحْذِيرِهِمْ بِخِلافِ ما إذا قُدِّمَ الفاعِلُ حَيْثُ لا يُعْلَمُ المُقْتَرَبُ مِنهُ إلى أنْ يُذْكَرَ الجارُّ والمَجْرُورُ والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ لا تَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ المُقْتَرَبِ كَما تَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ المُقْتَرِبِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن عادَتِهِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ إذا تَكَلَّمَ في شَأْنِهِمْ يَتَكَلَّمُ غالِبًا بِما يَسُوؤُهم لا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتَكَلَّمُ في غالِبِ أحْوالِهِ بِما يَسُوؤُهم وفَرْقٌ بَيْنَ العادَتَيْنِ، ولا يَقْدَحُ في تَمامِيَّةِ المَرامِ تَوَقُّفُ تَحَقُّقِ نُكْتَةِ التَّقْدِيمِ عَلى ضَمِّ ضَمِيمَةِ العادَةِ إذْ يَتِمُّ المُرادُ بِأنْ يَكُونَ لِلتَّقْدِيمِ مَدْخَلٌ في حُصُولِ تِلْكَ النُّكْتَةِ بِحَيْثُ لَوْ فاتَ التَّقْدِيمُ لَفاتَتِ النُّكْتَةُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَيْسَ في كَلامِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسارَعَةَ المَذْكُورَةَ حاصِلَةٌ مِنَ التَّقْدِيمِ وحْدَهُ كَذا قِيلَ.
ولَكَ أنْ تَقُولَ: التَّقْدِيمُ لِتَعْجِيلِ التَّخْوِيفِ ولا يُنافِي ذَلِكَ عَدَمُ حُصُولِهِ كَما لا يُنافِي عَدَمَ حُصُولِ التَّخْوِيفِ كَوْنُ إنْزالِ الآياتِ لِلتَّخْوِيفِ فافْهَمْ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ اللّامِ تَأْكِيدًا لِإضافَةِ الحِسابِ إلَيْهِمْ قالَ في الكَشْفِ: فالأصْلُ اقْتَرَبَ حِسابُ النّاسِ لِأنَّ المُقْتَرَبَ مِنهُ مَعْلُومٌ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ مُقَدَّمٌ لا أنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُضافٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ لِأنَّ المُتَأخِّرَ مُفَسِّرٌ أيِ اقْتَرَبَ الحِسابُ لِلنّاسِ الحِسابُ كَما زَعَمَ الطَّيِّبِيُّ وفي التَّقْدِيمِ والتَّصْرِيحِ بِاللّامِ وتَعْرِيفِ الحِسابِ مُبالَغاتٌ لَيْسَتْ في الأصْلِ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم فَصارَتِ اللّامُ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الِاخْتِصاصِ الإضافِيِّ لا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَما في لا أبا لَهُ وما ثُنِّيَ فِيهِ الظَّرْفُ مِن نَحْوِ فِيكَ زَيْدٌ راغِبٌ فِيكَ انْتَهى.
وادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذا الوَجْهَ أغْرَبُ بِناءً عَلى أنَّ فِيهِ مُبالَغاتٍ ونُكَتًا لَيْسَتْ في الوَجْهِ الأوَّلِ وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ تَعَسُّفًا تامًّا بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وبَحَثَ فِيهِ أيْضًا أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ ومِنَ النّاسِ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ وذَبَّ عَنْهُ، وبِالجُمْلَةِ لِلْعُلَماءِ في ذَلِكَ مُناظَرَةٌ عُظْمى ومَعْرَكَةٌ كُبْرى، والأوْلى بَعْدَ كُلِّ حِسابٍ جَعْلُ اللّامِ صِلَةَ الِاقْتِرابِ هَذا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى ثُبُوتِ الحِسابِ، وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ أنَّ المُعْتَزِلَةَ والخَوارِجَ يُنْكِرُونَهُ ويُعَضِّدُهُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ النَّسَفِيُّ في بَعْضِ مُؤَلَّفاتِهِ حَيْثُ قالَ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا مِيزانَ ولا حِسابَ ولا صِراطَ ولا حَوْضَ ولا شَفاعَةَ وكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ المِيزانَ أوِ الحِسابَ أرادَ سُبْحانَهُ بِهِ العَدْلَ انْتَهى.
لَكِنَّ المَذْكُورَ في عامَّةِ المُعْتَبَراتِ الكَلامِيَّةِ أنَّ أكْثَرَهم يَنْفِي الصِّراطَ وجَمِيعَهم يَنْفِي المِيزانَ ولَمْ يُتَعَرَّضْ فِيهِ لِنَفْيِهِمُ الحِسابَ، والحَقُّ أنَّ الحِسابَ بِمَعْنى المُجازاةِ مِمّا لا يُنْكِرُهُ إلّا المُشْرِكُونَ ﴿ وهم في غَفْلَةٍ ﴾ أيْ في غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ وجَهالَةٍ فَخِيمَةٍ عَنْهُ، وقِيلَ الأوْلى التَّعْمِيمُ أيْ في غَفْلَةٍ تامَّةٍ وجَهالَةٍ عامَّةٍ مِن تَوْحِيدِهِ تَعالى والإيمانِ بِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووُقُوعِ الحِسابِ ووُجُودِ الثَّوابِ والعِقابِ وسائِرِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ الكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ، وذِكْرُ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ عُقَيْبَ بَيانِ اقْتِرابِ الحِسابِ لا يَقْتَضِي قَصْرَ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ فَإنَّ وُقُوعَ تَأسُّفِهِمْ ونَدامَتِهِمْ وظُهُورَ أثَرِ جَهْلِهِمْ وحَماقَتِهِمْ لِما كانَ مِمّا يَقَعُ في يَوْمِ الحِسابِ كانَ سَبَبًا لِلتَّعْقِيبِ المَذْكُورِ انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ التَّعْقِيبِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، ومَن غَفَلَ عَنْ مُجازاةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ المُرادُ مِنَ الحِسابِ صَدَرَ مِنهُ كُلُّ ضَلالَةٍ ورَكِبَ مَتْنَ كُلِّ جَهالَةٍ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا - لَهم - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ أيْ عَنِ الآياتِ والنُّذُرِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ بِهِ المُنَجِّي مِنَ المَهالِكِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، واجْتِماعُ الغَفْلَةِ والإعْراضِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، ولِلْإشارَةِ إلى تَمَكُّنِهِمْ في الغَفْلَةِ الَّتِي هي مَنشَأُ الإعْراضِ المُسْتَمِرِّ جِيءَ بِالكَلامِ عَلى ما سَمِعْتَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِالغَفْلَةِ مَعَ الإعْراضِ عَلى مَعْنى أنَّهم غافِلُونَ عَنْ حِسابِهِمْ ساهُونَ لا يَتَفَكَّرُونَ في عاقِبَتِهِمْ ولا يَتَفَطَّنُونَ لِما تَرْجِعُ إلَيْهِ خاتِمَةُ أمْرِهِمْ مَعَ اقْتِضاءِ عُقُولِهِمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن جَزاءٍ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ ولِذا إذا قُرِعَتْ لَهُمُ العَصا ونُبِّهُوا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ وفَطِنُوا لِذَلِكَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ أعْرَضُوا وسَدُّوا أسْماعَهم ونَفَرُوا إلى آخِرِ ما قالَ.
وحاصِلُهُ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ التَّنافِي بَيْنَ الغَفْلَةِ الَّتِي هي عَدَمُ التَّنَبُّهِ والإعْراضُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ المُتَنَبَّهِ بِأنَّ الغَفْلَةَ عَنِ الحِسابِ في أوَّلِ أمْرِهِمْ والإعْراضَ بَعْدَ قَرْعِ عَصا الإنْذارِ أوْ بِأنَّ الغَفْلَةَ عَنِ الحِسابِ والإعْراضَ عَنِ التَّفَكُّرِ في عاقِبَتِهِمْ وأمْرِ خاتِمَتِهِمْ، وفي الكَشْفِ أرادَ أنَّ حالَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ الغَفْلَةُ عَنْ مُقْتَضى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ ثُمَّ إذا عاضَدَتْها الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وأُرْشِدُوا لِطَرِيقِ النَّظَرِ أعْرَضُوا، وفِيهِ بَيانُ فائِدَةِ إيرادِ الأوَّلِ جُمْلَةً ظَرْفِيَّةً لِما في حَرْفِ الظَّرْفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإيرادِ الثّانِي وصْفًا مُنْتَقِلًا دالًّا عَلى نَوْعٍ تَجَدَّدَ، ومِنهُ يَظْهَرُ ضَعْفُ الحَمْلِ عَلى أنَّ الظَّرْفِيَّةَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في ( مُعْرِضُونَ ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِاقْتِضاءِ العُقُولِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ لا يَتَسَنّى إلّا عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ والأشاعِرَةُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ أشَدَّ الإنْكارِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الإعْراضُ عَلى الِاتِّساعِ كَما في قَوْلِهِ: عَطاءُ فَتًى تَمَكَّنَ في المَعالِي ∗∗∗ واعْرَضَّ في المَعالِي واسْتَطالا وذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى وهم مُتَّسِعُونَ في الغَفْلَةِ مُفْرِطُونَ فِيها.
ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالغَفْلَةِ مَعْنى الإهْمالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ ﴾ فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ ﴾ مِن طائِفَةٍ نازِلَةٍ مِنَ القُرْآنِ تُذَكِّرُهم أكْمَلَ تَذْكِيرٍ وتُبَيِّنُ لَهُمُ الأمْرَ أتَمَّ تَبْيِينٍ كَأنَّها نَفْسُ الذِّكْرِ، ( ومِن ) سَيْفُ خَطِيبٍ وما بَعْدَها مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ بَعِيدٌ، ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّهِمْ ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِيَأْتِيهِمْ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِذِكْرٍ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ وشَرَفِهِ وكَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا بِهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِذِكْرٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ أيْضًا عَلى المَحَلِّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ بِناءً عَلى وصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّهِمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( يَأْتِيهِمْ ) بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ: إذا كانَ الماضِي بَعْدَ إلّا فاكْتِفاؤُهُ بِالضَّمِيرِ مِن دُونِ الواوِ وقَدْ أكْثَرُ نَحْوُ ما لَقِيتُهُ إلّا أكْرَمَنِي لِأنَّ دُخُولَ إلّا في الأغْلَبِ عَلى الأسْماءِ فَهو بِتَأْوِيلٍ إلّا مُكْرَمًا فَصارَ كالمُضارِعِ المُثْبَتِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ لِأنَّهُ حامِلٌ لِضَمِيرِهِ أيْضًا والمَعْنى لا يَأْباهُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِذِكْرٍ، وكَلِمَةُ ( إلّا ) وإنْ كانَتْ مانِعَةً عِنْدَ الجُمْهُورِ إذِ التَّفْرِيغُ في الصِّفاتِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَهم إلّا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ذِكْرٌ آخَرُ بَعْدَ إلّا فَتُجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةً لَهُ ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ وصْفِ المَذْكُورِ أيْ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ إلّا ذِكْرٌ اسْتَمَعُوهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ اسْتَمَعُوهُ ﴾ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ إمّا حالٌ أُخْرى مِنهُ فَتَكُونُ مُتَرادِفَةً أوْ حالٌ مِن واوِ ( يَلْعَبُونَ ) فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً والمَعْنى ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ لاعِبِينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ لاهِينَ عَنْهُ أوْ لاعِبِينَ بِهِ حالَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ لاهِيَةً عَنْهُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى (لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم، والسِّرُّ في اخْتِلافِ الخَبَرَيْنِ لا يَخْفى، و ﴿ لاهِيَةً ﴾ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ بِالكَسْرِ لُهِيًّا ولِهْيانًا إذا سَلا عَنْهُ وتَرَكَ ذِكْرَهُ وأضْرَبَ عَنْهُ كَما في الصِّحاحِ، وفي الكَشّافِ هي مِن لَهي عَنْهُ إذا ذَهَلَ وغَفَلَ وحَيْثُ اعْتَبَرَ في الغَفْلَةِ فِيما مَرَّ أنْ لا يَكُونَ لِلْغافِلِ شُعُورٌ بِالمَفْعُولِ عَنْهُ أصْلًا بِأنْ لا يَخْطُرَ بِبالِهِ ولا يَقْرَعَ سَمْعَهُ أُشْكِلَ وصْفُ قُلُوبِهِمْ بِالغَفْلَةِ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ إذْ قَدْ زالَتْ عَنْهم بِذَلِكَ وحَصَلَ لَهُمُ الشُّعُورُ وإنْ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلْإيمانِ وبَقُوا في غَيابَةِ الخِزْيِ والخِذْلانِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ عَلى تَنْزِيلِ شُعُورِهِمْ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُرادَ مِنَ الغَفْلَةِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ لَهي التَّرْكُ والإعْراضُ عَلى ما تُفْصِحُ عَنْهُ عِبارَةُ الصِّحاحِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهْوِ بِمَعْنى اللَّعِبِ عَلى ما هو المَشْهُورُ لِأنَّ تَعْقِيبَ ( يَلْعَبُونَ ) بِذَلِكَ حِينَئِذٍ مِمّا لا يُناسِبُ جَزالَةَ التَّنْزِيلِ ولا يُوافِقُ جَلالَةَ نَظْمِهِ الجَزِيلِ وإنْ أمْكَنَ تَصْحِيحُ مَعْناهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، والمُرادُ بِالحُدُوثِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مُحْدَثٌ التَّجَدُّدُ وهو يَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالعَدَمِ، ووُصِفَ الذِّكْرُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِهِ لا بِاعْتِبارِهِ نَفْسَهُ وإنْ صَحَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى حَمْلِ الذِّكْرِ عَلى الكَلامِ اللَّفْظِيِّ والقَوْلِ بِما شاعَ عَنِ الأشاعِرَةِ مِن حُدُوثِهِ ضَرُورَةً أنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ لِأنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ الِانْتِظامِ بَيانَ أنَّهُ كُلَّما تَجَدَّدَ لَهُمُ التَّنْبِيهُ والتَّذْكِيرُ وتَكَرَّرَ عَلى أسْماعِهِمْ كَلِماتُ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ وقَرَعَتْ لَهُمُ العَصا ونُبِّهُوا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ عَدَدَ الحَصا وأُرْشِدُوا إلى طَرِيقِ الحَقِّ مِرارًا لا يَزِيدُهم ذَلِكَ إلّا فِرارًا، وأمّا إنَّ ذَلِكَ المَنزِلَ حادِثٌ أوْ قَدِيمٌ فَمِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالذِّكْرِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ مَجازٌ بَلْ إسْنادُهُ إلى الكَلامِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الحُدُوثِ التَّجَدُّدُ ويُقالُ: إنَّ وصْفَهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ التَّنْزِيلِ فَلا يُنافِي القَوْلَ بِقِدَمِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُثْبِتُوهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، والحَنابِلَةُ القائِلُونَ بِقِدَمِ اللَّفْظِيِّ كالنَّفْسِيِّ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهم كَوْنُ الوَصْفِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ لِألّا تَقُومَ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ المُرادُ بِالذِّكْرِ النَّبِيُّ وقَدْ سُمِّيَ ذِكْرًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ هُنا ( هَلْ ) هَذا إلَخِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ نَظَرٌ، وبِالجُمْلَةِ لَيْسَتِ الآيَةُ مِمّا تُقامُ حُجَّةً عَلى رَدِّ أهْلِ السُّنَّةِ ولَوِ الحَنابِلَةَ كَما لا يَخْفى ﴿ وأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ، ( والنَّجْوى ) اسْمٌ مِنَ التَّناجِي ولا تَكُونُ إلّا سِرًّا فَمَعْنى إسْرارِها المُبالَغَةُ في إخْفائِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّناجِي فالمَعْنى أخْفَوْا تَناجِيَهم بِأنْ لَمْ يَتَناجَوْا بِمَرْأىً مِن غَيْرِهِمْ، وهَذا عَلى ما في الكَشْفِ أظْهَرُ وأحْسَنُ مَوْقِعًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإسْرارُ مِنَ الأضْدادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: فَلَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيَّ الَّذِي كانَ أضْمَرا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الشّائِعَ في الِاسْتِعْمالِ مَعْنى الإخْفاءِ وإنْ قُلْنا إنَّهُ مِنَ الأضْدادِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ ولا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ أسَرُّوا ﴾ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِالظُّلْمِ الفاحِشِ فِيما أسَرُّوا بِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: هو فاعِلُ ﴿ أسَرُّوا ﴾ والواوُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الجَمْعِيَّةِ كَواوِ قائِمُونَ وتاءِ قامَتْ وهَذا عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ وهي لُغَةٌ لِأزْدِ شَنُوءَةَ قالَ شاعِرُهم: يَلُومُونَنِي في اشْتِراءِ النَّخِيلِ أهْلِي وكُلُّهم ألْوَمُ وهِيَ لُغَةٌ حَسَنَةٌ عَلى ما نَصَّ أبُو حَيّانَ ولَيْسَتْ شاذَّةً كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم، وقالَ الكِسائِيُّ: هو مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ وقُدِّمَ اهْتِمامًا بِهِ، والمَعْنى هم أسَرُّوا النَّجْوى فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِكَوْنِهِ ظُلْمًا، وقِيلَ هو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ هو فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يَقُولُ الَّذِينَ والقَوْلُ كَثِيرًا ما يُضْمَرُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنْ يَكُونَ نَعْتًا ( لِلنّاسِ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ أوْ بَدَلًا مِنهُ كَما قالَ الفَرّاءُ وكِلاهُما كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ إلَخْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ هو جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا قالُوا في نَجْواهم ؟
فَقِيلَ قالُوا هَذا إلَخْ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ أسَرُّوا ﴾ أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ حالٌ أيْ قائِلِينَ هَلْ هَذا إلَخْ وهو مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ قَبْلَ المَوْصُولِ عَلى ما اخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ مَفْعُولٌ لِلنَّجْوى نَفْسِها لِأنَّها في مَعْنى القَوْلِ والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ يَجُوزُ إعْمالُهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وقِيلَ بَدَلٌ مِنها أيْ أسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ، و( هَلْ ) بِمَعْنى النَّفْيِ ولَيْسَتْ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعَجُّبِيِّ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ ﴾ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ تَأْتُونَ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، وأرادُوا كَما قِيلَ ما هَذا إلّا بَشَرٌّ مِثْلُكم أيْ مِن جِنْسِكم وما أتى بِهِ سِحْرٌ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَأْتُونَهُ وتَحْضُرُونَهُ عَلى وجْهِ الإذْعانِ والقَبُولِ وأنْتُمْ تُعايِنُونَ أنَّهُ سِحْرٌ قالُوهُ بِناءً عَلى ما ارْتَكَزَ في اعْتِقادِهِمُ الزّائِغِ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا وأنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ البَشَرِ مِنَ الخَوارِقِ مِن قَبِيلِ السِّحْرِ، وعَنَوْا بِالسِّحْرِ ها هُنا القُرْآنَ فَفي ذَلِكَ إنْكارٌ لِحَقِّيَّتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وإنَّما أسَرُّوا ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقِ تَوْثِيقِ العَهْدِ وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ وتَمْهِيدِ مُقَدِّماتِ المَكْرِ والكَيْدِ في هَدْمِ أمْرِ النُّبُوَّةِ وإطْفاءِ نُورِ الدِّينِ واللَّهُ تَعالى يَأْبى إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ أسَرُّوهُ لِيَقُولُوا لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إنْ كانَ ما تَدَّعُونَهُ حَقًّا فَأخْبِرُونا بِما أسْرَرْناهُ ؟
ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ ولا يُناسِبُ المُبالَغَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَتَأْتُونَ ﴾ السِّحْرَ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ ﴾ حِكايَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ أحْوالَهم وأقْوالَهم بَيانًا لِظُهُورِ أمْرِهِمْ وانْكِشافِ سِرِّهِمْ فَفاعِلُ ﴿ قالَ ﴾ ضَمِيرُهُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ وابْنِ أبِي لَيْلى وأيُّوبَ وخَلَفٍ وابْنِ سَعْدانَ وابْنِ جُبَيْرِ الأنْطاكِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (قُلْ ) عَلى الأمْرِ لِنَبِيِّهِ ، و(القَوْلُ ) عامٌّ يَشْمَلُ السِّرَّ والجَهْرَ فَإيثارُهُ عَلى السِّرِّ لِإثْباتِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى النَّهْجِ البُرْهانِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِالأمْرَيْنِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما بِالجَلاءِ والخَفاءِ قَطْعًا كَما في عُلُومِ الحَقِّ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ بَيْنَ السِّرِّ والقَوْلِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ والمُناسِبُ في هَذا المَقامِ تَعْمِيمُ القَوْلِ لِيَشْمَلَ جَهْرَهُ وسِرَّهُ والأخْفى فَيَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ يَعْلَمُ هَذا الضَّرْبَ وما هو أعْلى مِن ذَلِكَ وأدْنى مِنهُ وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى المُناسِبَةِ لِما حَكى عَنْهم مِنَ المُبالَغَةِ في الإخْفاءِ ما فِيهِ وإيثارُ السِّرِّ عَلى القَوْلِ في بَعْضِ الآياتِ لِنُكْتَةٍ تَقْتَضِيهِ هُناكَ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القَوْلِ أيْ كائِنًا في السَّماءِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ أيْ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ ﴿ العَلِيمُ ﴾ أيْ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقِيلَ أيِ المُبالِغُ في العِلْمِ بِالمَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُهم وأفْعالُهم دُخُولًا أوَّلِيًّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَدَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ بِمُجازاتِهِمْ عَلى ما صَدَرَ مِنهم، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَحْرِ أنَّ ما قَبْلُ مُتَضَمِّنٌ ذَلِكَ أيْضًا <div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمُ السّابِقِ إلى حِكايَةِ قَوْلٍ آخَرَ مُضْطَرِبٍ باطِلٍ أيْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى القَوْلِ في حَقِّهِ هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم وفي حَقِّ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ إنَّهُ سِحْرٌ بَلْ قالُوا هو أيِ القُرْآنُ تَخالِيطُ الأحْلامِ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْهُ فَقالُوا ﴿ بَلِ افْتَراهُ ﴾ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ شُبْهَةُ أصْلٍ ثُمَّ أضْرَبُوا فَقالُوا: ﴿ بَلْ هو شاعِرٌ ﴾ وما أتى بِهِ شِعْرٌ يُخَيِّلُ إلى السّامِعِ مَعانِيَ لا حَقِيقَةَ لَها، وهَذا الِاضْطِرابُ شَأْنُ المُبْطِلِ المَحْجُوجِ فَإنَّهُ لا يَزالُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ باطِلٍ وأبْطَلَ ويَتَذَبْذَبُ بَيْنَ فاسِدٍ وأفْسَدَ فَبَلِ الأُولى كَما نَرى مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ وهي انْتِقالِيَّةٌ والمُنْتَقِلُ مِنهُ ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِهِ والأخِيرَتانِ مِن كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ وهُما ابْطالِيَّتانِ لِتَرَدُّدِهِمْ وتَحَيُّرِهِمْ في تَزْوِيرِهِمْ وجُمْلَةُ المَقُولِ داخِلَةٌ في النَّجْوى.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأُولى انْتِقالِيَّةٌ والمُنْتَقِلُ مِنهُ ما تَقَدَّمَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِهِ والجُمْلَةُ غَيْرُ داخِلَةٍ في النَّجْوى، وكِلا الوَجْهَيْنِ وجِيهٌ ولَيْسَ فِيهِما إلّا اخْتِلافُ مَعْنى بَلْ، وكَوْنُ الأُولى مِنَ الحِكايَةِ والأخِيرَتَيْنِ مِنَ المَحْكِيِّ ولا مانِعَ مِنهُ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُولى مِن كَلامِهِمْ وهي إبْطالِيَّةٌ أيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِمْ هو سِحْرٌ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِأفَتَأْتُونَ السِّحْرَ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ النَّظْمُ الكَرِيمُ قالُوا بَلْ إلَخْ لِيُفِيدَ حِكايَةَ إضْرابِهِمْ، وكَوْنَهُ مِنَ القَلْبِ وأصْلُهُ قالُوا بَلْ لا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ أُجِيبَ أيْضًا بِأنَّهُ إضْرابٌ في قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ( هَلْ ) هَذا إلَخْ أوِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ النَّجْوى وأُعِيدَ القَوْلُ لِلْفاصِلِ أوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الثَّلاثَةُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَنْزِيلٌ لِأقْوالِهِمْ في دَرَجِ الفَسادِ وأنَّ قَوْلَهُمُ الثّانِيَ أفْسَدُ مِنَ الأوَّلِ والثّالِثَ أفْسَدُ مِنَ الثّانِي وكَذَلِكَ الرّابِعَ مِنَ الثّالِثِ، ويُطْلَقُ عَلى نَحْوِ هَذا الإضْرابِ التَّرَقِّي لَكِنْ لَمْ يُقَلْ هُنا تَرَقِّيًا إشارَةً إلى أنَّ التَّرَقِّيَ في القُبْحِ تَنْزِيلٌ في الحَقِيقَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ كَما قالَ في الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم إنَّهُ سِحْرٌ أقْرَبُ مِنَ الثّانِي فَقَدْ يُقالُ: إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا لِأنَّ تَخالِيطَ الكَلامِ الَّتِي لا تَنْضَبِطُ لا شَبَهَ لَها بِوَجْهٍ بِالنَّظْمِ الأنِيقِ الَّذِي أبْكَمَ كُلَّ مِنطِيقٍ، ثُمَّ ادِّعاءُ أنَّها مَعَ كَوْنِها تَخالِيطَ مُفْتَرَياتٍ أبْعَدُ وأبْعَدُ لِأنَّ النَّظْمَ بِمادَّتِهِ وصُورَتِهِ مِن أتَمِّ القَواطِعِ دَلالَةً عَلى الصِّدْقِ كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ أنَّ القائِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَمٌ عِنْدَهم في الأمانَةِ والصِّدْقِ، والأخِيرُ هَذَيانُ المُبَرْسَمِينَ لِأنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ المَنظُومِ والمَنثُورِ طَبْعًا وبَيْنَ ما يُساقُ لَهُ الشِّعْرُ وما سِيقَ لَهُ هَذا الكَلامُ الَّذِي لا يُشْبِهُ بَلِيغاتِ خُطَبِهِمْ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ وبَيْنَ مُحَسِّناتِ الشِّعْرِ ومُحَسِّناتِ هَذا النَّثْرِ هَذا فِيما يَرْجِعُ إلى الصُّورَةِ وحْدَها، ثُمَّ إذا جِئْتَ إلى المادَّةِ وتَرَكُّبِ الشِّعْرِ مِنَ المُخَيِّلاتِ والمَعانِي النّازِلَةِ الَّتِي يَهْتَدِي إلَيْها الأجْلافُ وهَذا مِنَ اليَقِينِيّاتِ العَقَدِيَّةِ والدِّينِيّاتِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي عَلَيْها مَدارُ المَعادِ والمَعاشِ وبِها تَتَفاضَلُ الأشْرافُ فَأظْهَرُ وأظْهَرُ، هَذا والقائِلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ مِمَّنْ لا يَتَسَهَّلُ لَهُ الشِّعْرُ وإنْ أرادَهُ خالَطُوهُ وذاقُوهُ أرْبَعِينَ سَنَةً اهَـ.
وكَوْنُ تَرَكُّبِ الشِّعْرِ مِنَ المُخِيِّلاتِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَلا يُنافِيهِ قَوْلُهُ : ««إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»» لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ النُّدْرَةِ ويُؤَيِّدُهُ التَّأْكِيدُ بِإنَّ الدّالَّةِ عَلى التَّرَدُّدِ فِيهِ، وقَدْ جاءَ الشّاعِرُ بِمَعْنى الكاذِبِ بَلْ قالَ الرّاغِبُ: إنَّ الشّاعِرَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الكاذِبِ بِالطَّبْعِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ أرادُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَلْ هو وحاشاهُ ذُو افْتِراءاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَيْسَ في بَلْ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ إبْطالٌ بَلْ إثْباتٌ لِلْحُكْمِ الأوَّلِ وزِيادَةٌ عَلَيْهِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ الرّاغِبُ، وفي وُقُوعِها لِلْإبْطالِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى خِلافٌ فَأثْبَتَهُ ابْنُ هِشامٍ ومَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ووَهِمَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ الكافِيَةِ فَنَفاهُ، والحَقُّ أنَّ الإبْطالَ إنْ كانَ لِما صَدَرَ عَنِ الغَيْرِ فَهو واقِعٌ في القُرْآنِ وإنْ كانَ لِما صَدَرَ عَنْهُ تَعالى فَغَيْرُ واقِعٍ بَلْ هو مُحالٌ لِأنَّهُ بَداءٌ، ورُبَّما يُقالُ: مُرادُ ابْنِ مالِكٍ بِالمَنفِيِّ الضَّرْبُ الثّانِي، ثُمَّ إنَّ هَذا الوَجْهَ وإنْ كانَ فِيهِ بُعْدٌ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ كَما قِيلَ فَتَدَبَّرْ.
﴿ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يُفْصِحُ عَنْهُ السِّياقُ كَأنَّهُ قِيلَ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَما قُلْنا بَلْ كانَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَقُولُ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴿ أُرْسِلَ الأوَّلُونَ ﴾ وقَدَّرَ النَّيْسابُورِيُّ غَيْرَ هَذا الشَّرْطِ فَقالَ أخْذًا مِن كَلامِ الإمامِ في بَيانِ حاصِلِ مَعْنى الآيَةِ: إنَّهم أنْكَرُوا أوَّلًا كَوْنَ الرَّسُولِ مِن جِنْسِ البَشَرِ ثُمَّ إنَّهم كَأنَّهم قالُوا سَلَّمْنا ذَلِكَ ولَكِنَّ الَّذِي ادَّعَيْتَ أنَّهُ مُعْجِزٌ لَيْسَ بِمُعَجِزٍ غايَتُهُ أنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ وما كَلُّ خارِقٍ لَها مُعْجِزٌ فَقَدْ يَكُونُ سِحْرًا هَذا إذا ساعَدْنا عَلى أنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ لَكُنّا عَنْ تَسْلِيمِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ بِمَراحِلَ فَإنّا نَدَّعِي أنَّهُ في غايَةِ الرَّكاكَةِ وسُوءِ النَّظْمِ كَأضْغاثِ أحْلامٍ سَلَّمْنا ولَكِنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِ الأوْساطِ افْتَراهُ مِن عِنْدِهِ سَلَّمْنا أنَّهُ كَلامٌ فَصِيحٌ لَكِنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فَصاحَةَ الشِّعْرِ وإذا كانَ حالُ هَذا المُعْجِزِ هَكَذا فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ كَما أرْسَلَ الأوَّلُونَ انْتَهى وهو كَما تَرى.
وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ الجَرِّ بِالكافِ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدِّرٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ أيْ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ مِثْلِ الآيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها الأوَّلُونَ، ولا يَضُرُّ فَقْدُ بَعْضِ شُرُوطِ جَوازِ حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ إذْ لا اتِّفاقَ عَلى اشْتِراطِ ذَلِكَ، ومَنِ اشْتَرَطَ اعْتَبَرَ العائِدَ المَحْذُوفَ هُنا مَنصُوبًا مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وهو مَهْيَعٌ واسِعٌ، وأرادُوا بِالآيَةِ المُشَبَّهِ بِها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما النّاقَةَ والعَصا ونَحْوَهُما، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ فَلْيَأْتِنا بِما أتى بِهِ الأوَّلُونَ أوْ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ الأوَّلُونَ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِدَلالَتِهِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعَ زِيادَةِ كَوْنِهِ مُرْسَلًا بِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي التَّعْبِيرِ في حَقِّهِ بِالإتْيانِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ فِيما بَعْدَهُ إيماءٌ إلى أنَّ ما أتى بِهِ مِن عِنْدِهِ وما أتى بِهِ الأوَّلُونَ مِنَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى فَفِيهِ تَعْرِيضٌ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِافْتِراءِ قالَهُ الخَفاجِيُّ وذَكَرَ أنَّ ما قِيلَ إنَّ العُدُولَ عَنْ كَما أتى بِهِ الأوَّلُونَ لِأنَّ مُرادَهُمُ اقْتِراحُ آيَةٍ مِثْلِ آيَةِ مُوسى وآيَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لا غَيْرِهِما مِمّا أتى بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ العَلّامَةَ البَيْضاوِيَّ أشارَ إلى ذَلِكَ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً والكافُ مَنصُوبَةً عَلى أنَّها مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ أيْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ إتْيانًا كائِنًا مِثْلَ إرْسالِ الأوَّلِينَ بِها وصِحَّةُ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِثْلُ إتْيانِ الأوَّلِينَ بِها لِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَضَمِّنُ الإتْيانِ المَذْكُورِ كَما في الكَشّافِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ ﴾ كِنايَةٌ في هَذا المَقامِ، وفائِدَةُ العُدُولِ بَعْدَ حُسْنِ الكِنايَةِ تَحْقِيقُ كَوْنِها آيَةً مُسَلِّمَةً بِمِثْلِها تُثْبِتُ الرِّسالَةَ لا تُنازِعُ فِيها ويَتَرَتَّبُ المَقْصُودُ عَلَيْها، والقَوْلُ بِأنَّ الإرْسالَ المُشَبَّهَ بِهِ مَصْدَرُ المَجْهُولِ ومَعْناهُ كَوْنُهُ مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالآياتِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي في تَوْجِيهِ التَّشْبِيهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُغايِرٌ لِلْإتْيانِ أيْضًا وإنْ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الإتْيانِ والإرْسالِ في كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ لَكِنَّهُ تُرِكَ في جانِبِ المُشَبَّهِ ذِكْرُ الإرْسالِ، وفي جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ ذِكْرُ الإتْيانِ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في المَوْطِنِ الآخَرِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ إقْرارَهم بِإرْسالِ الأوَّلِينَ لَيْسَ عَنْ صَمِيمِ الفُؤادِ بَلْ هو أمْرٌ اقْتَضاهُ اضْطِرابُهم وتَحَيُّرُهم، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ مِمّا يُرَجِّحُ الحَمْلَ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ حِكايَةُ أقْوالِهِمُ المُضْطَرِبَةِ هَذِهِ الحِكايَةَ لِأنَّهم مَنَعُوا أوَّلًا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا وبَتُّوا القَوْلَ بِهِ وبَنَوْا ما بَنَوْا ثُمَّ سَلَّمُوا أنَّ الأوَّلِينَ كانُوا ذَوِي آياتٍ وطالَبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإتْيانِ بِنَحْوِ ما أتَوْا بِهِ مِنها، وعَلى وجْهِ التَّنْزِيلِ لِأقْوالِهِمْ عَلى دَرَجِ الفَسادِ يُحْمَلُ هَذا عَلى أنَّهُ تَنَزَّلَ مِنهم، والعُدُولُ إلى الكِنايَةِ لِتَحْقِيقِ تَنَزُّلِهِ عَنْ شَأْوِهِمِ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَكْذِيبِهِمْ فِيما يُنْبِئُ عَنْهُ خاتِمَةُ مَقالِهِمْ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ بِالإيمانِ عِنْدَ إتْيانِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ وبَيانِ أنَّهم في اقْتِراحِ ذَلِكَ كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ وإنَّ في تَرْكِ الإجابَةِ إلَيْهِ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ كَيْفَ لا ولَوْ أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ مَعَ عَدَمِ إيمانِهِمْ قَطْعًا لاسْتُئْصِلُوا لِجَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ في الأُمَمِ السّالِفَةِ عَلى اسْتِئْصالِ المُقْتَرِحِينَ مِنهم إذا أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لا يُعَذَّبُونَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّهم لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ وبالَغُوا في ذَلِكَ حَتّى أُخِذُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ ﴾ إلى أنِ انْتَهَوْا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْيَأْتِنا ﴾ إلَخْ جِيءَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما آمَنَتْ ﴾ إلَخْ تَسْلِيَةً لَهُ في أنَّ الإنْذارَ لا يُجْدِي فِيهِمْ.
وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن قَرْيَةٍ ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ وما بَعْدَها في مَحَلِّ الرَّفِعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أهْلَكْناها ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ رَفْعٍ صِفَةَ قَرْيَةٍ، والمُرادُ أهْلَكْناها بِإهْلاكِ أهْلِها لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بَعْدَ مَجِيءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ ( أهْلَكْناها ) يَأْباهُ والِاسْتِخْدامُ وإنْ كَثُرَ في الكَلامِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقالَ بَعْضُهم: لَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ هَلاكَها كِنايَةٌ عَنْ إهْلاكِ أهْلِها وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى، والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَهم يُؤْمِنُونَ ﴾ لِإنْكارِ الوُقُوعِ والفاءُ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْهُ الهَمْزَةُ فَأفادَتْ إنْكارَ وُقُوعِ إيمانِهِمْ ونَفْيِهِ عُقَيْبَ عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ فالمَعْنى أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عِنْدَ إعْطاءِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ أهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ لَوْ أُعْطُوا ما اقْتَرَحُوهُ أيْ مَعَ أنَّهم أعْتى وأطْغى كَما يُفْهَمُ بِمَعُونَةِ السِّياقَ والعُدُولِ عَنْ فَهْمِ لا يُؤْمِنُونَ أيْضًا وإمّا عَلى ﴿ ما آمَنَتْ ﴾ عَلى أنَّ الفاءَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الهَمْزَةِ في الِاعْتِبارِ مُفِيدَةٌ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ وُقُوعِ إيمانِهِمْ عَلى عَدَمِ إيمانِ الأوَّلِينَ وإنَّما قُدِّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ جَوابٌ لِما زَعَمُوهُ مِن أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ ما بَنَوْا فَهو مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ وقُدِّمَ عَلَيْهِ جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ فَلْيَأْتِنا ﴾ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ فَلا بُدَّ مِنَ المُسارَعَةِ إلى رَدِّهِ وإبْطالِهِ ولِأنَّ في هَذا الجَوابِ نَوْعَ بَسْطٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإرْسالِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ المُسْتَمِرَّةِ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى خُصُوصِهِ، والمَعْنى ما أرْسَلَنا إلى الأُمَمِ قَبْلَ إرْسالِكَ إلى أُمَّتِكَ إلّا رِجالًا لا مَلائِكَةً نُوحِي إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ المَلَكِ ما نُوحِي مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِهِما مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ كَما نُوحِي إلَيْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما في حَقِيقَةِ الوَحْيِ وحَقِيقَةِ مَدْلُولِهِ كَما لا فَرْقَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في البَشَرِيَّةِ فَما لَهم لا يَفْهَمُونَ أنَّكَ لَسْتَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وإنَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ لَيْسَ مُخالِفًا لِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةً مادِحَةً لَرِجالًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحى إلَيْهِمْ ) بِالياءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ لِتَبْكِيتِهِمْ واسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الِاسْتِبْعادِ والنَّكِيرِ إثْرَ تَحْقِيقِ الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ لِأنَّهُ الحَقِيقُ بِالخِطابِ في أمْثالِ تِلْكَ الحَقائِقِ الأنِيقَةِ، وأمّا الوُقُوفُ عَلَيْها بِالسُّؤالِ مِنَ الغَيْرِ فَهو مِن وظائِفِ العَوامِّ وأمْرُهُ بِالسُّؤالِ في بَعْضِ الآياتِ لَيْسَ لِلْوُقُوفِ وتَحْصِيلِ العِلْمِ بِالمَسْؤُولِ عَنْهُ لِأمْرٍ آخَرَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وأهْلُ الذِّكْرِ أهْلُ الكِتابِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما ذُكِرَ فاسْألُوا أيُّها الجَهَلَةُ أهْلَ الكِتابِ الواقِفِينَ عَلى أحْوالِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَزُولَ شُبْهَتُكم.
أُمِرُوا بِذَلِكَ لِأنَّ أخْبارَ الجَمِّ الغَفِيرِ يُفِيدُ العِلْمَ في مِثْلِ ذَلِكَ لا سِيَّما وهم كانُوا يُشايِعُونَ المُشْرِكِينَ في عَداوَتِهِ ويُشاوِرُونَهم في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ وُضُوحِ الأمْرِ وقُوَّةِ شَأْنِ النَّبِيِّ ما لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ أهْلَ الذِّكْرِ هم أهْلُ القُرْآنِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهم كانُوا خُصُومَهم فَكَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِسُؤالِهِمْ، ويَرُدُّ ذَلِكَ عَلى ما زَعَمَتْهُ الإمامِيَّةُ مِن أنَّهم آلُهُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.
﴿ وما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُسْوَةً لِسائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ في أحْكامِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ والجَسَدُ عَلى ما في القامُوسِ جِسْمُ الإنْسِ والجِنِّ والمَلَكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو كالجِسْمِ إلّا أنَّهُ أخَصُّ مِنهُ، قالَ الخَلِيلُ: لا يُقالُ الجَسَدُ لِغَيْرِ الإنْسانِ مِن خَلْقِ الأرْضِ ونَحْوِهِ، وأيْضًا فَإنَّ الجَسَدَ يُقالُ لِما لَهُ لَوْنٌ والجِسْمُ لِما لا يَبِينُ لَهُ لَوْنٌ كالهَواءِ والماءِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ إلَخْ يَشْهَدُ لِما قالَهُ الخَلِيلُ انْتَهى، وقِيلَ: هو جِسْمٌ ذُو تَرْكِيبٍ وظاهِرُهُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الحَيَوانِ ومِنهم خَصَّهُ بِهِ وقالَ بَعْضُهم: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ جَسَدَ الدَّمُ يَجْسَدُ أيِ التَصَقَ وأُطْلِقَ عَلى الجِسْمِ المُرَكِّبِ لِأنَّهُ ذُو أجْزاءٍ مُلْتَصِقٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الَّذِي يَقُولُ بِتَخْصِيصِهِ بِحَيْثُ لا يَشْمَلُ غَيْرَ العاقِلِ مِنَ الحَيَوانِ مَثَلًا غايَةُ ما يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ أصْلِ وضْعِهِ ولا يَقُولُ بِعَدَمِ جَوازِ تَعْمِيمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، والمُرادُ تَصْيِيرُهُ كَذَلِكَ ابْتِداءً عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والجَعْلُ إبْداعِيٌّ وإفْرادُهُ لِإعادَةِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِلْكَثِيرِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ عَلى ما سَمِعْتَ مَصْدَرٌ وهو يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: لِإرادَةِ الِاسْتِغْراقِ الإفْرادِيِّ في الضَّمِيرِ أيْ جَعَلْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهم وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي جَسَدٍ، وفي التَّسْهِيلِ أنَّهُ يُسْتَغْنى بِتَثْنِيَةِ المُضافِ وجَمْعِهِ عَنْ تَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ وجَمْعِهِ في الأعْلامِ وكَذا ما لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ مِن أسْماءِ الأجْناسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ﴾ صِفَةُ ( جَسَدًا ) أيْ وما جَعَلْناهم جَسَدًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الغِذاءِ بَلْ مُحْتاجًا إلَيْهِ ﴿ وما كانُوا خالِدِينَ ﴾ أيْ باقِينَ أبَدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخُلُودُ بِمَعْنى المُكْثِ المَدِيدِ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن كَوْنِ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَشَرًا لا مَلائِكَةً كَما يَقْتَضِيهِ اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ الفاسِدُ وزَعْمُهُمُ الكاسِدُ، والظّاهِرُ هم يَعْتَقِدُونَ أيْضًا في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأبَدِيَّةَ كاعْتِقادِ الفَلاسِفَةِ فِيهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهم يُسَمُّونَهم عُقُولًا مُجَرَّدَةً، وحاصِلُ المَعْنى جَعَلْناهم أجْسادًا مُتَغَذِّيَةً صائِرَةً إلى المَوْتِ بِالآخِرَةِ حَسَبَ آجالِهِمْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً لا يَتَغَذَّوْنَ ولا يَمُوتُونَ حَسْبَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ﴾ إلَخْ والأوَّلُ أوْلى، نَعَمْ هي مَعَ كَوْنِها مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها فِيها رَدٌّ عَلى ذَلِكَ.
وفي إيثارِ ( وما كانُوا ) عَلى وما جَعَلْناهم تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عَدَمَ الخُلُودِ والبَقاءِ مِن تَوابِعِ جِبِلَّتِهِمْ في هَذِهِ النَّشْأةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْناهم جَسَدًا ﴾ إلَخْ لا بِالجَعْلِ المُسْتَأْنَفِ بَلْ إذا نَظَرْتَ إلى سائِرِ المُرَكَّباتِ مِنَ العَناصِرِ المُتَضادَّةِ رَأيْتَ بَقاءَها سُوَيْعَةً أمْرًا غَرِيبًا وانْتَهَضْتَ إلى طَلَبِ العِلَّةِ لِذَلِكَ ومِن هُنا قِيلَ: ولا تَتْبَعِ الماضِيَ سُؤالَكَ لِمَ مَضى وعَرِّجْ عَلى الباقِي وسائِلْهُ لِمَ بَقِيَ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ المُمْكِناتُ مُطْلَقًا كَذَلِكَ فَقَدْ قالُوا: إنَّ المُمْكِنَ إذا خَلِّيَ وذاتَهُ يَكُونُ مَعْدُومًا إذِ العَدَمُ لا يَحْتاجُ إلى عِلَّةٍ وتَأْثِيرٍ بِخِلافِ الوُجُودِ ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ العَدَمُ مُقْتَضى الذّاتِ حَتّى يَصِيرَ مُمْتَنِعًا إذْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أوْلَوِيَّةِ العَدَمِ وألْيَقِيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الذّاتِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الهَيْئاتِ الشِّفاءُ لِلْمَعْلُولِ في نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لَيْسَ ولَهُ عَنْ عِلَّتِهِ أنْ يَكُونَ آيِسًا، وقَوْلُهم بِاسْتِواءِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ مَعْناهُ اسْتِواؤُهُ في عَدَمِ وُجُوبِ واحِدٍ مِنهُما بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، وقَوْلُهم عِلَّةُ العَدَمِ عِلَّةُ الوُجُودِ بِمَعْنى أنَّ العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى تَأْثِيرٍ وجَعْلٍ بَلْ يَكْفِيهِ انْعِدامُ العِلَّةِ لا أنَّ عَدَمَ العِلَّةِ مُؤَثِّرَةٌ في عَدَمِ المَعْلُولِ ولَعَلَّ في «قَوْلِهِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ» إشارَةً إلى هَذا فَتَدَبَّرْ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ ﴾ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن حِكايَةِ وحْيِهِ تَعالى إلى المُرْسَلِينَ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْحَيْنا إلَيْهِمْ ما أوْحَيْنا ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ الَّذِي وعَدْناهم في تَضاعِيفِ الوَحْيِ بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( نُوحِي ) السّابِقِ بِمَعْنى أوْحَيْنا، وتَوْسِيطُ الأمْرِ بِالسُّؤالِ وما مَعَهُ اهْتِمامًا بِإلْزامِهِمْ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ وقالَ الخَفاجِيُّ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرْسَلْنا ﴾ وثُمَّ لِلتَّراخِي الذِّكْرِيِّ أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِنَ البَشَرِ وصَدَقْناهم ما وعَدْناهم فَكَذا مُحَمَّدٌ فاحْذَرُوا تَكْذِيبَهُ ومُخالَفَتَهُ فالآياتُ كَما تَضَمَّنَتِ الجَوابَ تَضَمَّنَتِ التَّهْدِيدَ انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ونَصْبُ ( الوَعْدَ ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ والأصْلُ صَدَقْناهم في الوَعْدِ ومِنهُ صَدَقُوهُمُ القِتالَ وصَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ وصَدَقَ قَدْ تَتَعَدّى لِلْمَفْعُولَيْنِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ حَرْفِ الجَرِّ أصْلًا.
﴿ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ ﴾ أيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ كَما عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةُ إبْقاءَهُ كَمَن سَيُؤْمِنُ هو أوْ بَعْضُ فُرُوعِهِ بِالآخِرَةِ وهو السِّرُّ في حِمايَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وآذَوْهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، ورُجِّحَ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ بِالمُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ وذَلِكَ لِحَمْلِ التَّعْرِيفِ عَلى الِاسْتِغْراقِ والمُسْرِفِينَ عَلى الكُفّارِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ مُلازِمُوها والمُخَلَّدُونَ فِيها ولا يَخْلُدُ فِيها عِنْدَنا إلّا الكُفّارُ، ومَن عَمَّمَ أوَّلًا قالَ: المُرادُ بِالمُسْرِفِينَ مَن عَدا أُولَئِكَ المُنْجِينَ، والتَّعْبِيرُ بِمَن نَشاءُ دُونَ مَن آمَنَ أوْ مَن مَعَهم مَثَلًا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ وآخَرُونَ مَعَهم ولا يَظْهَرُ عَلى التَّخْصِيصِ وجْهُ العُدُولِ عَمّا ذُكِرَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ والتَّعْبِيرُ بِنَشاءُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ شِئْنا لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي ذَكَرَ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إعْراضَ النّاسِ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِن آياتِهِ واسْتِهْزاءَهم بِهِ واضْطِرابَهم في أمْرِهِ وبَيانُ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ رِسالَتِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَسائِرِ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ صَدَرَ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ وإيذانًا بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ في أقْصى مَراتِبِ النَّكِيرِ والخِطابُ لِقُرَيْشٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ العَرَبِ وتَنْوِينُ كِتابًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ أيْ كِتابًا عَظِيمَ الشَّأْنِ نَيِّرَ البُرْهانِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ مِن كَوْنِهِ جَلِيلَ القَدْرِ بِأنَّهُ جَمِيلُ الآثارِ مُسْتَجْلِبٌ لَهم مَنافِعَ جَلِيلَةً والمُرادُ بِالذِّكْرِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الصِّيتُ والشَّرَفُ مَجازٌ أيْ فِيهِ ما يُوجِبُ الشَّرَفَ لَكم لِأنَّهُ بِلِسانِكم ومُنَزَّلٌ عَلى نَبِيٍّ مِنكم تَتَشَرَّفُونَ بِشَرَفِهِ وتَشْتَهِرُونَ بِشُهْرَتِهِ لِأنَّكم حَمْلَتُهُ والمَرْجِعُ في حَلِّ مَعاقِدِهِ وجُعِلَ ذَلِكَ فِيهِ مُبالَغَةٌ في سَبَبِيَّتِهِ لَهُ، وعَنْ سُفْيانَ أنَّهُ مَكارِمُ الأخْلاقِ ومَحاسِنُ الأعْمالِ أيْ فِيهِ ما يَحْصُلُ بِهِ الذِّكْرُ أيِ الثَّناءُ الحَسَنُ وحُسْنُ الأُحْدُوثَةِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ فَهو مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ في أُمُورِ دِينِكم، وزادَ بَعْضٌ ودُنْياكم، وقِيلَ الذِّكْرُ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى فِيهِ مَوْعِظَتُكم، ورُجِّحَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ فِيهِ بَعَثٌ لَهم عَلى التَّدَبُّرِ في أمْرِ الكِتابِ والتَّدَبُّرِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن فُنُونِ المَواعِظِ والزَّواجِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَوارِعُ السّابِقَةُ واللّاحِقَةُ.
وقالَ صاحِبُ التَّحْرِيرِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ الآياتِ أنَّ المَعْنى فِيهِ ذِكُرُ قَبائِحِكم ومَثالِبِكم وما عامَلْتُمْ بِهِ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ مُؤَدٍّ إلى التَّنَبُّهِ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ انْتَهى، وفِيهِ بُعْدٌ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ أوْ لا تَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِإجْمالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى كَثْرَتِهِمْ فَكَمْ خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِ ( قَصَمْنا ) و( مِن قَرْيَةٍ ) تَمْيِيزٌ، وفي لَفْظِ القَصْمِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الكَسْرِ بِتَفْرِيقِ الأجْزاءِ وإذْهابِ التِئامِها بِالكُلِّيَّةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الإتْيانُ بِالقافِ الشَّدِيدَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الغَضَبِ وشِدَّةِ السُّخْطِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَتْ ظالِمَةً ﴾ صِفَةُ ( قَرْيَةٍ ) وكانَ الأصْلُ عَلى ما قِيلَ أهْلَ قَرْيَةٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الضَّمِيرُ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَوُصِفَ بِما هو مِن صِفاتِ المُضافِ أعْنِي الظُّلْمَ فَكَأنَّهُ قِيلَ وكَثِيرًا قَصَمْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا ظالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى كافِرِينَ بِها مِثْلَكم.
وفِي الكَشّافِ المُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالظُّلْمِ فَيَكُونُ التَّجَوُّرُ في الطَّرَفِ، وقالَ بَعْضُهم: لَكَ أنْ تَقُولَ وصْفُها بِذَلِكَ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَصَمَ أهْلَها لِلُزُومِ إهْلاكِها إهْلاكَهم فَلا مَجازَ ولا حَذْفَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ قَرْيَةً مُعَيَّنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها حِضْوَرٌ قَرْيَةٌ بِاليَمَنِ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِهِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مِن حِمْيَرٍ يُقالُ لَهُ شُعَيْبٌ فَوَثَبَ إلَيْهِ عَبْدٌ فَضَرَبَهُ بِعَصا فَسارَ إلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرُ فَقاتَلَهم فَقَتَلَهم حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم شَيْءٌ وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وكَمْ قَصَمْنا ﴾ إلَخْ وفي البَحْرِ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا بِحِضْوَرٍ وأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ كَما سَلَّطَهُ عَلى أهْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَعَثَ إلَيْهِمْ جَيْشًا فَهَزَمُوهُ ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ آخَرَ فَهَزَمُوهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ فَهَزَمَهم وقَتَلَهم، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ كانَ اسْمُ هَذا النَّبِيِّ مُوسى بْنَ مِيشا، وعَنِ ابْنِ وهْبٍ أنَّ الآيَةَ في قَرْيَتَيْنِ بِاليَمَنِ إحْداهُما حِضْوَرٌ والأُخْرى قُلابَةٌ بَطَرَ أهْلُهُما فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ بُخْتَنَصَّرَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا يَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ والقَوْلُ بِأنَّها مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ كَمْ أخَذْتَ مِن دَراهِمِ زَيْدٍ عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْتَ والتَّمْيِيزَ مَحْذُوفٌ أيْ كَمْ دِرْهَمٍ أخَذْتَ مِن دَراهِمِ زَيْدٍ، ويُقالُ هُنا إنَّها بِتَقْدِيرِ كَمْ ساكِنٍ قَصَمْنا مِن ساكِنِي قَرْيَةٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ إلّا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّ ما في الرِّواياتِ مَحْمُولٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ قَلِيلٍ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْشَأْنا بَعْدَها ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِ أهْلِها لا بَعْدَ تِلْكَ الفِعْلَةِ كَما تُوِهِّمَ ﴿ قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ أيْ لَيْسُوا مِنهم في شَيْءٍ تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِئْصالِ الأوَّلِينَ وقَطْعِ دابِرِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ حِكايَةِ إنْشاءِ هَؤُلاءِ عَلى حِكايَةِ مَبادِي إهْلاكِ أُولَئِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا ﴾ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأهْلِ لا لِقَوْمٍ آخَرِينَ إذْ لا ذَنْبَ لَهم يَقْتَضِي ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكَلامُ، والإحْساسُ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا بِحاسَّتِهِمْ عَذابَنا الشَّدِيدَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِمّا يُدْرَكُ بِإحْدى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في البَأْسِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ ويَكُونَ الإحْساسُ تَخْيِيلًا وأنْ يَكُونَ الإحْساسُ مَجازًا عَنْ مُطْلَقِ الإدْراكِ أيْ فَلَمّا أدْرَكُوا ذَلِكَ ﴿ إذا هم مِنها ﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ مِنَ البَأْسِ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ في مَعْنى النِّقْمَةِ والبَأْساءِ فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ وهي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرْكُضُونَ ﴾ وإذا فُجائِيَّةٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ لَمّا، ورَكَضَ مِن بابِ قَتَلَ بِمَعْنى ضَرَبَ الدّابَّةَ بِرِجْلِهِ وهو مُتَعَدٍّ، وقَدْ يُرادُ لازِمًا كَرَكَضَ الفَرَسُ بِمَعْنى جَرى كَما قالَهُ أبُو زَيْدٍ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ، والرَّكْضُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الهَرَبِ أيْ فَإذا هم يَهْرُبُونَ مُسْرِعِينَ راكِضِينَ دَوابَّهم.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُشَبَّهِينَ بِمَن يَرْكُضُ الدَّوابَّ عَلى أنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً ولا مانِعَ مِن حَمَلِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى ما قِيلَ <div class="verse-tafsir"
﴿ لا تَرْكُضُوا ﴾ أيْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ، والقائِلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَلائِكَةَ العَذابِ أوْ مَن كانَ ثَمَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ عَلى الرِّوايَةِ السّابِقَةِ أنْ يَكُونَ القائِلُ مِن جَيْشِ بُخْتَنَصَّرَ وأرادَ بِذَلِكَ خَدْعَهم والِاسْتِهْزاءَ بِهِمْ، وقِيلَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يُجْعَلُونَ خُلَقاءَ، بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُقَلْ عَلى مَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في الرَّكْضِ والفِرارِ مِنَ العَذابِ بَعْدَ الإتْرافِ والتَّنْعِيمِ بِحَيْثُ مَن رَآهم قالَ لا تَرْكُضُوا ﴿ وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ مِنَ النِّعَمِ والتَّلَذُّذِ والإتْرافُ إبْطارُ النِّعْمَةِ وفي ظَرْفِيَّةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُها سَبَبِيَّةً ﴿ ومَساكِنِكُمْ ﴾ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتَخِرُونَ بِها ﴿ لَعَلَّكم تُسْألُونَ ﴾ تَقْصِدُونَ لِلسُّؤالِ والتَّشاوُرِ والتَّدْبِيرِ في المُهِمّاتِ والنَّوازِلِ أوْ تَسْألُونَ عَمّا جَرى عَلَيْكم ونَزَلَ بِأمْوالِكم ومَنازِلِكم فَتُجِيبُوا السّائِلَ عَنْ عِلْمٍ ومُشاهَدَةٍ أوْ يَسْألُكم حَشَمُكم وعَبِيدُكم فَيَقُولُوا لَكم بِمَ تَأْمُرُونَ ماذا تَرْسُمُونَ وكَيْفَ نَأْتِي ونَذَرَ كَما كُنْتُمْ مِن قَبْلُ أوْ يَسْألُكُمُ الوافِدُونَ نَوالَكم إمّا لِأنَّهم كانُوا أسْخِياءَ يُنْفِقُونَ أمْوالَكم رِئاءَ النّاسِ وطَلَبَ الثَّناءِ أوْ كانُوا بُخَلاءَ فَقِيلَ لَهم ذَلِكَ تَهَكُّمًا إلى تَهَكُّمٍ، وقِيلَ عَلى الرِّوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ المَعْنى لَعَلَّكم تَسْألُونَ صُلْحًا أوْ جِزْيَةً أوْ أمْرًا تَتَّفِقُونَ مَعَ المَلِكِ عَلَيْهِ، وقِيلَ المُرادُ بِمَساكِنِهِمُ النّارُ فَيَكُونُ المُرادُ بِارْجِعُوا إلى مَساكِنِكُمُ ادْخُلُوا النّارَ تَهَكُّمًا، والمُرادُ بِالسُّؤالِ السُّؤالُ عَنِ الأعْمالِ أوِ المُرادُ بِهِ العَذابُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبِّبِ أيِ ادْخُلُوا النّارَ كَيْ تُسْألُوا أوْ تُعَذَّبُوا عَلى ظُلْمِكم وتَكْذِيبِكم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ لَمّا يَئِسُوا مِنَ الخَلاصِ بِالهَرَبِ وأيْقَنُوا اسْتِيلاءَ العَذابِ ﴿ يا ويْلَنا ﴾ يا هَلاكَنا ﴿ إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَوْجَبِينَ لِلْعَذابِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِالظُّلْمِ واسْتِتْباعُهُ لِلْعَذابِ ونَدَمٌ عَلَيْهِ حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، وقِيلَ عَلى الرِّوايَةِ السّالِفَةِ إنَّ هَذا النَّدَمَ والِاعْتِرافَ كانَ مِنهم حِينَ أخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ ونادى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ يا لَثاراتِ الأنْبِياءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ﴾ أيْ فَما زالُوا يُرَدِّدُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ، وتَسْمِيَتُها دَعْوى بِمَعْنى الدَّعْوَةِ فَإنَّهُ يُقالُ دَعا دَعْوى ودَعْوَةً لِأنَّ المَوْلُولَ كَأنَّهُ يَدْعُو الوَيْلَ قائِلًا يا ويْلُ تَعالَ فَهَذا أوانُكَ.
وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ كَوْنَ ( تِلْكَ ) اسْمَ زالَ ( ودَعْواهم ) خَبَرَها والعَكْسُ، قالَ أبُو حَيّانَ: وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَبْلَهُمُ الزَّجّاجُ وأمّا أصْحابُنا المُتَأخِّرُونَ فَعَلى أنَّ اسْمَ كانَ وخَبَرَها مُشَبَّهٌ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ فَكَما لا يَجُوزُ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ إذا أوْقَعَ ذَلِكَ في اللَّبْسِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الإعْرابِ لا يَجُوزُ في بابِ كانَ ولَمْ يُنازِعْ فِيهِ أحَدٌ إلّا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ الحاجِّ مِن نُبَهاءِ تَلامِيذِ الشَّلُوبِينَ اهَـ.
وقالَ الفاضِلُ الخَفاجِيُّ: إنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِّ في كِتابِ المَدْخَلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التِباسٌ وأنَّهُ مِن عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ الِالتِباسِ وهو أنْ يُفْهَمَ مِنهُ خِلافُ المُرادِ والإجْمالِ وهو أنْ لا يَتَعَيَّنَ فِيهِ أحَدُ الجانِبَيْنِ.
ولِأجْلِ هَذا جَوَّزَهُ، وما ذَكَرَهُ مَحَلُّ كَلامٍ وتَدَبُّرٍ.
وفِي حَواشِيِّ الفاضِلِ البَهْلَوانِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ إنَّ هَذا في الفاعِلِ والمَفْعُولِ وفي المُبْتَدَأِ والخَبَرِ إذا انْتَفى الإعْرابُ، والقَرِينَةُ مُسَلَّمٌ مُصَرَّحٌ بِهِ، وأمّا في بابِ كانَ وأخَواتِها فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ اهَـ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ بابِ كانَ وغَيْرِها مِمّا ذُكِرَ وإنْ سُلِّمَ عَدَمُ التَّصْرِيحِ لِاشْتِراكِ ما ذَكَرُوهُ عِلَّةً لِلْمَنعِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ إلى الِالتِباسِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الإجْمالِ لا سِيَّما في الآيَةِ في رَأْيٍ فافْهَمْ ﴿ حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ ﴾ أيْ إلى أنْ جَعَلْناهم بِمَنزِلَةِ النَّباتِ المَحْصُودِ والنّارِ الخامِدَةِ في الهَلاكِ قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي في شَرْحِ المِفْتاحِ ثُمَّ قالَ في ذَلِكَ اسْتِعارَتانِ بِالكِنايَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ وهو ضَمِيرُ ﴿ جَعَلْناهُمْ ﴾ حَيْثُ شُبِّهَ بِالنَّباتِ وبِالنّارِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ وأُرِيدَ بِهِ المُشَبَّهُ بِهِما أعْنِي النَّباتَ والنّارَ ادِّعاءً بِقَرِينَةِ أنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ الحَصادُ الَّذِي هو مِن خَواصِّ النَّباتِ والخُمُودُ الَّذِي هو مِن خَواصِّ النّارِ، ولا يُجْعَلُ مِن بابِ التَّشْبِيهِ مِثْلِ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لِأنَّ جَمْعَ ( خامِدِينَ ) جَمْعَ العُقَلاءِ يُنافِي التَّشْبِيهَ إذْ لَيْسَ لَنا قَوْمٌ خامِدُونَ يُعْتَبَرُ تَشْبِيهَ أهْلِ القَرْيَةِ بِهِمْ إذِ الخُمُودُ مِن خَواصِّ النّارِ بِخِلافِ الصَّمَمِ مَثَلًا فَإنَّهُ يُجْعَلُ بِمَنزِلَةِ هم كَقَوْمٍ صُمٍّ وكَذا يُعْتَبَرُ ﴿ حَصِيدًا ﴾ بِمَعْنى مَحْصُودِينَ عَلى اسْتِواءِ الجَمْعِ والواحِدِ في فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِيُلائِمَ ﴿ خامِدِينَ ﴾ نَعَمْ يَجُوزُ تَشْبِيهُ هَلاكِ القَوْمِ بِقَطْعِ النَّباتِ وخُمُودِ النّارِ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً في الوَصْفَيْنِ انْتَهى، وكَذا في شَرْحِ المِفْتاحِ لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ بَيْدَ أنَّهُ جُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ ﴿ حَصِيدًا ﴾ فَقَطْ مِن بابِ التَّشْبِيهِ بِناءً عَلى ما في الكَشّافِ أيْ جَعَلْناهم مِثْلَ الحَصِيدِ كَما تَقُولُ جَعَلْناهم رَمادًا أيْ مِثْلَ الرَّمادِ، وجَعْلَ غَيْرُ واحِدٍ إفْرادَ الحَصِيدِ لِهَذا التَّأْوِيلِ فَإنَّ مَثَلًا لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ وهو الخَبَرُ حَقِيقَةً في التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ويَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ صِحَّةُ الرِّجالُ أسَدٌ وهو كَما تَرى، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِ الشّارِحَيْنِ: إذْ لَيْسَ لَنا إلَخْ بِأنَّ فِيهِ بَحْثًا مَعَ أنَّ مَدارَ ما ذَكَراهُ مِن كَوْنِ ( خامِدِينَ ) لا يَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ جَمْعُهُ جَمْعَ العُقَلاءِ المانِعُ مِن أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنّارِ حَتّى لَوْ قِيلَ خامِدَةً كانَ تَشْبِيهًا، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّرِيفُ في حَواشِيهِ لَكِنَّهُ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ لِأنَّهُ لَمّا صَحَّ الحَمْلُ في التَّشْبِيهِ ادِّعاءً فَلِمَ لا يَصِحُّ جَمْعُهُ لِذَلِكَ ولَوْلاهُ لَما صَحَّتِ الِاسْتِعارَةُ أيْضًا وذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والفاضِلُ اليَمَنِيُّ إلى التَّشْبِيهِ في المَوْضِعَيْنِ فَفي الآيَةِ أرْبَعَةُ احْتِمالاتٍ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ و( خامِدِينَ ) مَعَ حَصِيدًا في حَيِّزِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْجَعْلِ كَجَعَلْتُهُ حُلْوًا حامِضًا، والمَعْنى جَعَلْناهم جامِعِينَ لِلْحَصادِ والخُمُودِ أوْ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخامِدِ أوْ لِمُماثَلَةِ الحَصِيدِ والخُمُودِ أوْ جَعَلْناهم هالِكِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَلا يُرادُ أنَّ الجَعْلَ نَصَبَ ثَلاثَةَ مَفاعِيلَ هُنا وهو مِمّا يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ أوْ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿ جَعَلْناهُمْ ﴾ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في ﴿ حَصِيدًا ﴾ أوْ هو صِفَةٌ لَحَصِيدًا وهو مُتَعَدِّدُ مَعْنًى، واعْتَرَضَ بَعْضُهم بِأنَّ كَوْنَهُ صِفَةً لَهُ مَعَ كَوْنِهِ تَشْبِيهًا أُرِيدَ بِهِ ما لا يَعْقِلُ يَأْباهُ كَوْنُهُ لِلْعُقَلاءِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ أيْ ما سَوَّيْنا هَذا السَّقْفَ المَرْفُوعَ وهَذا المِهادَ المَوْضُوعَ وما بَيْنَهُما مِن أصْنافِ الخَلائِقِ مَشْحُونَةً بِضُرُوبِ البَدائِعِ والعَجائِبِ كَما تُسَوِّي الجَبابِرَةُ سُقُوفَهم وفُرُشَهم وسائِرَ زَخارِفِهِمْ لِلَّهْوِ واللَّعِبِ وإنَّما سَوَّيْناها لِلْفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والحِكَمِ الرَّبّانِيَّةِ كَأنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلِاعْتِبارِ ودَلِيلًا لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ مَنافِعَ لا تُحْصى وحِكَمٍ لا تُسْتَقْصى، وحاصِلُهُ ما خَلَقْنا ذَلِكَ خالِيًا عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّعِبِ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ الفِعْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ مَقْصِدٌ صَحِيحٌ لِبَيانِ كَمالِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنِ الخَلْقِ الخالِي عَنِ الحِكْمَةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما لا يَرْتابُ أحَدٌ في اسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وهَذا الكَلامُ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أنَّ تَكْوِينَ العالَمِ وإبْداعَ بَنِي آدَمَ مُؤَسَّسٌ عَلى قَواعِدِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْغاياتِ الجَلِيلَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما حُكِيَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِأهْلِ القُرى مِن مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الحِكَمِ ومُتَفَرِّعاتِها حَسَبَ اقْتِضاءِ أعْمالِهِمْ إيّاهُ مَعَ التَّخَلُّصِ إلى وعِيدِ المُخاطَبِينَ، وفي الكَشْفِ أنَّ الآياتِ لِإثْباتِ أمْرِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِ تِلْكَ المَطاعِنِ السّابِقَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الإمامُ وهو الحَقُّ لِأنَّهُ قَدْ تُكَرَّرَ في الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العِبادَةُ والمَعْرِفَةُ وجَزاءُ مَن قامَ بِهِما ومَن لَمْ يَقُمْ ولَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ إلّا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَمُنْكِرُ الرِّسالَةِ جاعِلُ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ لَعِبًا تَعالى خالِقُهُما وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ وعَنْ كُلِّ نَقْصٍ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومُنْكِرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدَيْهِ مِن بابِ العَبَثِ واللَّعِبِ فَفِيهِ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَسادُ تِلْكَ المَطاعِنِ كُلِّها.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ انْتِفاءِ اللَّعِبِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ لَوْ أرَدْنا اتِّخاذَ لَهْوٍ لَكانَ اتِّخاذُ لَهْوٍ مِن جِهَتِنا أيْ لَهْوًا إلَهِيًّا أيْ حِكْمَةً اتَّخَذْتُمُوها لَهْوًا مِن جِهَتِكم وهَذا عَيْنُ الجِدِّ والحِكْمَةِ فَهو في مَعْنى لَوْ أرَدْناهُ لامْتَنَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنّا فاعِلِينَ ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِذَلِكَ المَعْنى مُبالَغَةً في الِامْتِناعِ عَلى أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ وجَوابَها مَحْذُوفٌ أيْ ( إنْ كُنّا فاعِلِينَ ) ما يُوصَفُ بِفِعْلِهِ بِاللَّهْوِ فَكَهَذا يَكُونُ فِعْلُنا ولَوْ حُمِلَ عَلى النَّفْيِ لِيَكُونَ تَصْرِيحًا بِنَتِيجَةِ السّابِقِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ لَكانَ حَسَنًا بالِغًا انْتَهى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ مِن لَدُنّا ﴾ أيْ مِن جِهَةِ قُدْرَتِنا، وجَعَلَ حاصِلَ المَعْنى أنّا لَوْ أرَدْنا ذَلِكَ لاتَّخَذْنا فَإنّا قادِرُونَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ إلّا إنّا لَمْ نُرِدْهُ لَأنَّ الحِكْمَةَ صارِفَةٌ عَنْهُ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ تَفْسِيرَهُ ذَلِكَ بِالقُدْرَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ، وقَدْ فَسَّرَهُ بِهِ أيْضًا البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وظاهِرُهُ أنَّ اتِّخاذَ اللَّهْوِ داخِلٌ تَحْتَ القُدْرَةِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ تَعالى امْتِناعًا ذاتِيًّا والمُمْتَنِعُ لا يَصْلُحُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ صِدْقَ الشَّرْطِيَّةِ لا يَقْتَضِي صِدْقَ الطَّرَفَيْنِ فَهو تَعْلِيقٌ عَلى امْتِناعِ الإرادَةِ أوْ يُقالُ الحِكْمَةُ غَيْرُ مُنافِيَةٍ لِاتِّخاذِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَهّى بِهِ وإنَّما تُنافِي أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ لاهِيًا بِهِ فَلا امْتِناعَ في الِاتِّخاذِ بَلْ في وصْفِهِ انْتَهى.
والحَقُّ عِنْدِي أنَّ العَبَثَ لِكَوْنِهِ نَقْصًا مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِ تَعالى فَتَرْكُهُ واجِبٌ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ونَحْنُ وإنْ لَمْ نَقُلْ بِالوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى لَكُنّا قائِلُونَ بِالوُجُوبِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ الكَلَنْبَوِيُّ: إنَّ مَذْهَبَ الماتُرِيدِيَّةِ المُثْبِتِينَ لِلْأفْعالِ جِهَةً مُحَسِّنَةً أوْ مُقَبِّحَةً قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إنَّهُ إنْ كانَ في الفِعْلِ جِهَةٌ تَقْتَضِي القُبْحَ فَذَلِكَ الفِعْلُ مُحالٌ في حَقِّهِ تَعالى فَتَرْكُهُ واجِبٌ عَنْهُ سُبْحانَهُ ولا واجِبَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَلِكَ كالتَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ عِنْدَهم كالكَذِبِ عِنْدَ مُحَقِّقِي الأشاعِرَةِ والماتُرِيدِيَّةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تِلْكَ الجِهَةُ فَذَلِكَ الفِعْلُ مُمْكِنٌ لَهُ تَعالى ولَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهم يُوافِقُونَ الأشاعِرَةَ في أنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهى.
ومَن أنْكَرَ أنَّ كَوْنَ العَبَثِ نَقْصًا كالكَذِبِ فَقَدْ كابَرَ عَقْلُهُ، وأبْلَغُ مِن هَذا أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ القَوْلُ بِوُجُوبِ رِعايَةِ مُطْلَقِ الحِكْمَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَلْزَمَ أحَدٌ المُحالاتِ المَشْهُورَةِ وأنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ الإصْحابِ المَوْجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى نَفْيُ الوُجُوبِ في الخُصُوصِيّاتِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، ولَعَلَّهُ حِينَئِذٍ يُرادُ بِالوُجُوبِ لُزُومُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْهُ تَعالى بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن تَرْكِهِ بِناءً عَلى اسْتِلْزامِهِ مُحالًا بَعْدَ صُدُورِ مُوجِبِهِ اخْتِيارًا لا مُطْلَقًا ولا بِشَرْطِ تَمامِ الِاسْتِعْدادِ لِئَلّا يَلْزَمَ رَفْضُ قاعِدَةِ الِاخْتِيارِ كَما لا يُلْزِمُ رَفْضُها في اخْتِيارِ الإمامِ الرّازِيِّ ما اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ الأشاعِرَةِ مِن لُزُومِ العِلْمِ لِلنَّظَرِ عَقْلًا، ومَعَ هَذا يَنْبَغِي التَّحاشِي عَنْ إطْلاقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعالى فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.
وقِيلَ مَعْنى مِن عِنْدِنا مِمّا يَلِيقُ بِحَضْرَتِنا مِنَ المُجَرَّداتِ أيْ لاتَّخَذْناهُ مِن ذَلِكَ لا مِنَ الأجْرامِ المَرْفُوعَةِ والأجْسامِ المَوْضُوعَةِ كَدَيْدَنِ الجَبابِرَةِ في رَفْعِ العُرُوشِ وتَحْسِينِها وتَسْوِيَةِ الفُرُوشِ وتَزْيِينِها انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى إنْكارِ المُجَرَّداتِ ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذُكِرَ المُرادُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ اتِّخاذَ اللَّهْوِ في هَذا العالَمِ لا أنَّهُ يَجُوزُ اتِّخاذُهُ مِنَ المُجَرَّداتِ بَلْ هو فِيها أظْهَرُ في الِاسْتِحالَةِ، وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ المَعْنى لَوْ أرَدْنا اتِّخاذَ اللَّهْوِ لاتَّخَذْناهُ مِن عِنْدِنا بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ لِأنَّهُ نَقْصٌ فَسَتْرُهُ أوْلى أوْ هو أسْرَعُ تَبادُرًا مِمّا في الكَشْفِ وذَلِكَ أبْعَدُ مَغْزًى، وقالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: اللَّهْوُ طَلَبُ التَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ ثُمَّ المَرْأةُ تُسَمّى لَهْوًا وكَذا الوَلَدُ لِأنَّهُ يُسْتَرْوَحُ بِكُلٍّ مِنهُما ولِهَذا يُقالُ لِامْرَأةِ الرَّجُلِ ووَلَدِهِ رَيْحانَتاهُ، والمَعْنى لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ امْرَأةً ذاتَ لَهْوٍ أوْ ولَدًا ذا لَهْوٍ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا أيْ مِمّا نَصْطَفِيهِ ونَخْتارُهُ مِمّا نَشاءُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ وقالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ مِنَ الحُورِ العِينِ، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ وقَوْلِ النَّصارى في المَسِيحِ وأُمِّهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا وكَوْنِها صاحِبَةً، ومَعْنى ﴿ مِن لَدُنّا ﴾ مِن عِنْدِنا بِحَيْثُ لا يَجْرِي لِأحَدٍ فِيهِ تَصَرُّفٌ لِأنَّ ولَدَ الرَّجُلِ وزَوْجَتَهُ يَكُونانِ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ انْتَهى.
وتَفْسِيرُ اللَّهْوِ هُنا بِالوَلَدِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ الوَلَدُ بِلُغَةِ حَضْرَمَوْتَ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى المَرْأةِ حَكاهُ قَتادَةُ عَنْ أهْلِ اليَمَنِ ولَمْ يَنْسُبْهُ لِأهْلِ بَلْدَةٍ مِنهُ، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ أصْلَهُ الجِماعُ ويُكَنّى بِهِ عَنِ المَرْأةِ لِأنَّها تُجامَعُ وأنْشَدَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ: ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبُرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ اللَّهْوُ أمْثالِي والظّاهِرُ حَمْلُ اللَّهْوِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ولِأنَّ نَفْيَ الوَلَدِ سَيَجِيءُ مُصَرَّحًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كَوْنَ المُرادِ الرَّدَّ عَلى النَّصارى وأضْرابِهِمْ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ السِّياقِ أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ والجَوابَ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنّا فاعِلِينَ لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا وكَوْنُها نافِيَةً وإنْ كانَ حَسَنًا مَعْنًى وقَدْ قالَهُ جَماعَةٌ مِنهم مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِأنَّ أكْثَرَ مَجِيءِ إنِ النّافِيَةِ مَعَ اللّامِ الفارِقَةِ لَكِنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ ﴾ إضْرابٌ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ بَلْ عَنْ إرادَةِ الِاتِّخاذِ كَأنَّهُ قِيلَ لَكِنّا لا نُرِيدُهُ بَلْ شَأْنُنا أنْ نُغَلِّبَ الحَقَّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِدُّ عَلى الباطِلِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ اللَّهْوُ، وتَخْصِيصُ هَذا الشَّأْنِ مِن بَيْنِ سائِرِ شُؤُونِهِ تَعالى بِالذِّكْرِ لِلتَّخَلُّصِ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الوَعِيدِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الحَقَّ القُرْآنُ والباطِلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ الحَقُّ الحُجَّةُ والباطِلُ شَبَهُهم ووَصْفُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِغَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ، والعُمُومُ هو الأوْلى، وأصْلُ القَذْفِ الرَّمْيُ البَعِيدُ كَما قالَ الرّاغِبُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِصَلابَةِ الرَّمْيِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْإيرادِ أيْ نُورِدُ الحَقَّ عَلى الباطِلِ.
﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أيْ يَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما فَعَلْنا بِأهْلِ القُرى المُحْكَمَةِ، وأصْلُ الدَّمْغِ كَسْرُ الشَّيْءِ الرَّخْوِ الأجْوَفِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْمَحْقِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَمْثِيلٌ لِغَلَبَةِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ حَتّى يُذْهِبَهُ بِرَمْيِ جِرْمٍ صُلْبٍ عَلى رَأْسِ دِماغِهِ رَخْوٍ لِيَشُقَّهُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ الحَقِّ وتَسَفُّلِ الباطِلِ وأنَّ جانِبَ الأوَّلِ باقٍ والثّانِي فانٍ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً بِتَشْبِيهِ الحَقِّ بِشَيْءٍ صُلْبٍ يَجِيءُ مِن مَكانٍ عالٍ والباطِلِ بِجِرْمٍ رَخْوٍ أجْوَفَ سافِلٍ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِالتَّمْثِيلِ أمْثَلُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ (فَيَدْمَغَهُ ) بِالنَّصْبِ، وضَعُفَ بِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ إنَّما يَنْتَصِبُ بِإضْمارِ أنْ لا بِالفاءِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ في جَوابِ الأشْياءِ السِّتَّةِ وما هُنا لَيْسَ مِنها ولَمْ يُرَ مِثْلُهُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ في هَذا إنَّ أسْتَرِيحا لَيْسَ مَنصُوبًا بَلْ مَرْفُوعٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِالألِفِ، ووُجِّهَ بِأنَّ النَّصْبَ في جَوابِ المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ وهو يُشْبِهُ التَّمَنِّيَ في التَّرَقُّبِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى في الآيَةِ لَيْسَ عَلى خُصُوصِ المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ قالُوا إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ في البَيْتِ ضَعِيفٌ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ أضْعَفَ مِنهُ مَأْخَذًا والعَطْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الحَقِّ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والمَعْنى بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ فَنَدْمَغُهُ عَلى الباطِلِ أيْ نَرْمِي بِالحَقِّ فَإبْطالُهُ بِهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ مِن قَبِيلِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا صَحَّ، واسْتُظْهِرَ أنَّ العَطْفَ عَلى المَعْنى أيْ نَفْعَلُ القَذْفَ فالدَّمْغَ، وقُرِئَ (فَيَدْمُغُهُ ) بِضَمِّ المِيمِ والغَيْنِ ﴿ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ أيْ ذاهِبٌ بِالكُلِّيَّةِ وفي إذا الفُجائِيَّةِ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ المُسارَعَةِ في الذَّهابِ والبُطْلانِ ما لا يَخْفى فَكَأنَّهُ زاهِقٌ مِنَ الأصْلِ.
﴿ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ ﴾ وعِيدٌ لِقُرَيْشٍ أوْ لِجَمِيعِ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ لَهم أيْضًا مِثْلَ ما لِأُولَئِكَ مِنَ العَذابِ والعِقابِ، وما تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الوَيْلِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِهِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ ومُسْتَقِرٌّ لَكُمُ الوَيْلُ والهَلاكُ مِن أجْلِ وصْفِكم لَهُ تَعالى بِما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ تَعالى شَأْنُهُ أوْ بِالَّذِي تَصِفُونَهُ أوْ بِشَيْءٍ تَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ ونَحْوِهِ أوْ كائِنًا مِمّا تَصِفُونَهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ، وكَوْنُ الخِطابِ لِمَن سَمِعْتَ مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ ولا بُعْدَ، وأبْعَدُ كُلَّ البُعْدِ مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ القُرى عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ﴾ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِهِ تَعالى لِجَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى حِكْمَةٍ بالِغَةٍ ونِظامٍ كامِلٍ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِقُّ الحَقَّ ويُزْهِقُ الباطِلَ، وقِيلَ هو عَدِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكُمُ الوَيْلُ ﴾ وهو كَما تَرى أيْ ولَهُ تَعالى خاصَّةً جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا ومِلْكًا وتَدْبِيرًا وتَصَرُّفًا وإحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ دَخْلٌ ما اسْتِقْلالًا واسْتِتْباعًا، وكَأنَّهُ أُرِيدَ هُنا إظْهارُ مَزِيدِ العَظَمَةِ فَجِيءَ بِالسَّماواتِ جَمْعًا عَلى مَعْنى لَهُ كُلُّ مَن هو في واحِدَةٍ واحِدَةٍ مِنَ السَّماواتِ ولَمْ يُرِدْ فِيما مَرَّ سِوى بَيانِ اشْتِمالِ هَذا السَّقْفِ المُشاهَدِ والفِراشِ المُمَهَّدِ وما اسْتَقَرَّ بَيْنَهُما عَلى الحِكَمِ الَّتِي لا تُحْصى فَلِذا جِيءَ بِصِيغَةِ الإفْرادِ دُونَ الجَمْعِ.
وفِي الإتْقانِ حَيْثُ يُرادُ العَدَدُ يُؤْتى بِالسَّماءِ مَجْمُوعَةً وحَيْثُ يُرادُ الجِهَةُ يُؤْتى بِها مُفْرَدَةً ﴿ ومَن عِنْدَهُ ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ مُطْلَقًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ عِنْدِيَّةُ الشَّرَفِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانِ وقَدْ شُبِّهَ قُرْبُ المَكانَةِ والمَنزِلَةِ بِقُرْبِ المَكانِ والمَسافَةِ فَعُبِّرَ عَنِ المُشَبَّهِ بِلَفْظٍ دالٍّ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ.
وقِيلَ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ تَنْزِيلًا لَهم لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَنزِلَةَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ المُلُوكِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ أيْ لا يَتَعَظَّمُونَ عَنْها ولا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ ﴿ ولا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ أيْ لا يَكِلُّونَ ولا يَتْعَبُونَ يُقالُ حَسَرَ البَعِيرُ واسْتَحْسَرَ كُلَّ وتَعِبَ وحَسَرْتُهُ أنا فَهو مُتَعَدٍّ ولازِمٌ ويُقالُ أيْضًا أحْسَرْتُهُ بِالهَمْزِ.
والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِحْسارَ حَيْثُ لا طَلَبَ كَما هُنا أبْلَغُ مِنَ الحُسُورِ فَإنَّ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، والمُرادُ مِنَ الِاتِّحادِ بَيْنَهُما الدّالِّ عَلَيْهِ كَلامُهُمُ الِاتِّحادُ في أصْلِ المَعْنى، والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عِبادَتَهم بِثِقَلِها ودَوامِها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُسْتَحْسَرَ مِنها ومَعَ ذَلِكَ لا يَسْتَحْسِرُونَ ولَيْسَ لِنَفْيِ المُبالَغَةِ في الحُسُورِ مَعَ ثُبُوتِ أصْلِهِ في الجُمْلَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المَشْهُورَةِ فِيهِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى مَنِ الأُولى وأمْرُ تَفْسِيرِهِ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى حالِهِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا العَطْفَ لِكَوْنِ المَعْطُوفِ أخَصَّ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ كالعَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴾ في الدَّلالَةِ عَلى رِفْعَةِ شَأْنِ المَعْطُوفِ وتَعْظِيمِهِ حَيْثُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في عُمُومِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: إنَّما أُفْرِدَ لِأنَّهُ أعَمُّ مِن وجْهٍ فَإنَّ مَن في الأرْضِ يَشْمَلُ البَشَرَ ونَحْوَهم وهو يَشْمَلُ الحافِّينَ بِالعَرْشِ دُونَهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَعالٍ عَنِ التَّبَوُّءِ والِاسْتِقْرارِ في السَّماءِ والأرْضِ، وكَأنَّ هَذا مَيْلٌ إلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ نَوْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ الإسْلامِ لا يَقُولُونَ بِتَجَرُّدِ شَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ.
والمَشْهُورُ عَنِ القائِلِينَ بِهِ القَوْلُ بِتَجَرُّدِ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا لا بِتَجَرُّدِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.
ثُمَّ إنَّ أبا البَقاءِ جَوَّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَفَعَ بِالظَّرْفِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الَّذِي هو الخَبَرُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( عِنْدَهُ ) ويَتَعَيَّنُ أحَدُ الأخِيرَيْنِ عِنْدَ مَن يُعْرِبُ مَن مُبْتَدَأً ولا يَجُوزُ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ ولا يَخْفى.
وجَوَّزَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والأظْهَرُ جَعْلُها خَبَرًا لِمَن عِنْدَهُ، وفي بَعْضِ أوْجُهِ الحالِيَّةِ ما لا يَخْفى، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا يَصْنَعُونَ في عِبادَتِهِمْ أوْ كَيْفَ يَعْبُدُونَ فَقِيلَ ( يُسَبِّحُونَ ) إلَخْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( لا يَسْتَحْسِرُونَ ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَفْتُرُونَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( يُسَبِّحُونَ ) عَلى تَقْدِيرَيِ الِاسْتِئْنافِ والحالِيَّةِ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ أنْ يَكُونَ هَذا حالًا مِن ضَمِيرِ ( لا يَسْتَحْسِرُونَ ) أيْضًا ولا يَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ كَوْنُهُ حالًا مِنهُ لِلْفَصْلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا والمَعْنى يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ ويُمَجِّدُونَهُ في كُلِّ الأوْقاتِ لا يَتَخَلَّلُ تَسْبِيحَهم فَتْرَةٌ أصْلًا بِفَراغٍ أوْ شُغُلٍ آخَرَ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مَعَ أنَّ مِنهم رُسُلًا يُبَلِّغُونَ الرِّسالَةَ ولا يَتَأتّى التَّسْبِيحُ حالَ التَّبْلِيغِ ومِنهم مَن يَلْعَنُ الكَفَرَةَ كَما ورَدَ في آيَةٍ أُخْرى.
وقَدْ سَألَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَرْثِ بْنِ نَوْفَلَ كَعْبًا عَنْ ذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ فَأجابَ بِأنَّهُ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كالتَّنَفُّسِ فَلا يَمْنَعُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِشَيْءٍ آخَرَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا، وقِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهم ألْسِنَةً فَيُسَبِّحُونَ بِبَعْضٍ ويُبَلِّغُونَ مَثَلًا بِبَعْضٍ آخَرَ، وقِيلَ تَبْلِيغُهم ولَعْنُهُمُ الكَفَرَةَ تَسْبِيحٌ مَعْنًى.
وقالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى بَعْضِهِمْ فالمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ كَما يُقالُ فُلانٌ لا يَفْتُرُ عَنْ ثَنائِكَ وشُكْرِ آلائِكَ انْتَهى.
ولا يَخْفى حُسْنُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا التَّسْبِيحَ كالحُضُورِ والذِّكْرِ القَلْبِيِّ الَّذِي يَحْصُلُ لِكَثِيرٍ مِنَ السّالِكِينَ وذَلِكَ مِمّا يَجْتَمِعُ مَعَ التَّبْلِيغِ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المَلائِكَةِ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم في السَّماءِ لَيْلٌ ونَهارٌ لِأنَّ المُرادَ إفادَةُ دَوامِهِمْ عَلى التَّسْبِيحِ عَلى الوَجْهِ المُتَعارَفِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ هي أعْظَمُ مِن جِنايَةِ طَعْنِهِمْ في النُّبُوَّةِ، وأمْ هي المُنْقَطِعَةُ وتُقَدَّرُ بِبَلِ الإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةُ الإنْكارِيَّةُ هي لِإنْكارِ الوُقُوعِ لا إنْكارِ الواقِعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذُوا ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى أنَّ اتِّخاذَهم إيّاها مُبْتَدَأٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ كالحِجارَةِ وأنْواعِ المَعادِنِ ويَجُوزُ كَوْنُها تَبْعِيضِيَّةً.
وقالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقْعَ صِفَةً لِآلِهَةٍ أيْ آلِهَةٌ كائِنَةٌ مِن جِنْسِ الأرْضِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ التَّحْقِيرُ لا التَّخْصِيصُ، ومَن جَوَّزَهُ التَزَمَ تَخْصِيصَ الإنْكارِ بِالشَّدِيدِ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم يُنْشِرُونَ ﴾ أيْ يَبْعَثُونَ المَوْتى صِفَةً لِآلِهَةٍ وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الإنْكارُ والتَّجْهِيلُ والتَّشْنِيعُ لا نَفْسُ الِاتِّخاذِ فَإنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ أيْ بَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم خاصَّةً مَعَ حَقارَتِهِمْ وجَمادِيَّتِهِمْ يَنْشُرُونَ المَوْتى كَلّا فَإنَّ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ وهم وإنْ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ صَرِيحًا لَكِنَّهم حَيْثُ ادَّعَوْا لَها الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَها الإنْشارَ ضَرُورَةً أنَّهُ مِنَ الخَصائِصِ الإلَهِيَّةِ حَتْمًا ومَعْنى التَّخْصِيصِ في تَقْدِيمِ الضَّمِيرِ وما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِلْإنْشارِ المُوجِبَةِ لِمَزِيدِ الإنْكارِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿ أفِي اللَّهِ شَكٌّ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ مُبايَنَةِ أمْرِهِ تَعالى لِأنْ يُشَكَّ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن مُسْتَتْبَعاتِ ادِّعائِهِمُ الباطِلِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالإبْداءِ، والإعادَةِ فَحَيْثُ ادَّعَوْا لِلْأصْنامِ الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُمُ الِاسْتِقْلالَ بِالإنْشارِ كَما أنَّهم جُعِلُوا بِذَلِكَ مُدَّعِينَ لِأصْلِ الإنْشارِ قالَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ، وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلتَّقْوى، وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن إفادَتِهِ مَعْنى التَّخْصِيصِ تَبِعَ فِيهِ الزَّمَخْشَرِيَّ، وفي الكَشْفِ الدّاعِي إلى تَرْجِيحِهِ عَلى التَّقْوى أنَّهُ تَرْشِيحٌ لِما أبْداهُ أوَّلًا مِن أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَصِحُّ دُونَ القُدْرَةِ عَلى الإنْشارِ ولا وجْهَ لِتَجْوِيزِ كَوْنِهِ فَصْلًا انْتَهى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ هم يُنْشِرُونَ ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مُقَدَّرًا مَعَها اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِبَيانِ عِلَّةِ إنْكارِ الِاتِّخاذِ، ولَعَلَّ مُجَوِّزَ ذَلِكَ لا يُسَلِّمُ لُزُومَ كَوْنِ مَعْنى الهَمْزَةِ في أمِ المُنْقَطِعَةِ إنْكارَ الوُقُوعِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ إنْكارَ الواقِعِ، وتَفْسِيرُ ﴿ يُنْشِرُونَ ﴾ يَبْعَثُونَ هو المَشْهُورُ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقالَ قُطْرُبُ: هو بِمَعْنى يَخْلُقُونَ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ (يَنْشِرُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّهُ مِن نَشَرَ وهو وأنْشَرَ بِمَعْنًى وقَدْ يَجِيءُ نَشَرَ لازِمًا يُقالُ أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَوْتى فَنُشِرُوا، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ إبْطالٌ لِتَعَدُّدِ الإلَهِ وضَمِيرُ ( فِيهِما ) لِلسَّماءِ والأرْضِ والمُرادُ بِهِما العالَمُ كُلُّهُ عُلْوِيَّةً وسُفْلِيَّةً والمُرادُ بِالكَوْنِ فِيهِما التَّمَكُّنُ البالِغُ مِنَ التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ لا التَّمَكُّنُ والِاسْتِقْرارُ فِيهِما كَما تَوَهَّمَهُ الفاضِلُ الكَلَنْبَوِيُّ، والظَّرْفُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ بِمَكانٍ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّهُ ظَرْفٌ لِآلِهَةٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ ﴾ وجُعِلَ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِما ذُكِرَ ها هُنا بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى الخالِقِيَّةِ والمُؤَثِّرِيَّةِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا، و(إلّا ) المُغايِرَةُ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها فَهي بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ، وفي المَعْنى أنَّها تَكُونُ صِفَةً بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ فَيُوصَفُ بِها وبِتالِيها جَمْعٌ مُنَكَّرٌ أوْ شَبَهُهُ ومُثِّلَ لِلْأوَّلِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ المَعْنى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ وجَعَلَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ إشارَةً إلى أنَّ ( إلّا ) هُنا اسْمٌ بِمَعْنى صِفَةٍ لِما قَبْلَها وظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها لِكَوْنِها عَلى صُورَةِ الحَرْفِ كَما في ألِ المَوْصُولَةِ في اسْمِ الفاعِلِ مَثَلًا.
وأنْكَرَ الفاضِلُ الشَّمْنِيُّ كَوْنَها بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ في الِاسْمِيَّةِ لِما في حَواشِيِّ العَلّامَةِ الثّانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا فارِضٌ ﴾ مِن أنَّهُ لا قائِلَ بِاسْمِيَّةِ إلّا الَّتِي بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ أنَّها بِمَنزِلَتِها في مُغايَرَةِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها ذاتًا أوْ صِفَةً، فَفي شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ أصْلُ غَيْرٍ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُفِيدَةً لِمُغايَرَةِ مَجْرُورِها لِمَوْصُوفِها إمّا بِالذّاتِ نَحْوُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ غَيْرِ زَيْدٍ وإمّا بِالصِّفَةِ نَحْوُ دَخَلْتُ بِوَجْهٍ غَيْرِ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ، وأصْلُ إلّا الَّتِي هي أُمُّ أدَواتِ الِاسْتِثْناءِ مُغايَرَةُ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها نَفْيًا أوْ إثْباتًا فَلَمّا اجْتَمَعَ ما بَعْدَ إلّا وما بَعْدَ غَيْرٍ في مَعْنى المُغايَرَةِ حُمِلَتْ إلّا عَلى غَيْرٍ في الصِّفَةِ فَصارَ ما بَعْدَ إلّا مُغايِرًا لِما قَبْلَها ذاتًا أوْ صِفَةً مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مُغايَرَتِهِ لَهُ نَفْيًا أوْ إثْباتًا وحُمِلَتْ غَيْرُ عَلى إلّا في الِاسْتِثْناءِ فَصارَ ما بَعْدَها مُغايِرًا لِما قَبْلَها نَفْيًا أوْ إثْباتًا مِن غَيْرِ مُغايَرَتِهِ لَهُ ذاتًا أوْ صِفَةً إلّا أنَّ حَمْلَ غَيْرٍ عَلى إلّا أكْثَرُ مِن حَمْلِ إلّا عَلى غَيْرٍ لِأنَّ غَيْرَ اسْمٌ والتَّصَرُّفُ في الأسْماءِ أكْثَرُ مِنهُ في الحُرُوفِ فَلِذَلِكَ تَقَعُ غَيْرُ في جَمِيعِ مَواقِعِ إلّا انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادِرَ كَوْنُ إلّا حِينَ إفادَتِها مَعْنى غَيْرٍ اسْمًا وفي بَقائِها عَلى الحَرْفِيَّةِ مَعَ كَوْنِها وحْدَها أوْ مَعَ ما بَعْدَها بِجَعْلِهِما كالشَّيْءِ الواحِدِ صِفَةً لِما قَبْلَها نَظَرٌ ظاهِرٌ وهو في كَوْنِها وحْدَها كَذَلِكَ أظْهَرُ، ولَعَلَّ الخَفاجِيَّ لَمْ يَقُلْ ما قالَ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلى قائِلٍ بِاسْمِيَّتِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اضْطَرَّهُ إلى القَوْلِ بِذَلِكَ ما يَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِبَقائِها عَلى الحَرْفِيَّةِ، ولَعَمْرِي إنَّهُ أصابَ المَحْزُوَّ أنْ قالَ العَلّامَةُ ما قالَ، وكَلامُ الرَّضِيِّ لَيْسَ نَصًّا في أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ.
ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِثْناءِ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِأنَّ ( آلِهَةٌ ) جَمْعٌ مُنَكَّرٌ في الإثْباتِ ومَذْهَبُ الأكْثَرِينَ كَما صُرِّحَ بِهِ في التَّلْوِيحِ أنَّهُ لا اسْتِغْراقَ لَهُ فَلا يَدْخُلُ فِيهِ ما بَعْدَها حَتّى يَحْتاجَ لِإخْراجِهِ بِها وهم يُوجِبُونَ دُخُولَ المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ في الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ ولا يَكْتَفُونَ بِجَوازِ الدُّخُولِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ وبَعْضُ الأُصُولِيِّينَ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهم قامَ رِجالٌ إلّا زَيْدًا عَلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا وكَذا عَلى كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا بِناءً عَلى أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ وهو مَفْقُودٌ جَزْمًا، ومَن أجازَ الِاسْتِثْناءَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ كالمُبَرِّدِ جَعَلَ الرَّفْعَ في الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى البَدَلِيَّةِ، واعْتُرِضَ بِعَدَمِ تَقَدُّمِ النَّفْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَوْ لِلشَّرْطِ وهو كالنَّفْيِ، وعَنْهُ أنَّهُ أجابَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ وامْتِناعُ الشَّيْءِ انْتِفاؤُهُ وزُعِمَ أنَّ التَّفْرِيغَ بَعْدَها جائِزٌ وأنَّ نَحْوَ لَوْ كانَ مَعَنا إلّا زَيْدٌ لَهَلَكْنا لَكانَ أجْوَدَ كَلامٍ وخالَفَ في ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ قالَ لَوْ قُلْتَ لَوْ كانَ مَعَنا المِثالُ لَكُنْتَ قَدْ أحَلْتَ.
ورُدَّ بِأنَّهم لا يَقُولُونَ لَوْ جاءَنِي دِيارٌ أكْرَمْتُهُ ولا لَوْ جاءَنِي مِن أحَدٍ أكْرَمْتُهُ ولَوْ كانَتْ بِمَنزِلَةِ النّافِي لَجازَ ذَلِكَ كَما يَجُوزُ ما فِيها دِيارٌ وما جاءَنِي مِن أحَدٍ، وتَعَقَّبَهُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّ لِلْمُبَرِّدِ أنْ يَقُولَ: قَدْ أجْمَعْنا عَلى إجْراءِ أبى مُجْرى النَّفْيِ الصَّرِيحِ وأجَزْنا التَّفْرِيغَ فِيهِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أبى دِيارٌ المَجِيءَ وأبى مِن أحَدٍ الذَّهابَ فَما هو جَوابُكم عَنْ هَذا فَهو جَوابُنا.
وقالَ الرَّضِيُّ: أجازَ المُبَرِّدُ الرَّفْعَ في الآيَةِ عَلى البَدَلِ لِأنَّ في لَوْ مَعْنى النَّفْيِ وهَذا كَما أجازَ الزَّجّاجُ البَدَلَ في ﴿ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ الآيَةَ إجْراءً لِلتَّخْصِيصِ مُجْرى النَّفْيِ والأوْلى عَدَمُ إجْراءِ ذَيْنِكَ في جَوازِ الإبْدالِ والتَّفْرِيغِ مَعَهُما مُجْراهُ إذا لَمْ يُثْبَتِ انْتَهى.
وذَكَرَ المالِكِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّ كَلامَ المُبَرِّدِ في المُقْتَضَبِ مِثْلُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ وأنَّ التَّفْرِيغَ والبَدَلَ بَعْدَ لَوْ غَيْرُ جائِزٍ، وكَذا لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ مِن جِهَةِ المَعْنى فَفي الكَشْفِ أنَّ البَدَلَ والِاسْتِثْناءَ في الآيَةِ مُمْتَنِعانِ مَعْنًى لِأنَّهُ إذْ ذاكَ لا يُفِيدُ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ انْتِفاءِ التَّعَدُّدِ ويُؤَدِّي إلى كَوْنِ الآلِهَةِ بِحَيْثُ لا يَدْخُلُ في عِدادِهِمُ الإلَهُ الحَقُّ مُفْضٍ إلى الفَسادِ فَنَفْيُ الفَسادِ يَدُلُّ عَلى دُخُولِهِ فِيهِمْ وهو مِنَ الفَسادِ بِمَكانٍ ثُمَّ إنَّ الصِّفَةَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ مُؤَكِّدَةٌ صالِحَةٌ لِلْإسْقاطِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ فَلَوْ قِيلَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لَفَسَدَتا لَصَحَّ وتَأتّى المُرادُ.
وقالَ الشَّلُوبِينُ.
وابْنُ الصّائِغِ: لا يَصِحُّ المَعْنى حَتّى تَكُونَ إلّا بِمَعْنى غَيْرِ الَّتِي يُرادُ بِها البَدَلُ والعِوَضُ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى حِينَئِذٍ لَوْ كانَ فِيهِما عَدَدٌ مِنَ الآلِهَةِ بَدَلٌ وعِوَضٌ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ لَفَسَدَتا وذَلِكَ يَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ فِيهِما اثْنانِ هو عَزَّ وجَلَّ أحَدُهُما لَمْ تَفْسَدا وذَلِكَ باطِلٌ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ لا يَقْتَضِي هَذا المَفْهُومَ لِأنَّ مَعْناها لَوْ كانَ فِيهِما عَدَدٌ مِنَ الآلِهَةِ دُونَهُ أوْ بِهِ سُبْحانَهُ بَدَلًا مِنهُ وحْدَهُ عَزَّ وجَلَّ لَفَسَدَتا وذَلِكَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ فاعْرِفْ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ إرادَةُ المُغايَرَةِ، والمُرادُ بِالفَسادِ البُطْلانُ والِاضْمِحْلالُ أوْ عَدَمُ التَّكَوُّنِ، والآيَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُشِيرَةٌ إلى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ عَلى نَفْيِ تَعَدُّدِ الإلَهِ وهو قِياسٌ اسْتِثْنائِيٌّ اسْتُثْنِيَ فِيهِ نَقِيضُ التّالِي لِيَنْتُجَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ في العالَمِ لَفَسَدَ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْسَدْ يُنْتِجُ أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّدِ الإلَهُ.
وفي هَذا اسْتِعْمالٌ لِلَوْ غَيْرُ الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ.
قالَ السَّيِّدُ السَّنَدُ: إنَّ لَوْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ فَيُفْهَمُ مِنها ارْتِباطُ وُجُودِ الحالِيِّ بِوُجُودِ المُقَدَّمِ مَعَ انْتِفاءِ التّالِي فَيُعْلَمُ مِنهُ انْتِفاءُ المُقَدَّمِ وهو عَلى قِلَّتِهِ مَوْجُودٌ في اللُّغَةِ يُقالُ: لَوْ كانَ زَيْدٌ في البَلَدِ لَجاءَنا لِيُعْلَمَ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ : وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّ أرْبابَ المَعْقُولِ قَدْ جَعَلُوا لَوْ أداةً لِلتَّلازُمِ دالَّةً عَلى لُزُومِ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى القَطْعِ بِانْتِفائِهِما ولِهَذا صَحَّ عِنْدَهُمُ اسْتِثْناءُ عَيْنِ المُقَدَّمِ فَهم يَسْتَعْمِلُونَها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِلْمَ بِانْتِفاءِ الثّانِي عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ ضَرُورَةُ انْتِفاءِ المَلْزُومِ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى أنَّ عِلَّةَ انْتِفاءِ الجَزاءِ في الخارِجِ ما هي لِأنَّهم يَسْتَعْمِلُونَها في القِياساتِ لِاكْتِسابِ العُلُومِ والتَّصْدِيقاتِ ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ لا يُوجِبُ العِلْمَ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ وإذا تَصَفَّحْنا وجَدْنا اسْتِعْمالَها عَلى قاعِدَةِ اللُّغَةِ أكْثَرَ لَكِنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ عَلى قاعِدَتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما ﴾ إلَخْ لِظُهُورِ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّصْدِيقُ بِانْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لا بَيانُ سَبَبِ انْتِفاءِ الفَسادِ اهَـ.
وفِيهِ بَحْثٌ يَدْفَعُ بِالعِنايَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ نَحْوَ هَذا القَوْلِ فَقَدْ قالَ الشَّلُوبِينُ، وابْنُ عُصْفُورٍ: إنَّ لَوْ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ بَيْنَ الحُصُولَيْنِ في الماضِي مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى امْتِناعِ الأوَّلِ والثّانِي كَما أنَّ إنَّ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ في الِاسْتِقْبالِ والظّاهِرُ أنَّ خُصُوصِيَّةَ المُضِيِّ ها هُنا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.
وزَعَمَ بَعْضُهم: أنَّ لَوْ هُنا لِانْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ كَما هو المَشْهُورُ فِيها ويَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن دَقَّقَ النَّظَرَ، ثُمَّ إنَّ العَلّامَةَ قالَ في شَرْحِ العَقائِدِ: إنَّ الحُجَّةَ إقْناعِيَّةٌ والمُلازَمَةَ عادِيَّةٌ عَلى ما هو اللّائِقُ بِالخِطابِيّاتِ فَإنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِوُقُوعِ التَّمانُعِ والتَّغالُبِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الحاكِمِ وإلّا فَإنْ أُرِيدَ الفَسادُ بِالفِعْلِ أيْ خُرُوجُهُما عَنْ هَذا النِّظامِ المُشاهَدِ فَمُجَرَّدُ التَّعَدُّدِ لا يَسْتَلْزِمُهُ لِجَوازِ الِاتِّفاقِ عَلى هَذا النِّظامِ وإنْ أُرِيدَ إمْكانُ الفَسادِ فَلا دَلِيلَ عَلى انْتِفائِهِ بَلِ النُّصُوصُ شاهِدَةٌ بِطَيِّ السَّماواتِ ورَفْعِ هَذا النِّظامِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا لا مَحالَةَ.
وكَذا لَوْ أُرِيدَ بِفَسادِهِما عَدَمُ تَكَوُّنِهِما بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ فُرِضَ صانِعانِ لَأمْكَنَ بَيْنَهُما تَمانَعٌ في الأفْعالِ فَلَمْ يَكُنْ أحَدُهُما صانِعًا فَلَمْ يُوجَدْ مَصْنُوعٌ لا تَكُونُ المُلازَمَةُ قَطْعِيَّةً لِأنَّ إمْكانَ التَّمانُعِ لا يَسْتَلْزِمُ إلّا عَدَمَ تَعَدُّدِ الصّانِعِ وهو لا يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ المَصْنُوعِ عَلى أنَّهُ يُرَدُّ مَنعُ المُلازَمَةِ إنْ أُرِيدَ عَدَمُ التَّكَوُّنِ بِالفِعْلِ ومَنعُ انْتِفاءِ اللّازِمِ إنْ أُرِيدَ بِالإمْكانِ انْتَهى.
فَنُفِيَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ بُرْهانًا سَواءٌ حُمِلَ الفَسادُ عَلى الخُرُوجِ عَنِ النِّظامِ أوْ عَلى عَدَمِ التَّكَوُّنِ، وفِيهِ قَدْحٌ لِما أشارَ إلَيْهِ في شَرْحِ المَقاصِدِ مِن كَوْنِ كَوْنِها بُرْهانًا عَلى الثّانِي فَإنَّهُ بَعْدَ ما قَرَّرَ بُرْهانَ التَّمانُعِ قالَ: وهَذا البُرْهانُ يُسَمّى بُرْهانَ التَّمانُعِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ ﴾ فَإنْ أُرِيدَ عَدَمُ التَّكَوُّنِ فَتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ تَعَدَّدَ الآلِهَةُ لَمْ تَتَكَوَّنِ السَّماءُ والأرْضُ لَأنَّ تَكَوُّنَهُما إمّا بِمَجْمُوعِ القُدْرَتَيْنِ أوْ بِكُلٍّ مِنهُما أوْ بِأحَدِهِما والكُلُّ باطِلٌ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مِن شَأْنِ الإلَهِ كَمالُ القُدْرَةِ وأمّا الأخِيرانِ فَلِما مَرَّ مِنَ التَّوارُدِ والرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ، وإنْ أُرِيدَ بِالفَسادِ الخُرُوجُ عَمّا هُما عَلَيْهِ مِنَ النِّظامِ فَتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَتِ الآلِهَةُ لَكانَ بَيْنَهُما التَّنازُعُ والتَّغالُبُ وتَمْيِيزُ صَنِيعِ كُلٍّ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِحُكْمِ اللُّزُومِ العادِيِّ فَلَمْ يَحْصُلْ بَيْنَ أجْزاءِ العالَمِ هَذا الِالتِئامِ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ صارَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ واحِدٍ ويَخْتَلُّ أمْرُ النِّظامِ الَّذِي فِيهِ بَقاءُ الأنْواعِ وتَرَتُّبُ الآثارِ انْتَهى، وذَلِكَ القَدْحُ بِأنْ يُقالَ: تَعَدُّدُ الإلَهِ لا يَسْتَلْزِمُ التَّمانُعَ بِالفِعْلِ بِطَرِيقِ إرادَةِ كُلٍّ مِنهُما وُجُودَ العالَمِ بِالِاسْتِقْلالِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةِ قُدْرَةِ الآخَرِ بَلْ إمْكانُ ذَلِكَ التَّمانُعِ والإمْكانُ لا يَسْتَلْزِمُ الوُقُوعَ فَيَجُوزُ أنْ لا يَقَعَ بَلْ يَتَّفِقانِ عَلى الإيجادِ بِالِاشْتِراكِ أوْ يُفَوِّضُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وبَحَثَ فِيهِ المَوْلى الخَيالِيُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا ثُمَّ قالَ: التَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ أنَّهُ إنْ حُمِلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى نَفْيِ تَعَدُّدِ الصّانِعَ مُطْلَقًا فَهي حُجَّةٌ إقْناعِيَّةٌ لَكِنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ تَعَدُّدِ الصّانِعِ المُؤَثِّرِ في السَّماءِ والأرْضِ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الكَوْنِ فِيهِما التَّمَكُّنَ فِيهِما بَلِ التَّصَرُّفُ والتَّأثُّرُ فالحَقُّ أنَّ المُلازَمَةَ قَطْعِيَّةٌ إذِ التَّوارُدُ باطِلٌ فَتَأْثِيرُهُما إمّا عَلى سَبِيلِ الِاجْتِماعِ أوِ التَّوْزِيعِ فَيَلْزَمُ انْعِدامُ الكُلِّ أوِ البَعْضِ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِ أحَدِهِما صانِعًا لِأنَّهُ جُزْءُ عِلَّةٍ أوْ عِلَّةٌ تامَّةٌ فَيَفْسَدُ العالَمُ أيْ لا يُوجَدُ هَذا المَحْسُوسُ كُلًّا أوْ بَعْضًا، ويُمْكِنُ أنْ تُوَجَّهَ المُلازَمَةُ بِحَيْثُ تَكُونُ قَطْعِيَّةً عَلى الإطْلاقِ وهو أنْ يُقالَ: لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ لَمْ يَكُنِ العالَمُ مُمْكِنًا فَضْلًا عَنِ الوُجُودِ وإلّا لَأمْكَنَ التَّمانُعُ بَيْنَهُما المُسْتَلْزِمُ لِلْمُحالِ لِأنَّ إمْكانَ التَّمانُعِ لازِمٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّعَدُّدِ وإمْكانُ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَإذا فُرِضَ التَّعَدُّدِ يَلْزَمُ أنْ لا يُمْكِنُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ حَتّى لا يُمْكِنَ التَّمانُعُ المُسْتَلْزِمُ لِلْمُحالِ انْتَهى.
وأوْرَدَ الفاضِلُ الكَلَنْبَوِيُّ عَلى الأوَّلِ خَمْسَةَ أبْحاثٍ فِيها الغَثُّ والسَّمِينُ ثُمَّ قالَ: فالحَقُّ أنَّ تَوْجِيهَهُ الثّانِيَ لِقَطْعِيَّةِ المُلازَمَةِ صَحِيحٌ دُونَ الأوَّلِ، ولِلْعَلّامَةِ الدَّوانِيِّ كَلامٌ في هَذا المَقامِ قَدْ ذَكَرَ الفاضِلُ المَذْكُورُ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ لِلتَّمانُعِ عِنْدَهم مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما إرادَةُ أحَدِ القادِرِينَ وُجُودَ المَقْدُورِ والآخَرِ عَدَمَهُ وهو المُرادُ بِالتَّمانُعِ في البُرْهانِ المَشْهُورِ بِبُرْهانِ التَّمانُعِ، وثانِيهِما إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما إيجادَهُ بِالِاسْتِقْلالِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةِ قُدْرَةِ الآخَرِ فِيهِ وهو التَّمانُعُ الَّذِي اعْتَبَرُوهُ في امْتِناعِ مَقْدُورٍ بَيْنَ قادِرِينَ، وقَوْلُهم: لَوْ تَعَدَّدَ الإلَهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنَ المُمْكِناتِ لِاسْتِلْزامِهِ أحَدَ المُحالَيْنِ إمّا وُقُوعُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قادِرِينَ وإمّا التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجَّحٍ مَبْنِيٍّ عَلى هَذا، وحاصِلُ البُرْهانِ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ وُجِدَ إلَهانِ قادِرانِ عَلى الكَمالِ لَأمْكَنَ بَيْنَهُما تُمانُعٌ واللّازِمُ باطِلٌ إذْ لَوْ تُمانَعا وأرادَ كُلٌّ مِنهُما الإيجادَ بِالِاسْتِقْلالِ يَلْزَمُ إمّا أنْ لا يَقَعَ مَصْنُوعٌ أصْلًا أوْ يَقَعَ بِقُدْرَةِ كُلٍّ مِنهُما أوْ بِأحَدِهِما والكُلُّ باطِلٌ ووُقُوعُهُ بِمَجْمُوعِ القُدْرَتَيْنِ مَعَ هَذِهِ الإرادَةِ يُوجِبُ عَجْزَهُما لِتَخْلُّفِ مُرادِ كُلٍّ مِنهُما عَنْ إرادَتِهِ فَلا يَكُونانِ إلَهَيْنِ قادِرَيْنِ عَلى الكَمالِ وقَدْ فُرِضا كَذَلِكَ ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ التَّعَدُّدِ لَوْ وُجِدَ مَصْنُوعٌ لَزِمَ إمْكانُ أحَدِ المُحالَيْنِ إمّا إمْكانُ التَّوارُدِ وإمّا إمْكانُ الرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ والكُلُّ مُحالٌ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ مَعَ حَمْلِ الفَسادِ عَلى عَدَمِ الكَوْنِ قِيلَ بِقَطْعِيَّةِ المُلازَمَةِ في الآيَةِ فَهي دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ مِن وجْهٍ ودَلِيلٌ قَطْعِيٌّ مِن وجْهٍ آخَرَ والأوَّلُ أنْسَبُ إلى العَوامِّ والثّانِي بِالنِّسْبَةِ إلى الخَواصِّ، وقالَ مُصْلِحُ الدِّينِ اللّارِّيُّ بَعْدَ كَلامٍ طَوِيلٍ وقالَ وقِيلَ أقُولُ أُقَرِّرُ الحُجَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى وجْهٍ أوْجَهَ مِمّا عَداهُ وهو أنَّ الإلَهَ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ، وواجِبُ الوُجُودِ وجُودُهُ عَيْنُ ذاتِهِ عِنْدَ أرْبابِ التَّحْقِيقِ إذْ لَوْ غايَرَهُ لَكانَ مُمْكِنًا لِاحْتِياجِهِ في مَوْجُودِيَّتِهِ إلى غَيْرِهِ الَّذِي هو الوُجُودُ فَلَوْ تَعَدَّدَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ وُجُودًا فَلا تَكُونُ الأشْياءُ مَوْجُودَةً لِأنَّ مَوْجُودِيَّةَ الأشْياءِ بِارْتِباطِها بِالوُجُودِ فَظَهْرَ فَسادُ السَّماءِ والأرْضِ بِالمَعْنى الظّاهِرِ لا بِمَعْنى عَدَمِ التَّكَوُّنِ لِأنَّهُ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إرادَةَ عَدَمِ التَّكَوُّنِ أظْهَرُ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ، ثُمَّ إنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الحُكَماءُ بَلْ أكْثَرُ بَراهِينِهِمُ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أجَلُّ المَطالِبِ الإلَهِيَّةِ بَلْ جَمِيعُها يَتَوَقَّفُ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الواجِبِ تَعالى هو الوُجُودُ البَحْتُ القائِمُ بِذاتِهِ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالوُجُوبِ الذّاتِيِّ والوُجُودِ المُتَأكِّدِ وأنَّ ما يَعْرِضُهُ الوُجُوبُ أوِ الوُجُودُ فَهو في حَدِّ نَفْسِهِ مُمْكِنٌ ووُجُودُهُ كَوُجُوبِهِ يُسْتَفادُ مِنَ الغَيْرِ فَلا يَكُونُ واجِبًا ومِن أشْهَرِها أنَّهُ لَوْ فَرَضْنا مَوْجُودَيْنِ واجِبِي الوُجُودِ لَكانا مُشْتَرِكَيْنِ في وُجُوبِ الوُجُودِ ومُتَغايِرَيْنِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ وإلّا لَمْ يَكُونا اثْنَيْنِ، وما بِهِ الِامْتِيازُ إمّا أنْ يَكُونَ تَمامَ الحَقِيقَةِ أوْ جُزْءَها لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِأنَّ الِامْتِيازَ لَوْ كانَ بِتَمامِ الحَقِيقَةِ لَكانَ وُجُوبُ الوُجُودِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما خارِجًا عَنْ حَقِيقَةِ كُلٍّ مِنهُما أوْ عَنْ حَقِيقَةِ أحَدِهِما وهو مُحالٌ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ نَفْسُ حَقِيقَةِ واجِبِ الوُجُودِ لِذاتِهِ، ولا سَبِيلَ إلى الثّانِي لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَكُونُ مُرَكَّبًا مِمّا بِهِ الِاشْتِراكُ وما بِهِ الِامْتِيازُ وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْتاجٌ فَلا يَكُونُ واجِبًا لِإمْكانِهِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الواجِبَيْنِ أوْ أحَدِهِما مُمْكِنًا هَذا خُلْفٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ وُجُوبُ الوُجُودِ نَفْسُ حَقِيقَةِ واجِبِ الوُجُودِ أنَّهُ يَظْهَرُ مِن نَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ أثَرُ صِفَةِ وُجُوبِ الوُجُودِ لا أنَّ تِلْكَ الحَقِيقَةَ عَيْنُ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلا يَكُونُ اشْتِراكُ مَوْجُودَيْنِ واجِبِي الوُجُودِ في وُجُوبِ الوُجُودِ إلّا أنْ يَظْهَرَ مِن نَفْسِ كُلٍّ مِنهُما أثَرُ صِفَةِ الوُجُوبِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ اشْتِراكِهِما في وُجُوبِ الوُجُودِ وتَمايُزِهِما بِتَمامِ الحَقِيقَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ العَيْنِيَّةُ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ إنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ عَيْنُ حَقِيقَةِ الواجِبِ هو أنَّ ذاتَهُ بِنَفْسِ ذاتِهِ مِصْداقُ هَذا الحُكْمِ ومَنشَأُ انْتِزاعِهِ مِن دُونِ انْضِمامِ أمْرٍ آخَرَ ومِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ حَيْثِيَّةٍ أُخْرى غَيْرِ ذاتِهِ تَعالى أيَّةُ حَيْثِيَّةٍ كانَتْ حَقِيقِيَّةً أوْ إضافِيَّةً أوْ سَلْبِيَّةً، وكَذَلِكَ قِياسُ سائِرِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِعَيْنِيَّتِها مِن أهْلِ التَّحْقِيقِ، وتَوْضِيحُ ذَلِكَ عَلى مَشْرَبِهِمْ أنَّكَ كَما قَدْ تَعْقِلُ المُتَّصِلَ مَثَلًا نَفْسُ المُتَّصِلِ كالجُزْءِ الصُّورِيِّ لِلْجِسْمِ مِن حَيْثُ هو جِسْمٌ وقَدْ تَعْقِلُ شَيْئًا ذَلِكَ الشَّيْءُ هو المُتَّصِلُ كالمادَّةِ فَكَذَلِكَ قَدْ تَعْقِلُ واجِبَ الوُجُودِ بِما هو واجِبُ الوُجُودِ وقَدْ تَعْقِلُ شَيْئًا ذَلِكَ الشَّيْءُ هو واجِبُ الوُجُودِ ومِصْداقُ الحُكْمِ بِهِ ومُطابِقُهُ في الأوَّلِ حَقِيقَةُ المَوْضُوعِ وذاتُهُ فَقَطْ، وفي الثّانِي هي مَعَ حَيْثِيَّةٍ أُخْرى هي صِفَةٌ قائِمَةٌ بِالمَوْضُوعِ حَقِيقِيَّةً أوِ انْتِزاعِيَّةً وكُلُّ واجِبِ الوُجُودِ لَمْ يَكُنْ نَفْسَ واجِبِ الوُجُودِ بَلْ يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةٌ تِلْكَ الحَقِيقَةُ مُتَّصِفَةٌ بِكَوْنِها واجِبَةَ الوُجُودِ فَفي اتِّصافِها تَحْتاجُ إلى عُرُوضِ هَذا الأمْرِ وإلى جاعِلٍ يَجْعَلُها بِحَيْثُ يَنْتَزِعُ مِنها هَذا الأمْرَ فَهي في حَدِّ ذاتِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ وبِهِ صارَتْ واجِبَةَ الوُجُودِ فَلا تَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ بِذاتِهِ فَهو نَفْسُ واجِبِ الوُجُودِ بِذاتِهِ ولْيُقَسْ عَلى ذَلِكَ سائِرُ صِفاتِهِ تَعالى الحَقِيقِيَّةِ الكَمالِيَّةِ كالعِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِهِما.
واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما بِهِ الِامْتِيازُ أمْرًا عارِضًا لا مُقَوَّمًا حَتّى يَلْزَمَ التَّرْكِيبُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ التَّعَيُّنُ عارِضًا وهو خِلافُ ما ثَبَتَ بِالبُرْهانِ، ولِابْنِ كَمُّونَةَ في هَذا المَقامِ شُبْهَةٌ شاعَ أنَّها عَوِيصَةُ الدَّفْعِ عَسِيرَةُ الحَلِّ حَتّى أنَّ بَعْضَهم سَمّاهُ لِإبْدائِها بِافْتِخارِ الشَّياطِينِ وهي أنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ هُوِيَّتانِ بَسِيطَتانِ مَجْهُولَتا الكُنْهِ مُخْتَلِفَتانِ بِتَمامِ الماهِيَّةِ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما واجِبًا بِذاتِهِ ويَكُونُ مَفْهُومُ واجِبِ الوُجُودِ مُنْتَزَعًا مِنهُما مَقُولًا عَلَيْها قَوْلًا عَرَضِيًّا، وقَدْ رَأيْتَ في مُلَخَّصِ الإمامِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ نَحْوَها، ولَعَلَّكَ إذا أحَطْتَ خَبَرًا بِحَقِيقَةِ ما ذَكَرْنا يَسْهُلُ عَلَيْكَ حَلُّها وإنْ أرَدْتَ التَّوْضِيحَ فاسْتَمِعْ لِما قِيلَ في ذَلِكَ إنَّ مَفْهُومَ واجِبِ الوُجُودِ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ انْتِزاعُهُ عَنْ نَفْسِ ذاتِ كُلٍّ مِنهُما مِن دُونِ اعْتِبارِ حَيْثِيَّةٍ خارِجَةٍ أيَّةُ حَيْثِيَّةٍ كانَتْ أوْ مَعَ اعْتِبارِ تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وكِلا الشِّقَّيْنِ مُحالٌ، أمّا الثّانِي فَلِما تَقَرَّرَ أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَكُنْ ذاتُهُ مُجَرَّدَ حَيْثِيَّةِ انْتِزاعِ الوُجُوبِ فَهو مُمْكِنٌ مِن ذاتِهِ، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مِصْداقَ حَمْلِ مَفْهُومٍ واحِدٍ ومُطابِقٍ صِدْقُهُ بِالذّاتِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أيَّةِ حَيْثِيَّةٍ كانَتْ لا يُمْكِنُ أنْ يُكَوِّنَ حَقائِقَ مُتَخالِفَةً مُتَبايِنَةً بِالذّاتِ غَيْرَ مُشْتَرِكَةٍ في ذاتِي أصْلًا، ولَعَلَّ كُلَّ سَلِيمِ الفِطْرَةِ يَحْكُمُ بِأنَّ الأُمُورَ المُتَخالِفَةَ مِن حَيْثُ كَوْنُها مُتَخالِفَةً بِلا حَيْثِيَّةٍ جامِعَةٍ لا تَكُونُ مِصْداقًا لِحُكْمٍ واحِدٍ ومَحْكِيًّا عَنْها بِهِ نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ إذا كانَتْ تِلْكَ الأُمُورُ مُتَماثِلَةً مِن جِهَةِ كَوْنِها مُتَماثِلَةً ولَوْ في أمْرٍ سَلْبِيٍّ بَلْ نَقُولُ لَوْ نَظَرْنا إلى نَفْسِ مَفْهُومِ الوُجُودِ المَصْدَرِيِّ المَعْلُومِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بَدِيهَةً أدّانا النَّظَرُ والبَحْثُ إلى أنَّ حَقِيقَتَهُ وما يُنْتَزَعُ هو مِنهُ أمْرٌ قائِمٌ بِذاتِهِ هو الواجِبُ الحَقُّ الوُجُودُ المُطْلَقُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ عُمُومٌ ولا خُصُوصٌ ولا تَعَدُّدٌ إذْ كَلُّ ما وُجُودُهُ هَذا الوُجُودِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ آخَرَ لَهُ أيْضًا هَذا الوُجُودُ فَرْضًا مُبايَنَةٌ أصْلًا ولا تَغايُرٌ فَلا يَكُونُ اثْنانِ بَلْ يَكُونُ هُناكَ ذاتٌ واحِدَةٌ ووُجُودٌ واحِدٌ كَما لَوَّحَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّلْوِيحاتِ بِقَوْلِهِ: صَرِّفِ الوُجُودَ الَّذِي لا أتَمَّ مِنهُ كُلَّما فَرَضْتَهُ ثانِيًا فَإذا نَظَرْتَ فَهو هو إذْ لا مَيْزَ في صَرْفِ شَيْءٍ فَوُجُوبُ وُجُودِهِ تَعالى الَّذِي هو ذاتُهُ سُبْحانَهُ تَدُلُّ عَلى وحْدَتِهِ جَلَّ وعَلا انْتَهى فَتَأمَّلْ.
ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ أكْثَرَ البَراهِينِ عَلى هَذا المَطْلَبِ الجَلِيلِ الشَّأْنِ يُمْكِنُ تَخْرِيجُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ ويُحْمَلُ حِينَئِذٍ الفَسادُ عَلى عَدَمِ التَّكَوُّنِ فَعَلَيْكَ بِالتَّخْرِيجِ وإنْ أحْوَجَكَ إلى بَعْضِ تَكَلُّفٍ وإيّاكَ أنْ تَقْنَعَ بِجَعْلِها حُجَّةً إقْناعِيَّةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ فَإنَّ هَذا المَطْلَبَ الجَلِيلَ أجَلُّ مِن أنْ يُكْتَفى فِيهِ بِالإقْناعاتِ المَبْنِيَّةِ عَلى الشُّهْرَةِ والعادَةِ، ولِصاحِبِ الكَشْفِ طابَ ثَراهُ كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ في هَذا المَقامِ سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كَما اخْتارَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ ثُمَّ لا تَتَوَهَّمَنَّ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ الِاثْنَيْنِ والواحِدِ لِأنَّ نَفْيَ آلِهَةٍ تُغايِرُ الواحِدَ المُعِيَّنَ شَخْصًا يَسْتَلْزِمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ مِنهم يُغايِرُهُ شَخْصًا وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِ واحِدٍ يُغايِرُ المُعَيَّنَ في الشَّخْصِ عَلى أنَّهُ طُوبِقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ ﴾ وقِيامُ المُلازَمَةِ كافٍ في نَفْيِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ أيْضًا واسْتُشْكِلَ سِياقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّها إنَّما سِيقَتْ لِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ ﴾ لِذِكْرِها بَعْدَهُ، وهي لا تُبْطِلُ إلّا تَعَدُّدَ الإلَهِ الخالِقِ القادِرِ المُدَبِّرِ التّامِّ الأُلُوهِيَّةَ وهو غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ عِنْدَ المُشْرِكِينَ، ( ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [لُقْمانَ: 25، الزُّمَرَ: 38] وهم يَقُولُونَ في آلِهَتِهِمْ ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ فَما قالُوا بِهِ لا تُبْطِلُهُ الآيَةُ وما تُبْطِلُهُ الآيَةُ لَمْ يَقُولُوا بِهِ ومِن هُنا قِيلَ مَعْنى الآيَةِ لَوْ كانَ في السَّماءِ والأرْضِ آلِهَةٌ كَما يَقُولُ عَبَدَةُ الأوْثانِ: لَزِمَ فَسادُ العالَمِ لِأنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ الَّتِي يَقُولُونَ بِها جَماداتٌ لا تَقْدِرُ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ فَيَلْزَمُ فَسادُ العالَمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا ﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِلزَّجْرِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنْ لَمْ تَكُنْ لَها الأُلُوهِيَّةُ التّامَّةُ لِأنَّ العِبادَةَ إنَّما تَلِيقُ لِمَن لَهُ ذَلِكَ وبَعْدَ الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ مَن لَهُ ما ذُكِرَ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا عَلى أنَّ شَرْحَ اسْمِ الإلَهِ هو الواجِبُ الوُجُودَ لِذاتِهِ الحَيُّ العالِمُ المُرِيدُ القادِرُ الخالِقُ المُدَبِّرُ فَمَتى أطْلَقُوهُ عَلى شَيْءٍ لَزِمَهم وصْفُهُ بِذَلِكَ شاؤُوا أوْ أبَوْا فالآيَةُ لِإبْطالِ ما يَلْزَمُ قَوْلُهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ أيْ نَزِّهُوهُ أكْمَلَ تَنْزِيهٍ عَنْ أنْ يَكُونَ مِن دُونِهِ تَعالى آلِهَةٌ كَما يَزْعُمُونَ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَهُ عَلى ما قَبْلَها مِن ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ، وإبْرازِ الجَلالَةِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مَناطٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَنَزُّهُهُ تَعالى عَنِ الشَّرِكَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، والوَصْفُ بِرَبِّ العَرْشِ لِتَأْكِيدِ التَّنَزُّهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ الأمْرِ بِالتَّنْزِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّعْجِيبِ مِمَّنْ عَبَدَ تِلْكَ المَعْبُوداتِ الخَسِيسَةَ وعَدَّها شَرِيكًا مَعَ وُجُودِ المَعْبُودِ العَظِيمِ الخالِقِ لِأعْظَمِ الأشْياءِ، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا كالنَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدَّلِيلِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِن إثْباتِ تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ المُتَضَمِّنِ تَوَحُّدَهُ تَعالى في الخَلْقِ والتَّصَرُّفِ ووَصْفِ الكَفَرَةِ إيّاهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ كَأنَّهُ قِيلَ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الإلَهُ الخالِقُ المُتَصَرِّفُ فَلِمَ خَلَقَ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ولَمْ يَصْرِفْهم عَمّا يَقُولُونَ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يُسْألُ ﴾ إلَخْ وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إذْ هو حَكِيمٌ مُطْلَقٌ لا يَفْعَلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ ﴿ وهم يُسْألُونَ ﴾ عَمّا يَفْعَلُونَ ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ، وهَذا الحُكْمُ في حَقِّهِ تَعالى عامٌّ لِجَمِيعِ أفْعالِهِ سُبْحانَهُ ويَنْدَرِجُ فِيهِ خَلْقُ الكَفَرَةِ وإيجادُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، ووَجْهُ حَلِّ السُّؤالِ النّاشِئِ مِمّا تَقَدَّمَ بِناءً عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ هَذا الجَوابُ الإجْمالِيُّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكَفَرَةَ بَلْ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ عَلى حَسَبِ ما عَلِمَهم مِمّا هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ لِأنَّ الخَلْقَ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ والإرادَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالعِلْمِ والعِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الأزَلِيُّ، وقَدْ يُشِيرُ إلى بَعْضِ ذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِن أبْياتٍ: خَلَقْتَ العِبادَ عَلى ما عَلِمْتَ فَفي العِلْمِ يَجْرِي الفَتى والمُسِنُّ ثُمَّ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ كَلَّفَهم لِاسْتِخْراجِ سِرِّ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ اللَّذَيْنِ في اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ وأرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِتَتَحَرَّكَ الدَّواعِي ويَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ولا يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلى اللَّهِ تَعالى اعْتِراضٌ بِخَلْقِ الكافِرِ وإنَّما يَتَوَجَّهُ الِاعْتِراضُ عَلى الكافِرِ بِكُفْرِهِ حَيْثُ إنَّهُ مِن تَوابِعِ اسْتِعْدادِهِ في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ، وقَدْ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «(فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ )» وهَذا وإنْ كانَ مِمّا فِيهِ قِيلَ وقالَ ونِزاعٌ وجِدالٌ إلّا أنَّهُ مِمّا ارْتَضاهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ والأجِلَّةِ العارِفِينَ، وقالَ البَعْضُ: إنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ بَيانِ أنَّهُ تَعالى لِقُوَّةِ عَظَمَتِهِ الباهِرَةِ وعِزَّةِ سَلْطَنَتِهِ القاهِرَةِ بِحَيْثُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ أنْ يُناقِشَهُ ويَسْألَهُ عَمّا يَفْعَلُ مِن أفْعالِهِ أثَرُ بَيانِ أنْ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ، وضَمِيرُ (هم ) لِلْعِبادِ أيْ والعِبادُ يُسْئَلُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا لِأنَّهم مَمْلُوكُونَ لَهُ تَعالى مُسْتَعْبَدُونَ، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ النَّفْيِ جَمِيعَ الأزْمانِ أيْ لا يُسْألُ سُبْحانَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عَمّا يَفْعَلُ، وخَصَّ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِيَوْمِ القِيامَةِ والأوَّلُ أوْلى وإنْ كانَ أمْرُ الوَعِيدِ عَلى هَذا أظْهَرَ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ والغاياتِ فَلا يُقالُ فَعَلَ كَذا لِكَذا إذْ لَوْ كانَتْ مُعَلَّلَةً لَكانَ لِلْعَبْدِ أنْ يَسْألَ فَيَقُولُ لِمَ فَعَلَ ؟
وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأشاعِرَةُ ولَهم عَلَيْهِ أدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أيْضًا وأوَّلُوا ما ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ بِالحَمْلِ عَلى المَجازِ أوْ جَعْلِ الأداةِ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، ومَذْهَبُ الماتُرِيدِيَّةِ كَما في شَرْحِ المَقاصِدِ والمُعْتَزِلَةِ أنَّها تُعَلَّلُ بِذَلِكَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ كَما قالَ الوَفِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ العَلّامَةُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ الدِّمَشْقِيُّ الحَنْبَلِيُّ المَعْرُوفُ بِابْنِ القِيِّمِ في كِتابِ شِفاءُ العَلِيلِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى ومَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ هي الغايَةُ المَقْصُودَةُ بِالفِعْلِ بَلْ أفْعالُهُ سُبْحانَهُ صادِرَةٌ عَنْ حِكْمَةٍ بالِغَةٍ لِأجْلِها فَعَلَ، وقَدْ دَلَّ كَلامُهُ تَعالى وكَلامُ رَسُولِهِ عَلى هَذا في مَواضِعَ لا تَكادُ تُحْصى ولا سَبِيلَ إلى اسْتِيعابِ أفْرادِها فَنَذْكُرُ بَعْضَ أنْواعِها وساقَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ نَوْعًا في بِضْعَةَ عَشْرَةَ ورَقَةً ثُمَّ قالَ: لَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أمْثالُنا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ وأمْرِهِ لَزادَ ذَلِكَ عَلى عَشْرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ ثُمَّ قالَ: وهَلْ إبْطالُ الحِكَمِ والمُناسَباتِ والأوْصافِ الَّتِي شُرِعَتِ الأحْكامُ لِأجْلِها إلّا إبْطالُ الشَّرْعِ جُمْلَةً ؟
وهَلْ يُمْكِنُ فَقِيهًا عَلى وجْهِ الأرْضِ أنْ يَتَكَلَّمَ في الفِقْهِ مَعَ اعْتِقادِهِ بُطْلانَ الحِكْمَةِ والمُناسَبَةِ والتَّعْلِيلِ.
وقَصْدَ الشّارِعِ بِالأحْكامِ مَصالِحِ العِبادِ ؟
ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ هو أنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بِأسْبابٍ وحِكَمٍ وغاياتٍ مَحْمُودَةٍ، وقَدْ أُودِعَ العالَمُ مِنَ القُوى والغَرائِزِ ما بِهِ قامَ الخَلْقُ والأمْرُ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ الإسْلامِ.
وأكْثَرِ طَوائِفِ النُّظّارِ وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ قاطِبَةً اهَـ.
والظّاهِرُ أنَّ ابْنَ القِيِّمِ وأضْرابَهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى لا يَجْعَلُونَ كالأشاعِرَةِ المُخَصَّصَ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالوُقُوعِ مَحْضَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ ومُحَقِّقُو المُعْتَزِلَةِ كَأبِي الحَسَنِ والنِّظامِ والجاحِظِ والعَلّافِ وأبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ، وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ العِلْمَ بِتَرَتُّبِ النَّفْعِ عَلى إيجادِ النّافِعِ هو المُخَصَّصُ لِلنّافِعِ بِالوُقُوعِ ويُسَمُّونَ ذَلِكَ العِلْمَ بِالدّاعِي وهو الإرادَةُ عِنْدَهم.
وأُورِدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الواجِبَ تَعالى مُوجِبٌ في تَعَلُّقِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَلَوْ كانَ المُخَصَّصُ المُوجِبُ لِلْوُقُوعِ هو العِلْمُ بِالنَّفْعِ كانَ ذَلِكَ المُخَصَّصُ لازِمًا لِذاتِهِ تَعالى فَيَكُونُ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ واجِبًا لِأمْرٍ خارِجٍ ضَرُورِيٍّ لِلْفاعِلِ وهو يُنافِي الِاخْتِيارَ بِالمَعْنى الأخَصِّ قَطْعًا فَلا يَكُونُ الواجِبُ مُخْتارًا بِهَذا المَعْنى بَلْ يُؤَوَّلُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ مِنَ الِاخْتِيارِ المُجامِعِ لِلْإيجابِ، ولا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ المُخَصَّصَ هو تَعَلُّقُ الإرادَةِ الأزَلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ غَيْرُ لازِمٍ لِذاتِ الواجِبِ تَعالى وإنْ كانَ أزَلِيًّا دائِمًا لِإمْكانِ تَعَلُّقِها بِالضِّدِّ الآخَرِ بَدَلَ الضِّدِّ الواقِعِ، نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ما يَصْعُبُ التَّقَصِّي عَنْهُ مِمّا هُوَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ، وأُورِدَ نَظِيرُ ما ذُكِرَ عَلى الحَنَفِيَّةِ فَإنَّهم ذَهَبُوا إلى التَّعْلِيلِ وجَعَلُوا العِلْمَ بِتَرَتُّبِ المَصالِحِ عِلَّةً لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِالوُقُوعِ فَلا يَتَسَنّى لَهُمُ القَوْلُ بِكَوْنِ الواجِبِ تَعالى مُخْتارًا بِالمَعْنى الأخَصِّ لِأنَّ الذّاتَ يُوجِبُ العِلْمَ والعِلْمَ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الإرادَةِ وتَعَلُّقَ الإرادَةِ يُوجِبُ الفِعْلَ ولا مُخَلِّصَ إلّا بِأنْ يُقالَ: إنَّ إيجابَ العِلْمِ بِالنَّفْعِ والمَصْلَحَةِ لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهم بَلْ هو مُرَجَّحٌ تَرْجِيحًا غَيْرَ بالِغٍ إلى حَدِّ الوُجُوبِ وما قِيلَ إذا لَمْ يَبْلُغِ التَّرْجِيحُ إلى حَدِّ الوُجُوبِ جازَ وُقُوعُ الرّاجِحِ في وقْتٍ وعَدَمُ وُقُوعِهِ في وقْتٍ آخَرَ مَعَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ فَإنْ كانَ اخْتِصاصُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ بِالوُقُوعِ بِانْضِمامِ شَيْءٍ آخَرَ إلى ذَلِكَ المُرَجَّحِ لَمْ يَكُنِ المُرَجَّحُ مُرَجَّحًا وإلّا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ بَلْ يُلْزِمُ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ عَدَمُهُ في الوَقْتِ الآخَرِ لِأنَّ الوُقُوعَ كانَ راجِحًا بِذَلِكَ المُرَجَّحِ فَمَدْفُوعٌ بِوَجْهَيْنِ إلّا أنَّهُ إنَّما يَجْرِي في العِلَّةِ التّامَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَعْلُولِها لا في الفاعِلِ المُخْتارِ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِهِ فَإنَّهُ إنْ أُرِيدَ لُزُومُ الرُّجْحانِ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ كَما هو اللّازِمُ في العِلَّةِ التّامَّةِ فَعَدَمُ اللُّزُومِ ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ التَّرْجِيحُ مِن غَيْرِ مُرَجَّحٍ فَبُطْلانُ اللّازِمِ في الفاعِلِ المُخْتارِ مَمْنُوعٌ وإلّا فَما الفَرْقُ بَيْنَ الفاعِلِ المُوجِبِ والمُخْتارِ، الثّانِي أنَّ المُرَجَّحَ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ رُبَّما لا يَكُونُ مُرَجَّحًا بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتٍ آخَرَ بَلْ مُنافِيًا لِلْمَصْلَحَةِ فَلا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ أحَدِ المُتَساوِيَيْنِ أوِ المَرْجُوحِ في وقْتٍ آخَرَ بَلْ يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الرّاجِحِ في كُلِّ وقْتٍ وهو تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِالأوْقاتِ فَتَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِوُقُوعِ كُلِّ مُمْكِنٍ في وقْتٍ لِتُرَتِّبَ المَصالِحَ اللّائِقَةَ بِذَلِكَ الوَقْتِ عَلى عَدَمِهِ فَلا إشْكالَ، وهَذا هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الأوَّلِ أنَّ تَرْجِيحَ المَرْجُوحِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ الواجِبِ الحَكِيمِ وإنْ جازَ في حَقِّ غَيْرِهِ مِن أفْرادِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ.
هَذا ووَقَعَ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِالأغْراضِ والغاياتِ ومُرادُهم عَلى ما قالَهُ بَعْضُهم نَفْيُ التَّعْلِيلِ عَنْ فِعْلِهِ سُبْحانَهُ بِما هو غَيْرُ ذاتِهِ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ تامُّ الفاعِلِيَّةِ لا يُتَوَقَّفُ فِيها عَلى غَيْرِهِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الغايَةِ والغَرَضِ عَنْ فِعْلِهِ تَعالى مُطْلَقًا ولِذا صَحَّ أنْ يَقُولُوا عِلْمُهُ تَعالى بِنِظامِ الخَيْرِ الَّذِي هو عَيْنُ ذاتِهِ تَعالى عِلَّةٌ غائِيَّةٌ وغَرَضٌ في الإيجادِ ومُرادُهم بِالِاقْتِضاءِ في قَوْلِهِمْ في تَعْرِيفِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ مُطْلَقُ عَدَمِ الِانْفِكاكِ لَكِنَّهم تَسامَحُوا في ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى فَهْمِ المُتَدَرِّبِ في العُلُومِ وصَرَّحُوا بِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ في المُمْكِناتِ وقَصْدٌ إلى مَنافِعِها لِأنَّ كُلَّ فاعِلٍ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ غَيْرِ ذاتِهِ فَهو فَقِيرٌ إلى ذَلِكَ الغَرَضِ مُسْتَكْمَلٌ بِهِ والمُكَمِّلُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ فَغَرَضُ الفاعِلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ما هو فَوْقَهُ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظَّنِّ ولَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِيما دُونَهُ وحُصُولُ وُجُودِ المُمْكِناتِ مِنهُ تَعالى عَلى غايَةٍ مِنَ الإتْقانِ ونِهايَةٍ مِنَ الإحْكامِ لَيْسَ إلّا لِأنَّ ذاتَهُ تَعالى ذاتٌ لا تَحْصُلُ مِنهُ الأشْياءُ إلّا عَلى أتَمِّ ما يَنْبَغِي وأبْلَغِ ما يُمْكِنُ مِنَ المَصالِحِ فالواجِبُ سُبْحانَهُ عِنْدَهم يَلْزَمُ مِن تَعَقُّلِهِ لِذاتِهِ الَّذِي هو مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وكَمالُ حُصُولِ المُمْكِناتِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ والنِّظامِ الأقْوَمِ واللَّوازِمُ غاياتٌ عَرَضِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ بِالغايَةِ ما يَقْتَضِي فاعِلِيَّةَ الفاعِلِ وذاتِيَّةً إنْ أُرِيدَ بِها ما يَتَرَتَّبُ عَلى الفِعْلِ تَرَتُّبًا ذاتِيًّا لا عَرَضِيًّا كَوُجُودِ مَبادِئِ الشَّرِّ وغَيْرِها في الطَّبائِعِ الهِيُولانِيَّةِ ثُمَّ كَما أنَّهُ تَعالى غايَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ فَهو غايَةٌ بِمَعْنى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ طالِبَةٌ لَهُ مُتَشَوِّقَةٌ إلَيْهِ طَبْعًا وإرادَةً لِأنَّهُ الخَيْرُ المَحْضُ والمَعْشُوقُ الحَقِيقِيُّ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ.
والحُكَماءُ المُتَألِّهُونَ قَدْ حَكَمُوا بِسَرَيانِ نُورِ العِشْقِ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى تَفاوُتِ طَبَقاتِها ولَوْلا ذَلِكَ ما دارَ الفَلَكُ ولا اسْتَنارَ الحَلَكُ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ قاهِرٍ وهو الأوَّلُ والآخِرُ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى مَشْرَبِ المُتَكَلِّمِينَ والفَلاسِفَةِ يُطْلَبُ مِن مَحِلِّهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ (لا يُسَلْ.
ويُسَلُونَ ) بِنَقْلِ فَتْحَةِ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ وحَذْفِها <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن إظْهارِ بُطْلانِ كَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ آلِهَةً حَقِيقِيَّةً بِإظْهارِ خُلُوِّها عَنْ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشارُ وإقامَةُ البُرْهانِ القَطْعِيِّ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ مُطْلَقًا وتَفَرُّدُهُ سُبْحانَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى بُطْلانِ اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعَ عَرائِها عَنْ تِلْكَ الخَصائِصِ بِالمَرَّةِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وتَبْكِيتُهم بِإلْجائِهِمْ إقامَةَ البُرْهانِ عَلى دَعْواهُمُ الباطِلَةِ وتَحْقِيقُ أنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ناطِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا انْتِقالًا لِإظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ مُطْلَقًا بَعْدَ إظْهارِ بُطْلانِ الآلِهَةِ الأرْضِيَّةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ واسْتِقْباحِهِ واسْتِعْظامِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِاتَّخَذُوا، والمَعْنى بَلِ اتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ تَعالى مَعَ ظُهُورِ شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ آلِهَةً مَعَ ظُهُورِ أنَّها عارِيَةٌ عَنْ خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿ قُلْ ﴾ لَهم بِطَرِيقِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ ﴿ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى ما تَدَّعُونَهُ مِن جِهَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ أوِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ القَوْلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وما في إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ لَهم بُرْهانًا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ إنارَةٌ لِبُرْهانِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ قاطِبَةً وزِيادَةُ تَهْيِيجٍ لَهم عَلى إقامَةِ البُرْهانِ لِإظْهارِ كَمالِ عَجْزِهِمْ أيْ هَذا الوَحْيُ الوارِدُ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنُ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ ذِكْرُ أُمَّتِي وعِظَتُهم وذِكْرُ الأُمَمِ السّالِفَةَ قَدْ أقَمْتُهُ فَأقِيمُوا أنْتُمْ أيْضًا بُرْهانَكم، وأُعِيدَ لَفْظُ ( ذِكْرُ ) ولَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ المُسْتَدْعِي لِلِانْسِحابِ لِأنَّ كَوْنَ المُشَخَّصِ ذِكْرَ مَن مَعَهُ وكَوْنَهُ ذِكْرَ مَن قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ اتِّحادِهِ بِالحَقِيقَةِ مَعَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الكِتابُ أيْ هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَّتِي وهَذا كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ والصُّحُفِ فَراجِعُوها وانْظُرُوا هَلْ في واحِدٍ مِنها غَيْرُ الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فَفِيهِ تَبْكِيتٌ لَهم مُتَضَمِّنٌ لِنَقِيضِ مُدَّعاهم وقُرِئَ بِتَنْوِينِ ذِكْرٍ الأوَّلِ والثّانِي وجُعِلَ ما بَعْدَهُ مَنصُوبَ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ وإعْمالُهُ هو الأصْلُ نَحْوُ ﴿ أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ﴿ يَتِيمًا ﴾ .
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وطَلْحَةُ بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ مِيمِ (مِن ) فَهي عَلى هَذا حَرْفُ جَرٍّ ومَعَ مَجْرُورَةٌ بِها وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والِاجْتِماعِ جُعِلَتْ هُنا ظَرْفًا كَقَبْلُ وبَعْدُ فَجازَ إدْخالُ مِن عَلَيْها كَما جازَ إدْخالُها عَلَيْهِما لَكِنَّ دُخُولَها عَلَيْها نادِرٌ، ونَصَّ أبُو حَيّانَ أنَّها حِينَئِذٍ بِمَعْنى عِنْدَ.
وقِيلَ: مِن داخِلَةٌ عَلى مَوْصُوفِها أيْ عِظَةٌ مِن كِتابٍ مَعِيَ وعِظَةٌ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِي، وأبُو حاتِمٍ ضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ لِما فِيها مِن دُخُولِ مَن عَلى مَعَ ولَمْ يَرَ لَهُ وجْهًا وعَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ (هَذا ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي ) بِتَنْوِينِ (ذِكْرٍ ) وإسْقاطِ (مَن ) وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (هَذا ذِكْرُ مَن ) بِالإضافَةِ (وذِكْرٌ مِن قَبْلِي ) بِالتَّنْوِينِ وكَسْرِ المِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ﴾ إضْرابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ وانْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِتَبْكِيتِهِمْ بِمُطالَعَةِ البُرْهانِ إلى بَيانِ أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ لا يَنْفَعُ لِفَقْدِهِمُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿ فَهُمْ ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ واتِّباعِ الرَّسُولِ لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلالِ وإنْ كُرِّرَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّناتُ والحُجَجِ أوْ فَهم مُعْرِضُونَ عَمّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ تَأْكِيدًا لِلرَّبْطِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَنصُوبُ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ الحَقَّ لا الباطِلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَعْلَمُونِ والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِن آيِ التَّوْحِيدِ وقَدْ يُقالُ إنَّ فِيهِ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ إذا أُرِيدَ مِن ( ذِكْرُ مَن قَبْلِي ) الكُتُبُ الثَّلاثَةُ، ولَمّا كانَ ﴿ مِن رَسُولٍ ﴾ عامًّا مَعْنًى فَكانَ هُناكَ لَفْظٌ ومَعْنًى أُفْرِدَ عَلى اللَّفْظِ في نُوحِي إلَيْهِ ثُمَّ جُمِعَ عَلى المَعْنى في ﴿ فاعْبُدُونِ ﴾ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ فاعْبُدْنِي وهَذا بِناءً عَلى أنَّ ( فاعْبُدُونِ ) داخِلٌ في المُوحِي وجُوِّزَ عَدَمُ الدُّخُولِ عَلى الأمْرِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ (يُوحِي ) عَلى صِيغَةِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُصارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ الوَحْيِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لِإظْهارِ بُطْلانِها وبَيانِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ تَنَزُّهِهِ جَلّا وعَلا عَنِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ وهم حَيٌّ مِن خُزاعَةَ قالُوا المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ قُرَيْشًا وبَعْضَ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وبَنِي سَلامَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ قالُوا ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ قالَتِ اليَهُودُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ بَيْنَهُمُ المَلائِكَةُ فَنَزَلَتْ والمَشْهُورُ الأوَّلُ.
والآيَةُ مُشَنِّعَةٌ عَلى كُلِّ مَن نَسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ كالنَّصارى القائِلِينَ عِيسى ابْنُ اللَّهِ واليَهُودِ القائِلِينَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ جَمِيعِ ما سِواهُ تَعالى مَرْبُوبًا لَهُ تَعالى لِإبْرازِ كَمالِ شَناعَةِ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ أيْ تُنَزِّهُهُ بِالذّاتِ تَنَزُّهَهَ اللّائِقِ بِهِ عَلى أنَّ السُّبْحانَ مَصْدَرُ سَبَّحَ أيْ بَعْدَ أنْ أُسَبِّحَهُ تَسْبِيحَهُ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ وهو مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ عِبادٌ ﴾ إضْرابٌ وإبْطالٌ لِما قالُوا كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَتِ المَلائِكَةُ كَما قالُوا بَلْ هم عِبادٌ مِن حَيْثُ إنَّهم مَخْلُوقُونَ لَهُ تَعالى فَهم مِلْكُهُ سُبْحانَهُ والوَلَدُ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُكْرَمُونَ ﴾ أيْ مُقَرَّبُونَ عِنْدَهُ تَعالى تَنْبِيهٌ عَلى مَنشَأِ غَلَطِهِمْ وقَرَأ عِكْرِمَةُ مُكَرَّمُونَ بِالتَّشْدِيدِ <div class="verse-tafsir"
﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ ﴾ أيْ لا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ تَعالى أوْ يَأْمُرَهم بِهِ كَما هو دَيْدَنُ العَبِيدِ المُؤَدَّبِينَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ طاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ لِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأدُّبِهِمْ مَعَهُ تَعالى، والأصْلُ لا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ تَعالى فَأُسْنِدَ السَّبْقُ إلَيْهِمْ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى تَنْزِيلًا لِسَبْقِ قَوْلِهِمْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ مُنَزِّلَةً سَبْقَهم إيّاهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَزِيدِ تَنْزِيهِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى غايَةِ اسْتِهْجانِ السَّبْقِ المُعَرَّضِ بِهِ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ ما لَمْ يَقُلْهُ تَعالى، وجُعِلَ القَوْلُ مَحَلَّ السَّبْقِ وآلَتَهُ الَّتِي يَسْبِقُ بِها وأُنِيبَتِ اللّامُ عَنِ الإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ لِلِاخْتِصاصِ والتَّجافِي عَنِ التَّكْرارِ.
وقُرِئَ (لا يَسْبُقُونَهُ ) بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ المُغالَبَةِ يُقالُ سابَقَنِي فَسَبَقْتُهُ وأسْبُقُهُ ويَلْزَمُ فِيهِ ضَمُّ عَيْنِ المُضارِعِ ما لَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ أوْ لامُهُ ياءً، وفِيهِ مَزِيدُ اسْتِهْجانٍ لِلسَّبْقِ وإشْعارٌ بِأنَّ مَن سَبَقَ قَوْلُهُ قَوْلَهُ تَعالى فَقَدْ تَصَدّى لِمُغالَبَتِهِ تَعالى في السَّبْقِ وزِيادَةُ تَنْزِيهٍ عَمّا نُفِيَ عَنْهم بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ الغَلَبَةِ بَعْدَ المُغالَبَةِ فَأنّى يُتَوَهَّمُ صُدُورُهُ عَنْهم ﴿ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ بَيانٌ لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ تَعالى في الأعْمالِ إثْرَ بَيانِ تَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ في الأقْوالِ كَأنَّهُ قِيلَ هم بِأمْرِهِ يَقُولُونَ وبِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ لا بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى أصْلًا بِأنْ يَعْمَلُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، فالحَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ أمْرِهِ تَعالى لا إلى أمْرِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّما لَمْ يُقْدِمُوا عَلى قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا قَدَّمُوا وأخَّرُوا فَلا يَزالُونَ يُراقِبُونَ أحْوالَهم حَيْثُ إنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ﴿ ولا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى ﴾ اللَّهُ تَعالى أنْ يَشْفَعَ لَهُ.
وهُوَ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والمُنْذِرُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وشَفاعَتُهُمُ الِاسْتِغْفارُ، وهي كَما في الصَّحِيحِ تَكُونُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا مُتَمَسِّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لا تَكُونُ لِأصْحابِ الكَبائِرِ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن أنْ لا يَشْفَعُوا لِمَن لا تُرْتَضى الشَّفاعَةُ لَهُ مَعَ أنَّ عَدَمَ شَفاعَةِ المَلائِكَةِ لا تَدُلُّ عَلى عَدَمِ شَفاعَةِ غَيْرِهِمْ ﴿ وهُمْ ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿ مِن خَشْيَتِهِ ﴾ أيْ بِسَبَبِ خَوْفِ عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مُشْفِقُونَ ﴾ مُتَوَقِّعُونَ مِن أمارَةٍ ضَعِيفَةٍ كائِنُونَ عَلى حَذَرٍ ورَقَبَةٍ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللَّهِ تَعالى، فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقَدْ يُرادُ مِن خَشْيَتِهِ تَعالى ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى ومَعَ ذَلِكَ يَحْذَرُونَ مِن وُقُوعِ تَقْصِيرِ خَشْيَتِهِمْ وعَلى هَذا تَكُونُ ( مِن ) صِلَةً لِمُشْفِقُونَ، وفَرْقٌ بَيْنَ الخَشْيَةِ والإشْفاقِ بِأنَّ الأوَّلَ خَوْفٌ مَشُوبٌ بِتَعْظِيمٍ ومَهابَةٍ ولِذَلِكَ خُصَّ بِهِ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ والثّانِي خَوْفٌ مَعَ اعْتِناءٍ ويُعَدّى بِمِن كَما يُعَدّى الخَوْفُ وقَدْ يُعَدّى بِعَلى بِمُلاحَظَةِ الحُنُوِّ والعَطْفِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخَشْيَةَ ها هُنا مَجازٌ عَنْ سَبَبِها وأنَّ المُرادَ مِنَ الإشْفاقِ شِدَّةُ الخَوْفِ أيْ وهم مِن مَهابَتِهِ تَعالى شَدِيدُو الخَوْفِ، والحَقُّ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ لِارْتِكابِ المَجازِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى وهم خائِفُونَ مِن خَوْفِ عَذابِهِ تَعالى عَلى أنَّ مِن صِلَةٌ لِما بَعْدَها وإضافَةُ خَشْيَةٍ إلى المُضافِ المَحْذُوفِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ خائِفُونَ مِنَ العَذابِ المُخَوِّفِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ هَذا الإشْفاقَ صِفَةٌ لَهم دُنْيا وأُخْرى كَما يُشْعِرُ بِهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وقَدْ كَثُرَتِ الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي «مَرَرْتُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِالمَلَأِ الأعْلى مُلْقًى كالحِلْسِ البالِي مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى» <div class="verse-tafsir"
﴿ ومَن يَقُلْ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ مِنَ الخَلائِقِ، والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ إذِ الكَلامُ في المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ عَمّا قالُوهُ في حَقِّهِمْ، والمُرادُ ومَن يَقُلْ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ مُتَجاوِزًا إيّاهُ تَعالى ﴿ فَذَلِكَ ﴾ أيِ الَّذِي فَرَضَ قَوْلَهُ ما ذَكَرَ فَرْضٌ مُحالٌ ﴿ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ كَسائِرِ المُجْرِمِينَ ولا يُغْنِي عَنْهُ ما سَبَقَ مِنَ الصِّفاتِ السُّنِّيَّةِ والأفْعالِ المُرْضِيَةِ وعَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ عَدَمُ اعْتِبارِ الفَرْضِ وقالا: إنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ بِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَإنَّهُ دَعا إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ وشَرَعَ الكُفْرَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ مَلَكُوتِهِ تَعالى وعِزَّةِ جَبَرُوتِهِ واسْتِحالَةِ كَوْنِ المَلائِكَةِ بِحَيْثُ يُتَوَهَّمُ في حَقِّهِمْ ما يَتَوَهَّمُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ ما لا يَخْفى.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَقَرِّيُ (نُجْزِيهِ ) بِضَمِّ النُّونِ أرادَ نُجْزِئُهُ بِالهَمْزِ مِن أجْزَأنِي كَذا كَفانِي ثُمَّ خَفَّفَ الهَمْزَةَ فانْقَلَبَتْ ياءً ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ نَجْزِي الَّذِي يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها ويَتَعَدَّوْنَ أطْوارَهم، والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّقْدِيمِ يُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّقْصانِ دُونَ الزِّيادَةِ أيْ لِأجْزاءٍ أنْقَصَ مِنهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ تَجْهِيلٌ لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ وكَوْنِ جَمِيعِ ما سِواهُ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَعْلَمُونَ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ حَجَرٍ أوْ نَحْوِهِ مِمّا لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِغَيْرِ واوٍ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ مِنَ السَّماواتِ طائِفَتُها ولِذا ثُنِّيَ الضَّمِيرُ ولَمْ يُجْمَعْ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ وكَذا قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما دُونَ المَحارِمِ يَرْقُبانِ سَوادِي وأُفْرِدَ الخَبَرَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ رَتْقًا ﴾ ولَمْ يُثَنَّ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والحَمْلُ إمّا بِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ أوْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتَيْ رَتْقٍ، وهو في الأصْلِ الضَّمُّ والِالتِحامُ خِلْقَةً كانَ أمْ صَنْعَةً، ومِنهُ الرَّتْقاءُ المُلْتَحِمَةُ مَحِلَّ الجِماعِ وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى (رَتَقًا ) بِفَتْحِ التّاءِ وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَّقْضِ والنَّقْضِ فَكانَ قِياسُهُ أنْ يُثَنّى هُنا لِيُطابِقَ الِاسْمَ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ كانَتا شَيْئًا رَتْقًا وشَيْءٌ اسْمُ جِنْسٍ شامِلٍ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ فَيَصِحُّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ المُثَنّى كالجَمْعِ ويُحَسِّنُهُ أنَّهُ في حالِ الرَّتْقِيَّةِ لا تَعَدُّدَ فِيهِ.
وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: الأكْثَرُ في هَذا البابِ أنْ يَكُونَ المُتَحَرِّكُ مِنهُ اسْمًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والسّاكِنُ مَصْدَرًا وقَدْ يَكُونانِ مَصْدَرَيْنِ، والأوْلى هُنا كَوْنُهُما كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَوْجِيهِ الإخْبارِ، وقَدْ أُرِيدَ بِالرَّتْقِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ حالَةُ العَدَمِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذَواتٌ مُتَمَيِّزَةٌ فَكَأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ أمْرٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ مُتَشابِهٌ وأُرِيدَ بِالفَتْقِ وأصْلُهُ الفَصْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفَتَقْناهُما ﴾ الإيجادُ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ وانْفِصالِ بَعْضِ الحَقائِقِ عَنِ البَعْضِ بِهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ) [الأنْعامَ: 14، يُوسُفَ: 101، إبْراهِيمَ: 10، فاطِرَ: 1، الزُّمَرَ: 46، الشُّورى: 11] بِناءً عَلى أنَّ الفَطْرَ الشَّقُّ وظاهِرُهُ نَفْيُ تَمايُزِ المَعْدُوماتِ، والَّذِي حَقَّقَهُ مَوْلانا الكُورانِيُّ في جَلاءِ الفُهُومِ وذَبَّ عَنْهُ حَسَبَ جُهْدِهِ أنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ مُتَصَوَّرٌ ولا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ إلّا بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِ مُتَصَوَّرًا أوْلى مِن غَيْرِهِ ولِأنَّ بَعْضَ المَعْدُوماتِ قَدْ يَكُونُ مُرادًا دُونَ بَعْضٍ ولَوْلا التَّمْيِيزُ بَيْنَها لَما عُقِلَ ذَلِكَ إذِ القَصْدُ إلى إيجادِ غَيْرِ المُتَعَيَّنِ مُمْتَنِعٌ لِأنَّ ما لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ في نَفْسِهِ لَمْ يَتَمَيَّزِ القَصْدُ إلَيْهِ عَنِ القَصْدِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ عَلى هَذا: يَكْفِي في تِلْكَ الإرادَةِ عَدَمُ تَمايُزِ السَّماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العَدَمِ نَظَرًا إلى الخارِجِ المُشاهَدِ، وأيًّا ما كانَ فَمَعْنى الآيَةِ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مَعْدُومَتَيْنِ فَأوْجَدْناهُما، ومَعْنى عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ تَمَكُّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِ بِأدْنى نَظَرٍ لِأنَّهُما مُمْكِنانِ، والمُمْكِنُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ وحْدَها يَكُونُ مَعْدُومًا واتِّصافُهُ بِالوُجُودِ لا يَكُونُ إلّا مِن واجِبِ الوُجُودِ.
قالَ ابْنُ سِينا في المَقالَةِ الثّامِنَةِ مِن إلَهِيّاتِ الشِّفاءِ: سائِرُ الأشْياءِ غَيْرُ واجِبِ الوُجُودِ لا تَسْتَحِقُّ الوُجُودَ بَلْ هِيَ في أنْفُسِها ومَعَ قَطْعِ إضافَتِها إلى الواجِبِ تَسْتَحِقُّ العَدَمَ ولا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ وُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ إمْكانِهِما الضَّرُورِيِّ عَنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذِيمُقْرَطِيسُ مِن أنَّ وُجُودَ العالَمِ إنَّما كانَ بِالِاتِّفاقِ وذَلِكَ لِأنَّ مَبادِيَهُ أجْرامٌ صِغارٌ لا تَتَجَزَّأُ لِصَلابَتِها وهي مَبْثُوثَةٌ في خَلاءٍ غَيْرِ مُتَناهٍ وهي مُتَشاكِلَةُ الطَّبائِعِ مُخْتَلِفَةُ الأشْكالِ دائِمَةُ الحَرَكَةِ فاتَّفَقَ أنْ تَضامَّتْ جُمْلَةٌ مِنهُ واجْتَمَعَتْ عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَتَكَوَّنَ مِنها هَذا العالَمُ فَضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، ووافَقَهُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ أبْناذِقْلَسُ لَكِنَّ الأوَّلَ زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ لَيْسَ بِالِاتِّفاقِ وهَذا زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الأجْرامِ الأسْطَقْسِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ أيْضًا إلّا أنَّ ما اتَّفَقَ إنْ كانَ ذا هَيْئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَلى وجْهٍ يَصْلُحُ لِلْبَقاءِ والنَّسْلِ بَقِيَ وما اتَّفَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ، وهَذا الهَذَيانُ بَعِيدٌ مِن هَذا الرَّجُلِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ مِن رُؤَساءِ يُونانَ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلَقّى العِلْمَ مِنهُ واخْتَلَفَ إلى لُقْمانَ الحَكِيمِ واقْتَبَسَ مِنهُ الحِكْمَةَ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَهُما عَنِ العِلَّةِ حادِثٌ بَلِ العالَمُ المَحْسُوسُ مِنهُ وغَيْرُهُ حادِثٌ حُدُوثًا زَمانِيًّا بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ وما يُتَوَهَّمُ مِن بَعْضِ عِباراتِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّهُ حادِثٌ بِالذّاتِ قَدِيمٌ بِالزَّمانِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ إذْ هم أجَلُّ مِن أنْ يَقُولُوا بِهِ لِما أنَّهُ كُفْرٌ.
والفَلاسِفَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى ثَلاثَةِ آراءٍ فَجَماعَةٌ مِنَ الأوائِلِ الَّذِينَ هم أساطِينُ مِنَ المَلْطِيَّةِ وسامِيا صارُوا إلى القَوْلِ بِحُدُوثِ مَوْجُوداتِ العالَمِ مَبادِيها وبَسائِطِها ومُرَكَّباتِها وطائِفَةٌ مِنَ الأتِينِينِيَّةِ وأصْحابِ الرِّواقِ صارُوا إلى قِدَمِ مَبادِيها مِنَ العَقْلِ والنَّفْسِ والمُفارَقاتِ والبَسائِطِ دُونَ المُتَوَسِّطاتِ والمُرَكَّباتِ فَإنَّ المَبادِيَ عِنْدَهم فَوْقَ الدَّهْرِ والزَّمانِ فَلا يَتَحَقَّقُ فِيها حُدُوثٌ زَمانِيٌّ بِخِلافِ المُرَكَّباتِ الَّتِي هي تَحْتَ الدَّهْرِ والزَّمانِ ومَنَعُوا كَوْنَ الحَرَكاتِ سَرْمَدِيَّةً، ومَذْهَبُ أرِسْطُو ومَن تابَعَهُ مِن تَلامِذَتِهِ أنَّ العالَمَ قَدِيمٌ وأنَّ الحَرَكاتِ الدَّوْرِيَّةَ سَرْمَدِيَّةٌ، وهَذا بِناءً عَلى المَشْهُورِ عَنْهُ وإلّا فَقَدْ ذُكِرَ في الأسْفارِ أنَّ أساطِينَ الحِكْمَةِ المُعْتَبَرِينَ عِنْدَ الطّائِفَةِ ثَمانِيَةٌ ثَلاثَةٌ مِنَ المَلْطِيِّينَ ثالسُ وانْكَسْيَمائِسُ وأغاثاذِيمُونُ، وخَمْسَةٌ مِنَ اليُونانِيِّينَ أبْناذِقْلَسُ وفِيثاغُورْسُ وسُقْراطُ وأفْلاطُونُ وأرِسْطُو وكُلُّهم قائِلُونَ بِما قالَ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعُهم مِن حُدُوثِ العالَمِ بِجَمِيعِ جَواهِرِهِ وأعْراضِهِ وأفْلاكِهِ وأمْلاكِهِ وبَسائِطِهِ ومُرَكَّباتِهِ، ونُقِلَ عَنْ كُلٍّ كَلِماتٌ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وكَذا نُقِلَ عَنْ غَيْرِ أُولَئِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ولَوْلا مَخافَةُ السَّآمَةِ لَنَقَلْتُ ذَلِكَ ولَعَلِّي أنْقُلُ شَيْئًا مِنهُ في مَحِلِّهِ الألْيَقِ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي وأقَرَّ الأرْضَ.
وقالَ كَعْبُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ مُلْتَصِقَتَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا فَتَوَسَّطَهُما فَفَتَقَهُما.
وعَنِ الحَسَنِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَصِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ فَجَعَلَ سَبْعَ سَمَواتٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ كانَتْ مُرَتَّقَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها فَجَعَلَها سَبْعَ أرْضِينَ، والمُرادُ مِنَ العِلْمِ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ التَّمَكُّنُ مِنهُ أيْضًا إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ بَلْ بِالِاسْتِفْسارِ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يُخالِطُونَهم ويَقْبَلُونَ أقْوالَهم وقِيلَ بِذَلِكَ أوْ بِمُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ويَدْخُلُ فِيها القُرْآنُ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوهُ لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً في نَفْسِهِ وفي ذَلِكَ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَسَألَهُ عَنِ الآيَةِ فَقالَ: اذْهَبْ إلى ذَلِكَ الشَّيْخِ فاسْألْهُ ثُمَّ تَعالَ فَأخْبِرْنِي وكانَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ: نَعَمْ كانَتِ السَّماواتُ رَتْقًا لا تُمْطِرُ وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى لِلْأرْضِ أهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالمَطَرِ وفَتَقَ هَذِهِ بِالنَّباتِ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلى ابْنِ عُمَرَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: الآنَ عَلِمْتُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ أُوتِيَ في القُرْآنِ عِلْمًا صَدَقَ ابْنُ عَبّاسٍ هَكَذا كانَتْ، ورَوى عَنْهُ ما هو بِمَعْنى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ والحُجَّةَ وتَعْدِيدَ النِّعْمَةِ ويُناسِبُ ما يُذْكَرُ بَعْدُ والرَّتْقُ والفَتْقُ مَجازِيّانِ عَلَيْهِ كَما هُما كَذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ جِهَةُ العُلُوِّ أوْ سَماءُ الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ ثَوْبِ أخْلاقِ، وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ ولِكُلٍّ مِنَ السَّماواتِ مَدْخَلٌ في المَطَرِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ أيْضًا وعِلْمُ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً وجَعْلُها عِلْمِيَّةً أوْلى، ومِنَ البَعِيدِ ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَماءِ الإسْلامِ أنَّ الرَّتْقَ انْطِباقُ مِنطَقَتَيِ الحَرَكَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ المُوجِبُ لِبُطْلانِ العِماراتِ وفُصُولِ السَّنَةِ والفَتْقُ افْتِراقُهُما المُقْتَضِي لِإمْكانِ العِمارَةِ وتَمْيِيزِ الفُصُولِ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ عَلى الأُصُولِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي أصَّلَها السَّلَفُ الصّالِحُ كَما لا يَخْفى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أنَّ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ عَطْفِهِ عَلى فَتَقْنا، والجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ والماءُ هو المَعْرُوفُ أيْ خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ أيْ مُتَّصِفٍ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ.
ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ.
وجَماعَةٌ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ ﴾ ووَجْهُ كَوْنِ الماءِ مَبْدَأٌ ومادَّةٌ لِلْحَيَوانِ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ أنَّهُ أعْظَمُ مَوادِّهِ وفَرْطُ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ بِعَيْنِهِ ولا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ العامِّ لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَذا الجِنَّ أحْياءٌ ولَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ الماءِ ولا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ عَلى الصَّحِيحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى خَلَقْنا كُلَّ نامٍ مِنَ الماءِ فَيَدْخُلُ النَّباتُ ويُرادُ بِالحَياةِ النُّمُوُّ أوْ نَحْوُهُ، ولَعَلَّ مَن زَعَمَ أنَّ في النَّباتِ حِسًّا وشُعُورًا أبْقى الحَياةَ عَلى ظاهِرِها، وقالَ قُطْرُبُ، وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالماءِ النُّطْفَةُ ولا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ بِما سِوى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والجِنِّ أيْضًا بَلْ بِما سِوى ذَلِكَ والحَيَواناتِ المَخْلُوقَةِ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ كَأكْثَرِ الحَشَراتِ الأرْضِيَّةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ وهُما هُنا ( كُلَّ ومِنَ الماءِ ) وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومِنَ اتِّصالِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ : ««ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَّدُ مِنِّي»» والمَعْنى صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ مُتَّصِلًا بِالماءِ أيْ مُخالِطًا لَهُ غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحْيا دُونَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( كُلَّ ) وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ مِن عَلى هَذا بَيانِيَّةً تَجْرِيدِيَّةً فَيَكُونُ قَدْ جُرِّدَ مِنَ الماءِ الحَيِّ مُبالَغَةً كَأنَّهُ هو، وقَرَأ حُمَيْدٌ (حَيًّا ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ( كُلَّ ) أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لا يَحْيا، والشَّيْءُ مَخْصُوصٌ بِالحَيَوانِ لِأنَّهُ المَوْصُوفُ بِالحَياةِ، وجَوَّزَ تَعْمِيمَهُ لِلنَّباتِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ حَيٌّ حَياةً لائِقَةً بِهِ وهُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ تَسْبِيحَ الأشْياءِ المُفادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ قالِيٌّ لا حالِيٌّ، وإذا قِيلَ بِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ الشَّيْءِ أيْضًا إذا لَمْ يَجْعَلْ مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا ولَمْ أقِفْ عَلى مُخالِفٍ في ذَلِكَ مِنّا، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ ثالِسَ المَلْطِيِّ وهو أوَّلُ مَن تَفَلْسَفَ بِمَلْطِيَّةَ أنَّ أصْلَ المَوْجُوداتِ الماءُ حَيْثُ قالَ: الماءُ قابِلٌ كُلَّ صُورَةٍ ومِنهُ أُبْدِعَتِ الجَواهِرُ كُلُّها مِنَ السَّماءِ والأرْضِ انْتَهى.
ويُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى مَشْرَبٍ صُوفِيٍّ بِأنْ يُقالَ إنَّهُ أرادَ بِالماءِ الوُجُودَ الِانْبِساطِيَّ المُعَبَّرَ عَنْهُ في اصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ بِالنَّفْسِ الرَّحْمانِيِّ، وحِينَئِذٍ لَوْ جُعِلَتِ الإشارَةُ في الآيَةِ إلى ذَلِكَ عِنْدَهم لَمْ يَبْعُدْ ﴿ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ إنْكارٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ مَعَ ظُهُورِ ما يُوجِبُهُ حَتْمًا مِنَ الآياتِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهُ الإنْكارُ أيْ أيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ جَمْعُ راسِيَةٍ مِن رَسا الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ ورَسَخَ، ووَصْفُ جَمْعِ المُذَكِّرِ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ في غَيْرِ العُقَلاءِ مِمّا لا رَيْبَ في صِحَّتِهِ ﴿ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَتَحَرَّكَ وتَضْطَرِبَ بِهِمْ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ فَحَذْفُ اللّامِ ولا لِعَدَمِ الإلْباسِ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ والأوَّلُ أوْلى، وفي الِانْتِصافِ أوْلى مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِكَ أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ عَلى ما قالَ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ مَعْناهُ أنْ أُدَعِّمَ الحائِطَ بِها إذا مالَ، وقُدِّمَ ذِكْرُ المَيْدِ عِنايَةً بِأمْرِهِ ولِأنَّهُ السَّبَبُ في الإدْعامِ والإدْعامُ سَبَبُ إعْدادِ الخَشَبَةِ فَعُومِلَ سَبَبُ السَّبَبِ مُعامَلَةَ السَّبَبِ فَكَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ يَكُونُ الأصْلُ وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ نُثَبِّتَها إذا مادَتْ بِهِمْ فَجُعِلَ المَيْدُ هو السَّبَبُ كَما جُعِلَ المَيْلُ في المِثالِ سَبَبًا وصارَ الكَلامُ وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ فَنُثَبِّتُها ثُمَّ حُذِفَ فَنُثَبِّتُها لِأمْنِ الإلْباسِ إيجازًا، وهَذا أقْرَبُ إلى الواقِعِ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا فَإنَّ مُقْتَضاهُ أنْ لا تَمِيدَ الأرْضُ بِأهْلِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِهَ ذَلِكَ ومُحالٌ أنْ يَقَعَ ما يَكْرَهُهُ سُبْحانَهُ والمُشاهَدَةُ بِخِلافِهِ فَكَمْ مِن زَلْزَلَةٍ أمادَتِ الأرْضَ حَتّى كادَتْ تَنْقَلِبُ وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُثَبِّتُ الأرْضَ بِالجِبالِ إذا مادَتْ، وهَذا لا يَأْبى وُقُوعَ المَيْدِ لَكِنَّهُ مَيْدٌ يَسْتَعْقِبُهُ التَّثْبِيتُ، وكَذَلِكَ الواقِعُ مِنَ الزِّلْزالِ إنَّما هو كاللَّمْحَةِ ثُمَّ يُثَبِّتُها اللَّهُ تَعالى انْتَهى.
وفِي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهم كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بَيانٌ لِلْمَعْنى لا أنَّ هُناكَ إضْمارٌ ألْبَتَّةَ ولِهَذا كانَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ خَلِيقًا بِالرَّدِّ، وما في الِانْتِصافِ مِن أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ أعْدَدْتُ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ عَلى ما قُرِّرَ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْناهُ ولا مُخالِفَ لَهُ، أمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الرَّدِّ بِمُخالَفَةِ الواقِعِ المُشاهَدَ فَلَيْسَ بِالوَجْهِ لِأنَّ مَيْدُودَةَ الأرْضِ غَيْرُ كائِنَةٍ ألْبَتَّةَ ولَيْسَتْ هَذِهِ الزَّلازِلُ مِنها في شَيْءٍ انْتَهى، وهو كَلامٌ رَصِينٌ كَما لا يَخْفى، وقَدْ طَعَنَ بَعْضُ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ فِيما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِأنَّ الأرْضَ لِطَلَبِها المَرْكَزَ طَبْعًا ساكِنَةٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيها المَيْدُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها الجِبالُ.
وأُجِيبَ أوَّلًا بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا في دَعْوى طَلَبِها المَرْكَزَ طَبْعًا وسُكُونِها عِنْدَهُ مِنَ القِيلِ والقالِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ خَلَقَ الأرْضَ يَوْمَ خَلَقَها عُرْيَةً عَنِ الجِبالِ مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ ثِقَلًا وخِفَّةً اخْتِلافًا تامًّا أوْ عَرَضَ لَها الِاخْتِلافُ المَذْكُورُ ومَعَ هَذا لَمْ يَجْعَلْ سُبْحانَهُ لِمَجْمُوعِها مِنَ الثِّقَلِ ما لا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ثِقَلُ ما عَلِمَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ يَتَحَرَّكُ عَلَيْها مِنَ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ لَها مَرْكَزانِ مُتَغايِرانِ مَرْكَزُ حَجْمٍ ومَرْكَزُ ثِقَلٍ وهي إنَّما تَطْلُبُ بِطَبْعِها عِنْدَهم أنْ يَنْطَبِقَ مَرْكَزُ ثِقَلِها عَلى مَرْكَزِ العالَمِ وذَلِكَ وإنِ اقْتَضى سُكُونَها إلّا أنَّهُ يُلْزِمُ أنْ تَتَحَرَّكَ بِتَحَرُّكَ هاتَيْكِ الأجْسامِ فَخَلَقَ جَلَّ جَلالُهُ الجِبالَ فِيها لِيَحْصُلَ لَها مِنَ الثِّقَلِ ما لا يَظْهَرُ مَعَهُ ثِقْلُ المُتَحَرِّكِ فَلا تَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ أصْلًا، وكَوْنُ نِسْبَةِ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ إلى قُطْرِها كَنِسْبَةِ سَبْعٍ عَرْضُ شُعَيْرَةٍ إلى ذِراعٍ إنَّما يَنْفَعُ في أمْرِ الكِرْيَةِ الحِسِّيَّةِ وأمّا أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ لِمَجْمُوعِ الجِبالِ ثِقَلٌ مُعْتَدٍّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثِقَلِ الأرْضِ فَلا.
ثُمَّ لَيْسَ خَلْقُ الجِبالِ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ فَقَطْ بَلْ لِحِكَمٍ لا تُحْصى ومَنافِعَ لا تُسْتَقْصى فَلا يُقالُ إنَّهُ يُغْنِي عَنِ الجِبالِ خَلْقُها بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لِلْأجْسامِ الثَّقِيلَةِ المُتَحَرِّكَةِ عَلَيْها أثَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثِقَلِها، وثانِيًا أنَّها بِحَسَبِ طَبْعِها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِالماءِ بِحَيْثُ تَكُونُ الخُطُوطُ الخارِجَةُ مِن مَرْكَزِها المُنْطَبِقِ عَلى مَرْكَزِ العالَمِ إلى مُحَدَّبِ الماءِ مُتَساوِيَةً مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَبُرُوزُ هَذا المِقْدارِ المَعْمُورِ مِنها قَسْرِيٌّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْجِبالِ مَدْخَلٌ في القَسْرِ بِاحْتِباسِ الأبْخِرَةِ فِيها وصَيْرُورَةِ الأرْضِ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَزِقٍّ في الماءِ نَفَخَ نَفْخًا ظَهَرَ بِهِ شَيْءٌ مِنهُ عَلى وجْهِ الماءِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ القَسْرُ قَوِيًّا بِحَيْثُ لا يُعارِضُهُ ما يَكُونُ فَوْقَ الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِها وذَلِكَ يُوجِبُ المَيْدَ الَّذِي قَدْ يُفْضِي بِها إلى الِانْغِمارِ فَتَأمَّلْ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَطْلَبِ فَتَذَكَّرْ ﴿ وجَعَلْنا فِيها ﴾ أيْ في الأرْضِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِاخْتِلافِ المَجْعُولِينَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَمالِ الِامْتِنانِ أوْ في الرَّواسِي عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والمُنْذِرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويُؤَيِّدُهُ أنَّها المُحْتاجَةُ لِأنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ فِيها ﴿ فِجاجًا ﴾ جَمْعُ فَجٍّ قالَ الرّاغِبُ: هو شَقَّةٌ يَكْتَنِفُها جَبَلانِ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مُخْتَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَهو فَجٌّ، وقالَ بَعْضُهم: هو مُطْلَقُ الواسِعِ سَواءٌ كانَ طَرِيقًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ أمْ لا ولِذا يُقالُ جُرْحٌ فَجٌّ، والظّاهِرُ أنَّ (فِجاجًا ) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِجَعَلَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبُلا ﴾ بَدَلٌ مِنهُ فَيَدُلُّ ضِمْنًا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَها ووَسَّعَها لِلسّابِلَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِأنَّ البَدَلَ كالتَّكْرارِ وعَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ والمُبْدَلُ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ السُّقُوطِ مُطْلَقًا وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِن ( سُبُلًا ) ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ ﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا ﴾ وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِهِ كَذَلِكَ بَلْ قُدِّمَ فَصارَ حالًا لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ في حالِ جَعْلِها سُبُلًا كانَتْ واسِعَةً ولَوْ أتى بِهِ صِفَةً لَمْ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ.
وأوْجَبَ بَعْضُهم كَوْنَهُ مَفْعُولًا وكَوْنَ ( سُبُلًا ) بَدَلًا مِنهُ وكَذا أوْجَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَسْلُكُوا ﴾ إلَخْ كَوْنَ ( سُبُلًا ) مَفْعُولًا وكَوْنَ ( فِجاجًا ) بَدَلًا قائِلًا: إنَّ الفَجَّ اسْمٌ لا صِفَةٌ لِدَلالَتِهِ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ والِاسْمُ يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ ولِذا وقَعَ مَوْصُوفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ والحَمْلُ عَلى تَجْرِيدِهِ عَنْ دَلالَتِهِ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناهُ ذَلِكَ بَلْ مَعْناهُ مُطْلَقُ الواسِعِ وتَخْصِيصُهُ بِالطَّرِيقِ عارِضٌ وهو لا يَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ ولَوْ سُلِّمَ فَمُرادُ مَن قالَ إنَّهُ وصْفٌ أنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّبِيلِ لِأنَّ السَّبِيلَ الطَّرِيقُ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ فَإذا قُدِّمَ عَلَيْهِ يَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدُ لَغْوًا لَوْ لَمْ يَكُنْ حالًا، وظاهِرُ كَلامِ الفاضِلِ اليَمَنِيِّ في المَطْلَعِ أنَّ ( سُبُلًا ) عَطْفُ بَيانٍ وهو سائِغٌ في النَّكِراتِ حَيْثُ قالَ: هو تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ وبَيانُ أنَّ تِلْكَ الفِجاجَ نافِذَةٌ فَقَدْ يَكُونُ الفَجُّ غَيْرَ نافِذٍ وقُدِّمَ هُنا وأُخِّرَ في آيَةِ سُورَةِ نُوحٍ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ وارِدَةٌ لِلِامْتِنانِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وهَذِهِ لِلِاعْتِبارِ والحَثِّ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ، ومِن ثَمَّ ذُكِرَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى كانَتا ( رَتْقًا ) إلَخِ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ نَصْبُ ( فِجاجًا ) هُنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِجَعَلَ ووَجْهُ التَّغايُرِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ لا يَخْفى فَتَأمَّلْ ﴿ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ وكَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وقِيلَ: إلى مَصالِحِهِمْ ومُهِمّاتِهِمْ.
ورُدَّ عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّهُ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ ﴿ وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ﴾ وبِأنَّ خَلْقَ السُّبُلِ لا تَظْهَرُ دَلالَتُهُ عَلى ما ذُكِرَ انْتَهى، وفِيهِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى الِاسْتِدْلالِ والِاهْتِداءِ إلى المَصالِحِ: <div class="verse-tafsir"
﴿ وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ مِنَ البِلى والتَّغَيُّرِ عَلى طُولِ الدَّهْرِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والمُرادُ أنَّها جُعِلَتْ مَحْفُوظَةً عَنْ ذَلِكَ الدَّهْرِ الطَّوِيلِ، ولا يُنافِيهِ أنَّها تُطْوى يَوْمَ القِيامَةِ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وإلى تَغَيُّرِها ودُثُورِها ذَهَبَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ ومُعْظَمُ أجِلَّةِ الفَلاسِفَةِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ صَدْرُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في أسْفارِهِ وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحِلِّهِ.
وقِيلَ: مِنَ الوُقُوعِ، وقالَ الفَرّاءُ: مِنَ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ يَكُونُ ذِكْرُ السَّقْفِ لَغْوًا لا يُناسِبُ البَلاغَةَ فَضْلًا عَنِ الإعْجازِ، وذُكِرَ في وجْهِهِ أنَّ المُرادَ أنَّ حِفْظَها لَيْسَ كَحِفْظِ دَوْرِ الأرْضِ فَإنَّ السُّرّاقَ رُبَّما تَسَلَّقَتْ مِن سُقُوفِها بِخِلافِ هَذِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى حِفْظِها عَمَّنْ تَحْتَها ويَدُلُّ عَلى حِفْظِها عَنْهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وفي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَظَرَ إلى السَّماءِ فَقالَ: «إنَّ السَّماءَ سَقْفٌ مَرْفُوعٌ ومَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي كَما يَجْرِي السَّهْمُ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الشَّياطِينِ»» وهو إذا صَحَّ لا يَكُونُ نَصًّا في مَعْنى الآيَةِ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما أُورِدَ عَلى سابِقِهِ كَما لا يَخْفى.
﴿ وهم عَنْ آياتِها ﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِنا وعِلْمِنا وحِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا وإرادَتِنا الَّتِي بَعْضُها ظاهِرٌ كالشَّمْسِ وبَعْضُها مَعْلُومٌ بِالبَحْثِ عَنْهُ ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ ذاهِلُونَ عَنْها لا يُجِيلُونَ قِداحَ الفِكْرِ فِيها، وقَرَأ مُجاهِدٌ.
وحَمِيدٌ (عَنْ آيَتِها ) بِالإفْرادِ ووُجِّهَ بِأنَّهُ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِمّا فِيها كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِ كَمالِهِ وُحِّدَتِ الآيَةُ لِذَلِكَ، وجُعِلَ الإعْراضُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى إنْكارِ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً دالَّةً عَلى الخالِقِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ في الكَشّافِ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى الخالِقِ مُعْرِضُونَ ولَيْسَ بِلازِمٍ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ اللَّذَيْنِ هُما آيَتاهُما ولِذا لَمْ يَعُدِ الفِعْلُ بَيانًا لِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ الَّتِي هم عَنْها مُعْرِضُونَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ المُوجِبِ لِتَأْكِيدِ الِاعْتِناءِ بِفَحْوى الكَلامِ، ولَمّا كانَ إيجادُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْسَ عَلى نَمَطِ إيجادِ الحَيَواناتِ وإيجادِ الرَّواسِي لَمْ يَتَّحِدِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ جِيءَ بِالجَعْلِ هُناكَ وبِالخَلْقِ هُنا وكَذا قِيلَ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ ﴾ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، واعْتَبَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ مُفْرَدًا نَكِرَةً أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ في المُغَنِي بِأنَّ المُقَدَّرَ إذا كانَ مُفْرَدًا نَكِرَةً يَجِبُ الإفْرادُ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى كُلٍّ كَما لَوْ صَرَّحَ بِهِ وهُنا قَدْ جُمِعَ فَيَجِبُ عَلى هَذا اعْتِبارُهُ جَمْعًا مُعَرَّفًا أيْ كُلُّهم ومَتى اعْتُبِرَ كَذَلِكَ وجَبَ عِنْدَ ابْنِ هِشامٍ جَمْعُ العائِدِ وإنْ كانَ لَوْ ذُكِرَ لَمْ يَجِبْ، ووُجُوبُ الإفْرادِ في المَسْألَةِ الأُولى والجَمْعِ في الثّانِيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى حالِ المَحْذُوفِ.
وأبُو حَيّانَ يُجَوِّزُ الإفْرادَ والجَمْعَ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ هُنا اعْتِبارُ المُضافِ إلَيْهِ مُفْرَدًا نَكِرَةً مَعَ جَمْعِ الضَّمِيرِ بَعْدُ كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو مَن تَعْلَمُ عُلُوَّ شَأْنِهِ في العَرَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي فَلَكٍ ﴾ خَبَرُهُ، ووَجْهُ إفْرادِهِ ظاهِرٌ لِأنَّ النَّكِرَةَ المُقَدَّرَةَ لِلْعُمُومِ البَدَلِيِّ لا الشُّمُولِيِّ، ومَن قَدَّرَ جَمْعًا مُعَرَّفًا قالَ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ الكُلِّيُّ المُؤَوَّلُ بِالجَمْعِ نَحْوُ كَساهم حُلَّةً بِناءً عَلى أنَّ المَجْمُوعَ لَيْسَ في فَلَكٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ حالٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرَ و ﴿ فِي فَلَكٍ ﴾ حالًا أوْ مُتَعَلِّقًا بِهِ وجُمْلَةُ ( كُلٌّ ) إلَخْ حالٌ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والرّابِطُ الضَّمِيرُ دُونَ واوٍ بِناءً عَلى جَوازِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ قُبْحٍ، ومَنِ اسْتَقْبَحَهُ جَعَلَها مُسْتَأْنَفَةً وكانَ ضَمِيرُهُما جَمْعًا اعْتِبارًا لِلتَّكْثِيرِ بِتَكاثُرِ المُطالِعِ فَيَكُونُ لَهُما نَظَرًا إلى مَفْهُومِهِما الوَضْعِيِّ أفْرادٌ خارِجِيَّةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا حَقِيقَةً، ولِهَذا السَّبَبِ يُقالُ شُمُوسٌ وأقْمارٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ في الخارِجِ إلّا شَمْسٌ واحِدَةٌ وقَمَرٌ واحِدٌ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ هُنا تَوافُقُ الفَواصِلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ غُلِّبَ القَمَرانِ لِشَرَفِهِما عَلى سائِرِ الكَواكِبِ فَجُمِعَ الضَّمِيرُ لِذَلِكَ.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنُّجُومِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْها.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، وفِيهِ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَحْسُنُ وصْفُهُما بِالسِّباحَةِ وإنْ كانَتْ مَجازًا عَنِ السَّيْرِ، واخْتِيارُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ إمّا لِأنَّهُما عُقَلاءُ حَقِيقَةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُسْلِمِينَ كالفَلاسِفَةِ، وإمّا لِأنَّهُما عُقَلاءُ ادِّعاءً وتَنْزِيلًا حَيْثُ نُسِبَ إلَيْهِما السِّباحَةُ وهي مِن صَنائِعِ العُقَلاءِ، والفَلَكُ في الأصْلِ كُلُّ شَيْءٍ دائِرٍ ومِنهُ فَلْكَةُ المِغْزَلِ والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ السَّماءُ.
وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَحْتَ السَّماءِ يَجْرِي فِيهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو لَيْسَ بِجِسْمٍ وإنَّما هو مَدارُ هَذِهِ النُّجُومِ، والمَشْهُورُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وفِيهِ القَوْلُ بِاسْتِدارَةِ السَّماءِ وفي (كُلٌّ في فَلَكٍ ) رَمْزٌ خَفِيٌّ إلَيْهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْقِلابِ وعَلَيْهِ أدِلَّةٌ جَمَّةٌ.
وكَوْنُها سَقْفًا لا يَأْبى ذَلِكَ، وقَدْ وقَعَ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ إطْلاقُ الفَلَكِ عَلى السَّماءِ ووَصَفُوهُ بِأنَّهُ حَيٌّ عالِمٌ مُتَحَرِّكٌ بِالإرادَةِ حَرَكَةً مُسْتَدِيرَةً لا غَيْرَ ولا يَقْبَلُ الكَوْنَ والفَسادَ والنُّمُوَّ والذُّبُولَ والخَرْقَ والِالتِئامَ ونَوْعُهُ مُنْحَصِرٌ في شَخْصِهِ وأنَّهُ لا حارٌّ ولا بارِدٌ ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ ولا خَفِيفٌ ولا ثَقِيلٌ، وأكْثَرُ هَذِهِ الأوْصافِ مُتَفَرِّعٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في طِباعِهِ مَيْلٌ مُسْتَقِيمٌ، وقَدْ رُدَّ ذَلِكَ في الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وبَنَوْا عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ أنَّ الكَوْكَبَ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةِ الفَلَكِ ولَمّا رَأوْا حَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةً قالُوا بِتَعَدُّدِ الأفْلاكِ، والمَشْهُورُ أنَّ الأفْلاكَ الكُلِّيَّةَ تِسْعَةٌ سَبْعَةٌ لِلسَّبْعِ السَّيّارَةِ وواحِدٌ لِلثَّوابِتِ وآخَرُ لِتَحْرِيكِ الجَمِيعِ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ، والحَقُّ أنَّهُ لا قاطِعَ عَلى نَفْيِ ما عَدا ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ الشَّيْخَ الرَّئِيسَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أنَّ الثَّوابِتَ في كَرَّةٍ واحِدَةٍ أوْ في كَرّاتٍ مُنْطَوٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَوْلُهم إنَّ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ مُتَشابِهَةٌ ومَتى كانْتُ كَذَلِكَ كانَتْ مَرْكُوزَةً في فَلَكٍ واحِدٍ غَيْرُ يَقِينِيٍّ أمّا صُغْراهُ فَلِأنَّ حَرَكاتِها وإنْ كانَتْ في الحِسِّ مُتَشابِهَةً لَكِنْ لَعَلَّها لا تَكُونُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ الواحِدَةَ مِنها تُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ في سِتٍّ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ والأُخْرى تُتَمِّمُها في هَذا الزَّمانِ لَكِنْ بِنُقْصانِ عاشِرَةٍ أوْ أقَلَّ فالَّذِي يَخُصُّ الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ مِن هَذا القَدْرِ مِنَ التَّفاوُتِ يَقِلُّ جِدًّا بِحَيْثُ لا تَفِي أعْمارُنا بِضَبْطِهِ وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ سَقَطَ القَطْعُ بِالتَّشابُهِ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ سُقُوطًا والِاحْتِمالَ قُوَّةً وِجْدانُ المُتَأخِّرِينَ مِن أهْلِ الأرْصادِ كَوْكَبًا أسْرَعَ حَرَكَةً مِنَ الثَّوابِتِ وأبْطَأ مِنَ السَّيّارَةِ سَمَّوْهُ بِهِرْشِلَ ولَمْ يَظْفَرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ في الدُّهُورِ الماضِيَةِ، وأمّا كُبْراهُ فَلِاحْتِمالِ اشْتِراكِ الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ في كَثِيرٍ مِنَ اللَّوازِمِ فَيَجُوزُ أنَّ لِكُلٍّ فَلَكًا عَلى حِدَةٍ وتَكُونُ تِلْكَ الأفْلاكُ مُتَوافِقَةً في حَرَكاتِها جِهَةً وقُطْبًا ومِنطَقَةً وبَطْنًا، ثُمَّ إنَّ الِاحْتِمالَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِفَلَكِ الثَّوابِتِ بَلْ حاصِلٌ في كُلِّ الأفْلاكِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ أفْلاكِ السَّيّارَةِ أفْلاكُ أُخَرُ، وما يُقالُ في إبْطالِهِ مِن أنَّ أقْرَبَ قُرْبِ كُلِّ كَوْكَبٍ يُساوِي أبْعَدَ بُعْدِ كُلِّ الكَواكِبِ الَّتِي فُرِضَتْ تَحْتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ بَيْنَ أبْعَدِ بُعْدِ القَمَرِ وأقْرَبِ قُرْبِ عُطارِدَ ثَخَنَ فَلَكِ جَوْزَهَرِ القَمَرِ، وقَدْ ذَكَرَ المُحَقِّقُونَ مِن أصْحابِ الهَيْئَةِ أنَّ لِفَلَكِ التَّدْوِيرِ لِكُلٍّ مِنَ العُلْوِيَّةِ ثَلاثَ أُكَرٍ مُحِيطٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ وجِرْمُ الكَوْكَبِ مَرْكُوزٌ في الكُرَةِ الدّاخِلَةِ فَيَكُونُ مِقْدارُ ثَخَنِ أرْبَعِ كُراتٍ مِن تِلْكَ التَّداوِيرِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ السّافِلِ والعالِي ثَخَنَ كُرَتَيْنِ حائِلًا بَيْنَ أقْرَبِ قُرْبِ العالِي وأبْعَدِ بُعْدِ السّافِلِ، وأثْبَتُوا لِلسُّفْلِيَّةِ خَمْسَةَ تَداوِيرَ فَيَكُونُ بَيْنَ أقْرَبِ قُرْبِ الزَّهْرَةِ وأبْعَدِ بُعْدِ عُطارِدَ ثَخَنُ ثَمانِي كُراتٍ عَلى أنَّهم إنَّما اعْتَقَدُوا أنَّ أقْرَبَ قُرْبِ العالِي مُساوٍ لِأبْعَدِ بُعْدِ السّافِلِ لِاعْتِقادِهِمْ أوَّلًا أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الأفْلاكِ ما يَتَخَلَّلُها فَلَيْسَ يُمْكِنُهم بِناءُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ آخَرَ، وقَوْلُهم لا فَضْلَ في الفَلَكِيّاتِ مَعَ أنَّهُ كَما تَرى يُبْطِلُهُ ما قالُوا في عِظَمِ ثَخَنِ المُحَدَّدِ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ فَوْقَ التّاسِعِ مِنَ الأفْلاكِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الفَلَكُ التّاسِعُ بِما فِيهِ مِنَ الكُراتِ مَرْكُوزًا في ثَخَنِ كُرَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ ويَكُونُ في ثَخَنِ تِلْكَ الكُرَةِ ألْفُ ألْفِ كُرَةٍ مِثْلِ الكُراتِ ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا فَإنَّ تَدْوِيرَ المَرِّيخِ أعْظَمُ مِن مُمَثِّلِ الشَّمْسِ فَإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَأيُّ بَأْسٍ بِأنْ يُفْرَضَ مِثْلُهُ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ.
ويَجُوزُ أيْضًا كَما قِيلَ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ الكُلِّيَّةُ ثَمانِيَةً لا مَكانَ كَوْنَ جَمِيعِ الثَّوابِتِ مَرْكُوزَةً في مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ أيْ في مُتَمِّمِهِ الحاوِي عَلى أنْ يَتَحَرَّكَ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ والفَلَكُ الثّامِنُ يَتَحَرَّكُ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ بَلْ قِيلَ مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ سَبْعَةً بِأنْ تُفْرَضَ الثَّوابِتُ ودَوائِرُ البُرُوجِ عَلى مُحَدَّبِ مُمَثِّلِ زُحَلَ ونَفْسانُ تَتَّصِلُ إحْداهُما بِمَجْمُوعِ السَّبْعَةِ وتُحَرِّكُها إحْدى الحَرَكَتَيْنِ السَّرِيعَةِ والبَطِيئَةِ والأُخْرى بِالفَلَكِ السّابِعِ وتُحَرِّكُهُ الأُخْرى فَلا قاطِعَ أيْضًا عَلى نَفْيِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ.
ثُمَّ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ كُلًّا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ يَجْرِي في ثَخَنِ فَلَكِهِ ولا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا ودَلِيلُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ وهو أنَّهُ لَوْ كانَ الفَلَكُ قابِلًا لِذَلِكَ لَكانَ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ المُسْتَقِيمَةِ وهي مُحالٌ عَلَيْهِ غَيْرُ تامٍّ وعَلى فَرْضِ تَمامِهِ إنَّما يَتِمُّ في المُحَدَّدِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الخَرْقُ في الفَلَكِ مِن جِهَةِ بَعْضِ أجْزائِهِ عَلى الِاسْتِدارَةِ فَلا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ: الكَواكِبُ مُطْلَقًا مُتَحَرِّكَةٌ في أفْلاكِها حَرَكَةَ الحِيتانِ في الماءِ ولا يَبْطُلُ بِهِ عِلْمُ الهَيْئَةِ لِأنَّ حَرَكاتِها يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُتَشابِهَةً حَوْلَ مَراكِزِ أفْلاكِها أيْ لا تُسْرِعُ ولا تُبْطِئُ ولا تَقِفُ ولا تَرْجِعُ ولا تَنْعَطِفُ، وقَوْلُ السَّهْرَوَرْدِيِّ في المُطارَحاتِ: لَوْ كانَتِ الأفْلاكُ قابِلَةً لِلْخَرْقِ وقَدْ بَرْهَنَ عَلى كَوْنِها ذاتَ حَياةٍ فَعِنْدَ حُصُولِ الخَرْقِ فِيها وتَبَدُّدِ الأجْزاءِ فَإنْ لَمْ تُحَسَّ فَلَيْسَ جُزْؤُها المُنْخَرِقُ لَهُ نِسْبَةٌ إلى الآخَرِ بِجامِعٍ إدْراكِيٍّ ولا خَبَرَ لَها عَنْ أجْزائِها وما سَرى لِنَفْسِها قُوَّةٌ في بَدَنِها جامِعَةٌ لِتِلْكَ الأجْزاءِ فَلا عَلاقَةَ لِنَفْسِها مَعَ بَدَنِها، وقَدْ قِيلَ إنَّها ذاتُ حَياةٍ وإنْ كانَتْ تُحَسُّ فَلا بُدَّ مِنَ التَّألُّمِ بِتَبْدِيدِ الأجْزاءِ فَإنَّهُ شُعُورٌ بِالمُنافِي وكُلُّ شُعُورٍ بِالمُنافِي إمّا ألَمٌ أوْ مُوجِبٌ لِألَمٍ وإذا كانَ كَذا وكانَتِ الكَواكِبُ تَخْرُقُها بِجَرْيِها كانَتْ في عَذابٍ دائِمٍ، وسَنُبَرْهِنُ عَلى أنَّ الأُمُورَ الدّائِمَةَ غَيْرَ المُمْكِنَةِ الإشْرافُ لا يُتَصَوَّرُ عَلَيْها لا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الخِطابِيّاتِ بَلْ مِمّا هو أدْوَنُ مِنها.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القَوِيَّةِ مِمّا لا بُرْهانَ عَلَيْهِ مِنَ البَراهِينِ الضَّعِيفَةِ، وادَّعى الإمامُ أنَّها كَما تَدُلُّ عَلى جَرْيِ الكَوْكَبِ تَدُلُّ عَلى سُكُونِ الفَلَكِ، والحَقُّ أنَّها مُجْمَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السُّكُونِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ فِيهِ، وإلى حَرَكَتِهِ وسُكُونِ الفَلَكِ بِأسْرِهِ ذَهَبَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ ويُحْكى عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَوْكَبُ يَتَحَرَّكُ فِيهِ إمّا مُخالِفًا لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ أوْ مُوافِقًا لَها إمّا بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ في السُّرْعَةِ والبُطْءِ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ أوْ مُخالِفَةٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَغْرُوزًا في الفَلَكِ ساكِنًا فِيهِ كَما هو عِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ أوْ مُتَحَرِّكًا عَلى نَفْسِهِ كَما هو عِنْدَ مُحَقِّقِيهِمْ والفَلَكُ بِأسْرِهِ مُتَحَرِّكًا وهو الَّذِي أوْجَبَهُ الفَلاسِفَةُ لِما لا يُسَلِّمُ لَهم ولا يَتِمُّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ مِنهم.
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ في جِسْمٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ ثَخَنِ الفَلَكِ شَبِيهٌ بِحَلْقَةِ قُطْرِهِ مُساوٍ لِقُطْرِ الكَوْكَبِ وهو الَّذِي يَتَحَرَّكُ بِهِ ويَكُونُ الفَلَكُ ساكِنًا ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ في ثَخَنِ الفَلَكِ خَلاءً يَدُورُ الكَوْكَبُ فِيهِ مَعَ سُكُونِ الفَلَكِ أوْ حَرَكَتِهِ ولَيْسَ في هَذا قَوْلٌ بِالخَرْقِ والِالتِئامِ بَلْ فِيهِ القَوْلُ بِالخَلاءِ وهو عِنْدَنا وعِنْدَ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ جائِزٌ خِلافًا لِأرِسْطاطالِيسَ وأتْباعِهِ، ودَلِيلُ الجَوازِ أقْوى مِن صَخْرَةٍ مَلْساءٍ، والقَوْلُ بِأنَّ الفَلَكَ بَسِيطٌ فَبَساطَتُهُ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ في ثَخَنِهِ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَما ذَكَرُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى البَساطَةِ عَلى ضَعْفِهِ لا يَتَأتّى إلّا في المُحَدَّدِ دُونَ سائِرِ الأفْلاكِ، وأيْضًا مَتى جازَ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُجَوَّفًا مَعَ بَساطَتِهِ فَلْيَجُزْ ما ذُكِرَ مَعَها ولا يَكادُ يَتِمُّ لَهُمُ التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ الكَواكِبَ جَمِيعَها مُعَلَّقَةٌ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ تَحْتَ سَماءِ الدُّنْيا بِأيْدِي مَلائِكَةٍ يُجْرُونَها حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَكادُ يَصِحُّ وإنْ كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا، والَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ الفَلاسِفَةِ والهَيْئِيِّينَ أنَّ الحَرَكَةَ الخاصَّةَ بِالكَوْكَبِ الثّابِتَةَ لِفَلَكِهِ أوَّلًا وبِالذّاتِ آخِذَةٌ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ وهي الحَرَكَةُ عَلى تَوالِي البُرُوجِ وتُسَمّى الحَرَكَةُ الثّانِيَةُ والحَرَكَةُ البَطِيئَةُ وهي ظاهِرَةٌ في السَّيّاراتِ وفي القَمَرِ مِنها في غايَةِ الظُّهُورِ وفي الثَّوابِتِ خَفِيَّةٌ ولِهَذا لَمْ يُثْبِتْها المُتَقَدِّمُونَ مِنهم، وغَيْرُ الخاصَّةِ بِهِ الثّابِتَةُ لِفَلَكِهِ ثانِيًا وبِالعَرْضِ آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وتُسَمّى الحَرَكَةُ الأُولى والحَرَكَةُ السَّرِيعَةُ وهي بِواسِطَةِ حَرَكَةِ المُحَدَّدِ وبِها يَكُونُ اللَّيْلُ والنَّهارُ في سائِرِ المَعْمُورَةِ، وأمّا في عَرْضِ تِسْعِينَ ونَحْوِهِ فَفي الحَرَكَةِ الثّانِيَةِ فَعِنْدَهم لِلْكَوْكَبِ حَرَكَتانِ مُخْتَلِفَتانِ جِهَةً وبُطْأً ومَثَّلُوهُما بِحَرَكَةِ رَحًى إلى جِهَةٍ سَرِيعًا وحَرَكَةِ نَمْلَةٍ عَلَيْها إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ بَطِيئًا.
وذَهَبَ بَعْضُ الأوائِلِ إلى أنَّهُ لا حَرَكَةَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ بَلْ حَرَكاتُها كُلُّها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِأنَّها أوْلى بِهَذِهِ الأجْرامِ لِكَوْنِها أقَلَّ مُخالَفَةً ولِأنَّ غايَةَ الحَرَكَةِ لِلْجِرْمِ الأقْصى وغايَةَ السُّكُونِ لِلْأرْضِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ما هو أقْرَبُ إلى الأقْصى أسْرَعَ مِمّا هو أبْعَدُ ولِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُها مِنَ المَشْرِقِ وبَعْضُها مِنَ المَغْرِبِ يَلْزَمُ أنْ يَتَحَرَّكَ الكَوْكَبُ بِحَرَكَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جِهَةً وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الحَرَكَةَ إلى جِهَةٍ تَقْتَضِي حُصُولَ المُتَحَرِّكِ في الجِهَةِ المُنْتَقَلِ إلَيْها فَلَوْ تَحَرَّكَ الجِسْمُ الواحِدُ دُفْعَةً واحِدَةً إلى جِهَتَيْنِ لَزِمَ حُصُولُهُ دُفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ وهو مُحالٌ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الحَرَكَتانِ طَبِيعِيَّتَيْنِ أوْ قَسْرِيَّتَيْنِ أوْ إحْداهُما طَبِيعِيَّةً والأُخْرى قَسْرِيَّةً.
ولا يُدْفَعُ هَذا بِما يُشاهَدُ مِن حَرَكَةِ النَّمْلَةِ عَلى الرَّحى إلى جِهَةٍ حالَ حَرَكَةِ الرَّحى إلى خِلافِها لِأنَّهُ مِثالٌ والمِثالُ لا يَقْدَحُ في البُرْهانِ ولِأنَّ القَطْعَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكاتِ جائِزٌ أمّا عَلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ فَمُحالٌ، وما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ غَيْرَ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مِنَ المَشْرِقِ ويَظُنُّ أنَّها مِنَ المَغْرِبِ وبَيانُهُ أنَّ المُتَحَرِّكَيْنِ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ حَرَكَةً دَوْرِيَّةً مَتى كانَ أحَدُهُما أسْرَعَ مِن حَرَكَةِ الآخَرِ فَإنَّهُما إذا تَحَرَّكا إلى تِلْكَ الجِهَةِ رُؤِيَ الإبْطاءُ مِنهُما مُتَخَلِّفًا فَيُظَنُّ أنَّهُ مُتَحَرِّكٌ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ لِأنَّهُما إذا اقْتَرَنا ثُمَّ تَحَرَّكا في الجِهَةِ بِما لَهُما مِنَ الحَرَكَةِ فَسارَ السَّرِيعُ دَوْرَةً تامَّةً وسارَ البَطِيءُ دَوْرَةَ الأقْوى صارَ البَطِيءُ مُتَخَلِّفًا عَنِ السَّرِيعِ في الجِهَةِ المُخالِفَةِ لِجِهَةِ حَرَكَتِهِما بِتِلْكَ القَوْسِ، وقالُوا: يَجِبُ المَصِيرُ إلى ذَلِكَ لِما أنَّ البُرْهانَ يَقْتَضِيهِ ولا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الأعْمالِ النُّجُومِيَّةِ.
وقَدْ أوْرَدَ الإمامُ في المُلَخَّصِ ما ذُكِرَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى مُحالِيَّةِ الحَرَكَتَيْنِ المُخْتَلِفَتَيِ الجِهَةِ لِلْجِسْمِ الواحِدِ إشْكالًا عَلى القائِلِينَ بِهِما ثُمَّ قالَ: ولِقُوَّةِ هَذا الكَلامِ أثْبَتَ بَعْضُهُمُ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ لِكُرَةِ الأرْضِ لا لِكُرَةِ السَّماءِ وإنْ كانَ ذَلِكَ باطِلًا وأوْرَدَهُ في التَّفْسِيرِ وسَمّاهُ بُرْهانًا قاطِعًا وذَهَبَ فِيهِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا البَعْضُ مِن أنَّ الحَرَكاتِ كُلَّها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لَكِنَّها مُخْتَلِفَةٌ سُرْعَةً وبُطْأً وفِيما ذَكَرُوهُ نَظَرٌ لِأنَّ الشُّبْهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ اقْناعِيَّتانِ والثّالِثَةَ وإنْ كانَتْ بُرْهانِيَّةً لَكِنَّ فَسادَها أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وأمّا أنَّ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ النُّجُومِيَّةِ لا يُبْطِلُهُ فَباطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ الخاصَّةَ لِلْكَوْكَبِ أعْنِي حَرَكَةَ القَمَرِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ مَثَلًا دَوْرَةً إلّا قَوْسًا لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى قُطْبَيِ البُرُوجِ لِأنَّها تُوجَدُ مُوازِيَةً لِمُعَدَّلِ النَّهارِ ولا عَلى قُطْبَيِ المُعَدَّلِ وإلّا لَما زالَتْ عَنْ مُوازاتِهِ ولَما انْتَظَمَتْ مِنَ القُسِيِّ الَّتِي تَتَأخَّرُ فِيها كُلَّ يَوْمٍ دائِرَةٌ عَظِيمَةٌ مُقاطِعَةٌ لِلْمُعَدَّلِ كَدائِرَةِ البُرُوجِ مِنَ القُسِيِّ الَّتِي تَأخَّرَتِ الشَّمْسُ فِيها بَلِ انْتَظَمَتْ صَغِيرَةً مُوازِيَةً لَهُ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ الكَوْكَبُ عَلى المُعَدَّلِ مِقْدارَ ما يُتَمِّمُ بِحَرَكَتِهِ دَوْرَةً فَإنَّ المُنْتَظِمَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ نَفْسَ المُعَدَّلِ لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الكَواكِبِ الَّتِي نَعْرِفُها ولا عَلى قُطْبَيْنِ غَيْرِ قُطْبَيْهِما وإلّا لَكانَ يُرى مَسِيرُهُ فَوْقَ الأرْضِ عَلى دائِرَةٍ مُقاطِعَةٍ لِلدَّوائِرِ المُتَوازِيَةِ ولَمْ تَكُنْ دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ تَفْصِلُ الزَّمانَ الَّذِي مِن حِينِ يَطْلُعُ إلى حِينِ يَغْرُبُ بِنِصْفَيْنِ لِأنَّ قُطْبَيْ فَلَكِهِ المائِلِ لا يَكُونُ دائِمًا عَلى دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ فَلا تَنْفَصِلُ قُسِيُّ مُداراتِهِ الظّاهِرَةُ بِنِصْفَيْنِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوا لَكانَتِ الشَّمْسُ تَصِلُ إلى أوْجِها وحَضِيضِها وبُعْدَيْها الأوْسَطَيْنِ بَلْ إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ فَيَجِبُ أنْ تَحْصُلَ جَمِيعُ الأظْلالِ اللّائِقَةِ بِكَوْنِ الشَّمْسِ في هَذِهِ المَواضِعِ في اليَوْمِ الواحِدِ والوُجُودِ بِخِلافِهِ.
وقَوْلُ مَن قالَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَرَكَةُ الشَّمْسِ في دائِرَةِ البُرُوجِ إلى المَغْرِبِ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ اليَوْمُ الواحِدُ بِلَيْلَتِهِ يَنْقُصُ عَنْ دَوْرِ مُعَدَّلِ النَّهارِ بِقَدْرِ القَوْسِ الَّتِي قَطَعَتْها الشَّمْسُ بِالتَّقْرِيبِ بِخِلافِ ما هو الواقِعُ لِأنَّهُ يَزِيدُ عَلى دَوْرِ المُعَدَّلِ بِذَلِكَ القَدْرِ ولَكانَ يُرى قَطْعُها البُرُوجِ عَلى خِلافِ التَّوالِي ولَيْسَ كَذَلِكَ لِتَأخُّرِها عَنِ الجُزْءِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ مَعَها مِنَ المُعَدَّلِ في كُلِّ يَوْمٍ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإذًا حَرَكاتُ الأفْلاكِ الشّامِلَةِ لِلْأرْضِ ثَنَتانِ حَرَكَةٌ إلى التَّوالِي وأُخْرى إلى خِلافِهِ، وأمّا حَرَكاتُ التَّداوِيرِ فَخارِجَةٌ عَنِ القِسْمَيْنِ لِأنَّ حَرَكاتِ أعالِيها مُخالِفَةٌ لِحَرَكاتِ أسافِلِها لا مَحالَةَ لِكَوْنِها غَيْرَ شامِلَةٍ لِلْأرْضِ، فَإنْ كانَتْ حَرَكَةُ الأعْلى مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فَحَرَكَةُ الأسْفَلِ بِالعَكْسِ كَما في المُتَحَيِّرَةِ، وإنْ كانَتْ حَرَكَةُ الأعْلى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كانَتْ حَرَكَةُ الأسْفَلِ بِالعَكْسِ كَما في القَمَرِ.
هَذا وقُصارى ما نَقُولُ في هَذا المَقامِ: إنَّ ما ذَكَرَهُ الفَلاسِفَةُ في أمْرِ الأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ وكَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها وأوْضاعِها أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ ولا دَلِيلَ عَلى أنَّهُ هو الواقِعُ لا غَيْرَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى خِلافِهِ أهْلُ لَنْدَنَ وغَيْرُهم مِن أصْحابِ الأرْصادِ اليَوْمَ، وكَذا أصْحابُ القَلْبِيَّةِ والمَعارِجِ المَعْنَوِيَّةِ كالشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وقَدْ أطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ.
وأمّا السَّلَفُ الصّالِحُ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهم تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَلِيلُ الجَدْوى ووَقَفُوا حَيْثُ صَحَّ الخَبَرُ وقالُوا: إنَّ اخْتِلافَ الحَرَكاتِ ونَحْوَهُ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ وتَشَبَّثُوا فِيما صَحَّ وخَفِيَ سَبَبُهُ بِأذْيالِ التَّسْلِيمِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ السَّماواتِ عَلى طِبْقِ ما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ في أمْرِ الثَّخَنِ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ ولا أخْرُجُ عَنْ دائِرَةِ هَذا المَيْلِ، وأقُولُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثَخَنَ كُلِّ سَماءٍ فَلَكٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ السَّيّاراتِ عَلى نَحْوِ الفَلَكِ الَّذِي أثْبَتَهُ الفَلاسِفَةُ لَها وحَرَكَتُهُ الذّاتِيَّةُ عَلى نَحْوِ حَرَكَتِهِ عِنْدَهم وحَرَكَتُهُ العَرْضِيَّةُ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ سَمائِهِ إلى المَغْرِبِ الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةُ فَتَكُونُ حَرَكاتُ السَّماواتِ مُتَساوِيَةً، وإنْ أبَيْتَ تَحَرُّكَ السَّماءِ بِجَمِيعِ ما فِيها لِإباءِ بَعْضِ الأخْبارِ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُوجِبُهُ قُلْتُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُحَرِّكٌ في ثَخَنِ السَّماءِ أيْضًا ويَبْقى ما يَبْقى مِنها ساكِنًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَطْحِهِ الأعْلى مَلائِكَةٌ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، ولِلْفَلاسِفَةِ في تَحْقِيقِ أنَّ المُحِيطَ كَيْفَ يُحَرِّكُ المُحاطَ بِهِ كَلامٌ تَعَقَّبَهُ الإمامُ ثُمَّ قالَ: الصَّحِيحُ أنَّ المُحَرِّكَ لِلْكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى بِاخْتِيارِهِ وإنْ ثَبَتَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِمْ كَوْنُ الحاوِي مُحَرِّكًا لِلْمَحْوِيِّ فَإنَّهُ يَكُونُ مُحَرِّكًا بِقُوَّةِ نَفْسِهِ لا بِالمُماسَّةِ، وأمّا الثَّوابِتُ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في فَلَكٍ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في ثَخَنِ السَّماءِ السّابِعَةِ فَوْقَ فَلَكِ زُحَلَ بَلْ إذا قِيلَ بِأنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ في ثَخَنِ السَّماءِ الدُّنْيا تَتَحَرَّكُ عَلى أفْلاكٍ مُماثِلَةٍ لِلْأفْلاكِ الَّتِي أثْبَتَها لَها الفَلاسِفَةُ ويَكُونُ لَها حَرَكَتانِ عَلى نَحْوِ ما يَقُولُونَ لَمْ يَبْعُدْ، وفِيهِ حِفْظٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ وما ذَكَرُوهُ في عِلْمِ الأجْرامِ والأبْعادِ عَلى اضْطِرابِهِ لا يَلْزَمُنا تَسْلِيمُهُ فَلا يَرِدُ أنَّهم قالُوا بُعْدُ الثَّوابِتِ عَنْ مَرْكَزِ الأرْضِ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفَ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةٍ واثْنا عَشَرَ ألْفًا وثَمانِمِائَةٍ وتِسْعٌ وتِسْعُونَ فَرْسَخًا، وما ورَدَ في الخَبَرِ مِن أنَّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وسُمْكَ السَّماءِ كَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ وجْهِ الأرْضِ والثَّوابِتِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ألْفُ عامٍ وفَراسِخُ مَسِيرَةُ ذَلِكَ مَعَ فَراسِخِ نِصْفِ قُطْرِ الأرْضِ وهي ألْفٌ ومِائَتانِ وثَلاثَةٌ وسَبْعُونَ تَقْرِيبًا عَلى ما قِيلَ دُونَ ما ذُكِرَ بِكَثِيرٍ.
ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: العَدَدُ لا مَفْهُومَ لَهُ واخْتِيارُ خَمْسِمِائَةٍ لِما أنَّ الخَمْسَةَ عَدَدٌ دائِرٌ فَيَكُونُ في ذَلِكَ رَمْزٌ خَفِيٌّ إلى الِاسْتِدارَةِ كَما قِيلَ في كُلِّ فَلَكٍ، ويُشِيرُ إلى صِحَّةِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ في ثَخَنِ السَّماءِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلُ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن مَشْرِقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ، والأخْبارُ المَرْفُوعَةُ والمَوْقُوفَةُ في أمْرِ الكَواكِبِ والسَّماواتِ والأرْضِ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ مِنها ما ذَكَرَ في رِسالَةٍ ألَّفَها في بَيانِ الهَيْئَةِ السُّنِّيَّةِ، وإذا رَصَدْتَها رَأيْتَ أكْثَرَها مائِلًا عَنْ دائِرَةِ بُرُوجٍ القَبُولِ، وفِيها ما يُشْعِرُ بِأنَّ لِلْكَوْكَبِ حَرَكَةً قَسْرِيَّةً نَحْوُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتّى يُوَتَّرَ لَها كَما تُوَتَّرُ القَوْسُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالسِّباحَةِ الحَرَكَةُ الذّاتِيَّةُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الحَرَكَةُ العَرْضِيَّةُ بَلْ قِيلَ هَذا أوْلى لِأنَّ تِلْكَ غَيْرُ مُشاهَدَةٍ مُشاهَدَةَ هَذِهِ بَلْ عَوامُّ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها ما يَعُمُّ الحَرَكَتَيْنِ، واسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن نِسْبَةِ السِّباحَةِ إلى الكَوْكَبِ أنْ لَيْسَ هُناكَ حامِلٌ لَهُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ مُطْلَقًا بَلْ هو مُتَحَرِّكٌ بِنَفْسِهِ في الفَلَكِ تَحَرُّكَ السَّمَكَةِ في الماءِ إذْ لا يُقالُ لِلْجالِسِ في صُنْدُوقٍ أوْ جِذْعٍ يَجْرِي في الماءِ إنَّهُ يَسْبَحُ، واخْتارَ أنَّهُ يَجْرِي في مَجْرًى قابِلٍ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ كالماءِ ودُونَ إثْباتِ اسْتِحالَةِ ذَلِكَ العُرُوجِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ وهو سُبْحانَهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ وعَلى مِحْوَرِ هِدايَتِهِ تَدُورُ كُرَةُ التَّحْقِيقِ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِمّا رَأيْنا إيرادَهُ مُناسِبًا لِهَذا المَقامِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نُبْذَةٌ أُخْرى مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الكَلامِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ ﴾ كائِنًا مَن كانَ ﴿ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ ﴾ أيِ الخُلُودَ والبَقاءَ في الدُّنْيا لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْحِكْمَةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ، وقِيلَ الخُلْدُ المُكْثُ الطَّوِيلُ ومِنهُ قَوْلُهم لِلْأثافِيِّ خَوالِدُ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى عَدَمِ حَياةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ أفَإنْ مِتَّ ﴾ بِمُقْتَضى حِكْمَتِنا ﴿ فَهُمُ الخالِدُونَ ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالُوا ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ والفاءُ الأُولى لِتَعْلِيقِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِما قَبْلَها والهَمْزَةُ لِإنْكارِ مَضْمُونِها وهي في الحَقِيقَةِ لِإنْكارِ جَزائِها أعْنِي ما بَعْدَ الفاءِ الثّانِيَةِ.
وزَعَمَ يُونُسُ أنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ مَصَبُّ الإنْكارِ والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ ولَيْسَ بِذاكَ، ويَتَضَمَّنُ إنْكارُ ما ذُكِرَ إنْكارَ ما هو مَدارٌ لَهُ وُجُودًا وعَدَمًا مِن شَماتَتِهِمْ بِمَوْتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ حَتّى يَشْمَتُوا بِمَوْتِكَ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضى ∗∗∗ تَزَوُّدْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ وقَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ: إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ عَلى أُناسٍ ∗∗∗ كَلاكِلَهُ أناخَ بِآخَرِينا فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا ∗∗∗ سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ ونَقَلَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأدْنى زِيادَةٍ أنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى ما سِيقَ لَهُ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن حَيْثُ النُّبُوَّةُ لِيَتَخَلَّصَ مِنهُ إلى تَقْرِيرِ مُشَرِّعٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أفْحَمَ القائِلِينَ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ والمُتَّخِذِينَ لَهُ سُبْحانَهُ شُرَكاءَ وبَكَّتَهم ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى إفْحامِهِمْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَإنْ ﴾ إلَخْ لِأنَّ الخَصْمَ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ مُتَشَبَّثٌ تَمَنّى هَلاكَ خَصْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ بُرْهانٌ عَلى ما أنْكَرَ مِن خُلُودِهِمْ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما جَعَلْنا ﴾ إلَخْ، والمَوْتُ عِنْدَ الشَّيْخِ الأشْعَرِيِّ كَيْفِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ تَضادُّ الحَياةَ، وعِنْدَ الإسْفِرايِنِيِّ وعُزِيَ لِلْأكْثَرِينَ أنَّهُ عَدَمُ الحَياةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ عَدَمُ تِلْكَ الحَياةِ كَما في العَمى الطّارِئِ عَلى البَصَرِ لا مُطْلَقُ العَمى فَلا يَلْزَمُ كَوْنُ عَدَمِ الحَياةِ عَنِ الجَنِينِ عِنْدَ اسْتِعْدادِهِ لِلْحَياةِ مَوْتًا، وقِيلَ عَدَمُ الحَياةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ الحَياةُ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُ ذَلِكَ ولا ضَيْرَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ واسْتَدَلَّ الأشْعَرِيُّ عَلى كَوْنِهِ وُجُودِيًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ فَإنَّ الخَلْقَ هو الإيجادُ والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ وبِأنَّهُ جائِزٌ والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن فاعِلٍ والعَدَمُ لا يَفْعَلُ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وهو أعَمُّ مِنَ الإيجادِ ولَوْ سُلِّمَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإيجادِ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِخَلْقِ المَوْتِ إيجادُ أسْبابِهِ أوْ يُقَدَّرُ المُضافُ وهو غَيْرُ عَزِيزٍ في الكَلامِ، وعَنِ الأُسْتاذِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ الآخِرَةُ والحَياةُ الدُّنْيا لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُما بِذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ الفاعِلَ قَدْ يُرِيدُ العَدَمَ كَما يُرِيدُ الحَياةَ فالفاعِلُ يَعْدَمُ الحَياةَ كَما يَعْدَمُ البَصَرَ مَثَلًا.
وقالَ اللَّقانِيُّ: الظّاهِرُ قاضٍ بِما عَلَيْهِ الأشْعَرِيُّ والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ العُدُولِ، وكَلامُهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ عَرَضٌ وتَوَقَّفَ بَعْضُ العُلَماءِ القائِلِينَ بِأنَّهُ وُجُودِيٌّ في أنَّهُ جَوْهَرٌ أوْ عَرَضٌ لِما أنَّ في بَعْضِ الأحادِيثِ أنَّهُ مَعْنًى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في كَفِّ مَلَكِ المَوْتِ، وفي بَعْضِها أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ عَلى صُورَةِ كَبْشٍ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ يَجِدُ رِيحَهُ إلّا ماتَ، وجُلُّ عِباراتِ العُلَماءِ أنَّهُ عَرَضٌ يَعْقُبُ الحَياةَ أوْ فَسادُ بِنْيَةِ الحَيَوانِ، والأوَّلُ غَيْرُ مانِعٍ والثّانِي رَسْمٌ بِالثَّمَرَةِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قالَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ: إنَّهُ تَعَطُّلُ القُوى لِانْطِفاءِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ الَّتِي هي آلَتُها فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِانْطِفاءِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَهو المَوْتُ الطَّبِيعِيُّ وإلّا فَهو الغَيْرُ الطَّبِيعِيُّ، والنّاسُ لا يَعْرِفُونَ مِنَ المَوْتِ إلّا انْقِطاعَ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ التَّعَلُّقَ المَخْصُوصَ ومُفارَقَتِها إيّاهُ، والمُرادُ بِالنَّفْسِ النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ وهي مُطْلَقًا أعَمُّ مِنَ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ كَما أنَّ الحَيَوانَ مُطْلَقًا أعَمُّ مِنَ الإنْسانِ.
والنُّفُوسُ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم ثَلاثَةٌ: النَّباتِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ والفَلَكِيَّةُ والنَّفْسُ مَقُولَةٌ عَلى الثَّلاثَةِ بِالِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ عَلى ما حَكاهُ الإمامُ في المُلَخَّصِ عَنِ المُحَقِّقِينَ.
وبِالِاشْتِراكِ المَعْنَوِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ في الشِّفاءِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحِلِّهِ، وإرادَةُ ما يَشْمَلُ الجَمِيعَ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِها النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِنَفْيِ خُلُودِ البَشَرِ، واخْتِيرَ عُمُومُها لِتَشْمَلَ نُفُوسَ البَشَرِ والجِنِّ وسائِرِ أنْواعِ الحَيَوانِ ولا يَضُرُّ ذَلِكَ بِالسَّوْقِ بَلْ هو أنْفَعُ فِيهِ، ولا شَكَّ في مَوْتِ كُلٍّ مِن أفْرادِ تِلْكَ الأنْواعِ، نَعَمِ اخْتُلِفَ في أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ إرادَةُ عُمُومِها بِحَيْثُ تَشْمَلُ نَفْسَ كُلِّ حَيٍّ كالمَلَكِ وغَيْرِهِ أمْ لا بِناءً عَلى الِاخْتِلافِ في مَوْتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والحُورِ العِينِ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ الكُلَّ يَمُوتُونَ ولَوْ لَحْظَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهم لا يَمُوتُونَ لِدَلالَةِ بَعْضِ الأخْبارِ عَلى ذَلِكَ، والمُرادُ مِن كُلِّ نَفْسٍ النُّفُوسُ الأرْضِيَّةُ والآيَةُ الَّتِي اسْتُدِلَّ بِها مُؤَوَّلَةٌ بِما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وهم داخِلُونَ في المُسْتَثْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ أوَّلًا يُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ صَعْقٍ مَوْتٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَلائِكَةَ يَمُوتُونَ والحُورَ لا تَمُوتُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَمُوتُونَ وبَعْضُهم لا يَمُوتُ كَجِبْرِيلَ وإسْرافِيلَ ومِيكائِيلَ وعِزْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورُجِّحَ قَوْلُ البَعْضِ، ولا يَرِدُ أنَّ المَوْتَ يَقْتَضِي مُفارَقَةَ الرُّوحِ البَدَنَ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا أبْدانَ لَهم لِأنَّ القائِلَ بِمَوْتِهِمْ يَقُولُ بِأنَّ لَهم أبْدانًا لَكِنَّها لَطِيفَةٌ كَما هو الحَقُّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، ورُبَّما يَمْنَعُ اقْتِضاءُ المَوْتِ البَدَنَ.
وبالَغَ بَعْضُهم فادَّعى أنَّ النُّفُوسَ أنْفُسَها تَمُوتُ بَعْدَ مُفارَقَتِها لِلْبَدَنِ وإنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ المُفارَقَةِ ذاتَ بَدَنٍ، وكَأنَّهُ يَلْتَزِمُ تَفْسِيرَ المَوْتِ بِالعَدَمِ والِاضْمِحْلالِ، والحَقُّ أنَّها لا تَمُوتُ سَواءٌ فُسِرَّ المَوْتُ بِما ذُكِرَ أمْ لا، وقَدْ أشارَ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ الكِنْدِيُّ إلى هَذا الِاخْتِلافِ بِقَوْلِهِ: تَنازَعَ النّاسُ حَتّى لا اتِّفاقَ لَهم إلّا عَلى شَجْبٍ والخُلْفُ في شَجْبِ فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ المَرْءِ سالِمَةً ∗∗∗ وقِيلَ تُشْرِكُ جِسْمَ المَرْءِ في العَطَبِ وذَهَبَ الإمامُ إلى العُمُومِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ قالَ: هو مَخْصُوصٌ فَإنَّ لَهُ تَعالى نَفْسًا كَما قالَ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ﴾ مَعَ أنَّ المَوْتَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَذا الجَماداتُ لَها نُفُوسٌ وهي لا تَمُوتُ، ثُمَّ قالَ: والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ عَلى ظاهِرِهِ فِيما عَدا ما أُخْرِجَ مِنهُ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ الفَلاسِفَةِ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والعُقُولِ المُفارِقَةِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ إنَّها لا تَمُوتُ اهَـ، وفِيهِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِالنَّفْسِ الجَوْهَرَ المُتَعَلِّقَ بِالبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ كَما قالَهُ الفَلاسِفَةُ ومَن وافَقَهم أوِ الجِسْمَ النُّورانِيَّ الخَفِيفَ الحَيَّ المُتَحَرِّكَ النّافِذَ في الأعْضاءِ السّارِي فِيها سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُحْدَثِينَ وذَكَرَ لَهُ ابْنُ القِيِّمِ مِائَةَ دَلِيلٍ فاللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ أصْلًا.
وكَذا الجَماداتُ لا تَتَّصِفُ بِها عَلى الشّائِعِ، وأيْضًا لَيْسَ لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والعُقُولِ المُفارِقَةِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ نَفْسًا بِأحَدِ ذَيْنِكَ المَعْنَيَيْنِ فَكَيْفَ يَبْطُلُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهم، وإنْ أرادَ بِها الذّاتَ كَما هو أحَدُ مَعانِيها جازَ أنْ تُثْبَتَ لِلَّهِ تَعالى وقَدْ قِيلَ بِهِ في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها، وكَذا هي ثابِتَةٌ لِلْجَماداتِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إنْ أرادَ بِالمَوْتِ مُفارَقَةَ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلُهُ وذَلِكَ يُبْطِلُ إلَخْ لِأنَّ الأرْواحَ والعُقُولَ المَذْكُورَةَ لا أبْدانَ لَها عِنْدَ الفَلاسِفَةِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِيها المَوْتُ بِذَلِكَ المَعْنى، وإنْ أرادَ بِهِ العَدَمَ والِاضْمِحْلالَ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الجَماداتِ تَتَّصِفُ بِهِ فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ وهي لا تَمُوتُ، وبِالجُمْلَةِ لا يَخْفى عَلى المُتَذَكِّرِ أنَّ الإمامَ سَها في هَذا المَقامِ، ثُمَّ إنَّ مَعْنى كَوْنِ النَّفْسِ ذائِقَةَ المَوْتِ أنَّها تُلابِسُهُ عَلى وجْهٍ تَتَألَّمُ بِهِ أوْ تَلْتَذُّ مِن حَيْثُ إنَّها تَخْلُصُ بِهِ مِن مَضِيقِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وحَظائِرِ القُدْسِ كَذا قِيلَ.
والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَتَألَّمُ بِالمَوْتِ لَكِنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ شَدَّةً وضَعْفًا، وفي الحَدِيثِ ««إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَراتٍ»» ولا يَلْزَمُ مِنَ التَّخَلُّصِ المَذْكُورِ لِبَعْضِ النّاسِ عَدَمُ التَّألُّمِ، ولَعَلَّ في اخْتِيارِ الذَّوْقِ إيماءً إلى ذَلِكَ لِمَن لَهُ ذَوْقٌ فَإنَّ أكْثَرَ ما جاءَ في العَذابِ، وقالَ الإمامُ: إنَّ الذَّوْقَ إدْراكٌ خاصٌّ وهو ها هُنا مَجازٌ عَنْ أصْلِ الإدْراكِ ولا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ المَوْتَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الطَّعامِ حَتّى يُذاقَ، وذَكَرَ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْتِ مُقَدِّماتُهُ مِنَ الآلامِ العَظِيمَةِ لِأنَّهُ قِيلَ دُخُولُهُ في الوُجُودِ مُمْتَنِعُ الإدْراكِ وحالَ وُجُودِهِ يَصِيرُ الشَّخْصُ مَيِّتًا والمَيِّتُ لا يُدْرِكُ، وتُعُقِّبُ بِأنَّ المُدْرِكَ النَّفْسُ المُفارِقَةُ وتُدْرِكُ ألَمَ مُفارَقَتِها البَدَنَ ﴿ ونَبْلُوكُمْ ﴾ الخِطابُ إمّا لِلنّاسِ كافَّةً بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ أوْ لِلْكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ أيْ نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم ﴿ بِالشَّرِّ والخَيْرِ ﴾ بِالمَكْرُوهِ والمَحْبُوبِ هَلْ تَصْبِرُونَ وتَشْكُرُونَ أوْ لا.
وتَفْسِيرُ الشَّرِّ والخَيْرِ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما الشِّدَّةُ والرَّخاءُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الفَقْرُ والمَرَضُ والغِنى والصِّحَّةُ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، وقُدِّمَ الشَّرُّ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِالمُنْكَرِ عَلَيْهِمْ أوْ لِأنَّهُ ألْصَقُ بِالمَوْتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ اخْتِيارَ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادِ تارَةً بِالمَسارِّ لِيَشْكُرُوا وتارَةً بِالمَضارِّ لِيَصْبِرُوا فالمِنحَةُ والمِحْنَةُ جَمِيعًا بَلاءٌ فالمِحْنَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلصَّبْرِ والمِنحَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلشُّكْرِ والقِيامُ بِحُقُوقِ الصَّبْرِ أيْسَرُ مِنَ القِيامِ بِحُقُوقِ الشُّكْرِ فالمِنحَةُ أعْظَمُ البَلاءَيْنِ، وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: بُلِينا بِالضَّرّاءِ فَصَبَرْنا وبُلِينا بِالسَّرّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ، ولِهَذا قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ دُنْياهُ فَلَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ مُكِرَ بِهِ فَهو مَخْدُوعٌ عَنْ عَقْلِهِ اهَـ، ولَعَلَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ لِتَقْدِيمِ الشَّرِّ ﴿ فِتْنَةً ﴾ أيِ ابْتِلاءٍ فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَبْلُوَكم عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أوْ حالًا عَلى مَعْنى نَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ لِأجْلِ إظْهارِ جَوْدَتِكم ورَداءَتِكم أوْ مُظْهِرِينَ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ ﴿ وإلَيْنا تُرْجَعُونَ ﴾ لا إلى غَيْرِنا لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فَنُجازِيكم حَسْبَما يَظْهَرُ مِنكم مِنَ الأعْمالِ، فَهو عَلى الأوَّلِ مِن وجْهَيِ الخِطابِ وعْدٌ ووَعِيدٌ وعَلى الثّانِي مِنهُما وعِيدٌ مَحْضٌ، وفي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الِابْتِلاءُ والتَّعْرِيضُ لِلثَّوابِ والعِقابِ.
وقُرِئَ (يَرْجِعُونَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ ﴿ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا ﴾ أيْ ما يَتَّخِذُونَكَ إلّا مَهْزُوًّا بِهِ عَلى مَعْنى قَصْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ عامَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ هُزُوًا لا عَلى مَعْنى قَصْرِ اتِّخاذِهِمْ عَلى كَوْنِهِ هُزُوًا كَما هو المُتَبادَرُ كَأنَّهُ قِيلَ ما يَفْعَلُونَ بِكَ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُوًا.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ( إنْ يَتَّخِذُونَكَ ) إلَخْ جَوابُ ( إذا ) ولَمْ يُحْتَجْ إلى الفاءِ كَما لَمْ يُحْتَجْ جَوابُها المُقْتَرِنُ بِما إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ وهَذا بِخِلافِ جَوابِ غَيْرِ إذا مِن أدَواتِ الشَّرْطِ المُقْتَرِنِ بِما فَإنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ الِاقْتِرانُ بِالفاءِ نَحْوُ إنْ تَزُرْنا فَما نُسِيءُ إلَيْكَ، وقِيلَ الجَوابُ مَحْذُوفٌ وهو يَقُولُونَ المَحْكِيُّ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ يَتَّخِذُونَكَ ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ ولَيْسَ بِذاكَ، نَعَمْ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ فِيما ذُكِرَ وهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ( إنْ يَتَّخِذُونَكَ ) أوْ حالٌ أيْ ويَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ ويُفِيدانِ أنَّ المُرادَ يَذْكُرُ آلِهَتَكم بِسُوءٍ وقَدْ يُكْتَفى بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ فَإنَّ ذِكْرَ العَدُوِّ لا يَكُونُ إلّا بِسُوءٍ وقَدْ تَحاشَوْا عَنِ التَّصْرِيحِ أدَبًا مَعَ آلِهَتِهِمْ.
وفي مَجْمَعِ البَيانِ تَقُولُ العَرَبُ ذَكَرْتَ فُلانًا أيْ عِبْتَهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: لا تَذْكُرِي مَهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأجْرَبِ انْتَهى والإشارَةُ مِثْلُها في قَوْلِهِ: هَذا أبُو الصَّقْرِ فَرْدًا في مَحاسِنِهِ ∗∗∗ مِن نَسْلِ شَيْبانَ بَيْنَ الضّالِّ والسَّلَمِ فَيَكُونُ في ذَلِكَ نَوْعُ بَيانٍ لِلِاتِّخاذِ هُزُوًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ القَوْلِ المُقَدَّرِ، والمَعْنى أنَّهم يَعِيبُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَذْكُرَ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ والحالُ أنَّهم بِالقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ رَحْمَةً كافِرُونَ فَهم أحِقّاءُ بِالعَيْبِ والإنْكارِ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( كافِرُونَ ) وبِهِ يَتَعَلَّقُ ( بِذِكْرِ ) وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ وإضافَتُهُ لامِيَّةٌ، والضَّمِيرُ الثّانِي تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِلْأوَّلِ، والفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمُؤَكِّدِ وبَيْنَ المُؤَكَّدِ والمُؤَكِّدِ بِالمَعْمُولِ جائِزٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ﴿ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ تَوْحِيدُهُ عَلى أنَّ ذِكْرَ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ أيْ وهم كافِرُونَ بِتَوْحِيدِ الرَّحْمَنِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَدْعِي تَوْحِيدَهُ والإيمانَ بِهِ سُبْحانَهُ، وأنْ يُرادَ بِهِ عِظَتُهُ تَعالى وإرْشادُهُ الخَلْقَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وقِيلَ المُرادُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ ذِكْرُهُ هَذا اللَّفْظَ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى، والمُرادُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ قَوْلُهم ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ لا غَيْرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يَتَّخِذُونَكَ ) أيْ يَتَّخِذُونَكَ هُزُوًا وهم عَلى حالٍ هي أصْلُ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ وهي الكُفْرُ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّهُ مَرَّ عَلى أبِي سُفْيانَ.
وأبِي جَهْلٍ وهُما يَتَحَدَّثانِ فَلَمّا رَآهُ أبُو جَهْلٍ ضَحِكَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ فَغَضِبَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ما تَنْكِرُ أنْ يَكُونَ لِبَنِي عَبْدِ مَنافٍ نَبِيٌّ فَسَمِعَها النَّبِيُّ فَرَجَعَ إلى أبِي جَهْلٍ فَوَقَعَ بِهِ وخَوَّفَهُ وقالَ: ما أراكَ مُنْتَهِيًا حَتّى يُصِيبَكَ ما أصابَ عَمَّكَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ وقالَ لِأبِي سُفْيانَ: أما إنَّكَ لَمْ تَقُلْ ما قُلْتَ إلّا حَمِيَّةً».
وأنا أرى أنَّ القَلْبَ لا يُثْلَجُ لِكَوْنِ هَذا سَبَبًا لِلنُّزُولِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ وهو طَلَبُ الشَّيْءِ وتَحَرِّيهِ قَبْلَ أوانِهِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ جِنْسُهُ جُعِلَ لِفَرْطِ اسْتِعْجالِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ كَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نَفْسِ العَجَلِ تَنْزِيلًا لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الأخْلاقِ مَنزِلَةَ ما طُبِعَ مِنهُ مِنَ الأرْكانِ إيذانًا بِغايَةِ لُزُومِهِ لَهُ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ، وقالَ أبُو عَمْرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ وقُطْرُبُ: في ذَلِكَ قَلْبٌ والتَّقْدِيرُ خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ جُعِلَ مِن طَبائِعِهِ وأخْلاقِهِ لِلُزُومِهِ لَهُ، وبِذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وهو قَلْبٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وقَدْ شاعَ في كَلامِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ عِنْدَ إرادَةِ المُبالَغَةِ فَيَقُولُونَ لِمَن لازَمَ اللَّعِبَ أنْتَ مِن لَعِبٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأنا لَمِمّا يَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ يُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ وقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ النَّضِرُ بْنُ الحَرْثِ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ حِينَ اسْتَعْجَلَ العَذابَ بِقَوْلِهِ ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ ﴾ إلَخْ، وقالَ مُجاهِدٌ.
وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: المُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَقُومَ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ وتَصِلَ إلى رِجْلَيْهِ، وقِيلَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ النَّهارِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلَمّا أجْرى الرُّوحَ في عَيْنَيْهِ ولِسانِهِ ولَمْ يَبْلُغْ أسْفَلَهُ قالَ: يا رَبِّ اسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ المُرادُ أنَّهُ خُلِقَ بِسُرْعَةٍ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبِ خَلْقِ بَنِيهِ حَيْثُ تَدَرَّجَ في خَلْقِهِمْ، وذُكِرَ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ خَلْقَهُ كَذَلِكَ مِن دَواعِي عَجَلَتِهِ في الأُمُورِ، والأظْهَرُ إرادَةُ الجِنْسِ وإنْ كانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَقْتَضِيهِ سارِيًا إلى أوْلادِهِ وما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ لا يَأْباهُ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ العَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِبَعْضِهِمْ: النَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ مَنبَتُهُ ∗∗∗ والنَّخْلُ مَنبَتُهُ في الماءِ والعَجَلِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا تَقْرِيبَ لِهَذا المَعْنى ها هُنا وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يَكُونُ القَصْدُ عَلَيْهِ تَحْقِيرُ شَأْنِ جِنْسِ الإنْسانِ تَتْمِيمًا لِمَعْنى التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ المَعْنى الأوَّلُ، والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ المُسْتَعْجِلِينَ، والمُرادُ بِآياتِهِ تَعالى نَقِماتُهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِإراءَتِهِمْ إيّاها إصابَتُهُ تَعالى إيّاهم بِها، وتِلْكَ الإراءَةُ في الآخِرَةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ ما بَعْدُ، وقِيلَ فِيها وفي الدُّنْيا، والنَّهْيُ عَنِ اسْتِعْجالِهِمْ إيّاهُ تَعالى بِالإتْيانِ بِها مَعَ أنَّ نُفُوسَهم جُبِلَتْ عَلى العَجَلَةِ لِيَمْنَعُوها عَمّا تُرِيدُهُ ولَيْسَ هَذا مِنَ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهم مِنَ الأسْبابِ ما يَسْتَطِيعُونَ بِهِ كَفَّ النَّفْسِ عَنْ مُقْتَضاها ويَرْجِعُ هَذا النَّهْيُ إلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ وابْنُ مُقْسِمٍ (خَلَقَ الإنْسانَ ) بِبِناءِ (خَلَقَ ) لِلْفاعِلِ ونَصْبِ (الإنْسانَ ) .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ أيْ وقْتُ وُقُوعِ السّاعَةِ المَوْعُودِ بِها، وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِعْجالًا لِمَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ الجَوابُ لا طَلَبًا لِتَعْيِينِ وقْتِهِ بِطَرِيقِ الإلْزامِ كَما في سُورَةِ المُلْكِ، ( ومَتى ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِهَذا.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ أيْ مَتى يَأْتِي هَذا الوَعْدُ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ بِأنَّهُ يَأْتِي والخِطابُ لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ الآياتِ الكَرِيمَةَ المُنْبِئَةَ عَنْ إتْيانِ السّاعَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ فَإنَّ قَوْلَهم ( مَتى هَذا الوَعْدُ ) حَيْثُ كانَ اسْتِبْطاءً مِنهم لِلْمَوْعُودِ وطَلَبًا لِإتْيانِهِ بِطَرِيقِ العَجَلَةِ في قُوَّةِ طَلَبِ إتْيانِهِ بِالعَجَلَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَلْيَأْتِنا بِسُرْعَةٍ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ شِدَّةِ هَوْلِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ وفَظاعَةِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ وأنَّهم إنَّما يَسْتَعْجِلُونَهُ لِجَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ العِلْمِ بِحَسَبِ المَقامِ وإلّا فَكَثِيرًا ما يُفِيدُ المُضارِعُ المَنفِيُّ انْتِفاءَ الِاسْتِمْرارِ، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ اسْتِعْجالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ﴾ مَفْعُولُ ( يَعْلَمُ ) عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو عِبارَةٌ عَنِ الوَقْتِ المَوْعُودِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ، وإضافَتُهُ إلى الجُمْلَةِ الجارِيَةِ مَجْرى الصِّفَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ أيْضًا مَعَ إنْكارِ الكَفَرَةِ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى الإخْبارِ بِهِ وإنَّما حَقُّهُ الِانْتِظامُ في سَلْكِ المُسَلَّماتِ المَفْرُوغِ عَنْها، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ أيْ لَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِالوَقْتِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ ( مَتى هَذا الوَعْدُ ) وهو الوَقْتُ الَّذِي تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ فِيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ والظُّهُورِ بِالذِّكْرِ بِمَعْنى القُدّامِ والخَلْفِ لِكَوْنِهِما أشْهَرَ الجَوانِبِ واسْتِلْزامُ الإحاطَةِ بِهِما لِلْإحاطَةِ بِالكُلِّ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى رَفْعِها بِأنْفُسِهِمْ مِن جانِبٍ مِن جَوانِبِهِمْ ﴿ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ مِن جِهَةِ الغَيْرِ في دَفْعِها إلَخْ لَمّا فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الِاسْتِعْجالِ، وقَدَّرَ الحُوفِيُّ لَسارَعُوا إلى الإيمانِ وبَعْضُهم لَعَلِمُوا صِحَّةَ البَعْثِ وكِلاهُما لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ إنَّ ( لَوْ ) لِلتَّمَنِّي لا جَوابَ لَها وهو كَما تَرى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( يَعْلَمُ ) مَتْرُوكَ المَفْعُولِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّامِ أيْ لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ لَما فَعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِينَ ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِجَهْلِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِاسْتِمْرارِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ كَأنَّهُ قِيلَ: حِينَ يَرَوْنَ ما يَرَوْنَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ، وفي الكَشْفِ كَأنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نُفِيَ العِلْمُ كانَ مَظِنَّةً أنْ يُسْألَ فَأيُّ وقْتٍ يَعْلَمُونَ ؟
فَأُجِيبَ حِينَ لا يَنْفَعُهم، والظّاهِرُ كَوْنُ ( حِينَ ) إلَخْ مَفْعُولًا بِهِ لِيَعْلَمَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَجِيءَ المَوْعُودِ الَّذِي سَألُوا عَنْهُ واسْتَبْطَؤُوهُ ( وحِينَ ) مَنصُوبٌ بِذَلِكَ المَفْعُولِ ولَيْسَ عِنْدِي بِظاهِرٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ لا يَكُفُّونَ ﴾ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ نَفْيٌ والتَّقْدِيرُ إنَّ الآياتِ لا تَأْتِي بِحَسَبِ اقْتِراحِهِمْ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ يَعْلَمُ ﴾ إلَخْ وهو مَنفِيُّ مَعْنًى كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بَلْ تَأْتِيهِمْ إلَخْ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما زَعَمَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
والمُضْمَرُ في ( تَأْتِيهِمْ ) عائِدٌ عَلى ( الوَعْدُ ) لِتَأْوِيلِهِ بِالعِدَةِ أوِ المَوْعِدَةِ أوِ الحِينِ لِتَأْوِيلِهِ بِالسّاعَةِ أوْ عَلى ( النّارَ ) واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَأْتِيَهم وهو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ ﴿ فَتَبْهَتُهُمْ ﴾ تُدْهِشُهم وتُحَيِّرُهم أوْ تَغْلِبُهم عَلى أنَّهُ مَعْنًى كِنائِيٌّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (بَلْ يَأْتِيهِمْ ) بِياءِ الغَيْبَةِ (بَغَتَةً ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ في كُلِّ ما عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ (فَيَبْهَتُهم ) بِياءِ الغَيْبَةِ أيْضًا، فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في كُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ لِلْوَعْدِ أوْ لِلْحِينِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلنّارِ بِجَعْلِها بِمَعْنى العَذابِ ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ فِيما قَبْلَهُ، وقِيلَ: عَلى البَغْتَةِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ لِيَسْتَرِيحُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِإمْهالِهِمْ في الدُّنْيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ إلَخْ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِهِ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ بَعْدَ أنْ قَضى الوَطَرَ مِن ذِكْرِ الأجْوِبَةِ الحِكَمِيَّةِ عَنْ مَطاعِنِهِمْ في النُّبُوَّةِ وما أُدْمِجَ فِيها مِنَ المَعانِي الَّتِي هي لُبابُ المَقاصِدِ وفِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَضى ما عَلَيْهِ مِن عُهْدَةِ الإبْلاغِ وأنَّهُ المَنصُورُ في العاقِبَةِ ولِهَذا بُدِئَ بِذِكْرِ أجِلَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلتَّأسِّي وخَتَمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ ﴾ إلَخْ، وتَصْدِيرُ ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، وتَنْوِينُ الرُّسُلِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ أيْ وبِاللَّهِ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ أُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ كائِنِينَ مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿ فَحاقَ ﴾ أيْ أحاطَ عُقَيْبَ ذَلِكَ أوْ نَزَلَ أوْ حَلَّ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَإنَّ مَعْناهُ يَدُورُ عَلى الشُّمُولِ واللُّزُومِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ.
والحَيْقُ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهِ فِعْلِهِ، وقِيلَ: أصْلُ حاقَ حَقَّ كَزالَ وزَلَّ وذامَ وذَمَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ وتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ، و(ما ) إمّا مَوْصُولَةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّهْوِيلِ والضَّمِيرُ المَجْرُورٌ عائِدٌ عَلَيْها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى جِنْسِ الرَّسُولِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَمْعِ كَما قالُوا.
ولَعَلَّ إيثارَ الإفْرادِ عَلى الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَحِيقُ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا جْزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ بِكُلِّهِمْ مِن حَيْثُ هو فَقَطْ أيْ فَنَزَلَ بِهِمْ جَزاءَ اسْتِهْزائِهِمْ عَلى وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ إيذانًا بِكَمال المُلابَسَةِ بَيْنَهُما أوْ عَيْنَ اسْتِهْزائِهِمْ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ بِناءً عَلى ظُهُورِ الأعْمالِ في النَّشْأةِ الأُخْرَوِيَّةِ بِصُوَرٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ أمْرٌ لَهُ أنْ يَسْألَ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَنْبِيهٍ كَيْلا يَغْتَرُّوا بِما غَشِيَهم مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى ويَقُولُ ﴿ مَن يَكْلَؤُكُمْ ﴾ أيْ يَحْفَظُكم ﴿ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ أيْ مِن بَأْسِهِ بِقَرِينَةِ الحِفْظِ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِما أنَّ الدَّواهِيَ فِيهِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأشَدُّ وقْعًا.
وفِي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حِفْظَ لَهم إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى وتَلْقِينٌ لِلْجَوابِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ بَأْسَهُ تَعالى إذا أرادَ شَدِيدٌ ألِيمٌ ولِذا يُقالُ نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن غَضَبِ الحَلِيمُ وتَنْدِيمٌ لَهم حَيْثُ عَذَّبَهم مَن غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ ودَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ خُبْثِهِمْ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ والزُّهْرِيُّ وشَيْبَةُ (يَكْلُوكم ) بِضَمَّةٍ خَفِيفَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وحَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ (يَكْلَوْكم ) بِفَتْحِ اللّامِ وإسْكانِ الواوِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ إضْرابٌ عَنْ ذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ السَّماعِ وأنَّهم قَوْمٌ ألْهَتْهُمُ النِّعَمُ عَنِ المُنْعِمِ فَلا يَذْكُرُونَهُ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَخافُوا بَأْسَهُ أوْ يَعُدُّوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ الأمْنِ والدَّعَةِ حِفْظًا وكِلاءَةً لِيَسْألُوا عَنِ الكالِئِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: عَوَّجُوا فَحَيَّوْا لِنَعْمى دِمْنَةَ الدّارِ ماذا تَحْيَوْنَ مِن نَوْءٍ وأحْجارِ وفِيهِ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإعْراضِ ذُكِّرُوا ونُبِّهُوا أوَّلًا، وفي تَعْلِيقِ الإعْراضِ بِذِكْرِهِ تَعالى وإيرادِ اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمُ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وتَدْبِيرِهِ وتَرْبِيَتِهِ تَعالى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِمْ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الضَّلالَةِ والغَيِّ ما لا يَخْفى، وقِيلَ إنَّهُ إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ أيْ إنَّهم غَيْرُ غافِلِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَتّى لا يُجْدِيَ السُّؤالُ عَنْهُ سُبْحانَهُ كَيْفَ وهم إنَّما اتَّخَذُوا الآلِهَةَ وعَبَدُوها لِتَشْفَعَ لَهم عِنْدَهُ تَعالى وتُقَرِّبَهم إلَيْهِ زُلْفًى بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَّذْكِيرُ يُناسِبُهم، وهَذا مَعَ ظُهُورِهِ مِن مَساقِ الكَلامِ ووُضُوحِ انْطِباقِهِ عَلى مُقْتَضى المَقامِ قَدْ خَفِيَ عَنِ النّاظِرِينَ وغَفَلُوا عَنْهُ أجْمَعِينَ اهَـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ لِتَجْهِيلِهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ألا يُرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ ﴾ وما ذُكِرَ يَقْتَضِي العَكْسَ لِتَضَمُّنِهِ وصْفَهم بِإجْداءِ الإنْذارِ والدُّعاءِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ غافِلِينَ مُنافٍ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ فالحَقُّ ما تَقَدَّمَ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا ﴾ إعْراضٌ عَنْ وصْفِهِمْ بِالإعْراضِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِاعْتِمادِهِمْ عَلى آلِهَتِهِمْ وإسْنادِهِمُ الحِفْظَ إلَيْها، فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ ( ولَهم ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ( وآلِهَةٌ ) مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿ تَمْنَعُهُمْ ﴾ صِفَتُهُ ( ومِن دُونِنا ) قِيلَ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ أيْ بَلْ ألَهم آلِهَةٌ مانِعَةٌ لَهم مُتَجاوِزَةٌ مَنعَنا أوْ حِفْظَنا فَهم مُعَوِّلُونَ عَلَيْها واثِقُونَ بِحِفْظِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا والأصْلُ أمْ لَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا تَمْنَعُهم، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿ مِن دُونِنا ﴾ صِفَةً أيْضًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَنُّعِهِمْ أيْ بَلْ ألَهُمَ آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن عَذابٍ مِن عِنْدِنا، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم آلِهَةٌ كَذَلِكَ، وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى وُجُودِ الآلِهَةِ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ لا إلى نَفْسِ الصِّفَةِ بِأنْ يُقالَ أمْ تَمْنَعُهم آلِهَتُهم إلَخْ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُقُوطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ فَضْلًا عَنْ رُتْبَةِ المَنعِ ما لا يَخْفى.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الإضْرابَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ( أمْ ) عائِدٌ عَلى الأمْرِ بِالسُّؤالِ كالإضْرابِ السّابِقِ لَكِنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ مِن حَيْثُ إنَّ سُؤالَ الغافِلِ عَنِ الشَّيْءِ بِعِيدٌ وسُؤالَ المُعْتَقِدِ لِنَقِيضِهِ أبْعَدُ، وفَهِمَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّ الهَمْزَةَ عَلَيْهِ لِلتَّقْرِيرِ بِما في زَعْمِ الكَفَرَةِ تَهَكُّمًا.
وتُعُقِّبَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْكارِ لا بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم زَعْمُ ذَلِكَ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ لِمَ كانَ مِثْلَهُ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، والأظْهَرُ عِنْدِي جَعْلُهُ عائِدًا عَلى الوَصْفِ بِالإعْراضِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا، وفي الكَشْفِ ضِمْنَ الإعْراضِ عَنْ وصْفِهِمْ بِالإعْراضِ إنْكارُهُ أبْلَغَ الإنْكارِ بِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى كَمَن لَهُ كالِئٍ يَمْنَعُهُ عَنْ بَأْسِنا مُعْرِضًا فِيهِ بِجانِبِ آلِهَتِهِمْ وأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ تَعالى واشْتَغَلُوا بِهِمْ ولِهَذا رُشِّحَ بِما بَعْدُ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ حَدِيثَ الإعْراضِ وانْظُرْ إلى مَن أعْرَضُوا عَنْ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ إلَيْهِ فَإنَّ هَذا أطَمُّ وأطَمُّ فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الإنْكارِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصُرُوا أنْفُسَهم ويَدْفَعُوا عَنْها ما يَنْزِلُ بِها ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ بِنَصْرٍ أوْ بِمَن يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ مِن جِهَتِنا فَهم في غايَةِ العَجْزِ وغَيْرُ مُعْتَنًى بِهِمْ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ ما يُتَوَهَّمُ، فالضَّمائِرُ لِلْآلِهَةِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها لِلْكَفَرَةِ عَلى مَعْنى لا يَسْتَطِيعُ الكُفّارُ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ بِآلِهَتِهِمْ ولا يَصْحَبُهم نَصْرٌ مِن جِهَتِنا، والأوَّلُ أوْلى بِالمَقامِ وإنْ كانَ هَذا أبْعَدَ عَنِ التَّفْكِيكِ، ( ومِنّا ) عَلى القَوْلَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمُقَدِّرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَلى ما في الكَشْفِ عَنِ الضَّرْبِ السّابِقِ مِنَ الكَلامِ إلى وعِيدِهِمْ وأنَّهم مِن أهْلِ الِاسْتِدْراجِ وأخْرَجَهم عَنِ الخِطابِ عَدَمَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وفي العُدُولِ إلى الإشارَةِ عَنِ الضَّمِيرِ إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ، وفي غَيْرِ كِتابٍ أنَّهُ إضْرابٌ عَمّا تَوَهَّمُوهُ مِن أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الكِلاءَةِ مِن جِهَةِ أنَّ لَهم آلِهَةً تَمْنَعُهم مِن تَطَرُّقِ البَأْسِ إلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ ما زَعَمُوا مِن كَوْنِهِمْ مَحْفُوظِينَ بِكِلاءَةِ آلِهَتِهِمْ بَلْ ما هم فِيهِ مِنَ الحِفْظِ مِنّا لا غَيْرُ حَفِظْناهم مِنَ البَأْساءِ ومَتَّعْناهم بِأنْواعِ السَّرّاءِ لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الِاسْتِدْراجِ والِانْهِماكِ فِيما يُؤَدِّيهِمْ إلى العَذابِ الألِيمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إضْرابًا عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنافُ السّابِقُ مِن بُطْلانِ تَوَهُّمِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ دَعْ ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ تَوَهُّمِهِمْ مِن أنْ يَكُونَ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم واعْلَمْ أنَّهم إنَّما وقَعُوا في ورْطَةِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ الباطِلِ بِسَبَبِ أنّا مَتَّعْناهم بِما يَشْتَهُونَ حَتّى طالَتْ مُدَّةُ عِمارَةِ أبْدانِهِمْ بِالحَياةِ فَحَسِبُوا أنَّ ذَلِكَ يَدُومُ فاغْتَرُّوا وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ واتَّبَعُوا ما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم وذَلِكَ طَمَعٌ فارِغٌ وأمَلٌ كاذِبٌ ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ﴾ أيْ ألا يَنْظُرُونَ فَلا يَرَوْنَ ﴿ أنّا نَأْتِي الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ الكَفَرَةِ أوْ أرْضَهم ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وحَوْزِ ما يَحُوزُونَهُ مِنها ونَظْمِهِ في سِلْكِ مُلْكِهِمْ، والعُدُولُ عَنْ أنّا نَنْقُصُ الأرْضَ مِن أطْرافِها إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِتَصْوِيرِ كَيْفِيَّةِ نَقْصِها وانْتِزاعِها مِن أيْدِيهِمْ فَإنَّهُ بِإتْيانِ جُيُوشِ المُسْلِمِينَ واسْتِيلائِهِمْ، وكانَ الأصْلُ يَأْتِي جُيُوشُ المُسْلِمِينَ لَكِنَّهُ أسْنَدَ الإتْيانَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ تَعْظِيمًا لَهم وإشارَةً إلى أنَّهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ورِضاهُ، وفِيهِ تَعْظِيمٌ لِلْجِهادِ والمُجاهِدِينَ.
والآيَةُ كَما قَدَّمْنا أوَّلَ السُّورَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي نازِلَةٌ بَعْدَ فَرْضِ الجِهادِ فَلا يَرُدُّ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والجِهادَ فُرِضَ بَعْدَها حَتّى يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ أوْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ نَنْقُصُها بِإذْهابِ بَرَكَتِها كَما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِتَخْرِيبِ قُراها ومَوْتِ أهْلِها كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ نَنْقُصُها بِمَوْتِ العُلَماءِ وهَذا إنْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَلا مُعْدِلَ عَنْهُ وإلّا فالأظْهَرُ نَظَرًا إلى المَقامِ ما تَقَدَّمَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ.
والمُرادُ إنْكارُ تَرْتِيبِ الغالِبِيَّةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن نَقْصِ أرْضِ الكَفَرَةِ بِتَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ أبَعْدَ ظُهُورِ ما ذُكِرَ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ يُتَوَهَّمُ غَلَبَتُهم، وفي التَّعْرِيفِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُسْلِمِينَ هُمُ المُتَعَيِّنُونَ لِلْغَلَبَةِ المَعْرُوفُونَ فِيها <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّما أُنْذِرُكُمْ ﴾ بَعْدَ ما بَيَّنَ مِن جِهَتِهِ تَعالى غايَةَ هَوْلِ ما يَسْتَعْجِلُهُ المُسْتَعْجِلُونَ ونِهايَةَ سُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ إتْيانِهِ ونَعى عَلَيْهِمْ جَهْلَهم بِذَلِكَ وإعْراضَهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمُ الَّذِي يَكْلَؤُهم مِن طَوارِقِ اللَّيْلِ وحَوادِثِ النَّهارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَساوِيهِمْ أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: إنَّما أُنْذِرُكم ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ السّاعَةِ بِالوَحْيِ الصّادِقِ النّاطِقِ بِإثْباتِها وفَظاعَةِ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ أيْ إنَّما شَأْنِي أنْ أُنْذِرَكم بِالإخْبارِ بِذَلِكَ لا بِالإتْيانِ بِها فَإنَّهُ مُزاحِمٌ لِلْحِكْمَةِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ فَإنَّ الإيمانَ بُرْهانِيٌّ لا عَيانِيٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ ﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ المُلَقَّنِ تَذْيِيلٌ لَهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ قَدْ أمَرَ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الجَهْلِ والعِنادِ، وإمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ قُلْ لَهم ذَلِكَ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّماعِ، واللّامُ في الصُّمِّ إمّا لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا وإمّا لِلْعَهْدِ فَوَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالتَّصامُمِ، وتَقْيِيدُ نَفِي السَّماعِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا ما يُنْذَرُونَ ﴾ مَعَ أنَّ الصُّمَّ لا يَسْمَعُونَ مُطْلَقًا لِبَيانِ كَمالِ شِدَّةِ الصَّمَمِ كَما أنَّ إيثارَ الدُّعاءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الصَّوْتِ والنِّداءِ عَلى الكَلامِ لِذَلِكَ، فَإنَّ الإنْذارَ عادَةً يَكُونُ بِأصْواتٍ عالِيَةٍ مُكَرَّرَةٍ مُقارِنَةً لِهَيْئاتٍ دالَّةٍ عَلَيْهِ فَإذا لَمْ يَسْمَعُوها يَكُنْ صَمَمُهم في غايَةٍ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِها، وقِيلَ لِأنَّ الكَلامَ في الإنْذارِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ﴾ وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍ و وابْنِ الصَّلْتِ عَنْ حَفْصٍ (تَسْمَعُ ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ مِنَ الإسْماعِ ( الصُّمَّ الدُّعاءَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ احْتِمالَ كَوْنِ الجُمْلَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى وقُرِئَ (يَسْمَعُ ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ (الصُّمَّ الدُّعاءَ ) بِنَصْبِهِما عَلى ما مَرَّ.
وذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ (يُسْمَعُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (الصُّمُّ ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ (الدُّعاءَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ اليَزِيدِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و (يُسْمِعُ ) بِضَمِّ ياءِ الغَيْبَةِ وكَسْرِ المِيمِ ( الصُّمَّ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ (الدُّعاءُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِيَسْمَعُ، وإسْنادُ الإسْماعِ إلَيْهِ مِن بابِ الِاتِّساعِ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ ولا يُسْمِعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ شَيْئًا، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ ﴾ بَيانٌ لِسُرْعَةِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ نَفْسِ العَذابِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ مِن مَجِيءِ خَبَرِهِ عَلى نَهْجِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ أيْ وبِاللَّهِ لَئِنْ مَسَّهم أدْنى شَيْءٍ مِن عَذابِهِ تَعالى: ﴿ لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ ﴾ أيْ لَيَدْعُنَّ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ والهَلاكِ ويَعْتَرِفُنَّ عَلَيْها بِالظُّلْمِ السّابِقِ، وفي ﴿ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ ﴾ ثَلاثُ مُبالَغاتٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وهي كَما في الكَشْفِ ذِكْرُ المَسِّ وهو دُونُ النُّفُوذِ ويَكْفِي في تَحَقُّقِهِ إيصالُ ما، وما في النَّفْحِ مِن مَعْنى النَّزارَةِ فَإنَّ أصْلَهُ هُبُوبُ رائِحَةِ الشَّيْءِ ويُقالُ نَفَحَتْهُ الدّابَّةُ ضَرَبَتْهُ بِحَدِّ حافِرِها ونَفْحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ وأعْطاهُ يَسِيرًا، وبِناءُ المَرَّةِ وهي لِأقَلِّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وجَعَلَ السَّكّاكِيُّ التَّنْكِيرَ رابِعَتَها لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْقِيرِ، واسْتِفادَةُ ذَلِكَ إنْ سَلِمَتْ مِن بِناءِ المَرَّةِ ونَفْسِ الكَلِمَةِ لا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ كَما زَعَمَ صاحِبُ الإيضاحِ.
واعْتَرَضَ بَعْضُهُمُ المُبالَغَةَ في المَسِّ بِأنَّهُ أقْوى مِنَ الإصابَةِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَأثُّرِ حاسَّةِ المَمْسُوسِ ومِمّا ذُكِرَ في الكَشْفِ يُعْلَمُ انْدِفاعُهُ لِمَن مَسَّتْهُ نَفْحَةُ عِنايَةٍ، ولَعَلَّ في الآيَةِ مُبالَغَةً خامِسَةً تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا المَسَّ يَوْمَ القِيامَةِ كَما رَمَزْنا إلَيْهِ، وقِيلَ في الدُّنْيا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن تَفْسِيرِ النَّفْحَةِ بِالجُوعِ الَّذِي نَزَلَ بِمَكَّةَ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ﴾ بَيانٌ لِما سَيَقَعُ عِنْدَ إتْيانِ ما أُنْذِرُوهُ.
وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ الجُمْلَةَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لَيَقُولُنَّ ﴾ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَضَعُ، وهي في الخُلُوِّ عَنِ العائِدِ نَحْوُ جِئْتُكَ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُقِيمَ العُمُومُ في ﴿ نَفْسٌ ﴾ الآتِي بَعْدَ مَقامِ العائِدِ وهو كَما تَرى أيْ ونُحْضِرُ المَوازِينَ العادِلَةَ الَّتِي تُوزَنُ بِها صَحائِفُ الأعْمالِ كَما يَقْضِي بِذَلِكَ حَدِيثُ السِّجِلّاتِ والبِطاقَةِ الَّتِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ أوْ نَفْسُ الأعْمالِ كَما قِيلَ، وتَظْهَرُ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُشْرِقَةٍ إنْ كانَتْ حَسَناتٍ ومُظْلِمَةٍ إنْ كانَتْ سَيِّئاتٍ، وجَمْعُ المَوازِينِ ظاهِرٌ في تَعَدُّدِ المِيزانِ حَقِيقَةً وقَدْ قِيلَ بِهِ فَقِيلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِيزانٌ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِ مَوازِينُ بِعَدَدِ خَيْراتِهِ وأنْواعِ حَسَناتِهِ، والأصَحُّ الأشْهَرُ أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِجَمِيعِ الأعْمالِ كِفَّتاهُ كَأطْباقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِصِحَّةِ الأخْبارِ بِذَلِكَ، والتَّعَدُّدُ اعْتِبارِيٌّ وقَدْ يُعَبِّرُ عَنِ الواحِدِ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا ﴾ وقَوْلُهُ فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ، وإحْضارُ ذَلِكَ تُجاهَ العَرْشِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ ويَأْخُذُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَمُودِهِ ناظِرًا إلى لِسانِهِ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمِينٌ عَلَيْهِ كَما في نَوادِرِ الأُصُولِ، وهَلْ هو مَخْلُوقٌ اليَوْمَ أوْ سَيُخْلَقُ غَدًا ؟
.
قالَ اللَّقانِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في ذَلِكَ كَما لَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّهُ مِن أيِّ الجَواهِرِ هو اهَـ، وما رُوِيَ مِن أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُرِيَهُ المِيزانَ فَلَمّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: يا إلَهِي مَنِ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يَمْلَأ كِفَّتَهُ حَسَناتٍ ؟
فَقالَ تَعالى: يا داوُدُ إنِّي إذا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُها بِتَمْرَةٍ، نَصٌّ في أنَّهُ مَخْلُوقٌ اليَوْمَ لَكِنْ لا أدْرِي حالَ الحَدِيثِ فَلْيُنْقَرْ.
وأنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ المِيزانَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ وقالُوا: يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ عَلى رِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ، ووَضْعُ المَوازِينِ عِنْدَهم تَمْثِيلٌ لِإرْصادِ الحِسابِ السَّوِيِّ والجَزاءِ عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ورُوِيَ هَذا عَنِالضَّحّاكِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والأعْمَشِ ولا داعِيَ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وإفْرادُ القِسْطِ مَعَ كَوْنِهِ صِفَةَ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ووُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ذَواتُ القِسْطِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: لا أقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجاءِ وحِينَئِذٍ يُسْتَغْنى عَنْ تَوْجِيهِ إفْرادِهِ.
وقُرِئَ (القِصْطَ ) بِالصّادِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ بِمَعْنى في كَما نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لِمَجِيئِها كَذَلِكَ قَوْلَ مِسْكِينَ الدّارِمِيِّ: أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمُ كَما مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ وهُوَ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ووافَقَهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ نَضَعُ المَوازِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ لِأجْلِ أهْلِهِ وجَعَلَها بَعْضُهم لِلِاخْتِصاصِ كَما هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في قَوْلِكَ جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ فِيهِ وهو الِاحْتِمالُ الثّانِي أنَّ اللّامَ بِمَعْنى في: ﴿ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ ﴾ مِنَ النُّفُوسِ ﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الظُّلْمِ فَلا يُنْقَصُ ثَوابُها المَوْعُودُ ولا يُزادُ عَذابُها المَعْهُودُ.
فالشَّيْءُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والظُّلْمُ هو بِمَعْناهُ المَشْهُورِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( شَيْئًا ) مَفْعُولًا بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ والظُّلْمُ بِحالِهِ أيْ فَلا تُظْلَمُ في شَيْءٍ بِأنْ تُمْنَعَ ثَوابًا أوْ تُزادَ عَذابًا، وبَعْضُهم فَسَّرَ الظُّلْمَ بِالنَّقْصِ وجُوِّزَ في ( شَيْئًا ) المَصْدَرِيَّةُ والمَفْعُولِيَّةُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ فَلا تَنْقُصُ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ أوْ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، ويُفْهَمُ عَدَمُ الزِّيادَةِ في العِقابِ مِن إشارَةِ النَّصِّ واللُّزُومِ المُتَعارَفِ، واخْتِيرَ ما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الإشارَةِ واللُّزُومِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ انْتِفاءِ الظُّلْمِ عَلى وضْعِ المَوازِينِ.
ورُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ تُوزَنُ أعْمالُهُ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: المِيزانُ حَقٌّ ولا يَكُونُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ بِدَلِيلِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عَلَيْهِ مِنَ البابِ الأيْمَنِ الحَدِيثَ وأحْرى الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا ﴾ .
وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ .
وإنَّما يَبْقى الوَزْنُ لِمَن شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
وذَكَرَ القاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُ أنَّ أهْلَ الصَّبْرِ لا تُوزَنُ أعْمالُهم وإنَّما يُصَبُّ لَهُمُ الأجْرُ صَبًّا، وظَواهِرُ أكْثَرِ الآياتِ والأحادِيثِ تَقْتَضِي وزْنَ أعْمالِ الكُفّارِ، وأُوِّلَ لَها ما اقْتَضى ظاهِرُهُ خِلافَ ذَلِكَ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وعِنْدِي لا قاطِعَ في عُمُومِ الوَزْنِ وأمِيلُ إلى عَدَمِ العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ كَما اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أفْرادِ الإنْسِ اخْتُلِفَ في عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى نَوْعَيِ الإنْسِ والجِنِّ، والحَقُّ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ وكافِرَهم كَكافِرِهِمْ كَما بَحَثَهُ القُرْطُبِيُّ واسْتَنْبَطَهُ مِن عِدَّةِ آياتٍ، وبَسَطَ اللَّقانِيُّ القَوْلَ في ذَلِكَ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ لِلْجَوْهَرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ الخِلافِ في كَيْفِيَّةِ الوَزْنِ ﴿ وإنْ كانَ ﴾ أيِ العَمَلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ المَوازِينِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ لِشَيْئًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى فَلا تُظْلَمُ جَزاءَ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ ﴿ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ ﴾ أيْ مِقْدارَ حَبَّةٍ كائِنَةٍ مِن خَرْدَلٍ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِحَبَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمِثْقالَ والأوَّلُ أقْرَبُ، والمُرادُ وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ فَإنَّ حَبَّةَ الخَرْدَلِ مَثَلٌ في الصِّغَرِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرَ وشَيْبَةُ ونافِعٌ (مِثْقالُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ ﴿ أتَيْنا بِها ﴾ أيْ جِئْنا بِها وبِهِ قَرَأ أُبَيُّ، والمُرادُ أحْضَرْناها، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْمِثْقالِ وأُنِّثَ لِاكْتِسابِ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ جَوابُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إنْ وصْلِيَّةً والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي إسْحَقَ والعَلاءُ بْنُ سَيابَةَ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ شُرَيْحٍ الأصْبَهانِيُّ (آتَيْنا ) بِمَدَّةٍ عَلى أنَّهُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ لِأنَّهم أتَوْهُ تَعالى بِالأعْمالِ وأتاهم بِالجَزاءِ، وقِيلَ هو مِنَ الإيتاءِ وأصْلُهُ أأْتَيْنا فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ألِفًا، والمُرادُ جازَيْنا أيْضًا مَجازًا ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ ولَوْ كانَ المُرادُ أعْطَيْنا كَما قالَ بَعْضُهم لَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّي وغَيْرُهُ.
وقَرَأ حُمَيْدٌ (أثَبْنا ) مِنَ الثَّوابِ ﴿ وكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ قِيلَ أيْ عادِّينَ ومُحْصِينَ أعْمالَهم عَلى أنَّهُ مِنَ الحِسابِ مُرادًا بِهِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو العَدُّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُجازاةِ.
وذَكَرَ اللَّقانِيُّ أنَّ الحِسابَ في عُرْفِ الشَّرْعِ تَوْقِيفُ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ إلّا مَنِ اسْتُثْنِيَ مِنهم قَبْلَ الِانْصِرافِ مِنَ المَحْشَرِ عَلى أعْمالِهِمْ خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا تَفْصِيلًا لا بِالوَزْنِ، وأنَّهُ كَما ذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ وجَزَمَ بِهِ صاحِبُ كَنْزِ الأسْرارِ قَبْلَ الوَزْنِ، ولا يَخْفى أنَّ في الآيَةِ إشارَةً ما إلى أنَّ الحِسابَ المَذْكُورَ فِيها بَعْدَ وضْعِ المَوازِينِ فَتَأمَّلْ، ونَصْبُ الوَصْفِ إمّا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ واسْتُظْهِرَ الأوَّلُ في البَحْرِ.
* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ إلَخْ فِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ المَحْجُوبِينَ بِحُبِّ الدُّنْيا عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْأُخْرى فَغَفَلُوا عَنْ إصْلاحِ أمْرِهِمْ وأعْرَضُوا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِمْ وغَدَتْ قُلُوبُهم عَنِ الذِّكْرِ لاهِيَةً وعَنِ التَّفَكُّرِ في جَلالِهِ وجَمالِهِ سُبْحانَهُ ساهِيَةً، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ نُفُوسَهُمُ الخَبِيثَةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَأْبى اتِّباعَهم لِما يَرَوْنَ مِنَ المُشارَكَةِ في العَوارِضِ البَشَرِيَّةِ ﴿ وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في الظُّلْمِ خَرابَ العُمْرانِ فَمَتى ظَلَمَ الإنْسانُ خَرِبَ قَلْبُهُ وجَرَّ ذَلِكَ إلى خَرابِ بَدَنِهِ وهَلاكِهِ بِالعَذابِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ سَبَبٌ لِانْجِلاءِ الظُّلْمَةِ عَنِ القَلْبِ وتَطَهُّرِهِ مِن دَنَسِ الأغْيارِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ سِواهُ سُبْحانَهُ دِيارٌ ﴿ ومَن عِنْدَهُ ﴾ قِيلَ هُمُ الكامِلُونَ الَّذِينَ في الحَضْرَةِ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّكُونَ ولا يَسْكُنُونَ إلّا مَعَ الحُضُورِ ولا تَشُقُّ عَلَيْهِمْ عِبادَةٌ ولا تُلْهِيهِمْ عَنْهُ تَعالى تِجارَةٌ بَواطِنُهم مَعَ الحَقِّ وظَواهِرُهم مَعَ الخَلْقِ أنْفاسُهم تَسْبِيحٌ وتَقْدِيسٌ وهو سُبْحانَهُ لَهم خَيْرُ أنِيسٍ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الكامِلَ لا يَخْتارُ شَيْئًا بَلْ شَأْنُهُ التَّفْوِيضُ والجَرَيانُ تَحْتَ مَجارِي الأقْدارِ مَعَ طِيبِ النَّفْسِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ القُطْبَ الرَّبّانِيَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ الكِيلانِيَّ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ لَمْ يُتَوَفَّ حَتّى تَرَقّى عَنْ مَقامِ الإدْلالِ إلى التَّفْوِيضِ المَحْضِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ في كِتابِهِ الجَواهِرُ واليَواقِيتُ ﴿ وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَن كانَتْ حَياتُهُ بِرُوحِهِ يَكُونُ مَماتُهُ بِذَهابِها ومَن كانَتْ حَياتُهُ بِرَبِّهِ تَعالى فَإنَّهُ يُنْقَلُ مِن حَياةِ الطَّبْعِ إلى حَياةِ الأصْلِ وهي الحَياةُ عَلى الحَقِيقَةِ ﴿ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ قِيلَ أيْ بِالقَهْرِ واللُّطْفِ والفِراقِ والوِصالِ والإدْبارِ والإقْبالِ والجَهْلِ والعِلْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَثِيرًا ما يُمْتَحَنُ السّالِكُ بِالقَبْضِ والبَسْطِ فَيَنْبَغِي لَهُ التَّثَبُّتُ فِي كُلٍّ عَمّا يَحُطُّهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، ولَعَلَّ فِتْنَةَ البَسْطِ أشَدُّ مِن فِتْنَةِ القَبْضِ فَلْيُتَحَفَّظْ هُناكَ أشَدَّ تَحَفُّظٍ ﴿ ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: المَوازِينُ مُتَعَدِّدَةٌ فَلِلْعاشِقِينَ مِيزانٌ ولِلْوالِهِينَ مِيزانٌ ولِلْعامِلِينَ مِيزانٌ وهَكَذا، ومِن ذَلِكَ مِيزانٌ لِلْعارِفِينَ تُوزَنُ بِهِ أنْفاسُهم ولا يَزِنُ نَفْسًا مِنها السَّماواتُ والأرْضُ.
وذَكَرُوا أنَّ في الدُّنْيا مَوازِينَ أيْضًا أعْظَمُ مَوازِينِها الشَّرِيعَةُ وكِفَّتا الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ عَطَّلَ هَذا المِيزانُ مُتَصَوِّفَةَ هَذا الزَّمانِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُتَفَضِّلُ بِأنْواعِ الأفْضالِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ وإشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ إنْجائِهِمْ وإهْلاكِ أعْدائِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ، والمُرادُ بِالفُرْقانِ التَّوْراةُ وكَذا بِالضِّياءِ والذِّكْرِ، والعَطْفُ كَما في قَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ أُدْخِلَ الواوُ عَلى ﴿ ضِياءً ﴾ وإنْ كانَ صِفَةً في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ كَما يَدْخُلُ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هي صِفَةٌ لَفْظًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ وقالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وصاحِبِكَ جازَ وإنْ قُلْتَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ فَصاحِبِكَ بِالفاءِ لَمْ يَجُزْ كَما جازَ بِالواوِ لِأنَّ الفاءَ تَقْتَضِي التَّعَقُّبَ وتَأْخِيرَ الِاسْمِ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِخِلافِ الواوِ، وأمّا قَوْلُ القائِلِ: يا لَهْفَ زِيابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ فَإنَّما ذُكِرَ بِالفاءِ وجادَ لِأنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ عَلى ذَلِكَ الحَدِّ لِأنَّ ألْ بِمَعْنى الَّذِي أيْ فالَّذِي صَبَّحَ فالَّذِي غَنِمَ فالَّذِي آبَ، وأبُو الحَسَنِ يُجِيزُ المَسْألَةَ بِالفاءِ كَما يُجِيزُها بِالواوِ انْتَهى، والمَعْنى وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْناهُما كِتابًا جامِعًا بَيَّنَ كَوْنَهُ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وضِياءً يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغَوايَةِ وذِكْرًا يَتَّعِظُ بِهِ النّاسُ ويَتَذَكَّرُونَ، وتَخْصِيصُ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُّونَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ أوْ شَرَفٌ لَهم.
وقِيلَ: الفُرْقانُ النَّصْرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ ﴾ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُوِّ وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضِّياءُ حِينَئِذٍ إمّا التَّوْراةُ أوِ الشَّرِيعَةُ أوِ اليَدُ البَيْضاءُ.
والذِّكْرُ بِأحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ الفُرْقانَ فِلْقُ البَحْرِ والفِرْقُ والفِلْقُ أخَوانٌ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وهو اللّائِقُ بِمَساقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ فَإنَّهُ لِتَحْقِيقِ أمْرِ القُرْآنِ المُشارِكِ لِسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا سِيَّما التَّوْراةُ فِيما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ ولِأنَّ فِلْقَ البَحْرِ هو الَّذِي اقْتَرَحَ الكَفَرَةُ مِثْلَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ (ضِياءً ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ (الفُرْقانَ ) وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ أيْضًا التَّفْسِيرَ الأوَّلَ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ مَجْرُورُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مادِحَةٌ المُتَّقِينَ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، والمُرادُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ يَخْشَوْنَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم غَيْرُ مَرْئِيٍّ لَهم فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالكَفَرَةِ حَيْثُ لا يَتَأثَّرُونَ بِالإنْذارِ ما لَمْ يُشاهِدُوا ما أُنْذِرُوهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْ يَخْشَوْنَهُ غائِبِينَ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقِيلَ: يَخْشَوْنَهُ بِقُلُوبِهِمْ ﴿ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ أيْ خائِفُونَ بِطَرِيقِ الِاعْتِناءِ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ عَلى الصِّلَةِ وتَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وتَخْصِيصُ إشْفاقِهِمْ مِنَ السّاعَةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالخَشْيَةِ عَلى الإطْلاقِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِها مُعْظَمَ المَخْلُوقاتِ ولِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ ما اتَّصَفَ بِهِ المُسْتَعْجِلُونَ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حالَتَهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ الإشْفاقُ الدّائِمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهَذا ﴾ أيِ القُرْآنُ الكَرِيمُ أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذا لِلْإيذانِ بِسُهُولَةِ تَناوُلِهِ ووُضُوحِ أمْرِهِ، وقِيلَ: لِقُرْبِ زَمانِهِ ﴿ ذِكْرٌ ﴾ يَتَذَكَّرُ بِهِ مَن تَذَكَّرَ وُصِفَ بِالوَصْفِ الأخِيرِ لِلتَّوْراةِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ ومُوافَقَتِهِ لِما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مَعَ انْطِواءِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ في وصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مُبارَكٌ ﴾ أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ غَزِيرُ النَّفْعِ ولَقَدْ عادَ عَلَيْنا ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ مِن بَرَكَتِهِ ما عادَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ إمّا صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِذِكْرٍ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِهَذا، وفِيهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ما فِيهِ ﴿ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ إنْكارٌ لِإنْكارِهِمْ بَعْدَ ظُهُورِ كَوْنِهِ كالتَّوْراةِ كَأنَّهُ قِيلَ أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ أنَّ شَأْنَهُ كَشَأْنِ التَّوْراةِ أنْتُمْ مُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِنا فَإنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مُلاحَظَةِ حالِ التَّوْراةِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ أوْ لِلْحَصْرِ لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِغَيْرِهِ مِمّا في أيْدِي أهْلِ الكِتابِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ ﴾ أيِ الرُّشْدَ اللّائِقَ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ الكِبارِ وهو الرُّشْدُ الكامِلُ أعْنِي الِاهْتِداءَ إلى وُجُوهِ الصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا والإرْشادَ بِالنَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ وقِيلَ: الصُّحُفُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلْخَيْرِ صَغِيرًا، واخْتارَ بَعْضُهُمُ التَّعْمِيمَ.
وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (رَشَدَهُ ) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ وهُما لُغَةٌ كالحُزْنِ والحَزَنِ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ مُوسى وهارُونَ، وقِيلَ مِن قَبْلِ البُلُوغِ حِينَ خَرَجَ مِنَ السِّرْبِ، وقِيلَ مِن قَبْلِ أنْ يُولَدَ حِينَ كانَ في صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ في الكَشْفِ: وهو الوَجْهُ الأوْفَقُ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ فَلِلْقُرْبِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ ذِكْرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلتَّأسِّي، وكانَ القِياسُ أنْ يُذْكَرَ نُوحٌ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ تَرْشِيحُ التَّسَلِّي والتَّأسِّي فَقَدْ ذُكِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ حالَهُ وما قاساهُ مِن قَوْمِهِ وكَثْرَةِ آياتِهِ وتَكاثُفِ أُمَّتِهِ أشْبَهُ بِحالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ ( مِن قَبْلُ ) لِهَذا ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وقِيلَ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ اهَـ ﴿ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ ﴾ أيْ بِأحْوالِهِ وما فِيهِ مِنَ الكَمالاتِ، وهَذا كَقَوْلِكَ في خَيْرٍ مِنَ النّاسِ: أنا عالِمٌ بِفُلانٍ فَإنَّهُ مِنَ الِاحْتِواءِ عَلى مَحاسِنِ الأوْصافِ بِمَنزِلٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ حِفْظِهِ تَعالى إيّاهُ وعَدَمِ إضاعَتِهِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ إلْقائِهِ في النّارِ وقَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ سَلْ رَبَّكَ: عِلْمُهُ بِحالِي يُغْنِي عَنْ سُؤالِي، وهو خِلافُ الظّاهِرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴾ ظَرْفٌ لَآتَيْنا عَلى أنَّهُ وقْتٌ مُتَّسِعٌ وقَعَ فِيهِ الإيتاءُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِرُشْدٍ أوْ لِعالِمِينَ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مَوْضِعِ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ وأنْ يَنْتَصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي أوْ أذْكُرُ، وبَدَأ بِذِكْرِ الأبِ لِأنَّهُ كانَ الأهَمَّ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّصِيحَةِ والإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ ولِقَوْمِهِ مُجْتَمِعِينَ: ﴿ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ﴾ أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما هَذِهِ الأصْنامُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِالتَّماثِيلِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِها فَإنَّ التِّمْثالَ الصُّورَةُ المَصْنُوعَةُ مُشَبَّهَةٌ بِمَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا شَبَّهْتَهُ بِهِ.
وكانَتْ عَلى ما قِيلَ صُوَرَ الرِّجالِ يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ وقَدِ انْقَرَضُوا، وقِيلَ كانَتْ صُوَرَ الكَواكِبِ صَنَعُوها حَسْبَما تَخَيَّلُوا، وفي الإشارَةِ إلَيْها بِما يُشارُ بِهِ لِلْقَرِيبِ إشارَةٌ إلى التَّحْقِيرِ أيْضًا، والسُّؤالُ عَنْها بِما الَّتِي يُطْلَبُ بِها بَيانُ الحَقِيقَةِ أوْ شَرْحُ الِاسْمِ مِن بابِ تَجاهُلِ العارِفِ كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ أنَّها ماذا وإلّا فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ مُحِيطٌ بِأنَّ حَقِيقَتَها حَجَرٌ أوْ نَحْوُهُ، والعُكُوفُ الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ ومُلازَمَتُهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ، وقِيلَ اللُّزُومُ والِاسْتِمْرارُ عَلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وهو عَلى التَّفْسِيرَيْنِ دُونَ العِبادَةِ فَفي اخْتِيارِهِ عَلَيْها إيماءٌ إلى تَفْظِيعِ شَأْنِ العِبادَةِ غايَةَ التَّفْظِيعِ، واللّامُ في ( لَها ) لِلْبَيانِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ أوْ لِلتَّعْلِيلِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِعاكِفُونَ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ عَكَفَ إنَّما يَتَعَدّى بِعَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ ﴾ وقَدْ نَزَلَ الوَصْفُ هُنا مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيِ الَّتِي أنْتُمْ لَها فاعِلُونَ العُكُوفَ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِلتَّعْلِيلِ وصِلَةُ ( عاكِفُونَ ) مَحْذُوفَةٌ أيْ عاكِفُونَ عَلى عِبادَتِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى عَلى كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ وتَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ بِعاكِفُونَ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يُؤَوَّلَ العُكُوفُ بِالعِبادَةِ فاللّامُ حِينَئِذٍ كَما قِيلَ دِعامَةٌ لا مُعَدِّيَةٌ لِتَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ ورُجِّحَ هَذا الوَجْهُ بِما بَعْدُ، وقِيلَ لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا ( وعاكِفُونَ ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ نَفْيٌ بَعْدَهُ مُكابَرَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يَرْتَضِ تَأْوِيلَ العُكُوفِ بِالعِبادَةِ لِما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقالَ: ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ لَأنْ يَمَسَّ أحَدُكم جَمْرًا حَتّى يُطْفى خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمَسَّها، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأوْلى إبْقاءَ العُكُوفِ عَلى ظاهِرِهِ، ومَعَ ذَلِكَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ الِاسْتِفْسارُ عَنْ سَبَبِ العِبادَةِ والتَّوْبِيخُ عَلَيْها بِألْطَفِ أُسْلُوبٍ ولَمّا لَمْ يَجِدُوا ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في أمْرِها التَجَئُوا إلى التَّشَبُّثِ بِحَشِيشِ التَّقْلِيدِ المَحْضِ حَيْثُ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ﴾ وأبْطَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ حَيْثُ ﴿ قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ الَّذِينَ وجَدْتُمُوهم كَذَلِكَ ﴿ فِي ضَلالٍ ﴾ عَجِيبٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرٍ بَيِّنٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ كَوْنُهُ ضَلالًا لِاسْتِنادِكم وإيّاهم إلى غَيْرِ دَلِيلٍ بَلْ إلى هَوًى مُتَّبَعٍ وشَيْطانٍ مُطاعٍ، ( وأنْتُمْ ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ( كُنْتُمْ ) ولا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِجَوازِ العَطْفِ عَلى مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، ومَعْنى كُنْتُمْ في ضَلالٍ مُطْلَقُ اسْتِقْرارِهِمْ وتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ لا اسْتِقْرارِهِمُ الماضِي الحاصِلِ قَبْلَ زَمانِ الخِطابِ المُتَناوِلِ لَهم ولِآبائِهِمْ، وفي اخْتِيارِ ( في ضَلالٍ ) عَلى ضالِّينَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في ضَلالِهِمْ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الباطِلَ لا يَصِيرُ حَقًّا بِكَثْرَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِ ( قالُوا ) لَمّا سَمِعُوا مَقالَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِبْعادًا لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ ضَلالًا وتَعَجُّبًا مِن تَضْلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ أجِئْتَنا بِالحَقِّ ﴾ أيْ بِالجِدِّ ﴿ أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ ﴾ أيِ الهازِلِينَ فالِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ هو اسْتِفْهامٌ مُسْتَبْعِدٌ مُتَعَجِّبٌ، وقَوْلُهم ﴿ أمْ أنْتَ ﴾ إلَخْ عَدِيلُهُ كَلامٌ مُنْصِفٌ مُومِئٌ فِيهِ بِألْطَفِ وجْهٍ أنَّ الثّابِتَ هو القِسْمُ الثّانِي لِما فِيهِ مِن أنْواعِ المُبالَغَةِ، وأشارَ في الكَشّافِ كَما في الكَشْفِ إلى أنَّ الأصْلَ هَذا الَّذِي جِئْتَنا بِهِ أهْوَ جِدٌّ وحَقٌّ أمْ لَعِبٌ وهَزْلٌ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ.
وقالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: أيْ أجَدْدَتَ وأحْدَثْتَ عِنْدَنا تَعاطِيَ الحَقِّ أمْ أحْوالَ الصِّبا بَعْدُ عَلى الِاسْتِمْرارِ وهو أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ وفِيهِ الإشارَةُ إلى فائِدَةِ العُدُولِ عَنِ المُعادِلِ ظاهِرًا أوْ بَيانِ المُرادِ بِالمَجِيءِ وظاهِرُ كَلامِ الشَّيْخَيْنِ أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ.
واخْتارَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّها مُنْقَطِعَةٌ فَقالَ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى تَحْقِيرِ آلِهَتِهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ وآبائِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وشاهَدُوا مِنهُ الغِلْظَةَ والجِدَّ طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ البُرْهانَ فَكَأنَّهم قالُوا هَبْ أنّا قَدْ قَلَّدْنا آباءَنا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مَعَكَ دَلِيلٌ عَلى ما ادَّعَيْتَ أجِئْتَنا بِالحَقِّ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ وجاؤُوا بِأمِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى بَلِ الإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ فَأضْرَبُوا بِبَلْ عَمّا أثْبَتُوا لَهُ وقَرَّرُوا بِالهَمْزَةِ خِلافَهُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والبَتِّ، وذَلِكَ أنَّهم قَطَعُوا أنَّهُ لاعِبٌ ولَيْسَ بِمُحِقٍّ ألْبَتَّةَ لِأنَّ إدْخالَهم إيّاهُ في زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ أيْ أنْتَ غَرِيقٌ في اللَّعِبِ داخِلٌ في زُمْرَةِ الَّذِينَ قُصارى أمْرِهِمْ في إثْباتِ الدَّعاوى اللَّعِبُ واللَّهْوُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ دَلَّ عَلى إثْباتِ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ تُوقِفُكَ عَلى أنَّ أمْ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً قَطْعًا وكَذا بَلْ فِيما بَعْدُ انْتَهى والحَقُّ أنَّ جَوازَ الِانْقِطاعِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا وُجُوبُهُ فَفِيهِ ما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ ﴾ أيْ أنْشَأهُنَّ بِما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْتُمْ وآباؤُكم وما تَعْبُدُونَ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ.
وهَذا انْتِقالٌ عَنْ تَضْلِيلِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ ونَفْيُ عَدَمِ اسْتِحْقاقِها لِذَلِكَ إلى بَيانِ الحَقِّ وتَعْيِينِ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ، وضَمِيرُ ﴿ فَطَرَهُنَّ ﴾ إمّا لِلسَّماواتِ والأرْضِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، ووَصْفُهُ تَعالى بِإيجادِهِنَّ إثَرَ وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُنَّ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي هي مَنشَأُ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وإمّا لِلتَّماثِيلِ ورُجِّحَ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في تَحْقِيقِ الحَقِّ وإرْشادِ المُخاطَبِينَ إلَيْهِ، ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي تَخُصُّ مَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ كَما ظَنَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَتُكِلِّفَ لِتَوْجِيهِ عَوْدِهِ لِما لا يَعْقِلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ تَذْيِيلٌ مُتَضَمِّنٌ لِرَدِّ نِسْبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى اللَّعِبِ والهَزْلِ، والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ وأنا شاهِدٌ عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ أوْ عَلى جِهَةِ البَيانِ أيْ أعْنِي عَلى ذَلِكم أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالوَصْفِ بَعْدَهُ، وإنْ كانَ في صِلَةِ ألْ لِاتِّساعِهِمْ في المَظْرُوفِ أقْوالٌ مَشْهُورَةٌ، والمَعْنى وأنا عَلى ذَلِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنَ العالِمِينَ بِهِ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ المُبَرْهِنِينَ عَلَيْهِ ولَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ، فَإنَّ الشّاهِدَ عَلى الشَّيْءِ مَن تَحَقَّقَهُ وحَقَّقَهُ وشَهادَتُهُ عَلى ذَلِكَ إدْلاؤُهُ بِالحُجَّةِ عَلَيْها وإثْباتُهُ بِها.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ بَلْ رَبُّكُمْ ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَمّا بَنَوْا عَلَيْهِ مَقالَهم مِنَ اعْتِقادِ كَوْنِ تِلْكَ التَّماثِيلِ أرْبابًا لَهم كَأنَّهُ قِيلَ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ رَبُّكم إلَخْ وقالَ القاضِي: هو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لاعِبًا بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى ما ادَّعاهُ، وجَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ إضْرابًا عَنْ ذَلِكَ أيْضًا قالَ: وهَذا الجَوابُ وارِدٌ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وكانَ مِنَ الظّاهِرِ أنْ يُجِيبَهم عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ بَلْ أنا مِنَ المُحِقِّينَ ولَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ فَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ رَبُّكُمْ ﴾ الآيَةَ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلى أنَّ إبْطالِي لِما أنْتُمْ عاكِفُونَ عَلَيْهِ وتَضْلِيلِي إيّاكم مِمّا لا حاجَةَ فِيهِ لِوُضُوحِهِ إلى الدَّلِيلِ ولَكِنِ انْظُرُوا إلى هَذِهِ العَظِيمَةِ وهي أنَّكم تَتْرُكُونَ عِبادَةَ خالِقِكم ومالِكِ أمْرِكم ورازِقِكم ومالكِ العالَمِينَ والَّذِي فَطَرَ ما أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ وتَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِها دُونَهُ فَأيُّ باطِلٍ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ وأيُّ ضَلالٍ أبْيَنُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجَوابِ بِما هو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ ﴾ مِن حَيْثُ الأُسْلُوبُ وهو الكِنايَةُ ومِن حَيْثُ التَّرْكِيبُ وهو بِناءُ الخَبَرِ عَلى الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قالَ: لَسْتُ مِنَ اللّاعِبِينَ في الدَّعاوى بَلْ مِنَ العالِمِينَ فِيها بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ كالشّاهِدِ الَّذِي نَقْطَعُ بِهِ الدَّعاوى اهَـ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا عَلى احْتِمالِ كَوْنِ أمْ مُتَّصِلَةً فافْهَمْ وتَأمَّلْ لِيَظْهَرَ لَكَ أيُّ التَّوْجِيهاتِ لِهَذا الإضْرابِ أوْلى <div class="verse-tafsir"
﴿ وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ أيْ لَأجْتَهِدَنَّ في كَسْرِها، وأصْلُ الكَيْدِ الِاحْتِيالُ في إيجادَ ما يَضُرُّ مَعَ إظْهارِ خِلافِهِ وهو يَسْتَلْزِمُ الِاجْتِهادَ فَتُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِصُعُوبَةِ الِانْتِهازِ وتَوَقُّفِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الحِيَلِ لِيَحْتاطُوا في الحِفْظِ فَيَكُونُ الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ أتَمَّ في التَّبْكِيتِ، وكانَ هَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزْمًا عَلى الإرْشادِ إلى ضَلالِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ، ولا يَأْباهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: نَرى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ لا يَسْمَعُونَ وقِيلَ سَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ مِنهم، وقِيلَ قَوْمٌ مِن ضَعَفَتِهِمْ مِمَّنْ كانَ يَسِيرُ في آخِرِ النّاسِ يَوْمَ خَرَجُوا إلى العِيدِ وكانَتِ الأصْنامُ سَبْعِينَ: وقِيلَ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ.
وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (بِاللَّهِ ) بِالباءِ ثانِيَةِ الحُرُوفِ وهي أصْلُ حُرُوفِ القَسَمِ إذْ تَدْخُلُ عَلى الظّاهِرِ والمُضْمَرِ ويُصَرَّحُ بِفِعْلِ القَسَمِ مَعَها ويُحْذَفُ والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما في تُجاهَ والواوُ قائِمَةٌ مَقامَ الباءِ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ كَوْنُهُما شَفَوِيَّتَيْنِ ومِن حَيْثُ إنَّ الواوَ تُفِيدُ مَعْنًى قَرِيبًا مِن مَعْنى الإلْصاقِ عَلى ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ.
وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَقُومُ عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ، وقَدَّرَهُ السُّهَيْلِيُّ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ أصْلًا لِآخَرَ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الباءِ والتّاءِ بِأنَّ في التّاءِ المُثَنّاةِ زِيادَةَ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ، وكانَ التَّعَجُّبُ هُنا مِن إقْدامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أمْرٍ فِيهِ مُخاطَرَةٌ.
ونُصُوصُ النُّحاةِ أنَّ التّاءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَها تَعْجُّبٌ ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ واللّامُ هي الَّتِي يَلْزَمُها التَّعَجُّبُ في القَسَمِ، وفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَهُما اسْتِعْمالًا بِأنَّ التّاءَ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مَعَ اسْمِ اللَّهِ الجَلِيلِ أوْ مَعَ رَبِّ مُضافًا إلى الكَعْبَةِ عَلى قِلَّةٍ ﴿ بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴾ مِن عِبادَتِها إلى عِيدِكم.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ( تَوَلَّوْا ) مِنَ التَّوَلِّي بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وهي الثّانِيَةُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ والأُولى عِنْدَ هِشامٍ، ويُعَضِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَجَعَلَهُمْ ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَوَلَّوْا فَأتى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الأصْنامَ فَجَعَلَهم ﴿ جُذاذًا ﴾ أيْ قِطَعًا فُعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ الجَذِّ الَّذِي هو القَطْعُ، قالَ الشّاعِرُ: بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللَّهُ دابِرَهم أمْسَوْا رَمادًا فَلا أصْلٌ ولا طَرْفٌ فَهُوَ كالحُطامِ مِنَ الحَطْمِ الَّذِي هو الكَسْرُ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ مَحِيضٍ وابْنُ مُقْسِمٍ وأبُو حَيْوَةَ وحَمِيدٌ والأعْمَشُ في رِوايَةٍ (جِذاذًا ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ نَهْيِكَ وأبُو السَّمالِ (جَذاذًا ) بِالفَتْحِ، والضَّمُّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جِنِّي عَنْ أبِي حاتِمٍ لُغاتٌ أجْوَدُها الضَّمُّ ونَصَّ قُطْرُبُ أنَّهُ في لُغاتِهِ الثَّلاثِ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: جُذاذًا بِالضَّمِّ جَمْعُ جُذاذَةٍ كَزُجاجٍ وزُجاجَةٍ، وقِيلَ: بِالكَسْرِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ كالحَصادِ بِمَعْنى المَحْصُودِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ (جُذُذًا ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَذِيذٍ كَسَرِيرٍ وسُرُرٍ، وقُرِئَ (جُذَذًا ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ جُذَّةٍ كَقُبَّةٍ وقُبَبٍ أوْ مُخَفَّفُ فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ.
رُوِيَ أنَّ آزَرَ خُرِجَ بِهِ في عِيدٍ لَهم فَبَدَؤُوا بِبَيْتِ الأصْنامِ فَدَخَلُوهُ فَسَجَدُوا لَها ووَضَعُوا بَيْنَها طَعامًا خَرَجُوا بِهِ مَعَهم وقالُوا إلى أنْ نُرْجِعَ بَرَكَتُ الآلِهَةِ عَلى طَعامِنا فَذَهَبُوا فَلَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الطَّرِيقِ ثَنِيَ عَزْمُهُ عَنِ المَسِيرِ مَعَهم فَقَعَدَ وقالَ إنِّي سَقِيمٌ فَدَخَلَ عَلى الأصْنامِ وهي مُصْطَفَّةٌ وثَمَّ صَنَمٌ عَظِيمٌ مُسْتَقْبَلُ البابِ وكانَ مِن ذَهَبٍ في عَيْنَيْهِ جَوْهَرَتانِ تُضِيئانِ بِاللَّيْلِ فَكَسَرَ الكُلَّ بِفَأْسٍ كانَ في يَدِهِ ولَمْ يُبْقِ إلّا الكَبِيرَ وعَلَّقَ الفَأْسَ في عُنُقِهِ، وقِيلَ: في يَدِهِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا كَبِيرًا لَهُمْ ﴾ أيِ الأصْنامُ كَما هو الظّاهِرُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وضَمِيرُ العُقَلاءِ هُنا وفِيما مَرَّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ، والكِبَرُ إمّا في المَنزِلَةِ عَلى زَعْمِهِمْ أيْضًا أوْ في الجُثَّةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْعَبَدَةِ، قِيلَ: ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ لِلْأصْنامِ لَقِيلَ إلّا كَبِيرُهم ﴿ لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ وجْهِ الكَسْرِ واسْتِبْقاءِ الكَبِيرِ، وضَمِيرُ ( إلَيْهِ ) عِنْدَ الجُمْهُورِ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا إلى غَيْرِهِ فَيُحاجُّهم ويُبَكِّتُهم بِما سَيَأْتِي مِنَ الجَوابِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ حِينَ يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُجِيبُهم، ويُظْهِرُ عَجْزَ آلِهَتِهِمْ ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا كَبِيرًا لَهُمْ ﴾ لَيْسَ أجْنَبِيًّا في البَيْنِ عَلى هَذا القَوْلِ كَما تُوُهِّمَ، نَعَمْ لا يَخْفى بُعْدُهُ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكَبِيرِ أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الكَبِيرِ كَما يُرْجَعُ إلى العالِمِ في حَلِّ المُشْكِلاتِ فَيَقُولُونَ لَهُ ما لِهَؤُلاءِ مَكْسُورَةً وما لَكَ صَحِيحًا والفَأْسُ في عُنُقِكَ أوْ في يَدِكَ ؟
وحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ عاجِزٌ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ ويَظْهَرُ أنَّهم في عِبادَتِهِ عَلى جَهْلٍ عَظِيمٍ، وكَأنَّ هَذا بِناءً عَلى ظَنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِمْ لِما جَرَّبَ وذاقَ مِن مُكابَرَتِهِمْ لِعُقُولِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في آلِهَتِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ لَها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ لَكِنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِجْهالِ واعْتِبارِ حالِ الكَبِيرِ عِنْدَهم فَإنَّ قِياسَ حالِ مَن يُسْجَدُ لَهُ ويُؤَهَّلُ لِلْعِبادَةِ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في حَلِّ المُشْكِلِ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ لا إشْكالَ في دُخُولِ لَعَلَّ في الكَلامِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أسْرَعُ الأوْجُهِ تَبادُرًا لَكِنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُونَ، والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: هو مُتَعَيِّنٌ لِذَلِكَ في الوَجْهِ الأوَّلِ وغَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لَهُ في الأخِيرَيْنِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأداءِ حَقِّ الفاصِلَةِ فَتَأمَّلْ.
وقَدْ يُسْتَأْنَسُ بِفِعْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَسْرِ الأصْنامِ لِمَن قالَ مِن أصْحابِنا إنَّهُ لا ضَمانَ عَلى مَن كَسَرَ ما يُعْمَلُ مِنَ الفَخّارِ مَثَلًا مِنَ الصُّوَرِ لِيَلْعَبَ بِهِ الصِّبْيانُ ونَحْوُهم وهو القَوْلُ المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيْ حِينَ رَجَعُوا مِن عِيدِهِمْ ورَأوْا ما رَأوْا ﴿ مَن فَعَلَ هَذا ﴾ الأمْرَ العَظِيمَ ﴿ بِآلِهَتِنا ﴾ قالُوهُ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالآلِهَةِ دُونَ الأصْنامِ أوْ هَؤُلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ( مَن ) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ خَبَرُهُ أيِ الَّذِي فَعَلَ هَذا الكَسْرَ والحَطْمَ بِآلِهَتِنا إنَّهُ مَعْدُودٌ مِن جُمْلَةِ الظَّلَمَةِ إمّا لِجُرْأتِهِ عَلى إهانَتِها وهي الحَفِيَّةُ بِالإعْظامِ أوْ لِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلْهَلَكَةِ أوْ لِإفْراطِهِ في الكَسْرِ والحَطْمِ، والظُّلْمُ عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ بِمَعْنى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيْ بَعْضٌ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ عِنْدَ بَعْضٍ ﴿ سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ يَعِيبُهم فَلَعَلَّهُ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ.
وسَمِعَ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ كَسائِرِ أفْعالِ الحَواسِّ كَما قَرَّرَهُ السُّهَيْلِيُّ ويَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَثِيرًا وقَدْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِإلى أوِ اللّامِ أوِ الباءِ، وتَعَدِّيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ مِمّا اخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ الأخْفَشُ.
والفارِسِيُّ في الإيضاحِ وابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهم إلى أنَّهُ إنْ ولِيَهُ ما يُسْمَعُ تَعَدّى إلى واحِدٍ كَسَمِعْتُ الحَدِيثَ وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وإنْ ولِيَهُ ما لا يُسْمَعُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مِمّا يَدُلُّ عَلى صَوْتٍ.
واشْتَرَطَ بَعْضُهم كَوْنُهُ جُمْلَةً كَسَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ كَذا دُونَ قائِلًا كَذا لِأنَّهُ دالٌّ عَلى ذاتٍ لا تَسْمَعُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ ﴾ فَعَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم، وقِيلَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ الظَّرْفُ مُغْنٍ عَنْهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ ناصِبٌ لِواحِدٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَسْمُوعٍ قَبْلَ اسْمِ الذّاتِ، والجُمْلَةُ إنْ كانَتْ حالٌ بَعْدَ المَعْرِفَةِ صِفَةٌ بَعْدَ النَّكِرَةِ ولا تَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِأنَّها لا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا في الأفْعالِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ ولَيْسَ هَذا مِنها.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِنَ المُلْحَقاتِ بِرَأى العِلْمِيَّةِ لِأنَّ السَّمْعَ طَرِيقُ العِلْمِ كَما في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ فَجُوِّزَ هُنا كَوْنُ ( فَتًى ) مَفْعُولًا أوَّلًا وجُمْلَةُ ( يَذْكُرُهم ) مَفْعُولًا ثانِيًا، وكَوْنُهُ مَفْعُولًا والجُمْلَةُ صِفَةً لَهُ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، وقِيلَ إنَّها بَدَلٌ مِنهُ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّجَوُّزِ والإضْمارِ إذْ هي مَسْمُوعَةٌ والبَدَلُ هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ وإبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ جائِزٌ، وفي الهَمْعِ أنَّ بَدَلَ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وفي التَّصْرِيحِ قَدْ تُبْدَلُ الجُمْلَةُ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ بَعْضُهم إنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً أبْلَغُ في نِسْبَةِ الذِّكْرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما في ذَلِكَ مِن إيقاعِ الفِعْلِ عَلى المَسْمُوعِ مِنهُ وجَعْلِهِ بِمَنزِلَةِ المَسْمُوعِ مُبالَغَةً في عَدَمِ الواسِطَةِ فَيُفِيدُ أنَّهم سَمِعُوهُ بِدُونِ واسِطَةٍ.
ووَجَّهَ بَعْضُهُمُ الأبْلَغِيَّةَ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ مِمّا بُحِثَ فِيهِ، ولَعَلَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ مِمّا يَتَأتّى عَلى احْتِمالِ البَدَلِيَّةِ فَلا تَفُوتُ المُبالَغَةُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا التَّرْكِيبَ كَيْفَما أُعْرِبَ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ سَمِعْنا ذِكْرَ فَتًى ونَحْوَهُ مِمّا لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَفْعُولَيْنِ اتِّفاقًا لِما أنَّ ( سَمِعْنا ) لَمّا تَعَلَّقَ بِفَتًى أفادَ إجْمالًا أنَّ المَسْمُوعَ نَحْوُ ذَكَرَهُ إذْ لا مَعْنًى لِأنْ يَكُونَ نَفْسُ الذّاتِ مَسْمُوعًا ثُمَّ إذا ذُكِرَ ( يَذْكُرُهم ) عُلِمَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى ولِما فِيهِ مِن تَقْوى الحُكْمِ بِتَكَرُّرِ الإسْنادِ عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ المَعانِي ولِهَذا رُجِّحَ أُسْلُوبُ الآيَةِ عَلى غَيْرِهِ فَتَدَبَّرْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ ﴾ صِفَةٌ لِفَتًى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا والأوَّلُ أظْهَرُ، ورُفِعَ ( إبْراهِيمُ ) عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ لِيُقالُ عَلى اخْتِيارِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، والمُرادُ لَفْظُهُ أيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوازِ كَوْنِ مَفْعُولِ القَوْلِ مُفْرَدًا لا يُؤَدِّي مَعْناهُ جُمْلَةً كَقُلْتُ قَصِيدَةً وخُطْبَةً ولا هو مَصْدَرًا لِقَوْلٍ أوْ صِفَتَهُ كَقُلْتُ قَوْلًا أوْ حَقًّا فَذَهَبَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ خَرُوفٍ وابْنُ مالِكٍ إلى الجَوازِ إذا أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ لَفْظُهُ بَلْ ذَكَرَ الدَّنُوشَرِيُّ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالمُفْرَدِ الواقِعِ بَعْدَ القَوْلِ نَفْسَ لَفْظِهِ تَجِبُ حِكايَتُهُ ورِعايَةُ إعْرابِهِ، وآخَرُونَ إلى المَنعِ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو الصَّحِيحُ إذْ لا يُحْفَظُ مِن لِسانِهِمْ قالَ فُلانٌ زَيْدٌ ولا قالَ ضَرَبَ وإنَّما وقَعَ القَوْلُ في كَلامِهِمْ لِحِكايَةِ الجُمَلِ وما في مَعْناها، وجَعَلَ المانِعُونَ ( إبْراهِيمُ ) مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ هَذا إبْراهِيمُ والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ كَما في قَوْلِهِ: إذا ذُقْتُ فاها قُلْتُ طَعْمُ مُدامَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ إبْراهِيمُ فاعِلُهُ وأنْ يَكُونَ مُنادًى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ أيْ يُقالُ لَهُ حِينَ يُدْعى يا إبْراهِيمُ، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ فِيما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ ويَكْفِي الظُّهُورُ مُرَجِّحًا في أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ، وذَهَبَ الأعْلَمُ إلى أنَّ ( إبْراهِيمُ ) ارْتَفَعَ بِالإهْمالِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عامِلٌ يُؤَثِّرُ في لَفْظِهِ إذِ القَوْلُ لا يُؤَثِّرُ إلّا في المُفْرَدِ المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى الجُمْلَةِ فَبَقِيَ مُهْمَلًا والمُهْمَلُ إذا ضُمَّ إلى غَيْرِهِ ارْتَفَعَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ واحِدٌ واثْنانِ إذا عَدُّوا ولَمْ يُدْخِلُوا عامِلًا لا في اللَّفْظِ ولا في التَّقْدِيرِ وعَطَفُوا بَعْضَ أسْماءِ العَدَدِ عَلى بَعْضٍ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ هَذا الأعْلَمِ لا يَقُولُهُ إلّا الأجْهَلُ ولَأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أفْلَحَ أعْلَمَ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَنْطِقَ بِمِثْلِهِ ويَتَكَلَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أُولَئِكَ القائِلُونَ ﴿ مَن فَعَلَ ﴾ إلَخْ إذا كانَ الأمْرُ كَذا ﴿ فَأْتُوا بِهِ ﴾ أيْ أحْضِرُوهُ ﴿ عَلى أعْيُنِ النّاسِ ﴾ مُشاهِدًا مُعايِنًا لَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَما تُفِيدُهُ عَلى المُسْتَعارَةِ لِتَمَكُّنِ الرُّؤْيَةِ ﴿ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ ﴾ أيْ يَحْضُرُونَ عُقُوبَتَنا لَهُ، وقِيلَ يَشْهَدُونَ بِفِعْلِهِ أوْ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلنّاسِ بَلْ لِبَعْضٍ مِنهم مُبْهَمٌ أوْ مَعْهُودٌ والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، والثّانِي عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، والتَّرَجِّي أوْفَقُ بِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا فَعَلُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ أتَوْا بِهِ أوْ لا ؟
فَقِيلَ: ﴿ قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ ﴾ اقْتِصارًا عَلى حِكايَةِ مُخاطَبَتِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إتْيانَهم بِهِ ومُسارَعَتَهم إلى ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، والهَمْزَةُ كَما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِّيُّ لِلتَّقْرِيرِ بِالفاعِلِ إذْ لَيْسَ مُرادُ الكَفَرَةِ حَمْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ كَسْرَ الأصْنامِ قَدْ كانَ بَلْ عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ مِنهُ كَيْفَ وقَدْ أشارُوا إلى الفِعْلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا ﴾ وأيْضًا <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا ﴾ ولَوْ كانَ التَّقْرِيرُ بِالفِعْلِ لَكانَ الجَوابُ فَعَلْتُ أوْ لَمْ أفْعَلْ، واعْتَرَضَ ذَلِكَ الخَطِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ عَلى أصْلِهِ إذْ لَيْسَ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَ الأصْنامَ حَتّى يُمْتَنَعَ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأُجِيبَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَ الآيَةِ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ حَلَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ ﴾ إلَخْ ثُمَّ لَمّا رَأوْا كَسْرَ الأصْنامِ قالُوا: ﴿ مَن فَعَلَ ﴾ هَذا إلَخْ فالظّاهِرُ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ مِن حَلِفِهِ وذَمِّهِ الأصْنامَ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الحَلِفَ كَما قالَهُ كَثِيرٌ كانَ سِرًّا أوْ سَمِعَهُ رَجُلٌ واحِدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالُوا سَمِعْنا ﴾ إلَخْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا مَن فَعَلَ ﴾ هَذا إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهم مَن لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَ الأصْنامَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ﴿ أأنْتَ فَعَلْتَ ﴾ كَلامَ ذَلِكَ البَعْضِ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهم بَعْدَ المُفاوَضَةِ في أمْرِ الأصْنامِ وإخْبارِ البَعْضِ البَعْضَ بِما يُقْنِعُهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي كَسَرَها تَيَقَّنُوا كُلُّهم أنَّهُ الكاسِرُ فَأأنْتَ فَعَلْتَ مِمَّنْ صَدَرَ لِلتَّقْرِيرِ بِالفاعِلِ، وقَدْ سَلَكَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ مَسْلَكًا تَعْرِيضِيًّا يُؤَدِّي بِهِ إلى مَقْصِدِهِ الَّذِي هو إلْزامُهُمُ الحُجَّةَ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ يَحْمِلُهم عَلى التَّأمُّلِ في شَأْنِ آلِهَتِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّوَقِّي مِنَ الكَذِبِ فَقَدْ أبْرَزَ الكَبِيرُ قَوْلًا في مَعْرِضِ المُباشِرِ لِلْفِعْلِ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ كَما أبْرَزَهُ في ذَلِكَ المَعْرِضِ فِعْلًا بِجَعْلِ الفَأْسِ في عُنُقِهِ أوْ في يَدِهِ وقَدْ قَصَدَ إسْنادَهُ إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ حَيْثُ رَأى تَعْظِيمَهم إيّاهُ أشَدَّ مِن تَعْظِيمِهِمْ لِسائِرِ ما مَعَهُ مِنَ الأصْنامِ المُصْطَفَّةِ المُرَتَّبَةِ لِلْعِبادَةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَغَضِبَ لِذَلِكَ زِيادَةَ الغَضَبِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ إسْنادًا مَجازِيًّا عَقْلِيًّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ والأصْلُ فَعَلْتُهُ لِزِيادَةِ غَضَبِي مِن زِيادَةِ تَعْظِيمِ هَذا، وإنَّما لَمْ يَكْسِرْهُ وإنْ كانَ مُقْتَضى غَضَبِهِ ذَلِكَ لِتَظْهَرَ الحُجَّةُ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَذِبًا كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن بابِ المَجازِ لِما أنَّ المَعارِيضَ تُشْبِهُ صُورَتُها صُورَتَهُ فَبَطَلَ الِاحْتِجاجُ بِما ذُكِرَ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أيْضًا: إنَّهُ حِكايَةٌ لِما يَلْزَمُ مِن مَذْهَبِهِمْ جَوازُهُ يَعْنِي أنَّهم لَمّا ذَهَبُوا إلى أنَّهُ أعْظَمُ الآلِهَةِ فَعِظَمُ أُلُوهِيَّتِهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُعْبَدَ غَيْرُهُ مَعَهُ ويَقْتَضِي إفْناءَ مَن شارَكَهُ في ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَعَلَهُ هَذا الكَبِيرُ عَلى مُقْتَضى مَذْهَبِكم والقَضِيَّةُ مُمْكِنَةٌ.
ويُحْكى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا غَضِبَ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ وهو أكْبَرُ مِنها، قِيلَ: فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَمْثِيلًا أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنْبِيهَهم عَلى غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِإشْراكِهِمْ بِعِبادَتِهِ الأصْنامَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إلّا إثْباتَ الفِعْلِ لِنَفْسِهِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ مُضَمِّنًا فِيهِ الِاسْتِهْزاءَ والتَّضْلِيلَ كَما إذا قالَ لَكَ أُمِّيٌّ فِيما كَتَبْتَهُ بِخَطٍّ رَشِيقٍ وأنْتَ شَهِيرٌ بِحُسْنِ الخَطِّ: أأنْتَ كَتَبْتَ هَذا ؟
فَقُلْتَ لَهُ: بَلْ كَتَبْتَهُ أنْتَ فَإنَّكَ لَمْ تَقْصِدْ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِكَ وإثْباتَهُ لِلْأُمِّيِّ وإنَّما قَصَدْتَ إثْباتَهُ وتَقْرِيرَهُ لِنَفْسِكَ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِمُخاطَبِكَ.
وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ الفِعْلُ دائِرًا بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ كَبِيرِهِمْ ولا يَحْتَمِلُ ثالِثًا.
ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ السُّؤالَ في ﴿ أأنْتَ فَعَلْتَ ﴾ تَقْرِيرٌ لا اسْتِفْهامٌ كَما سَمِعْتَ عَنِ العَلّامَةِ وصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ والإمامُ السَّكّاكِيُّ فاحْتِمالُ الثّالِثِ مُنْدَفِعٌ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ عَلى ظاهِرِهِ فَقَرِينَةُ الإسْنادِ في الجَوابِ إلى ما لا يَصْلُحُ لَهُ بِكَلِمَةِ الإضْرابِ كافِيَةٌ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ السُّؤالَ لا وجْهَ لَهُ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ لِهَذا الفِعْلِ غَيْرِي، نَعَمْ يَرُدُّ أنَّ تَوْجِيهَهم بِذَلِكَ نَحْوَ التَّأمُّلِ في حالِ آلِهَتِهِمْ وإلْزامِهِمُ الحُجَّةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ أيْ إنْ كانُوا مِمَّنْ يُمْكِنُ أنْ يَنْطِقُوا غَيْرَ ظاهِرٍ عَلى هَذا، وقِيلَ إنَّ ﴿ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ مَعْنًى وقَوْلُهُ: (فاسْألُوا ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقْتَرِنَةٌ بِالفاءِ كَما في قَوْلِهِ: «فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ» فَيَكُونُ كَوْنُ الكَبِيرِ فاعِلًا مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِمْ ناطِقِينَ ومُعَلَّقًا بِهِ وهو مُحالٌ فالمُعَلَّقُ بِهِ كَذَلِكَ، وإلى نَحْوِ ذَلِكَ أشارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ فَعَلَهُ ﴾ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ يَعُودُ عَلى ( فَتًى ) أوْ إلى إبْراهِيمُ، ولا يَخْفى أنَّ كُلًّا مِن فَتًى وإبْراهِيمَ مَذْكُورٌ في كَلامٍ لَمْ يَصْدُرْ بِمَحْضَرٍ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى يَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ وأنَّ الإضْرابَ لَيْسَ في مَحِلِّهِ حِينَئِذٍ والمُناسِبُ في الجَوابِ نَعَمْ، ولا مُقْتَضًى لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ هُنا كَما قِيلَ وعُزِيَ إلى الكِسائِيِّ أنَّهُ جَعَلَ الوَقْفَ عَلى ﴿ فَعَلَهُ ﴾ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: الفاعِلُ مَحْذُوفٌ أيْ فَعَلَهُ مَن فَعَلَهُ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ حَذْفَ الفاعِلِ لا يَسُوغُ أيْ عِنْدَ الجُمْهُورِ وإلّا فالكِسائِيُّ يَقُولُ بِجَوازِ حَذْفِهِ.
وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِالحَذْفِ الإضْمارَ، وأكْثَرُ القُرّاءِ اليَوْمَ عَلى الوَقْفِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ الوَقْفُ عَلى ( كَبِيرُهم ) وأرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ لِأنَّ الإنْسانَ أكْبَرُ مِن كُلِّ صَنَمٍ، وهَذا التَّوْجِيهُ عِنْدِي ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، ومِثْلُهُ أنْ يُرادَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كَبِيرُ الآلِهَةِ ولا يُلاحَظُ ما أرادُوهُ بِها، ويُعْزى لِلْفَرّاءِ أنَّ الفاءَ في ( فَعَلَهُ ) عاطِفَةٌ وعَلَهُ بِمَعْنى لَعَلَّهُ فَخَفَّفَ.
واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِراءَةِ ابْنِ السَّمَيْقَعِ ( فَعَلَّهُ ) مُشَدَّدَ اللّامِ، ولا يَخْفى أنْ يَجِلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَنْ مِثْلِ هَذا التَّخْرِيجِ، والآيَةُ عَلَيْهِ في غايَةِ الغُمُوضِ وما ذُكِرَ في مَعْناها بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ لَفْظِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها وادَّعى أنَّ صُدُورَ الكَذِبِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِمَصْلَحَةٍ جائِزٌ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ رَفْعَ الوُثُوقِ بِالشَّرائِعِ لِاحْتِمالِ الكَذِبِ فِيها لِمَصْلَحَةٍ فالحَقُّ أنْ لا كَذِبَ أصْلًا وأنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ، وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ دُونَ إنْ كانُوا يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ مَعَ أنَّ السُّؤالَ مَوْقُوفٌ عَلى السَّمْعِ والعَقْلَ أيْضًا لِما أنَّ نَتِيجَةَ السُّؤالِ هو الجَوابُ وإنَّ عَدَمَ نُطْقِهِمْ أظْهَرُ وتَبْكِيتَهم بِذَلِكَ أدْخَلُ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ ﴾ فَتَفَكَّرُوا وتَدَبَّرُوا وتَذَكَّرُوا أنَّ ما لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ ولا عَلى الإضْرارِ بِمَن كَسَرَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْ غَيْرِهِ أوْ جَلْبِ مَنفَعَةٍ لَهُ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا.
﴿ فَقالُوا ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِيما بَيْنَهم ﴿ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ ﴾ أيْ بِعِبادَةِ ما لا يَنْطِقُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْ بِسُؤالِكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعُدُولِكم عَنْ سُؤالِها وهي آلِهَتُكم ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أوْ بِنَفْسِ سُؤالِكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ مُتَضَمِّنًا التَّوْبِيخَ المُسْتَتْبِعَ لِلْمُؤاخَذَةِ كَما قِيلَ أوْ بِغَفْلَتِكم عَنْ آلِهَتِكم وعَدَمِ حِفْظِكم إيّاها أوْ بِعِبادَةِ الأصاغِرِ مَعَ هَذا الكَبِيرِ قالَهُما وهْبٌ أوْ بِأنِ اتَّهَمْتُمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والفَأْسُ في عُنُقِ الكَبِيرِ قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ إسْحَقَ، والحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ ﴾ أصْلُ النَّكْسِ قَلْبُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ أعْلاهُ أسْفَلَهُ، ولا يَلْغُو ذِكْرَ الرَّأْسِ بَلْ يَكُونُ مِنَ التَّأْكِيدِ أوْ يُعْتَبَرُ التَّجْرِيدَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ النَّكْسُ لُغَةً في مُطْلَقِ قَلْبِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى ويُذْكَرُ الرَّأْسُ لِلتَّصْوِيرِ والتَّقْبِيحِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى ما في الكَشْفِ في المُرادِ بِهِ هُنا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّهُ الرُّجُوعُ عَنِ الفِكْرَةِ المُسْتَقِيمَةِ الصّالِحَةِ في تَظْلِيمِ أنْفُسِهِمْ إلى الفِكْرَةِ الفاسِدَةِ في تَجْوِيزِ عِبادَتِها مَعَ الِاعْتِرافِ بِتَقاصُرِ حالِها عَنِ الحَيَوانِ فَضْلًا أنْ تَكُونَ في مَعْرِضِ الإلَهِيَّةِ فَمَعْنى ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْنا وعَلَيْكَ أيُّها المُبَكِّتُ بِأنَّها لا تَنْطِقُ أنَّها كَذَلِكَ وإنّا إنَّما اتَّخَذْناها آلِهَةً مَعَ العِلْمِ بِالوَصْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَوابُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الآتِي، والثّانِي أنَّهُ الرُّجُوعُ عَنِ الجَدَلِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا ﴾ وقَوْلِهِمْ: ﴿ أأنْتَ فَعَلْتَ ﴾ إلى الجِدالِ عَنْهُ بِالحَقِّ في قَوْلِهِمْ: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) لِأنَّهُ نَفْيٌ لِلْقُدْرَةِ عَنْها واعْتِرافٌ بِعَجْزِها وأنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ وسُمِّيَ نَكْسًا وإنْ كانَ حَقًّا لِأنَّهُ ما أفادَهم عَقْدًا فَهو نَكْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ حَيْثُ اعْتَرَفُوا بِعَجْزِها وأصَرُّوا.
وفي لُبابِ التَّفْسِيرِ ما يَقْرُبُ مِنهُ مَأْخَذًا لَكِنَّهُ قَدَّرَ الرُّجُوعَ عَنِ الجِدالِ عَنْهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ ﴾ إلى الجِدالِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) والثّالِثُ أنَّ النَّكْسَ مُبالَغَةٌ في إطْراقِهِمْ رُؤُوسَهم خَجَلًا وقَوْلُهم: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) إلَخْ رَمْيٌ عَنْ حَيْرَةٍ ولِهَذا أتَوْا بِما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وجازَ أنْ يُجْعَلَ كِنايَةً عَنْ مُبالَغَةِ الحَيْرَةِ وانْخِذالِ الحُجَّةِ فَإنَّها لا تُنافِي الحَقِيقَةَ، قالَ في الكَشْفِ.
وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ وكَذَلِكَ الأوَّلُ، وكَوْنُ المُرادِ النَّكْسَ في الرَّأْيِ رَواهُ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وهو لِلْوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ ﴾ رَدَّتِ السَّفَلَةُ عَلى الرُّؤَساءِ.
فالمُرادُ بِالرُّؤُوسِ الرُّؤَساءُ، والأظْهَرُ عِنْدِي الوَجْهُ الثّالِثُ، وأيًّا ما كانَ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنُكِسُوا.
وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ قائِلِينَ ( لَقَدْ ) إلَخْ، والخِطابُ في ( عَلِمْتَ ) لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ عَلِمَ إنْ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ تَعَدَّتْ لِواحِدٍ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ كَما يُوهِمُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ.
وابْنُ أبِي عَبْلَةَ.
وابْنُ مُقْسِمٍ.
وابْنُ الجارُودِ.
والبَكْراوِيُّ كِلاهُما عَنْ هِشامٍ بِتَشْدِيدِ كافِ ( نُكِّسُوا )، وقَرَأ رِضْوانُ بْنُ عَبْدِ المَعْبُودِ (نَكَسُوا ) بِتَخْفِيفِ الكافِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ نَكَسُوا أنْفُسَهم وقِيلَ: رَجَعُوا عَلى رُؤَسائِهِمْ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُمُجاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبَكِّتًا لَهم ﴿ أفَتَعْبُدُونَ ﴾ أيْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ مُجاوِزِينَ عِبادَتَهُ تَعالى ﴿ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ﴾ مِنَ النَّفْعِ، وقِيلَ: بِشَيْءٍ ﴿ ولا يَضُرُّكُمْ ﴾ فَإنَّ العِلْمَ بِحالِهِ المُنافِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ مِمّا يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنْ عِبادَتِهِ قَطْعًا <div class="verse-tafsir"
﴿ أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ تَضَجُّرٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ بَعْدَ انْقِطاعِ العُذْرِ ووُضُوحِ الحَقِّ، وأصْلُ أُفٍّ صَوْتُ المُتَضَجِّرِ مِنَ اسْتِقْذارِ شَيْءٍ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ ثُمَّ صارَ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى أتَضَجَّرُ وفِيهِ لُغاتٌ كَثِيرَةٌ، واللّامُ لِبَيانِ المُتَأفَّفِ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ اسْتِقْباحِ ما فَعَلُوا ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ لا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ قُبْحَ صَنِيعِكُمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا عَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ وضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وهَذا دَيْدَنُ المُبْطَلِ المَحْجُوجِ إذا بُهِتَ بِالحُجَّةِ وكانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ يَفْزَعُ إلى المُناصَبَةِ ﴿ حَرِّقُوهُ ﴾ فَإنَّ النّارَ أشَدُّ العُقُوباتِ ولِذا جاءَ لا يُعَذِّبُ بِالنّارِ إلّا خالِقُها ﴿ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ﴾ بِالِانْتِقامِ لَها ﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ ناصِرِينَ آلِهَتَكم نَصْرًا مُؤَزَّرًا فاخْتارُوا لَهُ ذَلِكَ وإلّا فَرَّطْتُمْ في نُصْرَتِها وكَأنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا ما فِيها، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ العُدُولُ عَنْ أنْ تَنْصُرُوا آلِهَتَكم فَحَرِّقُوهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وأشارَ بِذَلِكَ عَلى المَشْهُورِ ورَضِيَ بِهِ الجَمِيعُ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْحارِيبَ بْنِ نَمْرُوذَ بْنِ كَوْسَ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقالَ: أتَدْرِي يا مُجاهِدُ مَنِ الَّذِي أشارَ بِتَحْرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنّارِ ؟
قُلْتُ: لا.
قالَ: رَجُلٌ مِن أعْرابِ فارِسٍ يَعْنِي الأكْرادَ ونَصَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الأكْرادِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وذُكِرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَسَفَ بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْمُهُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ.
وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجَبارِيِ هُيُونُ، وقِيلَ: هَدِيرُ.
وفي البَحْرِ أنَّهم ذَكَرُوا لَهُ اسْمًا مُخْتَلِفًا فِيهِ لا يُوقَفُ مِنهُ عَلى حَقِيقَةٍ، ورُوِيَ أنَّهم حِينَ هَمُّوا بِإحْراقِهِ حَبَسُوهُ ثُمَّ بَنَوْا بَيْتًا كالحَظِيرَةِ بِكَوْثى قَرْيَةٌ مِن قُرى الأنْباطِ في حُدُودِ بابِلَ مِنَ العِراقِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ ﴾ فَجَمَعُوا لَهُ صِلابَ الحَطَبِ مِن أصْنافِ الخَشَبِ مُدَّةَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَأوْقَدُوا نارًا عَظِيمَةً لا يَكادُ يَمُرُّ عَلَيْها طائِرٌ في أقْصى الجَوِّ لِشِدَّةِ وهَجِها فَلَمْ يَعْلَمُوا كَيْفَ يُلْقُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيها فَأتى إبْلِيسُ وعَلَّمَهم عَمَلَ المَنجَنِيقِ فَعَمَلُوهُ، وقِيلَ: صَنَعَهُ الكُرْدِيُّ الَّذِي أشارَ بِالتَّحْرِيقِ ثُمَّ خُسِفَ بِهِ ثُمَّ عَمَدُوا إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَضَعُوهُ في المَنجَنِيقِ مُقَيَّدًا مَغْلُولًا فَصاحَتْ مَلائِكَةُ السَّماءِ والأرْضِ إلَهَنا ما في أرْضِكَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ غَيْرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ يُحْرَقُ فِيكَ فَأْذَنْ لَنا في نُصْرَتِهِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: إنِ اسْتَغاثَ بِأحَدٍ مِنكم فَلْيَنْصُرْهُ وإنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأنا أعْلَمُ بِهِ وأنا ولِيُّهُ فَخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَهُ فَإنَّهُ خَلِيلِي لَيْسَ لِي خَلِيلٌ غَيْرُهُ وأنا إلَهُهُ لَيْسَ لَهُ إلَهٌ غَيْرِي فَأتاهُ خازِنُ الرِّياحِ وخازِنُ المِياهِ يَسْتَأْذِنانِهِ في إعْدامِ النّارِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا حاجَةَ لِي إلَيْكم حَسْبِي اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: حِينَ أوْثَقُوهُ لِيُلْقُوهُ في النّارِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ لَكَ الحَمْدُ ولَكَ المُلْكُ لا شَرِيكَ لَكَ ثُمَّ رَمَوْا بِهِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا إبْراهِيمُ ألَكَ حاجَةٌ ؟
قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا.
قالَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فاسْألْ رَبَّكَ فَقالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي.
ويُرْوى أنَّ الوَزَغَ كانَ يَنْفُخُ في النّارِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في رِوايَةِ البُخارِيِّ.
وفِي البَحْرِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ صَدَرَتْ عَنِ الوَزَغِ والبَغْلِ والخُطّافِ والضُّفْدَعِ والعَضْرَفُوطِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِذَلِكَ، فَلَمّا وصَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحَظِيرَةَ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى بِبَرَكَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْضَةً، وذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ ﴾ أيْ كَوْنِي ذاتَ بَرْدٍ وسَلامٍ أيِ ابْرُدِي بَرْدًا غَيْرَ ضارٍّ، ولِذا قالَ عَلَيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فِيما أخْرَجَهُ عِنْدَ أحْمَدَ وغَيْرِهِ: لَوْ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ ( وسَلاما ) لَقَتَلَهُ بَرْدُها، وفِيهِ مُبالَغاتُ جَعَلِ النّارِ المُسَخَّرَةِ لِقُدْرَتِهِ تَعالى مَأْسُورَةً مُطاوِعَةُ وإقامَةِ كَوْنِي ذاتَ بَرْدٍ مَقامَ ابْرُدِي ثُمَّ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقِيلَ: نُصِبَ ( سَلاما ) بِفِعْلِهِ أيْ وسَلَّمْنا سَلامًا عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ( قُلْنا ) وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي أيَّدَتْهُ الآثارُ.
رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أخَذُوا بِضَبْعَيْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأقْعَدُوهُ عَلى الأرْضِ فَإذا عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ ووَرْدٌ أحْمَرُ ونَرْجِسٌ ولَمْ تَحْرِقِ النّارُ إلّا وثاقَهُ كَما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما كُنْتُ أطْيَبَ عَيْشًا مِنِّي إذْ كُنْتُ فِيها، قالَ ابْنُ إسْحَقَ: وبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكَ الظِّلِّ في صُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْنِسُهُ، قالُوا: وبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ وقَعَدَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يا إبْراهِيمُ إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أما عَلِمَتْ أنَّ النّارَ لا تَضُرُّ أحْبابِي، ثُمَّ أشْرَفَ نَمْرُوذُ ونَظَرَ مِن صَرْحٍ لَهُ فَرَآهُ جالِسًا في رَوْضَةٍ والمَلَكُ قاعِدٌ إلى جَنْبِهِ والنّارُ مُحِيطَةٌ بِهِ فَنادى يا إبْراهِيمُ كَبِيرُ إلَهِكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ أنْ حالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما أرى يا إبْراهِيمُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَخْرُجَ مِنها ؟
قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ قالَ: هَلْ تَخْشى إنْ نِمْتَ فِيها أنْ تَضُرَّكَ ؟
قالَ: لا.
قالَ: فَقُمْ فاخْرُجْ مِنها فَقامَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْشِي فِيها حَتّى خَرَجَ مِنها فاسْتَقْبَلَهُ نَمْرُوذُ وعَظَّمَهُ، وقالَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأيْتُهُ مَعَكَ في صُورَتِكَ قاعِدًا إلى جَنْبِكَ ؟
قالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ أرْسَلَهُ إلَيَّ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي فِيها فَقالَ: يا إبْراهِيمُ إنِّي مُقَرِّبٌ إلى إلَهِكَ قُرْبانًا لِما رَأيْتُ مِن قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ فِيما صَنَعَ بِكَ حِينَ أبَيْتَ إلّا عِبادَتَهُ وتَوْحِيدَهُ إنِّي ذابِحٌ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِنكَ ما كُنْتَ عَلى دِينِكَ حَتّى تُفارِقَهُ وتَرْجِعَ إلى دِينِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي ولَكِنْ سَوْفَ أذْبَحُها لَهُ فَذَبَحَها وكَفَّ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا رَأوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْتَرِقْ قالُوا: إنَّهُ سَحَرَ النّارَ فَرَمَوْا فِيها شَيْخًا مِنهم فاحْتَرَقَ، وفي بَعْضِها أنَّهم لَمّا رَأوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سالِمًا لَمْ يُحْرَقْ مِنهُ غَيْرُ وثاقِهِ قالَ هارانُ أبُو لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ النّارَ لا تَحْرِقُهُ لِأنَّهُ سَحَرَها لَكِنِ اجْعَلُوهُ عَلى شَيْءٍ وأوْقِدُوا تَحْتَهُ فَإنَّ الدُّخانَ يَقْتُلُهُ فَجَعَلُوهُ فَوْقَ تِبْنٍ وأوْقَدُوا تَحْتَهُ فَطارَتْ شَرارَةٌ إلى لِحْيَةِ هارانَ فَأحْرَقَتْهُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صَرْدٍ وكانَ قَدْ أدْرَكَ النَّبِيَّ أنَّ أبا لُوطٍ قالَ وكانَ عَمَّهُ: إنَّ النّارَ لَمْ تَحْرِقْهُ مِن أجْلِ قَرابَتِهِ مِنِّي فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عُنُقًا مِنَ النّارِ فَأحْرَقَهُ، والأخْبارُ في هَذِهِ القِصَّةِ كَثِيرَةٌ لَكِنْ قالَ في البَحْرِ: قَدْ أكْثَرَ النّاسُ في حِكايَةِ ما جَرى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي صَحَّ هو ما ذَكَرَهُ تَعالى مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ في النّارِ فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرْدًا وسَلامًا.
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو القائِلُ لَها: ﴿ كُونِي بَرْدًا ﴾ إلَخْ وأنَّ هُناكَ قَوْلًا حَقِيقَةً، وقِيلَ القائِلُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ قَوْلُ ذَلِكَ مَجازٌ عَنْ جَعْلِها بارِدَةً، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَلَبَها خاصَّتَها مِنَ الحَرارَةِ والإحْراقِ وأبْقى فِيها الإضاءَةَ والإشْراقَ، وقِيلَ إنَّها انْقَلَبَتْ هَواءً طَيِّبًا وهو عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، وقِيلَ كانَتْ عَلى حالِها لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ دَفَعَ أذاها كَما تَرى في السَّمَندَرِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى إبْراهِيمَ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ خِلافُ المُعْتادِ فَيَخْتَصُّ بِمَن خُصَّ بِهِ ويَبْقى بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ عَلى الأصْلِ لا نَظَرًا إلى مَفْهُومِ اللَّقَبِ إذِ الأكْثَرُونَ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ.
وفي بَعْضِ الآثارِ السّابِقَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، وأيًّا ما كانَ فَهو آيَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدْ يَقَعُ نَظِيرُها لِبَعْضِ صُلَحاءِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ كَرامَةً لَهم لِمُتابَعَتِهِمُ النَّبِيَّ الحَبِيبَ ، وما يُشاهَدُ مِن وُقُوعِهِ لِبَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إلى حَضْرَةِ الوَلِيِّ الكامِلِ الشَّيْخِ أحْمَدَ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ الفَسَقَةِ الَّذِينَ كادُوا يَكُونُونَ لِكَثْرَةِ فِسْقِهِمْ كُفّارًا فَقِيلَ إنَّهُ بابٌ مِنَ السِّحْرِ المُخْتَلَفِ في كُفْرِ فاعِلِهِ وقَتْلِهِ فَإنَّ لَهم أسْماءً مَجْهُولَةَ المَعْنى يَتْلُونَها عِنْدَ دُخُولِ النّارِ والضَّرْبِ بِالسِّلاحِ ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ كُفْرًا وإنْ كانَ مَعَها ما لا كَفْرَ فِيهِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ ذَلِكَ تَلْسَفْ تَلْسَفْ هَيْفَ هَيْفَ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى التّامَّةِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ أقْسَمْتُ عَلَيْكِ يا أيَّتُها النّارُ أوْ أيُّها السِّلاحُ بِحَقِّ حَيٍّ حُلِيٍّ ونُورٍ سَبْحِيٍ ومُحَمَّدٍ أنْ لا تَضُرِّي أوْ لا تَضُرَّ غُلامَ الطَّرِيقَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في زَمَنِ الشَّيْخِ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ العَزِيزُ فَقَدْ كانَ أكْثَرَ النّاسِ اتِّباعًا لِلسُّنَّةِ وأشَدَّهم تَجَنُّبًا عَنْ مَظانِّ البِدْعَةِ وكانَ أصْحابُهُ سالِكِينَ مَسْلَكَهُ مُتَشَبِّثِينَ بِذَيْلِ اتِّباعِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ ثُمَّ طَرَأ عَلى بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ ما طَرَأ، قالَ في العِبَرِ: قَدْ كَثُرَ الزَّغْلُ في أصْحابِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ وتَجَدَّدَتْ لَهم أحْوالٌ شَيْطانِيَّةٌ مُنْذُ أخَذَتِ التَّتارُ العِراقَ مِن دُخُولِ النِّيرانِ ورُكُوبِ السِّباعِ واللَّعِبِ بِالحَيّاتِ وهَذا ما لا يَعْرِفُهُ الشَّيْخُ ولا صُلَحاءُ أصْحابِهِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ انْتَهى.
والحَقُّ أنَّ قِراءَةَ شَيْءٍ ما عِنْدَهم لَيْسَتْ شَرْطًا لِعَدَمِ التَّأثُّرِ بِالدُّخُولِ في النّارِ ونَحْوِهِ فَكَثِيرٌ مِنهم مَن يُنادِي إذا أُوقِدَتْ لَهُ النّارُ وضُرِبَتِ الدُّفُوفُ يا شَيْخُ أحْمَدُ يا رِفاعِيُّ أوْ يا شَيْخُ فُلانٍ لِشَيْخٍ أخَذَ مِنهُ الطَّرِيقَ ويَدْخُلُ النّارَ ولا يَتَأثَّرُ مِن دُونِ تِلاوَةِ شَيْءٍ أصْلًا، والأكْثَرُ مِنهم إذا قَرَأ الأسْماءَ عَلى النّارِ ولَمْ تُضْرَبْ لَهُ الدُّفُوفُ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَغَيُّرُ حالٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مَسِّ جَمْرَةٍ، وقَدْ يُتَّفَقُ أنْ يَقْرَأ أحَدُهُمُ الأسْماءَ وتُضْرَبَ لَهُ الدُّفُوفُ ويُنادِيَ مَن يُنادِي مِنَ المَشايِخِ فَيَدْخُلُ ويَتَأثَّرُ.
والحاصِلُ أنّا لَمْ نَرَ لَهم قاعِدَةً مَضْبُوطَةً بَيْدَ أنَّ الأغْلَبَ أنَّهم إذا ضُرِبَتْ لَهُمُ الدُّفُوفُ واسْتَغاثُوا بِمَشايِخِهِمْ وعَرْبَدُوا يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ ولا يَتَأثَّرُونَ، وقَدْ رَأيْتُ مِنهم مَن يَأْخُذُ زِقَّ الخَمْرِ ويَسْتَغِيثُ بِمَن يَسْتَغِيثُ ويَدْخُلُ تَنُّورًا كَبِيرًا تَضْطَرِمُ فِيهِ النّارُ فَيَقْعُدُ في النّارِ فَيَشْرَبُ الخَمْرَ ويَبْقى حَتّى تَخْمُدَ النّارُ فَيَخْرُجُ ولَمْ يَحْتَرِقْ مِن ثِيابِهِ أوْ جَسَدِهِ شَيْءٌ، وأقْرَبُ ما يُقالُ في مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّهُ اسْتِدْراجٌ وابْتِلاءٌ، وأمّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أكْرَمَ حَضْرَةَ الشَّيْخِ أحْمَدَ الرِّفاعِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ بِعَدَمِ تَأثُّرِ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ كَيْفَما كانُوا بِالنّارِ ونَحْوِها مِنَ السِّلاحِ وغَيْرِهِ إذا هَتَفُوا بِاسْمِهِ أوِ اسْمِ مُنْتَسِبٍ إلَيْهِ في بَعْضِ الأحْوالِ فَبَعِيدٌ بَلْ كَأنِّي بِكَ تَقُولُ بِعَدَمِ جَوازِهِ، وقَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأحْوالِ إعانَةً لَهُ، وقَدْ يَأْخُذُ بَعْضُ النّاسِ النّارَ بِيَدِهِ ولا يَتَأثَّرُ لِأجْزاءٍ يَطْلِي بِها يَدَهُ مِن خاصِّيَّتِها عَدَمُ إضْرارِ النّارِ لِلْجَسَدِ إذا طُلِيَ بِها فَيُوهِمُ فاعِلُ ذَلِكَ أنَّهُ كَرامَةٌ.
هَذا واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في كُلِّ شَيْءٍ خاصَّةً حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ فَلَيْسَ الفَرْقُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ مَثَلًا بِمُجَرَّدِ أنَّهُ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَخْلُقَ الإحْراقَ ونَحْوَهُ عِنْدَ النّارِ والرِّيَّ ونَحْوَهُ عِنْدَ الماءِ بَلْ أوْدَعَ في هَذا خاصَّةَ الرِّيَّ مَثَلًا وفي تِلْكَ خاصَّةَ الإحْراقِ مَثَلًا لَكِنْ لا تَحْرِقُ هَذِهِ ولا يَرْوِي ذاكَ إلّا بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أوْدَعَ في النّارِ الحَرارَةَ والإحْراقَ ما قالَ لَها ما قالَ.
ولا قائِلَ بِالفَرْقِ فَتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وأرادُوا بِهِ كَيْدًا ﴾ مَكْرًا عَظِيمًا في الإضْرارِ بِهِ ومَغْلُوبِيَّتِهِ ﴿ فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ ﴾ أيْ أخْسَرُ مِن كُلِّ خاسِرٍ حَيْثُ عادَ سَعْيُهم في إطْفاءِ نُورِ الحَقِّ قَوْلًا وفِعْلًا بُرْهانًا قاطِعًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ ومُوجِبًا لِارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العَذابِ، وقِيلَ: جَعَلَهُمُ الأخْسَرِينَ مِن حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ما هو مِن أحْقَرِ خَلْقِهِ وأضْعَفِهِ وهو البَعُوضُ يَأْكُلُ مِن لُحُومِهِمْ ويَشْرَبُ مِن دِمائِهِمْ وسَلَّطَ عَلى نَمْرُوذَ بَعُوضَةً أيْضًا فَبَقِيَتْ تُؤْذِيهِ إلى أنْ ماتَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ونَجَّيْناهُ ولُوطًا ﴾ وهو عَلى ما تَقَدَّمَ ابْنُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هو ابْنُ أخِيهِ ورُوِيَ ذَلِكَ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ ضَمَّنَ ﴿ نَجَّيْناهُ ﴾ مَعْنى أخْرَجْناهُ فَلِذا عُدِّيَ بِإلى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ﴾ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مُنْتَهِيًا إلى الأرْضِ فَلا تَضْمِينَ، والمُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ أرْضُ الشّامِ، وقِيلَ: أرْضُ مَكَّةَ، وقِيلَ: مِصْرُ والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ووَصَفَها بِعُمُومِ البَرَكَةِ لِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بُعِثُوا فِيها وانْتَشَرَتْ في العالَمِ شَرائِعُهُمُ الَّتِي هي مَبادِئُ الكَمالاتِ والخَيْراتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي بارَكْناها لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِها مُحِيطَةً بِالبَرَكَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَرَكاتِ النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الخِصْبِ وغَيْرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ مِنَ العِراقِ ومَعَهُ لُوطٌ وسارَّةُ بِنْتُ عَمِّهِ هارانَ الأكْبَرِ وقَدْ كانا مُؤْمِنَيْنِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَلْتَمِسُ الفِرارَ بِدِينِهِ فَنَزَلَ حُرّانَ فَمَكَثَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ سارَّةَ بِنْتُ مَلِكِ حُرّانَ تَزَوَّجَها عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ وشَرَطَ أبُوها أنْ لا يُغَيِّرَها عَنْ دِينِها والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ثُمَّ قَدِمَ مِصْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنها إلى الشّامِ فَنَزَلَ السَّبْعَ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ ونَزَلَ لُوطٌ بِالمُؤْتَفِكَةِ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مِنَ السَّبْعِ أوْ أقْرَبَ، وفي الآيَةِ مِن مَدْحِ الشّامِ ما فِيها، وفي الحَدِيثِ ««سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيارُ أهْلِ الأرْضِ ألْزَمُهم مُهاجَرَ إبْراهِيمَ»» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «طُوبى لِأهْلِ الشّامِ فَقُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟
قالَ: لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ باسِطَةٌ أجْنِحَتَها عَلَيْها» أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وأمّا العِراقُ فَقَدْ ذَكَرَ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في بابِ المِحْنَةِ مِنَ الأحْياءِ اتِّفاقَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ عَلى ذَمِّهِ وكَراهَةِ سُكْناهُ واسْتِحْبابِ الفِرارِ مِنهُ ولَعَلَّ وجْهَ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ فَلا نُنَقِّبُ فِيهِ البَنانَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً ﴾ أيْ عَطِيَّةً كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وعَطاءٍ مِن نَفَلَهُ بِمَعْنى أعْطاهُ، وهو عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ مَنصُوبٌ بِوَهَبْنا عَلى حَدِّ قَعَدْتُ جُلُوسًا، واخْتارَ جَمْعٌ كَوْنَهُ حالًا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أوْ وُلِدَ ولَدٌ أوْ زِيادَةٌ عَلى ما سَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو إسْحاقُ فَيَكُونُ حالًا مِن يَعْقُوبَ ولا لَبْسَ فِيهِ لِلْقَرِينَةِ الظّاهِرَةِ ﴿ وكُلا ﴾ مِنَ المَذْكُورِينَ.
وهم إبْراهِيمُ.
ولُوطٌ.
وإسْحاقُ.
ويَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ ﴿ جَعَلْنا صالِحِينَ ﴾ بِأنْ وفَّقْناهم لِلصَّلاحِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَصارُوا كامِلِينَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وجَعَلْناهم أئِمَّةً ﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ ﴿ يَهْدُونَ ﴾ أيِ الأُمَّةَ إلى الحَقِّ ﴿ بِأمْرِنا ﴾ لَهم بِذَلِكَ وإرْسالِنا إيّاهم حَتّى صارُوا مُكَمِّلِينَ ﴿ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ ﴾ لِيَتِمَّ الكَمالُ بِانْضِمامِ العَمَلِ إلى العِلْمِ، وأصْلُهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تابَعَهُ أنْ يُفْعَلَ الخَيْراتُ بِبِناءِ الفِعْلِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعِ الخَيْراتِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ثُمَّ فِعْلًا الخَيْراتُ بِتَنْوِينِ المَصْدَرِ ورَفْعِ الخَيْراتِ أيْضًا عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ لِمَصْدَرِ المَجْهُولِ ثُمَّ فِعْلَ الخَيْراتِ بِحَذْفِ التَّنْوِينِ وإضافَةِ المَصْدَرِ لِمَعْمُولِهِ القائِمِ مَقامَ فاعِلِهِ، والدّاعِي كَما قِيلَ إنَّ ﴿ فِعْلَ الخَيْراتِ ﴾ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ لَيْسَ مُوحًى إنَّما المُوحى أنْ يَفْعَلَ، ومَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ والحاصِلُ بِالمَصْدَرِ كالمُتَرادِفَيْنِ، وأيْضًا الوَحْيُ عامٌّ لِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ فَلِذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ بِناءَ المَصْدَرِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ والصَّحِيحُ مَنعُهُ، وما ذُكِرَ مِن عُمُومِ الوَحْيِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ هُنا إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومُضافًا مِن حَيْثُ المَعْنى إلى ظاهِرٍ مَحْذُوفٍ يَشْمَلُ المُوحى إلَيْهِمْ وغَيْرَهم أيْ فِعْلَ المُكَلَّفِينَ الخَيْراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المُوحى إلَيْهِمْ أيْ أنْ يَفْعَلُوا الخَيْراتِ وإذا كانُوا قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأتْباعُهم جارُونَ مُجْراهم في ذَلِكَ ولا يَلْزَمُ اخْتِصاصُهم بِهِ انْتَهى.
وانْتُصِرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ بَيانٌ لِأمْرٍ مُقَرَّرٍ في النَّحْوِ والدّاعِي إلَيْهِ أمْرانِ ثانِيهُما ما ذُكِرَ مِن عُمُومِ الوَحْيِ الَّذِي اعْتُرِضَ عَلَيْهِ والأوَّلُ سالِمٌ عَنِ الِاعْتِراضِ ذَكَرَ أكْثَرَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ ثُمَّ قالَ: الظّاهِرُ أنَّ المَصْدَرَ هُنا لِلْأمْرِ كَضَرْبَ الرِّقابِ، وحِينَئِذٍ فالظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ المُوحى قَوْلُ اللَّهِ تَعالى افْعَلُوا الخَيْراتِ، وكانَ ذَلِكَ لِأنَّ الوَحْيَ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ كَما قالُوا فَيَتَعَلَّقُ بِهِ لا بِالفِعْلِ إلّا أنَّهُ قِيلَ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أُشِيرَ أوَّلًا إلَيْهِ مِن أنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ مِنَ الأحْكامِ المُخْتَصَّةِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَرَعْنا لَهم فِعْلَ ذَلِكَ بِالإيحاءِ إلَيْهِمْ فَتَأمَّلْ، والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ ﴾ عَلى هَذا الطِّرْزِ، وهو كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ وإنافَتِهِ، وأصْلُ ( إقامَ ) إقْوامٌ فَقُلِبَتْ واوُهُ ألِفًا بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها لِما قَبْلَها وحُذِفَ إحْدى ألِفَيْهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والأكْثَرُ تَعْوِيضُ التّاءِ عَنْها فَيُقالُ إقامَةٌ وقَدْ تُتْرَكُ التّاءُ إمّا مُطْلَقًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ والسَّماعُ يَشْهَدُ لَهُ، وإمّا بِشَرْطِ الإضافَةِ لِيَكُونَ المُضافُ سادًّا مَسَدَّها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ وهو كَما قالَ أبُو حَيّانَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ، والَّذِي حَسَّنَ الحَذْفَ هُنا المُشاكَلَةُ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ كانَ في الأُمَمِ السّالِفَةِ صَلاةٌ وزَكاةٌ وهو مِمّا تَضافَرَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ إلّا أنَّهُما لَيْسا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى نَبِيِّها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّحِيَّةِ ﴿ وكانُوا لَنا ﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِنا ﴿ عابِدِينَ ﴾ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ غَيْرُ عِبادَتِنا كَأنَّهُ تَعالى أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهم وفُّوا بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وفّى لَهم بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولُوطًا ﴾ قِيلَ هو مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آتَيْناهُ ﴾ أيْ وآتَيْنا لُوطًا آتَيْناهُ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ وهَبْنا لَهُ ﴾ جَمَعَ سُبْحانَهُ إبْراهِيمَ ولُوطًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَجَّيْناهُ ولُوطًا ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِالخُصُوصِ وما وقَعَ في البَيْنِ بَيانٌ عَلى وجْهِ العُمُومِ.
والطَّبَرْسِيُّ جَعَلَ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وكُلًّا ) إلَخْ أيْ كُلًّا مِن إبْراهِيمَ ووَلَدَيْهِ إسْحاقَ.
ويَعْقُوبَ جَعَلْنا إلَخْ فَلا انْدِراجَ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ ولَهُ وجْهٌ، وأمّا كَوْنُ المُرادِ وكُلًّا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَلا وجْهَ لَهُ ويَحْتاجُ إلى تَكْلِيفِ تَوْجِيهِ الجَمْعِ فِيما بَعْدَهُ، وقِيلَ بِأذْكُرُ مُقَدَّرًا وجُمْلَةُ ﴿ آتَيْناهُ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿ حُكْمًا ﴾ أيْ حِكْمَةً، والمُرادُ بِها ما يَجِبُ فِعْلُهُ أوْ نُبُوَّةً فَإنَّ النَّبِيَّ حاكِمٌ عَلى أُمَّتِهِ أوِ الفَصْلَ بَيْنَ الخُصُومِ في القَضاءِ، وقِيلَ حِفْظُ صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ وعِلْمًا ﴾ بِما يَنْبَغِي عِلْمُهُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ ﴾ قِيلَ أيِ اللُّواطَةَ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المَوادِّ، وقِيلَ المُرادُ الأعْمالُ الخَبِيثَةُ مُطْلَقًا إلّا أنَّ أشْنَعَها اللُّواطَةُ، فَقَدْ أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بَشِيرٍ.
والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «عَشْرُ خِصالٍ عَمِلَتْها قَوْمُ لُوطٍ بِها أُهْلِكُوا إتْيانُ الرِّجالِ بَعْضَهم بَعْضًا ورَمْيُهم بِالجَلاهِقِ والخَذْفِ ولَعِبُهم بِالحَمامِ وضَرْبُ الدُّفُوفِ وشُرْبُ الخُمُورِ وقَصُّ اللِّحْيَةِ وطُولُ الشّارِبِ والصَّفْرُ والتَّصْفِيقُ ولِباسُ الحَرِيرِ وتَزَيَّدَها أُمَّتِي بِخُلَّةِ إتْيانِ النِّساءِ بَعْضَهُنَّ بَعْضًا»» .
وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى القَرْيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ فالنَّعْتُ سَبَبِيٌّ نَحْوُ جاءَنِي رَجُلٌ زَنى غُلامُهُ، ولَوْ جُعِلَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِدُونِ تَقْدِيرٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازًا عَنْ أهْلِها جازَ، واسْمُ القَرْيَةِ سَدُومٌ، وقِيلَ: كانَتْ قُراهم سَبْعًا فَعَبَّرَ عَنْها بِبَعْضِها لِأنَّها أشْهَرُها.
وفي البَحْرِ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِالواحِدَةِ لِاتِّفاقِ أهْلِها عَلى الفاحِشَةِ ويُرْوى أنَّها كُلَّها قُلِبَتْ إلّا زَغَرَ لِأنَّها كانَتْ مَحَلَّ مَن آمَنَ بِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَشْهُورُ قَلْبُ الجَمِيعِ.
﴿ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ ﴾ أيْ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ غَيْرَ مُنْقادِينَ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْمَلَ الخَبائِثَ، وقِيلَ: لَنَجَّيْناهُ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"
﴿ وأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا ﴾ أيْ في أهْلِ رَحْمَتِنا أيْ جَعَلْناهُ في جُمْلَتِهِمْ وعِدادِهِمْ فالظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ أوْ في جَنَّتِنا فالظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ والرَّحْمَةُ مَجازٌ كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَن أشاءُ مِن عِبادِي ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ مَجازًا عَنِ النُّبُوَّةِ وتَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةً أيْضًا فَتَأمَّلْ ﴿ إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ونُوحًا ﴾ أيْ واذْكُرْ نُوحًا أيْ نَبَأهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ نُوحًا عَطْفٌ عَلى لُوطٍ المَفْعُولِ لِآتَيْنا عَلى مَعْنى وآتَيْنا نُوحًا ولَمْ يَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، قِيلَ ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ (قِصَّةَ إبْراهِيمَ ) عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أبُو العَرَبِ أرْدَفَها جَلَّ شَأْنُهُ بِقِصَّةِ أبِي البَشَرِ وهو الأبُ الثّانِي كَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الأبُ الأوَّلُ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن أنَّ جَمِيعَ النّاسِ الباقِينَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ لَمَكِ بْنِ مَتُوشَلَخَ بْنِ أخْنُوخَ وهو إدْرِيسُ فِيما يُقالُ وهو أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما في التَّهْذِيبِ عُمْرًا، وذَكَرَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ أنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الغَفّارِ وأنَّهُ قِيلَ لَهُ نُوحٌ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ الجَوالِيقِيُّ: إنَّ لَفْظَ نُوحٍ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ زادَ الكِرْمانِيُّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ ﴿ إذْ ﴾ نادى أيْ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ وإذْ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ومَن لَمْ يُقَدِّرْ يَجْعَلُهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن نُوحٍ.
﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وذَكَرْنا قَبْلُ قَوْلًا آخَرَ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ﴾ دُعاءَهُ ﴿ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ وهو الطُّوفانُ أوْ أذِيَّةُ قَوْمِهِ وأصْلُ الكَرْبِ الغَمُّ الشَّدِيدُ وكَأنَّهُ عَلى ما قِيلَ مِن كَرْبِ الأرْضِ وهو قَلْبُها بِالحَفْرِ إذِ الغَمُّ يُثِيرُ النَّفْسَ إثارَةَ ذَلِكَ أوْ مِن كَرَبَتِ الشَّمْسُ إذا دَنَتْ لِلْمَغِيبِ فَإنَّ الغَمَّ الشَّدِيدَ تَكادُ شَمْسُ الرُّوحِ تَغْرُبُ مِنهُ أوْ مِنَ الكَرْبِ وهو عَقْدٌ غَلِيظٌ في رِشاءِ الدَّلْوِ فَإنَّ الغَمَّ كَعُقْدَةٍ عَلى القَلْبِ، وفي وصْفِهِ بِالعَظِيمِ تَأْكِيدٌ لِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أيْ مَنَعْناهُ وحَمَيْناهُ مِنهم بِإهْلاكِهِمْ وتَخْلِيصِهِ، وقِيلَ: أيْ نَصَرْناهُ عَلَيْهِمْ فَمِن بِمَعْنى عَلى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ النَّصْرَ يَتَعَدّى بِعَلى ومِن، فَفي الأساسِ نَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَدُوِّهِ ونَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ المُتَعَدِّي بِعَلى يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الإعانَةِ والمُتَعَدِّي بِمِن يَدُلُّ عَلى اسْتِتْباعِ ذَلِكَ لِلِانْتِقامِ مِنَ العَدُوِّ والِانْتِصارِ ﴿ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ ﴾ مُنْهَمِكِينَ في الشَّرِّ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ ﴾ فَإنَّ تَكْذِيبَ الحَقِّ والِانْهِماكَ في الشَّرِّ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإهْلاكُ قَطْعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ، ونَصْبُ ( أجْمَعِينَ ) قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ وهو كَما تَرى، وقالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ لَهُ وقَدْ كَثُرَ التَّأْكِيدُ بِأجْمَعِينَ غَيْرَ تابِعٍ لِكُلٍّ في القُرْآنِ فَكانَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى ابْنِ مالِكٍ في زَعْمِهِ أنَّ التَّأْكِيدَ بِهِ كَذَلِكَ قَلِيلٌ والكَثِيرُ اسْتِعْمالُهُ تابِعًا لِكُلٍّ انْتَهى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وداوُدَ وسُلَيْمانَ ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى ( نُوحا ) مَعْمُولٌ لِعامِلِهِ أعْنِي أذْكُرُ عَلَيْهِ عَلى ما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وإمّا مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ العامِلِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ نَبَأ داوُدَ وسُلَيْمانَ.
وداوُدُ بْنُ إيَشا بْنِ عُوبَرَ بْنِ باعِرَ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَخْشُونَ بْنِ عَمِي بْنِ يارِبَ بْنِ حَضْرُونَ بْنِ فارِضِ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ، كَما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أحْمَرَ الوَجْهِ سِبْطَ الرَّأْسِ أبْيَضَ الجِسْمِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ فِيها جُعُودَةٌ حَسَنَ الصَّوْتِ وجُمِعَ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ، ونَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ أهْلِ التّارِيخِ أنَّهُ عاشَ مِائَةَ سَنَةٍ ومُدَّةُ مُلْكِهِ مِنها أرْبَعُونَ، وكانَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ابْنًا وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدُ أبْنائِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُشاوَرُ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ لِوُفُورِ عَقْلِهِ وعِلْمِهِ.
وذَكَرَ كَعْبُ أنَّهُ كانَ أبْيَضَ جَسِيمًا وسِيمًا وضِيئًا خاشِعًا مُتَواضِعًا، ومَلِكَ كَما قالَ المُؤَرِّخُونَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وماتَ ولَهُ ثَلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَحْكُمانِ ﴾ ظَرْفٌ لِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ عَلى طِرْزِ ما مَرَّ، والمُرادُ إذْ حَكَما ﴿ فِي الحَرْثِ ﴾ إلّا أنَّهُ جِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، والمُرادُ بِالحَرْثِ هُنا الزَّرْعُ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ الكَرْمُ، وقِيلَ إنَّهُ يُقالُ فِيهِما إلّا أنَّهُ في الزَّرْعِ أكْثَرُ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَعَلَّهُ بِمَعْنى الكَرْمِ مَجازٌ عَلى التَّشْبِيهِ بِالزَّرْعِ، والمَعْنى إذْ يَحْكُمانِ في حَقِّ الحَرْثِ ﴿ إذْ نَفَشَتْ ﴾ ظَرْفٌ لِلْحُكْمِ، والنَّفْشُ رَعْيُ الماشِيَةِ في اللَّيْلِ بِغَيْرِ راعٍ كَما أنَّ الهَمْلَ رَعْيُها في النَّهارِ كَذَلِكَ، وكانَ أصْلُهُ الِانْتِشارَ والتَّفَرُّقَ أيْ إذْ تَفَرَّقَتْ وانْتَشَرَتْ ﴿ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ ﴾ لَيْلًا بِلا راعٍ فَرَعَتْهُ وأفْسَدَتْهُ ﴿ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ﴾ أيْ حاضِرِينَ عِلْمًا، وضَمِيرُ الجَمْعِ قِيلَ: لِداوُدَ وسُلَيْمانَ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (لِحُكْمِهِما ) بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ كَما في ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ .
وقِيلَ: هو لِلْحاكِمِينَ والمُتَحاكِمِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ إضافَةَ حُكْمٍ إلى الفاعِلِ عَلى سَبِيلِ القِيامِ وإلى المَفْعُولِ عَلى سَبِيلِ الوُقُوعِ وهُما في المَعْنى مَعْمُولانِ لَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ سَلْكُهُما في قَرْنٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الحُكْمَ في مَعْنى القَضِيَّةِ لا نَظَرَ ها هُنا إلى عِلْمِهِ وإنَّما يُنْظَرُ إلَيْهِ إذا كانَ مَصْدَرًا صِرْفًا، وأظْهَرُ مِنهُ كَما في الكَشْفِ أنَّ الِاخْتِصاصَ يَجْمَعُ القِيامَ والوُقُوعَ وهو مَعْنى الإضافَةِ ولَمْ يَبْقَ النَّظَرُ إلى العَمَلِ بَعْدَها لا لَفْظًا ولا مَعْنًى فالمَعْنى وكُنّا لِلْحُكْمِ الواقِعِ بَيْنَهم شاهِدِينَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُكْمِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مادِحٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: وكُنّا مُراقِبِينَ لِحُكْمِهِمْ لا نُقِرُّهم عَلى خَلَلٍ فِيهِ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا ﴾ في إفادَةِ العِنايَةِ والحِفْظِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يَحْكُمانِ ﴾ فَإنَّهُ في حُكْمِ الماضِي كَما مَضى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ (فَأفْهَمْناها ) بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ والضَّمِيرُ لِلْحُكُومَةِ أوِ الفُتْيا المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ.
رُوِيَ أنَّهُ كانَتِ امْرَأةٌ عابِدَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَتْ قَدْ تَبَتَّلَتْ وكانَ لَها جارِيَتانِ جَمِيلَتانِ فَقالَتْ إحْداهُما لِلْأُخْرى: قَدْ طالَ عَلَيْنا البَلاءُ أمّا هَذِهِ فَلا تُرِيدُ الرِّجالَ ولا نَزالُ بِشَرٍّ ما كُنّا لَها فَلَوْ أنّا فَضَحْناها فَرُجِمَتْ فَصِرْنا إلى الرِّجالِ فَأخَذا ماءَ البَيْضِ فَأتَياها وهي ساجِدَةٌ فَكَشَفَتا عَنْها ثَوْبَها ونَضَحَتاهُ في دُبُرِها وصَرَخَتا أنَّها قَدْ بَغَتْ وكانَ مَن زَنى فِيهِمْ حَدُّهُ الرَّجْمُ فَرُفِعَتْ إلى داوُدَ وماءُ البَيْضِ في ثِيابِها فَأرادَ رَجْمَها فَقالَ سُلَيْمانُ: ائْتُوا بِنارٍ فَإنَّهُ إنْ كانَ ماءَ الرَّجُلِ تَفَرَّقَ وإنْ كانَ ماءَ البَيْضِ اجْتَمَعَ فَأُتِيَ بِنارٍ فَوَضَعَها عَلَيْهِ فاجْتَمَعَ فَدَرَأ عَنْها الرَّجْمَ فَعَطَفَ عَلَيْهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأحَبَّهُ جِدًّا فاتَّفَقَ أنْ دَخَلَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ غَنَمَ هَذا دَخَلَتْ في حَرْثِي لَيْلًا فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى لَهُ بِالغَنَمِ فَخَرَجا فَمَرّا عَلى سُلَيْمانَ وكانَ يَجْلِسُ عَلى البابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ الخُصُومُ فَقالَ: كَيْفَ قَضى بَيْنَكُما أبِي ؟
فَأخْبَراهُ فَقالَ: غَيْرُ هَذا أرْفَقُ بِالجانِبَيْنِ فَسَمِعَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهُ فَقالَ لَهُ: بِحَقِّ النُّبُوَّةِ والأُبُوَّةِ ألا أخْبَرْتَنِي بِالَّذِي هو أرْفَقُ فَقالَ: أرى أنْ تَدْفَعَ الغَنَمَ إلى صاحِبِ الأرْضِ لِيَنْتَفِعَ بِدَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها والحَرْثَ إلى صاحِبِ الغَنَمِ لِيَقُومَ عَلَيْهِ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ ثُمَّ يَتَرادّا فَقالَ: القَضاءُ ما قَضَيْتَ وأمْضى الحُكْمَ بِذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ إذْ ذاكَ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً، ومالَ كَثِيرٌ إلى أنَّ حُكْمَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانَ بِالِاجْتِهادِ وهو جائِزٌ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ وبِذَلِكَ أقُولُ فَإنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ هَذا أرْفَقُ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أرى أنْ تَدْفَعَ إلَخْ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ وإلّا لَبَتَّ القَوْلُ بِذَلِكَ ولَما ناشَدَهُ داوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِإظْهارِ ما عِنْدَهُ بَلْ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُظْهِرَهُ بَداءً وحَرُمَ عَلَيْهِ كَتْمُهُ، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا في ذَلِكَ السِّنِّ ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ القَضاءُ السّابِقُ أيْضًا كَذَلِكَ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ نَقْضِ حُكْمِ النَّصِّ بِالِاجْتِهادِ، وفي الكَشْفِ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ كِلا الحُكْمَيْنِ عَنِ اجْتِهادٍ باطِلٌ لِأنَّ حُكْمَ سُلَيْمانَ نَقَضَ حُكْمَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ والِاجْتِهادُ لا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهادِ البَتَّةَ فَدَلَّ عَلى أنَّهُما جَمِيعًا حَكَما بِالوَحْيِ ويَكُونُ ما أُوحِيَ بِهِ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ناسِخًا لِحُكْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ كانَ حُكْمُ سُلَيْمانَ وحْدَهُ بِالوَحْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَهَّمْناها ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ اجْتِهادٌ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِعَدَمِ نَقْضِ الِاجْتِهادِ بِالِاجْتِهادِ عَدَمَ نَقْضِهِ بِاجْتِهادِ غَيْرِهِ حَتّى يَلْزَمَ تَقْلِيدُهُ بِهِ فَلَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ، وإنْ أرادَ عَدَمَ نَقْضِهِ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ ثانِيًا وهو عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ اجْتِهادِهِ لِظُهُورِ دَلِيلٍ آخَرَ فَهو غَيْرُ باطِلٍ بِدَلِيلِ أنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُنْقَلُ عَنْهُ في مَسْألَةٍ قَوْلانِ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ القَدِيمِ والجَدِيدِ ورُجُوعِ كِبارِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلى آراءِ بَعْضِهِمْ وهم مُجْتَهِدُونَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ اجْتِهادِهِ ويَقْضِيَ بِما قَضى بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اجْتِهادٍ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ نَقْضِ الِاجْتِهادِ بِالِاجْتِهادِ مِن خَصائِصِ شَرِيعَتِنا، عَلى أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بَتَّ الحُكْمَ في ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ مِن سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما سَمِعَ، ومِمَّنِ اخْتارَ كَوْنَ كِلا الحُكْمَيْنِ عَنِ اجْتِهادٍ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ ثُمَّ قالَ: بَلْ أقُولُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: إنَّ رَأْيَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِحْسانٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أرْفَقُ بِالجانِبَيْنِ ورَأْيَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِياسٌ كَما أنَّ العَبْدَ إذا جَنى عَلى النَّفْسِ يَدْفَعُهُ المَوْلى عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ أوْ يَفْدِيهِ ويَبِيعُهُ في ذَلِكَ أوْ يَفْدِيهِ عِنْدَ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قِيمَةِ الحَرْثِ وقِيمَةِ الغَنَمِ تَفاوُتٌ، وأمّا سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اسْتَحْسَنَ حَيْثُ جَعَلَ الِانْتِفاعَ بِالغَنَمِ بِإزاءِ ما فاتَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالحَرْثِ مِن غَيْرِ أنْ يَزُولَ مُلْكُ المالِكِ مِنَ الغَنَمِ وأوْجَبَ عَلى صاحِبِ الغَنَمِ أنْ يَعْمَلَ في الحَرْثِ إلى أنْ يَزُولَ الضَّرَرُ الَّذِي آتاهُ مِن قِبَلِهِ كَما قالَ بَعْضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ فِيمَن غَصَبَ عَبْدًا فَأبَقَ مِنهُ إنَّهُ يَضْمَنُ القِيمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِها المَغْصُوبُ مِنهُ بِإزاءِ ما فَوَّتَهُ الغاصِبُ مِنَ المَنافِعِ فَإذا ظَهَرَ الآبِقُ تَرادّا انْتَهى.
وأمّا حُكْمُ المَسْألَةِ في شَرِيعَتِنا فَعِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا ضَمانَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها سائِقٌ أوْ قائِدٌ لِما رَوى الشَّيْخانِ مِن قَوْلِهِ : ««جُرْحُ العَجْماءِ جُبارٌ»» ولا تَقْيِيدَ فِيهِ بِلَيْلٍ أوْ نَهارٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَجِبُ الضَّمانُ لَيْلًا لا نَهارًا لِما في السُّنَنِ مِن أنَّ ناقَةَ البَراءِ دَخَلَتْ حائِطَ رَجُلٍ فَأفْسَدَتْهُ فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ عَلى أهْلِ الأمْوالِ بِحِفْظِها بِالنَّهارِ وعَلى أهْلِ المَواشِي بِحِفْظِها بِاللَّيْلِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ في الحَدِيثِ اضْطِرابًا، وفي رِجالِ سَنَدِهِ كَلامًا مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَراءُ أرْسَلَها كَما يَجُوزُ في هَذِهِ القِصَّةِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلِيلَ فِيهِ ﴿ وكُلا ﴾ مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ ﴿ آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ كَثِيرًا ومِنهُ العِلْمُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ لا سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، فالجُمْلَةُ لِدَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ خَطَأ المُجْتَهِدِ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ في مَسْألَةٍ لا قاطِعَ فِيها مُصِيبٌ فَحُكْمُ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِ وحَقِّ مُقَلِّدِهِ ما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ فِيها ولا حُكْمَ لَهُ سُبْحانَهُ قَبْلَ الِاجْتِهادِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَكَلِّمِينَ مِنّا كالأشْعَرِيِّ، والقاضِي، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي الهُذَيْلِ، والجِبائِيِّ وأتْباعِهِمْ، ونُقِلَ عَنِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ والقَوْلِ بِوَحْدَةِ الحَقِّ وتَخْطِئَةِ البَعْضِ، وعُدَّ في الأحْكامِ الأشْعَرِيُّ مِمَّنْ يَقُولُ كَذَلِكَ.
ورُدَّ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّصَ سُلَيْمانَ بِفَهْمِ الحَقِّ في الواقِعَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ فَهْمِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فِيها وإلّا لَما كانَ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا.
وتَعَقَّبَهُ الآمِدِيُّ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ غايَةَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ تَخْصِيصُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْهِيمِ ولا دَلالَةَ لَهُ عَلى عَدَمِ ذَلِكَ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ ولَيْسَ بِحُجَّةٍ وإنْ سَلَّمْنا أنَّهُ حُجَّةٌ غَيْرَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُما حَكَما بِالنَّصِّ حُكْمًا واحِدًا ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعالى الحُكْمَ في مِثْلِ تِلْكَ القَضِيَّةِ في المُسْتَقْبَلِ وعَلِمَ سُلَيْمانُ بِالنَّصِّ النّاسِخِ دُونَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَكانَ هَذا هو الفَهْمُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا ﴾ ولَوْ كانَ أحَدُهُما مُخْطِئًا لَما كانَ قَدْ أُوتِيَ في تِلْكَ الواقِعَةِ حُكْمًا وعِلْمًا وإنْ سَلَّمْنا أنَّ حُكْمَهُما كانَ مُخْتَلِفًا لَكِنْ يُحْتَمَلُ أنَّهُما حَكَما بِالِاجْتِهادِ مَعَ الإذْنِ فِيهِ وكانا مُحِقَّيْنِ في الحُكْمِ إلّا أنَّهُ نَزَلَ الوَحْيُ عَلى وفْقِ ما حَكَمَ بِهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ ما حَكَمَ بِهِ حَقًّا مُتَعَيِّنًا بِنُزُولِ الوَحْيِ بِهِ ونُسِبَ التَّفْهِيمُ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْطِئًا في تِلْكَ الواقِعَةِ غَيْرَ أنَّهُ كانَ فِيها نَصٌّ أُطْلِعَ عَلَيْهِ سُلَيْمانُ دُونَ داوُدَ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ الخَطَأ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وإنَّما النِّزاعُ فِيما إذا حَكَما بِالِاجْتِهادِ ولَيْسَ في الواقِعَةِ نَصٌّ انْتَهى.
وأكْثَرُ الأخْبارِ تُساعِدُ أنَّ الَّذِي ظَفِرَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الواقِعَةِ هو سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما ذُكِرَ لا يَخْلُو مِمّا فِيهِ نَظَرٌ فانْظُرْ وتَأمَّلْ ﴿ وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يَخْتَصُّ بِكُلٍّ مِنهُما عَلَيْهِما السَّلامُ مِن كَراماتِهِ تَعالى إثْرَ ذِكْرِ الكَرامَةِ العامَّةِ لَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾ يُقَدِّسْنَ اللَّهَ تَعالى بِلِسانِ القالِ كَما سَبَّحَ الحَصا في كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ وسَمِعَهُ النّاسُ، وكانَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، وكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ يَسْمَعُهُ عَلى ما قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، وقِيلَ: يَسْمَعُهُ كُلُّ أحَدٍ وقِيلَ: بِصَوْتٍ يَظْهَرُ لَهُ مِن جانِبِها ولَيْسَ مِنها وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولَيْسَ فِيهِ مِن إظْهارِ الكَرامَةِ ما في الأوَّلِ بَلْ إذا كانَ هَذا هو الصَّدى فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ودُونَهُ ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ، وقِيلَ: ( يُسَبِّحْنَ ) بِمَعْنى يَسِرْنَ مِنَ السِّباحَةِ.
وتُعُقِّبَ بِمُخالَفَتِهِ لِلظّاهِرِ مَعَ أنَّ هَذا المَعْنى لَمْ يَذْكُرْهُ أهْلُ اللُّغَةِ ولا جاءَ في آيَةٍ أُخْرى أوْ خَبَرٍ سَيْرُ الجِبالِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقِيلَ: إسْنادُ التَّسْبِيحِ إلَيْهِنَّ مَجازٌ لِأنَّها كانَتْ تَسِيرُ مَعَهُ فَتَحْمِلُ مَن رَآها عَلى التَّسْبِيحِ فَأُسْنِدَ إلَيْها وهو كَما تَرى.
وتَأوَّلَ الجِبائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى جَعْلَ التَّسْبِيحِ بِمَعْنى السَّيْرِ بِأنَّهُ مَجازٌ لِأنَّ السَّيْرَ سَبَبٌ لَهُ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مِنَ السِّباحَةِ ومَعَ هَذا لا يَخْفى ما فِيهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( الجِبالَ ) أوِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ ( ومَعَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّسْخِيرِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَسْبَحْنَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ ويُعْلَمُ مِنهُ ما في حَمْلِ التَّسْبِيحِ عَلى التَّسْبِيحِ بِلِسانِ الحالِ وعَلى ما يَكُونُ بِالصَّدى ( والطَّيْرَ ) عَطْفٌ عَلى ( الجِبالَ ) أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وفي الآثارِ تَصْرِيحٌ بِأنَّها كانَتْ تُسَبِّحُ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالجِبالِ.
وقُرِئَ (والطَّيْرُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والطَّيْرُ مُسَخَّراتٌ، وقِيلَ: عَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾ ومِثْلُهُ جائِزٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكُنّا فاعِلِينَ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ أيْ مِن شَأْنِنا أنْ نَفْعَلَ أمْثالَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنّا وإنْ كانَ بَدِيعًا عِنْدَكُمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ﴾ أيْ عَمَلَ الدِّرْعِ وأصْلُهُ كُلُّ ما يُلْبَسُ، وأنْشَدَ ابْنُ السِّكِّيتِ: البِسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها إمّا نَعِيمُها وإمّا بُؤْسُها وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسِّلاحِ كُلِّهِ دِرْعًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ وأنْشَدَ لِلْهُذَلِيِّ يَصِفُ رُمْحًا: ومَعِيَ لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ ∗∗∗ رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعاجٍ مَحْفِلِ قالَ قَتادَةُ: كانَتِ الدُّرُوعُ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ فَأوَّلُ مَن سَرَدَها وحَلَقَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمَعَتِ الخِفَّةَ والتَّحْصِينَ، ويُرْوى أنَّهُ نَزَلَ مَلَكانِ مِنَ السَّماءِ فَمَرّا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: نِعْمَ الرَّجُلُ داوُدُ إلّا أنَّهُ يَأْكُلُ مِن بَيْتِ المالِ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُ مِن كَسْبِهِ فَألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَصَنَعَ مِنهُ الدِّرْعَ، وقُرِئَ (لُبُوسَ ) بِضَمِّ اللّامِ ( لَكم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلَبُوسٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِعَلَّمْنا أوْ بِصَنْعَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَّمْنا أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( لَكم ) بِإعادَةِ الجارِّ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاخْتِصاصِ والمَنفَعَةِ المُسْتَفادَةِ مِن لامِ ( لَكم ) والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلَبُوسٍ، والتَّأْنِيثُ بِتَأْوِيلِ الدِّرْعِ وهي مُؤَنَّثٌ سَماعِيٌّ أوْ لِلصَّنْعَةِ.
وقَرَأ جَماعَةٌ (لِيُحْصِنَكم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَبُوسٍ أوْ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِيلَ أوِ التَّعْلِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (لِنُحْصِنَكم ) بِالنُّونِ، وكُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ بِإسْكانِ الحاءِ والتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الفَقِيمِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍ و، وابْنِ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّشْدِيدِ ﴿ مِن بَأْسِكُمْ ﴾ قِيلَ أيْ مِن حَرْبِ عَدُوِّكم، والمُرادُ مِمّا يَقَعُ فِيها، وقِيلَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن آلَةِ بَأْسِكم كالسَّيْفِ ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ ﴾ أمْرٌ وارِدٌ صُورَةَ الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ بِالإيماءِ إلى التَّقْصِيرِ في الشُّكْرِ والمُبالَغَةِ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ الشُّكْرَ مُسْتَحِقُّ الوُقُوعِ بِدُونِ أمْرٍ فَسَألَ عَنْهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ الأمْرُ اللّازِمُ الوُقُوعَ أمْ لا <div class="verse-tafsir"
﴿ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وجِيءَ بِاللّامِ هُنا دُونَ الأوَّلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ فَإنَّ تَسْخِيرَ ما سُخِّرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِطَرِيقِ الِانْقِيادِ الكُلِّيِّ لَهُ والِامْتِثالِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ بِخِلافِ تَسْخِيرِ الجِبالِ والطَّيْرِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ والِاقْتِداءِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ عاصِفَةً ﴾ حالٌ مِنَ الرِّيحِ والعامِلُ فِيها الفِعْلُ المُقَدَّرُ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ حالَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، ولا يُنافِي وصْفُها بِذَلِكَ هُنا وصْفَها في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّها رَخاءٌ بِمَعْنى طَيِّبَةٍ لَيِّنَةٍ لِأنَّ الرَّخاءَ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ نَفْسِها والعَصْفُ وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ قَطْعِها المَسافَةَ البَعِيدَةَ في زَمانٍ يَسِيرٍ كالعاصِفَةِ في نَفْسِها فَهي مَعَ كَوْنِها لَيِّنَةً تَفْعَلُ فِعْلَ العاصِفَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُها بِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ، وقِيلَ وصْفُها بِالرَّخاءِ في الذَّهابِ ووَصْفُها بِالعَصْفِ بِالإيابِ عَلى عادَةِ البَشَرِ في الإسْراعِ إلى الوَطَنِ.
فَهي عاصِفَةٌ في وقْتٍ رَخاءٌ في آخَرَ.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ.
وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ (الرِّيحُ ) بِالرَّفْعِ مَعَ الإفْرادِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ (الرِّياحَ ) بِالنَّصْبِ والجَمْعِ، وأبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ والجَمْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ ظاهِرٌ، وأمّا الرَّفْعُ فَعَلى أنَّ المَرْفُوعَ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ ( وعاصِفَةً ) حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ ﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ ﴾ أيْ بِمَشِيئَتِهِ وعَلى وفْقِ إرادَتِهِ وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَأْمُرَها حَقِيقَةً ويَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَها فَهْمًا لِأمْرِهِ كَما قِيلَ في مَجِيءِ الشَّجَرَةِ لِلنَّبِيِّ حِينَ دَعاها، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ ثانِيَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأُولى عَلى ما قِيلَ وقَدْ مَرَّ لَكَ غَيْرُ بَعِيدٍ الكَلامُ في إبْدالِ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ فَتَذَكَّرْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الأُولى ﴿ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ وهي الشّامُ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْكَنُهُ فِيها فالمُرادُ أنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ رَواحًا بَعْدَ ما سارَتْ بِهِ مِنها بَكْرَةً، ولِشُيُوعِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ساكِنًا في تِلْكَ الأرْضِ لَمْ يَذْكُرْ جَرَيانَها بِأمْرِهِ مِنها واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَرَيانِها إلَيْها وهو أظْهَرُ في الِامْتِنانِ، وقِيلَ كانَ مَسْكَنُهُ إصْطَخْرَ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْكَبُ الرِّيحَ مِنها فَتَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الشّامِ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ أعَمَّ مِنَ الشّامِ، ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا حَلَّ أرْضًا أمَرَ بِقَتْلِ كُفّارِها وإثْباتِ الإيمانِ فِيها وبَثِّ العَدْلِ ولا بَرَكَةَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ويَبْعُدُ أنَّ المُتَبادِرَ كَوْنُ تِلْكَ الأرْضِ مُبارَكًا فِيها قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها وما ذُكِرَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مُبارَكًا فِيها مِن بَعْدِهِ وأبْعَدُ جِدًّا مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ بِقَوْلِهِ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى الأرْضِ ﴾ والَّتِي بارَكْنا فِيها صِفَةٌ لِلرِّيحِ وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الَّتِي بارَكْنا فِيها عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ بَلْ لا يَخْفى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ وكَلامُ أدْنى البُلَغاءِ يَجِلُّ عَنْهُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرِّيحِ هَذا العُنْصُرُ المَعْرُوفُ العامُّ لِجَمِيعِ أصْنافِهِ المَشْهُورَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّبا.
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ، فَعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: نَسَجَتْ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّياطِينُ بِساطًا مِن ذَهَبٍ وإبْرِيسَمَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ ووَضَعَتْ لَهُ مِنبَرًا مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهِ وحَوْلَهُ كَراسِيُّ مِن ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَراسِيُّ مِن فِضَّةٍ يَقْعُدُ عَلَيْها العُلَماءُ وحَوْلَهم سائِرُ النّاسِ وحَوْلَ النّاسِ الجِنُّ والشَّياطِينُ والطَّيْرُ تَظُلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ وتَرْفَعُ رِيحَ الصَّبا البِساطَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ومِنَ الرَّواحِ إلى الصَّباحِ.
وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى البِساطِ هو المَشْهُورُ ولَعَلَّ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ وإلّا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرْكَبٌ مِن خَشَبٍ وكانَ فِيهِ ألْفُ رُكْنٍ في كُلِّ رُكْنِ ألْفُ بَيْتٍ يَرْكَبُ مَعَهُ فِيهِ الجِنُّ والإنْسُ تَحْتَ كُلِّ رُكْنٍ ألْفُ شَيْطانٍ يَرْفَعُونَ ذَلِكَ المَرْكَبَ فَإذا ارْتَفَعَ أتَتِ الرِّيحُ الرَّخاءُ فَسارَتْ بِهِ فَسارُوا مَعَهُ فَلا يَدْرِي القَوْمُ إلّا وقَدْ أظَلَّهم مِنهُ الجُيُوشُ والجُنُودُ، وقِيلَ في وجْهِ الجَمْعِ إنَّ البِساطَ في المَرْكَبِ المَذْكُورِ ولَيْسَ بِذاكَ.
وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ لِما فَعَلَ بِالخَيْلِ حِينَ فاتَتْهُ بِسَبَبِها صَلاةُ العَصْرِ وذَلِكَ أنَّهُ تَرَكَها لِلَّهِ تَعالى فَعَوَّضَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرًا مِنها مِن حَيْثُ السُّرْعَةُ مَعَ الرّاحَةِ، ومِنَ العَجَبِ أنَّ أهْلَ لَنْدَنَ قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم مُنْذُ زَمانٍ بِعَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي مُرْتَفِعَةً في الهَواءِ إلى حَيْثُ شاؤُوا بِواسِطَةِ أبْخِرَةٍ يَحْبِسُونَها فِيها اغْتِرارًا بِما ظَهَرَ مُنْذُ سَنَواتٍ مِن عَمَلِ سَفِينَةٍ تَجْرِي في الماءِ بِواسِطَةِ آلاتٍ تُحَرِّكُها أبْخِرَةٌ فِيها فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ذَلِكَ ولا أظُنُّهُ يَتِمَّ حَسْبَ إرادَتِهِمْ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ المُطَّلِعِينَ أنَّهم صَنَعُوا سَفِينَةً تَجْرِي في الهَواءِ لَكِنْ لا إلى حَيْثُ شاؤُوا بَلْ إلى حَيْثُ ألْقَتْ رَحْلَها ﴿ وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ﴾ فَما أعْطَيْناهُ ما أعْطَيْناهُ إلّا لِما نَعْلَمُهُ مِنَ الحِكْمَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومِنَ الشَّياطِينِ ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ﴾ فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِسَخَّرْنا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما قَبْلَهُ، وهي عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَوْصُولَةٌ وعَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، ووَجْهُ اخْتِيارِ ذَلِكَ عَلى المَوْصُولِيَّةِ أنَّهُ لا عَهْدَ هُنا، وكَوْنُ المَوْصُولِ قَدْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ خِلافُ الظّاهِرِ، وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ نَظَرًا لِلْمَعْنى، وحَسَّنَهُ تَقَدُّمُ جَمْعٍ قَبْلَهُ، والغَوْصُ الدُّخُولُ تَحْتَ الماءِ وإخْراجُ شَيْءٍ مِنهُ، ولَمّا كانَ الغائِصُ قَدْ يَغُوصُ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ قِيلَ: ( لَهُ ) لِلْإيذانِ بِأنَّ الغَوْصَ لَيْسَ لِأنْفُسِهِمْ بَلْ لِأجْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُهم فَيَغُوصُونَ في البِحارِ ويَسْتَخْرِجُونَ لَهُ مِن نَفائِسِهِ ﴿ ويَعْمَلُونَ ﴾ لَهُ عَمَلًا كَثِيرًا ( دُونَ ذَلِكَ ) أيْ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِن بِناءِ المُدُنِ والقُصُورِ واخْتِراعِ الصَّنائِعِ الغَرِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ ﴾ الآيَةَ، قِيلَ: إنَّ الحَمّامَ والنَّوْرَةَ والطّاحُونَ والقَوارِيرَ والصّابُونَ مِن أعْمالِهِمْ، وذَكَرَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ في التَّفْسِيرِ، لَكِنَّ في كَوْنِ الصّابُونِ مِن أعْمالِهِمْ خِلافًا.
فَفي التَّذْكِرَةِ الصّابُونُ مِنَ الصِّناعَةِ القَدِيمَةِ قِيلَ وُجِدَ في كُتُبِ هِرْمِسَ وأنْدُوخِيا وهو الأظْهَرُ.
وقِيلَ: مِن صِناعَةِ بِقْراطَ وجالِينُوسَ انْتَهى.
وقِيلَ: هو مِن صِناعَةِ الفارابِيِّ وأوَّلُ ما صَنَعَهُ في دِمَشْقِ الشّامِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ، وما اشْتُهِرَ أنَّ أوَّلَ مَن صَنَعَهُ البُونِيُّ فَمِن كَذِبِ العَوامِّ وخُرافاتِهِمْ، ثُمَّ هَؤُلاءِ إمّا الفِرْقَةُ الأُولى أوْ غَيْرُها لِعُمُومِ كَلِمَةِ ( مِنَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَعْمَلُونَ، والشَّياطِينُ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نارِيَّةٌ عاقِلَةٌ، وحُصُولُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الجِسْمِ اللَّطِيفِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ فَإنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَلْعِ الهَواءِ الأجْسامَ الثَّقِيلَةَ، وقالَ الجِبائِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ كَثَّفَ أجْسامَهم خاصَّةً وقَوّاهم وزادَ في عَظْمِهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا تُوُفِّيَ رَدَّهم إلى خِلْقَتِهِمُ الأُولى لِئَلّا يُفْضِي إبْقاؤُهم إلى تَلْبِيسِ المُتَنَبِّي وهو كَلامٌ ساقِطٌ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ كَما لا يَخْفى.
والظّاهِرُ أنَّ المُسَخَّرِينَ كانُوا كُفّارًا لِأنَّ لَفْظَ الشَّياطِينِ أكْثَرُ إطْلاقًا عَلَيْهِمْ، وجاءَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ في بَعْضِ الرِّواياتِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكُنّا لَهم حافِظِينَ ﴾ أيْ مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ أوْ يُفْسِدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوهُ بِالنَّهارِ، وقِيلَ حافِظِينَ لَهم مِن أنْ يُهَيِّجُوا أحَدًا والأنْسَبُ بِالتَّذْيِيلِ ما تَقَدَّمَ وذُكِرَ في حِفْظِهِمْ أنَّهُ وكَلَّ بِهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَمْعًا مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ، هَذا وفي قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ الإمامُ: وتَسْخِيرُ أكْثَفِ الأجْسامِ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الحَجَرُ إذْ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّسْبِيحِ والحَدِيدُ إذْ ألانَهُ سُبْحانَهُ لَهُ وتَسْخِيرُ ألْطَفِ الأجْسامِ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الرِّيحُ والشَّياطِينُ وهم مِن نارٍ وكانُوا يَغُوصُونَ في الماءِ فَلا يَضُرُّهم دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وإظْهارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ وإمْكانِ إحْياءِ العَظْمِ الرَّمِيمِ وجَعْلِ التُّرابِ اليابِسِ حَيَوانًا فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ وجَبَ قَبُولُهُ واعْتِقادُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وأيُّوبَ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وداوُدَ وسُلَيْمانَ ﴾ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي ﴾ أيْ بِأنِّي ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ قائِلًا إنِّي، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ إجْراءُ نادى مُجْرى قالَ، والضَّرُّ بِالفَتْحِ شائِعٌ في كُلِّ ضَرَرٍ وبِالضَّمِّ خاصٌّ بِما في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ ونَحْوِهِما ﴿ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ أيْ وأنْتَ أعْظَمُ رَحْمَةً مِن كُلِّ مَن يَتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ في الجُمْلَةِ وإلّا فَلا راحِمَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ جَلَّ شَأْنُهُ وعَلا، ولا يَخْفى ما في وصْفِهِ تَعالى بِغايَةِ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ما ذَكَّرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُها مُكْتَفِيًا بِذَلِكَ عَنْ عَرْضِ الطَّلَبِ مِنَ اسْتِمْطارِ سَحائِبِ الرَّحْمَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ.
ويُحْكى في التَّلَطُّفِ في الطَّلَبِ أنَّ امْرَأةً شَكَتْ إلى بَعْضِ ولَدِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قِلَّةَ الفَأْرِ في بَيْتِها فَقالَ: امْلَؤُوا بَيْتَها خُبْزًا وسَمْنًا ولَحْمًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ابْنُ أمُوصَ بْنِ رُزاحَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ، وحَكى ابْنُ عَساكِرَ أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلى هَذا كانَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إدْرِيسُ ثُمَّ نُوحٌ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ ثُمَّ يُوسُفُ ثُمَّ لُوطٌ ثُمَّ هُودُ ثُمَّ صالَحٌ ثُمَّ شُعَيْبٌ ثُمَّ مُوسى وهارُونُ ثُمَّ إلْياسُ ثُمَّ اليَسَعُ ثُمَّ يُونُسُ ثُمَّ أيُّوبُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَصِحَّ في نَسَبِهِ شَيْءٌ إلّا أنَّ اسْمَ أبِيهِ أمُوصُ.
وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما أخْرَجَ الحاكِمُ مِن طَرِيقِ سَمْرَةَ عَنْ كَعْبٍ طَوِيلًا جَعْدَ الشَّعْرِ واسِعَ العَيْنَيْنِ حَسْنَ الخُلُقِ قَصِيرَ العُنُقِ عَرِيضَ الصَّدْرِ غَلِيظَ السّاقَيْنِ والسّاعِدَيْنِ وكانَ قَدِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وبَسَطَ عَلَيْهِ الدُّنْيا وكَثَّرَ أهْلَهُ ومالَهُ فَكانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وسَبْعُ بَناتٍ ولَهُ أصْنافُ البَهائِمِ وخَمْسُمِائَةِ فَدّانٍ يُتْبِعُها خَمْسُمِائَةِ عَبْدٍ لِكُلِّ عَبْدٍ امْرَأةٌ ووَلَدٌ فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَهابِ ولَدِهِ بِهَدْمِ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ وبِذَهابِ أمْوالِهِ وبِالمَرَضِ في بَدَنِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعًا وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أيّامٍ وسَبْعَ ساعاتٍ أوْ ثَلاثَ سِنِينَ، وعُمْرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ أكْثَرُ، ومُدَّةُ عُمْرِهِ عَلى ما رَوى الطَّبَرانِيُّ ثَلاثٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وقِيلَ أكْثَرُ.
رُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ وكَوْنُها ماضِرُ بِنْتُ مَيْشا بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرائِيمَ بْنِ يُوسُفَ إنَّما يَتَسَنّى عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ في زَمانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَتْ لَهُ يَوْمًا: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: كَمْ كانَتْ مُدَّةُ الرَّخاءِ فَذَكَرَتْ مُدَّةً كَثِيرَةً وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ثَمانِينَ سَنَةً فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ أدْعُوَهُ وما بَلَغَتْ مُدَّةُ بَلائِي مُدَّةَ رَخائِي.
ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أتاها عَلى هَيْئَةٍ عَظِيمَةٍ فَقالَ لَها: أنا إلَهُ الأرْضِ فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ ما فَعَلْتُ لِأنَّهُ تَرَكَنِي وعَبَدَ إلَهَ السَّماءِ فَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً رَدَدْتُ عَلَيْهِ وعَلَيْكِ جَمِيعَ ما أخَذْتُ مِنكُما.
وفِي رِوايَةٍ لَوْ سَجَدْتِ لِي سَجْدَةً لَرَدَدْتُ المالَ والوَلَدَ وعافَيْتُ زَوْجَكِ فَرَجَعَتْ إلى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مُلْقًى في الكُناسَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ لا يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ فَأخْبَرَتْهُ بِالقِصَّةِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَعَلَّكِ افْتَتَنْتِ بِقَوْلِ اللَّعِينِ لَئِنْ عافانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأضْرِبَنَّكِ مِائَةَ سَوْطٍ وحَرامٌ عَلَيَّ أنْ أذُوقَ بَعْدَ هَذا مِن طَعامِكِ وشَرابِكِ شَيْئًا فَطَرَدَها فَبَقِيَ طَرِيحًا في الكُناسَةِ لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَّ ساجِدًا فَقالَ: (رَبِّ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ مَرَّ بِهِ رَجُلانِ فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ولَوْ كانَ لِلَّهِ تَعالى في هَذا حاجَةٌ ما بَلَغَ بِهِ هَذا كُلُّهُ فَسَمِعَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ، ورَوى أنَسٌ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهَضَ مَرَّةً لِيُصَلِّيَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى النُّهُوضِ فَقالَ (رَبِّ ) إلَخْ» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ولَعَلَّ هَذا الأخِيرَ أمْثَلُ الأقْوالِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلاؤُهُ في بَدَنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَ يَخْرُجُ في بَدَنِهِ مِثْلُ ثَدْيِ النِّساءِ ثُمَّ يَتَفَقَّأُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ما كانَ بَقِيَ مِن أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا عَيْناهُ وقَلْبُهُ ولِسانُهُ فَكانَتِ الدَّوابُّ تَخْتَلِفُ في جَسَدِهِ، وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ.
وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أنَّ الدُّودَةَ لَتَقَعُ مِن جَسَدِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُعِيدُها إلى مَكانِها ويَقُولُ: كُلِي مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، وما أصابَ مِنهُ إبْلِيسُ في مَرَضِهِ كَما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ إلّا الأنِينَ، وسَبَبُ ابْتِلائِهِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ اسْتَعانَ بِهِ مِسْكِينٌ عَلى دَرْءِ ظُلْمٍ عَنْهُ فَلَمْ يُعِنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوَلانِيِّ في ذَلِكَ أنَّ الشّامَ أجْدَبَ فَكَتَبَ فِرْعَوْنُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ هَلُمَّ إلَيْنا فَإنَّ لَكَ عِنْدَنا سَعَةً فَأقْبَلَ بِما عِنْدَهُ فَأقْطَعَهُ أرْضًا فاتَّفَقَ أنْ دَخَلَ شُعَيْبٌ عَلى فِرْعَوْنَ وأيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ فَقالَ: أما تَخافُ أنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى غَضْبَةً فَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالُ والبِحارُ فَسَكَتَ أيُّوبُ فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِهِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى أيُّوبَ أوَسَكَتَّ عَنْ فِرْعَوْنَ لِذَهابِكَ إلى أرْضِهِ اسْتَعِدَّ لِلْبَلاءِ قالَ: فَدِينِي قالَهُ سُبْحانَهُ: أسْلِمُهُ لَكَ قالَ: لا أُبالِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَجَدَ فَقالَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ مِن تَحْتِهِ عَيْنُ ماءٍ فاغْتَسَلَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ دابَّةٌ إلّا سَقَطَتْ ولا جِراحَةٌ إلّا بَرِئَتْ ثُمَّ رَكَضَ مَرَّةً أُخْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها فَلَمْ يَبْقَ في جَوْفِهِ داءٌ إلّا خَرَجَ وعادَ صَحِيحًا ورَجَعَ إلَيْهِ شَبابُهُ وجَمالُهُ وذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ ثُمَّ كُسِيَ حُلَّةً وجَلَسَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ ولَمْ تَعْلَمِ امْرَأتُهُ بِذَلِكَ فَأدْرَكَتْها الرِّقَّةُ عَلَيْهِ فَقالَتْ في نَفْسِها: هَبْ أنَّهُ طَرَدَنِي أفَأتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا وتَأْكُلَهُ السِّباعُ لَأرْجِعَنَّ فَلَمّا رَجَعَتْ ما رَأتْ تِلْكَ الكُناسَةَ ولا تِلْكَ الحالَ فَجَعَلَتْ تَطُوفُ حَيْثُ الكُناسَةُ وتَبْكِي وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أنْ تَأْتِيَهُ وتَسْألَهُ فَدَعاها أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ما تُرِيدِينَ يا أمَةَ اللَّهِ ؟
فَبَكَتْ وقالَتْ: أُرِيدُ ذَلِكَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ مُلْقًى عَلى الكُناسَةِ قالَ لَها: ما كانَ مِنكِ ؟
فَبَكَتْ وقالَتْ: بَعْلِي قالَ: أتَعْرِفِينَهُ إذا رَأيْتِهِ ؟
قالَتْ: وهَلْ يَخْفى عَلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقالَ: أنا ذَلِكَ فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ فاعْتَنَقَتْهُ ﴿ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (كَشَفْنا ) فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وفِيهِ خَفاءٌ لِعَدَمِ ظُهُورِ كَوْنِ الإتْيانِ المَذْكُورِ مَدْعُوًّا بِهِ وإذا عُطِفَ عَلى (اسْتَجَبْنا ) لا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وقَدْ سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَيْبَرَ عَنِ الضَّحّاكِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتَيْناهُ ﴾ إلَخْ قالَ: رَدَّ اللَّهُ تَعالى امْرَأتَهُ إلَيْهِ وزادَ في شَبابِها حَتّى ولَدَتْ لَهُ سِتًّا وعِشْرِينَ ذَكَرًا»» فالمَعْنى عَلى هَذا آتَيْناهُ في الدُّنْيا مِثْلَ أهْلِهِ عَدَدًا مَعَ زِيادَةِ مِثْلٍ آخَرَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودَ والحَسَنُ وقَتادَةُ في الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أوْلادَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا في بَلائِهِ وأُوتِيَ مِثْلُهم في الدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ المِثْلَ مِن صُلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، وقِيلَ: كانُوا نَوافِلَ وجاءَ في خَبَرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لَهُ أنْدَرانِ أنْدَرُ لِلْقَمْحِ وأنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى سَحابَتَيْنِ فَأفْرَغَتْ إحْداهُما في أنْدَرِ القَمْحِ الذَّهَبَ حَتّى فاضَ وأفْرَغَتِ الأُخْرى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِقَ حَتّى فاضَ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««بَيْنَما أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ فَجَعَلَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ فَناداهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ يا أيُّوبُ ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمّا تَرى: قالَ: بَلى وعِزَّتِكَ لَكِنْ لا غِنى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ»»، وعاشَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الخَلاصِ مِنَ البَلاءِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما سَبْعِينَ سَنَةً، ويَظْهَرُ مِن هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ عُمْرَهُ حِينَ أصابَهُ البَلاءُ سَبْعُونَ أنَّ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَوْقَ ثَلاثٍ وتِسْعِينَ بِكَثِيرٍ، ولَمّا ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْصى إلى ابْنِهِ حَرْمَلَ كَما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الأهْلَ لَيْسَ المَرْأةَ ﴿ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ ﴾ أيْ وآتَيْناهُ ما ذُكِرَ لِرَحْمَتِنا أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَذْكِرَةً لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ فَيُثابُوا كَما أُثِيبَ، فَرَحْمَةً نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ( ولِلْعابِدِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( رَحْمَةً وذِكْرى ) تَنازُعًا فِيهِ عَلى مَعْنى وآتَيْناهُ العابِدِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذِكْرِنا إيّاهم بِالإحْسانِ وعَدَمِ نِسْيانِنا لَهم.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَ (رَحْمَةً ) عَلى المَصْدَرِ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"
﴿ وإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ ﴾ أيْ واذْكُرْهم وظاهِرُ نَظْمِ ذِي الكِفْلِ في سِلْكِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهُ مِنهم وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ فَقِيلَ بِشْرٌ وهو ابْنُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بَعْدَ أبِيهِ وسَمّاهُ ذا الكِفْلِ وأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، وكانَ مُقِيمًا بِالشّامِ عُمْرَهُ وماتَ وهو ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً وأوْصى إلى ابْنِهِ عَبْدانَ وأخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ، وقِيلَ هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنْحاصَ بْنِ العِيزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وصَنِيعُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِهِ، وقِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وقِيلَ اسْمُهُ ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ هو زَكَرِيّا حَكى كُلَّ ذَلِكَ الكِرْمانِيُّ في العَجائِبِ، وقِيلَ هو اليَسَعُ بْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّهُ حَزْقِيالُ وجاءَتْهُ النُّبُوَّةُ وهو في وسَطِ سَبْيِ بُخْتَنَصَّرَ عَلى نَهْرِ خُوبارَ.
وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ومُجاهِدٌ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وكانَ عَبْدًا صالِحًا اسْتَخْلَفَهُ.
عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
اليَسَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَرْطِ أنْ يَصُومَ النَّهارَ ويَقُومَ اللَّيْلَ ولا يَغْضَبَ فَفَعَلَ ولَمْ يَذْكُرْ مُجاهِدٌ ما اسْمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ فَحَضَرَهُ المَوْتُ فَقالَ: مَن يَقُومُ مَقامِي عَلى أنْ لا يَغْضَبَ ؟
فَقالَ رَجُلٌ: أنا يُسَمّىذا الكِفْلِ الخَبَرَ، وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأكْبَرِ كانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ فَحَضَرَتْهُ الوَفاةُ فَأتاهُ رُؤُوسُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: اسْتَخْلِفْ عَلَيْنا مَلِكًا نَفْزَعُ إلَيْهِ فَقالَ: مَن تَكَفَّلَ لِي بِثَلاثٍ فَأُوَلِّيهِ مُلْكِي ؟
فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إلّا فَتًى مِنَ القَوْمِ قالَ: أنا فَقالَ: اجْلِسْ ثُمَّ قالَها ثانِيَةً فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أحَدٌ إلّا الفَتى فَقالَ: تَكَفَّلْ لِي بِثَلاثٍ وأُوَلِّيكَ مُلْكِي تَقُومُ اللَّيْلَ فَلا تَرْقُدُ وتَصُومُ فَلا تُفْطِرُ وتَحْكُمُ فَلا تَغْضَبُ قالَ: نَعَمْ قالَ: قَدْ ولَّيْتُكَ مُلْكِي الخَبَرَ، وفِيهِ كَذا في الخَبَرِ السّابِقِ قِصَّةُ إرادَةِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إغْضابَهُ وحِفْظِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِنهُ، والكِفْلُ الكَفالَةُ والحَظُّ والضَّعْفُ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنِ اسْمَهُ إمّا لِأنَّهُ تَكَفَّلَ بِأمْرٍ فَوَفّى بِهِ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ لَهُ ذا حَظٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ لِأنَّهُ كانَ لَهُ ضِعْفُ عَمَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَمانِهِ وضِعْفُ ثَوابِهِمْ.
ومَن قالَ إنَّهُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكَفالَتِهِ مَرْيَمَ وهو داخِلٌ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وفي البَحْرِ وقِيلَ: في تَسْمِيَتِهِ ذا الكِفْلِ أقْوالٌ مُضْطَرِبَةٌ لا تَصِحُّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ كُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ ﴿ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ أيْ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وشَدائِدِ النَّوْبِ ويُعْلَمُ هَذا مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ بَعْدَ أيُّوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا ﴾ الكَلامُ فِيهِ عَلى طِرْزِ ما سَبَقَ مِن نَظِيرِهِ آنِفًا.
﴿ إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ لِعِصْمَتِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ.
والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ فِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِ مِنَ ابْتِدائِيَّةً كَما يَظْهَرُ بِأدْنى نَظَرٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ وذا النُّونِ ﴾ أيْ واذْكُرْ صاحِبَ الحُوتِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ مَتّى وهو اسْمُ أبِيهِ عَلى ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ وصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ قالَ: ولَمْ أقِفْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ، وقالَ ابْنُ الأثِيرِ كَغَيْرِهِ إنَّهُ اسْمُ أُمِّهِ ولَمْ يُنْسَبْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلى أُمِّهِ غَيْرُهُ وغَيْرُ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
واليَهُودُ قالُوا بِما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهم سَمَّوْهُ يُونَهَ بْنَ أمِيتايَ، وبَعْضُهم يَقُولُ يُونانُ بْنُ أمافِي، والنُّونُ الحُوتُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويُجْمَعُ عَلى نِينانٍ كَما في البَحْرِ وأنْوانٍ أيْضًا كَما في القامُوسِ.
﴿ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا ﴾ أيْ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ وتَمادِي إصْرارِهِمْ مَعَ طُولِ دَعْوَتِهِ إيّاهم، وكانَ ذَهابُهُ هَذا هِجْرَةً عَنْهم لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ.
وقِيلَ: غَضْبانَ عَلى المَلِكِ حَزْقِيلَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ يُونُسُ وقَوْمُهُ يَسْكُنُونَ فِلَسْطِينَ فَغَزاهم مَلِكٌ وسَبى مِنهم تِسْعَةَ أسْباطٍ ونِصْفًا فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى شَعْياءَ النَّبِيِّ أنِ اذْهَبْ إلى حَزْقِيلَ المَلِكِ وقُلْ لَهُ يُوَجِّهُ خَمْسَةً مِنَ الأنْبِياءِ لِقِتالِ هَذا المَلِكِ فَقالَ: أُوَجِّهُ يُونُسَ بْنَ مَتّى فَإنَّهُ قَوِيٌّ أمِينٌ فَدَعاهُ المَلِكُ يَخْرُجُ فَقالَ يُونُسُ: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِإخْراجِي ؟
قالَ: لا قالَ: هَلْ سَمّانِي لَكَ ؟
قالَ: لا فَقالَ يُونُسُ: فَها هُنا أنْبِياءٌ غَيْرِي فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا فَأتى بَحْرَ الرُّومِ فَوَجَدَ قَوْمًا هَيَّؤُوا سَفِينَةً فَرَكِبَ مَعَهم فَلَمّا وصَلُوا اللُّجَّةَ تَكَفَّأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ وأشْرَفَتْ عَلى الغَرَقِ فَقالَ المَلّاحُونَ: مَعَنا رَجُلٌ عاصٍ أوْ عَبْدٌ آبِقٌ ومِن رَسْمِنا إذا ابْتُلِينا بِذَلِكَ أنْ نَقْتَرِعَ فَمَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ ألْقَيْناهُ في البَحْرِ ولَأنْ يَغْرَقَ أحَدُنا خَيْرٌ مِن أنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ فاقْتَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ فِيها كُلِّها عَلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أنا الرَّجُلُ العاصِي والعَبْدُ الآبِقُ فَألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فَجاءَتْ حُوتٌ فابْتَلَعَتْهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها أنْ لا تُؤْذِيَهُ بِشَعْرَةٍ فَإنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكِ سِجْنًا لَهُ ولَمْ أجْعَلْهُ طَعامًا ثُمَّ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِها ونَبَذَهُ بِالعَراءِ وقَدْ رَقَّ جِلْدُهُ فَأنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ يَسْتَظِلُّ بِها ويَأْكُلُ مِن ثَمَرِها حَتّى اشْتَدَّ فَلَمّا يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ حَزِنَ عَلَيْها يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: أتَحْزَنُ عَلى شَجَرَةٍ ولَمْ تَحْزَنْ عَلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ حَيْثُ لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِمْ ولَمْ تَطْلُبْ راحَتَهم ؟
فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِمْ فَتَوَجَّهَ نَحْوَهم حَتّى دَخَلَ أرْضَهم وهم مِنهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَأتاهم وقالَ لِمَلِكِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَنِي إلَيْكَ فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ ولَوْ عَلِمْنا عِلْمَنا أنَّكَ صادِقٌ لَفَعَلْنا وقَدْ آتَيْناكم في دِيارِكم وسَبَيْناكم فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ لَمَنَعَنا اللَّهُ تَعالى عَنْكم فَطافَ فِيهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ فَأبَوْا عَلَيْهِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ قُلْ لَهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهُمُ العَذابُ فَأبْلَغَهم فَأبَوْا فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ فَلَمّا فَقَدُوهُ نَدِمُوا عَلى فِعْلِهِمْ فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرُوا أمْرَهم وأمْرَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْعُلَماءِ الَّذِينَ عِنْدَهم فَقالُوا: انْظُرُوا واطْلُبُوهُ في المَدِينَةِ فَإنْ كانَ فِيها فَلَيْسَ كَما ذَكَرَ مِن نُزُولِ العَذابِ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ فَهو كَما قالَ فَطَلَبُوهُ فَقِيلَ لَهم: إنَّهُ خَرَجَ العَشِيَّةَ فَلَمّا أيِسُوا غَلَّقُوا بابَ مَدِينَتِهِمْ ولَمْ يُدْخِلُوا فِيها دَوابَّهم ولا غَيْرَها وعَزَلُوا كُلَّ واحِدَةٍ عَنْ ولَدِها وكَذا الصِّبْيانَ والأُمَّهاتِ ثُمَّ قامُوا يَنْتَظِرُونَ الصُّبْحَ فَلَمّا انْشَقَّ الصُّبْحُ نَزَلَ العَذابُ مِنَ السَّماءِ فَشَقُّوا جُيُوبَهم ووَضَعَتِ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها وصاحَتِ الصِّبْيانُ والدَّوابُّ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى العَذابَ عَنْهم فَبَعَثُوا إلى يُونُسَ حَتّى لَقُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وبَعَثُوا مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وحُكِيَ في هَذِهِ المُغاضَبَةِ كَيْفِيّاتٌ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ يَجِبُ إطْراحُ هَذا القَوْلِ إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ لِمَن قالَ ذَلِكَ مِنَ العُلَماءِ كالحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ التّابِعِينَ.
وابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِمْ لِرَبِّهِ لِأجْلِ رَبِّهِ تَعالى وحِمْيَةً لِدِينِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ لا اللّامُ المُوَصِّلَةُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ انْتَهى.
وكَوْنُ المُرادِ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ مُقْتَضى زَعْمِ اليَهُودِ فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلى نِينَوى ويُنْذِرَ أهْلَها فَهَرَبَ إلى تَرْسِيسَ مِن ذَلِكَ وانْحَدَرَ إلى يافا ونَزَلَ في السَّفِينَةِ فَعَظُمَتِ الأمْواجُ وأشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلى الغَرَقِ فاقْتَرَعَ أهْلُها فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ فَرَمى بِنَفْسِهِ إلى البَحْرِ فالتَقَمَهُ الحُوتُ ثُمَّ ألْقاهُ وذَهَبَ إلى نِينَوى فَكانَ ما كانَ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الهَرَبِ مِمّا يَجِلُّ عَنْهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واليَهُودُ قَوْمُ بُهْتٍ.
ونَصْبُ ﴿ مُغاضِبًا ﴾ عَلى الحالِ وهو مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي اشْتِراكًا نَحْوُ عاقَبْتُ اللِّصَّ وسافَرْتُ، وكَأنَّهُ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى ظاهِرِها فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ لِكُفْرِهِمْ وهم غَضِبُوا عَلَيْهِ بِالذَّهابِ لِخَوْفِهِمْ لُحُوقَ العَذابِ.
وقَرَأ أبُو سَرَفٍ (مُغْضَبًا ) اسْمُ مَفْعُولٍ ﴿ فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أيْ إنَّهُ أيِ الشَّأْنُ لَنْ نَقْدِرَ ونَقْضِيَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ ونَحْوِها أوْ لَنْ نَضِيقَ عَلَيْهِ في أمْرِهِ بِحَبْسٍ ونَحْوِهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ والزُّهْرِيِّ ( نُقَدِّرَ ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً، وقِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
واليَمانِيِّ ( يُقَدِّرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ والدّالُ مُشَدَّدَةٌ فَإنَّ الفِعْلَ فِيهِما مِنَ التَّقْدِيرِ بِمَعْنى القَضاءِ والحُكْمِ كَما هو المَشْهُورُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّضَيُّقِ فَإنَّهُ ورَدَ بِهَذا المَعْنى أيْضًا كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، وظَنَّ مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ فاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ إذْ لا يَظُنُّ أحَدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وفَزِعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَأجابَهُ بِما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ القُدْرَةِ وتَكُونَ مَجازًا عَنْ أعْمالِها أيْ فَظَنَّ أنْ لَنْ نُعْمِلَ قُدْرَتَنا فِيهِ أوْ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْ فَعَلَ فِعْلَ مَن ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في مُراغَمَتِهِ قَوْمَهُ مِن غَيْرِ انْتِظارٍ لِأمْرِنا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَسْبِقَ ذَلِكَ إلى وهْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ ثُمَّ يَرْدَعُهُ ويَرُدُّ بِالبُرْهانِ كَما يَفْعَلُ المُؤْمِنُ المُحَقِّقُ نَزَعاتِ الشَّيْطانِ وما يُوَسْوِسُ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، ومِنهُ ﴿ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ مِثْلَهُ عَنِ المُؤْمِنِ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنِ النَّبِيِّ المَعْصُومِ لِأنَّهُ كُفْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( تَظُنُّونَ ) إلَخْ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى أنَّهُ شامِلٌ لِلْخُلَّصِ وغَيْرِهِمْ، وبِأنَّ ما هَجَسَ ولَمْ يَسْتَقِرَّ لا يُسَمّى ظَنًّا، وبِأنَّ الخَواطِرَ لا عَتَبَ عَلَيْها، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ حامِلَهُ عَلى الخُرُوجِ لَمْ يَكُنْ مِن قَبِيلِ الوَسْوَسَةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى الهَجْسِ في الخاطِرِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ والعَتَبُ عَلى ذَهابِهِ مُغاضِبًا ولا وجْهَ لِجَعْلِهِ حامِلًا عَلى الخُرُوجِ ومَعَ هَذا هو وجْهٌ لا وجاهَةَ لَهُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى وأبُو سَرَفَ والكَلْبِيُّ وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ ( يُقَدَرَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ مُخَفَّفًا، وعِيسى والحَسَنُ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الدّالِ.
﴿ فَنادى ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَكانَ ما كانَ مِنَ المُساهَمَةِ والتِقامِ الحُوتِ فَنادى ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ أيْ في الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ المُتَكاثِفَةِ في بَطْنِ الحُوتِ جَعَلَتِ الظُّلْمَةَ لِشِدَّتِها كَأنَّها ظُلُماتٌ، وأنْشَدَ السِّيرافِيُّ: ولَيْلٍ تَقُولُ النّاسُ في ظُلُماتِهِ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها أوِ الجَمْعُ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ ظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: ابْتَلَعَ حُوتَهُ حُوتٌ أكْبَرُ مِنهُ فَحَصَلَ في ظُلْمَتِي بَطْنَيِ الحُوتَيْنِ وظُلْمَتَيِ البَحْرِ واللَّيْلِ ﴿ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ ﴾ أيْ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّ أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والجارَّ مُقَدَّرٌ وضَمِيرَ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أوْ أيْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ يُعْجِزَكَ شَيْءٌ أوْ أنْ يَكُونَ ابْتِلائِي بِهَذا مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِن جِهَتِي ﴿ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِهِمْ لِلْهَلَكَةِ حَيْثُ بادَرْتُ إلى المُهاجَرَةِ مِن غَيْرِ أمْرٍ عَلى خِلافِ مُعْتادِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَنْبِهِ وإظْهارٌ لِتَوْبَتِهِ لِيُفَرِّجَ عَنْهُ كُرْبَتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ﴾ أيْ دُعاءَهُ الَّذِي دَعاهُ في ضِمْنِ الِاعْتِرافِ وإظْهارِ التَّوْبَةِ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحَكِيمُ في نَوادِرِ الأُصُولِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وجَماعَةٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: ««دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ هو في بَطْنِ الحُوتِ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ رَبَّهُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ لَهُ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ عَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا، وقَدْ شاهَدْتُ أثَرَ الدُّعاءِ بِهِ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ حِينَ أمَرَنِي بِذَلِكَ مَن أظُنُّ وِلايَتَهُ مِنَ الغُرَباءِ المُجاوِرِينَ في حَضْرَةِ البازِ الأشْهَبِ وكانَ قَدْ أصابَنِي مِنَ البَلاءِ ما اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ وفي شَرْحِهِ طُولٌ وأنْتَ مَلُولٌ.
وجاءَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعا بِذَلِكَ أقْبَلَتْ دَعْوَتُهُ تَحُفُّ بِالعَرْشِ فَقالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: هَذا صَوْتُ ضَعِيفٍ مَعْرُوفٍ مِن بِلادٍ غَرِيبَةٍ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أما تَعْرِفُونَ ذَلِكَ ؟
قالُوا: يا رَبِّ ومَن هو ؟
قالَ: ذاكَ عَبْدِي يُونُسُ قالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ ودَعْوَةٌ مُجابَةٌ يا رَبِّ أفَلا تَرْحَمُ ما كانَ يَصْنَعُ في الرَّخاءِ فَتُنَجِّيهِ مِنَ البَلاءِ قالَ: بَلى فَأمَرَ الحُوتَ فَطَرَحَهُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ ﴾ » أيِ الَّذِي نالَهُ حِينَ التَقَمَهُ الحُوتُ بِأنْ قَذَفَهُ إلى السّاحِلِ بَعْدَ ساعاتٍ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: التَقَمَهُ ضُحًى ولَفَظَهُ عَشِيَّةً، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ بَقِيَ في بَطْنِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وهو الَّذِي زَعَمَتْهُ اليَهُودُ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ بَقِيَ سَبْعَةَ أيّامٍ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ بَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ المُرادُ بِالغَمِّ غَمُّ الخَطِيئَةِ وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ فَنَجَّيْناهُ كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَشَفْنا.
قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِأنَّهُ دَعا بِالخَلاصِ مِنَ الضُّرِّ فالكَشْفُ المَذْكُورُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِجابَتِهِ ويُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ فَلَمْ يُوجَدْ وجْهُ التَّرْتِيبِ في اسْتِجابَتِهِ.
ورُدَّ بِأنَّ الفاءَ في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفْسِيرِيَّةٌ والعَطْفَ هُنا أيْضًا تَفْسِيرِيٌّ والتَّفَنُّنُ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ في البَلاغَةِ، ثُمَّ لا نُسَلِّمُ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ دُعاءٌ لَمْ تَتَحَقَّقِ الِاسْتِجابَةُ اهَـ.
وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ لا مُحَصِّلَ لَهُ، وكَوْنُهُ تَفْسِيرًا لا يَدْفَعُ السُّؤالَ لِأنَّ حاصِلَهُ لِمَ أُتِيَ بِالفاءِ ثُمَّتْ ولَمْ يُؤْتَ بِها هُنا ؟
فالظّاهِرُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأوَّلَ دُعاءٌ بِكَشْفِ الضُّرِّ عَلى وجْهِ التَّلَطُّفِ فَلَمّا أُجْمِلَ في الِاسْتِجابَةِ وكانَ السُّؤالُ بِطَرِيقِ الإيماءِ ناسَبَ أنْ يُؤْتى بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وأمّا هُنا فَلَمّا هاجَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أمْرٍ كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ فَما أُوحِيَ إلَيْهِ هو الدُّعاءُ بِعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِما صَدَرَ مِنهُ فالِاسْتِجابَةُ عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ، ولَيْسَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ بَلْ زِيادَةُ إحْسانٍ عَلى مَطْلُوبِهِ ولِذا عَطَفَ بِالواوِ اهَـ ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ لا يَتَسَنّى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِن الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى ﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ سُؤالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الإيماءِ مَعَ أنَّهُ قالَ تَعالى في قِصَّتِهِ ﴿ فَنَجَّيْناهُ ﴾ بِالفاءِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما يُعَدُّ ذَنْبًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِيَتَلَطَّفَ في سُؤالِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ مَعَ أنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ في قِصَّتِهِ ﴿ ووَهَبْنا ﴾ بِالواوِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن بَيانِ نُكْتَةٍ غَيْرِ ما ذَكَرَ لِلتَّعْبِيرِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ بِما عَبَّرَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما ذَكَرَهُ الشِّهابُ في الآيَةِ الأخِيرَةِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ جِيءَ بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ في قِصَّتَيْ نُوحٍ وأيُّوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ اعْتِناءً بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ لِمَكانِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ لِعِظَمِ ما كانا فِيهِ وتَفاقُمِهِ جِدًّا، ألا تَرى كَيْفَ يُضْرَبُ المَثَلُ بِبَلاءِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ في النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ واسْتَمَرَّ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وكَيْفَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى ما نَجّى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ ﴾ ولا كَذَلِكَ ما كانَ فِيهِ ذُو النُّونِ وزَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ فَلِذا جِيءَ في آيَتَيْهِما بِالواوِ وهي وإنْ جاءَتْ لِلتَّفْسِيرِ لَكِنَّ مَجِيءَ الفاءِ لِذَلِكَ أكْثَرُ.
ولا يَبْعُدُ عِنْدِي ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن كَوْنِ الِاسْتِجابَةِ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّنْجِيَةُ زِيادَةُ إحْسانٍ عَلى مَطْلُوبِهِ ويُقالُ فِيما سَيَأْتِي ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْجاءِ الكامِلِ ﴿ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن غُمُومٍ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى فِيها بِالإخْلاصِ لا إنْجاءَ أدْنى مِنهُ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ( نُنَجِّي ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ نَجّى.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ( نُجِّي ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وإسْكانِ الياءِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى القِراءَةِ بِنُونَيْنِ لِكَوْنِها أوْفَقَ بِالرَّسْمِ العُثْمانِيِّ لِما أنَّهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍ و ( نُجِي ) بِالإدْغامِ والنُّونُ لا تُدْغَمُ في الجِيمِ وإنَّما أُخْفِيَتْ لِأنَّها ساكِنَةٌ تَخْرُجُ مِنَ الخَياشِيمِ فَحُذِفَتْ مِنَ الكِتابِ وهي في اللَّفْظِ، ومَن قالَ: تُدْغَمُ فَقَدْ غَلَطَ لِأنَّ هَذِهِ النُّونَ تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ وتُسَمّى الأحْرُفُ الشَّجَرِيَّةُ وهي الجِيمُ والشِّينُ والضّادُ وتَبْيِينُها لَحْنٌ فَلَمّا أُخْفِي ظَنَّ السّامِعُ أنَّهُ مُدْغَمٌ انْتَهى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ ابْنِ جِنِّي: أصْلُهُ ( نُنْجِي ) كَما في قِراءَةِ الجَحْدَرِيِّ فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ لِتَوالِي المِثْلَيْنِ والأُخْرى جِيءَ بِها لِمَعْنًى والثِّقَلُ إنَّما حَصَلَ بِالثّانِيَةِ وذَلِكَ كَما حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في ﴿ تُظاهِرُونَ ﴾ ولا يَضُرُّ كَوْنُها أصْلِيَّةً وكَذا لا يَضُرُّ عَدَمُ اتِّحادِ حَرَكَتِها مَعَ حَرَكَةِ النُّونِ الأُولى فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الحَذْفِ اجْتِماعُ المِثْلَيْنِ مَعَ تَعَذُّرِ الإدْغامِ فَقَوْلُ أبِي البَقاءِ: إنَّ هَذا التَّوْجِيهَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ أصْلٌ وهي فاءُ الكَلِمَةِ فَحَذْفُها يَبْعُدُ جِدًّا، والثّانِي أنَّ حَرَكَتَها غَيْرُ حَرَكَةِ النُّونِ الأُولى فَلا يُسْتَثْقَلُ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِخِلافِ ( تُظاهِرُونَ ) لَيْسَ في حَيِّزِ القَبُولِ، وإنَّما امْتَنَعَ الحَذْفُ في ﴿ تَتَجافى ﴾ لِخَوْفِ اللَّبْسِ بِالماضِي بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ماضِيًا لَمْ يَسْكُنْ آخِرُهُ، وكَوْنُهُ سَكَنَ تَخْفِيفًا خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ هو فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وسَكَنَتِ الياءُ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ وقَوْلِهِ: هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما رَضِيَ لَكم ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ ونائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ ﴿ والمُؤْمِنِينَ ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ، وقَدْ أجازَ قِيامَ المَصْدَرِ مَقامَ الفاعِلِ مَعَ وُجُودِ المَفْعُولِ بِهِ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ وأبُو عُبَيْدٍ، وخَرَّجُوا عَلى ذَلِكَ قِراءَةَ أبِي جَعْفَرٍ ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا ﴾ وقَوْلَهُ: ولَوْ ولَدَتْ فَقِيرَةٌ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الكَلْبِ الكِلابا والمَشْهُورُ عَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ مَتى وُجِدَ المَفْعُولُ بِهِ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقامَ الفاعِلِ، وقِيلَ إنَّ ( المُؤْمِنِينَ ) مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ وكَذَلِكَ نُجِّيَ هو أيِ الِانْجاءُ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ والكُلُّ كَما تَرى ﴿ وزَكَرِيّا ﴾ أيْ واذْكُرْ خَبَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا ﴾ أيْ وحِيدًا بِلا ولَدٍ يَرِثُنِي كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِلا ولَدٍ يُصاحِبُنِي ويُعاوِنُنِي لَقِيلَ وأنْتَ خَيْرُ المُعِينِينَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ ﴾ وأنْتَ خَيْرُ حَيٍّ يَبْقى بَعْدَ مَيِّتٍ، وفِيهِ مَدْحٌ لَهُ تَعالى بِالبَقاءِ وإشارَةٌ إلى فَناءِ مَن سِواهُ مِنَ الأحْياءِ، وفي ذَلِكَ اسْتِمْطارٌ لِسَحائِبِ لُطْفِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ الأمْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تَرْزُقْنِي ولَدًا يَرِثُنِي فَأنْتَ خَيْرُ وارِثٍ فَحَسْبِي أنْتَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ الدُّعاءِ إذْ مِن آدابِ الدّاعِي أنْ يَدْعُوَ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وتَصْمِيمٍ مِنهُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إذا دَعا أحَدُكم فَلا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ مَسْألَتَهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ لا مُكْرِهَ لَهُ» .
وفِي رِوايَةٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «ولَكِنْ لِيَعْزِمِ المَسْألَةَ ولْيَعْزِمِ الرَّغْبَةَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ أعْطاهُ»» ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إلّا إظْهارَ الرِّضا والِاعْتِمادَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَوْ لَمْ يُجِبْ دُعاءَهُ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ﴾ دُعاءَهُ ﴿ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى ﴾ وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ﴿ وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ أيْ أصْلَحْناها لِلْمُعاشَرَةِ بِتَحَسُّنِ خُلُقِها وكانَتْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ طَوِيلَةَ اللِّسانِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ومُحَمَّدٍ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أوْ أصْلَحْناها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرَدِّ شَبابِها إلَيْها وجَعْلِها ولُودًا وكانَتْ لا تَلِدُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (اسْتَجَبْنا ) لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ بِتَحْسِينِ خُلُقِ زَوْجِهِ.
قالَ الخَفاجِيُّ: ويَجُوزُ عَطْفُها عَلى ﴿ وهَبْنا ﴾ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ عَطْفُهُ بِالواوِ لِأنَّهُ لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى المَطْلُوبِ لا يُعْطَفُ بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وعَلى الثّانِي العَطْفُ عَلى ﴿ وهَبْنا ﴾ وقَدَّمَ هِبَةَ يَحْيى مَعَ تَوَقُّفِها عَلى إصْلاحِ الزَّوْجِ لِلْوِلادَةِ لِأنَّها المَطْلُوبُ الأعْظَمُ، والواوُ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلا حاجَةَ لِما قِيلَ: المُرادُ بِالهِبَةِ إرادَتُها، قالَ الخَفاجِيُّ: ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: فَوَهَبْنا لِأنَّ المُرادَ الِامْتِنانُ لا التَّفْسِيرُ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ التَّفْسِيرُ بِالفاءِ بَلْ قَدْ يَكُونُ العَطْفُ التَّفْسِيرِيُّ بِالواوِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فُصِّلَ مِن فُنُونِ إحْسانِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ.
وقِيلَ: لِزَكَرِيّا وزَوْجِهِ ويَحْيى، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِن حُصُولِ القُرْبى والزُّلْفى والمَراتِبِ العالِيَةِ لَهم أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ ما حالُهم ؟
والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمَعْنى إنَّهم كانُوا يَجِّدُونَ ويَرْغَبُونَ في أنْواعِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ وكَثِيرًا ما يَتَعَدّى أسْرَعَ بِفي لِما فِيهِ مِن مَعْنى الجِدِّ والرَّغْبَةِ فَلَيْسَتْ في بِمَعْنى إلى أوْ لِلتَّعْلِيلِ ولا الكَلامُ مِن قَبِيلِ.
يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نُصَلِّي ﴿ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا ﴾ أيْ راغِبِينَ في نِعَمِنا وراهِبِينَ مِن نِقَمِنا أوْ راغِبِينَ في قَبُولِ أعْمالِهِمْ وراهِبِينَ مِن رَدِّها، فَرَغَبًا ورَهَبًا مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَأْوِيلِهِما بِاسْمِ الفاعِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي رَغَبٍ، ويَجُوزُ إبْقاؤُهُما عَلى الظّاهِرِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا جَمْعَيْنِ كَخَدَمٍ جَمْعُ خادِمٍ لَكِنْ قالُوا: إنَّ هَذا الجَمْعَ مَسْمُوعٌ في ألْفاظٍ نادِرَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا نُصِبا عَلى التَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَهُما عَلى المَصْدَرِ نَحْوُ قَعَدْتُ جُلُوسًا وهو كَما تَرى.
وحُكِيَ في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ الدُّعاءَ رَغْبَةً بِبُطُونِ الأكُفِّ ورَهْبَةً بِظُهُورِها، وقَدْ قالَ بِهِ بَعْضُ عُلَمائِنا، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( يُسارِعُونَ ) فَهي داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ ( كانُوا )، وفي عَدَمِ إعادَتِها رَمْزٌ إلى أنَّ الدُّعاءَ المَذْكُورَ مِن تَوابِعِ تِلْكَ المُسارَعَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( يَدْعُونا ) بِحَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ، وقَرَأ طَلْحَةُ (يَدْعُونّا ) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ أدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في نُونِ ضَمِيرِ النَّصْبِ، وقَرَأ (رَغْبًا ) (ورَهْبًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ ما بَعْدَها و(رُغْبًا ) (ورُهْبًا ) بِالضَّمِّ والإسْكانِ ﴿ وكانُوا لَنا خاشِعِينَ ﴾ أيْ مُخْبِتِينَ مُتَضَرِّعِينَ أوْ دائِمِي الوَجَلِ، وحاصِلُ التَّعْلِيلِ أنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ما نالُوا بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ نُصِبَ نَصْبَ نَظائِرِهِ السّابِقَةِ، وقِيلَ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مِمّا يُتْلى عَلَيْكم أوْ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا ﴾ والفاءُ زائِدَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ، والإحْصانُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو المَنعُ مُطْلَقًا.
والفَرْجُ في الأصْلِ الشِّقُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ كالفُرْجَةِ وما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ ويُكْنى بِهِ عَنِ السَّوْأةِ وكَثُرَ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ في ذَلِكَ وهو المُرادُ بِهِ هُنا عِنْدَ جَماعَةٍ أيْ مَنَعَتْ فَرْجَها مِنَ النِّكاحِ بِقِسْمَيْهِ كَما قالَتْ ﴿ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا ﴾ وكانَ التَّبَتُّلُ إذْ ذاكَ مَشْرُوعًا لِلنِّساءِ والرِّجالِ، وقِيلَ الفَرْجُ هُنا جَيْبُ قَمِيصِها مَنَعَتْهُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرُبَ مِنها لِيَنْفُخَ حَيْثُ لَمْ تَعْرِفْهُ.
وعُبِّرَ عَنْها بِما ذُكِرَ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها وتَنْزِيهِها عَمّا زَعَمُوهُ في حَقِّها، والمُرادُ مِنَ الرُّوحِ مَعْناهُ المَعْرُوفُ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، ونَفْخُ الرُّوحِ عِبارَةٌ عَنِ الإحْياءِ ولَيْسَ هُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ.
ثُمَّ هَذا الإحْياءُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لِكَوْنِهِ في بَطْنِها صَحَّ أنْ يُقالَ: نَفَخْنا فِيها فَإنَّ ما يَكُونُ فِيما في الشَّيْءِ يَكُونُ فِيهِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أحْيَيْناها ولَيْسَ بِمُرادٍ، وهَذا كَما يَقُولُ الزَّمّارُ.
نَفَخْتُ في بَيْتِ فُلانٍ وهو قَدْ نَفَخَ في المِزْمارِ في بَيْتِهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَنَفَخْنا في ابْنِها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا ﴾ ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ وهُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ أيْ فَنَفَخْنا فِيها مِن جِهَةِ رُوحِنا، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَفَخَ مِن جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها فَصَحَّ أنَّ النَّفْخَ فِيها مِن غَيْرِ غُبارٍ يَحْتاجُ إلى النَّفْخِ، ثُمَّ النَّفْخُ لازِمٌ وقَدْ يَتَعَدّى فَيُقالُ نَفَخَنا الرُّوحُ.
وقَدْ جاءَ في ذَلِكَ بَعْضُ الشَّواذِّ ونَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ فَإنْكارُهُ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ ﴿ وجَعَلْناها وابْنَها ﴾ أيْ جَعَلْنا قِصَّتَهُما أوْ حالَهُما ﴿ آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ فَإنَّ مَن تَأمَّلَ حالَتَهُما تَحَقَّقَ كَمالَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمُرادُ بِالآيَةِ ما حَصَلَ بِهِما مِنَ الآيَةِ مَعَ تَكاثُرِ آياتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ أُرِيدَ بِالآيَةِ الجِنْسُ الشّامِلُ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآياتِ المُسْتَقِلَّةِ، وقِيلَ: المَعْنى وجَعَلْناها آيَةً وابْنَها آيَةً فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها واسْتُدِلَّ بِذِكْرِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مَعَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّها كانَتْ نَبِيَّةً إذْ قُرِنَتْ مَعَهم في الذِّكْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ لا يُلْزِمُ ذِكْرُها مَعَهم كَوْنَها مِنهم ولَعَلَّها إنَّما ذُكِرَتْ لِأجْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وناسَبَ ذِكْرُهُما هُنا قِصَّةَ زَكَرِيّا وزَوْجِهِ وابْنِهِما يَحْيى لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً، والإشارَةُ إلى مِلَّةِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ وذَلِكَ مِن بابِ ﴿ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ وهَذا أخُوكَ تَصَوُّرُ المُشارِ إلَيْهِ في الذِّهْنِ وأُشِيرَ إلَيْهِ، وفِيهِ أنَّهُ مُتَمَيِّزٌ أكْمَلَ التَّمْيِيزِ ولِهَذا لَمْ يُبَيَّنْ بِالوَصْفِ، والأُمَّةُ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ المَطْلَعِ أصْلُها القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ عَلى دِينٍ واحِدٍ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها حَتّى أُطْلِقَتْ عَلى نَفْسِ الدِّينِ، والأشْهَرُ أنَّها النّاسُ المُجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ أوْ في زَمانٍ وإطْلاقُها عَلى نَفْسِ الدِّينِ مَجازٌ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ أيْضًا وهو المُرادُ هُنا، وأُرِيدَ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ عَلى تِلْكَ المِلَّةِ ومُراعاةِ حُقُوقِها، والمَعْنى أنَّ مِلَّةَ الإسْلامِ مِلَّتُكُمُ الَّتِي يَجِبُ أنْ تُحافِظُوا عَلى حُدُودِها وتُراعُوا حُقُوقَها فافْعَلُوا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن ( أُمَّةً ) والعامِلُ فِيها اسْمُ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ غَيْرَ العامِلِ في صاحِبِها وإنْ كانَ الأكْثَرُ الِاتِّحادَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِأبِي حَيّانَ، وقِيلَ بَدَلٌ مِن ( هَذِهِ ) ومَعْنى وحْدَتِها اتِّفاقُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْها أيْ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ أجْمَعُوا كُلُّهم عَلَيْها فَلَمْ تَتَبَدَّلْ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ كَما تَبَدَّلَتِ الفُرُوعُ، وقِيلَ: مَعْنى وحْدَتِها عَدَمُ مُشارَكَةِ غَيْرِها وهو الشِّرْكُ لَها في القَبُولِ وصِحَّةِ الِاتِّباعِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُرادُ بِها التَّوْحِيدُ أيْضًا، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقِصَّتِهِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ ما قِيلَ إنَّها إشارَةٌ إلى مِلَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما عِنْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ قائِلِينَ لَهم: إنَّ هَذِهِ أيِ المِلَّةَ الَّتِي بُعِثَ بِها عِيسى أُمَّتُكم إلَخْ بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا، وقِيلَ: إنَّ ( هَذِهِ ) إشارَةٌ إلى جَماعَةِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأُمَّةُ بِمَعْنى الجَماعَةِ أيْ إنَّ هَؤُلاءِ جَماعَتُكُمُ الَّتِي يَلْزَمُكُمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الحَقِّ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، وفِيهِ جِهَةُ حُسْنٍ كَما لا يَخْفى، والأوَّلُ أحْسَنُ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً، وجَعَلَهُ الطَّيِّبِيُّ لِلْمُعانِدِينَ خاصَّةً حَيْثُ قالَ في وجْهِ تَرْتِيبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نازِلَةٌ في بَيانِ النُّبُوَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها والمُخاطَبُونَ المُعانِدُونَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَلَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ النُّبُوَّةِ وتَكْرِيرِهِ تَقْرِيرًا ومِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُسَلِّيًا عادَ إلى خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ إلَخْ أيْ هَذِهِ المِلَّةُ الَّتِي كَرَّرْتُها عَلَيْكم مِلَّةٌ واحِدَةٌ أخْتارُها لَكم لِتَتَمَسَّكُوا بِها وبِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى والقَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ وهي الَّتِي أدْعُوكم إلَيْها لِتَعَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ لِأنَّ سائِرَ الكُتُبِ نازِلَةٌ في شَأْنِها والأنْبِياءَ كُلَّهم مَبْعَثُونَ لِلدَّعْوَةِ إلَيْها ومُتَّفِقُونَ عَلَيْها، <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ لَمّا عَلِمَ إصْرارَهم قِيلَ: ﴿ وتَقَطَّعُوا ﴾ إلَخْ، وحاصِلُ المَعْنى المِلَّةُ واحِدَةٌ والرَّبُّ واحِدٌ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْها وهَؤُلاءِ البُعَداءُ جَعَلُوا أمْرَ الدِّينِ الواحِدِ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا كَما يَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ الواحِدَ انْتَهى، والأظْهَرُ العُمُومُ، وأمْرُ النَّظْمِ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الطَّيِّبِيِّ بِأدْنى التِفاتٍ وقَرَأ الحَسَنُ ( أُمَّتَكم ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( هَذِهِ ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ و(أُمَّةٌ واحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ.
وقَرَأ هو أيْضًا وابْنُ إسْحاقَ والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَعْفِيُّ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
والزَّعْفَرانِيُّ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُما خَبَرُ إنَّ، وقِيلَ: الأوَّلُ خَبَرٌ والثّانِي بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةٍ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي أُمَّةٌ واحِدَةٌ ﴿ وأنا رَبُّكُمْ ﴾ أيْ أنا إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴿ فاعْبُدُونِ ﴾ خاصَّةً، وتَفْسِيرُ الرَّبِّ بِالإلَهِ لِأنَّهُ رُتِّبَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالعِبادَةِ، والدَّلالَةُ عَلى الوَحْدَةِ مِن حِدَةِ المِلَّةِ، وفي لَفْظِ الرَّبِّ إشْعارٌ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ الرَّبَّ إنْ تُوُهِّمَ جَوازُ تَعَدُّدِهِ في نَفْسِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَرْبُوبٍ إلّا رَبٌّ واحِدٌ لِأنَّهُ مُفِيضُ الوُجُودِ وكِمالاتِهِ مَعًا، وفي العُدُولِ إلى لَفْظِ الرَّبِّ تَرْجِيحُ جانِبِ الرَّحْمَةِ وأنَّهُ تَعالى يَدْعُوهم إلى عِبادَتِهِ بِلِسانِ التَّرْغِيبِ والبَسْطِ قالَهُ في الكَشْفِ.
﴿ وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا عَلى أنَّ تَقَطَّعَ مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَعْلِ فَلِذا تَعَدّى إلى ﴿ أمْرَهُمْ ﴾ بِنَفْسِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: تَقَطَّعُوا أمْرَهم أيْ في أمْرِهِمْ أيْ تَفَرَّقُوا، وقِيلَ: عُدِّيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى قَطَّعُوا أيْ فَرَّقُوا، وقِيلَ.
﴿ أمْرَهُمْ ﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ أيْ تَقَطَّعَ أمْرُهُمُ انْتَهى، وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ وأمْرُ التَّمْيِيزِ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، ثُمَّ أصْلُ الكَلامِ وتَقَطَّعْتُمْ أمْرَكم بَيْنَهم عَلى الخِطابِ فالتَفَتَ إلى الغَيْبَةِ لِيَنْعى عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا مِنَ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ وجَعْلِهِ قِطَعًا مُوَزَّعَةً ويُنْهِي ذَلِكَ إلى الآخَرِينَ كَأنَّهُ قِيلَ ألا تَرَوْنَ إلى عِظَمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أجْمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفي ذَلِكَ ذَمٌّ لِلِاخْتِلافِ في الأُصُولِ.
﴿ كُلٌّ ﴾ أيْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الفِرَقِ المُتَقَطِّعَةِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن آحادِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الفِرَقِ ﴿ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِنا فَنُجازِيهِمْ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ ﴾ تَفْضِيلٌ لِلْجَزاءِ أيْ فَمَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ أوْ بَعْضًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ﴾ أيْ لا حِرْمانَ لِثَوابِ عَمَلِهِ ذَلِكَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالكُفْرانِ الَّذِي هو سَتْرُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْهُ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازُ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ تَعالى ونَفى نَفْيَ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ التَّرْكِيبَ عَلى طِرْزِ (لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ) والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ بَيْنَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالسَّعْيِ لِإظْهارِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ (فَلا كُفْرَ ) والمَعْنى واحِدٌ ﴿ وإنّا لَهُ ﴾ أيْ لِسَعْيِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَن ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ كاتِبُونَ ﴾ أيْ مُثْبِتُونَ في صَحِيفَةِ عَمَلِهِ لا يَضِيعُ بِوَجْهٍ ما، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَبُولَ العَمَلِ الصّالِحِ مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ وهو قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: الإيمانُ شَرْطٌ لِقَبُولِ ما يَحْتاجُ إلى النِّيَّةِ مِنَ الأعْمالِ، وتَحْقِيقُهُ في مَوْضِعِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ أيْ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ.
فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها.
والحَرامُ مُسْتَعارٌ لِلْمُمْتَنِعِ وجُودُهُ بِجامِعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مَرْجُوِّ الحُصُولِ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَرامُ المَمْنُوعُ مِنهُ إمّا بِتَسْخِيرٍ إلَهِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ قَهْرِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ أوْ مِن جِهَةِ مَن يَرْتَسِمُ أمْرُهُ، وذُكِرَ أنَّهُ قَدْ حُمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّحْرِيمِ بِالتَّسْخِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ (وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ اهَـ.
وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرُ الوَرّاقُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍ و بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ (وحُرِمٌ ) الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ أيْضًا وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ أيْضًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بِخِلافٍ عَنْهُما وأبُو العالِيَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الحاءِ والرّاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا.
وقَرَأ اليَمانِيُّ ( وحُرِّمَ ) بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
﴿ أهْلَكْناها ﴾ أيْ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ في الأزَلِ لِغايَةِ طُغْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ فِيما لا يَزالُ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ (أهْلَكْتُها ) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ في تَأْوِيلِ اسْمٍ مَرْفُوعٍ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ (حَرامٌ ) قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ويَجِبُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُهُ لِما تَقَرَّرَ في النَّحْوِ مِن أنَّ الخَبَرَ عَنْ أنْ يَجِبَ تَقْدِيمُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (حَرامٌ ) مُبْتَدَأً و(أنَّهم ) فاعِلٌ لَهُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلى نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ الِاعْتِمادُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ كَما هو المَشْهُورُ.
وذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ رَفْعَ الوَصْفِ الواقِعِ مُبْتَدَأً لِمُكْتَفًى بِهِ عَنِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ جائِزٌ بِلا خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في الِاسْتِحْسانِ وعَدَمِهِ فَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: هو لَيْسَ بِحَسَنٍ والأخْفَشُ يَقُولُ: هو حَسَنٌ وكَذا الكُوفِيُّونَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ وما في أنَّ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ مُعْتَبَرٌ في النَّفْيِ المُسْتَفادِ في ( حَرامٌ ) لا في المَنفِيِّ أيْ مُمْتَنِعٌ البَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ لا أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمُ المُحَقَّقِ مُمْتَنِعٌ، وتَخْصِيصُ امْتِناعِ عَدَمِ رُجُوعِهِمْ بِالذِّكْرِ مَعَ شُمُولِ الِامْتِناعِ لِعَدَمِ رُجُوعِ الكُلِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والرُّجُوعِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْهُ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّ الغَرَضَ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى ذَلِكَ إبْطالُ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ وأنَّهُ يُجْزى عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وقالَ أبُو عُتْبَةَ: المَعْنى ومُمْتَنِعٌ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ رُجُوعُهم إلَيْنا أيْ تَوْبَتُهم عَلى أنَّ (لا ) سَيْفٌ خَطِيبٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ في قَوْلٍ، وقِيلَ ﴿ حَرامٌ ﴾ بِمَعْنى واجِبٌ كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ: وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوَةٍ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا ﴾ إلَخْ فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجِبٌ، وعَلى هَذا قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ﴿ لا يَرْجِعُونَ ﴾ لا يَتُوبُونَ عَنِ الشِّرْكِ.
وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ المُرادَ بِأهْلَكْناها أوْجَدْنا إهْلاكَها بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِالهَلاكِ الهَلاكُ الحِسِّيُّ، ويَجُوزُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَدَمُ التَّوْبَةِ أنْ يُرادَ بِهِ الهَلاكُ المَعْنَوِيُّ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.
وقُرِئَ (إنَّهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما قَبْلَها فَحَرامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَرامٌ عَلَيْها ذَلِكَ وهو ما ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ المَشْفُوعِ بِالإيمانِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ عَماهم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يُمْتَنَعُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَتْحِ عَلى هَذا المَعْنى بِحَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ.
والزَّجّاجُ قَدَّرَ المُبْتَدَأ في ذَلِكَ أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم فَقالَ: المَعْنى وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِهَلاكِها أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ﴾ حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِنهُ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ <div class="verse-tafsir"
و ( حَتّى ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ والكَلامُ بَعْدَها غايَةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْنا ويَقُولُونَ يا ويْلَنا إلَخْ أوْ غايَةٌ لِلْحُرْمَةِ أيْ يَسْتَمِرُّ امْتِناعُ رُجُوعِهِمْ إلى التَّوْبَةِ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ إلَيْها وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الرُّجُوعُ أوْ غايَةٌ لِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ أيْ لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ حَتّى إذا قامَتِ القِيامَةُ يَرْجِعُونَ عَنْهُ وهو حِينَ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ، وهَذا بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ والتَّوْزِيعُ غَيْرُ خَفِيٍّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( تَقَطَّعُوا ) إلَخْ قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ بُعْدٌ مِن كَثْرَةِ الفَصْلِ لَكِنَّهُ مِن جِهَةِ المَعْنى جَيِّدٌ، وحاصِلُهُ أنَّهم لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ غَيْرَ مُجْتَمِعِينَ عَلى دِينِ الحَقِّ إلى قُرْبِ مَجِيءِ السّاعَةِ فَإذا جاءَتِ السّاعَةُ انْقَطَعَ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ وعَلِمَ الجَمِيعُ أنَّ مَوْلاهُمُ الحَقَّ وأنَّ الدِّينَ المُنَجِّيَ كانَ دِينَ التَّوْحِيدِ، ونِسْبَةُ الفَتْحِ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مَجازٌ وهي حَقِيقَةٌ إلى السَّدِّ أوِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهو السَّدُّ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ( فَتَّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿ وهُمْ ﴾ أيْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، وقِيلَ النّاسُ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ مِن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ أيْ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ كَجَبَلٍ وأكْمَةَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (جَدَثٍ ) بِالجِيمِ والثّاءِ المُثَلَّثَةِ وهو القَبْرُ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى النّاسِ، وقُرِئَ بِالجِيمِ والفاءِ وهي بَدَلُ الثّاءِ عِنْدَ تَمِيمٍ ولا يَخْتَصُّ إبْدالُها عِنْدَهم في آخِرِ الكَلِمَةِ فَإنَّهم يَقُولُونَ مَغْثُورٌ مَكانَ مَغْفُورٌ ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، وأصْلُ النَّسَلانِ بِفَتْحَتَيْنِ مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، وقِيلَ ويَخْتَصُّ وضْعًا بِالذِّئابِ وعَلَيْهِ يَكُونُ مَجازًا هُنا.
وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ وأبُو السِّمالِ بِضَمِّ السِّينِ <div class="verse-tafsir"
﴿ واقْتَرَبَ ﴾ أيْ قَرُبَ، وقِيلَ هو أبْلَغُ في القُرْبِ مِن قَرُبَ ﴿ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ وهو ما بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ لا النَّفْخَةِ الأُولى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ﴾ ثُمَّ إنَّ هَذا الفَتْحَ في زَمَنِ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ وبَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجّالَ عِنْدَ بابِ لَدِّ الشَّرْقِيِّ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهَ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يُوحِي إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ يَقْتُلَ الدَّجّالَ أنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا مِن عِبادِي لا يُدانُ لَكَ بِقِتالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبادِيَ إلى الطَّوْرِ فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهم كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾ فَيَرْغَبُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ نَغْفًا في رِقابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ مَوْتًى كَمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَيَهْبِطُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُهُ فَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأعْناقِ البَخْتِ فَتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى ويُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَطَرًا لا يَكُنْ مِنهُ نَبْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتّى يَتْرُكَها زُلْفَةً ويُقالُ لِلْأرْضِ انْبُتِي ثَمَرَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ يَأْكُلُ النَّفَرُ مِنَ الرِّمايَةِ ويَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِها ويُبارَكُ في الرُّسُلِ حَتّى إنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ واللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ تَكْفِي الفَخْذَ والشّاةَ مِنَ الغَنَمِ تَكْفِي البَيْتَ فَبَيْنَما هم عَلى ذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا طَيِّبَةً تَحْتَ آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُسْلِمٍ ويَبْقى شِرارُ النّاسِ يَتَهارَجُونَ تَهارُجَ الحُمُرِ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ»» وجاءَ مِن حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ ««إنَّ السّاعَةَ بَعْدَ أنْ يَهْلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ كالحامِلِ المُتِمِّ لا يَدْرِي أهْلُها حَتّى تَفْجَأُهم بِوِلادِها لَيْلًا أوْ نَهارًا»» وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ قالَ: ««لَوْ نَتَجَتْ فَرَسٌ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ ما رُكِبَ فَلُوُّها حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» وهَذا مُبالَغَةٌ في القُرْبِ كالخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ.
﴿ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ وهي تَسُدُّ مَسَدَّ الفاءِ الجَزائِيَّةِ في الرَّبْطِ ولَيْسَتْ عِوَضًا عَنْها فَمَتى كانْتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الواقِعَةُ جَزاءً مُقْتَرِنَةً بِها لَمْ تَحْتَجْ إلى الفاءِ نَحْوُ ﴿ إذا هم يَقْنَطُونَ ﴾ وإذا جِيءَ بِهِما مَعًا كَما هُنا يَتَقَوّى الرَّبْطُ، والضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ والشَّأْنِ وهو مُبْتَدَأٌ و( شاخِصَةٌ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( أبْصارُ ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الضَّمِيرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( شاخِصَةٌ ) الخَبَرَ و(أبْصارُ ) مَرْفُوعًا بِهِ لِأنَّ خَبَرَ الضَّمِيرِ الشَّأْنِ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْأيْها، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ كَوْنَهُ مُفْرَدًا فَيَجُوزُ ما ذُكِرَ عِنْدَهُ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ ( هي ) ضَمِيرُ الأبْصارِ فَهو ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما في حَيِّزِ خَبَرِهِ وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً في مِثْلِ ذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ.
وغَيْرِهِ كَما في ضَمِيرِ الشَّأْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: هو الجِدُّ حَتّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها بَلْ نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ مَتى دَلَّ الكَلامُ عَلى المَرْجِعِ وذُكِرَ بَعْدَهُ ما يُفَسِّرُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِ خَبَرِهِ لا يَضُرُّ تَقَدُّمُهُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ: فَلا وأبِيها لا تَقُولُ خَلِيلَتِي ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبٍ ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ ( هي ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وعِمادٍ يَصْلُحُ مَوْضِعَهُ هو وأنْشَدَ قَوْلَهُ: بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما ها هُنا رَأْسُ وهَذا لا يَتَمَشّى إلّا عَلى أحَدِ قَوْلَيِ الكِسائِيِّ مِن إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الفَصْلِ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وقَوْلِ مَن أجازَ كَوْنَهُ قَبْلَ خَبَرِ نَكِرَةٍ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا هِيَ ﴾ أيْ فَإذا هي أيِ السّاعَةُ حاصِلَةٌ أوْ بارِزَةٌ أوْ واقِعَةٌ ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ ﴿ شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهو وجْهٌ مُتَكَلَّفٌ مُتَنافِرُ التَّرْكِيبِ، وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ ( اقْتَرَبَ ) والواوُ سَيْفُ خَطِيبٍ.
ونُقِلَ ذَلِكَ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ الفَرّاءِ.
ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ زِيادَةَ الواوِ وأنَّ الجَوابَ عِنْدَهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا ويْلَنا ﴾ أيِ القَوْلُ المُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ قالُوا يا ويْلَنا، ومَن جَعَلَ الجَوابَ ما تَقَدَّمَ قَدَّرَ القَوْلَ ها هُنا أيْضًا وجَعَلَهُ حالًا مِنَ المَوْصُولِ يَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ (يا ويْلَنا ) وجُوِّزَ كَوْنُ جُمْلَةِ يَقُولُونَ يا ويْلَنا اسْتِئْنافًا، وشُخُوصُ الأبْصارِ رَفْعُ أجْفانِها إلى فَوْقٍ مِن دُونَ أنْ تَطْرِفَ وذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، وأرادُوا مِن نِداءِ الوَيْلِ التَّحَسُّرَ وكَأنَّهم قالُوا: يا ولِيَّنا تَعالَ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ ﴿ قَدْ كُنّا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ فِي غَفْلَةٍ ﴾ تامَّةٍ ( مِن ) هَذا الَّذِي دَهَمَنا مِنَ البَعْثِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَزاءِ، وقِيلَ: مِن هَذا اليَوْمِ ولَمْ نَعْلَمْ أنَّهُ حَقٌّ ﴿ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ ﴾ إضْرابٌ عَنْ وصْفِ أنْفُسِهِمْ بِالغَفْلَةِ أيْ لَمْ نَكُنْ في غَفْلَةٍ مِنهُ حَيْثُ نَبَّهَنا عَلَيْهِ بِالآياتِ والنُّذُرِ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ بِتَرْكِ الآياتِ والنُّذُرِ مُكَذِّبِينَ بِها أوْ ظالِمِينَ لِأنْفُسِنا بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ بِالتَّكْذِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وتَصْرِيحٌ بِمَآلِ أمْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمّا سَبَقَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ مُبالَغَةً في الإنْذارِ وإزاحَةِ الأعْذارِ، فَما عِبارَةُ عَنْ أصْنامِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِما عَلى بابِهِ لِأنَّها عَلى المَشْهُورِ لِما لا يَعْقِلُ فَلا يَرِدُ أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الحُكْمَ لا يَشْمَلُهم وشاعَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزِّبْعَرِيِّ القُرَشِيَّ اعْتَرَضَ بِذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا غُلامُ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ لِأنِّي قُلْتُ ( وما تَعْبُدُونَ ) وما لِما لَمْ يَعْقِلْ ولَمْ أقُلْ ومَن تَعْبُدُونَ»» .
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ بِأنَّهُ أشْهَرُ عَلى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ العَجَمِ وفي كُتُبِهِمْ وهو لا أصْلَ لَهُ ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ مُسْنَدًا ولا غَيْرَ مُسْنَدٍ والوَضْعُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ والعَجَبُ مِمَّنْ نَقَلَهُ مِنَ المُحَدِّثِينَ انْتَهى، ويُشَكَّلُ عَلى ما قُلْنا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ إلَخْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وقالُوا: أتَشْتُمُ آلِهَتَنا فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: أنا أخْصِمُ لَكم مُحَمَّدًا ادْعُوهُ لِي فَدُعِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً أمْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى ؟
قالَ: بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ» .
يَعْنِي الكَعْبَةَ.
ألَسْتَ تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ وأنَّ المَلائِكَةَ صالِحُونَ ؟
قالَ: بَلى قالَ: فَهَذِهِ النَّصارى تَعْبُدُ عِيسى وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ تَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ وفَرِحُوا فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ إلَخْ ﴿ ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ إلَخْ، وجاءَ في رِواياتٍ أُخَرَ ما يُعَضِّدُهُ فَإنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ أنَّ ما هُنا شامِلٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الشُّمُولَ لِلْعُقَلاءِ الَّذِي ادَّعاهُ رَسُولُ اللَّهِ كانَ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ بِجامِعِ الشَّرِكَةِ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا أشارَ إلى عُمُومِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ اعْتَرَضَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ بِما اعْتَرَضَ وتَوَهَّمَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ الغَرَضَ فَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى الجَوابَ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ الآيَةَ، وحاصِلُهُ تَخْصِيصُ العُمُومِ المَفْهُومِ مِن دَلالَةِ النَّصِّ بِما سِوى الصُّلَحاءِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنى فَيَبْقى الشَّياطِينُ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ داخِلِينَ في الحُكْمِ بِحُكْمِ دَلالَةِ النَّصِّ فَيُفِيدُ النَّصُّ بَعْدَ هَذا التَّخْصِيصَ عِبارَةَ ودَلالَةَ حُكْمِ الأصْنامِ والشَّياطِينِ ويَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ ما تَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في التَّلْوِيحِ ودَلِيلُ ذَلِكَ النَّصُّ والإطْلاقُ والمَعْنى، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والسَّماءِ وما بَناها ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ وأمّا الإطْلاقُ فَمِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ ما قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنى الَّذِي بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ والَّذِي يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى مَن يَعْقِلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمُ الَّذِي جاءَ زَيْدٌ فَما كَذَلِكَ، الثّانِي أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ما في دارِي مِنَ العَبِيدِ أحْرارٌ، وأمّا المَعْنى فَمِن وجْهَيْنِ أيْضًا، الأوَّلُ أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَما جاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ اعْتَرَضُوا بِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وهم مِن فُصَحاءِ العَرَبِ فَلَوْ لَمْ يَفْهَمُوا العُمُومَ لَما اعْتَرَضُوا، الثّانِي أنَّ ما لَوْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِغَيْرِ العالِمِ لَما احْتِيجَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحَيْثُ كانَتْ بِعُمُومِها مُتَناوِلَةً لَهُ عَزَّ وجَلَّ احْتِيجَ إلى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( مِن دُونِ اللَّهِ ) وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ شامِلَةً عِبادَةً لِأُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ الجَوابُ الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ جَوابًا بِالتَّخْصِيصِ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ في قَوْلِهِ بِجَوازِ تَخْصِيصِ العامِّ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النُّصُوصِ والإطْلاقاتِ فَغايَتُهُ جَوازُ إطْلاقِ ما عَلى مَن يَعْلَمُ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ظاهِرَةً فِيهِ أوْ فِيما يَعُمُّهُ بَلْ هي ظاهِرَةٌ في غَيْرِ العالِمِ لا سِيَّما هُنا لِأنَّ الخِطابَ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ وإذا كانَتْ ظاهِرَةً فِيما لا يَعْقِلُ وجَبَ تَنْزِيلُها عَلَيْهِ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ في المَعْنى فَلَيْسَ بِنَصٍّ في أنَّ المُعْتَرِضِينَ إنَّما اعْتَرَضُوا لِفَهْمِهِمُ العُمُومَ مِن ما وضْعًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِفَهْمِهِمْ إيّاهُ مِن دَلالَةِ النَّصِّ كَما مَرَّ، وما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الثّانِي مِن عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن دُونِ اللَّهِ ) فَإنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ، وفائِدَتُهُ مَعَ التَّأْكِيدِ تَقْبِيحُ ما كانُوا عَلَيْهِ، وإنْ سَلَّمْنا أنَّ ما حَقِيقَةٌ فِيمَن يَعْقِلُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ بَيانَ التَّخْصِيصِ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْآيَةِ فَإنَّ دَلِيلَ العَقْلِ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ خِلافًا لِطائِفَةٍ شاذَّةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، والعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلى امْتِناعِ تَعْذِيبٍ أحَدٍ بِجُرْمٍ صادِرٍ مِن غَيْرِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ راضِيًا بِجُرْمِ ذَلِكَ الغَيْرِ، وأحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ رِضا المَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعِبادَةِ مَن عَبَدَهم وما مِثْلُ هَذا الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ فَلا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُقارَنَتِهِ لِلْآيَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ الآيَةَ فَإنَّما ورَدَ تَأْكِيدًا بِضَمِّ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْ أصْلِهِ أمّا أنْ يَكُونَ هو المُسْتَقِلُّ بِالبَيانِ فَلا، وعَدَمُ تَعَرُّضِهِ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا رَآهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وأعْرَضُوا عَنْهُ فاعْتَرَضُوا بِما اعْتَرَضُوا مَعَ ظُهُورِهِ انْتَظَرَ ما يُقَوِّيهِ مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ أوْ لِأنَّ الوَحْيَ سَبَقَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتِ الآيَةُ قَبْلَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم تَعَنَّتُوا بِنَوْعٍ مِنَ المَجازِ فَنَزَلَ ما يَدْفَعُهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا خَبَرٌ لا تَكْلِيفَ فِيهِ والِاخْتِلافُ في جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ تَكْلِيفٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ الكَمالِ: لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ الشّافِعِيِّ في قَصْرِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما يَتَناوَلُهُ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ مُتَراخٍ إنَّما الخِلافُ في أنَّهُ تَخْصِيصٌ حَتّى يَصِيرَ العامُّ بِهِ ظَنِّيًّا في الباقِي أوْ نُسِخَ حَتّى يَبْقى عَلى ما كانَ فَلا وجْهَ لِلِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الثّابِتَ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ التَّمامِ قَصْرُ العامِّ بِالمُتَراخِي والخِلافُ فِيما وراءَهُ والدَّلِيلُ قاصِرٌ عَنْ بَيانِهِ ولا لِلْجَوابِ بِأنَّ تَعْبُدُونَ لا يَتَناوَلُ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا لِأنَّ ما لِغَيْرِ العُقَلاءِ لِما أنَّهُ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ بَلْ لِأنَّهم ما عُبِدُوا حَقِيقَةً عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ حِينَ قالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والنَّصارى عَبَدُوا المَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ عَبَدُوا المَلائِكَةَ بِقَوْلِهِ : بَلْ هم عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي أمَرَتْهم بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ﴾ الآيَةَ لِدَفْعِ ذَهابِ الوَهْمِ إلى التَّناوُلِ لَهم نَظَرًا إلى الظّاهِرِ.
وجَوابُهُ بِذَلِكَ مِمّا رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ ﴾ الآيَةَ، وعَلى وفْقِ هَذا ورَدَ جَوابُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ﴾ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَةِ والرِّوايَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ لِابْنِ الزِّبْعَرِيِّ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ وقالَ ابْنُ الزِّبْعَرِيِّ: ألَيْسَ اليَهُودُ إلَخْ ذَكَرَ عَدَمَ تَناوُلِها المَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يُشارِكُوا الأصْنامَ في المَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ أمْرِهِمْ ولا رِضاهم بِما كانَ الكَفَرَةُ يَفْعَلُونَ، ولَعَلَّ فِيهِ رَمْزًا خَفِيًّا إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ تَأْكِيدًا لِعَدَمِ التَّناوُلِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ إنْ صَحَّتْ تَقْتَضِي أنْ لا تَكُونَ الأصْنامُ مَعْبُودَةً أيْضًا لِأنَّها لَمْ تَأْمُرْهم بِالعِبادَةِ فَلا تَكُونُ ما مُطْلَقَةً عَلَيْها بَلْ عَلى الشَّياطِينِ بِناءً عَلى أنَّها هي الآمِرَةُ الرّاضِيَةُ بِذَلِكَ فَهي مَعْبُوداتُهم، ولِذا قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ ظاهِرًا.
ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ لِذَوِي العُقُولِ أنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرى الجَماداتِ لِكُفْرِها، وفي قَوْلِهِ الَّتِي أمَرَتْهم دُونَ الَّذِينَ أمَرُوهم إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ في عَدَمِ تَناوُلِ الآيَةِ الأصْنامَ هُنا مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ فَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ لَمْ تَثْبُتْ، ولِمَوْلانا أبِي السُّعُودِ كَلامٌ مَبْناهُ خَبَرُ أنَّهُ رَدَّ عَلى ابْنِ الزِّبَعْرَيِّ بِقَوْلِهِ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ إلَخْ، وقَدْ عَلِمْتَ ما قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ وهو وأمْثالُهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ في أمْثالِ ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِذِكْرِهِ في أحْكامِ الآمِدِيِّ وشَرْحِ المَواقِفِ وفُصُولِ البَدائِعِ لِلْفَنارَيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً فَماءٌ ولا كَصِداءٍ ومَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ.
وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ العُمُومَ بِدَلالَةِ النَّصِّ والتَّخْصِيصَ بِما نَزَلَ بَعْدَ حَدِيثِ الخِلافِ في التَّخْصِيصِ بِالمُسْتَقِلِّ المُتَراخِي ويُعْلَمُ الجَوابُ عَنْهُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ هُنا زِيادَةً عَلى ذَلِكَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن تَخْصِيصِ العامِ المُخْتَلَفِ فِيهِ لِأنَّ العامَ هُناكَ هو اللَّفْظُ الواحِدُ الدّالُّ عَلى مُسَمَّيَيْنِ فَصاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا وهو ظاهِرٌ فِيما فِيهِ الدَّلالَةُ عِبارَةً والعُمُومُ هُنا إنَّما فُهِمَ مِن دَلالَةِ النَّصِّ، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ المانِعَ مِنَ التَّأْخِيرِ ظاهِرٌ في عَدَمِ الفَرْقِ فَتَدَبَّرْ فالمَقامُ حَرِيٌّ بِهِ، والحَصَبُ ما يُرْمى بِهِ وتُهَيَّجُ بِهِ النّارُ مِن حَصَبَهُ إذا رَماهُ بِالحَصْباءِ وهي صِغارُ الحِجارَةِ فَهو خاصٌّ وضْعًا عامٌّ اسْتِعْمالًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحَطَبُ بِالزِّنْجِيَّةِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيُّ وعائِشَةُ وابْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم (حَطَبُ ) بِالطّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي السَّمَيْقَعِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ومَحْبُوبٌ وأبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ بَشِيرٍ (حَصْبُ ) بِإسْكانِ الصّادِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ، وجاءَ عَنْهُ أيْضًا إسْكانُها وبِهِ قَرَأ كُثَيِّرُ عَزَّةَ، ومَعْنى الكُلِّ واحِدٌ وهو مَعْنى الحَصَبِ بِالصّادِ ﴿ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ وتُبْدَلُ الجُمْلَةُ مِنَ المُفْرَدِ ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ في حُكْمِ النَّتِيجَةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن ( جَهَنَّمَ ) وهو كَما تَرى، واللّامُ مُعَوَّضَةٌ مِن عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ وأنَّ وُرُودَهم لِأجْلِها وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأصْلَ تَعَدّى الوُرُودَ إلى ذَلِكَ بِعَلى كَما أشارَ إلَيْهِ في القامُوسِ بِتَفْسِيرِهِ بِالإشْرافِ عَلى الماءِ وهو في الِاسْتِعْمالِ كَثِيرٌ وإلّا فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَدُوها ﴾ فاللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ لِكَوْنِ المَعْمُولِ مُقَدَّمًا والعامِلُ فَرْعِيٌّ، وقِيلَ إنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ ولَيْسَ بِذَلِكَ.
والظّاهِرُ أنَّ الوُرُودَ هُنا وُرُودُ دُخُولٍ والخِطابُ لِلْكَفَرَةِ وما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا <div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ﴾ كَما تَزْعُمُونَ أيُّها العابِدُونَ إيّاها ما ﴿ ورَدُوها ﴾ وحَيْثُ تَبَيَّنَ وُرُودُهم إيّاها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ إنَّهم حَصَبُ جَهَنَّمَ امْتَنَعَ كَوْنُهم آلِهَةً بِالضَّرُورَةِ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ مِمّا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لا الشَّياطِينَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ إثْباتُ نَقِيضِ ما يَدَّعُونَهُ وهم يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ لا إلَهِيَّتَها حَتّى يُحْتَجَّ بِوُرُودِها النّارَ عَلى عَدَمِها، نَعَمِ الشَّياطِينُ الَّتِي تُعْبَدُ داخِلَةٌ في حُكْمِ النَّصِّ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ فَلا تَغْفُلْ.
﴿ وكُلٌّ ﴾ مِنَ العَبَدَةِ والمَعْبُودِينَ ﴿ فِيها خالِدُونَ ﴾ باقُونَ إلى الأبَدِ
﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ ﴾ هو صَوْتُ نَفَسِ المَغْمُومِ يَخْرُجُ مِن أقْصى الجَوْفِ، وأصْلُ الزَّفْرِ كَما قالَ الرّاغِبُ: تَرْدِيدُ النَّفَسِ حَتّى تَنْتَفِخَ مِنهُ الضُّلُوعُ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ ( لَهم ) لِلْكُلِّ أعْنِي العَبَدَةَ والمَعْبُودِينَ، وفِيهِ تَغْلِيبُ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأصْنامِ حَيْثُ جِيءَ بِضَمِيرِ العُقَلاءِ راجِعًا إلى الكُلِّ، ويَجْرِي ذَلِكَ في ( خالِدُونَ ) أيْضًا، وكَذا غُلِّبَ مَن يَتَأتّى مِنهُ الزَّفِيرُ مِمَّنْ فِيهِ حَياةٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ أيْضًا حَيْثُ نُسِبَ الزَّفِيرُ لِلْجَمِيعِ، وجُوِّزَ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى لِلْأصْنامِ الَّتِي عُبِدَتْ حَياةً فَيَكُونُ حالُها حالَ مَن مَعَها ولَها ما لَهم فَلا تَغْلِيبَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُخاطَبِينَ في ( إنَّكم ) خاصَّةً عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِالتَّغْلِيبِ أصْلًا.
ورُدَّ بِأنَّهُ يُوجِبُ تَنافُرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ كَيْفَ يَجْمَعُ بَيْنَهم تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ فَلَوْ خَصَّ ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ ﴾ لَزِمَ التَّفْكِيكُ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ ﴾ أيْ لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ وفَظاعَةِ العَذابِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ لَوْ نُودِيَ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ زَفِيرِهِمْ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم مِنَ الكَلامِ إذْ لا يُكَلَّمُونَ إلّا بِما يَكْرَهُونَ، وقِيلَ: إنَّهم يُبْتَلَوْنَ بِالصَّمَمِ حَقِيقَةً لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ وهو كَما تَرى، وذُكِرَ في حِكْمَةِ إدْخالِ المُشْرِكِينَ النّارَ مَعَ مَعْبُوداتِهِمْ أنَّها زِيادَةُ غَمِّهِمْ بِرُؤْيَتِهِمْ إيّاها مُعَذَّبَةً مِثْلَهم وقَدْ كانُوا يَرْجُونَ شَفاعَتَها، وقِيلَ: زِيادَةُ غَمِّهِمْ بِرُؤْيَتِها مَعَهم وهي السَّبَبُ في عَذابِهِمْ فَقَدْ قِيلَ: واحْتِمالُ الأذى ورُؤْيَةُ جانِي ـهِ غِذاءٌ تُضْنى بِهِ الأجْسامُ وظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ نِهايَةَ المُخَلَّدِينَ أنْ لا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا فَقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ فِيها مَسامِيرُ مِن حَدِيدٍ ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ ثُمَّ قُذِفُوا في أسْفَلِ الجَحِيمِ فَما يَرى أحَدُهم أنَّهُ يُعَذَّبُ في النّارِ غَيْرُهُ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ ﴾ ومِنهُ يُعْلَمُ قَوْلٌ آخَرُ في (لا يَسْمَعُونَ ) واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴾ أيِ الخَصْلَةُ المُفَضَّلَةُ في الحُسْنِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ لِلطّاعَةِ، والمُرادُ مِن سَبَقَ ذَلِكَ تَقْدِيرُهُ في الأزَلِ، وقِيلَ: الحُسْنى الكَلِمَةُ الحُسْنى وهي المُتَضَمِّنَةُ لِلْبِشارَةِ بِثَوابِهِمْ وشُكْرِ أعْمالِهِمْ، والمُرادُ مِن سَبَقَ ذَلِكَ تَقَدُّمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يُخَصِّصُ، وما ذُكِرَ في بَعْضِ الآثارِ مِن تَفْسِيرِهِ بِعِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو مِنَ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ حَيْثُ إنَّهُ السَّبَبُ في النُّزُولِ.
ويَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَ المَوْصُولَ بِعُثْمانَ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: أنا مِنهم وعُمَرُ مِنهم وعُثْمانُ مِنهم والزُّبَيْرُ مِنهم وطَلْحَةُ مِنهم وسَعْدُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنهم كَذا رَأيْتُهُ في الدُّرِّ المَنثُورِ، ورَأيْتُ في غَيْرِهِ عَدَّ العَشْرَةَ المُبَشَّرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والجُدْرانُ مُتَعَلِّقانِ بِسَبَقَتْ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في الثّانِي كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ ووَقَعَ حالًا مِنَ ( الحُسْنى ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضْلِ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النَّعْتِ ﴿ عَنْها ﴾ أيْ عَنْ جَهَنَّمَ ﴿ مُبْعَدُونَ ﴾ لِأنَّهم في الجَنَّةِ وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ﴾ أيْ صَوْتَها الَّذِي يُحَسُّ مِن حَرَكَتِها، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن (مُبْعَدُونَ )، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، وأنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُها مُؤَكِّدَةً لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن بُعْدِهِمْ عَنْها، وقِيلَ إنَّ الإبْعادَ يَكُونُ بَعْدَ القُرْبِ فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أوْرَدَها أوَّلًا، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ التَّأذِّي بِها دُفِعَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ( لا يَسْمَعُونَ ) فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ لِدَفْعِ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ عَدَمُ سَماعِ الحَسِيسِ قَبْلَ الدُّخُولِ إلى الجَنَّةِ، ومَن قالَ بِهِ قالَ: إنَّ ذَلِكَ حِينَ المُرُورِ عَلى الصِّراطِ وذَلِكَ لِأنَّهم عَلى ما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهي خامِدَةٌ لا حَرَكَةَ لَها حَتّى أنَّهم يَظُنُّونَ وهم في الجَنَّةِ أنَّهم لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها، وقِيلَ لا يَسْمَعُونَ ذَلِكَ لِسُرْعَةِ مُرُورِهِمْ وهو ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أُولَئِكَ أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى يَمُرُّونَ عَلى الصِّراطِ مَرًّا هو أسْرَعُ مِنَ البَرْقِ فَلا تُصِيبُهم ولا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ويَبْقى الكُفّارُ جِثِيًّا، لَكِنْ جاءَ في خَبَرٍ آخَرَ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا وابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ في ﴿ لا يَسْمَعُونَ ﴾ إلَخْ لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنازِلَهم في الجَنَّةِ، وقِيلَ إنَّ الإبْعادَ عَنْها قَبْلَ الدُّخُولِ إلى الجَنَّةِ أيْضًا، والمُرادُ بِذَلِكَ حِفْظُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَنِ الوُقُوعِ فِيها كَما يُقالُ أبْعَدَ اللَّهُ تَعالى فُلانًا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ، والأظْهَرُ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وذَلِكَ بَيانٌ لِخَلاصِهِمْ عَنِ المَهالِكِ والمَعاطِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ ﴾ بَيانٌ بِفَوْزِهِمْ بِالمَطالِبِ بَعْدَ ذَلِكَ الخَلاصِ، والمُرادُ أنَّهم دائِمُونَ في غايَةِ التَّنَعُّمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ والِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفَواصِلِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ بَيانٌ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الإفْزاعِ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ نَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ لِأنَّهم إذا لَمْ يُحْزِنْهم أكْبَرُ الإفْزاعِ لَمْ يُحْزِنْهم ما عَداهُ بِالضَّرُورَةِ كَذا قِيلَ، ولْيُلاحَظْ ذَلِكَ مَعَ ما جاءَ في الأخْبارِ أنَّ النّارَ تَزْفِرُ في المَوْقِفِ زَفْرَةً لا يَبْقى نَبِيٌّ ولا مَلَكٌ إلّا جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ فَإنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي عَدَمَ الحُزْنِ فَلا إشْكالَ وإذا قُلْنا: إنَّهُ يُنافِي فَهو مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ زَمانِهِ وسُرْعَةِ الأمْنِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَزَلَ مَنزِلَةَ العَدَمِ فَتَأمَّلْ، والفَزَعُ كَما قالَ الرّاغِبُ انْقِباضٌ ونِفارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِنَ الشَّيْءِ المُخِيفِ وهو مِن جِنْسِ الجَزَعِ ويُطْلَقُ عَلى الذَّهابِ بِسُرْعَةٍ لِما يَهُولُ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ هَذا الفَزَعِ فَعَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ حِينَ انْصِرافِ أهْلِ النّارِ إلى النّارِ.
ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ الفَزَعَ الأكْبَرَ بِنَفْسِ هَذا الِانْصِرافِ فَيَكُونُ الفَزَعُ بِمَعْنى الذَّهابِ المُتَقَدِّمِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ حِينَ وُقُوعِ طَبْقِ جَهَنَّمَ عَلَيْها وغَلْقِها عَلى مَن فِيها، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ حِينَ يُنادى أهْلُ النّارِ ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ وقِيلَ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ، وقِيلَ حِينَ النَّفْخَةِ الأخِيرَةِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها النَّفْخَةُ لِلْقِيامِ مِنَ القُبُورِ لِرَبِّ العالَمِينَ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ تَسْتَقْبِلُهم بِالرَّحْمَةِ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، وقِيلَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ قائِلِينَ ﴿ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ في الدُّنْيا مَجِيئَهُ وتُبَشَّرُونَ بِما فِيهِ لَكم مِنَ المَثُوباتِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا قُرَناءَهم في الدُّنْيا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُونَ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ تَتَلَقّاهم عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ بِالهَدايا أوْ بِالسَّلامِ، والأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ وهو كالقَرِينَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ الحُزْنِ حِينَ النَّفْخَةِ الأخِيرَةِ، وظاهِرُ أكْثَرِ الجُمَلِ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ المَلائِكَةِ في المَوْصُولِ السّابِقِ بَلْ قَوْلُهُ تَعالى: (وتَتَلَقّاهم ) إلَخْ نَصٌّ في ذَلِكَ فَلَعَلَّ الإسْنادَ في ذَلِكَ عِنْدَ مَن أدْرَجَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عُمُومِ المَوْصُولِ لِسَبَبِ النُّزُولِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ أوْ يُقالُ: إنَّ اسْتِثْناءَهم مِنَ العُمُومِ السّابِقِ لِهَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ كَما أنَّ دُخُولَهم فِيما قَبْلُ كانَ كَذَلِكَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ (لا يُحْزِنُهم ) مُضارِعُ أحْزَنَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وحَزِنَ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِلا يُحْزِنُهم، وقِيلَ لِلْفَزَعِ، والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ وإنْ كانَ ضَعِيفًا في العَمَلِ لا سِيَّما وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ إلّا أنَّ الظَّرْفَ مَحَلُّ التَّوَسُّعِ قالَهُ في الكَشْفِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ عَلى الصَّحِيحِ وإنْ كانَ الظَّرْفُ قَدْ يُتَوَسَّعُ فِيهِ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِتَتَلَقّاهم، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مِن ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ وتُوُهِّمَ أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ذَلِكَ العائِدِ لِأنَّ يَوْمَ الطَّيِّ بَعْدَ الوَعْدِ.
وقَرَأ شَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ وجَماعَةٌ (يَطْوِي ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأُخْرى بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعُ (السَّماءُ ) عَلى النِّيابَةِ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ الإفْناءُ والإزالَةُ مِن قَوْلِكَ: اطْوِ عَنِّي هَذا الحَدِيثَ، وأنْكَرَ ابْنُ القَيِّمِ إفْناءَ السَّماءِ وإعْدامَها إعْدامًا صِرْفًا وادَّعى أنَّ النُّصُوصَ إنَّما تَدُلُّ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها مِن حالٍ إلى حال، ويُبْعِدُ القَوْلَ بِالإفْناءِ ظاهِرُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ ﴾ وهو الصَّحِيفَةُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ ونَسَبَهُ في مَجْمَعِ البَيانِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ أيْضًا، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِصَحِيفَةِ العَهْدِ، وقِيلَ: هو في الأصْلِ حَجَرٌ يُكْتَبُ فِيهِ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ ما يُكْتَبُ فِيهِ مِن قِرْطاسٍ وغَيْرِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ طَيًّا كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وصاحِبُهُ أبُو زَرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ (السُّجُلِّ ) بِضَمَّتَيْنِ وشَدِّ اللّامِ، والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وأبُو السَّمالِ ( السَّجْلِ ) بِفَتْحِ السِّينِ، والحَسَنُ وعِيسى بِكَسْرِها والجِيمُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ ساكِنَةٌ واللّامُ مُخَفَّفَةٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍ: وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ كالحَسَنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْكُتُبِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ﴿ السِّجِلِّ ﴾ أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ أوِ الكائِنِ لِلْكُتُبِ فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً، وقَرَأ الأعْمَشُ (لِلْكُتْبِ ) بِإسْكانِ التّاءِ، وقَرَأ الأكْثَرُ (لِلْكِتابِ ) بِالإفْرادِ وهو إمّا مَصْدَرٌ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اتِّخاذِهِ لَها ووَضْعِهِ مُسَوًّى مَطْوِيًّا حَتّى إذا احْتِيجَ إلى الكِتابَةِ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَسْوِيَتِهِ فَلا يَرُدُّ أنَّ المَعْهُودَ نَشْرُ الطُّومارِ لِلْكِتابَةِ لا طَيُّهُ لَها، وإمّا اسْمٌ كالإمامِ فاللّامُ كَما ذُكِرَ أوَّلًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ السِّجِلَّ اسْمُ مَلَكٍ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ مُوكَلٌ بِالصُّحُفِ فَإذا ماتَ الإنْسانُ وقَعَ كِتابُهُ إلَيْهِ فَطَواهُ ورَفَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واللّامُ عَلى هَذا قِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِطَيِّ، وقِيلَ سَيْفُ خَطِيبٍ، وكَوْنُها بِمَعْنى عَلى كَما تَرى.
واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ أقْوى ولا أشْهَرَ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ أقْوى نَظَرًا لِما في أذْهانِ العامَّةِ مِن قُوَّةِ الطّاوِي وضَعْفِ المَطْوِيِّ وصِغَرِ حَجْمِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّماءِ أيْ نَظَرًا لِما في أذْهانِهِمْ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ فَتَأمَّلْ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ مِنهُمُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ، وضَعُفَ ذَلِكَ بَلْ قِيلَ إنَّهُ قَوْلٌ واهٍ جِدًّا لِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اسْمُهُ السِّجِلُّ ولا حَسُنَ لِلتَّشْبِيهِ عَلَيْهِ أيْضًا، وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرَّجُلَ زادُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقالَ بَعْضُهم: يُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوايَةِ السّابِقَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى هَذا والأكْثَرُ عَلى ما قِيلَ عَلى تَفْسِيرِ السِّجِلِّ بِالصَّحِيفَةِ.
واخْتُلِفَ في أنَّهُ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ فَذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ الأصَحُّ أنَّهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، هَذا ثُمَّ إنَّ الآيَةَ نَصٌّ في دُثُورِ السَّماءِ وهو خِلافُ ما شاعَ عَنِ الفَلاسِفَةِ، نَعَمْ ذَكَرَ صَدْرُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في كِتابِهِ الأسْفارِ أنَّ مَذْهَبَ أساطِينِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ القَوْلُ بِالدُّثُورِ والقَوْلُ بِخِلافِ ذَلِكَ إنَّما هو لِمُتَأخِّرِيهِمْ لِقُصُورِ أنْظارِهِمْ وعَدَمِ صَفاءِ ضَمائِرِهِمْ، فَمِنَ الأساطِينِ أنْكِسِيمائِسُ المَلْطِيُّ قالَ: إنَّما ثَباتُ هَذا العالَمِ بِقَدْرِ ما فِيهِ مِن قَلِيلِ نُورِ ذَلِكَ العالَمِ وأرادَ بِهِ عالَمَ المُجَرَّداتِ المَحْضَةِ وإلّا لَما ثَبَتَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ويَبْقى ثَباتُهُ إلى أنْ يُصَفِّيَ جُزْؤُهُ المُمْتَزِجُ جُزْأها المُخْتَلِطَ فَإذا صُفِّيَ الجُزْءانِ عِنْدَ ذَلِكَ دُثِّرَتْ أجْزاءُ هَذا العالَمِ وفَسَدَتْ وبَقِيَتْ مُظْلِمَةً وبَقِيَتِ الأنْفُسُ الدَّنِسَةُ في هَذِهِ الظُّلْمَةِ لا نُورَ لَها ولا سُرُورَ ولا راحَةَ ولا سُكُونَ ولا سَلْوَةَ.
ومِنهم فِيثاغُورْسُ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ قُلْتَ بِإبْطالِ العالَمِ ؟
فَقالَ: لِأنَّهُ يَبْلُغُ العِلَّةَ الَّتِي مِن أجْلِها كانَ فَإذا بَلَغَها سَكَنَتْ حَرَكَتُهُ، ومِنهم أفْلاطُونُ حَكى الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ العامِرِيُّ أنَّهُ ذَكَرَ في كِتابِهِ المَعْرُوفِ بِطِيماوُسَ أنَّ العالَمَ مُكَوَّنٌ وأنَّ البارِي تَعالى قَدْ صَرَفَهُ مِن لا نِظامَ إلى نِظامٍ وأنَّ جَواهِرَهُ كُلَّها مُرَكَّبَةٌ مِنَ المادَّةِ والصُّورَةِ وأنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُعَرَّضٌ لِلِانْحِلالِ، نَعَمْ إنَّهُ قالَ في أسُولُوطِيقُوسَ أيْ تَدْبِيرُ البَدَنِ.
إنَّ العالَمَ أبَدِيٌّ غَيْرُ مُكَوَّنٍ دائِمُ البَقاءِ وتَعَلَّقَ بِهَذا أبْرَقْلِسُ فَبَيْنَ كَلامَيْهِ تَنافٍ، قَدْ وفَّقَ بَيْنَهُما تِلْمِيذُهُ أرِسْطاطالِيسُ بِما فِيهِ نَظَرٌ، ولَعَلَّ الأوْفَقَ أنْ يُقالَ عَلى مَشْرَبِهِمْ: أرادَ بِالعالَمِ الأبَدِيِّ عالَمَ المُفارَقاتِ المَحْضَةِ، ومِنهم أرِسْطاطالِيسُ قالَ في كِتابِ أثُولُوجِيا إنَّ الأشْياءَ العَقْلِيَّةَ تَلْزَمُ الأشْياءَ الحِسِّيَّةَ والبارِي سُبْحانَهُ لا يَلْزَمُ الأشْياءَ الحِسِّيَّةَ والعَقْلِيَّةَ بَلْ هو سُبْحانَهُ مُمْسِكٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ غَيْرَ أنَّ الأشْياءَ العَقْلِيَّةَ هي آنِيّاتٌ حَقِّيَّةٌ لِأنَّها مُبْتَدَعَةٌ مِنَ العِلَّةِ الأُولى بِغَيْرِ وسَطٍ وأمّا الأشْياءُ الحِسِّيَّةُ فَهي آنِيّاتٌ دائِرَةٌ لِأنَّها رُسُومُ الآنِيّاتِ الحَقِّيَّةِ ومِثالُها وإنَّما قِوامُها ودَوامُها بِالكَوْنِ والتَّناسُلِ كَيْ تَدُومَ وتَبْقى تَشْبِيهًا بِالأشْياءِ العَقْلِيَّةِ الثّابِتَةِ الدّائِمَةِ، وقالَ في كِتابِ الرُّبُوبِيَّةِ: أبْدَعَ العَقْلُ صُورَةَ النَّفْسِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَرَّكَ تَشْبِيهًا بِالواحِدِ الحَقِّ وذَلِكَ أنَّ العَقْلَ أبْدَعَهُ الواحِدُ الحَقُّ وهو ساكِنٌ فَكَّكَ النَّفْسَ أبْدَعَها العَقْلُ وهو ساكِنٌ أيْضًا غَيْرَ أنَّ الواحِدَ الحَقَّ أبْدَعَ هُوِيَّةَ العَقْلِ وأبْدَعَ العَقْلُ صُورَةَ النَّفْسِ ولَمّا كانَتْ مَعْلُولَةً مِن مَعْلُولٍ لَمْ تَقْوَ أنْ تَفْعَلَ فِعْلَها بِغَيْرِ حَرَكَةٍ بَلْ فَعَلَتْهُ بِحَرَكَةٍ وأبْدَعَتْ صَنَمًا وإنَّما سُمِّيَ صَنَمًا لِأنَّهُ فِعْلٌ داثِرٌ غَيْرُ ثابِتٍ ولا باقٍ لِأنَّهُ كانَ بِحَرَكَةٍ والحَرَكَةُ لا تَأْتِي بِالشَّيْءِ الثّابِتِ الباقِي بَلْ إنَّما تَأْتِي بِالشَّيْءِ الدّاثِرِ وإلّا لَكانَ فِعْلُها أكْرَمُ مِنها وهو قَبِيحٌ جِدًّا، وسَألَهُ بَعْضُ الدَّهْرِيَّةِ إذا كانَ المُبْدِعُ لَمْ يَزَلْ ولا شَيْءَ غَيْرُهُ ثُمَّ أحْدَثَ العالَمَ فَلِمَ أحْدَثَهُ ؟
فَقالَ: لِمَ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلَيْهِ لِأنَّ لِمَ تَقْتَضِي عِلَّةً والعِلَّةُ مَحْمُولَةٌ فِيما هي عِلَّةٌ عَلَيْهِ مِن مُعِلٍّ فَوْقَهُ ولَيْسَ بِمُرَكَّبٍ يَتَحَمَّلُ ذاتُهُ العِلَلَ فَلِمَ عَنْهُ مَنفِيَّةٌ فَإنَّما فَعَلَ ما فَعَلَ لِأنَّهُ جَوادٌ فَقِيلَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لَمْ يَزَلْ لِأنَّهُ جَوادٌ لَمْ يَزَلْ فَقالَ: مَعْنى لَمْ يَزَلْ لا أوَّلَ لَهُ وفِعْلُ فاعِلٍ يَقْتَضِي أوَّلًا واجْتِماعٌ يَكُونُ ما لا أوَّلَ لَهُ وذا أوَّلُ في القَوْلِ والذّاتِ مَحْضٌ مُتَناقِضٌ، فَقِيلَ: فَهَلْ يُبْطِلُ هَذا العالَمَ ؟
قالَ: نَعَمْ فَقِيلَ: فَإذا أبْطَلَهُ بَطَلَ الجُودُ فَقالَ: يُبْطِلُ لِيَصُوغَهُ الصِّيغَةَ الَّتِي لا تَحْتَمِلُ الفَسادَ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَحْتَمِلُ الفَسادَ، ومِنهم فَرْفُورِيُوسُ واضِعُ إيساغُوجِي قالَ المُكَوِّناتُ كُلُّها إنَّما تَتَكَوَّنُ بِتَكَوُّنِ الصُّورَةِ عَلى سَبِيلِ التَّغَيُّرِ وتَفْسَدُ بِخُلُوِّ الصُّورَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأقْوالِهِمْ.
وذِكْرُ جَمِيعِ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى المَلَلِ، ومَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلى الأسْفارِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ الصَّدْرِ، والحَقُّ أنَّهُ قَدْ وقَعَ في كَلامِ مُتَقَدِّمِي الفَلاسِفَةِ كَثِيرًا مِمّا هو ظاهِرٌ في مُخالَفَةِ مَدْلُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ولا يَكادُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وهو مُقْتَضى أُصُولِهِمْ وما يَتَراءى مِنهُ المُوافَقَةَ فَإنَّما يَتَراءى مِنهُ المُوافَقَةَ في الجُمْلَةِ والتِزامُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ ما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في أمْرِ العالَمِ بِأسْرِهِ وما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ في ذَلِكَ كالتِزامِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ بَلْ كالتِزامِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ.
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ هِيَ شامِيَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ ∗∗∗ وسُهَيْلُ إذا ما اسْتَقَلَّ يَمانِي فَعَلَيْكَ بِما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ المُبِينُ أوْ صَحَّ عَنِ الصّادِقِ الأمِينِ ، وما عَلَيْكَ إذا خالَفْتَ الفَلاسِفَةَ فَأغْلَبُ ما جاؤُوا بِهِ جَهْلٌ وسَفَهٌ ولَعَمْرِي لَقَدْ ضَلَّ بِكَلامِهِمْ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وباضَ وفَرَّخَ في صُدُورِهِمُ الوَسْواسُ الخَنّاسُ، وهو جَعْجَعَةٌ بِلا طِحْنٍ وقَعْقَعَةٌ كَقَعْقَعَةِ شَنٍّ ولَوْلا الضَّرُورَةُ الَّتِي لا أُبْدِيها والعِلَّةُ الَّتِي عَزَّ مُداوِيها لَما أضَعْتُ في دَرْسِهِ وتَدْرِيسِهِ شَرْخَ شَبابِي ولَما ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنهُ خِلالَ سُطُورِ كِتابِي، هَذا وأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِلتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ الحَقِّ الوَثِيقِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ العَرْشَ لا يُطْوى كَما تُطْوى السَّماءُ فَإنْ كانَ هو المُحَدَّدَ كَما يَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ ومَن تَبِعَ آثارَهم فَعَدَمُ دُثُورِهِ بِخُصُوصِهِ مِمّا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الفَلاسِفَةِ الإسْكَنْدَرُ الإفْرُودِيسِي مِن كِبارِ أصْحابِ أرِسْطاطالِيسَ وإنْ خالَفَهُ في بَعْضِ المَسائِلِ ومَن حَمَلَ كَلامَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَسَّفَ وأتى بِما لا يُسَلَّمُ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْضًا مُشْعِرٌ بِعَدَمِ طَيِّهِ لِلِاقْتِصارِ فِيها عَلى طَيِّ السَّماءِ.
والشّائِعُ عَدَمُ إطْلاقِها عَلى العَرْشِ، ثُمَّ إنَّ الطَّيَّ لا يَخْتَصُّ بِسَماءٍ دُونَ سَماءٍ بَلْ تُطْوى جَمِيعُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ .
﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الكافَ جارَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرَ مَجْرُورٌ بِها والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ و(أوَّلَ ) مَفْعُولُ بَدَأْنا أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ إعادَةً مِثْلَ بَدْئِنا إيّاهُ أيْ في السُّهُولَةِ وعَدَمِ التَّعَذُّرِ وقِيلَ: أيْ في كَوْنِها إيجادًا بَعْدَ العَدَمِ أوْ جَمْعًا مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ، ولا يَخْفى أنَّ في كَوْنِ الإعادَةِ إيجادًا بَعْدَ العَدَمِ مُطْلَقًا بَحْثًا، نَعَمْ قالَ اللَّقانِيُّ: مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْدِمُ الذَّواتِ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ يُعِيدُها وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِصِحَّةِ الفَناءِ عَلى الأجْسامِ بَلْ وُقُوعُهُ.
وقالَ البَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ والآمِدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ.
والقَوْلُ بِأنَّ الإعادَةَ عَنْ تَفْرِيقٍ مَحْضٍ قَوْلُ الأقَلِّ وحَكاهُ جَمْعٌ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لَكِنْ في المَواقِفِ وشَرْحُهُ هَلْ يَعْدِمُ اللَّهُ تَعالى الأجْزاءَ البَدَنِيَّةَ ثُمَّ يُعِيدُها أوْ يُفَرِّقُها ويُعِيدُ فِيها التَّآلُفَ ؟
الحَقُّ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ شَيْءٌ بِلا جَزْمٍ فِيهِ نَفْيًا ولا إثْباتًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وفي الِاقْتِصادِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ فَإنْ قِيلَ هَلْ تُعْدَمُ الجَواهِرُ والأعْراضُ ثُمَّ تُعادانِ جَمِيعًا أوْ تُعْدَمُ الأعْراضُ دُونَ الجَواهِرِ وتُعادُ الأعْراضُ ؟
قُلْنا: كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في الشَّرْعِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَعْيِينِ أحَدِ هَذِهِ المُمْكِناتِ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الحَقُّ وُقُوعُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا إعادَةُ ما انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ وإعادَةُ ما تَفَرَّقَ بِأعْراضِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأخْبارَ صَحَّتْ بِبَقاءِ عَجْبِ الذَّنَبِ مِنَ الإنْسانِ فَإعادَةُ الإنْسانِ لَيْسَتْ كَبَدْئِهِ، وكَذا رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ عَلى الأرْضِ أجْسادَ الأنْبِياءِ وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ عِنْدَ ابْنِ العَرَبِيِّ، وقالَ غَيْرُهُ: صَحِيحٌ، وجاءَ نَحْوُ ذَلِكَ في المُؤَذِّنِينَ احْتِسابًا وحَدِيثُهم في الطَّبَرانِيِّ وفي حَمَلَةِ القُرْآنِ وحَدِيثُهم عِنْدَ ابْنِ مِندَدٍ، وفِيمَن لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ وحَدِيثُهم عَنِ المُرَوَّزِيِّ فَلا تَغْفُلْ، وكَذا في كَوْنِ البَدْءِ جَمْعًا مِنَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ إنْ صَحَّ في المُرَكَّبِ مِنَ العَناصِرِ كالإنْسانِ لا يَصِحُّ في نَفْسِ العَناصِرِ مَثَلًا لِأنَّها لَمْ تُخْلَقْ أوَّلًا مِن أجْزاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ فَلَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ في وجْهِ الشَّبَهِ أبْعَدُ عَنِ القالِ والقِيلِ.
واعْتُرِضَ جَعْلُ ( أوَّلَ ) مَفْعُولَ بَدَأْنا بِأنَّ تَعَلُّقَ البُداءَةِ بِأوَّلِ الشَّيْءِ المَشْرُوعِ فِيهِ رَكِيكٌ لا يُقالُ بَدَأْتُ أوَّلَ كَذا وإنَّما يُقالُ بَدَأْتُ كَذا وذَلِكَ لِأنَّ بِدايَةَ الشَّيْءِ هي المَشْرُوعُ فِيهِ والمَشْرُوعُ يُلاقِي الأوَّلَ لا مَحالَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ تَكْرارًا.
ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ المُرادَ بَدَأْنا ما كانَ أوَّلًا سابِقًا في الوُجُودِ ولَيْسَ المُرادُ بِالأوَّلِ أوَّلَ الأجْزاءِ حَتّى يُتَوَهَّمَ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: ﴿ أوَّلَ خَلْقٍ ﴾ مَفْعُولُ نُعِيدُ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ والكافُ مَكْفُوفَةٌ بِما أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وقَدْ تَمَّ الكَلامُ بِذَلِكَ ويَكُونُ ﴿ كَما بَدَأْنا ﴾ جُمْلَةً مُنْقَطِعَةً عَنْ ذَلِكَ عَلى مَعْنى تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِثْلَ تَحَقُّقِهِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى إعادَةٍ مِثْلَ البَدْءِ، ومَحَلُّ الكافِ في مِثْلِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا، والمَقامُ يَقْتَضِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّذْنِيبُ فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا داعِيَ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، وتَنْكِيرُ ( خَلْقٍ ) لِإرادَةِ التَّفْصِيلِ وهو قائِمٌ مَقامَ الجَمْعِ في إفادَةِ تَناوُلِ الجَمِيعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ نُعِيدُ المَخْلُوقِينَ الأوَّلِينَ.
وجُوِّزَ أنْ تُنْصَبَ الكافُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ وما مَوْصُولَةٌ و( أوَّلَ ) ظَرْفٌ لَبَدَأْنا لِأنَّ المَوْصُولَ يَسْتَدْعِي عائِدًا فَإذا قُدِّرَ هُنا يَكُونُ مَفْعُولًا، ولِأوَّلَ قابِلِيَّةُ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ فَيُنْصَبُ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ذَلِكَ العائِدِ، وحاصِلُ المَعْنى نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ في أوَّلِ خَلْقٍ أوْ كائِنًا أوَّلَ خَلْقٍ، والخَلْقُ عَلى الأوَّلِ مَصْدَرٌ وعَلى الثّانِي بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَوْصُوفَةً وباقِي الكَلامِ بِحالِهِ.
وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ نَصْبَ الكافِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِاسْمِيَّتِها ولَيْسَ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ، ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ سِواهُ أنَّ كَوْنَها اسْمًا مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ، وأوْرَدَ نَحْوَهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَحَلَّها الرَّفْعُ في الوَجْهِ السّابِقِ، وإذا قِيلَ بِأنَّ لِلْمَكْفُوفَةِ مُتَعَلِّقًا كَما اخْتارَهُ بَعْضُهم خِلافًا لِلرَّضِيِّ ومَن مَعَهُ فَلْيَكُنْ مُتَعَلِّقُها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُناكَ، ورُجِّحَ كَوْنُ المُرادِ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ في أوَّلِ خَلْقٍ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وعِنْدِي عَجُوزٌ مِن بَنِي عامِرٍ فَقالَ: مَن هَذِهِ العَجُوزُ يا عائِشَةُ ؟
فَقُلْتُ: إحْدى خالاتِي فَقالَتِ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُدْخِلَنِي الجَنَّةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها العُجُزُ فَأخَذَ العَجُوزَ ما أخَذَها فَقالَ : إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْشِئُهُنَّ خَلْقًا غَيْرَ خَلْقِهِنَّ ثُمَّ قالَ: تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُلْفًا فَقالَتْ: حاشَ لِلَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَلى إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ » ومِثْلُ هَذا المَعْنى حاصِلٌ عَلى ما جَوَّزَهُ ابْنُ الحاجِبِ مِن كَوْنِ ﴿ كَما بَدَأْنا ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ نُعِيدُهُ ﴾ أيْ نُعِيدُ أوَّلَ خَلْقٍ مُماثِلًا لِلَّذِي بَدَأْناهُ، ولا تَغْفُلْ عَمّا يَقْتَضِيهِ التَّشْبِيهُ مِن مُغايَرَةِ الطَّرَفَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ الإخْبارُ بِالبَعْثِ ولَيْسَتْ ما في شَيْءٍ مِنَ الأوْجُهِ خاصَّةً بِالسَّماءِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ ولا اللَّفْظُ يُساعِدُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى الآيَةِ نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَدَبُّرٍ فَتَدَبَّرْ.
﴿ وعْدًا ﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ تَأْكِيدًا لَهُ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مَنصُوبٌ بِنُعِيدُ لِأنَّهُ عِدَةٌ بِالإعادَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، واسْتَجْوَدَ الأوَّلَ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّ القُرّاءَ يَقِفُونَ عَلى ( نُعِيدُهُ عَلَيْنا ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوَعْدًا أيْ وعْدًا لازِمًا عَلَيْنا، والمُرادُ لَزِمَ إنْجازُهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَكَلُّفِ الِاسْتِخْدامِ ﴿ إنّا كُنّا فاعِلِينَ ﴾ ذَلِكَ بِالفِعْلِ لا مَحالَةَ، والأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وُقُوعَها كالماضِيَةِ في التَّحَقُّقِ ولِذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ قادِرِينَ عَلى أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الكُتُبُ، والذِّكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ التَّوْراةُ.
ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.
وقالَ في الزَّبُورِ: الكُتُبُ مِن بَعْدِ التَّوْراةِ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الذِّكْرَ التَّوْراةُ والزَّبُورَ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الزَّبُورَ الكُتُبُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والذِّكْرَ أُمُّ الكِتابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الأشْياءُ قَبْلَ ذَلِكَ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ كَما في بَعْضِ الآثارِ، واخْتارَ تَفْسِيرَهُ بِذَلِكَ الزَّجّاجُ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ.
وقَدْ وقَعَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْهُ ««كانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ»» وقِيلَ: الذِّكْرُ العِلْمُ وهو المُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ، وأصْلُ الزَّبُورِ كُلُّ كِتابٍ غَلِيظِ الكِتابَةِ مِن زَبَرْتُ الكِتابَ أزْبُرُ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّها كَما في المُحْكَمِ إذا كَتَبْتُهُ كِتابَةً غَلِيظَةً وخُصَّ في المَشْهُورِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهم: هو اسْمٌ لِلْكِتابِ المَقْصُورِ عَلى الحِكْمَةِ العَقْلِيَّةِ دُونَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ولِهَذا يُقالُ لِلْمُنَزَّلِ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لا يَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ بِمَعْنى المَزْبُورِ، ولِذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ ( مِن بَعْدِ ) بِهِ كَما جُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِكَتَبْنا، وقالَ حَمْزَةُ: هو اسْمٌ سُرْيانِيٌّ، وأيًّا ما كانَ فَإذا أُرِيدَ مِنهُ الكُتُبُ كانَ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أيْ كَتَبْنا في جِنْسِ الزَّبُورِ.
﴿ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أرْضُ الجَنَّةِ قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ وإنَّها الأرْضُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الصّالِحُونَ لِأنَّها لَهم خُلِقَتْ، وغَيْرُهم إذا حَصَلُوا فِيها فَعَلى وجْهِ التَّبَعِ وأنَّ الآيَةَ ذُكِرَتْ عُقَيْبَ ذِكْرِ الإعادَةِ ولَيْسَ بَعْدَ الإعادَةِ أرْضٌ يَسْتَقِرُّ بِها الصّالِحُونَ ويُمْتَنُّ بِها عَلَيْهِمْ سِوى أرْضِ الجَنَّةِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وأبِي العالِيَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِها أرْضُ الدُّنْيا يَرِثُها المُؤْمِنُونَ ويَسْتَوْلُونَ عَلَيْها وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««إنَّ اللَّهَ تَعالى زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها»» وهَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإظْهارِ الدِّينِ وإعْزازِ أهْلِهِ واسْتِيلائِهِمْ عَلى أكْثَرِ المَعْمُورَةِ الَّتِي يَكْثُرُ تَرَدُّدُ المُسافِرِينَ إلَيْها وإلّا فَمِنَ الأرْضِ ما لَمْ يَطَأْها المُؤْمِنُونَ كالأرْضِ الشَّهِيرَةِ بِالدُّنْيا الجَدِيدَةِ وبِالهِنْدِ الغَرْبِيِّ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَكُونُ في حَوْزَةِ المُؤْمِنِينَ أيّامَ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: الشّامُ ولَعَلَّ بَقاءَ الكُفّارِ وحْدَهم في الأرْضِ جَمِيعِها في آخِرِ الزَّمانِ كَما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ لا يَضُرُّ في هَذِهِ الوِراثَةِ لِما أنَّ بَيْنَ اسْتِقْلالِهِمْ في الأرْضِ حِينَئِذٍ وقِيامِ السّاعَةِ زَمَنًا يَسِيرًا لا يُعْتَدُّ بِهِ وقَدْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ المَبادِئِ القَرِيبَةِ لِيَوْمِ القِيامَةِ، والأوْلى أنْ تُفَسَّرَ الأرْضُ بِأرْضِ الجَنَّةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ وهو أوْفَقُ بِالمَقامِ.
ومِنَ الغَرائِبِ قِصَّةُ تَفاؤُلِ السُّلْطانِ سَلِيمٍ بِهَذِهِ الآيَةِ حِينَ أضْمَرَ مُحارَبَتَهُ لِلْغُورِيِّ وبِشارَةِ ابْنِ كَمالٍ لَهُ أخْذًا مِمّا رَمَزَتْ إلَيْهِ الآيَةُ بِمِلْكَةِ مِصْرَ في سَنَةِ كَذا ووُقُوعِ الأمْرِ كَما بَشَّرَ وهي قِصَّةٌ شَهِيرَةٌ وذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الِاتِّفاقِيَّةِ ومِثْلُهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ في هَذا ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الأخْبارِ والمَواعِظِ البالِغَةِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ كُلِّهِ ﴿ لَبَلاغًا ﴾ أيْ كِفايَةً أوْ سَبَبَ بُلُوغٍ إلى البُغْيَةِ أوْ نَفْسِ البُلُوغِ إلَيْها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ ﴿ لِقَوْمٍ عابِدِينَ ﴾ أيْ لِقَوْمٍ هَمُّهُمُ العِبادَةُ دُونَ العادَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِالجَماعَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأ ذَلِكَ فَقالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ في المَسْجِدِ الحَرامِ جَماعَةً»، وضَمِيرُ (هِيَ ) لِلْعِبادَةِ المَفْهُومَةِ مِن (عابِدِينَ ) وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ ولَمْ يُقَيِّدُوا بِشَيْءٍ، وعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ تَفْسِيرُها بِصِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ وصَلاةِ الخَمْسِ والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ الأفْرادِ لِنُكْتَةٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما أرْسَلْناكَ ﴾ بِما ذُكِرَ وبِأمْثالِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَناطٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ أيْ وما أرْسَلْناكَ بِما ذُكِرَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِتَرْحَمَ العالَمِينَ بِإرْسالِكَ.
أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ وما أرْسَلْناكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكَ رَحْمَةً أوْ ذا رَحْمَةٍ أوْ راحِمًا لَهم بِبَيانِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعالَمِينَ ما يَشْمَلُ الكُفّارَ، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرْسِلَ بِما هو سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، ومَصْلَحَةِ النَّشْأتَيْنِ إلّا أنَّ الكافِرَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ الِانْتِفاعَ بِذَلِكَ وأعْرَضَ لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِ عَمّا هُنالِكَ، فَلا يَضُرُّ ذَلِكَ في كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرْسِلَ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أيْضًا كَما لا يَضُرُّ في كَوْنِ العَيْنِ العَذْبَةِ مَثَلًا نافِعَةً عَدَمُ انْتِفاعِ الكَسْلانِ بِها لِكَسَلِهِ وهَذا ظاهِرٌ خِلافًا لِمَن ناقَشَ فِيهِ، وهَلْ يُرادُ بِالعالَمِينَ ما يَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا فِيهِ خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في عُمُومِ بَعْثَتِهِ لَهم، فَإذا قُلْنا بِالعُمُومِ كَما رَجَّحَهُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ البارِزِيُّ وتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في خَصائِصِهِ، ومِنَ الحَنابِلَةِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وابْنُ حامِدٍ وابْنُ مُفْلِحٍ في كِتابِ الفُرُوعِ، ومِنَ المالِكِيَّةِ عَبْدُ الحَقِّ قُلْنا بِشُمُولِ العالَمِينَ لَهم هُنا.
وكَوْنُهُ أُرْسِلَ رَحْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا بِما فِيهِ تَكْلِيفُهم مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما هُنا، ولا شَكَّ أنَّ في امْتِثالِ المُكَلَّفِ ما كُلِّفَ بِهِ نَفْعًا لَهُ وسَعادَةً، وإنْ قُلْنا بِعَدَمِ العُمُومِ كَما جَزَمَ بِهِ الحَلِيمِيُّ والبَيْهَقِيُّ والجَلالُ المَحَلِّيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ وزَيْنُ الدِّينِ العِراقِيُّ في نُكَتِهِ عَلى ابْنِ الصَّلاحِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ ومَحْمُودُ بْنُ حَمْزَةَ في كِتابِهِ العَجائِبِ والغَرائِبِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ بَلْ نَقَلَ البُرْهانُ النَّسَفِيُّ والفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما الإجْماعَ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَسْلَمْ قُلْنا بِعَدَمِ شُمُولِهِ لَهم هُنا وإرادَةِ مَن عَداهم مِنهُ، وقِيلَ: هم داخِلُونَ هُنا في العُمُومِ وإنْ لَمْ نَقُلْ بِبَعْثَتِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّهم وقَفُوا بِواسِطَةِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى عُلُومٍ جَمَّةٍ وأسْرارٍ عَظِيمَةٍ مِمّا أُودِعَ في كِتابِهِ الَّذِي فِيهِ بِناءُ ما كانَ وما يَكُونُ عِبارَةً وإشارَةً وأيُّ سَعادَةٍ أعْظَمُ مِنَ التَّحَلِّي بِزِينَةِ العِلْمِ ؟
وكَوْنُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَجْهَلُونَ شَيْئًا مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: لِأنَّهم أُظْهِرَ مِن فَضْلِهِمْ عَلى لِسانِهِ الشَّرِيفِ ما أُظْهِرَ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الرَّحْمَةَ في حَقِّ الكُفّارِ أمْنُهم بِبَعْثَتِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ والِاسْتِئْصالِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذُكِرَ أنَّها في حَقِّ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأمْنُ مِن نَحْوِ ما ابْتُلِيَ بِهِ هارُوتُ ومارُوتُ، وأُيِّدَ بِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الشِّفاءِ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ أصابَكَ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ شَيْءٌ ؟
قالَ: نَعَمْ كُنْتُ أخْشى العاقِبَةَ فَأمِنتُ لِثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيَّ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ﴾ » وإذا صَحَّ هَذا الحَدِيثُ لَزِمَ القَوْلُ بِشُمُولِ العالَمِينَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا أنَّ الجَلالَ السُّيُوطِيَّ ذَكَرَ في تَزْيِينِ الأرائِكِ أنَّهُ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلى إسْنادٍ، وقِيلَ المُرادُ بِالعالَمِينَ جَمِيعُ الخَلْقِ فَإنَّ العالَمَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُمِعَ جَمْعَ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِلْأشْرَفِ عَلى غَيْرِهِ.
وكَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْجَمِيعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسِطَةُ الفَيْضِ الإلَهِيِّ عَلى المُمْكِناتِ عَلى حَسَبِ القَوابِلِ، ولِذا كانَ نُورُهُ أوَّلَ المَخْلُوقاتِ، فَفي الخَبَرِ «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى نُورُ نَبِيِّكَ يا جابِرُ» .
وجاءَ ««اللَّهُ تَعالى المُعْطِي وأنا القاسِمُ»» ولِلصُّوفِيَّةِ قَدَّسَتْ أسْرارُهم في هَذا الفَصْلِ كَلامٌ فَوْقَ ذَلِكَ، وفي مِفْتاحِ السَّعادَةِ لِابْنِ القِيِّمِ أنَّهُ لَوْلا النُّبُوّاتُ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ عِلْمٌ نافِعٌ البَتَّةَ ولا عَمَلٌ صالِحٌ ولا صَلاحٌ في مَعِيشَةٍ ولا قِوامٌ لِمَمْلَكَةٍ ولَكانَ النّاسُ بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ والسِّباعِ العادِيَّةِ والكِلابِ الضّارِيَةِ الَّتِي يَعْدُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وكُلُّ خَيْرٍ في العالَمِ فَمِن آثارِ النُّبُوَّةِ وكُلُّ شَرٍّ وقَعَ في العالَمِ أوْ سَيَقَعُ فَبِسَبَبِ خَفاءِ آثارِ النُّبُوَّةِ ودُرُوسِها فالعالَمُ جَسَدٌ رُوحُهُ النُّبُوَّةُ ولا قِيامَ لِلْجَسَدِ بِدُونِ رُوحِهِ، ولِهَذا إذا انْكَسَفَتْ شَمْسُ النُّبُوَّةِ مِنَ العالَمِ ولَمْ يَبْقَ في الأرْضِ شَيْءٌ مِن آثارِها البَتَّةَ انْشَقَّتْ سَماؤُهُ وانْتَشَرَتْ كَواكِبُهُ وكُوِّرَتْ شَمْسُهُ وخَسَفَ قَمَرُهُ ونُسِفَتْ جِبالُهُ وزُلْزِلَتْ أرْضُهُ وأُهْلِكَ مَن عَلَيْها فَلا قِيامَ لِلْعالَمِ إلّا بِآثارِ النُّبُوَّةِ اهَـ وإذا سَلُمَ هَذا عُلِمَ مِنهُ بِواسِطَةٍ كَوْنُهُ أكْمَلَ النَّبِيِّينَ وما جاءَ بِهِ أجَلَّ مِمّا جاؤُوا بِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في الأُصُولِ اخْتِلافُ وجْهِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرْسِلَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أيْضًا لَكِنْ لا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ بَحْثٍ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العالَمِينَ هُنا خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ولِواحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ كَلامٌ طَوِيلٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَقَضَ فِيهِ وأبْرَمَ ومَنَعَ وسَلَّمَ ولا أرى مَنشَأً سِوى قِلَّةِ الِاطِّلاعِ عَلى الحَقِّ الحَقِيقِ بِالِاتِّباعِ، وأنْتَ مَتى أخَذْتَ العِنايَةَ بِيَدِكَ بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ سَهُلَ عَلَيْكَ رَدُّهُ ولَمْ يُهَوِّلْكَ هَزْلُهُ وجِدُّهُ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّهُ إنَّما بُعِثَ رَحْمَةً لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ العالَمِينَ مَلائِكَتِهِمْ وإنْسِهِمْ وجِنِّهِمْ ولا فَرْقَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ في ذَلِكَ، والرَّحْمَةُ مُتَفاوِتَةٌ ولِبَعْضٍ مِنَ العالَمِينَ المُعَلّى والرَّقِيبُ مِنها، وما يُرى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرَّحْمَةِ فَهو إمّا مِنها في النَّظَرِ الدَّقِيقِ أوْ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالقَصْدِ الأوْلى كَسائِرِ الشُّرُورِ الواقِعَةِ في العالَمِ بِناءً عَلى ما حُقِّقَ في مَحِلِّهِ أنَّ الشَّرَّ لَيْسَ داخِلًا في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِالذّاتِ، ومِمّا هو ظاهِرٌ في عُمُومِ العالَمِينَ الكُفّارُ ما أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ قالَ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً»» ولَعَلَّهُ يُؤَيِّدُ نَصْبَ ( رَحْمَةً ) في الآيَةِ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ««إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»» ولا يَشِينُ احْتِمالَ التَّعْلِيلِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشاعِرَةُ مِن عَدَمِ تَعْلِيلِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الماتُرِيدِيَّةَ وكَذا الحَنابِلَةَ ذَهَبُوا إلى خِلافِهِ ورَدُّوهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ فِيهِ كَما قِيلَ في سائِرِ ما ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ ووُجُودُ المانِعِ هُنا تَوَهُّمٌ مَحْضٌ فَتَدَبَّرْ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ تَعَلُّقَ ( لِلْعالَمِينَ ) بِرَحْمَةٍ هو الظّاهِرُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأرْسَلْناكَ، وفي البَحْرِ لا يَجُوزُ عَلى المَشْهُورِ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بَعْدَ إلّا بِالفِعْلِ قَبْلَها إلّا إنْ كانَ العامِلُ مُفَرَّغًا لَهُ نَحْوُ ما مَرَرْتُ إلّا بِزَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ في الآيَةِ حَصْرَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ أنَّما المَفْتُوحَةَ تُفِيدُ ذَلِكَ كالمَكْسُورَةِ، والأوَّلُ لِقَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ والثّانِي لِقَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ فالثّانِي قُصِرَ فِيهِ اللَّهُ تَعالى عَلى الوَحْدانِيَّةِ والأوَّلُ قُصِرَ فِيهِ الوَحْيُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والمَعْنى ما يُوحى ( إلَيَّ ) إلّا اخْتِصاصُ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُقْصَرُ الوَحْيُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ كالتَّكالِيفِ والقِصَصِ، وأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ مَعْنى قَصْرِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ وما عَداهُ راجِعٌ إلَيْهِ أوْ غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ في جَنْبِهِ فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، والثّانِي أنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الشِّرْكِ الصّادِرِ مِنَ الكُفّارِ، وكَذا الكَلامُ في القَصْرِ الثّانِي.
وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ إفادَةَ أنَّما المَفْتُوحَةِ الحَصْرَ لِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِمَصْدَرٍ واسْمٍ مُفْرَدٍ ولَيْسَتْ كالمَكْسُورَةِ المُؤَوَّلَةِ بِما وإلّا وقالَ: لا نَعْلَمُ خِلافًا في عَدَمِ إفادَتِها ذَلِكَ والخِلافُ إنَّما هو في إفادَةِ إنَّما المَكْسُورَةِ إيّاهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ وأكْثَرَ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا إلى إفادَتِها ذَلِكَ، والحَقُّ مَعَ الجَماعَةِ ويُؤَيِّدُهُ هُنا أنَّها بِمَعْنى المَكْسُورَةِ لِوُقُوعِها بَعْدَ الوَحْيِ الَّذِي هو في مَعْنى القَوْلِ ولِأنَّها مَقُولَةُ ( قُلْ ) في الحَقِيقَةِ ولا شَكَّ في إفادَتِها التَّأْكِيدَ فَإذا اقْتَضى المَقامُ القَصْرَ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ انْضَمَّ إلى التَّأْكِيدِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالوَضْعِ كَما في المَكْسُورَةِ فَقَدْ جاءَ ما لا يَحْتَمِلُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ ﴾ ولِذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ ابْتَلَيْناهُ لا مَحالَةَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالحَصْرِ هُنا، نَعَمْ في تَوْجِيهِ القَصْرِ هُنا بِما سَمِعْتَ مِن كَوْنِهِ قَصْرَ اللَّهِ تَعالى عَلى الوَحْدانِيَّةِ ما سَمِعْتَهُ في آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ فَتَذَكَّرْ.
وجُوِّزَ في (ما ) في ﴿ إنَّما يُوحى ﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وتَجْوِيزُهُ فِيما بَعْدُ بَعِيدٌ جِدًّا مُوجِبٌ لِتَكَلُّفٍ لا يَخْفى ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِما يُوحى إلَيَّ مِنَ التَّوْحِيدِ، وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِالِانْقِيادِ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الإسْلامَ بِلازِمِهِ وهو إخْلاصُ العِبادَةِ لَهُ تَعالى وما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى.
والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما قَبْلَها مُوجِبٌ لِما بَعْدَها قالُوا: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ صِفَةَ الوَحْدانِيَّةِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ طَرِيقُها السَّمْعَ بِخِلافِ إثْباتِ الواجِبِ فَإنَّ طَرِيقَهُ العَقْلُ لِئَلّا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
قالَ في شَرْحِ المَقاصِدِ: إنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصِدْقَهم لا يَتَوَقَّفُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كَإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ وكالنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، وما قِيلَ إنَّ التَّعَدُّدَ يَسْتَلْزِمُ الإمْكانَ لِما عَرَفْتَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وما لَمْ تَعْرِفْ أنَّ اللَّهَ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ خارِجٌ عَنْ جَمِيعِ المُمْكِناتِ لَمْ يَتَأتَّ إثْباتُ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ غايَةَ اسْتِلْزامِ الوُجُوبِ الوَحْدَةُ لا اسْتِلْزامُ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَتَها فَضْلًا عَنِ التَّوَقُّفِ، وسَبَبُ الغَلَطِ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ثُبُوتِ الشَّيْءِ والعِلْمِ بِثُبُوتِهِ انْتَهى.
وتَفْرِيعُ الِاسْتِفْهامِ هُنا صَرِيحٌ في ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ بِما ذُكِرَ، وقَوْلُ صاحِبِ الكَشْفِ: إنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يُوحى إلَيْهِ ذَلِكَ مُبَرْهَنًا لا عَلى قانُونِ الخَطابَةِ فَلَعَلَّ نُزُولَها كانَ مَصْحُوبًا بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِظُهُورِ أنَّ التَّفْرِيعَ عَلى نَفْسِ هَذا المُوحى، وكَوْنِ نُزُولِهِ مَصْحُوبًا بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ والتَّفْرِيعِ بِاعْتِبارِهِ غَيْرَ ظاهِرٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ما يُوجِبُهُ ﴿ فَقُلْ ﴾ لَهم ﴿ آذَنْتُكُمْ ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم ما أمَرْتُ بِهِ أوْ حَرْبِي لَكم، والإيذانُ إفْعالٌ مِنَ الإذْنِ وأصْلُهُ العِلْمُ بِالإجازَةِ في شَيْءٍ وتَرْخِيصُهُ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مُطْلَقِ العِلْمِ وصِيغَ مِنهُ الأفْعالُ، وكَثِيرًا ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّحْذِيرِ والإنْذارِ وهو يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ الثّانِي مِنهُما مُقَدَّرٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ أيْ كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ بِذَلِكَ لَمْ أخُصَّ أحَدًا مِنكم دُونَ أحَدٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا أيْ مُسْتَوِيًا أنا وأنْتُمْ في المُعاداةِ أوْ في العِلْمِ بِما أعْلَمْتُكم بِهِ مِن وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْها.
وقِيلَ ما أعْلَمَهم بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ وُقُوعُ الحَرْبِ في البَيْنِ واسْتِوائِهِمْ في العِلْمِ بِذَلِكَ جاءَ مِن إعْلامِهِمْ بِهِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الصّادِقُ الأمِينُ وإنْ كانُوا يَجْحَدُونَ بَعْضَ ما يُخْبِرُ بِهِ عِنادًا فَتَدَبَّرْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ إيذانًا عَلى سَواءٍ.
وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ مُقَدَّرَةٍ أيْ أعْلَمْتُكم أنِّي عَلى سَواءٍ أيْ عَدْلٍ واسْتِقامَةِ رَأْيٍ بِالبُرْهانِ النَّيِّرِ وهَذا خِلافُ المُتَبادَرِ جِدًّا.
وفِي الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ آذَنْتُكُمْ ﴾ إلَخِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شُبِّهَ بِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْدائِهِ هُدْنَةٌ فَأحَسَّ بِغَدْرِهِمْ فَنَبَذَ إلَيْهِمُ العَهْدَ وشَهَرَ النَّبْذَ وأشاعَهُ وآذَنَهم جَمِيعًا بِذَلِكَ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ ﴿ وإنْ أدْرِي ﴾ أيْ ما أدْرِي ﴿ أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ﴾ مِن غَلَبَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْكم وظُهُورِ الدِّينِ أوِ الحَشْرِ مَعَ كَوْنِهِ آتِيًا لا مَحالَةَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأدْرِي.
ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ بَعِيدٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ﴾ أيْ ما تَجْهَرُونَ بِهِ مِنَ الطَّعْنِ في الإسْلامِ وتَكْذِيبِ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نُطِقَ بِمَجِيءِ المَوْعُودِ ﴿ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ﴾ مِنَ الإحَنِ والأحْقادِ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا ﴿ وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ تَأْخِيرَ جَزائِكُمُ اسْتِدْراجٌ لَكم وزِيادَةٌ في افْتِتانِكم أوِ امْتِحانٌ لَكم لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ.
وجُمْلَةُ ( لَعَلَّهُ ) إلَخْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ عَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ.
والكُوفِيُّونَ يُجْرُونَ لَعَلَّ مُجْرى هَلْ في كَوْنِها مُعَلَّقَةً.
قالَ أبُو حَيّانَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلى أنَّ لَعَلَّ مِن أدَواتِ التَّعْلِيقِ وإنْ كانَ ذَلِكَ ظاهِرًا فِيها.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأ (أدْرِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ تَشْبِيهًا لَها بِياءِ الإضافَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ لامَ الفِعْلِ ولا تُفْتَحُ إلّا بِعامِلٍ.
وأنْكَرَ ابْنُ مُجاهِدٍ فَتْحَ هَذِهِ الياءِ.
﴿ ومَتاعٌ إلى حِينٍ ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ لَكم وتَأْخِيرٌ إلى أجَلٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْكم.
وقِيلَ المُرادُ بِالحِينِ يَوْمُ بَدْرٍ.
وقِيلَ يَوْمُ القِيامَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ﴾ حِكايَةُ لِدُعائِهِ .
وقَرَأ الأكْثَرُ (قُلْ ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ.
والحُكْمُ القَضاءُ.
والحَقُّ العَدْلُ أيْ رَبِّ اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِالعَدْلِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العَذابِ والتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ فَهو دُعاءٌ بِالتَّعْجِيلِ والتَّشْدِيدِ وإلّا فَكُلُّ قَضائِهِ تَعالى عَدْلٌ وحَقٌّ.
وقَدِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ حَيْثُ عُذِّبُوا بِبَدْرٍ أيَّ تَعْذِيبٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( رَبُّ ) بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مُنادى مُفْرَدٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ النِّداءِ مِنِ اسْمِ الجِنْسِ شاذٌّ بابُهُ الشِّعْرُ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُنادى مُفْرَدٍ بَلْ هو مُنادى مُضافٌ إلى الياءِ حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وبُنِيَ عَلى الضَّمِّ كَقَبْلُ وبَعْدُ وذَلِكَ لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ في المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ حالَ نِدائِهِ ولا شُذُوذَ فِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنَ ( رَبِّي ) بِياءٍ ساكِنَةٍ ( أحْكَمُ ) عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ أيْ أنْفَذُ أوْ أعْدَلُ حُكْمًا أوْ أعْظَمُ حِكْمَةً.
فَرَبِّي أحْكَمُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (أحْكَمَ ) فِعْلًا ماضِيًا ﴿ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ المُسْتَعانُ ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِلرَّحْمَنِ بِناءً عَلى إجْرائِهِ مُجْرى العَلَمِ.
وإضافَةُ الرَّبِّ فِيما سَبَقَ إلى ضَمِيرِهِ خاصَّةٌ لِما أنَّ الدُّعاءَ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أنَّ إضافَتَهُ ها هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ المُنْتَظِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا لِما أنَّ الِاسْتِعانَةَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لَهم.
﴿ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ مِنَ الحالِ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشِّرْكَةَ تَكُونُ لَهم وإنَّ رايَةَ الإسْلامِ تَخْفُقُ ثُمَّ تَسْكُنُ وإنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ لَوْ كانَ حَقًّا لَنَزَلَ بِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ فاسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَةَ رَسُولِهِ فَخَيَّبَ آمالَهم وغَيَّرَ أحْوالَهم ونَصَرَ أوْلِياءَهُ عَلَيْهِمْ فَأصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أصابَهم، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ عَلى أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَصِفُونَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ.
هَذا وفي جَعْلِ خاتَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ خاتِمَةً لِسُورَةِ الأنْبِياءِ طِيبٌ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ يَتَضَوَّعُ مِنهُ مِسْكُ الخِتامِ.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ ﴾ قِيلَ ذَلِكَ الرُّشْدُ إيثارُ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وسُئِلَ الجُنَيْدُ مَتّى أتاهُ ذَلِكَ ؟
فَقالَ: حِينَ لا مَتى ﴿ قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ طَلَبَ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضَلَّةٌ في عَقْلِهِ اهَـ.
وقالَ حَمْدُونَ القَصّارُ: اسْتِعانَةُ الخَلْقِ بِالخَلْقِ كاسْتِعانَةِ المَسْجُونِ بِالمَسْجُونِ ﴿ قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: كانَ ذَلِكَ لِسَلامَةِ قَلْبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وخُلُوِّهِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الأسْبابِ وصِحَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَكَ حاجَةٌ ؟
أمّا إلَيْكَ فَلا ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ فَكَمْ مِن صَغِيرٍ أفْضَلُ مِن كَبِيرٍ بِكَثِيرٍ ﴿ وكُلا آتَيْنا حُكْمًا ﴾ قِيلَ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ وعِلْمًا ﴾ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ العُبُودِيَّةِ ﴿ وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ ﴾ قِيلَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَخْلُو في الكُهُوفِ لِذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ فَيُشارِكُهُ في ذَلِكَ الجِبالُ ويُسَبِّحْنَ مَعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الجِبالَ لِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ صُنْعِ الخَلْقِ حالِيَةٌ بِأنْوارِ قُدْرَةِ الحَقِّ يُحِبُّ العاشِقُونَ الخَلْوَةَ فِيها، ولِذا تَحَنَّثَ في غارِ حِراءٍ.
واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ الصّالِحِينَ الِانْقِطاعَ لِلْعِبادَةِ فِيها ﴿ وأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ ذُكِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ قَصَدَتْ دُودَةٌ قَلْبَهُ ودُودَةٌ لِسانَهُ فَخافَ أنْ يُشْغَلَ مَوْضِعُ فِكْرِهِ ومَوْضِعُ ذِكْرِهِ، وقالَ جَعْفَرٌ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِدْعاءً لِلْجَوابِ مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ لِيَسْكُنَ إلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ شَكْوى وكَيْفَ يَشْكُو المُحِبُّ حَبِيبَهُ وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ وقَدْ حَفِظَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدابَ الخِطابِ ﴿ وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ رَشْحَةٌ مِن دَنِّ خَمْرِ الدَّلالِ، وذَكَرُوا أنَّ مَقامَ الدَّلِّ دُونَ مَقامِ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ لِعَدَمِ فَناءِ الإرادَةِ فِيهِ ولِذا نادى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ حَيْثُ اخْتَلَجَ في سِرِّي أنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ ما أرَدْتَ ﴿ وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ ولَدًا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِإفْشاءِ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ إلَيْهِ فَإنَّ العارِفَ مَتى كانَ فَرْدًا غَيْرَ واجِدٍ مَن يُفْشِي إلَيْهِ السِّرَّ ضاقَ ذَرْعُهُ ﴿ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا ﴾ قِيلَ أيْ رَغْبَةً فِينا ورَهْبَةً عَمّا سِوانا أوْ رَغْبَةً في لِقائِنا ورَهْبَةً مِنَ الِاحْتِجابِ عَنّا ﴿ وكانُوا لَنا خاشِعِينَ ﴾ .
قالَ أبُو يَزِيدَ: الخُشُوعُ خُمُودُ القَلْبِ عَنِ الدَّعاوى، وقِيلَ الفَناءُ تَحْتَ أذْيالِ العَظَمَةِ ورِداءِ الكِبْرِياءِ ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ العالَمِينَ جَمِيعُ الخَلْقِ وهو رَحْمَةٌ لِكُلٍّ مِنهم إلّا أنَّ الحُظُوظَ مُتَفاوِتَةٌ ويَشْتَرِكُ الجَمِيعُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِوُجُودِهِمْ بَلْ قالُوا: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُورِهِ ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِيِّ النّابُلْسِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في قَوْلِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ: طَهَ النَّبِيُّ تَكَوَّنَتْ مِن نُورِهِ كُلُّ الخَلِيقَةِ ثُمَّ لَوْ تُرِكَ القَطا وأشارَ بِقَوْلِهِ لَوْ تُرِكَ القَطا إلى أنَّ الجَمِيعَ مِن نُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجْهُ الِانْقِسامِ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ بَعْدَ تَكَوُّنِهِ فَتَأمَّلْ.
هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ حَظَّنا مِن رَحْمَتِهِ الحَظَّ الوافِرَ وأنْ يُيَسِّرَ لَنا أُمُورَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِلُطْفِهِ المُتَواتِرِ.