تفسير الكشاف سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة الأنبياء

تفسيرُ سورةِ الأنبياء كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 78 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأنبياء كاملةً (جار الله الزمخشري)

ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ ١

هذه اللام: لا تخلو من أن تكون صلة لاقترب، أو تأكيداً لإضافة الحساب إليهم، كقولهم: (أزف للحيّ رحيلهم) الأصل أزف رحيل الحيّ ثم أزف للحيّ الرحيل، ثم أزف للحيّ رحيلهم.

ونحوه ما أورده سيبويه في (باب ما يثني فيه المستقرّ توكيداً) عليك زيد حريص عليك.

وفيك زيد راغب فيك.

ومنه قولهم: لا أبالك لأنّ اللام مؤكدة لمعنى الإضافة، وهذا الوجه أغرب من الأوّل.

والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك.

ونحوه: ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ [الأنبياء: 97] فإن قلت: كيف وصف بالاقتراب وقد عدّت دون هذا القول أكثر من خمسمائة عام؟

قلت: هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47] ولأنّ كلّ آت- وإن طالت أوقات استقباله وترقبه- قريب، إنما البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأنّ ما بقي في الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان.

وقال عليه الصلاة والسلام: حذاء، ولم تبق إلا صبابة كصبابة الإناء.

وإذا كانت بقية الشيء وإن كثرت في نفسها قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف بالقلة وقصر الذرع.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ المراد بالناس: المشركون.

وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم.

وهو ما يتلوه من صفات المشركين.

وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لابد من جزاء للمحسن والمسيء.

وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر.

أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا.

<div class="verse-tafsir"

مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ٢ لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ هَلْ هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ٣

قرّر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ: بأنّ الله يجدّد لهم الذكر وقتاً فوقتاً، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر- التي هي أحق الحق وأجدّ الجدّ- إلا لعباً وتلهياً واستسخاراً والذكر: هو الطائفة النازلة من القرآن.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ مُّحْدَثٍ ﴾ بالرفع صفة على المحل.

قوله: ﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ حالان مترادفتان أو متداخلتان ومن قرأ: ﴿ لاَهِيَةً ﴾ بالرفع فالحال واحدة، لأن ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ خبر بعد خبر، لقوله: ﴿ وَهُمْ ﴾ واللاهية: من لها عنه إذا ذهل وغفل، يعني أنهم وإن فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلاً، وثبتوا على رأس غفلتهم، وذهولهم عن التأمّل والتبصر بقلوبهم [(وأسروا النجوى)] فإن قلت: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية، فما معنى قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ﴾ ؟

قلت: معناه وبالغوا في إخفائها.

أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون، أبدل ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ من واو وأسرّوا، إشعاراً بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به.

أو جاء على لغة من قال (أكلوني البراغيث) أو هو منصوب المحل على الذم.

أو هو مبتدأ خبره ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ قدّم عليه.

والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى.

فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ﴿ هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى، أي: وأسروا هذا الحديث.

ويجوز أن يتعلق بقالوا مضمراً: اعتقدوا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا ملكاً، وأن كل من ادّعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر.

فإن قلت: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه؟

قلت: كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في شوراهم، ويتجاهدوا في طيّ سرّهم عنهم ما أمكن واستطيع.

ومنه قول الناس: «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» وَيُرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويجوز أن يسرّوا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقاً فأخبرونا بما أسررنا.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٤

فإن قلت: هلا قيل: يعلم السر لقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ [الأنبياء: 3] قلت: القول عام يشمل السرّ والجهر؟

فكان في العلم به العلم بالسرّ وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السرّ، كما أنّ قوله: يعلم السرّ، آكد من أن يقول: يعلم سرهم.

ثم بين ذلك بأنه السميع العليم لذاته فكيف تخفى عليه خافية.

فإن قلت: فلم ترك هذا الآكد في سورة الفرقان في قوله: ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الذى يَعْلَمُ السر فِي السماوات والارض ﴾ [الفرقان: 6] ؟

قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع.

ولكن يجيء بالوكيد تارة وبالآكد أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتنّ الكلام افتناناً، وتجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب تلك الآية خلاف أسلوب هذه، من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى.

فكأنه أراد أن يقول: إن ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصف ذاته بأن أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، فهو كقوله علام الغيوب ﴿ عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ [سبأ: 3] وقرئ ﴿ قَالَ رَبّى ﴾ حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۭ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌۭ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍۢ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ٥

أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا الباطل لجلج، والمبطل متحير رجاع غير ثابت على قول واحد.

ويجوز أن يكون تنزيلاً من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد: وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذلك الرابع من الثالث، صحة التشبيه في قوله: ﴿ كَمَا أُرْسِلَ الأولون ﴾ من حيث أنه في معنى: كما أتى الأوّلون بالآيات، لأنّ إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول: أرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وبين قولك: أتى محمد بالمعجزة.

<div class="verse-tafsir"

مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ٦

﴿ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ فيه أنهم أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم الله.

فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أنكث وأنكث.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۖ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٧

أمرهم أن يستعلموا أهل الذكر وهم أهل الكتاب، حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا، وإنما أحالهم على أولئك لأنهم كانوا يشايعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً ﴾ [آل عمران: 186] فلا يكاذبونهم فيما هم فيه ردء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَدًۭا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا۟ خَـٰلِدِينَ ٨

﴿ لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ صفة لجسداً والمعنى: وما جعلنا الأنبياء عليهم السلام قبله ذوي جسد غير طاعمين.

ووحد الجسد لإرادة الجنس، كأنه قال: ذوي ضرب من الأجساد وهذا ردّ لقولهم ﴿ مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام ﴾ [الفرقان: 7] .

فإن قلت: نعم قد ردّ إنكارهم أن يكون الرسول بشراً يأكل ويشرب بما ذكرت، فماذا ردّ من قولهم بقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ خالدين ﴾ ؟

قلت: يحتمل أن يقولوا إنه بشر مثلنا يعيش كما نعيش ويموت كما نموت.

أو يقولوا هلا كان ملكاً لا يطعم ويخلد: إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون.

أو مسمين حياتهم المتطاولة وبقاءهم الممتدّ خلوداً.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ ٩

﴿ صدقناهم الوعد ﴾ مثل واختار موسى قومه.

والأصل في الوعد: ومن قومه.

ومنه: صدقوهم القتال.

وصدقني سنّ بكره ﴿ وَمَن نَّشَاء ﴾ هم المؤمنون ومن في بقائه مصلحة.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٠

﴿ ذِكْرُكُمْ ﴾ شرفكم وصيتكم، كما قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ [الزخرف: 44] أو موعظتكم.

أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء أو حسن الذكر كحسن الجوار، والوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والسخاء؛ وما أشبه ذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍۢ كَانَتْ ظَالِمَةًۭ وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ١١ فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ١٢ لَا تَرْكُضُوا۟ وَٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْـَٔلُونَ ١٣ قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ١٤ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَىٰهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيدًا خَـٰمِدِينَ ١٥

﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ ﴾ واردة عن غضب شديد ومنادية على سخط عظيم؛ لأنّ القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم.

وأراد بالقرية: أهلها، ولذلك وصفها بالظلم، وقال: ﴿ قَوْماً ءاخَرِينَ ﴾ لأن المعنى: أهلكنا قوماً وأنشأنا قوماً آخرين.

وعن ابن عباس: أنها (حضور) وهي و (سحول) قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب.

وفي الحديث: «كُفنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثوبَيْنِ سحوليَيْن» وروي (حضورَيْين).

بعث الله إليهم نبياً فقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم.

وروي: أنهم لما أخذتهم السيوف ونادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ندموا واعترفوا بالخطأ.

وذلك حين لم ينفعهم الندم.

وظاهر الآية على الكثرة.

ولعل ابن عباس ذكر (حضور) بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية.

فلما علموا شدّة عذابنا وبطشتنا علم حس ومشاهدة، لم يشكوا فيها، ركضوا من ديارهم، والركض: ضرب الدابة بالرجل.

ومنه قوله تعالى: ﴿ اركض بِرِجْلِكَ ﴾ [ص: 42] فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب.

ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم، فقيل لهم، ﴿ لاَ تَرْكُضُواْ ﴾ والقول محذوف.

فإن قلت: من القائل؟

قلت يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من المؤمنين أو يجعلوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل.

أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم.

أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم ﴿ وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ﴾ من العيش الرافه والحال الناعمة.

والإتراف: إبطار النعمة وهي الترفة ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾ تهكم بهم وتوبيخ، أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسئلون غداً عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.

أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم.

وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم: بم تأمرون؟

وبماذا ترسمون؟

وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدَّمين؟

أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب، ويستشيرونكم في المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم، ويستضيئون بآرائكم أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحائب أكفكم، ويمترون أخلاف معروفكم وأياديكم: إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء.

أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم، وتوبيخاً إلى توبيخ ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى يا ولينا، لأنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى ﴿ دَعْوَاهُمْ ﴾ والدعوى بمعنى الدعوة.

قال تعالى: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ [يونس: 10] .

فإن قلت: لم سميت دعوى؟

قلت: لأن المولول كأنه يدعو الويل، فيقول تعالى: يا ويل فهذا وقتك.

و ﴿ تِلْكَ ﴾ مرفوع أو منصوب اسماً أو خبراً وكذلك دعواهم.

﴿ حصيداً ﴾ الحصيد: الزرع المحصود.

أي: جعلناهم مثل الحصيد، شبههم به في استئصالهم واصطلامهم كما تقول: جعلناهم رماداً، أي مثل الرماد.

والضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما دخل عليها جعل نصبها جميعاً على المفعولية.

فإن قلت كيف ينصب (جعل) ثلاثة مفاعيل؟

قلت: حكم الاثنين الآخرين حكم الواحد؛ لأنّ معنى قولك (جعلته حلواً حامضاً) جعلته جامعاً للطعمين.

وكذلك معنى ذلك: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ١٦ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًۭا لَّٱتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ ١٧

أي: وما سوّينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب، كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا تعدّ والمرافق التي لا تحصى.

ثم بين أنّ السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعالي: هو أن الحكمة صارفة عنه، وإلا فأنا قادر على اتخاذه إن كنت فاعلاً لأني على كل شيء قدير.

وقوله: ﴿ لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ ، كقوله: ﴿ رّزْقاً مّن لَّدُنَّا ﴾ [القصص: 57] أي من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن.

وقيل المرأة.

وقيل من لدنا، أي من الملائكة لا من الإنس، ردّاً لولادة المسيح وعزير.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌۭ ۚ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨

﴿ بَلْ ﴾ إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب، بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق.

واستعار لذلك القذف والدمغ، تصويراً لإبطاله وإهداره ومحقه فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه، ثم قال: ﴿ وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ ه به مما لا يجوز عليه وعلى حكمته.

وقرئ: ﴿ فيدمغه ﴾ بالنصب، وهو في ضعف قوله: سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ** وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا <div class="verse-tafsir"

وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ١٩ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ٢٠

﴿ وَمَنْ عِندَهُ ﴾ هم الملائكة.

والمراد أنهم مكرمون، منزلون- لكرامتهم عليه- منزلة المقرّبين عند الملوك على طريق التمثيل والبيان لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه.

فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور.

قلت: في الاستحسار بيان أنّ ما هم فيه يوجب غاية لحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون.

[ ﴿ يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لا يَفْتُرُونَ ﴾ ] أي: تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم، لا يتخلله فترة بفراغ أو شغل آخر.

<div class="verse-tafsir"

أَمِ ٱتَّخَذُوٓا۟ ءَالِهَةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ٢١

هذه أم المنقطة الكائنة بمعنى بل والهمزة، قد آذنت بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها، والمنكر: هو اتخاذهم ﴿ ءَالِهَةً مّنَ الأرض هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ الموتى، ولعمري أن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات.

فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم؟

وكيف وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى وذلك أنهم كانوا- مع إقرارهم لله عزّ وجل بأنه خالق السموات والأرض ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾ [لقمان: 25] وبأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى- منكرين البعث ويقولون: من يحيى العظام وهي رميم، وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر كثاني القديم، فكيف يدّعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة رأساً؟

قلت: الأمر كما ذكرت، ولكنهم بادّعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدّعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور، والإنشار من جملة المقدورات.

وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأنّ ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده؛ لأنّ الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة.

ونحو قوله: ﴿ مِّنَ الأرض ﴾ قولك: فلان من مكة أو من المدينة، تريد: مكي أو مدني.

ومعنى نسبتها إلى الأرض: الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض: لأنّ الآلهة على ضربين: أرضية وسماوية.

ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين ربك» ؟

فأشارت إلى السماء، فقال: «إنها مؤمنة» لأنه فهم منها أنّ مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكاناً لله عزّ وجلَ.

ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض؛ لأنها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة، أو تعمل من بعض جواهر الأرض.

فإن قلت: لابد من نكتة في قوله: ﴿ هُمْ ﴾ قلت: النكتة فيه إفادة معنى الخصوصية، كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم.

وقرأ الحسن ﴿ يُنشِرُونَ ﴾ وهما لغتان: أنشر الله الموتى، ونشرها.

[(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون)] وصفت آلهة بالإ كما توصف بغير، لو قيل آلهة غير الله.

<div class="verse-tafsir"

لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢

فإن قلت: ما منعك من الرفع على البدل؟

قلت: لأنّ (لو) بمنزلة (إن) في أنّ الكلام معه موجب، والبدل لا يسوّغ إلا في الكلام غير الموجب، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك ﴾ [هود: 81] وذلك لأنّ أعمّ العامّ يصح نفيه ولا يصح إيجابه.

والمعنى: لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا.

وفيه دلالة على أمرين، أحدهما: وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً.

والثاني: أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده، لقوله: ﴿ إِلاَّ الله ﴾ فإن قلت: لم وجب الأمران؟

قلت: لعلمنا أنّ الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.

وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو ابن سعيد الأشدق: كان والله أعزّ عليّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول وهذا ظاهر وأمّا طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجاول وطراد، ولأنّ هذه الأفعال محتاجة إلى تلك الذات المتميزة بتلك الصفات حتى تثبت وتستقرّ.

<div class="verse-tafsir"

لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ٢٣

إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم، تهيباً وإجلالاً، مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم- كان ملك الملوك وربّ الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسئل عن أفعاله، مع ما علم واستقرّ في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بدواعي الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأ ولا فعل القبائح ﴿ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ أي هم مملوكون مستعبدون خطاؤن، فما خلقهم بأن يقال لهم: لم فعلتم؟

في كل شيء فعلوه.

<div class="verse-tafsir"

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ ۖ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ ۖ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ ٢٤

كرّر ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً ﴾ استفظاعاً لشأنهم واستعظاماً لكفرهم، أي: وصفتم الله تعالى بأنّ له شريكاً، فهاتوا برهانكم على ذلك: إمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الوحي، فإنكم لا تجدون كتاباً من كتب الأوّلين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعوّ إليه، والإشراك به منهي عنه متوعد عليه.

أي ﴿ هذا ﴾ الوحي الوارد في معنى توحيد الله ونفي الشركاء عنه، كما ورد عليّ فقد ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر: أي عظة للذين معي: يعني أمّته، وذكر للذين من قبلي: يريد أمم الأنبياء عليهم السلام.

وقرئ: ﴿ ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى ﴾ بالتنوين ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ﴾ [البلد: 14 15] وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: ﴿ غُلِبَتِ الروم فِي أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ [الروم: 3] وقرئ: ﴿ من معي ﴾ و ﴿ من قبلي ﴾ على من الإضافية في هذه القراءة.

وإدخال الجار على (مع) غريب، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف، نحو: قبل، وبعد، وعند، ولدن، وما أشبه ذلك، فدخل عليه (من) كما يدخل على أخواته.

وقرئ ﴿ ذكر معي وذكر قبلي ﴾ كأنه قيل: بل عندهم ما هو أصل الشرّ والفساد كله وهو الجهل وفقد العلم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثم جاء هذا الإعراض، ومن هناك ورد هذا الإنكار.

وقرئ: ﴿ الحق ﴾ بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب.

والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل.

ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على هذا المعنى، كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ ٢٥

﴿ يُوحَى ﴾ ونوحي: مشهورتان.

وهذه الآية مقرّرة لما سبقها من آي التوحيد.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۚ بَلْ عِبَادٌۭ مُّكْرَمُونَ ٢٦ لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ ٢٧ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ ٢٨ ۞ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌۭ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٩

نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله.

نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة، إلا أنهم ﴿ مُّكْرَمُونَ ﴾ مقرّبون عندي مفضلون على سائر العباد، لما هم عليه من أحوال وصفات ليست لغيرهم، فذلك هو الذي غرّ منهم من زعم أنهم أولادي، تعاليت عن ذلك علواً كبيراً.

وقريء ﴿ مكرّمون ﴾ و ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ ﴾ بالضم، من: سابقته فسبقته أسبقه.

والمعنى: أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله.

والمراد: بقولهم، فأنيب اللام مناب الإضافة، أي لا يتقدّمون قوله بقولهم، كما تقول: سبقت بفرسي فرسه، وكما أنّ قولهم تابع لقوله، فعملهم أيضاً كذلك مبني على أمره: لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به.

وجميع ما يأتون ويذرون مما قدّموا وأخروا بعين الله، وهو مجازيهم عليه، فلإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويعمرون أوقاتهم.

ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم، ثم أنهم مع هذا كله من خشية الله ﴿ مُشْفِقُونَ ﴾ أي متوقعون من أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله.

وبعد أن وصف كرامتهم عليه، وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية.

فاجأ بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنه لا يكون، كما قال: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 88] قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًۭا فَفَتَقْنَـٰهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ٣٠

قرئ: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ بغير واو.

و ﴿ رَتْقاً ﴾ بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول، كالخلق والنقض، أي: كانتا مرتوقتين.

فإن قلت: الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنه مصدر، فما بال الرتق؟

قلت: هو على تقرير موصوف، أي: كانتا شيئاً رتقاً ومعنى ذلك: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما.

أو كانت السموات متلاصقات، وكذلك الأرضون لا فرج بينها ففتقها الله وفرّج بينها.

وقيل: ففتقناها بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة، وإنما قيل: كانتا دون كنّ، لأنّ المراد جماعة السموات وجماعة الأرض، ونحوه قولهم: لقاحان سوداوان، أي: جماعتان، فعل في المضمر نحو ما فعل في المظهر.

فإن قلت: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئيِّ المشاهد.

والثاني: أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل، فلا بدّ للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه ﴿ وَجَعَلْنَا ﴾ لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدّى إلى واحد، فالمعنى: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله: ﴿ والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء ﴾ [النور: 45] أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه، كقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ﴾ [الأنبياء: 37] وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى: صيرنا كل شيء حيّ بسبب من الماء لابد له منه.

و (من) هذا نحو (من) في قوله عليه السلام: «مَا أنَا مِنْ ددٍ ولا الددُ مِنْي» وقرئ ﴿ حيا ﴾ وهو المفعول الثاني.

والظرف لغو.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًۭا سُبُلًۭا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٣١ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًۭا مَّحْفُوظًۭا ۖ وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ ٣٢

أي كراهة ﴿ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ وتضطرب.

أو لئلا تميد بهم، فحذف (لا) واللام.

وإنما جاز حذف (لا) لعدم الالتباس، كما تزاد لذلك في نحو قوله: ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ [الحديد: 29] وهذا مذهب الكوفيين.

﴿ فجاجاً ﴾ الفج: الطريق الواسع.

فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف، فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى: ﴿ لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ [نوح: 20] قلت: لم تقدّم وهي صفة، ولكن جعلت حالاً كقوله: لِعَزَّةَ مُوحِشاً طَلَلٌ قَدِيم فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟

قلت: أحدهما الإعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة.

والثاني: بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهو بيان لما أبهم ثمة، محفوظاً حفظه بالإمساك بقدرته من أن يقع على الأرض ويتزلزل، أو بالشهب عن تسمع الشياطين على سكانه من الملائكة ﴿ عَنْ ءاياتها ﴾ أي عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها؛ على الحساب القويم والترتيب العجيب، الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة، وأيّ جهل أعظم من جهل من أعرض عنها ولم يذهب به وهمه إلى تدبرها؛ والاعتبار بها، والاستدلال على عظمة شأن من أوجدها عن عدم، ودبرها ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها مما لا يعرف كنهه إلا هو عزت قدرته ولطف علمه.

وقرئ ﴿ عن آيتها ﴾ على التوحيد، اكتفاء بالواحدة في الدلالة على الجنس أي: هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية، كالاستضاءة بقمريها، والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها، وهم عن كونها آية بينة على الخالق ﴿ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ ٣٣

﴿ كُلٌّ ﴾ التنوين فيه عوض من المضاف إليه، أي: كلهم ﴿ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ والضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة، جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها وهو السبب في جمعهما بالشموس والأقمار، وإلا فالشمس واحدة والقمر واحد، وإنما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.

فإن قلت: الجملة ما محلها؟

قلت: محلها النصب على الحال من الشمس والقمر.

فإن قلت: كيف استبدّ بهما دون الليل والنهار بنصب الحال عنهما؟

قلت: كما تقول: رأيت زيداً وهنداً متبرجة ونحو ذلك؛ إذا جئت بصفة يختص بها بعض ما تعلق به العامل.

ومنه قوله تعالى في هذه السورة ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ﴾ [الأنبياء: 72] أو لا محل لها لاستئنافها.

فإن قلت: لكل واحد من القمرين فلك على حدة، فكيف قيل: جميعهم يسبحون في فلك؟

قلت: هذا كقولهم (كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً) أي كل واحد منهم، أو كساهم وقلدهم هذين الجنسين، فاكتفى بما يدل على الجنس اختصاراً، ولأنّ الغرض الدلالة على الجنس.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍۢ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ أَفَإِي۟ن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ ٣٤ كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةًۭ ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٣٥

كانوا يقدّرون أنه سيموت فيشمتون بموته، فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا، أي: قضى الله أن لا يخلد في الدنيا بشراً، فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت، فإذا كان الأمر كذلك فإن مت أنت أيبقى هؤلاء؟

وفي معناه قول القائل: فَقُلْ لِلَّشامِتِينَ بِنَا أفِيقُوا ** سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا ﴿ وَنَبْلُوكُمْ ﴾ أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وإنما سمى ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم، لأنه في صورة الاختبار.

و ﴿ فِتْنَةً ﴾ مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ٣٦

الذكر يكون بخير وبخلافه، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد، كقولك للرجل: سمعت فلاناً يذكرك، فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء، وإن كان عدوّاً فذم.

ومنه قوله تعالى: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 60] وقوله: ﴿ أهذا الذى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ ﴾ والمعنى أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم وما يجب أن لا تذكر به، من كونهم شفعاء وشهداء.

ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك.

وأما ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدّقون به أصلاً فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا منك، فإنك محق وهم مبطلون.

وقيل معنى ﴿ بِذِكْرِ الرحمن ﴾ قولهم: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة.

وقولهم ﴿ وَمَا الرحمن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ [الفرقان: 60] وقيل: ﴿ بِذِكْرِ الرحمن ﴾ بما أنزل عليك من القرآن.

والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزؤا.

وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله.

<div class="verse-tafsir"

خُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ مِنْ عَجَلٍۢ ۚ سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ٣٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣٨

كانوا يستعجلون عذاب الله ونزول آياته الملجئة إلى العلم والإقرار ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد ﴾ فأراد نهيهم عن الاستعجال وزجرهم، فقدم أولاً ذم الإنسان على إفراط العجلة، وأنه مطبوع عليها، ثم نهاهم وزجرهم، كأنه قال: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه أراد بالإنسان آدم عليه السلام، وأنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن يقوم.

وروي: أنه لما دخل الروح في عينه نظر إلى ثمار الجنة، ولما دخل جوفه اشتهى الطعام.

وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فأسرع في خلقه قبل مغيبها.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه النضر بن الحارث.

والظاهر أن المراد الجنس.

وقيل: (العجل): الطين، بلغة حِمْيَر.

وقال شاعرهم: وَالنَّخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْعَجَلِ والله أعلم بصحته.

فإن قلت: لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَكَانَ الإنسان عَجُولاً ﴾ [الإسراء: 11] أليس هذا من تكليف ما لا يطاق؟

قلت: هذا كما ركب في الشهوة وأمره أن يغلبها.

لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.

وقرئ: ﴿ خلق الإنسان ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٣٩ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةًۭ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٤٠

جواب ﴿ لَوْ ﴾ محذوف.

و ﴿ حِينَ ﴾ مفعول به ليعلم، أي لو يعلمون الوقت الذي يستعلمون عنه بقولهم ﴿ متى هذا الوعد ﴾ وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدّام، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عندهم.

ويجوز أن يكون ﴿ يَعْلَمْ ﴾ متروكاً بلا تعدية، بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين.

وحين: منصوب بمضمر، أي حين ﴿ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار ﴾ يعلمون أنهم كانوا على الباطل وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم، أي: لا يكفونها، بل تفجؤهم فتغلبهم يقال للمغلوب في المحاجة: مبهوت ومنه: ﴿ فبهت الذي كفر ﴾ [البقرة: 253] ، أي: غلب إبراهيم عليه السلام الكافر.

وقرأ الأعمش: يأتيهم.

فيبهتهم، على التذكير.

والضمير للوعد أو للحين.

فإن قلت: فإلام يرجع الضمير المؤنث في هذه القراءة؟

قلت: إلى النار أو إلى الوعد، لأنه في معنى النار وهي التي وعدوها أو على تأويل العدة أو الموعدة.

أو إلى الحين، لأنه في معنى الساعة.

أو إلى البغتة.

وقيل في القراءة الأولى: الضمير للساعة.

وقرأ الأعمش: بغتة، بفتح الغين ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ تذكير بإنظاره إياهم وإمهاله، وتفسيح وقت التذكر عليهم، أي: لا يمهلون بعد طول الإمهال.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٤١

سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء عليهم السلام أسوة وأن ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء عليهم السلام ما فعلوا.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ٤٢

﴿ مّنَ الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه ﴿ بَلْ هُمْ ﴾ معرضون عن ذكره لا يخطرونه ببالهم، فضلاً أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكاليء وصلحوا للسؤال عنه.

والمراد أنه أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بسؤالهم عن الكاليء، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ ٤٣

ثم أضرب عن ذلك بما في (أم) من معنى (بل) وقال: ﴿ أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ ﴾ من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا.

ثم استأنف فبين أنّ ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد، كيف يمنع غيره وينصره؟

<div class="verse-tafsir"

بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ۚ أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٤٤

ثم قال: بل ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعاً لهم بالحياة الدنيا وإمهالاً، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم ﴿ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ ﴾ الأمد، وامتدت بهم أيام الروح والطمأنينة، فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنهم واستمتاعهم، وذلك طمع فارغ وأمد كاذب ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا ﴾ ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردّها دار إسلام.

فإن قلت: أي فائدة في قوله: ﴿ نَأْتِى الأرض ﴾ ؟

قلت فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌۭ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٤٦

قرئ: ﴿ وَلاَ يَسْمَعُ الصم ﴾ ولا تسمع الصم، بالتاء والياء، أي: لا تسمع أنت الصم، ولا يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يسمع الصم، من أسمع.

فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشر كما لا يسمعون دعاء المنذر.

فكيف قيل: ﴿ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ﴾ ؟

قلت: اللام في الصم إشارة إلى هؤلاء المنذرين، كائنة للعهد لا للجنس.

والأصل: ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدّهم أسماعهم إذا أنذروا.

أي: هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ من آيات الأنذار ﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ ﴾ من هذا الذي ينذرون به أدنى شيء، لأذعنوا وذلوا، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصاموا وأعرضوا.

وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات، لأنّ النفح في معنى القلة والنزارة.

يقال: نفحته الدابة وهو رمح يسير، ونفحه بعطية: رضخه.

ولبناء المرة.

<div class="verse-tafsir"

وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ ٤٧

وصفت ﴿ الموازين ﴾ بالقسط وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط.

أو على حذف المضاف، أي: ذوات القسط.

واللام في ﴿ لِيَوْمِ القيامة ﴾ مثلها في قولك: جئته لخمس ليال خلون من الشهر.

ومنه بيت النابغة: تَرَسَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ** لِسِتَّةِ أعْوَامِ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ وقيل: لأهل يوم القيامة، أي لأجلهم.

فإن قلت: ما المراد بوضع الموازين؟

قلت: فيه قولان، أحدهما: إرصاد الحساب السويّ، والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والنصفة، من غير أن يظلم عباده مثقال ذرّة، فمثل ذلك بوضع الموازين لتوزن بها الموزونات.

والثاني: أنه يضع الموازين الحقيقية ويزن بها الأعمال.

عن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان.

ويروى: أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه، ثم أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود، إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.

فإن قلت: كيف توزن الأعمال وإنما هي أعراض؟

قلت: فيه قولان، أحدهما: توزن صحائف الأعمال.

والثاني: تجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة.

وقرئ: (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) على (كان) التامة، كقوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ [البقرة: 280] وقرأ ابن عباس ومجاهد: ﴿ أَتَيْنَا بِهَا ﴾ وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وقرأ حميد ﴿ أثبنا بها ﴾ من الثواب.

وفي حرف أُبيّ ﴿ جئنا بها ﴾ .

وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى الحبة، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، أي: آتيناهما.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءًۭ وَذِكْرًۭا لِّلْمُتَّقِينَ ٤٨

أي: آتيناهما ﴿ ا لْفُرْقَانَ ﴾ وهو التوراة وأتينا به ﴿ ضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ والمعنى: أنه في نفسه ضياء وذكر.

أو آتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء وذكراً.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الفرقان: الفتح، كقوله: ﴿ يَوْمَ الفرقان ﴾ [الأنفال: 41] وعن الضحاك: فلق البحر.

وعن محمد بن كعب: المخرج من الشبهات.

وقرأ ابن عباس: ﴿ ضياء ﴾ بغير واو: وهو حال عن الفرقان.

والذكر: الموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم، أو الشرف.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ٤٩

محل ﴿ الذين ﴾ جرّ على الوصفية.

أو نصب على المدح.

أو رفع عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَهَـٰذَا ذِكْرٌۭ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ ۚ أَفَأَنتُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠

﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ﴾ هو القرآن.

وبركته: كثرة منافعه، وغزارة خيره.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَـٰلِمِينَ ٥١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ ٥٢ قَالُوا۟ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ ٥٣ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٥٤

الرشد: الاهتداء لوجوه الصلاح.

قال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ آنستم منهم رشداً فادفغوا إليهم أموالهم ﴾ [النساء: 6] وقرئ: ﴿ رشده ﴾ والرشد والرشد، كالعدم والعدم.

ومعنى إضافته إليه: أنه رشد مثله.

وأنه رشد له شأن ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي من قبل موسى وهارون عليهما السلام.

ومعنى علمه به: أنه علم منه أحوالاً بديعة وأسراراً عجيبة وصفات قد رضيها وأحمدها، حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في خير من الناس: أنا عالم بفلان، فكلامك هذامن الاحتواء على محاسن الأوصاف بمنزل ﴿ إِذْ ﴾ إما أن يتعلق بآتينا، أو برشده، أو بمحذوف، أي: اذكر من أوقات رشده هذا الوقت.

قوله: ﴿ مَا هذه التماثيل ﴾ تجاهل لهم وتغاب، ليحقر آلهتهم ويصغر شأنها، مع علمه بتعظيمهم وإجلالهم لها.

لم ينو للعاكفين مفعولاً، وأجراه مجرى ما لا يتعدى، كقولك: فاعلون العكوف لها أو واقفون لها.

فإن قلت: هلا قيل: عليها عاكفون، كقوله تعالى: ﴿ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾ [الأعراف: 138] ؟

قلت: لو قصد التعدية لعدّاه بصلته التي هي (على).

ما أقبح التقليد والقول المتقبل بغير برهان، وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حين استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم، وهم معتقدون أنهم على شيء، وجادّون في نصرة مذهبهم، ومجادلون لأهل الحق عن باطلهم، وكفى أهل التقليد سبة أنّ عبدة الأصنام منهم ﴿ أَنتُمْ ﴾ من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأنّ العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع.

ونحوه: اسكن أنت وزوجك الجنة، أراد أن المقلدين والمقلدين جميعاً، منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة، لاستناد الفريقين إلى غير دليل، بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع، لاستبعادهم أن يكون ما هم عليه ضلالاً.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ ٥٥

بقوا متعجبين من تضليله إياهم، وحسبوا أن ما قاله إنما قاله على وجه المزاح والمداعبة، لا على طريق الجدّ.

فقالوا له: هذا الذي جئتنا به، أهو جدّ وحق، أم لعب وهزل؟

<div class="verse-tafsir"

قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٥٦

الضمير في ﴿ فطَرَهُنَّ ﴾ للسموات والأرض.

أو للتماثيل، وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم، وأثبت للاحتجاج عليهم.

وشهادته على ذلك: إدلاؤه بالحجة عليه.

وتصحيحه بها كما تصحح الدعوى بالشهادة، كأنه قال: وأنا أبين ذلك وأبرهن عليه كما تبين الدعاوى بالبينات، لأني لست مثلكم، فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة.

كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم.

<div class="verse-tafsir"

وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ ٥٧ فَجَعَلَهُمْ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرًۭا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ٥٨

قرأ معاذ بن جبل ﴿ بالله ﴾ وقرئ ﴿ تولوا ﴾ بمعنى تتولوا.

ويقويها قوله: ﴿ فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ [الصافات: 90] .

فإن قلت: ما الفرق بين الباء والتاء؟

قلت: أن الباء هي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدلة منها، وأن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب، كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده وتأتيه، لأن ذلك كان أمراً مقنوطاً منه لصعوبته وتعذره.

ولعمري إن مثله صعب متعذر في كل زمان.

خصوصاً في زمن نمروذ مع عتوّه واستكباره وقوة سلطانه وتهالكه على نصرة دينه ولكن: إذَا اللَّهُ سَنَّى عِقْدَ شَيْءٍ تَيَسَّرا روي أن آزر خرج به في يوم عيد لهم، فبدؤا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفة، وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسرها، كلها بفأس في يده، حتى إذا لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه، عن قتادة: قال ذلك سرا من قومه، وروي: سمعه رجل واحد ﴿ جُذَاذاً ﴾ قطاعاً، من الجذ وهو القطع.

وقرئ بالكسر والفتح.

وقرئ: ﴿ جَذَذَاً ﴾ جمع جَذيذ، و ﴿ جذذاً ﴾ جمع جذة.

وإنما استبقى الكبير لأنه غلب في ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه، لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم، فيبكتهم بما أجاب به من قوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ ﴾ وعن الكلبي ﴿ إِلَيْهِ ﴾ إلى كبيرهم.

ومعنى هذا: لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك؟

قال هذا بناء على ظنه بهم، لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها.

أو قاله مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم واستجهالاً، وأن قياس حال من يسجد له ويؤهله للعبادة أن يرجع إليه في حل كل مشكل.

فإن قلت: فإذا رجعوا إلى الصنم بمكابرتهم لعقولهم ورسوخ الإشراك في أعراقهم، فأي فائدة دينية في رجوعهم إليه حتى يجعله إبراهيم صلوات الله عليه غرضاً؟

قلت: إذا رجعوا إليه تبين أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، وظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٩

أي أن من فعل هذا الكسر والحطم لشديد الظلم، معدود في الظلمة: إمّا لجرأته على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوقير والإعظام، وإمّا لأنهم رأوا إفراطاً في حطمها وتمادياً في الاستهانة بها.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ سَمِعْنَا فَتًۭى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ ٦٠ قَالُوا۟ فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ٦١

فإن قلت: ما حكم الفعلين بعد ﴿ سَمِعْنَا فَتًى ﴾ وأي فرق بينهما؟

قلت: هما صفتان لفتى، إلا أن الأوّل وهو ﴿ يَذْكُرُهُمْ ﴾ لابد منه لسمع، لأنك لا تقول: سمعت زيداً وتسكت، حتى تذكر شيئاً مما يسمع.

وأمّا الثاني فليس كذلك.

فإن قلت: ﴿ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ما هو؟

قلت: قيل هو خبر مبتدأ محذوف، أو منادى.

والصحيح أنه فاعل يقال، لأن المراد الاسم لا المسمى ﴿ على أَعْيُنِ الناس ﴾ في محل الحال، بمعنى معايناً مشاهداً، أي: بمرأى منهم ومنظر.

فإن قلت: فما معنى الاستعلاء في على؟

قلت: هو وارد على طريق المثل، أي: يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن فيها ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾ عليه بما سمع منه.

وبما فعله أو يحضرون عقوبتنا له.

روي أنّ الخبر بلغ نمروذ وأشراف قومه، فأمروا بإحضاره.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ٦٢ قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ ٦٣

هذا من معاريض الكلام ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الراضة من علماء المعاني.

والقول فيه أنّ قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا وصاحبك أمّيّ لا يحسن الخطّ ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة؟!

فقلت له: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته للأمّيّ أو المخرمش، لأنّ إثباته- والأمر دائر بينكما للعاجز منكما- استهزاء به وإثبات للقادر، ولقائل أن يقول: غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مرتبة، وكان غيظ كبيرها أكبر وأشدّ لم رأى من زيادة تعظيمهم له.

فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه.

ويجوز أن يكون حكاية لما يقول إلى تجويزه مذهبهم، كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم.

فإنّ من حق من يعبد ويدعى إلها أن يقدر على هذا وأشدّ منه.

ويحكى أنه قال: فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها.

وقرأ محمد بن السُّمَيْقَع ﴿ فعله كبيرهم ﴾ ، يعني: فلعله، أي فلعلّ الفاعل كبيرهم.

<div class="verse-tafsir"

فَرَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٦٤

فلما ألقمهم الحجر وأخذ بمخانقهم، رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: أنتم الظالمون على الحقيقة، لا من ظلمتموه حين قلتم: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥

نكسته: قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس: انقلب، أي: استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤا بالفكرة الصالحة، ثم انتكسوا وانقلبوا عن تلك الحالة، فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة، وأنّ هؤلاء- مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق- آلهة معبودة، مضارّة منهم.

أو انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم عليه السلام مجادلين عنه، حين نفوا عنها القدرة على النطق.

أو قلبوا على رؤسهم حقيقة، لفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخزالاً مما بهتهم به إبراهيم عليه السلام، فما أحاروا جواباً ما هو حجة عليهم.

وقرئ: ﴿ نكسوا ﴾ بالتشديد ونكسوا، على لفظ ما سمي فاعله، أي: نكسوا أنفسهم على رؤوسهم.

قرأ به رضوان ابن عبد المعبود.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ ٦٦ أُفٍّۢ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٦٧

﴿ أُفٍّ ﴾ صوت إذا صوّت به علم أنّ صاحبه متضجر، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم.

واللام لبيان المتأفف به.

أي: لكم ولآلهتكم هذا التأفف.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ ٦٨ قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ٦٩ وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًۭا فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ ٧٠

أجمعوا رأيهم- لما غلبوا- بإهلاكه؛ وهكذا المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة وافتضح، لم يكن أحد أبغض إليه من المحق.

ولم يبق له مفزع إلا مناصبته، كما فعلت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين عجزوا عن المعارضة والذي أشار بإحراقه نمروذ.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: رجل من أعراب العجم يريد الأكراد.

وروي: أنهم حين هموا بإحراقه، حبسوه ثم بنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى، وجمعوا شهراً أصناف الخشب الصلاب، حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعنّ خطباً لإبراهيم عليه السلام، ثم أشعلوا ناراً عظيمة كادت الطير تحترق في الجوّ من وهجها.

ثم وضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فرموا به فيها، فناداها جبريل عليه السلام ﴿ قُلْنَا يانار كُونِى بَرْداً وسلاما ﴾ ويحكى.

ما أحرقت منه إلا وثاقه.

وقال له جبريل عليه السلام حين رمي به: هل لك حاجة؟

فقال: أما إليك فلا.

قال: فسل ربك.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنما نجا بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل، وأطل عليه نمروذ من الصرح فإذا هو في روضة ومعه جليس له من الملائكة، فقال: إني مقرّب إلى إلهك، فذبح أربعة آلاف بقرة وكفّ عن إبراهيم، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه إذ ذاك ابن ست عشرة سنة.

واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء: «لا يعذب بالنار إلا خالقها» ومن ثم قالوا: ﴿ إِن كُنتُمْ فاعلين ﴾ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصراً مؤزراً، فاختاروا له أهول المعاقبات وهي الإحراق بالنار، وإلا فرّطتم في نصرتها.

ولهذا عظموا النار وتكلفوا في تشهير أمرها وتفخيم شأنها، ولم يألوا جهداً في ذلك.

جعلت النار لمطاوعتها فعل الله وإرادته كمأمور أمر بشيء فامتثله.

والمعنى: ذات برد وسلام، فبولغ في ذلك، كأن ذاتها برد وسلام.

والمراد: ابردي فيسلم منك إبراهيم.

أو ابردي برداً غير ضارّ.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها.

فإن قلت: كيف بردت النار وهي نار؟

قلت: نزع الله عنها طبعها الذي طبعها عليه من الحرّ والإحراق، وأبقاها على الإضاءة ﴿ والإشراق ﴾ والاشتعال كما كانت، والله على كل شيء قدير.

ويجوز أن يدفع بقدرته عن جسم إبراهيم عليه السلام أذى حرّها ويذيقه فيها عكس ذلك، كما يفعل بخزنة جهنم، ويدل عليه قوله: ﴿ على إبراهيم ﴾ وأرادوا أن يكيدوه ويمكروا به، فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين غالبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه بالمبكت، وفزعوا إلى القوّة والجبروت، فنصره وقوّاه.

<div class="verse-tafsir"

وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ ٧١

نجيا من العراق إلى الشام.

وبركاته الواصلة إلى العالمين: أن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم وآثارهم الدينية وهي البركات الحقيقية.

وقيل: بارك الله فيه بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب وطيب عيش الغنيّ والفقير.

وعن سفيان أنه خرج إلى الشام فقيل له: إلى أين؟

فقال: إلى بلد يملأ فيه الجراب بدرهم.

وقيل: ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس وروي: أنه نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.

<div class="verse-tafsir"

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةًۭ ۖ وَكُلًّۭا جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ ٧٢

النافلة: ولد الولد.

وقيل: سأل إسحاق فأعطيه، وأعطي يعقوب نافلة، أي: زيادة وفضلاً من غير سؤال.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِينَ ٧٣

﴿ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾ فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله فالهداية محتومة عليه مأمور هو بها من جهة الله، ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها، وأول ذلك أن يهتدي بنفسه؛ لأن الانتفاع بهداه أعم، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدي أميل ﴿ فِعْلَ الخيرات ﴾ أصله أن تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات، ثم فعل الخيرات.

وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

<div class="verse-tafsir"

وَلُوطًا ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍۢ فَـٰسِقِينَ ٧٤ وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٧٥

﴿ حُكْمًا ﴾ حكمة وهو ما يجب فعله.

أو فصلاً بين الخصوم.

وقيل: هو النبوّة.

والقرية: سدوم، أي: في أهل رحمتنا.

أو في الجنة.

ومنه الحديث: «هذه رحمتي أرحم بها من أشاء.» <div class="verse-tafsir"

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ٧٦ وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍۢ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ ٧٧

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل هؤلاء المذكورين.

هو (نصر) الذي مطاوعه (انتصر) وسمعت هذليا يدعو على سارق: اللهم انصرهم منه، أي: اجعلهم منتصرين منه.

والكرب: الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه.

<div class="verse-tafsir"

وَدَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ ۚ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ ٧٩ وَعَلَّمْنَـٰهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍۢ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنۢ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ ٨٠

أي: واذكرهما.

وإذ: بدل منهما.

والنفش: الانتشار بالليل.

وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما.

وقرئ: ﴿ لحكمهما ﴾ والضمير في ﴿ ففهمناها ﴾ للحكومة أو الفتوى.

وقرئ: ﴿ فأفهمناها ﴾ حكم داود بالغنم لصاحب الحارث فقال سليمان عليه السلام وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بالفريقين، فعزم عليه ليحكمنّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد، ثم يترادّان.

فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك.

فإن قلت: أحكما بوحي أم باجتهاد؟

قلت: حكما جميعاً بالوحي، إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان.

وقيل: اجتهدا جميعاً، فجاء اجتهاد سليمان عليه السلام أشبه بالصواب.

فإن قلت: ما وجه كل واحدة من الحكومتين؟

قلت: أمّا وجه حكومة داود عليه السلام، فلأن الضرر لما وقع بالغنم سلمت بجنايتها إلى المجني عليه، كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد إذ جنى على النفس: يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي رضي الله عنه: يبيعه في ذلك أو يفديه.

ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث.

ووجه حكومة سليمان عليه السلام أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث، من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحارث حتى يزول الضرر والنقصان، مثاله ما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب عبداً فأبق من يده: أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوّته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر ترادّا، فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟

قلت: أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم لا يرون فيه ضماناً بالليل أو بالنهار؛ إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل.

وفي قوله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ دليل على أنّ الأصوب كان مع سليمان عليه السلام.

وفي قوله ﴿ وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ دليل على أنهما جميعاً كانا على الصواب ﴿ يُسَبّحْنَ ﴾ حال بمعنى مسبحات.

أو استئناف.

كأن قائلاً قال: كيف سخرهنّ؟

فقال: يسبحن ﴿ والطير ﴾ إمّا معطوف على الجبال، أو مفعول معه، فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟

قلت: لأنّ تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدلّ على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق.

روي: أنه كان يمرّ بالجبال مسبحاً وهي تجاوبه.

وقيل: كانت تسير معه حيث سار.

فإن قلت: كيف تنطق الجبال وتسبح؟

قلت: بأن يخلق الله فيها الكلام كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى وجواب آخر: وهو أن يسبح من رآها تسير بتسيير الله، فلما حملت على التسبيح وصفت به ﴿ وَكُنَّا فاعلين ﴾ أي قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجباً عندكم وقيل: وكنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك.

اللبوس: الباس.

قال: سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ** وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا والمراد الدرع قال قتادة: كانت صفائح فأوّل من سردها وحلقها داود، فجمعت الخفة والتحصين ﴿ لِتُحْصِنَكُمْ ﴾ قرئ بالنون والياء والتاء، وتخفيف الصاد وتشديدها؛ فالنون لله عز وجل، والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع، والياء لداود أو للبوس.

<div class="verse-tafsir"

وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةًۭ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـٰلِمِينَ ٨١ وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًۭا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ ٨٢

قرئ: ﴿ الريح ﴾ و ﴿ الرياح ﴾ بالرفع والنصب فيهما؛ فالرفع على الابتداء، والنصب على العطف على الجبال.

فإن قلت: وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما؟

قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ [سبأ: 12] فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم: آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة.

وقيل كانت في وقت رخاء، وفي وقت عاصفاً؛ لهبوبها على حكم إرادته [(وكنا بكل شيء عالمين)]، وقد أحاط علمنا بكل شيء فنجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا.

أي: يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر، ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدائن والقصور واختراع الصنائع العجيبة، كما قال: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب وتماثيل ﴾ [سبأ: 13] والله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فساد في الجملة فيما هم مسخرون فيه.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّۢ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَـٰبِدِينَ ٨٤

أي: ناداه بأني مسني الضر.

وقرئ: (إني) بالكسر على إضمار القول أو لتضمن النداء معناه والضر- بالفتح-: الضرر في كل شيء، وبالضم: الضرر في النفس من مرض وهزال، فرق بين البناءين لافتراق المعنيين.

ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب.

ويحكى أنّ عجوزاً تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان بيتي على العصي!

فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حباً.

كان أيوب عليه السلام رومياً من ولد إسحاق بن يعقوب عليهم السلام، وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله: كان له سبعة بنين وسبع بنات، وله أصناف البهائم، وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله بذهاب ولده- انهدم عليهم البيت فهلكوا- وبذهاب ماله، وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة.

وعن قتادة: ثلاث عشرة سنة.

وعن مقاتل: سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات، وقالت له امرأته يوماً: لو دعوت الله، فقال لها: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم.

وروي: أن امرأته ولدت بعدُ ستة وعشرين ابنا أي: لرحمتنا العابدين وأنا نذكرهم بالإحسان لا ننساهم أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٨٥ وَأَدْخَلْنَـٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ ۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٦

قيل في ذي الكفل: هو إلياس.

وقيل: زكريا.

وقيل: يوشع بن نون، وكأنه سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله والمجدود على الحقيقة.

وقيل: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم.

وقيل: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: إسرائيل ويعقوب.

إلياس وذو الكفل.

عيسى والمسيح.

يونس وذو النون.

محمد وأحمد: صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

<div class="verse-tafsir"

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًۭا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٧

﴿ النون ﴾ الحوت، فأضيف إليه.

برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم، فراغمهم وظنّ أنّ ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضباً لله وأنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت.

ومعنى مغاضبته لقومه: أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها.

وقرأ أبو شرف ﴿ مغضباً ﴾ قريء: ﴿ نقدر ﴾ و ﴿ نقدّر ﴾ مخففاً ومثقلاً ويقدر، بالياء بالتخفيف.

ويقدر.

ويقدّر، على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً.

وفسرت بالتضييق عليه، وبتقدير الله عليه عقوبة.

وعن ابن عباس: أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك.

قال: وما هي يا معاوية، فقرأ هذه الآية وقال: أو يظن نبيّ الله أن لا يقدر عليه؟

قال: هذا من القدر لامن القدرة.

والمخفف يصح أن يفسر بالقدرة، على معنى: أن لن نعمل فيه قدرتنا، وأن يكون من باب التمثيل، بمعنى: فكانت حاله ممثلة بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمر الله.

ويجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم يردعه ويرده بالبرهان، كما يفعل المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ [الأحزاب: 10] والخطاب للمؤمنين ﴿ فِى الظلمات ﴾ أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت، كقوله: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات ﴾ [البقرة: 17] وقوله: ﴿ يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات ﴾ [البقرة: 257] وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل.

وقيل: ابتلع حوتَهُ حوتٌ أكبر منه، فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمة البحر.

﴿ أَنْ ﴾ أي بأنه ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ ﴾ أو بمعنى (أي) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ مكروبٍ يدعَو بهذا الدعاءِ إلا استجيبَ له» وعن الحسن: ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ ٨٨

﴿ نُنَجّى ﴾ ﴿ وننجي ﴾ ﴿ ونجي ﴾ والنون لا تدغم في الجيم، ومن تمحل لصحته فجعله فعل وقال نجى النجاء المؤمنين- فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره ونصب المؤمنين بالنجاء- فمتعسف بارد التعسف.

<div class="verse-tafsir"

وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ ٨٩ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًۭا وَرَهَبًۭا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ ٩٠

سأل ربه أن يرزقه ولداً يرثه ولا يدعه وحيداً بلا وارث، ثم ردّ أمره إلى الله مستسلماً فقال: ﴿ وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين ﴾ أي إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي، فإنك خير وارث.

إصلاح زوجه: أن جعلها صالحة للولادة بعد عقرها.

وقيل: تحسين خلقها وكانت سيئة الخلق ﴿ إنهم ﴾ الضمير للمذكورين من الأنبياء عليهم السلام يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في تحصيلها كما يفعل الراغبون في الأمور الجادون.

وقرئ ﴿ رَغَباً وَرَهَباً ﴾ بالإسكان، وهو كقوله تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَّحْمَةِ رَبّهِ ﴾ [الزمر: 9] .

﴿ خاشعين ﴾ قال الحسن: ذللا لأمر الله.

وعن مجاهد: الخشوع الخوف الدائم في القلب.

وقيل: متواضعين.

وسئل الأعمش فقال: أما إني سألت إبراهيم فقال: ألا تدري؟

قلت: أفدني.

قال: بينه وبين الله إذا أرخى ستره وأغلق بابه، فلير الله منه خيراً، لعلك ترى أنه أن يأكل خشناً ويلبس خشناً ويطأطيء رأسه.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَـٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ٩١

﴿ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ [مريم: 20] .

فإن قلت: نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه.

قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ [الحجر: 29] أي أحييته.

وإذا ثبت ذلك كان قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ﴾ ظاهر الإشكال؛ لأنه يدل على إحياء مريم قلت: معناه نفخنا الروح في عيسى فيها، أي: أحييناه في جوفها.

ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان، أي: نفخت في المزمار في بيته.

ويجوز أن يراد: وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام؛ لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها.

فإن قلت: هلا قيل آيتين كما قال: ﴿ وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ ﴾ [الإسراء: 12] ؟

قلت: لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ٩٢

الأمّة: الملة، و ﴿ هذه ﴾ إشارة إلى ملة الإسلام، أي: إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشارإليها ملة واحدة غير مختلفة ﴿ وَأَنَا ﴾ إلهكم إله واحد ﴿ فاعبدون ﴾ ونصب الحسن أمّتكم على البدل من هذه، ورفع أمّة خبراً.

وعنه رفعهما جميعاً خبرين لهذه.

أو نوى للثاني مبتدأ، والخطاب للناس كافة.

<div class="verse-tafsir"

وَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

والأصل: وتقطعتم، إلا أن الكلام حرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله.

والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً، كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه، فيطير لهذا نصيب ولذاك نصيب، تمثيلاً لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى.

ثم توعدهم بأنّ هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم.

<div class="verse-tafsir"

فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَـٰتِبُونَ ٩٤

الكفران: مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله: شكور.

وقد نفى نفي الجنس ليكون أبلغ من أن يقول: فلا نكفر سعيه ﴿ وَإِنَّا لَهُ كاتبون ﴾ أي نحن كاتبو ذلك السعي ومثبتوه في صحيفة عمله، وما نحن مثبتوه فهو غير ضائع ومثاب عليه صاحبه.

<div class="verse-tafsir"

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ٩٥ حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍۢ يَنسِلُونَ ٩٦

استعير الحرام للممتنع وجوده.

ومنه قوله عز وجلّ: ﴿ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين ﴾ [الأعراف: 50] أي منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم.

وقرئ: ﴿ حرم ﴾ و ﴿ حرم ﴾ ، بالفتح والكسر.

وحرّم وحرّم.

ومعنى ﴿ أهلكناها ﴾ عزمنا على إهلاكها.

أو قدّرنا إهلاكها.

ومعنى الرجوع: الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة ومجاز الآية: أن قوماً عزم الله على إهلاكهم غير متصوّر أن يرجعوا وينيبوا، إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويقولون: ﴿ ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالمين ﴾ [الأنبياء: 97] يعني: أنهم مطبوع على قلوبهم فلا يزالون على كفرهم ويموتون عليه حتى يروا العذاب.

وقرئ: ﴿ إنهم ﴾ بالكسر.

وحق هذا أن يتمّ الكلام قبله، فلا بدّ من تقدير محذوف، كأنه قيل: وحرام على قرية أهلكناها ذاك.

وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك.

والقراءة بالفتح يصح حملها على هذا؟

أي: لأنهم لا يرجعون ولا صلة على الوجه الأوّل.

فإن قلت: بم تعلقت ﴿ حتى ﴾ واقعة غاية له، وآية الثلاث هي؟

قلت: هي متعلقة بحرام، وهي غاية له لأنّ امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي ﴿ حتى ﴾ التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكيّ: الجملة من الشرط والجزاء، أعني: (إذا) وما في حيزها حذف المضاف إلى ﴿ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴾ وهو سدّهما، كما حذف المضاف إلى القرية وهو أهلها.

وقيل: فتحت كما قيل: ﴿ أهلكناها ﴾ وقرئ ﴿ آجوج ﴾ وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج ﴿ وَهُمْ ﴾ راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر وقيل: هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السدّ.

الحدب: النشز من الأرض.

وقرأ ابن عباس رضي الله عنه ﴿ من كل جدث ﴾ وهو القبر، الثاء: حجازية، والفاء: تميمية.

وقرئ: ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ بضم السين ونسل وعسل: أسرع.

<div class="verse-tafsir"

وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍۢ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ٩٧

و ﴿ إِذَا ﴾ هي إذا المفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادّة مسدّ الفاء، كقوله تعالى: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الروم: 36] فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ولو قيل: إذا هي شاخصة.

أو فهي شاخصة، كان سديداً ﴿ هِىَ ﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره، كما فسر الذين ظلموا وأسروا ﴿ ياويلنآ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: يقولون يا ويلنا، ويقولون: في موضع الحال من الذين كفروا.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨ لَوْ كَانَ هَـٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةًۭ مَّا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّۭ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٩٩ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ١٠٠

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ يحتمل الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم.

ويصدّقه ما روي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليهم ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الآية، فأقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟

فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوه.

فقال ابن الزبعرى: أأنت قلت ذلك؟

قال: نعم.

قال: قد خصمتك ورب الكعبة.

أليس اليهود عبدوا عزيراً، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] يعني عزيراً والمسيح والملائكة عليهم السلام.

فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟

قلت: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غمّ وحسرة، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم.

والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب، ولأنهم قدّروا، أنهم يستشفعون بهم في الآخرة ويستنفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.

فإن قلت إذا عنيت بما تعبدون الأصنام، فما معنى ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ ؟

قلت: إذا كانوا هم وأصنامهم في قرن واحد، جاز أن يقال: لهم زفير، وإن لم يكن الزافرين إلا هم دون الأصنام للتغليب ولعدم الإلباس.

والحصب: المحصوب، أي يحصب بهم في النار.

والحصب: الرمي.

وقرئ بسكون الصاد، وصفاً بالمصدر.

وقرئ ﴿ حطب ﴾ و ﴿ حضب ﴾ بالضاد متحركاً وساكناً وعن ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون.

ويجوز أن يصمهم الله كما يعميهم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ١٠١ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـٰلِدُونَ ١٠٢ لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ١٠٣

﴿ الحسنى ﴾ الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن: إمّا السعادة، وإما البشرى بالثواب وإما التوفيق للطاعة، يروى أنّ علياً رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة فقام يجرّ رداءه وهو يقول: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾ والحسيس: الصوت يحس، والشهوة: طلب النفس اللذة.

وقرئ: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ ﴾ من أحزن.

و ﴿ الفزع الأكبر ﴾ قيل: النفخة الأخيرة، لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ﴾ [النمل: 87] وعن الحسن: الانصراف إلى النار.

وعن الضحاك: حين يطبق على النار.

وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، أي ﴿ وتتلقاهم ﴾ تستقبلهم ﴿ الملائكة ﴾ مهنئين على أبواب الجنة.

ويقولون: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم قد حلّ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍۢ نُّعِيدُهُۥ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ ١٠٤

العامل في ﴿ يَوْمَ نَطْوِى ﴾ لا يحزنهم.

أو الفزع.

أو تتلقاهم.

وقرئ ﴿ تطوى السماء ﴾ على البناء للمفعول و ﴿ السجل ﴾ بوزن العتلّ والسجل بلفظ الدلو.

وروي فيه الكسر: وهو الصحيفة، أي: كما يطوى الطومار للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو: لما يكتب فيه؛ لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء؛ ثم يوقع على المكتوب، ومن جمع فمعناه: للمكتوبات، أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة.

وقيل ﴿ السجل ﴾ : ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه.

وقيل: كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

والكتاب- على هذا- اسم الصحيفة المكتوب فيها ﴿ أَوَّلَ خَلْقٍ ﴾ مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ والكاف مكفوفة بما.

والمعنى: نعيد أوّل الخلق كما بدأناه، تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء: فإن قلت: وما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟

قلت: أوّله إيجاده عن العدم، فكما أوجده أولا عن عدم، يعيده ثانياً عن عدم فإن قلت: ما بال ﴿ خَلْقٍ ﴾ منكراً؟

قلت: هو كقولك: هو أوّل رجل جاءني، تريد أوّل الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً، فكذلك معنى ﴿ أَوَّلَ خَلْقٍ ﴾ : أوّل الخلق، بمعنى: أوّل الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع.

ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ وما موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده.

وأول خلق: ظرف لبدأنا، أي: أوّل ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى ﴿ وَعْداً ﴾ مصدر مؤكد، لأنّ قوله: ﴿ نُّعِيدُهُ ﴾ عدة للإعادة ﴿ إِنَّا كُنَّا فاعلين ﴾ أي قادرين على أن نفعل ذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ ١٠٥

عن الشعبي رحمة الله عليه: زبور داود عليه السلام، والذكر: التوراة.

وقيل اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب.

والذكر: أم الكتاب، يعني اللوح، أي: يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار، كقوله تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ [الأعراف: 137] ، ﴿ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128] وعن ابن عباس رضي الله عنه: هي أرض الجنة.

وقيل: الأرض المقدّسة، ترثها أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغًۭا لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ ١٠٦

الإشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة.

والبلاغ: الكفاية وما تبلغ به البغية.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٠٧

أرسل صلى الله عليه وسلم ﴿ رَحْمَةً للعالمين ﴾ لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه.

ومن خالف ولم يتبع.

فإنما أتى من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها.

ومثاله: أن يفجر الله عينا غديقة، فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا، فالعين المفجرة في نفسها، نعمة من الله ورحمة للفريقين، ولكن الكسلان محنة على نفسه؛ حيث حرمها ما ينفعها.

وقيل: كونه رحمة للفجار، من حيث أنّ عقوبتهم أخرت بسببه وأمنوا به عذاب الاستئصال.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٠٨

إنما لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم، كقولك: إنما زيد قائم، وإنما يقوم زيد.

وقد اجتمع المثالان في هذه الآية، لأن ﴿ إِنَّمَا يوحى إِلَىَّ ﴾ مع فاعله، بمنزلة: إنما يقوم زيد.

و ﴿ أَنَّمَا إلهكم إله واحد ﴾ بمنزلة: إنما زيد قائم.

وفائدة اجتماعهما: الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصور على استئثار الله بالوحدانية: وفي قوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ أن الوحي الوارد على هذا السنن موجب أن تخلصوا التوحيد لله، وأن تخلعوا الأنداد.

وفيه أن صفة الوحدانية يصح أن تكون طريقها السمع.

ويجوز أن يكون المعنى: أن الذي يوحي إلي، فتكون (ما) موصولة.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍۢ ۖ وَإِنْ أَدْرِىٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌۭ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩ إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ١١٠ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُۥ فِتْنَةٌۭ لَّكُمْ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ١١١

آذن منقول من أذن إذا علم، ولكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 279] وقول ابن حلزة: آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ والمعنى: أني بعد توليكم وإعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء، كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدرة فنبذ إليهم العهد، وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعاً بذلك ﴿ على سَوَاء ﴾ أي مستوين في الإعلام به، لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم، وقشر العصا عن لحائها و ﴿ مَّا تُوعَدُونَ ﴾ من غلبة المسلمين عليكم كائن لا محالة، ولا بد من أن يلحقكم بذلك الذلة والصغار، وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك لأن الله لم يعلمني علمه ولم يطلعني عليه، والله عالم لا يخفى عليه ما تجاهرون به من كلام الطعانين في الإسلام، و ﴿ مَا تَكْتُمُونَ ﴾ في صدوركم من الإحن والأحقاد للمسلمين، وهو يجازيكم عليه.

وما أدري لعلّ تأخير هذا الموعد امتحان لكم لينظر كيف تعلمون.

أو تمتيع لكم ﴿ إلى حِينٍ ﴾ ليكون ذلك حجة عليكم؛ وليقع الموعد في وقت هو فيه حكمة.

<div class="verse-tafsir"

قَـٰلَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢

قرئ ﴿ قل ﴾ وقال، على حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

و ﴿ رَبِّ احكم ﴾ على الاكتفاء بالكسرة ﴿ ورب احكم ﴾ على الضم ﴿ وربي أحكم ﴾ ، على أفعل التفضيل ﴿ وربي أحكم ﴾ من الإحكام، أمر باستعجال العذاب لقومه فعذبوا ببدر.

ومعنى ﴿ بالحق ﴾ لاتحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم، كما قال: «اشدد وطأتك على مضر» قرئ ﴿ تَصِفُونَ ﴾ بالتاء والياء.

كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم، ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وخذلهم.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ اقترب للناس حسابهم حاسبه الله حساباً يسيراً، وصافحه وسلم عليه كل نبيّ ذكر اسمه في القرآن» .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر