تفسير الكشاف سورة طه

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة طه

تفسيرُ سورةِ طه كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 99 دقيقة قراءة

تفسير سورة طه كاملةً (جار الله الزمخشري)

طه ١ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ٢ إِلَّا تَذْكِرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰ ٣ تَنزِيلًۭا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ٤

﴿ طه (1) ﴾ أبو عمرو فخم الطاء لاستعلائها.

وأمال الهاء وفخمها ابن كثير وابن عامر على الأصل، والباقون أمالوهما وعن الحسن رضي الله عنه: طه، وفسر بأنه أمر بالوطء، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يقوم في تهجدِهِ على إحدى رجليه فأُمِرَ بأَنْ يطأَ الأرضَ بقدمَيْهِ معاً وأن الأصل طأ، فقلبت همزته هاء أو قلبت ألفا في يطأ فيمن قال: لاَ هَنَاكَ الْمَرْتَعُ ثم بني عليه الأمر، والهاء للسكت ويجوز أن يكتفي بشطري الاسمين وهما الدالان بلفظهما على المسميين، والله أعلم بصحة ما يقال: إن (طاها) في لغة عك في معنى يا رجل، ولعل عكاً تصرفوا في (يا هذا) كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يا): (طا)، واختصروا هذا فاقتصروا على ها، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به: إنَّ السَّفَاهَةَ طَاهَا في خَلاَئِقِكُم ** لاَقَدَّسَ اللَّهُ أخلاَقَ الْمَلاَعِينِ الأقوال الثلاثة في الفواتح: أعني التي قدمتها في أول الكاشف عن حقائق التنزيل، هي التي يعوّل عليها الألباء المتقنون ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا ﴾ إن جعلت ﴿ طه (1) ﴾ تعديداً لأسماء الحروف على الوجه السابق ذكره فهو ابتداء كلام.

وإن جعلتها اسماً للسورة احتملت أن تكون خبراً عنها وهي في موضع المبتدأ، و ﴿ القرءان ﴾ ظاهر أوقع موقع الضمير لأنها قرآن، وأن يكون جواباً لها وهي قسم.

وقرئ ﴿ ما نزل عليك القرآن ﴾ ﴿ لتشقى ﴾ لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ [الشعراء: 3] والشقاء يجيء في معنى التعب.

ومنه المثل: أشقى من رائض مهر، أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة.

وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إنك شقى لأنك تركت دين آبائك، فأريد ردّ ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في درك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.

وروي أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل حتى اسمغدَتْ قدماهُ، فقالَ لَهُ جبريلُ عليه السلامُ: أبقِ على نفسِكَ فإنَّ لهَا علَيكَ حَقاً.

أي: ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وكل واحد من ﴿ لتشقى ﴾ و ﴿ تَذْكِرَةً ﴾ علة للفعل، إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط.

فإن قلت: أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى، كقوله تعالى: ﴿ أَن تَحْبَطَ أعمالكم ﴾ [الحجرات: 2] ؟

قلت: بلى، ولكنها نصبة طارئة، كالنصبة في ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ [الأعراف: 155] وأما النصبة في (تذكرة) فهي كالتي في ضربت زيداً، لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها.

فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿ تَذْكِرَةً ﴾ بدلا من محل ﴿ لتشقى ﴾ ؟

قلت: لا، لاختلاف الجنسين، ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي (إلا) فيه بمعنى (لكن) ويحتمل أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاقّ وتكاليف النبوّة، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة.

وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون تذكرة حالاً ومفعول له ﴿ لِّمَن يخشى ﴾ لمن يؤول أمره إلى الخشية، ولمن يعلم الله منه أنه يبدل بالكفر إيماناً وبالقسوة خشية.

في نصب ﴿ تَنزِيلاً ﴾ وجوه: أن يكون بدلاً من تذكرة إذا جعل حالاً، لا إذا كان مفعولاً له؛ لأن الشيء لا يعلل بنفسه، وأن ينصب بنزل مضمراً، وأن ينصب بأنزلنا؛ لأن معنى: ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلنا تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص وأن ينصب ب (يخشى) مفعولاً به.

أي: أَنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله، وهو معنى حسن وإعراب بيِّن.

وقرئ ﴿ تنزيل ﴾ بالرفع على خبر مبتدأ محذوف.

ما بعد ﴿ تَنزِيلاً ﴾ إلى قوله: ﴿ لَهُ الأسماء الحسنى ﴾ تعظيم وتفخيم لشأن المنزل، لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته، ولا يخلو من أن يكون متعلقه إما ﴿ تَنزِيلاً ﴾ نفسه فيقع صلة له، وإما محذوفاً فيقع صفة له.

فإن قلت: ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟

قلت: غير واحدة: منها: عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة.

ومنها أنّ هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة.

ومنها أنه قال أوّلاً: ﴿ أَنزَلْنَا ﴾ ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع، ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين: ويجوز أن يكون ﴿ أَنزَلْنَا ﴾ حكاية لكلام جبريل والملائكة النازلين معه.

﴿ والسموات العلى ﴾ وصف السموات بالعلى: دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.

<div class="verse-tafsir"

ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ٥ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ٦

قرئ ﴿ الرحمن ﴾ مجروراً صفة لمن خلق والرفع أحسن، لأنه إما أن يكون رفعاً على المدح على تقدير: هو الرحمن، وإما أن يكون مبتدأ مشاراً بلامه إلى من خلق.

فإن قلت: الجملة التي هي ﴿ عَلَى العرش استوى ﴾ ما محلها- إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح؟

قلت: إذا جررت فهي خبر مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن تكون كذلك وأن تكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضاً لشهرته في ذلك المعنى ومساواته ملك في مؤدّاه وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر.

ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت.

حتى أنّ من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأساً قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم: هو جواد.

ومنه قول الله عز وجل: ﴿ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: 64] أي هو بخيل، ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان ﴾ [المائدة: 64] أي هو جواد، من غير تصوّر يد ولا غل ولا بسط، والتفسير بالنعمة والتمحل للتثنية من ضيق الطعن والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام ﴿ وَمَا تَحْتَ الثرى ﴾ ما تحت سبع الأرضين.

عن محمد بن كعب وعن السدي: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ٧ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ٨

أي يعلم ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما أسررته في نفسك ﴿ وَأَخْفَى ﴾ منه وهو ما ستسره فيها.

وعن بعضهم: أن أخفى فعل ماضي، لا أفعل تفضيل يعنى: أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه، هو كقوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ [طه: 110] وليس بذاك.

فإن قلت كيف طابق الجزاء الشرط؟

قلت: معناه وإن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فأعلم أنه غنيّ عن جهرك، فإماأن يكون نهياً عن الجهر كقوله تعالى: ﴿ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول ﴾ [الأعراف: 205] وإما تعليماً للعباد أنّ الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر ﴿ الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن، وصفت بها الأسماء لأنّ حكمها حكم المؤنث كقولك: الجماعة الحسنى، ومثلها ﴿ مآرِبُ أخرى ﴾ [طه: 18] ، و ﴿ مِنْ ءاياتنا الكبرى ﴾ [طه: 23] .

والذي فضلت به أسماؤه في الحسن على سائر الأسماء: دلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الحسن.

<div class="verse-tafsir"

وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩ إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًۭى ١٠

قفاه بقصة موسى عليه السلام ليتأسى به في تحمل أعباء النبوّة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند الله الفوز والمقام المحمود.

يجوز أن ينتصب ﴿ إِذْ ﴾ ظرفاً للحديث، لأنه حدث أو لمضمر، أي: حين ﴿ رَءَا نَاراً ﴾ كان كيت وكيت.

أو مفعولاً ل (ذكر) استأذن موسى شعيباً عليهما السلام في الخروج إلى أمه وخرج بأهله، فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضلّ الطريق وتفرّقت ماشيته ولاماء عنده، وقدح فصلد زنده فرأى النار عند ذلك.

قيل: كانت ليلة جمعة ﴿ امكثوا اْ ﴾ أقيموا في مكانكم.

الإيناس: الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء، والإنس: لظهورهم، كما قيل الجنّ لاستتارهم وقيل: هو إبصار ما يؤنس به.

لما وجد منه الإيناس فكان مقطوعاً متيقناً، حققه لهم بكلمة (إن) ليوطن أنفسهم، ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين، بني الأمر فيهما على الرجاء والطمع وقال ﴿ لعلى ﴾ ولم يقطع فيقول: إني ﴿ ءَاتِيكُمْ ﴾ لئلا يعد ما ليس بمستيقن الوفاء به.

القبس: النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما.

ومنه قيل: المقبسة، لما يقتبس فيه من سعفة أو نحوها ﴿ هُدًى ﴾ أي قوماً يهدونني الطريق أو ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، عن مجاهد وقتادة؛ وذلك لأنّ أفكار الأبرار مغمورة بالهمة الدينية في جميع أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل.

والمعنى: ذوي هدى.

وإذا وجد الهداة فقدوجد الهدى.

ومعنى الاستعلاء في ﴿ عَلَى النار ﴾ أنّ أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في مررت بزيد: انه لصوق بمكان يقرب من زيد.

أو لأنّ المصطلين بها والمستمتعين بها إذا تكنفوها قياماً وقعوداً كانوا مشرفين عليها، ومنه قول الأعشى: وَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى وَالْمُحَلَّقُ <div class="verse-tafsir"

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ ١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى ١٢ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ١٤

قرأ أبو عمرو وابن كثير ﴿ أَنّي ﴾ بالفتح، أي: نودي بأني ﴿ أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ وكسر الباقون، أي: نودي فقيل يا موسى، أو لأنّ النداء ضرب من القول فعومل معاملته.

تكرير الضمير في ﴿ إنى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة.

روي أنه لما نودي ﴿ ياموسى ﴾ قال: من المتكلم؟

فقال له الله عز وجل: ﴿ إنى أَنَاْ رَبُّكَ ﴾ ، وأن إبليس وسوس إليه فقال: لعلك تسمع كلام شيطان.

فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست، وأسمعه بجميع أعضائي.

وروي: أنه حين انتهى رأى شجرة خضراء، من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد.

وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نوراً عظيماً فخاف وبهت، فألقيت عليه السكينة ثم نودي، وكانت الشجرة عوسجة، وروي: كلما دنا أو بعد لم يختلف ما كان يسمع من الصوت.

وعن ابن إسحاق: لما دنا استأخرت عنه، فلما رأى ذلك رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد الرجعة دنت منه، ثم كلم.

قيل: أُمر بخلع النعلين لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ عن السدي وقتادة.

وقيل: ليباشر الوادي بقدميه متبركاً به.

وقيل: لأن الحفوة تواضع لله، ومن ثم طاف السلف بالكعبة حافين، ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه، وكان إذا ندر منه الدخول منتعلاً تصدق، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها وتشريف لقدسها.

وروي: أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي ﴿ طُوًى ﴾ بالضم والكسر منصرف وغير منصرف بتأويل المكان والبقعة.

وقيل: مرتين، نحو ثنى أي نودي نداءين أو قدس الوادي كرة بعد كرة ﴿ وَأَنَا اخترتك ﴾ اصطفيتك للنبوّة.

وقرأ حمزة ﴿ وإنا اخترناك ﴾ لِمَا يوحى ا للذي يوحى.

أو للوحي.

تعلق اللام باستمع، أو باخترتك ﴿ لذكرى ﴾ لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلى لي.

أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد.

أو: لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها.

أو لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل لك لسان صدق.

أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري أو لإخلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر.

أو لتكون لي ذاكراً غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم، وأفكارهم به، قال: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ [النور: 37] أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة، كقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ [النساء: 103] واللام مثلها في قولك: جئتك لوقت كذا، وكان ذلك لست ليال خلون.

وقوله تعالى: ﴿ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ﴾ [الفجر: 24] وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها من قوله عليه الصلاة و السلام: «من نامَ عنْ صلاةِ أو نسيَها فليصلِها إذَا ذكرَهَا» وكان حق العبارة أن يقال: لذكرها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذَا ذكَرها» ومن يتمحلُ له يقول: إذا ذَكرَ الصلاةَ فقدْ ذكرَ اللَّهَ.

أو بتقدير حذف المضاف، أي: لذكر صلاتي.

أو لأن الذكر والنسيان من الله عز وجل في الحقيقة.

وقرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ﴿ للذكرى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ١٥

أي أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها؛ ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.

وقيل: معناه أكاد أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه مطرح.

والذي غرهم منه أن في مصحف أبيّ: أكاد أخفيها من نفسي.

وفي بعض المصاحف: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها وعن أبي الدرداء وسعيد بن جبير ﴿ أخْفيَهَا ﴾ بالفتح، من خفاه إذا أظهره، أي: قرب إظهارها كقوله تعالى: ﴿ اقتربت الساعة ﴾ [القمر: 1] وقد جاء في بعض اللغات: أخفاه بمعنى خفاه.

وبه فسر بيت امرئ القيس: فَإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لاَنْخفِهِ ** وَإنْ تَبْعَثُوا الْحَرْبَ لا نَقْعُدِ فأكاد أخفيها محتمل للمعنيين ﴿ لتجزى ﴾ متعلق بآية ﴿ بِمَا تسعى ﴾ بسعيها.

<div class="verse-tafsir"

فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ١٦

أي: لا يصدّنك عن تصديقها والضمير للقيامة، ويجوز أن يكون للصلاة.

فإن قلت: العبارة لنهي من لا يؤمن عن صدّ موسى، والمقصود نهي موسى عن التكذيب بالبعث أو أمره بالتصديق فكيف صلحت هذه العبارة لأداء هذا المقصود؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن صدّ الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب.

فذكر السبب ليدل على المسبب.

والثاني أن صدّ الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته، فذكر المسبب ليدل على السبب، كقولهم: لا أرينك ههنا، المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته.

وذلك سبب رؤيته إياه، فكان ذكر المسبب دليلاً على السبب، كأنه قيل: فكن شديد الشكيمة صليب المعجم حتى لا يتلوّح منك لمن يكفر بالبعث أنه يطمع في صدّك عما أنت عليه، يعني: أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجمّ الغفير إذ لا شيء أطمّ على الكفرة ولا هم أشد له نكيراً من البعث، فلا يهولنك وفور دهمائهم ولا عظم سوادهم، ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك، واعلم أنهم وإن كثروا تلك الكثرة فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه، لا البرهان وتدبره.

وفي هذا حثّ عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ١٧ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ١٨

﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى (17) ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وهذا بَعْلِى شَيْخًا ﴾ [هود: 72] في انتصاب الحال بمعنى الإشارة: ويجوز أن تكون ﴿ تِلْكَ ﴾ اسماً موصولاً صلته ﴿ بِيَمِينِكَ ﴾ إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه عزّ وعلا في الخشبة اليابسة من قلبها حية نضناضة وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه، وينبهه على قدرته الباهرة.

ونظيره أن يريك الزرّاد زبرة من حديد ويقول لك: ما هي؟

فتقول: زبرة حديد، ثم يريك بعد أيام لبوساً مسرداً فيقول لك: هي تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة وأنيق السرد.

قرأ ابن أبي إسحاق ﴿ عصيّ ﴾ على لغة هذيل.

ومثله ﴿ يا بشرى ﴾ [يوسف: 19] أرادوا كسر ما قبل ياء المتكلم فلم يقدروا عليه، فقبلوا الألف إلى أخت الكسرة وقرأ الحسن ﴿ عصاي ﴾ بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وهو مثل قراءة حمزة ﴿ بِمُصْرِخِىَّ ﴾ [إبراهيم: 22] وعن ابن أبي إسحاق: سكون الياء ﴿ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا ﴾ أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة.

[(وأهش بها على غنمي)] هشّ الورق: خبطه أي: أخبطه على رؤس غنمي تأكله.

وعن لقمان ابن عاد: أكلت حقاً وابن لبون وجذع، وهشة نخب وسيلاً دفع، والحمد لله من غير شبع، سمعته من غير واحد من العرب.

ونخب: واد قريب من الطائف كثير السدر.

وفي قراءة النخعي: أهشّ، وكلاهما من هشّ الخبز يهش: إذا كان ينكسر لهشاشته.

وعن عكرمة: أهس بالسين، أي: أنحى عليها زاجراً لها.

والهس: زجر الغنم.

[ ﴿ وَلِىَ فِيهَا مَئَارِبُ أخرى ﴾ ] ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة بالعصا، كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه الله تعالى فقال: ما هي إلا عصا لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان.

ليكون جوابه مطابقاً للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه، ويجوز أن يريد عزّ وجلّ أن يعدّد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها، ثم يريه على عقب ذلك الآية العظيمة، كأنه يقول له: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتدّ بها وتحتفل بشأنها؟

وقالوا: إنما سأله ليبسط منه ويقلل هيبته.

وقالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه، وقالوا: انقطع لسانه بالهيبة فأجمل، وقالوا: اسم العصا نبعة.

وقيل في المآرب: كانت ذات شعبتين ومحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظلّ وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه.

وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلواً، وتكونان شمعتين بالليل، وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه، ويركزها فينبع الماء، فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ ١٩ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ تَسْعَىٰ ٢٠

السعي: المشي بسرعة وخفة حركة.

فإن قلت: كيف ذكرت بألفاظ مختلفة: بالحية، والجانّ، والثعبان؟

قلت: أمّا الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير.

وأمّا الثعبان والجانّ فبينهما تناف: لأنّ الثعبان العظيم من الحيات، والجان الدقيق.

وفي ذلك وجهان: أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حيه تنقلب حية صفراء دقيقة، ثم تتورّم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعباناً، فأريد بالجان، أوّل حالها، وبالثعبان مآلها.

الثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جآنٌّ ﴾ [النمل: 10].

وقيل: كان لها عرف كعرف الفرس.

وقيل: كان بين لحييها أربعون ذراعاً.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ٢١

لما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفاز ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف وعن ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذكراً يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خاف ونفر.

وعن بعضهم: إنما خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.

وقيل: لما قال له ربه: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيها.

﴿ سِيرَتَهَا ﴾ السيرة: من السير، كالركبة من الركوب.

يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة، وقيل: سير الأوّلين، فيجوز أن ينتصب على الظرف، أي: سنعيدها في طريقتها الأولى، أي: في حال ما كانت عصا، وأن يكون (أعاد) منقولاً من (عاده) بمعنى عاد إليه.

ومنه بيت زهير: وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيَهَا عِدَاءً فيتعدى إلى مفعولين.

ووجه ثالث حسن: وهو أن يكون ﴿ سَنُعِيدُهَا ﴾ مستقلاً بنفسه غير متعلق بسيرتها، بمعنى أنها أنشئت أوّل ما أنشئت عصا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أوّلاً.

ونصب سيرتها بفعل مضمر، أي: تسير سيرتها الأولى: يعني سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ٢٢ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ٢٣

قيل لكل ناحيتين: جناحان، كجناحي العسكر لمجنبتيه، وجناحا الإنسان: جنباه، والأصل المستعار منه جناحاً الطائر.

سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران.

والمراد إلى جنبك تحت العضد، دل على ذلك قوله: ﴿ تَخْرُجْ ﴾ السوء: الرداءة والقبح في كل شيء، فكني به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة، وكان جذيمة صاحب الزباء أبرص فكنوا عنه بالأبرش.

والبرص أبغض شيء إلى العرب.

وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مجاجة، فكان جديراً بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا ألطف ولا أحز للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه.

يروي: أنه كان آدم فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يعشي البصر.

﴿ بَيْضآءَ ﴾ و ﴿ ءَايَةً ﴾ حالان معاً.

و ﴿ مِنْ غَيْرِ سوا ءٍ ﴾ (من) صلة ل (بيضاء)، كما تقول: ابيضت من غير سوء، وفي نصب ﴿ ءَايَةً ﴾ وجه آخر، وهو أن يكون بإضمار نحو: خذ، ودونك، وما أشبه ذلك.

حذف لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف ﴿ لِنُرِيَكَ ﴾ أي خذ هذه الآية أيضاً بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى.

أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا.

أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك.

<div class="verse-tafsir"

ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ٢٥ وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ٢٦ وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى ٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ٢٨ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ٢٩ هَـٰرُونَ أَخِى ٣٠ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ٣١ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ٣٢ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ٣٥

لما أمره بالذهاب إلى فروعون الطاغي لعنه الله عرف أنه كلف أمراً عظيماً وخطباً جسيماً يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ويفسح قلبه، ويجعله حليماً حمولاً يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر بجميل الصبر وحسن الثبات، وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون ومقاساة جلائل الخطوب.

فإن قلت: ﴿ لِى ﴾ في قوله: ﴿ اشرح لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لى أَمْرِى (26) ﴾ ما جدواه والكلام بدونه مستتب؟

قلت: قد أبهم الكلام أولاً فقيل: اشرح لي ويسر لي، فعلم أن ثم مشروحاً وميسراً، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح والتيسير لصدره وأمره، من أن يقول: اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج، لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل.

عن ابن عباس: كان في لسانه رتة لما روي من حديث الجمرة ويروي: أن يده احترقت، وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ، ولما دعاه قال: إلى أي رب تدعوني؟

قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها.

وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المواكلة.

واختلف في زوال العقدة بكمالها فقيل: ذهب بعضها وبقي بعضها، لقوله تعالى: ﴿ وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً ﴾ [القصص: 34] وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ [الزخرف: 52] وكان في لسان الحسين بن علي رضي الله عنهما رتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ورثَها منْ عمِهِ مِوسَى» وقيل: زالت بكمالها لقوله تعالى: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ﴾ [طه: 36] وفي تنكير العقدة- وإن لم يقل عقدة لساني-: أنه طلب حلّ بعضها إرادة أن يفهم عنه فهماً جيداً، ولم يطلب الفصاحة الكاملة، و ﴿ مِّن لِّسَانِى ﴾ صفة للعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني.

﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي ﴾ الوزير من الوزر، لأنه يتجمل عن الملك أوزاره ومؤنه.

أو من الوزر، لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه في أموره.

أو من المؤازرة وهي المعاونة.

عن الأصمعي قال: وكان القياس أزيراً، فقلبت الهمزة إلى الواو، ووجه قلبها أنّ فعيلاً جاء في معنى مفاعل مجيئاً صالحاً، كقولهم: عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظراً إلى يوازر وأخواته، وإلى الموازرة.

﴿ وَزِيراً ﴾ و ﴿ هارون ﴾ مفعولاً قوله ﴿ واجعل ﴾ قدم ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة.

أو ﴿ لّى وَزِيراً ﴾ مفعولاه، وهارون عطف بيان للوزير.

و ﴿ أَخِى ﴾ في الوجهين بدل من هارون، وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن.

قرؤوا جميعاً ﴿ اشدد ﴾ ﴿ وَأَشْرِكْهُ ﴾ على الدعاء.

وابن عامر وحده ﴿ اشدُد ﴾ و ﴿ أُشركه ﴾ على الجواب.

وفي مصحف ابن مسعود ﴿ أخي واشدد ﴾ وعن أبيّ بن كعب ﴿ أشركه في أمري واشدد به أزري ﴾ ويجوز فيمن قرأ على لفظ الأمر: أن يجعل ﴿ أَخِى ﴾ مرفوعاً على الابتداء: و ﴿ اشدد بِهِ ﴾ خبره، ويوقف على ﴿ هارون ﴾ الأزر: القوّة.

وأزره: قوّاه، أي: اجعله شريكي في الرسالة حتى نتعاون على عبادتك وذكرك، فإن التعاون- لأنه مهيج الرغبات- يتزايد به الخير ويتكاثر ﴿ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً (35) ﴾ أي عالماً بأحوالنا وبأن التعاضد مما يصلحنا، وأن هارون نعم المعين والشادّ لعضدي، بأنه أكبر مني سناً وأفصح لساناً.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ ٣٦

السؤل: الطِّلبة، فعل بمعنى مفعول، كقولك: خبز، بمعنى مخبوز.

وأكل، بمعنى مأكول.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ٣٧ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ٣٩

الوحي إلى أم موسى: إما أن يكون على لسان نبيّ في وقتها، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين ﴾ [المائدة: 111] أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة، كما بعث إلى مريم.

أو يريها ذلك في المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله تعالى: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ [النحل: 68] أي أوحينا إليها أمراً لا سبيل إلى التوصل إليه ولا إلى العلم به إلا بالوحي، وفيه مصلحة دينية فوجب أن يوحي ولا يخلّ به، أي: هو مما يوحى لا محالة وهو أمر عظيم، مثله يحق بأن يوحي ﴿ أَنِ ﴾ هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول.

القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ﴾ [الأحزاب: 26] وكذلك الرمي قال: غُلاَمٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعَا أي حصل فيه الحسن ووضعه فيه، والضمائر كلها راجعة إلى موسى.

ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة، لما يؤدي إليه من تنافر النظم.

فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل.

قلت: ما ضرّك لو قلت: المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت؟

حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدّي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر.

لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته أن لا تخطيء جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وألقاه إليه، سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز، أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه، فقيل ﴿ فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ﴾ روي أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً، فوضعته فيه وجصصته وقيرته، ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بركة مع آسية إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج ففتح، فإذا صبيّ أصبح الناس وجهاً، فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه.

وظاهر اللفظ على أنّ البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه: لأنّ الماء يسحله أي يقشره وقذف به ثمة فالتقط من الساحل، إلا أن يكون قد ألقاه اليم بموضع من الساحل فيه فوّهة نهر فرعون، ثم أدّاه النهر إلى حيث البركة وألقيت عليك محبة مني ﴿ مِّنِّى ﴾ لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت، فيكون المعنى على: أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب.

وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة، أي: محبة حاصلة أو واقعة مني، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك.

روي: أنه كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه ﴿ وَلِتُصْنَعَ على عينى ﴾ لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، وتقول للصانع: اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي وبغيتي.

ولتصنع: معطوف على علة مضمرة، مثل: ليتعطف عليك وترأم ونحوه.

أو حذف معلله، أي: ولتصنع فعلت ذلك.

وقريء: ﴿ ولتصنع ﴾ و(لتصنع)، بكسر اللام وسكونها.

والجزم على أنه أمر وقرئ: ﴿ ولتصنع ﴾ بفتح التاء والنصب، أي: وليكون عملك وتصرفك على عين مني.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًۭا فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ ٤٠ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ٤١

العامل في ﴿ إِذْ تمشى ﴾ (ألقيت) أو (لتصنع) ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ ﴾ فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟

قلت: كما يصح- وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه- أن يقول لك الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك.

وربما لقيه هو في أوّلها وأنت في آخرها.

يروى أن أخته واسمها مريم جاءت متعرّفة خبره، فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت: هل أدلكم؟

فجاءت بالأمّ فقبل ثديها.

ويروى أن آسية استوهبته من فرعون وتبنته، وهي التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع.

﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً ﴾ هي نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي.

قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة: اغتمّ بسبب القتل خوفاً من عقاب الله ومن اقتصاص فرعون، فغفر الله له باستغفاره حين قال ﴿ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى ﴾ [القصص: 16] ونجاه من فرعون أن ينشب فيه أظفاره حين هاجر به إلى مدين ﴿ فُتُوناً ﴾ يجوز أن يكون مصدراً على فعول في المتعدّي، كالثبور والشكور والكفور.

وجمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور، في حجزة وبدرة: أي فتناك ضروباً من الفتن.

سأل سعيد بن جبير بن عباس رضي الله عنه، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة: ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، فهذه فتنة يا ابن جبير.

وألقته أمّه في البحر.

وهمّ فرعون بقتله.

وقتل قبطياً وأجر نفسه عشر سنين.

وضلّ الطريق وتفرّقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير، والفتنة: المحنة، وكل ما يشق على الإنسان وكل ما يبتلي الله به عباده: فتنة قال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ﴾ [الأنبياء: 35] .

﴿ مَدْيَنَ ﴾ على ثماني مراحل من مصر.

وعن وهب: أنه لبث عند شعيب ثمانياً وعشرين سنة، منها مهر ابنته، وقضى أوفى الأجلين ﴿ ثَمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ يا موسى ﴾ أي سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك وفي وقت بعينه قد وقته لذلك، فما جئت إلا على ذلك القدر غير مستقدم ولا مستأخر.

وقيل: على مقدار من الزمان يوحي فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة ﴿ واصطنعتك لِنَفْسِى ﴾ .

هذا تمثيل لما خوّله من منزلة التقريب والتكريم والتكليم.

مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه وخصائص، أهلاً لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه، ولا ألطف محلاً، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، ولا يبصر ولا يسمع إلا بعينه وأذنه، ولا يأتمن على مكنون سره إلا سواء ضميره.

<div class="verse-tafsir"

ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ٤٢ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ٤٤

الونى.

الفتور والتقصير.

وقرئ ﴿ تنيا ﴾ بكسر حرف المضارعة للإتباع، أي: لا تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكري جناحاً تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد مني، معتقدين أن أَمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري.

ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلِّها وأعظمها، فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر.

روي: أن الله تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى.

وقيل: سمع بمقبله.

وقيل: ألهم ذلك.

قرئ ﴿ لينا ﴾ بالتخفيف والقول اللين.

نحو قوله تعالى: ﴿ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ فتخشى ﴾ [النازعات: 18] لأنّ ظاهره الاستفهام والمشورة، وعرض ما فيه من الفوز العظيم.

وقيل: عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن تبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.

وقيل: لا تجبهاه بما يكره، وألطفاً له في القول، لما له من حق تربية موسى عليه الصلاة والسلام، ولما ثبت له من مثل حق الأبّوة.

وقيل: كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرّة والترجي لهما، أي: اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه.

فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه.

وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأن لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أهلكناهم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك ﴾ [طه: 134] أي: يتذكر ويتأمّل فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق ﴿ أَوْ يخشى ﴾ أن يكون الأمر كما تصفان، فيجرّه إنكاره إلى الهلكة.

<div class="verse-tafsir"

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ٤٥

فرط: سبق وتقدّم.

ومنه الفارط: الذي يتقدّم الواردة.

وفرس فرط: يسبق الخيل، أي: نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها.

وقرئ ﴿ يفرط ﴾ من أفرطه غيره إذا حمله على العجلة.

خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب من شيطان، أو من جبروته واستكباره وادّعائه بالربوبية.

أو من حبه الرياسة، أو من قومه القبط المتمرّدين الذين حكى عنهم ربّ العزّة ﴿ قَالَ الملا مِن قَوْمِهِ ﴾ [الأعراف: 60] ﴿ قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ ﴾ [المؤمنون: 33] وقرئ ﴿ يفرط ﴾ من الإفراط في الأذية، أي: نخاف أن يحول بيننا وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة.

أو يجاوز الحدّ في معاقبتنا إن لم يعاجل، بناء على ما عرفا وجرّبا من شرارته وعتوّه ﴿ أَوْ أَن يطغى ﴾ بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته عليك وقسوة قلبه.

وفي المجيء به هكذا على الإطلاق وعلى سبيل الرمز: باب من حسن الأدب وتحاش عن التفوّه بالعظيمة.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦ فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ٤٧ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨

﴿ مَعَكُمَا ﴾ أي حافظكما وناصركما ﴿ أَسْمَعُ وأرى ﴾ ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصرتي لكما، فجائز أن يقدّر أقوالكم وأفعالكم، وجائز أن لا يقدّر شيء، وكأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر سامع مبصر.

وإذا كان الحافظ والناصر كذلك، تمّ الحفظ وصحت النصرة، وذهبت المبالاة بالعدوّ.

كانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون والقبط، يعذبونهم بتكليف الأعمال الصعبة: من الحفر والبناء ونقل الحجارة، والسخرة في كل شيء، مع قتل الولدان، واستخدام النساء ﴿ قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبِّكَ ﴾ جملة جارية من الجملة الأولى وهي ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ﴾ مجرى البيان والتفسير، لأنّ دعوى الرسالة لاتثبت إلا ببينتها التي هي المجيء بالآية، إنما وحد قوله ﴿ بآية ﴾ ولم يثن ومعه آيتان: لأنّ المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها، فكأنه قال: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة، وكذلك ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ [الأعراف: 105] ، ﴿ فأت بآية إن كنت من الصادقين ﴾ [الشعراء: 154] ، ﴿ أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيء مُّبِينٍ ﴾ [الشعراء: 30] ﴿ والسلام على من أتبع الهدى ﴾ يريد: وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين، وتوبيخ خزنة النار والعذاب على المكذبين.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ ٤٩ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠

خاطب الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى؛ لأنه الأصل في النبوّة، وهارون وزيره وتابعه.

ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه.

لما عرف من فصاحة هارون والرتة في لسان موسى.

ويدل عليه قوله: ﴿ أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين ﴾ [الزخرف: 52] ﴿ خَلَقَهُ ﴾ أول مفعولي أعطى، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به.

أو ثانيهما، أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان: كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة، غير ناب عنه.

أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة، حيث جعل الحصان والحِجر.

زوجين، والبعير والناقة، والرجل والمرأة، فلم يزاوج منها شيئاً غير جنسه وما هو على خلاف خلقه.

وقرئ ﴿ خَلَقَهُ ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي: كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه ﴿ ثُمَّ هدى ﴾ أي عرف كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه.

ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالباً للحق.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ٥١ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ٥٢ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ ٥٣ كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ٥٤

سأله عن حال من تقدم وخلا من القرون، وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد، فأجابه بأنّ هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، لا يجوز على الله أن يخطيء شيئاً أو ينساه.

يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له، كقولك: ضللت الطريق والمنزل.

وقرئ ﴿ يضل ﴾ من أضله إذا ضيعه.

وعن ابن عباس: لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا يترك من وحده حتى يجازيه.

ويجوز أن يكون فرعون قد نازعه في إحاطة الله بكل شيء وتبينه لكل معلوم، فتعنت، وقال: ما تقول في سوالف القرون، وتمادي كثرتهم، وتباعد أطراف عددهم، كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟

فأجاب بأنّ كل كائن محيط به علمه، وهو مثبت عنده في كتاب، ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان، كما يجوزان عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل، أي: لا يضلّ كما تضل أنت، ولا ينسى كما تنسى يا مدعي الربوبية بالجهل والوقاحة ﴿ الذى جَعَلَ ﴾ مرفوع صفة لربي.

أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح، وهذا من مظانه ومجازه ﴿ مَهْداً ﴾ قراءة أهل الكوفة، أي: مهدها مهداً.

أو يتمهدونها فهي لهم كالمهد وهو ما يمهد للصبي ﴿ وَسَلَكَ ﴾ من قوله تعالى: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾ [المدثر: 42] ، ﴿ سَلَكْنَاهُ ﴾ [الشعراء: 200] ، ﴿ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين ﴾ [الحجر: 12] أي حصل لكم فيها سبلاً ووسطها بين الجبال والأودية والبراري ﴿ فَأَخْرَجْنَا ﴾ انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع، لما ذكرت من الافتنان والإيذان بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره، وتذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، لا يمتنع شيء عن إرادته.

ومثله قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيْء ﴾ [الأنعام: 99] ، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ [فاطر: 27] ، ﴿ أَمَّنْ خَلَقْنَا السماوات والارض وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مآء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ [النمل: 60] وفيه تخصيص أيضاً بأنا نحن نقدر على مثل هذا، ولا يدخل تحت قدرة أحد ﴿ أزواجا ﴾ أصنافاً، سميت بذلك لأنها مزدوجة ومقترنة بعضها مع بعض ﴿ شتى ﴾ صفة للأزواج، جمع شتيت، كمريض ومرضى.

ويجوز أن يكون صفة للنبات.

والنبات مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت، فاستوى فيه الواحد والجمع، يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم.

قالوا: من نعمته عزّ وعلا أن أرزاق العباد إنما تحصل بعمل الأنعام.

وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله، أي قائلين: ﴿ كُلُواْ وارعوا ﴾ حال من الضمير في ﴿ فَأَخْرَجْنَا ﴾ المعنى: أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها، مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها.

<div class="verse-tafsir"

۞ مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ٥٥

أراد بخلقهم من الأرض خلق أصلهم هو آدم عليه السلام منها.

وقيل: إنّ الملك لينطلق فيأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه فيبدّدها على النطفة فيخلق من التراب والنطفة معاً.

وأراد بإخراجهم منها أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب، ويردّهم كما كانوا أحياء، ويخرجهم إلى المحشر ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً ﴾ [المعارج: 43] عدّد الله عليهم ما علق بالأرض من مرافقهم، حيث جعلها لهم فراشاً ومهاداً يتقبلون عليها، وسوّى لهم فيها مسالك يتردّدون فيها كيف شاؤوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي منه تفرعوا، وأمهم التي منها ولدوا، ثم هي كفاتهم إذا ماتوا ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمسّحوا بالأرضِ فإنّها بِكُمْ برّةٌ» .

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦

﴿ أريناه ﴾ بصرناه أو عرفناه صحتها ويقناه بها.

وإنما كذب لظلمه، كقوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾ [النمل: 14] وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض بَصَائِرَ ﴾ [الإسراء: 102] وفي قوله تعالى: ﴿ كُلَّهَا فَكَذَّبَ ﴾ وجهان، أحدهما: أن يحذي بهذا التعريف الإضافي حذو التعريف باللام لو قيل الآيات كلها، أعني أنها كانت لا تعطي إلا تعريف العهد، والإشارة إلى الآيات المعلومة التي هي تسع الآيات المختصة بموسى عليه السلام: العصا، واليد، وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل.

والثاني: أن يكون موسى قد أراه آياته وعدّد عليه ما أوتيه غيره من الأنبياء من آياتهم ومعجزاتهم، وهو نبيّ صادق لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به، فكذبها جميعاً ﴿ وأبى ﴾ أن يقبل شيئاً منها.

وقيل: فكذب الآيات وأبى قبول الحق.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٥٧

يلوح من جيب قوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ﴾ أن فرائصه كانت ترعد خوفاً مما جاء به موسى عليه السلام، لعلمه وإيقانه أنه على الحق، وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت وأن مثله لا يخذل ولا يقل ناصره، وأنه غالبه على ملكه لا محالة.

وقوله: ﴿ بِسِحْرِكَ ﴾ تعلل وتحير وإلا فكيف يخفى عليه أن ساحراً لا يقدر أن يخرج ملكاً مثله من أرضه ويغلبه على ملكه بالسحر؟.

<div class="verse-tafsir"

فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى ٥٨ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى ٥٩ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠

لا يخلو الموعد في قوله: ﴿ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ﴾ من أن يجعل زماناً أو مكاناً أو مصدراً.

فإن جعلته زماناً نظراً في أن قوله تعالى: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ مطابق له، لزمك شيئان أن تجعل الزمان مخلفاً، وأن يعضل عليك ناصب مكاناً: وإن جعلته مكاناً لقوله تعالى: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ لزمك.

أيضاً أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق قوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ وقراءة الحسن غير مطابقة له مكاناً وزمانا جميعاً، لأنه قرأ ﴿ يَوْمُ الزينة ﴾ بالنصب، فبقي أن يجعل مصدراً بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أي: مكان موعد، ويجعل الضمير في ﴿ نُخْلِفُهُ ﴾ للموعد و ﴿ مَكَاناً ﴾ بدل من المكان المحذوف.

فإن قلت: فكيف طابقه قوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة ﴾ ولا بد من أن تجعله زماناً، والسؤال واقع عن المكان لاعن الزمان؟

قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً، لأنهم لابد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان.

وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير.

والمعنى: إنجاز وعدكم يوم الزينة.

وطباق هذا أيضاً من طريق المعنى.

ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه.

فإن قلت: فيم ينتصب مكاناً؟

قلت: بالمصدر.

أو بفعل يدل عليه المصدر.

فإن قلت: فكيف يطابقه الجواب؟

قلت: أما على قراءة الحسن فظاهر.

وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: وعدكم وعد يوم الزينة.

ويجوز على قراءة الحسن أن يكون ﴿ موعدكم ﴾ مبتدأ، بمعنى الوقت.

و ﴿ ضُحًى ﴾ خبره، على نية التعريف فيه لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه.

وقيل في يوم الزينة: يوم عاشوراء، ويوم النّيروز، ويوم عيد كان لهم في كل عام، ويوم كانوا يتخذون فيه سوقاً ويتزينون ذلك اليوم.

قرئ ﴿ نخلفه ﴾ بالرفع على الوصف للموعد.

وبالجزم على جواب الأمر.

وقرئ ﴿ سوى ﴾ وسوى، بالكسر والضم، ومنوّناً وغير منوّن.

ومعناه: منصفاً بيننا وبينك عن مجاهد، وهو من الاستواء؛ لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت فيها.

ومن لم ينوّن فوجهه أن يجري الوصل مجرى الوقف.

قرئ: ﴿ وأن تحشر الناس ﴾ بالتاء والياء.

يريد: وأن تحشر يا فرعون.

وأن يحشر اليوم.

ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة إما على العادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القوم بقوله: ﴿ مَوْعِدُكُمْ ﴾ وجعل ﴿ يُحْشَرُ ﴾ لفرعون.

ومحل ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ﴾ الرفع أو الجرّ، عطفاً على اليوم أو الزينة: وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علوّ كلمة الله وظهور دينه وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد وفي المجمع الغاصّ لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكلّ حدّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍۢ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ٦١

﴿ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً ﴾ أي لا تدعو آياته ومعجزاته سحراً قرئ (فَيُسْحِتَكُم) والسحت لغة أهل الحجاز.

والإسحات: لغة أهل نجد وبني تميم.

ومنه قول الفرزدق: ......

إلاَّ مُسْحِتَاً أوْ مُجَلّفُ في بيت لا تزال الركب تصطكّ في تسوية إعرابه.

<div class="verse-tafsir"

فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ٦٢ قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ٦٣ فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ٦٤

عن ابن عباس: إن نجواهم: إن غلبنا موسى اتبعناه.

وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر.

وعن وهب لما قال: ﴿ وَيْلَكُمْ ﴾ الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.

والظاهر أنهم تشاوروا في السر وتجاذبوا أهداب القول، ثم قالوا: إن هذان لساحران.

فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره، خوفاً من غلبتهما، وتثبيطاً للناس عن اتباعهما.

قرأ أبو عمرو: ﴿ إن هذين لساحران ﴾ على الجهة الظاهرة المكشوفة.

وابن كثير وحفص ﴿ إنْ هذان لساحران ﴾ على قولك: إنْ زيد لمنطلق.

واللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة.

وقرأ أبيّ ﴿ إن ذان إلا ساحران ﴾ وقرأ ابن مسعود ﴿ أن هذان ساحران ﴾ بفتح أن وبغير لام، بدل من النجوى.

وقيل في القراءة المشهورة ﴿ إِنْ هاذان لساحران ﴾ هي لغة بلحرث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.

وقال بعضهم: ﴿ إِنْ ﴾ بمعنى نعم.

و ﴿ لسا حرا نِ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة تقديره: لهما ساحران.

وقد أعجب به أبو إسحاق سموا مذهبهم الطريقة ﴿ المثلى ﴾ والسنة الفضلى، وكل حزب بما لديهم فرحون.

وقيل: أرادوا أهل طريقتهم المثلى، وهم بنو إسرائيل، لقول موسى: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بنى إسرا ءيلَ ﴾ وقيل: ﴿ الطريقة ﴾ اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم.

يقال: هم طريقة قومهم.

ويقال للواحد أيضاً: هو طريقة قومه: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ يعضده قوله: (فجمع كيده) وقرئ ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ أي أزمعوه واجعلوه مجمعاً عليه، حتى لا تختلفوا ولا يخلف عنه واحد منكم، كالمسألة المجمع عليها.

أمروا بأن يأتوا صفاً لأنه أهيب في صدور الرائين.

وروي: أنهم كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد أقبلوا إقبالة واحدة.

وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى، لأن الناس يجتمعون فيه لعيدهم وصلاتهم مصطفين.

ووجه صحته أن يقع علماً لمصلى بعينه، فأمروا بأن يأتوه أو يراد.

ائتوا مصلى من المصليات ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى ﴾ اعتراض.

يعني: وقد فاز من غلب.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ٦٥ قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ٦٦

﴿ أَن ﴾ مع ما بعده إما منصوب بفعل مضمر.

أو مرفوع بأنه خبر مبتدإ محذوف.

معناه: اختر أحد الأمرين؛ أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا.

وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن معه، وتواضع له وخفض جناح، وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم، وكأن الله عزّ وعلا ألهمهم ذلك، وعلم موسى صلوات الله عليه اختيار إلقائهم أولاً، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما معهم من مكايد السحر.

ويستنفدوا أقصى طوقهم، ومجهودهم، فإذا فعلوا: أظهر الله سلطانه وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين.

يقال في ﴿ إِذَا ﴾ هذه: إذا المفاجأة والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت، الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ ففاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم.

وهذا تمثيل.

والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي.

وقرئ: ﴿ عُصيهم ﴾ بالضم وهو الأصل بالكسر إتباع ونحوه: دُليّ ودِليّ، وقُسِيّ وقِسِيّ وقرئ ﴿ تخيل ﴾ على إسناده إلى ضمير الحبال والعصي وإبدال قوله: ﴿ أَنَّهَا تسعى ﴾ من الضمير بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد كرمه، وتخيل على كون الحبال والعصي مخيلة سعيها.

وتخيل.

بمعنى تتخيل.

وطريقه طريق تخيل.

ونخيل: على أنّ الله تعالى هو المخيل للمحنة والابتلاء.

يروى: أنهم لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت.

فخيلت ذلك.

<div class="verse-tafsir"

فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ ٦٧ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ٦٨ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ٦٩

إيجاس الخوف: إضمار شيء منه، وكذلك توجس الصوت: تسمع نبأة يسيرة منه، وكان ذلك لطبع الجبلة البشرية، وأنه لا يكاد يمكن الخلوّ من مثله.

وقيل: خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه ﴿ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى ﴾ فيه تقرير لغلبته وقهره، وتوكيد بالاستئناف وبكلمة التشديد وبتكرير الضمير وبلام التعريف وبلفظ العلوّ وهو الغلبة الظاهرة وبالتفضيل.

وقوله ﴿ مَا فِي يَمِينِكَ ﴾ ولم يقل عصاك: جائز أن يكون تصغيراً لها، أي: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها، وجائز أن يكون تعظيماً لها أي: لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة، فإن في يمينك شيئاًأعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عنده، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها.

وقرئ ﴿ تَلْقَفْ ﴾ بالرفع على الاستئناف أو على الحال، أي: ألقها متلقفة وقرئ ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف.

﴿ صَنَعُواْ ﴾ هاهنا بمعنى زوّروا وافتعلوا كقوله تعالى: ﴿ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ [الأعراف: 117] قرئ ﴿ كَيْدُ سا حِرٍ ﴾ بالرفع والنصب.

فمن رفع فعلى أنّ (ما) موصولة.

ومن نصب فعلى أنها كافة.

وقرئ: ﴿ كيد سحر ﴾ بمعنى: ذي سحر، أو ذوي سحر.

أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته.

أو بين الكيد، لأنه يكون سحراً وغير سحر، كما تبين المائة بدرهم.

ونحوه: علم فقه، وعلم نحو.

فإن قلت: لم وحد ساحر ولم يجمع؟

قلت: لأنّ القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد، فلو جمع، لخيل أنّ المقصود هو العدد.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحر ﴾ أي هذا الجنس.

فإن قلت: فلم نكر أولاً وعرف ثانياً؟

قلت: إنما نكر من أجل تنكير المضاف، لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العَجَّاج: في سَعْي دُنْيَا طَالَمَا قَدْ مَدَّتْ وفي حديث عمر رضي الله عنه: لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة المراد تنكير الأمر، كأنه قيل: إن ما صنعوا كيد سحري.

وفي سعي دنيوي.

وأمر دنيوي وأخروي ﴿ حَيْثُ أتى ﴾ كقولهم: حيث سير، وأية سلك، وأينما كان.

<div class="verse-tafsir"

فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠

سبحان الله ما أعجب أمرهم.

قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين وروي: أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأو الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها.

وعن عكرمة: لما خرّوا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ ٧١

﴿ لَكَبِيرُكُمُ ﴾ لعظيمكم، يريد: أنه أسحرهم وأعلاهم درجة في صناعتهم.

أو لمعلمكم، من قول أهل مكة للمعلم: أمرني كبيري، وقال لي كبيري: كذا يريدون معلمهم وأستاذهم في القرآن وفي كل شيء.

قرئ ﴿ فلأقطعنّ ﴾ ﴿ ولأصلبن ﴾ بالتخفيف والقطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ لأنّ كل واحد من العضوين خالف الآخر، بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال.

و (من) لابتداء الغاية؛ لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو العضو، لا من وفاقه إياه.

ومحل الجار والمجرور النصب على الحال، أي: لأقطعنها مختلفات؛ لأنها إذا خالف بعضها بعضاً فقد اتصفت بالاختلاف.

شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه، فلذلك قيل: ﴿ فِى جُذُوعِ النخل ﴾ .

﴿ أَيُّنَآ ﴾ يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله عليه بدليل قوله: ﴿ ءَامَنتُمْ لَهُ ﴾ واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿ يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 61] وفيه نفاجة باقتداره وقهره، وما ألفه وضرى به: من تعذيب الناس بأنواع العذاب.

وتوضيع لموسى عليه السلام، واستضعاف له مع الهزء به؛ لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ٧٢ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ٧٣ إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ٧٤ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ ٧٥ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

﴿ والذى فَطَرَنَا ﴾ عطف على ما جاءنا أو قسم.

قرئ ﴿ تَقْضِى هذه الحياوة الدنيآ ﴾ ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك في (صمت يوم الجمعة): (صيم يوم الجمعة) وروي: أن السحرة- يعني رؤوسهم- كانوا اثنين وسبعين: الاثنان من القبط، والسائر من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلّم السحر.

وروي: أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر؛ لأن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه ﴿ تزكى ﴾ تطهر من أدناس الذنوب.

وعن ابن عباس: قال لا إله إلا الله.

قيل في هذه الآيات الثلاث: هي حكاية قولهم.

وقيل: خبر من الله لا على وجه الحكاية.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ ٧٧ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ٧٨ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

﴿ فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً ﴾ فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له في ماله سهما.

وضرب اللبن: عمله.

اليبس: مصدر وصف به.

يقال: يبس يبساً ويبساً ونحوهما: العدم والعدم.

ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا يبس،: وناقتنا يبس: إذا جف لبنها.

وقرئ: ﴿ يبساً ﴾ و ﴿ يابساً ﴾ ولا يخلو اليبس من أن يكون مخففاً عن اليبس.

أو صفة على فعلٍ.

أو جمع يابس، كصاحب وصحب، وصف به الواحد تأكيداً، كقوله: ......

وَمِعى جياعاً جعله لفرط جوعه كجماعة جياع ﴿ لاَ تَخَافَآ ﴾ حال من الضمير في (فاضرب) وقرئ ﴿ لا تخف ﴾ على الجواب.

وقرأ أبو حيوة ﴿ دَرْكاً ﴾ بالسكون.

والدرك والدرك: اسمان من الإدراك، أي: لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك.

في ﴿ وَلاَ تخشى ﴾ إذا قرئ: ﴿ لا تخف ﴾ ثلاثة أوجه: أن يستأنف، كأنه قيل وأنت لا تخشى، أي: ومن شأنك أنك آمن لا تخشى، وأن لا تكون الألف المنقلبة عن الياء هي لام الفعل ولكن زائدة للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله: ﴿ فَأَضَلُّونَا السبيلا ﴾ [الأحزاب: 67] ، ﴿ وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا ﴾ [الأحزاب: 10] وأن يكون مثله قوله: كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أسيراً يَمَا نِيَا ﴿ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ من باب الاختصار.

ومن جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة، أي: غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله.

وقرئ: ﴿ فغشاهم من اليم ما غشاهم ﴾ والتغشية: التغطية.

وفاعل غشاهم: إما الله سبحانه.

أو ما غشاهم.

أو فرعون؛ لأنه الذي ورّط جنوده وتسبب لهلاكهم.

وقوله: ﴿ وَمَا هدى ﴾ تهكم به في قوله: ﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد ﴾ [غافر: 29] .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ٨٠ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ٨١

﴿ يابنى إسراءيل ﴾ خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك آل فرعون، وقيل: هو للذين كانوا منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ الله عليهم بما فعل بآبائهم والوجه هو الأوّل، أي: قلنا يا بني إسرائيل، وحذف القول كثير في القرآن.

وقرئ ﴿ أنجيتكم ﴾ إلى (رزقتكم)، وعلى لفظ الوعد والمواعدة.

وقرئ ﴿ الأيمن ﴾ بالجر على الجوار، نحو (جحر ضب خرب).

ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى صلوات الله عليه من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة في الألواح.

وإنما عدّى المواعدة إليهم لأنها لابستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم، وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه ﴿ ولا تطغوا فيه ﴾ طغيانهم في النعمة: أن يتعدّوا حدود الله فيها بأن يكفروها ويشغلهم اللهو والتنعم عن القيام بشكرها، وأن ينفقوها في المعاصي: وأن يزووا حقوق الفقراء فيها، وأن يسرفوا في إنفاقها وأن يبطروا فيها ويأشروا ويتكبروا.

قرئ ﴿ فَيَحِلَّ ﴾ وعن عبد الله ﴿ لا يحلن ﴾ ﴿ وَمَن يَحْلِلْ ﴾ المكسور في معنى الوجوب، من حل الدّين يحل إذا وجب أداؤه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196] والمضموم في معنى النزول.

وغضب الله: عقوباته ولذلك وصف بالنزول ﴿ هوى ﴾ هلك.

وأصله أن يسقط من جبل فيهلك.

قالت: هَوَى مِنْ رَأْسِ مَرْقَبَةٍ ** فَفُتِّتَ تَحْتَهَا كَبِدُهْ ويقولون: هوت أمّه.

أو سقط سقوطاً لا نهوض بعده.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ٨٢

الاهتداء: هو الاستقامة والثبات على الهدى المذكور وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح، ونحوه قوله تعالى: ﴿ إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ [فصلت: 30] وكلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين في (جاءني زيد ثم عمرو) أعني أنّ منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه؛ لأنها أعلى منها وأفضل.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٨٣ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ٨٤

﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ ﴾ أي شيء عجل بك عنهم على سبيل الإنكار، وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب.

ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به، بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله تعالى.

وزل عنه أنه عز وجل ما وقت أفعاله إلا نظراً إلى دواعي الحكمة، وعلماً بالمصالح المتعلقة بكل وقت، فالمراد بالقوم: النقباء.

وليس لقول من جوّز أن يراد جميع قومه وأن يكون قد فارقهم قبل الميعاد وجه صحيح، يأباه قوله: ﴿ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى ﴾ وعن أبي عمرو ويعقوب ﴿ إثري ﴾ بالكسر وعن عيسى بن عمر ﴿ أُثرى ﴾ بالضم.

وعنه أيضاً: ﴿ أولى ﴾ بالقصر.

والإثر أفصح من الأثر.

وأما الأثر فمسموع في فرند السيف مدوّن في الأصول يقال: إثر السيف وأثره، وهو بمعنى الأثر غريب.

فإن قلت: ﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ ﴾ سؤال عن سبب العجلة فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك.

وقوله: ﴿ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى ﴾ كما ترى غير منطبق عليه.

قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين، أحدهما: إنكار العجلة في نفسها.

والثاني: السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه، فكان أهمّ الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتلّ بأنه لم يوجد مني إلا تقدّم يسير، مثله لا يعتد به في العادة ولا يحتفل به.

وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدّم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى ﴾ ولقائل أن يقول: حار لما ورد عليه من التهيب لعتاب الله، فأذهله ذلك عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ٨٥

أراد بالقوم المفتونين: الذي خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف مانجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً.

فإن قلت: في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين مع أيامها، وقالوا: قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك، فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى عند مقدمه ﴿ فإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ﴾ ؟

قلت: قد أخبر الله تعالى عن الفتنة المترقبة.

بلفظ الموجودة الكائنة على عادته.

أو افترص السامري غيبته فعزم على إضلالهم غبَّ انطلاقه، وأخذ في تدبير ذلك.

فكان بدء الفتنة موجوداً.

قرئ: ﴿ وَأَضَلُّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴾ أي هو أشدّهم ضلالاً: لأنه ضال مضل، وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة.

وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم: وقيل كان من أهل باجرما.

وقيل: كان علجاً من كرمان.

واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقاً قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر.

<div class="verse-tafsir"

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ٨٦ قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ٨٨

الأسف: الشديد الغضب.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في موت الفجأة: «رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر» وقيل: الحزين.

فإن قلت: متى رجع إلى قومه؟

قلت: بعد ما استوفى الأربعين: ذا القعدة وعشر ذي الحجة.

وعدهم الله سبحانه أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل، حكي لنا أنها كانت ألف سورة كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملاً ﴿ العهد ﴾ الزمان، يريد: مدة مفارقته لهم.

يقال: طال عهدي بك، أي: طال زماني بسبب مفارقتك.

وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل ﴿ بِمَلْكِنَا ﴾ قرئ بالحركات الثلاث، أي: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلينا وراءنا لما أخلفناه، ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده.

أي: حملنا أحمالاً من حليّ القبط التي استعرناها منهم.

أو أرادوا بالأوزار: أنها آثام وتبعات، لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب.

وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ في نار السامري، التي أوقدها من الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي وقرئ: ﴿ حملنا ﴾ ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامرى ﴾ أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوا.

وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطيء حيزوم فرس جبريل.

أوحى إليه وليه الشيطان أنها إذا خالطت مواتا صار حيواناً ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ ﴾ السامري من الحفرة عجلاً خلقه الله من الحليّ التي سبكتها النار يخور كما تخور العجاجيل.

فإن قلت: كيف أثرت تلك التربة في إحياء الموات؟

قلت: أما يصحّ أن يؤثر الله سبحانه روح القدس بهده الكرامة الخاصة كما آثره بغيرها من الكرامات.

وهي أن يباشر فرسه بحافره تربة إذا لاقت تلك التربة جماداً أنشأه الله إن شاء عند مباشرته حيواناً ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخه في الدرع.

فإن قلت: فلم خلق الله العجل من الحليّ حتى صار فتنة لبني إسرائيل وضلالاً؟

قلت: ليس بأوّل محنة محن الله بها عباده ليثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين.

ومن عجب من خلق العجل، فليكن من خلق إبليس أعجب.

والمراد بقوله: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ﴾ هو خلق العجل للامتحان، أي: امتحناهم بخلق العجل وحملهم السامري على الضلال، وأوقعهم فيه حين قال لهم: ﴿ هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِىَ ﴾ أي: فنسي موسى أن يطلبه ههنا، وذهب يطلبه عند الطور.

أو فنسي السامري: أي ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ٩٠ قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ٩١

﴿ يَرْجَعُ ﴾ من رفعه فعلى أنّ أن مخففة من الثقيلة ومن نصب فعلى أنها الناصبة للأفعال ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، كأنهم أوّل ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون عليه السلام بقوله: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ٩٣

لا مزيدة.

والمعنى ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر والمعاصي؟

وهلا قاتلت من كفر بمن آمن؟

ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهداً؟

أو مالك لم تلحقني.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ٩٤

قرئ: ﴿ بِلِحْيَتِى ﴾ بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز، كان موسى صلوات الله عليه رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوارة لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، غضبا لله واستنكافاً وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدوّ المكاشف قابضاً على شعر رأسه- وكان أفرع- وعلى شعر وجهه يجرّه إليه.

أي: لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، فاستأنيتك أن تكون أنت المتدارك بنفسك، المتلافي برأيك؛ وخشيت عتابك على إطراح ما وصيتني به من ضم النشر وحفظ الدهماء ولم يكن لي بد من رقبة وصيتك والعمل على موجبها.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَـٰسَـٰمِرِىُّ ٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ٩٦

الخطب: مصدر خطب الأمر إذا طلبه، فإذا قيل لمن يفعل شيئاً: ما خطبك؟

فمعناه: ما طلبك له؟

قرئ: ﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ بالكسر، والمعنى: علمت ما لم تعلموه، وفطنت ما لم تفطنوا له.

قرأ الحسن ﴿ قَبْضَةً ﴾ بضم القاف وهي اسم المقبوض، كالغرفة والمضغة.

وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، كضرب الأمير.

وقرأ أيضاً: فقبصت قبصة، بالصاد المهملة الضاد: بجميع الكف والصاد: بأطراف الأصابع.

ونحوهما: الخضم، والقضم: الخاء بجميع الفم؛ والقاف بمقدمه: قرأ ابن مسعود: ﴿ من أثر فرس الرسول ﴾ فإن قلت: لم سماه الرسول دون جبريل وروح القدس؟

قلت: حين حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبريل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامريُ فقال: إنّ لهذا شأناً، فقبض قبضة من تربة موطئه، فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد.

ولعله لم يعرف أنه جبريل.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ٩٧

عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضاً، وإذا اتفق أن يماس أحداً رجلاً أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية.

ويقال: إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم.

وقرئ: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ بوزن فجار.

ونحوه قولهم في الظباء.

إذا وردت الماء فلا عباب، وإن فقدته فلا أباب: وهي أعلام للمسة والعبة والأبة، وهي المرة من الأب وهو الطلب ﴿ لَّن تُخْلَفَهُ ﴾ أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

وقرئ: ﴿ لن تخلفه ﴾ وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً قال الأعشى: أثْوَى وَأقْصَرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا ** فَمَضى وَأخْلَفَ مِنْ قَتِيلَةَ مَوْعِداً وعن ابن مسعود ﴿ نخلفه ﴾ بالنون، أي: لن يخلفه الله، كأنه حكى قوله عز وجل كما مر في ﴿ لاِهَبَ لَكِ ﴾ [مريم: 19] .

﴿ ظَلْتَ ﴾ وظلت، وظللت والأصل ظللت، فحذفوا اللام الأولى ونقلوا حركتها إلى الظاء، ومنهم من لم ينقل ﴿ لَّنُحَرّقَنَّهُ ﴾ ولنحرقنه ولنحرقنه.

وفي حرف ابن مسعود ﴿ لنذبحنه ﴾ ، و ﴿ لنحرقنه ﴾ و ﴿ لنحرقنه ﴾ القراءتان من الإحراق.

وذكر أبو علي الفارسي في لنحرِّقنه أنه يجوز أن يكون حرّق مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد.

وعليه القراءة الثالثة، وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿ لَنَنسِفَنَّهُ ﴾ بكسر السين وضمها، وهذه عقوبة ثالثة وهي إبطال ما افتتن به وفتن، وإهدار سعيه، وهدم مكره ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ [آل عمران: 54] .

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا ٩٨

قرأ طلحة: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن رب العرش الكريم ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْء عِلْماً ﴾ وعن مجاهد وقتادة: وسع، ووجهه أن وسع متعدّ إلى مفعول واحد، وهو (كل شيء).

وأمّا ﴿ عِلْماً ﴾ فانتصابه على التمييز.

وهو في المعنى فاعل، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين، فنصبهما معاً على المفعولية لأنّ المميز فاعل في المعنى، كما تقول في (خاف زيد عمراً) خوَّفت زيداً عمراً، فترد بالنقل ما كان فاعلاً مفعولاً.

<div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًۭا ٩٩ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا ١٠٠ خَـٰلِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلًۭا ١٠١

الكاف في ﴿ كذلك ﴾ منصوب المحل، وهذا موعد من الله عزّ وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، أي: مثل ذلك الاقتصاص ونحو ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقصّ عليك من سائر أخبار الأمم وقصصهم وأحوالهم، تكثيراً لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة.

وتتأكد الحجة على من عاند وكابر، وأن هذا الذكر الذي آتيناك يعني القرآن مشتملاً على هذه الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار، لذكر عظيم وقرآن كريم، فيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه، ومن أعرض عنه فقد هلك وشقي.

يريد بالوزر: العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزراً تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل، وينقض ظهره، ويلقي عليه بهره: أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم.

وقرئ: ﴿ يحمل ﴾ جمع.

﴿ خالدين ﴾ على المعنى، لأنّ من مطلق متناول لغير معرض واحد.

وتوحيد الضمير في أعرض وما بعده للحمل على اللفظ.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا ﴾ [الجن: 23] ﴿ فِيهِ ﴾ أي في ذلك الوزر.

أو في احتماله ﴿ وسَاء ﴾ في حكم بئس.

والضمير الذي فيه يجب أن يكون مبهماً يفسره ﴿ حِمْلاً ﴾ والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه، تقديره: ساء حملا وزرهم، كما حذف في قوله تعالى: ﴿ نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 30، 44] أيوب هو المخصوص بالمدح.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ [النساء 97، 115] أي وساءت مصيراً جهنم.

فإن قلت: اللام في (لهم) ما هي؟

وبم تتعلق؟

قلت: هي للبيان، كما في ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ [يوسف: 23].

فإن قلت: ما أنكرت أن يكون في ساء ضمير الوزر؟

قلت: لا يصح أن يكون في ساء وحكمه حكم بئس ضمير شيء بعينه غير مبهم فإن قلت: فلا يكن ساء الذي حكمه حكم بئس، وليكن ساء الذي منه قوله تعالى: ﴿ سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ [الملك: 27] بمعنى أهم وأحزن؟

قلت: كفاك صادّاً عنه أن يؤول كلام الله إلى قولك: وأحزن الوزر لهم يوم القيامة حملاً، وذلك بعد أن تخرج عن عهدة هذا اللام وعهدة هذا المنصوب.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا ١٠٢ يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًۭا ١٠٣ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًۭا ١٠٤

أسند النفخ إلى الآمربه فيمن قرأ: ﴿ ننفخ ﴾ بالنون.

أو لأن الملائكة المقرّبين وإسرافيل منهم بالمنزلة التي هم بها من رب العزة، فصح لكرامتهم عليه وقربهم منه أن يسند ما يتولونه إلى ذاته تعالى.

وقرئ: ﴿ ينفخ ﴾ بلفظ ما لم يسم فاعله.

وينفخ.

ويحشر، بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله عز وجل أو لإسرافيل عليه السلام.

وأما يحشر المجرمون فلم يقرأ به إلا الحسن.

وقرئ: (في الصور) بفتح الواو جمع صورة، وفي الصور: قولان، أحدهما: أنه بمعنى الصور وهذه القراءة تدل عليه.

والثاني: أنه القرن.

قيل: في الزرق قولان، أحدهما: أن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب لأنّ الروم أعداؤهم وهم زرق العيون ولذلك قالوا في صفة العدوّ: أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين.

والثاني: أنّ المراد العمى؛ لأنّ حدقة من يذهب نور بصره تزراقّ ﴿ يتخافتون ﴾ تخافتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا: إما لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر لأنّ أيام السرور قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم وتقضت، والذاهب وإن طالت مدّته قصير بالانتهاء ومنه توقيع عبد الله بن المعتز تحت (أطال الله بقاءك) (كفى بالانتهاء قصراً) وإما لاستطالتهم الآخرة وأنها أبد سرمد يستقصر إليها عمر الدنيا، ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة.

وقد استرجح الله قول من يكون أشدّ تقاولاً منهم في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ ونحوه قوله تعالى: ﴿ قال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العادين ﴾ [المؤمنون: 112- 113] وقيل: المراد لبثهم في القبور.

ويعضده قوله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ [الروم: 55]، ﴿ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كتاب الله إلى يَوْمِ البعث ﴾ [الروم: 56] .

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا ١٠٥ فَيَذَرُهَا قَاعًۭا صَفْصَفًۭا ١٠٦ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا ١٠٧

﴿ يَنسِفُهَا ﴾ يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرّقها كما يذرّى الطعام ﴿ فَيَذَرُهَا ﴾ أي فيذر مقارّها ومراكزها.

أو يجعل الضمير للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾ [فاطر: 45] .

فإن قلت: قد فرّقوا بين العوج والعوج، فقالوا: العوج بالكسر في المعاني.

والعوج بالفتح في الأعيان، والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسوّيتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله عزّ وعلا ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك، اللهمَّ إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني، فقيل فيه: عوج بالكسر.

الأمت النتوّ اليسير، يقال: مدّ حبله حتى ما فيه أمت.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَئِذٍۢ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا ١٠٨ يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا ١٠٩

أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي يوم إذ نسفت، ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل من يوم القيامة.

والمراد: الداعي إلى المحشر.

قالوا: هو إسرافيل قائماً على صخرة بيت المقدس يدعو الناس، فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا يعدلون ﴿ لاَ عِوَجَ لَهُ ﴾ أي لا يعوجّ له مدعوّ، بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته.

أي: خفضت الأصوات من شدة الفزع وخفتت ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ وهو الركز الخفي.

ومنه الحروف المهموسة.

وقيل: هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت، أي: لا يسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر ﴿ مَنْ ﴾ يصلح أن يكون مرفوعاً ومنصوباً، فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف، أي: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من ﴿ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ والنصب على المفعولية.

ومعنى أذن له ﴿ وَرَضِىَ لَهُ ﴾ لأجله.

أي: أذن للشافع ورضي قوله لأجله.

ونحو هذه اللام اللام في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَاسَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف: 11] .

<div class="verse-tafsir"

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا ١١٠

أي يعلم ما تقدّمهم من الأحوال وما يستقبلونه، ولا يحيطون بمعلوماته علماً.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا ١١١

المراد بالوجوه وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا- يوم القيامة- الخيبة والشقوة وسوء الحساب، صارت، وجوههم عانية، أي ذليلة خاشعة، مثل وجوه العناة وهم الأسارى.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيَّئَتْ وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ ﴾ [الملك: 27] ، ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴾ [القيامة: 24] .

وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَابَ ﴾ وما بعده اعتراض، كقولك: خابوا وخسروا.

وكلّ من ظلم فهو خائب خاسر.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا ١١٢

الظلم: أن يأخذ من صاحبه فوق حقه.

والهضم: أن يكسر من حق أخيه فلا يوفيه له، كصفة المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ويسترجحون.

وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.

أي: فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم، لأنه لم يظلم ولم يهضم.

وقرئ: ﴿ فلا يخف ﴾ على النهي.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ١١٣

﴿ وكذلك ﴾ عطف على (كذلك نقص) أي: ومثل ذلك الإنزال، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة.

مكرّرين فيه آيات الوعيد ليكونوا بحيث يراد منهم ترك المعاصي أو فعل الخير والطاعة.

والذكر- كما ذكرنا- يطلق على الطاعة والعبادة.

وقرئ ﴿ نحدث ﴾ و ﴿ تحدث ﴾ بالنون والتاء، أي: تحدث أنت.

وسكن بعضهم الثاء للتخفيف، كما في: فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُستَحْقِبٍ ** إثماً مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ <div class="verse-tafsir"

فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ١١٤

﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ استعظام له ولما يصرِّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه على حسب أعمالهم، وغير ذلك مما يجري عليه أمر ملكوته ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد: وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن، فتأنّ عليك ريثما يسمعك ويفهمك.

ثم أقبل عليه بالتحفظ بعد ذلك.

ولا تكن قراءتك مساوقة لقراءته.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ [القيامة: 16] وقيل معناه: لا تبلغ ما كان منه مجملاً حتى يأتيك البيان.

وقرئ: ﴿ حتى تقضى إليك وحيه ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ رَّبّ زِدْنِى عِلْماً ﴾ متضمن للتواضع لله تعالى والشكر له عندماعلم من ترتيب التعلم، أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي.

فزدني علماً إلى علم، فإنّ لك في كل شيء، حكمة وعلماً.

وقيل: ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا ١١٥

يقال في أوامر الملوك ووصاياهم: تقدّم الملك إلى فلان وأوعز إليه، وعزم عليه، وعهد إليه عطف الله سبحانه قصة آدم على قوله: ﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [طه: 113] والمعنى: وأقسم قسماً لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة، وتوعدناه بالدخول في جملة الظالمين إن قربها، وذلك من قبل وجودهم ومن قبل أن نتوعدهم، فخالف إلى ما نهي عنه، وتوعد في ارتكابه مخالفتهم، ولم يلتفت إلى الوعيد كما لا يلتفتون، كأنه يقول: إنّ أساس أمر بني آدم على ذلك، وعرقهم راسخ فيه.

فإن قلت: ما المراد بالنسيان؟

قلت يجوز أن يراد النسيان الذي هو نقيض الذكر، وأنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس، حتى تولد من ذلك النسيان.

وأن يراد الترك وأنه ترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها.

وقرئ ﴿ فنسى ﴾ أي: نساه الشيطان.

العزم: التصميم والمضيّ على ترك الأكل، وأن يتصلب في ذلك تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل له.

والوجود: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه ﴿ لَهُ عَزْماً ﴾ وأن يكون نقيض العدم كأنه قال: وعدمنا له عزماً.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ١١٦

﴿ إِذْ ﴾ منصوب بمضمر، أي: واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس ووسوسته إليه وتزيينه له الأكل من الشجرة، وطاعته له بعد ما تقدّمت معه النصيحة والموعظة البليغة والتحذير من كيده، حتى يتبين لك أنه لم يكن من أولي العزم والثبات.

فإن قلت: إبليس كان جنياً بدليل قوله تعالى: ﴿ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ [الكهف: 50] فمن أين تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة؟

قلت كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع، كما لو قام لمقبل على المجلس علية أهله وسراتهم، كان القيام على واحد بينهم هو دونهم في المنزلة أوجب، حتى إن لم يقم عنف.

وقيل له: قد قام فلان وفلان، فمن أنت حتى تترفع عن القيام؟

فإن قلت: فكيف صحّ استثناؤه وهو جني عن الملائكة؟

قلت: عمل على حكم التغليب في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج الاستثناء على ذلك، كقولك: خرجوا إلا فلانة، لامرأة بين الرجال ﴿ أبى ﴾ جملة مستأنفة، كأنه جواب قائل قال: لم لم يسجد؟

والوجه أن لا يقدّر له مفعول، وهو السجود المدلول عليه بقوله: ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ وأن يكون معناه أظهر الإباء وتوقف وتثبط.

<div class="verse-tafsir"

فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ١١٧

﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا ﴾ فلا يكونن سبباً لإخراجكما.

وإنما أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حوّاء بعد إشراكهما في الخروج؛ لأنّ في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم، كما أنّ في ضمن سعادته سعادتهم، فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها.

مع المحافظة على الفاصلة.

أو أريد بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك معصوب برأس الرجل وهو راجع إليه.

وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ١١٨ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ١١٩

قرئ ﴿ وإنك ﴾ بالكسر والفتح.

ووجه الفتح العطف على ﴿ أن لا تجوع ﴾ .

فإن قلت: إنّ لا تدخل على أن، فلا يقال: إنّ أن زيداً منطلق، والواو نائبة عن إنّ وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟

قلت: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن إنّ، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة- كإن- لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إنّ وأن.

الشبع والريّ والكسوة والكنّ: هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفيّ لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها.

<div class="verse-tafsir"

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ ١٢٠

فإن قلت: كيف عدى وسوس تارة باللام في قوله: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان ﴾ [الأعراف: 20] وأخرى بإلى قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب ووقوقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات وحكمها حكم صوت وأجرس.

ومنه: وسوس المبرسم، وهو موسوس بالكسر.

والفتح لحن.

وأنشد ابن الأعرابي: وَسْوَسَ يَدعُو مُخْلِصاً رَبَّ الْفَلَقْ فإذا قلت: وسوس له، فمعناه لأجله، كقوله: أَجرِسْ لَهَا يَا ابْنَ أَبي كِبَاشِ ومعنى ﴿ وسوس إليه ﴾ أنهى إليه الوسوسة، كقولك.

حدّث إليه وأسرّ إليه.

أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود، لأن من أكل منها خلد بزعمه، كما قيل لحيزوم: فرس الحياة، لأنّ من باشر أثره حيي ﴿ وَمُلْكٍ لاَّ يبلى ﴾ دليل عى قراءة الحسن بن علي وابن عباس رضي الله عنهم: ﴿ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴾ [الأعراف: 20] بالكسر.

<div class="verse-tafsir"

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١

(طفق يفعل كذا) مثل: جعل يفعل، وأخذ، وأنشأ.

وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً، وبينها وبينه مسافة قصيرة هي للشروع في أوّل الأمر.

وكاد لمشارفته والدنوّ منه.

قرئ ﴿ يَخْصِفَانِ ﴾ للتكثير والتكرير، من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر وهو ورق التين.

وقيل كان مدوراً فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما.

وقيل كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع، عن ابن عباس: لا شبهة في أنّ آدم لم يمتثل ما رسم الله له، وتخطى فيه ساحة الطاعة، وذلك هو العصيان.

ولما عصى خرج فعله من أن يكون فعلاً رشداً وخيراً، فكان غيا لا محالة؛ لأنّ الغي خلاف الرشد، ولكن قوله: ﴿ وعصى ءادَمُ رَبَّهُ فغوى ﴾ بهذا الإطلاق وبهذا التصريح، وحيث لم يقل: وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك، مما يعبر به عن الزلات والفرطات: فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلطة وبهذا اللفظ الشنيع، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيآت والصغائر، فضلاً أن تجسروا على التورّط في الكبائر.

وعن بعضهم (فغوى) فبشم من كثرة الأكل، وهذا- وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً فيقول في (فني، وبقي): (فنا، وبقا) وهم بنوطي- تفسير خبيث.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ١٢٢

فإن قلت: ما معنى ﴿ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ ﴾ ؟

قلت: ثم قبله بعد التوبة وقرّبه إليه، من جبى إليّ كذا فاجتبيته.

ونظيره: جليت عليّ العروس فاجتليتها.

ومنه قوله عز وجل ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بآية قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها ﴾ [الأعراف: 203] أي هلا جبيت إليك فاجتبيتها.

وأصل الكلمة الجمع.

ويقولون: اجتبت الفرس نفسها إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار.

و ﴿ هُدًى ﴾ أي وفقه لحفظ التوبة وغيره.

من أسباب العصمة والتقوى.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ١٢٣

لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلي البشر، والسببين اللذين منها نشؤا وتفرعوا: جعلا كأنهما البشر في أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ على لفظ الجماعة.

ونظيره إسنادهم الفعل إلى السبب، وهو في الحقيقة للمسبب ﴿ هُدًى ﴾ كتاب وشريعة.

وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا قوله: ﴿ فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى ﴾ والمعنى أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضلّ في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًۭا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ١٢٦

الضنك: مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث.

وقرئ: ﴿ ضنكى ﴾ على فعلى.

ومعنى ذلك: أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله وعلى قسمته؛ فصاحبه ينفق ما رزقه بسماح، وسهولة، فيعيش عيشاً رافعاً؛ كما قال عز وجل: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً ﴾ [النحل: 97] والمعرض عن الدين، مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك وحاله مظلمة، كما قال بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوّش عليه رزقه.

ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره.

قال الله تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله ﴾ [البقرة: 61] وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ [المائدة: 66] وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض ﴾ [الأعراف: 96] وقال: ﴿ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً ﴾ [نوح: 11] وقال: ﴿ وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقةلأسقيناهم مَّاء غَدَقاً ﴾ [الجن: 16] وعن الحسن: هو الضريع والزقوم في النار.

وعن أبي سعيد الخدري: (عذاب القبر) وقرئ ﴿ وَنَحْشُرُهُ ﴾ بالجزم عطفاً على محل ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ لأنه جواب الشرط.

وقرئ: ﴿ ونحشره ﴾ بسكون الهاء على لفظ الوقف، وهذا مثل قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ﴾ [الإسراء: 97] وكما فسر الزرق بالعمى ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة، فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر.

وتركتها وعميت عنها، فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ١٢٧

لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في الآخرة- ختم آيات الوعيد بقوله: ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة أَشَدُّ وأبقى ﴾ كأنه قال: وللحشر على العمى الذي لا يزول أبداً أشدّ من ضيق العيش المنقضي.

أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشدّ وأبقى من تركه لآياتنا.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ١٢٨

فاعل ﴿ لَّمْ يَهْدِ ﴾ الجملة بعده يريد: ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين سلام على نُوحٍ فِي العالمين ﴾ [الصافات: 79] أي تركنا عليه هذا الكلام.

ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون.

وقرئ: ﴿ يَمْشُونَ ﴾ يريد أنّ قريشاً يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون ﴿ فِى مساكنهم ﴾ ويعاينون آثار هلاكهم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًۭا وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ١٢٩

الكلمة السابقة: هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة، يقول: لولا هذه العدة لكان مثل إهلاكنا عاداً وثموداً لازماً لهؤلاء الكفرة.

واللزام: إما مصدر لازم وصف به، وإما فعال بمعنى مفعل، أي ملزم، كأنه آلة اللزوم لفرط لزومه، كما قالوا: لزاز خصم ﴿ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ لا يخلو من أن يكون معطوفاً على ﴿ كَلِمَةٌ ﴾ أو على الضمير في ﴿ كَانَ ﴾ أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كم كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.

<div class="verse-tafsir"

فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ١٣٠

﴿ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ في موضع الحال، أي: وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه والمراد بالتسبيح الصلاة.

أو على ظاهره قدم الفعل على الأوقات أوّلاً، والأوقات على الفعل آخراً فكأنه قال: صل لله قبل طلوع الشمس يعني الفجر، وقبل غروبها يعني الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها، وتعمد آناء الليل وأطراف النهار مختصاً لهما بصلاتك، وذلك أن أفضل الذكر ما كان بالليل، لاجتماع القلب وهدّو الرجل والخلوّ بالرب.

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ [المزمل: 6] وقال: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً ﴾ [الزمر: 9] ولأنّ الليل وقت السكون والراحة، فإذا صرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق؛ وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل عند الله.

وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة، وفي أطراف النهار صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار، إرادة الاختصاص، كما اختصت في قوله: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ [البقرة: 238] عند بعض المفسرين.

فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ وَأَطْرَافَ النهار ﴾ على الجمع، وإنما هما طرفان كما قال: ﴿ أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار ﴾ [هود: 114] ؟

قلت: الوجه أمن الإلباس، وفي التثنية زيادة بيان.

ونظير مجيء الأمرين في الآيتين: مجيئهما في قوله: ظَهْرَاهُمَا مِثْلَ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ وقرئ: ﴿ وأطراف النهار ﴾ عطفاً على آناء الليل لعلك ترضى.

ولعل للمخاطب، أي: اذكر الله في هذه الأوقات، طمعاً ورجاء أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك ويسر قلبك.

وقرئ: ﴿ ترضى ﴾ أي يرضيك ربك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ ١٣١

﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي نظر عينيك: ومدّ النظر: تطويله، وأن لا يكاد يرده، استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به، وتمنياً أن يكون له، كما فعل نظارة قارون حين قالوا: ﴿ ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ ﴾ [القصص: 79] حتى واجههم أولو العلم والإيمان ب ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لّمَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ [القصص: 80] وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر ثم غض الطرف، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأنّ من أبصر منها شيئاً أحب أن يمدّ إليه نظره ويملأ منه عينيه قيل: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي لا تفعل ما أنت معتاد له وضار به، ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة؛ فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتخاذها ﴿ أزواجا مّنْهُمْ ﴾ أصنافاً من الكفرة ويجوز أن ينتصب حالاً من هاء الضمير، والفعل واقع على ﴿ مِنْهُمْ ﴾ كأنه قال: إلى الذي متعنا به وهو أصناف بعضهم وناساً منهم.

فإن قلت: علام انتصب ﴿ زَهْرَةَ ﴾ ؟

قلت: على أحد أربعة أوجه: على الذم وهو النصب على الاختصاص.

وعلى تضمين ﴿ مَتَّعْنَا ﴾ معنى أعطينا وخوّلنا، وكونه مفعولاً ثانياً له.

وعلى إبداله من محل الجار والمجرور.

وعلى إبداله من أزواجاً، على تقدير ذوي زهرة.

فإن قلت: ما معنى الزهرة فيمن حرّك؟

قلت: معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة، كما جاء في الْجَهْرَة الْجَهَرَة.

وقرئ: ﴿ أَرِنَا الله ﴾ [النساء: 153] .

وأن تكون جمع زاهر، وصفاً لهم بأنهم زاهرو هذه الدنيا، لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون؛ وتهلل وجوههم وبهاء زيهم وشارتهم بخلاف ما عليه المؤمنون والصلحاء: من شحوب الألوان والتقشف في الثياب ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ ﴾ لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب، لوجود الكفران منهم.

أو لنعذبهم في الآخرة بسببه ﴿ وَرِزْقُ رَبّكَ ﴾ هو ما ادّخر له من ثواب الآخرة الذي هو خير منه في نفسه وأدوم.

وأو ما رزقه من نعمة الإسلام والنبوّة.

أو لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه، والحلال ﴿ خَيْرٌ وأبقى ﴾ لأن الله لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى رزقاً أصلاً وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي رافع قال: بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودي وقال: «قلْ لَهُ يقولُ لَكَ رسولُ اللَّهِ أقرضْني إلى رجب» ، فقالَ: واللَّهِ لا أقرضتُه إلاّ بَرْهَنَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنِّي لأمينُ في السماءِ وإنِّي لأمين في الأرضِ، احملْ إليهِ درعِي الحديدِ» فنزلَتْ ولا تمدّنَ عينيك.

<div class="verse-tafsir"

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ١٣٢

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة ﴾ أي وأقبل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة؛ واستعينوا بها على خصاصتكم؛ ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، فإنّ رزقك مكفى من عندنا، ونحن رازقوك ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك ففرّغ بالك لأمر الآخرة.

وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله.

وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.

وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصابت أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ١٣٣

اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوّة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، من قبل أنّ القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة.

وقرئ: ﴿ الصحف ﴾ بالتخفيف.

ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ١٣٤

قرئ ﴿ نَّذِلَّ ونخزى ﴾ على لفظ ما لم يسم فاعله.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ كُلٌّۭ مُّتَرَبِّصٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ١٣٥

﴿ كُلٌّ ﴾ أي كل واحد منا ومنكم ﴿ مُّتَرَبّصٌ ﴾ للعاقبة ولما يؤول إليه أمرنا وأمركم.

وقرئ: ﴿ السواء ﴾ بمعنى الوسط والجيد.

أو المستوى والسوء والسوأي والسوي تصغير السوء.

وقرئ: ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ قال أبو رافع: حفظْتهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأ سورةَ طهَ أُعطيَ يومَ القيامةِ ثوابَ المهاجرينَ والأنصار.» وقالَ: «لا يقرأُ أهلُ الجنةِ مِنَ القرآنِ إلاَّ طهَ ويسَ» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله