الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٣٠ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 137 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٠ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منبها على قدرته التامة ، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء ، وقهره لجميع المخلوقات ، فقال : ( أولم ير الذين كفروا ) أي : الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره ، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق ، المستبد بالتدبير ، فكيف يليق أن يعبد غيره أو يشرك به ما سواه ، ألم يروا ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ) أي : كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم ، بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر ، ففتق هذه من هذه .
فجعل السماوات سبعا ، والأرض سبعا ، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء ، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض; ولهذا قال : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) أي : وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئا فشيئا عيانا ، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء : ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد قال سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن عكرمة قال : سئل ابن عباس : الليل كان قبل أو النهار؟
فقال : أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقا ، هل كان بينهما إلا ظلمة؟
ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة ، حدثنا حاتم ، عن حمزة بن أبي محمد ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر; أن رجلا أتاه يسأله عن السماوات والأرض ( كانتا رتقا ففتقناهما ) ؟
.
قال : اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ، ثم تعال فأخبرني بما قال لك .
قال : فذهب إلى ابن عباس فسأله .
فقال ابن عباس : نعم ، كانت السماوات رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت .
فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر ، وفتق هذه بالنبات .
فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره ، فقال ابن عمر : الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علما ، صدق - هكذا كانت .
قال ابن عمر : قد كنت أقول : ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن ، فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علما .
وقال عطية العوفي - : كانت هذه رتقا لا تمطر ، فأمطرت .
وكانت هذه رتقا لا تنبت ، فأنبتت .
وقال إسماعيل بن أبي خالد : سألت أبا صالح الحنفي عن قوله : ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) ، قال : كانت السماء واحدة ، ففتق منها سبع سماوات ، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين .
وهكذا قال مجاهد ، وزاد : ولم تكن السماء والأرض متماستين .
وقال سعيد بن جبير : بل كانت السماء والأرض ملتزقتين ، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض ، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه .
وقال الحسن ، وقتادة ، كانتا جميعا ، ففصل بينهما بهذا الهواء .
وقوله : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) أي : أصل كل الأحياء منه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهر ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثنا قتادة عن أبي ميمونة ، عن أبي هريرة أنه قال : يا نبي الله إذا رأيتك قرت عيني ، وطابت نفسي ، فأخبرني عن كل شيء ، قال : " كل شيء خلق من ماء " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أبي ميمونة ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني إذا رأيتك طابت نفسي ، وقرت عيني ، فأنبئني عن كل شيء .
قال : " كل شيء خلق من ماء " قال : قلت : أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة .
قال : " أفش السلام ، وأطعم الطعام ، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ، ثم ادخل الجنة بسلام " .
ورواه أيضا عبد الصمد وعفان وبهز ، عن همام .
تفرد به أحمد ، وهذا إسناد على شرط الصحيحين ، إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن ، واسمه سليم ، والترمذي يصحح له .
وقد رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مرسلا والله أعلم .
يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء الذي كفروا بالله بأبصار قلوبهم، فيروا بها، ويعلموا أن السماوات والأرض كانتا رَتْقا: يقول: ليس فيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتين، يقال منه: رتق فلان الفتق: إذا شدّه، فهو يرتقه رتقا ورتوقا، ومن ذلك قيل للمرأة التي فرجها ملتحم: رتقاء، ووحد الرتق، وهو من صفة السماء والأرض، وقد جاء بعد قوله (كانَتا) لأنه مصدر، مثل قول الزور والصوم والفطر.
وقوله (فَفَتَقْناهُما) يقول: فصدعناهما وفرجناهما.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السماوات والأرض بالرتق وكيف كان الرتق، وبأيْ معنى فتق؟
فقال بعضهم: عنى بذلك أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ) يقول: كانتا ملتصقتين.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)...
الآية، يقول: كانتا ملتصقتين، فرفع السماء ووضع الأرض.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) كان ابن عباس يقول: كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كان الحسن وقتادة يقولان: كانتا جميعا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن السماوات كانت مرتتقة طبقة، ففتقها الله فجعلها سبع سماوات وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين * ذكر من قال: ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى ( رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) من الأرض ستّ أرضين معها فتلك سبع أرضين معها، ومن السماء ستّ سماوات معها، فتلك سبع سماوات معها، قال: ولم تكن الأرض والسماء متماسَّتين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: فتقهنّ سبع سماوات، بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنّ تحت بعض.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال: سألت أبا صالح عن قوله ( كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانت الأرض رتقا والسماوات رتقا، ففتق من السماء سبع سماوات، ومن الأرض سبع أرضين.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: كانت سماء واحدة ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض، فذلك حين يقول خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يَقُولُ ( كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا).
وقال آخرون: بل عنى بذلك أن السماوات كانت رتقا لا تمطر، والأرض كذلك رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانتا رتقا لا يخرج منهما شيء، ففتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات.
قال: وهو قوله وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ .
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثنا أبي، عن الفضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات، وجعل من الماء كل شيء حيّ، أفلا يؤمنون؟
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) قال: كانت السماوات رتقا لا ينـزل منها مطر، وكانت الأرض رتقا لا يخرج منها نبات، ففتقهما الله، فأنـزل مطر السماء، وشقّ الأرض فأخرج نباتها، وقرأ ( فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ).
وقال آخرون: إنما قيل (فَفَتَقْنَاهُما) لأن الليل كان قبل النهار، ففتق النهار.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خلق الليل قبل النهار، ثم قال: كانتا رتقا ففتقناهما.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) على ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه.
فإن قال قائل: فإن كان ذلك كذلك، فكيف قيل: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا، والغيث إنما ينـزل من السماء الدنيا؟
قيل: إن ذلك مختلف فيه، قد قال قوم: إنما ينـزل من السماء السابعة، وقال آخرون: من السماء الرابعة، ولو كان ذلك أيضا كما ذكرت من أنه ينـزل من السماء الدنيا، لم يكن في قوله ( أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) دليل على خلاف ما قلنا، لأنه لا يمتنع أن يقال السماوات، والمراد منها واحدة فتجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وقميص أسمال.
فإن قال قائل: وكيف قيل إن السماوات والأرض كانتا، فالسماوات جمع، وحكم جمع الإناث أن يقال في قليلة كنّ، وفي كثيره كانت؟
قيل: إنما قيل ذلك كذلك لأنهما صنفان، فالسماوات نوع، والأرض آخر، وذلك نظير قول الأسود بن يعفر: إنَّ المَنِيَّـــةَ والحُــتُوفَ كِلاهُمــا تُــوفِي المَخـارِمَ يَرْقُبـانِ سَـوَادِي (1) فقال كلاهما ، وقد ذكر المنية والحتوف لما وصفت من أنه عنى النوعين، وقد أخبرت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: أنشدني غالب النفيلي للقطامي: ألـــمْ يَحْــزُنْكَ أنَّ حِبــالَ قَيْسٍ وَتَغْلِــبَ قَــدْ تَبايَنَتــا انْقِطاعَــا (2) فجعل حبال قيس وهي جمع، وحبال تغلب وهي جمع اثنين.
وقوله ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) يقول تعالى ذكره: وأحيينا بالماء الذي ننـزله من السماء كلّ شيء.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) قال: كلّ شيء حيّ خُلق من الماء.
فإن قال قائل: وكيف خصّ كل شيء حيّ بأنه جعل من الماء دون سائر الأشياء غيره، فقد علمت أنه يحيا بالماء الزروع والنبات والأشجار، وغير ذلك مما لا حياة له، ولا يقال له حيّ ولا ميت؟
قيل: لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت، وإن خالف معناه في ذلك معنى ذوات الأرواح في أنه لا أرواح فيهنّ وأن في ذوات الأرواح أرواحا، فلذلك قيل ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ).
وقوله ( أَفَلا يُؤْمِنُونَ ) يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهية من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة.
------------------------ الهوامش : (1) البيت للأسود بن يعفر النهشلي التميمي ( المفضليات 101 ) والمنية : الموت ، والحتوف جمع حتف ، يريد به أنواع الأخطار التي تؤدي إلى الموت والمخارم جمع مخرم : الطريق في الغلظ ( عن السكري ) .
وقيل : الطرق في الجبال وأفواه الفجاج ، وسواد الإنسان شخصه .
والشاهد في البيت أن الشاعر ذكر المنية والحتوف ثم قال يرقبان بالتثنية ، لأنه جعل المنية والحتوف نوعين للهلاك ، ثم قال : يرقبان .
ولو جرى على ما يقتضيه اللفظ لقال : ترقب سوادي ، لأن المنية والحتوف عدة أشياء .
(2) البيت للقطامي ، وهو الرابع من عينيته المشهورة التي مطلعها " قفي قبل التفرق يا ضباعا " ( انظر ديوانه ، طبعة ليدن سنة 1902 ، ص 27 ) .
قال : تباينت تفرقت .
والحبال : العلائق والعهود .
والشاهد في البيت أن الشاعر قال : تباينتا بلفظ التثنية ، مع أن حبال قيس جمع ، وحبال تغلب جمع ، فكان ظاهر اللفظ يقتضي أن يقول : ( تباينت انقطاعا ) مراعاة لمعنى الجمعية في حبال قيس وتغلب .
قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا قراءة العامة أولم بالواو .
وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد ( ألم تر ) بغير واو وكذلك هو في مصحف مكة .
أولم ير بمعنى يعلم .
الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا قال الأخفش : كانتا لأنهما صنفان ، كما تقول العرب : هما لقاحان أسودان ، وكما قال الله - عز وجل - : [ ص: 192 ] إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا قال أبو إسحاق : كانتا لأنه يعبر عن السماوات بلفظ الواحد بسماء ؛ ولأن السماوات كانت سماء واحدة ، وكذلك الأرضون .
وقال : رتقا ولم يقل رتقين ؛ لأنه مصدر ؛ والمعنى كانتا ذواتي رتق .
وقرأ الحسن ( رتقا ) بفتح التاء .
قال عيسى بن عمر : هو صواب وهي لغة .
والرتق السد ضد الفتق ، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم ، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج .
قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة : يعني أنها كانت شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء .
وكذلك قال كعب : خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها ففتحها بها ، وجعل السماوات سبعا والأرضين سبعا .
وقول ثان قاله مجاهد والسدي وأبو صالح : كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا .
وحكاه القتبي في عيون الأخبار له ، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله - عز وجل - : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما قال : كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها ، ففتق من هذه سبع سماوات ، ومن هذه سبع أرضين ؛ خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس ، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار ، وجعل فيها البحار وسماها رعاء ، مسيرة خمسمائة عام ؛ ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما ، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس ؛ وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم ، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج ، واسم تلك الأرض الدكماء ، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام ، ومنها هواء إلى الأرض .
الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود ، ولها أذناب مثل أذناب الخيل الطوال ، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم .
ثم خلق الله الخامسة في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار .
ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد ، فيها حجارة سود بهم ، ومنها خلقت تربة آدم - عليه السلام - ، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم ، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم ، فذلك قوله - عز وجل - : وقودها الناس والحجارة ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عربية وفيها جهنم ، فيها بابان اسم الواحد سجين والآخر الغلق ، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ينتهي كتاب الكفار ، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون ، وأما الغلق فهو مغلق لا [ ص: 193 ] يفتح إلى يوم القيامة .
وقد مضى في ( البقرة ) أنها سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام ، وسيأتي له في آخر ( الطلاق ) زيادة بيان إن شاء الله تعالى .
وقول ثالث قاله عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي : إن السماوات كانت رتقا لا تمطر ، والأرض كانت رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر ، والأرض بالنبات ؛ نظيره قوله - عز وجل - : والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع .
واختار هذا القول الطبري ؛ لأن بعده : وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون .قلت : وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة ؛ ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ؛ ليدل على كمال قدرته ، وعلى البعث والجزاء .
وقيل :يهون عليهم إذا يغضبو ن سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتوق ونقض الأمور وإبرامهاوفي قوله تعالى : وجعلنا من الماء كل شيء حي ثلاث تأويلات : أحدها : أنه خلق كل شيء من الماء ؛ قاله قتادة .
الثاني : حفظ حياة كل شيء بالماء .
الثالث : وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي ؛ قاله قطرب .
وجعلنا بمعنى خلقنا .
وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له من حديث أبي هريرة قال : قلت يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي ، وقرت عيني ، أنبئني عن كل شيء ؛ قال : كل شيء خلق من الماء الحديث ؛ قال أبو حاتم قول أبي هريرة : ( أنبئني عن كل شيء ) أراد به عن كل شيء خلق من الماء ، والدليل على صحة هذا جواب المصطفى إياه حيث قال : كل شيء خلق من الماء وإن لم يكن مخلوقا .
وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السماوات والأرض رتقا .
وقيل : الكل قد يذكر بمعنى البعض كقوله : وأوتيت من كل شيء وقوله : تدمر كل شيء والصحيح العموم ؛ لقوله - عليه السلام - : كل شيء خلق من الماء والله أعلم .أفلا يؤمنون أي أفلا يصدقون [ ص: 194 ] بما يشاهدون ، وأن ذلك لم يكن بنفسه ، بل لمكون كونه ، ومدبر أوجده ، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا .
أي: أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بربهم، وجحدوا الإخلاص له في العبودية، ما يدلهم دلالة مشاهدة، على أنه الرب المحمود الكريم المعبود، فيشاهدون السماء والأرض فيجدونهما رتقا، هذه ليس فيها سحاب ولا مطر، وهذه هامدة ميتة، لا نبات فيها، ففتقناهما: السماء بالمطر، والأرض بالنبات، أليس الذي أوجد في السماء السحاب، بعد أن كان الجو صافيا لا قزعة فيه، وأودع فيه الماء الغزير، ثم ساقه إلى بلد ميت; قد اغبرت أرجاؤه، وقحط عنه ماؤه، فأمطره فيها، فاهتزت، وتحركت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، مختلف الأنواع، متعدد المنافع، [أليس ذلك] دليلا على أنه الحق، وما سواه باطل، وأنه محيي الموتى، وأنه الرحمن الرحيم؟
ولهذا قال: { أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ْ} أي: إيمانا صحيحا، ما فيه شك ولا شرك.
( أولم ير الذين كفروا ) قرأ ابن كثير " ألم ير " [ بغير واو ] وكذلك هو في مصاحفهم ، معناه : ألم يعلم الذين كفروا ، ( أن السماوات والأرض كانتا رتقا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وقتادة : كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ( ففتقناهما ) فصلنا بينهما بالهواء ، والرتق في اللغة : السد ، والفتق : الشق .
قال كعب : خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ، ثم خلق ريحا فوسطها ففتحها بها .
قال مجاهد والسدي : كانت السموات مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانتا مرتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين .
قال عكرمة وعطية : كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات .
وإنما قال : ( رتقا ) على التوحيد وهو من نعت السموات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم ، مثل الزور والصوم ونحوهما .
( وجعلنا ) [ وخلقنا ] ( من الماء كل شيء حي ) أي : وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي : من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر ، يعني أنه سبب لحياة كل شيء والمفسرون يقولون : [ يعني ] أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء .
كقوله تعالى : ( والله خلق كل دابة من ماء ) ( النور : 45 ) ، قال أبو العالية : يعني النطفة ، فإن قيل : قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء؟
قيل : هذا على وجه التكثير ، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء ، ( أفلا يؤمنون )
«أوَلم» بواو وتركها «يرَ» يعلم «الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رَتقاً» سدا بمعنى مسدودة «ففتقناهما» جعلنا السماء سبعاً والأرض من سبعاً، أو فتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت، وفتق الأرض أن كانت لا تنبت فأنبتت «وجعلنا من الماء» النازل من السماء والنابع من الأرض «كل شيء حي» من نبات وغيره أي فالماء سبب لحياته «أفلا يؤمنون» بتوحيدي.
أولم يعلم هؤلاء الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه، ويخصُّوا الله بالعبادة؟
وبعد أن ساق - سبحانه - ألوانا من الأدلة الكونية الشاهدة بوحدانيته ، ومن الأدلة النقلية النافية للشركاء ، ومن الأدلة الوجدانية التى تهيج القلوب نحو الحق .
.
.
أتبع ذلك بتحريض الكافرين على التدبر فى ملكون السموات والأرض ، لعل هذا التدبر يهديهم إلى الإيمان .
فقال - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَرَ .
.
.
) .قوله ( رَتْقاً ) مصدر رقته رتقا : إذا سده .
يقال : رتق فلان الفتق رتقا ، إذا ضمه وسده ، وهو ضد الفتق الذى هو بمعنى الشق والفصل .وللعلماء فى معنى هذه الآية أقوال أشهرها : أن معنى ( كَانَتَا رَتْقاً ) أن السماء كانت صماء لا ينزل منها مطر ، وأن الأرض كانت لا يخرج منها نبات ، ففتق الله - تعالى - السماء بأن جعل المطر ينزل منها ، وفتق الأرض بأن جعل النبات يخرج منها .وهذا التفسير منسوب إلى ابن عباس ، فقد سئل عن ذلك فقال : كانت السموات رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت ، فلما خلق - سبحانه - للأرض أهلا ، فتق هذه بالمطر ، وفتق هذه بالنبات .ومنهم من يرى أن المعنى : كانت السموات والأرض متلاصقتين كالشىء الواحد ، ففتقهما الله - تعالى - بأن فصل بينهما ، فرفع السماء إلى مكانها ، وأبقى الأرض فى مقرها ، وفصل بينهما بالهواء .قال قتادة قوله ( كَانَتَا رَتْقاً ) يعنى أنهما كانا شيئا واحداً ففصل الله بينهما بالهواء .ومنهم من يرى أن معنى " كانتا رتقا " أن السموات السبع كانت متلاصقة بعضها ببعض ففتقها الله - تعالى - بأن جعلها سبع سموات منفصلة ، والأرضون كانت كذلك رتقا ، ففصل الله - تعالى - بينها وجعلها سبعا .قال مجاهد : كانت السموات طبقة واحدة مؤتلفة ، ففتقها فجعلها سبع سموات ، وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا " .وقد رجح بعض العلماء المعنى الأول فقال ما ملخصه : كونهما " كانتا رتقا " بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر ، والأرض لا تنبت ، ففتق - سبحانه - السماء بالمطر والأرض بالنبات ، هو الراجح وتدل عليه قرائن من كتاب الله - تعالى - منها :أن قوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا .
.
) يدل على أنهم رأوا ذلك لأن الأظهر فى رأى أنها بصرية ، والذى يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر ، والأرض لا نبات فيها .
فيشاهدون بأبصارهم نزول المطر من السماء ، وخروج النبات من الأرض .ومنها : أنه - سبحانه - أتبع ذلك بقوله : ( وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله .
أى : وجعلنا من الماء الذى أنزلناه بفتقنا السماء ، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض ، كل شىء حى .ومنها : أن هذا المعنى جاء موضحا فى آيات أخرى ، كقوله - تعالى - : ( والسمآء ذَاتِ الرجع والأرض ذَاتِ الصدع ) والمراد بالرجع : نزول المطر من السماء تارة بعد أخرى ، والمراد بالصدع : انشقاق الأرض عن النبات .
واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية والفخر الرازى .فإن قيل : هذا الوجه مرجوح ، لأن المطر لا ينزل من السموات ، بل من سماء واحدة وهى سماء الدنيا؟قلنا : إنما أطلق عليه لفظ الجمع ، لأن كل قطعة فيها سماء كما يقال : ثوب أخلاق - أى : قطع - .والآية الكريمة مسوقة بتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرهم ، مع أنهم يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، ويعلمون أن من كان كذلك ، لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه ، مما لا يضر ولا ينفع .والمعنى : أو لم يشاهد الذين كفروا بأبصارهم ، ويعلموا بعقولهم ، أن السموات والأرض كانتا رتقا ، بحيث لا ينزل من السماء مطر ، و لا يخرج من الأرض نبات ، ففتق الله - تعالى - السماء بالمطر ، والأرض بالنبات .إنهم بلا شك يشاهدون ذلك ، ويعقلونه بأفكارهم .
ولكنهم لاستيلاء الجحود والعناد عليهم ، يعبدون من دونه - سبحانه - مالا ينفع من عَبَده ، ولا يضر من عصاه .وقال - سبحانه - : ( كَانَتَا ) بالتثنية ، باعتبار النوعين اللذين هما نوع السماء ، ونوع الأرض ، كما فى قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ .
.
) وقوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ .
.
.
) تأكيد لمضمون ما سبق ، وتقرير لوحدانيته ونفاذ قدرته - سبحانه - والجعل بمعنى الخلق .
و ( مِنَ ) ابتدائية .أى : وخلقنا من الماء بقدرتنا النافذة ، كل شىء متصف بالحياة الحقيقية وهو الحيوان ، أو كل شىء نام فيدخل النبات ، ويراد من الحياة ما يشمل النمو .وهذا العام مخصوص بما سوى الملائكة والجن مما هو حى ، لأن الملائكة - كما جاء فى بعض الأخبار - خلقوا من النور ، والجن مخلوقون من النار .قال - تعالى - ( خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ) قال القرطبى : وفى قوله - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) ثلاث تأويلات : أحدها : أنه خلق كل شىء من الماء .
قاله قتادة .
الثانى : حفظ حياة كل شىء بالماء : الثالث : وجعلنا من ماء الصلب - أى : النطفة - كل شىء حى .
.وقوله : ( أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ) إنكار لعدم إيمانهم مع وضوح كل ما يدعو إلى الإيمان الحق ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه هذا الإنكار .أى : أيشاهدون بأعينهم ما يدل على وحدانية الله وقدرته .
ومع ذلك لا يؤمنون؟
إن أمرهم هذا لمن أعجب العجب ، وأغرب الغرائب!!
اعلم أنه سبحانه وتعالى شرع الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع، وهذه الدلائل أيضاً دالة على كونه منزهاً عن الشريك، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم، ووجود الإلهين يقتضي وقوع الفساد.
فهذه الدلائل تدل من هذه الجهة على التوحيد فتكون كالتوكيد لما تقدم.
وفيها أيضاً رد على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات الشريفة كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع.
فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر هاهنا ستة أنواع من الدلائل: النوع الأول: قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ أَنَّ السموات والأرض كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ألم ير بغير الواو والباقون بالواو وإدخال الواو يدل على العطف لهذا القول على أمر تقدمه.
قال صاحب الكشاف: قرئ رتقاً بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول كالخلق والنفض أي كانتا مرتوقتين، فإن قلت الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنه مصدر فما بال الرتق؟
قلت: هو على تقدير موصوف أي كانتا شيئاً رتقاً.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: المراد من الرؤية في قوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ ﴾ ، إما الرؤية، وإما العلم والأول مشكل، أما أولاً فلأن القوم ما رأوهما كذلك ألبتة، وأما ثانياً فلقوله سبحانه وتعالى: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض ﴾ ، وأما العلم فمشكل لأن الأجسام، قابلة للفتق والرتق في أنفسها، فالحكم عليها بالرتق أولاً وبالفتق ثانياً لا سبيل إليه إلا السمع، والمناظرة مع الكفار الذين ينكرون الرسالة، فكيف يجوز التمسك بمثل هذا الاستدلال.
والجواب: المراد من الرؤية هو العلم وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه: أحدها: أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله: ثم نجعله دليلاً على حصول النظام في العالم وانتقاء الفساد عنه وذلك يؤكد الدلالة المذكورة في التوحيد.
وثانياً: أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق والفتق والعقل، يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً.
وثالثها: أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك فإنه جاء في التوراة إن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السموات والأرض منها وفتق بينها، وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك.
المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ كانتا رتقاً ﴾ ولم يقل كن رتقاً لأن السموات لفظ الجمع والمراد به الواحد الدال على الجنس، قال الأخفش: السموات نوع والأرض نوع، ومثله: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ ﴾ ومن ذلك قولهم أصلحنا بين القومين، ومرت بنا غنمان أسودان، لأن هذا القطيع غنم وذلك غنم.
المسألة الرابعة: الرتق في اللغة السد، يقال: رتقت الشيء فارتتق والفتق الفصل بين الشيئين الملتصقين.
قال الزجاج: الرتق مصدر والمعنى كانتا ذواتي رتق، قال المفضل: إنما لم يقل كانتا رتقين كقوله: ﴿ وَمَا جعلناهم جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ لأن كل واحد جسد كذلك فيما نحن فيه كل واحد رتق.
المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها: وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن المعنى كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية، قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً توسطتهما ففتقهما بها.
وثانيها: وهو قول أبي صالح ومجاهد أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات وكذلك الأرضون.
وثالثها: وهو قول ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ ﴾ ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَىٍّ ﴾ وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا.
فإن قيل: هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا، قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق وبرمة أعشار.
واعلم أن هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار.
ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله: ﴿ فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ وكقوله: ﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السموات والأرض الذي فطَرَهُنَّ ﴾ فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق.
أقول وتحقيقه أن العدم نفي محض، فليس فيه ذوات مميزة وأعيان متباينة، بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازاً عن العدم والفتق عن الوجود.
وخامسها: أن الليل سابق على النهار، لقوله تعالى: ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار ﴾ وكانت السموات والأرض مظلمة أولاً ففتقهما الله تعالى بإظهار النهار المبصر، فإن قيل: فأي الأقاويل أليق بالظاهر؟
قلنا: الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقاً، ولا يجوز كونهما كذلك إلا وهما موجودان، والرتق ضد الفتق فإذا كان الفتق هو المفارقة فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحاً، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه الثاني.
وهو أن كل واحد منهما كان رتقاً ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعاً، ويتلوه الثالث وهو أنهما كانا صلبين من غير فطور وفرج، ففتقهما لينزل المطر من السماء، ويظهر النبات على الأرض.
المسألة السادسة: دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ظاهرة، لأن أحداً لا يقدر على مثل ذلك، والأقرب أنه سبحانه خلقهما رتقاً لما فيه من المصلحة للملائكة، ثم لما أسكن الله الأرض أهلها جعلهما فتقاً لما فيه من منافع العباد.
النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف قوله: وجعلنا لا يخلو إما أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدى إلى واحد فالمعنى خلقنا من الماء كل حيوان كقوله: ﴿ والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء ﴾ أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ﴾ وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لابد له منه، ومن هذا نحو من في قوله عليه السلام: «ما أنا من دد ولا الدد مني» وقرئ حياً وهو المفعول الثاني.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف قال: وخلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم ﴾ وجاء في الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى ﴾ وقال في حق آدم: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ والجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لابد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام، لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك.
المسألة الثالثة: اختلف المفسرون فقال بعضهم المراد من قوله: ﴿ كُلَّ شَيء حَىّ ﴾ الحيوان فقط، وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر لأنه من الماء صار نامياً وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر، وهذا القول أليق بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً، حجة القول الأول أن النبات لا يسمى حياً، قلنا لا نسلم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ فالمراد أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعلموا بها الخالق الذي لا يشبه غيره ويتركوا طريقة الشرك.
النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن تميد بهم كراهة أن تميد بهم أو لئلا تميد بهم فحذف لا واللام الأولى وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما ترى ذلك في قوله: ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ﴾ .
المسألة الثانية: الرواسي الجبال، والراسي هو الداخل في الأرض.
المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تنكفئ بأهلها كما تنكفئ السفينة، لأنها بسطت على الماء فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال.
النوع الرابع: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الفج الطريق الواسع، فإن قلت في الفجاج معنى الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى: ﴿ لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾ قلت لم تقدم وهي صفة، ولكنها جعلت حالاً كقوله: لعزة موحشاً طلل قديم *** والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلاً فجاجاً، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها طرقاً واسعة، وأما قوله: ﴿ فِجَاجاً سُبُلاً ﴾ فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها جعلها على تلك الصفة، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى.
المسألة الثانية: في قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ قولان: أحدهما أنها عائدة إلى الجبال، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجاً سبلاً، أي طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.
الثاني: أنها عائدة إلى الأرض، أي وجعلنا في الأرض فجاجاً وهي المسالك والطرق وهو قول الكلبي.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ معناه لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله تعالى.
المسألة الرابعة: في يهتدون قولان: الأول: ليهتدوا إلى البلاد.
والثاني: ليهتدوا إلى وحدانية الله تعالى بالاستدلال، قالت المعتزلة وهذا التأويل يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء.
والكلام عليه قد تقدم، وفيه قول ثالث وهو أن الإهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في مفهوم واحد وهو أصل الاهتداء فيحمل اللفظ على ذلك المشترك وحينئذ تكون الآية متناولة للأمرين ولا يلزم منه كون اللفظ المشترك مستعملاً في مفهوميه معاً.
النوع الخامس: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: سمى السماء سقفاً لأنها للأرض كالسقف للبيت.
المسألة الثانية: في المحفوظ قولان: أحدهما: أن محفوظ من الوقوع والسقوط الذين يجري مثلهما على سائر السقوف كقوله: ﴿ وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ وقال: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ السماء والأرض بِأَمْرِهِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يُؤُدهُ حِفْظُهُمَا ﴾ .
الثاني: محفوظاً من الشياطين قال تعالى: ﴿ وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ ﴾ ثم هاهنا قولان: أحدهما: أنه محفوظ بالملائكة من الشياطين.
والثاني: أنه محفوظ بالنجوم من الشياطين، والقول الأول أقوى لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظماً لأنه سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين بخلاف القول الثاني لأنه لا يخاف على السماء من استراق سمع الجن.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ ﴾ معناه عما وضع الله تعالى فيها من الأدلة والعبر في حركاتها وكيفية حركاتها وجهات حركاتها ومطالعها ومغاربها واتصالات بعضها ببعض وانفصالاتها على الحساب القويم والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة.
المسألة الرابعة: قرئ عن آيتها على التوحيد والمراد الجنس أي هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية كالاستضاءة بقمرها والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض بأمطارها وهم عن كونها آية بينة على وجود الخالق ووحدانيته معرضون.
النوع السادس: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي خَلَقَ اليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه لما قال: ﴿ وَهُمْ عَنْ ءاياتها مُعْرِضُونَ ﴾ فصل تلك الآيات هاهنا لأنه تعالى لو خلق السماء والأرض ولم يخلق الشمس والقمر ليظهر بهما الليل والنهار ويظهر بهما من المنافع بتعاقب الحر والبرد لم تتكامل نعم الله تعالى على عباده بل إنما يكون ذلك بسبب حركاتها في أفلاكها، فلهذا قال: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وتقريره أن نقول قد ثبت بالأرصاد أن للكواكب حركات مختلفة فمنها حركة تشملها بأسرها آخذة من المشرق إلى المغرب وهي حركة الشمس اليومية، ثم قال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة، وهاهنا حركة أخرى من المغرب إلى المشرق قالوا وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في الثابتة، واستدلوا عليها بأنا وجدنا الكواكب السيارة كلما كان منها أسرع حركة إذا قارن ما هو أبطأ حركة فإنه بعد ذلك يتقدمه نحو المشرق وهذا في القمر ظاهر جداً فإنه يظهر بعد الإجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من الشمس ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها على قريب من نصف الشهر وكل كوكب كان شرقياً منه على طريقته في ممر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي وتنكسف تلك الكواكب عنه بطرفه الغربي فعرفنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق، وكذلك وجدنا للكواكب الثابتة حركة بطيئة على توالي البروج فعرفنا أن لها حركة من المغرب إلى المشرق.
هذا ما قالوه ونحن خالفناهم فيه، وقلنا: إن ذلك محال لأن الشمس مثلاً لو كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة ولا شك أنها متحركة بسبب الحركة اليومية من المغرب إلى المشرق لزم كون الجرم الواحد متحركاً حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة احدة وذلك محال لأن الحركة إلى الجهة تقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين وهو محال.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: الشمس حال حركتها إلى الجانب الشرقي تنقطع حركتها إلى الجانب الغربي وبالعكس، وأيضاً فما ذكرتموه ينتقض بحركة الرحى إلى جانب والنملة التي تكون عليها تتحرك إلى خلاف ذلك الجانب، قلنا: أما الأول فلا يستقيم على أصولكم لأن حركات الأفلاك مصونة عن الانقطاع عندكم، وأما الثاني فهو مثال محتمل وما ذكرناه برهان قاطع فلا يتعارضان، أما الذي احتجوا به على أن للكواكب حركة من المغرب إلى المشرق فهو ضعيف، فإنه يقال لم لا يجوز أن يقال إن جميع الكواكب متحركة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض فيتخلف بعضها عن بعض بسبب ذلك التخلف فيظن أنها تتحرك إلى خلاف تلك الجهة مثلاً الفلك الأعظم استدارته من أول اليوم الأول إلى أول اليوم الثاني دورة تامة وفلك الثوابت استدارته من أول اليوم الأولى إلى أول اليوم الثاني دورة تامة إلا مقدار ثانية فيظن أن فلك الثوابت تحرك من الجهة الأخرى مقدار ثانية ولا يكون كذلك بل ذلك لأنه تخلف بمقدار ثانية، وعلى هذا التقدير فجميع الجهات شرقية وأسرعها الحركة اليومية، ثم يليها في السرعة فلك الثوابت ثم يليها زحل وهكذا إلى أن ينتهي إلى فلك القمر فهو أبطأ الأفلاك حركة وهذا الذي قلناه مع ما يشهد له البرهان المذكور فهو أقرب إلى ترتيب الوجود، فإن على هذا التقدير تكون نهاية الحركة الفلك المحيط وهو الفلك الأعظم ونهاية السكون الجرم الذي هو في غاية البعد وهو الأرض، ثم إن كل ما كان أقرب إلى الفلك المحيط كان أسرع حركة وما كان منه أبعد كان أبطأ فهذا ما نقوله في حركات الأفلاك في أطوالها وأما حركاتها في عروضها فظاهرة وذلك بسبب اختلاف ميولها إلى الشمال والجنوب.
إذا ثبت هذا فنقول لو لم يكن للكواكب حركة في الميل لكان التأثير مخصوصاً ببقعة واحدة، فكان سائر الجوانب تخلو عن المنافع الحاصلة منه، وكان الذي يقرب منه متشابه الأحوال وكانت القوة هناك لكيفية واحدة، فإن كانت حارة أفنت الرطوبات فأحالتها كلها إلى النارية، وبالجملة فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى وخط المتوسط بينهما على كيفية أخرى فيكون في موضع شتاء دائم ويكون فيه الهواء والعجاجة وفي موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق وفي موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه النضج ولو لم تكن عودات متتالية، وكان الكوكب يتحرك بطيئاً لكان الميل قليل المنفعة والتأثير شديد الإفراط، وكان يعرض قريباً مما لو لم يكن ميل ولو كانت الكواكب أسرع حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت، وأما إذا كان هناك ميل يحفظ الحركة في جهة مدة ثم ينتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة ويبقى في كل جهة برهة تم بذلك تأثيره بحيث يبقى مصوناً عن طرفي الإفراط والتفريط.
وبالجملة، فالعقول لا تقف إلا على القليل من أسرار المخلوقات فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية.
المسألة الثانية: أنه لا يجوز أن يقول: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ إلا ويدخل في الكلام مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع ومعنى الكل فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة أولاً فإنها مذكورة لعود هذا الضمير إليها والله أعلم.
المسألة الثالثة: الفلك في كلام العرب كل شيء دائر وجمعه أفلاك، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم وهو قول الضحاك، وقال الأكثرون: بل هي أجسام تدور النجوم عليها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه، وقال الكلبي: ماء مجموع تجري فيه الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء، قلنا؛ لا نسلم فإنه يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح، وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إنها أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والإلتئام والنمو والذبول، فأما الكلام على الفلاسفة فهو مذكور في الكتب اللائقة به، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفات السموات إلا بالخبر.
المسألة الرابعة: اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته أو موافقاً لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكوكب ساكناً، أما الرأي الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الأفلاك وهو محال، وأما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضاً يوجب الخرق وإن كانت حركتها إلى جهة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم لأن الكواكب تتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن يكون الكوكب مغروزاً في الفلك واقفاً فيه والفلك يتحرك فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك، واعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك وهو باطل بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون الأفلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء.
المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: ﴿ كُلٌّ ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي كلهم في فلك يسبحون والله أعلم.
المسألة السادسة: احتج أبو علي بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ قال والجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى: ﴿ والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ﴾ ، والجواب: إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة قال صاحب الكشاف: فإن قلت الجملة ما محلها قلت النصب على الحال من الشمس والقمر أو لا محل لها لاستئنافها، فإن قلت: لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك؟
قلت: هذا كقولهم كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي كل واحد منهم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ بغير واو.
و ﴿ رَتْقاً ﴾ بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول، كالخلق والنقض، أي: كانتا مرتوقتين.
فإن قلت: الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنه مصدر، فما بال الرتق؟
قلت: هو على تقرير موصوف، أي: كانتا شيئاً رتقاً ومعنى ذلك: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما.
أو كانت السموات متلاصقات، وكذلك الأرضون لا فرج بينها ففتقها الله وفرّج بينها.
وقيل: ففتقناها بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة، وإنما قيل: كانتا دون كنّ، لأنّ المراد جماعة السموات وجماعة الأرض، ونحوه قولهم: لقاحان سوداوان، أي: جماعتان، فعل في المضمر نحو ما فعل في المظهر.
فإن قلت: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئيِّ المشاهد.
والثاني: أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل، فلا بدّ للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه ﴿ وَجَعَلْنَا ﴾ لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدّى إلى واحد، فالمعنى: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله: ﴿ والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء ﴾ [النور: 45] أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه، كقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ ﴾ [الأنبياء: 37] وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى: صيرنا كل شيء حيّ بسبب من الماء لابد له منه.
و (من) هذا نحو (من) في قوله عليه السلام: «مَا أنَا مِنْ ددٍ ولا الددُ مِنْي» وقرئ ﴿ حيا ﴾ وهو المفعول الثاني.
والظرف لغو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أوْ لَمْ يَعْلَمُوا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِغَيْرِ واوٍ.
﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا ﴾ ذاتَ رَتْقٍ أوْ مَرْتُوقَتَيْنِ، وهو الضَّمُّ والِالتِحامُ أيْ كانَتا شَيْئًا واحِدًا وحَقِيقَةً مُتَّحِدَةً.
﴿ فَفَتَقْناهُما ﴾ بِالتَّنْوِيعِ والتَّمْيِيزِ، أوْ كانَتِ السَّمَواتُ واحِدَةً فَفُتِقَتْ بِالتَّحْرِيكاتِ المُخْتَلِفَةِ حَتّى صارَتْ أفْلاكًا، وكانَتِ الأرْضُونَ واحِدَةً فَجُعِلَتْ بِاخْتِلافِ كَيْفِيّاتِها وأحْوالِها طَبَقاتٍ أوْ أقالِيمَ.
وقِيلَ كانَتا بِحَيْثُ لا فُرْجَةَ بَيْنَهُما فَفُرِجَ.
وقِيلَ كانَتا رَتْقًا لا تُمْطِرُ ولا تَنْبُتُ فَفَتَقْناهُما بِالمَطَرِ والنَّباتِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ ( السَّماواتِ ) سَماءُ الدُّنْيا وجَمْعُها بِاعْتِبارِ الآفاقِ أوِ السَّماواتُ بِأسْرارِها عَلى أنَّ لَها مَدْخَلًا ما في الأمْطارِ، والكَفَرَةُ وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ العِلْمِ بِهِ نَظَرًا فَإنَّ الفَتْقَ عارِضٌ مُفْتَقِرٌ إلى مُؤَثِّرٍ واجِبٍ ابْتِداءً أوْ بِوَسَطٍ، أوِ اسْتِفْسارًا مِنَ العُلَماءِ ومُطالَعَةً لِلْكُتُبِ، وإنَّما قالَ كانَتا ولَمْ يَقُلْ كُنْ لِأنَّ المُرادَ جَماعَةُ السَّمَواتِ وجَماعَةُ الأرْضِ.
وقُرِئَ «رَتْقًا» بِالفَتْحِ عَلى تَقْدِيرِ شَيْئًا رَتْقًا أيْ مَرْتُوقًا كالرَّفْضِ بِمَعْنى المَرْفُوضِ.
﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ وخَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ مَوادِّهِ أوْ لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ بِعَيْنِهِ، أوْ صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بِسَبَبٍ مِنَ الماءِ لا يَحْيا دُونَهُ.
وقُرِئَ «حَيًّا» عَلى أنَّهُ صِفَةُ ( كُلَّ ) أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ، والظَّرْفُ لَغْوٌ والشَّيْءُ مَخْصُوصٌ بِالحَيَوانِ.
( ﴿ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ ) مَعَ ظُهُورِ الآياتِ.
<div class="verse-tafsir"
{أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ} ألم ير مكي {أن السماوات والأرض كانتا} أي جماعة السموات وجماعة الأرض فلذا لم يقل كن {رَتْقاً} بمعنى المفعول أي كانتا مرتوقتين وهو مصدر فلذا صلح أن يقع موقع مرتوقتين {ففتقناهما} فشققناهما والفتق الفصل بين الشيئين والرتق ضد الفتق فإن قيل متى رأوهما رتقاً حتى جاء تقريرهم بذلك قلنا إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة فقام مقام المرئي المشاهد ولأن الرؤية بمعنى العلم وتلاصق الأرض والسماء وتباينهما جائزان في العقل فالاختصاص بالتباين دون التلاصق لا بد له من مخصص وهو القديم
وقيل كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها الله تعالى وجعلها سبع سموات وكذلك الارض كانت مرتتقة طبقة واحد ففتقها وجعلها سبع أرضين وقيل كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتبا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ} أي خلقنا من الماء كل حيوان كقوله والله خلق كل دابة من ماء أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبر عنه كقوله خلق السموات من عجل {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} يصدقون بما يشاهدون
﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ تَجْهِيلٌ لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ وكَوْنِ جَمِيعِ ما سِواهُ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ ويَعْلَمُونَ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْدِلَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ حَجَرٍ أوْ نَحْوِهِ مِمّا لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمِيدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِغَيْرِ واوٍ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ مِنَ السَّماواتِ طائِفَتُها ولِذا ثُنِّيَ الضَّمِيرُ ولَمْ يُجْمَعْ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ وكَذا قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما دُونَ المَحارِمِ يَرْقُبانِ سَوادِي وأُفْرِدَ الخَبَرَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ رَتْقًا ﴾ ولَمْ يُثَنَّ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والحَمْلُ إمّا بِتَأْوِيلِهِ بِمُشْتَقٍّ أوْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتَيْ رَتْقٍ، وهو في الأصْلِ الضَّمُّ والِالتِحامُ خِلْقَةً كانَ أمْ صَنْعَةً، ومِنهُ الرَّتْقاءُ المُلْتَحِمَةُ مَحِلَّ الجِماعِ وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى (رَتَقًا ) بِفَتْحِ التّاءِ وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَّقْضِ والنَّقْضِ فَكانَ قِياسُهُ أنْ يُثَنّى هُنا لِيُطابِقَ الِاسْمَ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ كانَتا شَيْئًا رَتْقًا وشَيْءٌ اسْمُ جِنْسٍ شامِلٍ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ فَيَصِحُّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ المُثَنّى كالجَمْعِ ويُحَسِّنُهُ أنَّهُ في حالِ الرَّتْقِيَّةِ لا تَعَدُّدَ فِيهِ.
وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: الأكْثَرُ في هَذا البابِ أنْ يَكُونَ المُتَحَرِّكُ مِنهُ اسْمًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والسّاكِنُ مَصْدَرًا وقَدْ يَكُونانِ مَصْدَرَيْنِ، والأوْلى هُنا كَوْنُهُما كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَوْجِيهِ الإخْبارِ، وقَدْ أُرِيدَ بِالرَّتْقِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ حالَةُ العَدَمِ إذْ لَيْسَ فِيهِ ذَواتٌ مُتَمَيِّزَةٌ فَكَأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ أمْرٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ مُتَشابِهٌ وأُرِيدَ بِالفَتْقِ وأصْلُهُ الفَصْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَفَتَقْناهُما ﴾ الإيجادُ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ وانْفِصالِ بَعْضِ الحَقائِقِ عَنِ البَعْضِ بِهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ) [الأنْعامَ: 14، يُوسُفَ: 101، إبْراهِيمَ: 10، فاطِرَ: 1، الزُّمَرَ: 46، الشُّورى: 11] بِناءً عَلى أنَّ الفَطْرَ الشَّقُّ وظاهِرُهُ نَفْيُ تَمايُزِ المَعْدُوماتِ، والَّذِي حَقَّقَهُ مَوْلانا الكُورانِيُّ في جَلاءِ الفُهُومِ وذَبَّ عَنْهُ حَسَبَ جُهْدِهِ أنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ مُتَصَوَّرٌ ولا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ إلّا بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ وإلّا لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِ مُتَصَوَّرًا أوْلى مِن غَيْرِهِ ولِأنَّ بَعْضَ المَعْدُوماتِ قَدْ يَكُونُ مُرادًا دُونَ بَعْضٍ ولَوْلا التَّمْيِيزُ بَيْنَها لَما عُقِلَ ذَلِكَ إذِ القَصْدُ إلى إيجادِ غَيْرِ المُتَعَيَّنِ مُمْتَنِعٌ لِأنَّ ما لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ في نَفْسِهِ لَمْ يَتَمَيَّزِ القَصْدُ إلَيْهِ عَنِ القَصْدِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُقالُ عَلى هَذا: يَكْفِي في تِلْكَ الإرادَةِ عَدَمُ تَمايُزِ السَّماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العَدَمِ نَظَرًا إلى الخارِجِ المُشاهَدِ، وأيًّا ما كانَ فَمَعْنى الآيَةِ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مَعْدُومَتَيْنِ فَأوْجَدْناهُما، ومَعْنى عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ تَمَكُّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِ بِأدْنى نَظَرٍ لِأنَّهُما مُمْكِنانِ، والمُمْكِنُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ وحْدَها يَكُونُ مَعْدُومًا واتِّصافُهُ بِالوُجُودِ لا يَكُونُ إلّا مِن واجِبِ الوُجُودِ.
قالَ ابْنُ سِينا في المَقالَةِ الثّامِنَةِ مِن إلَهِيّاتِ الشِّفاءِ: سائِرُ الأشْياءِ غَيْرُ واجِبِ الوُجُودِ لا تَسْتَحِقُّ الوُجُودَ بَلْ هِيَ في أنْفُسِها ومَعَ قَطْعِ إضافَتِها إلى الواجِبِ تَسْتَحِقُّ العَدَمَ ولا يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ وُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ إمْكانِهِما الضَّرُورِيِّ عَنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذِيمُقْرَطِيسُ مِن أنَّ وُجُودَ العالَمِ إنَّما كانَ بِالِاتِّفاقِ وذَلِكَ لِأنَّ مَبادِيَهُ أجْرامٌ صِغارٌ لا تَتَجَزَّأُ لِصَلابَتِها وهي مَبْثُوثَةٌ في خَلاءٍ غَيْرِ مُتَناهٍ وهي مُتَشاكِلَةُ الطَّبائِعِ مُخْتَلِفَةُ الأشْكالِ دائِمَةُ الحَرَكَةِ فاتَّفَقَ أنْ تَضامَّتْ جُمْلَةٌ مِنهُ واجْتَمَعَتْ عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَتَكَوَّنَ مِنها هَذا العالَمُ فَضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، ووافَقَهُ عَلَيْهِ عَلى ما قِيلَ أبْناذِقْلَسُ لَكِنَّ الأوَّلَ زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ لَيْسَ بِالِاتِّفاقِ وهَذا زَعَمَ أنَّ تَكَوُّنَ الأجْرامِ الأسْطَقْسِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ أيْضًا إلّا أنَّ ما اتَّفَقَ إنْ كانَ ذا هَيْئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَلى وجْهٍ يَصْلُحُ لِلْبَقاءِ والنَّسْلِ بَقِيَ وما اتَّفَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ، وهَذا الهَذَيانُ بَعِيدٌ مِن هَذا الرَّجُلِ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ مِن رُؤَساءِ يُونانَ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلَقّى العِلْمَ مِنهُ واخْتَلَفَ إلى لُقْمانَ الحَكِيمِ واقْتَبَسَ مِنهُ الحِكْمَةَ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَهُما عَنِ العِلَّةِ حادِثٌ بَلِ العالَمُ المَحْسُوسُ مِنهُ وغَيْرُهُ حادِثٌ حُدُوثًا زَمانِيًّا بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ وما يُتَوَهَّمُ مِن بَعْضِ عِباراتِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّهُ حادِثٌ بِالذّاتِ قَدِيمٌ بِالزَّمانِ مَصْرُوفٌ عَنْ ظاهِرِهِ إذْ هم أجَلُّ مِن أنْ يَقُولُوا بِهِ لِما أنَّهُ كُفْرٌ.
والفَلاسِفَةُ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى ثَلاثَةِ آراءٍ فَجَماعَةٌ مِنَ الأوائِلِ الَّذِينَ هم أساطِينُ مِنَ المَلْطِيَّةِ وسامِيا صارُوا إلى القَوْلِ بِحُدُوثِ مَوْجُوداتِ العالَمِ مَبادِيها وبَسائِطِها ومُرَكَّباتِها وطائِفَةٌ مِنَ الأتِينِينِيَّةِ وأصْحابِ الرِّواقِ صارُوا إلى قِدَمِ مَبادِيها مِنَ العَقْلِ والنَّفْسِ والمُفارَقاتِ والبَسائِطِ دُونَ المُتَوَسِّطاتِ والمُرَكَّباتِ فَإنَّ المَبادِيَ عِنْدَهم فَوْقَ الدَّهْرِ والزَّمانِ فَلا يَتَحَقَّقُ فِيها حُدُوثٌ زَمانِيٌّ بِخِلافِ المُرَكَّباتِ الَّتِي هي تَحْتَ الدَّهْرِ والزَّمانِ ومَنَعُوا كَوْنَ الحَرَكاتِ سَرْمَدِيَّةً، ومَذْهَبُ أرِسْطُو ومَن تابَعَهُ مِن تَلامِذَتِهِ أنَّ العالَمَ قَدِيمٌ وأنَّ الحَرَكاتِ الدَّوْرِيَّةَ سَرْمَدِيَّةٌ، وهَذا بِناءً عَلى المَشْهُورِ عَنْهُ وإلّا فَقَدْ ذُكِرَ في الأسْفارِ أنَّ أساطِينَ الحِكْمَةِ المُعْتَبَرِينَ عِنْدَ الطّائِفَةِ ثَمانِيَةٌ ثَلاثَةٌ مِنَ المَلْطِيِّينَ ثالسُ وانْكَسْيَمائِسُ وأغاثاذِيمُونُ، وخَمْسَةٌ مِنَ اليُونانِيِّينَ أبْناذِقْلَسُ وفِيثاغُورْسُ وسُقْراطُ وأفْلاطُونُ وأرِسْطُو وكُلُّهم قائِلُونَ بِما قالَ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعُهم مِن حُدُوثِ العالَمِ بِجَمِيعِ جَواهِرِهِ وأعْراضِهِ وأفْلاكِهِ وأمْلاكِهِ وبَسائِطِهِ ومُرَكَّباتِهِ، ونُقِلَ عَنْ كُلٍّ كَلِماتٌ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وكَذا نُقِلَ عَنْ غَيْرِ أُولَئِكَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ولَوْلا مَخافَةُ السَّآمَةِ لَنَقَلْتُ ذَلِكَ ولَعَلِّي أنْقُلُ شَيْئًا مِنهُ في مَحِلِّهِ الألْيَقِ بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي وأقَرَّ الأرْضَ.
وقالَ كَعْبُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ مُلْتَصِقَتَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا فَتَوَسَّطَهُما فَفَتَقَهُما.
وعَنِ الحَسَنِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ عَلَيْها دُخانٌ مُلْتَصِقٌ بِها ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ وخَلَقَ مِنهُ السَّماواتِ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها وبَسَطَ مِنها الأرْضَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ فَجَعَلَ سَبْعَ سَمَواتٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ كانَتْ مُرَتَّقَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها فَجَعَلَها سَبْعَ أرْضِينَ، والمُرادُ مِنَ العِلْمِ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ التَّمَكُّنُ مِنهُ أيْضًا إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ بَلْ بِالِاسْتِفْسارِ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يُخالِطُونَهم ويَقْبَلُونَ أقْوالَهم وقِيلَ بِذَلِكَ أوْ بِمُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ويَدْخُلُ فِيها القُرْآنُ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوهُ لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً في نَفْسِهِ وفي ذَلِكَ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَسَألَهُ عَنِ الآيَةِ فَقالَ: اذْهَبْ إلى ذَلِكَ الشَّيْخِ فاسْألْهُ ثُمَّ تَعالَ فَأخْبِرْنِي وكانَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ: نَعَمْ كانَتِ السَّماواتُ رَتْقًا لا تُمْطِرُ وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى لِلْأرْضِ أهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالمَطَرِ وفَتَقَ هَذِهِ بِالنَّباتِ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلى ابْنِ عُمَرَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: الآنَ عَلِمْتُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ أُوتِيَ في القُرْآنِ عِلْمًا صَدَقَ ابْنُ عَبّاسٍ هَكَذا كانَتْ، ورَوى عَنْهُ ما هو بِمَعْنى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ والحُجَّةَ وتَعْدِيدَ النِّعْمَةِ ويُناسِبُ ما يُذْكَرُ بَعْدُ والرَّتْقُ والفَتْقُ مَجازِيّانِ عَلَيْهِ كَما هُما كَذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ جِهَةُ العُلُوِّ أوْ سَماءُ الدُّنْيا، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الآفاقِ أوْ مِن بابِ ثَوْبِ أخْلاقِ، وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ ولِكُلٍّ مِنَ السَّماواتِ مَدْخَلٌ في المَطَرِ، والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ العِلْمُ أيْضًا وعِلْمُ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً وجَعْلُها عِلْمِيَّةً أوْلى، ومِنَ البَعِيدِ ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَماءِ الإسْلامِ أنَّ الرَّتْقَ انْطِباقُ مِنطَقَتَيِ الحَرَكَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ المُوجِبُ لِبُطْلانِ العِماراتِ وفُصُولِ السَّنَةِ والفَتْقُ افْتِراقُهُما المُقْتَضِي لِإمْكانِ العِمارَةِ وتَمْيِيزِ الفُصُولِ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ عَلى الأُصُولِ الإسْلامِيَّةِ الَّتِي أصَّلَها السَّلَفُ الصّالِحُ كَما لا يَخْفى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أنَّ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ عَطْفِهِ عَلى فَتَقْنا، والجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، ومِنَ ابْتِدائِيَّةٌ والماءُ هو المَعْرُوفُ أيْ خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ أيْ مُتَّصِفٍ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ.
ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ.
وجَماعَةٌ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ ﴾ ووَجْهُ كَوْنِ الماءِ مَبْدَأٌ ومادَّةٌ لِلْحَيَوانِ وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ أنَّهُ أعْظَمُ مَوادِّهِ وفَرْطُ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ بِعَيْنِهِ ولا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ العامِّ لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَذا الجِنَّ أحْياءٌ ولَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ الماءِ ولا مُحْتاجِينَ إلَيْهِ عَلى الصَّحِيحِ.
وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى خَلَقْنا كُلَّ نامٍ مِنَ الماءِ فَيَدْخُلُ النَّباتُ ويُرادُ بِالحَياةِ النُّمُوُّ أوْ نَحْوُهُ، ولَعَلَّ مَن زَعَمَ أنَّ في النَّباتِ حِسًّا وشُعُورًا أبْقى الحَياةَ عَلى ظاهِرِها، وقالَ قُطْرُبُ، وجَماعَةٌ: المُرادُ بِالماءِ النُّطْفَةُ ولا بُدَّ مِنَ التَّخْصِيصِ بِما سِوى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والجِنِّ أيْضًا بَلْ بِما سِوى ذَلِكَ والحَيَواناتِ المَخْلُوقَةِ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ كَأكْثَرِ الحَشَراتِ الأرْضِيَّةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ وهُما هُنا ( كُلَّ ومِنَ الماءِ ) وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومِنَ اتِّصالِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ : ««ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَّدُ مِنِّي»» والمَعْنى صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ مُتَّصِلًا بِالماءِ أيْ مُخالِطًا لَهُ غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحْيا دُونَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( كُلَّ ) وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ مِن عَلى هَذا بَيانِيَّةً تَجْرِيدِيَّةً فَيَكُونُ قَدْ جُرِّدَ مِنَ الماءِ الحَيِّ مُبالَغَةً كَأنَّهُ هو، وقَرَأ حُمَيْدٌ (حَيًّا ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ( كُلَّ ) أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لا يَحْيا، والشَّيْءُ مَخْصُوصٌ بِالحَيَوانِ لِأنَّهُ المَوْصُوفُ بِالحَياةِ، وجَوَّزَ تَعْمِيمَهُ لِلنَّباتِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ حَيٌّ حَياةً لائِقَةً بِهِ وهُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ تَسْبِيحَ الأشْياءِ المُفادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ قالِيٌّ لا حالِيٌّ، وإذا قِيلَ بِذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ الشَّيْءِ أيْضًا إذا لَمْ يَجْعَلْ مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا ولَمْ أقِفْ عَلى مُخالِفٍ في ذَلِكَ مِنّا، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ ثالِسَ المَلْطِيِّ وهو أوَّلُ مَن تَفَلْسَفَ بِمَلْطِيَّةَ أنَّ أصْلَ المَوْجُوداتِ الماءُ حَيْثُ قالَ: الماءُ قابِلٌ كُلَّ صُورَةٍ ومِنهُ أُبْدِعَتِ الجَواهِرُ كُلُّها مِنَ السَّماءِ والأرْضِ انْتَهى.
ويُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلى مَشْرَبٍ صُوفِيٍّ بِأنْ يُقالَ إنَّهُ أرادَ بِالماءِ الوُجُودَ الِانْبِساطِيَّ المُعَبَّرَ عَنْهُ في اصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ بِالنَّفْسِ الرَّحْمانِيِّ، وحِينَئِذٍ لَوْ جُعِلَتِ الإشارَةُ في الآيَةِ إلى ذَلِكَ عِنْدَهم لَمْ يَبْعُدْ ﴿ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ إنْكارٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ مَعَ ظُهُورِ ما يُوجِبُهُ حَتْمًا مِنَ الآياتِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهُ الإنْكارُ أيْ أيَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ، أي: من الملائكة: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ، يعني: من دون الله، ولم يقل ذلك غير إبليس عدو الله.
فَذلِكَ، يعني: ذلك القائل نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، أي: الكافرين.
قوله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: أو لم يخبروا في الكتاب؟
قرأ ابن كثير: الم ير بغير واو وقرأ الباقون بالواو ومعناهما قريب.
أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً يعني: ملتزما فَفَتَقْناهُما، أي: فرقناهما وأبنا بعضها من بعض.
وقال مجاهد: كانت السماء لا تمطر والأرض لا تنبت، ففتقناهما بالمطر والنبات، وقال القتبي: كانتا منضمتين ففتقنا السماء بالمطر، والأرض بالنبات وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانت السموات واحدة والأرض واحدة، فتفتقت السماء سبعاً، والأرض مثلهن.
وقال الزجاج: ذكر السموات والأرض ثم قال: كانَتا رَتْقاً لأن السموات يعبر عنها بالسماء بلفظ الواحد، وأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرض، والمعنى أن السموات كانت واحدة ففتقتها وجعلتها سبعاً، وكذلك الأرض.
وقيل: إنما فتقت السماء بالمطر، والأرض بالنبات بدليل قوله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، وقال: رَتْقاً ولم يقل رتقين، لأن الرتق مصدر، والمعنى: كانتا ذواتي رتق، ودلهم بهذا على توحيده حيث قال: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ يعني: جعلنا الماء حياة كل شيء، وهو قول مقاتل.
وقال قتادة: خلق كل شيء حي من الماء، وقال أبو العالية رحمه الله: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ يعني: من النطفة.
أَفَلا يُؤْمِنُونَ؟
يعني: أفلا يصدقون بتوحيد الله بعد هذه العجائب.
<div class="verse-tafsir"
الأمر، ثم أَخْبَرَ تعالى: أَنَّهُم لا يشفعون إلاَّ لِمَنِ ارتضى اللَّه أَنْ يشْفَعَ له، قال بعضُ المفسرين: لأَهْلِ لا إله إلاّ اللَّه، والمُشْفِقُ: المُبَالِغُ في الخوفِ، المُحْتَرِقُ النَّفْسِ من الفَزَع على أَمْرٍ ما.
وقوله سبحانه: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ ...
الآية، المعنى: وَمَنْ يَقُلْ منهم كذا أَنْ لو قاله، وليس منهم مَنْ قال هذا، وقال بَعْضُ المفسرين: المراد بقوله:
وَمَنْ يَقُلْ ...
الآية: إبْلِيسُ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ إبَلِيسِ لم يُرْوَ قَطَّ أَنَّهُ ادَّعَى الرُّبِوبِيَّة، ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على عِبْرَةٍ دَالَّةٍ على وَحْدَانِيَّتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، فقال: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً والرَّتْقُ: المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، الذي لا صَدْعَ فيه ولا فَتْحَ، ومنه: امرأةً رتْقَاءُ، واخْتُلِفِ في معنى قوله: كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما فقالت فِرْقَةٌ:
كانت السماءُ ملتصقة بالأرض ففتقهما اللهُ بالهواء، وقالت فرقةٌ: كانت السمواتُ ملتصقةً بَعْضَهَا ببعضٍ، والأرضُ كذلك ففتقهما الله سبعاً سبعاً فعلى هذين القولين فالرُّؤيَةُ الموقَفِ عليها رؤيةُ قلبٍ، وقالت فرقةٌ: السماءُ قبل المَطَرَ رَتْقٌ، والأَرضُ قبل النباتِ رَتْقٌ ففتقهما الله تعالى بالمَطَرِ والنَّبَاتِ كما قال تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١١، ١٢] .
وهذا قولٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتعديدَ النعمةِ والحُجَّةِ بِمحسوسٍ بَيِّنٍ، ويُنَاسِبُ قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي: من الماءِ الذي كان عَن الفَتْقِ، فَيَظْهَرُ معنى الآية، ويتوجَّهُ الاعتبارُ بها، وقالت فرقة: السماءُ والأَرْضُ رَتْقٌ بالظُّلْمَةِ ففتقهما الله بالضَّوْءِ والرُّؤْيَةِ على هذين القولين رُؤْيَةُ العَيْنِ، وباقي الآية بَيِّنٌ.
قال ص: قال الزَّجَّاجُ: السمواتُ جَمْعٌ أُرِيدَ به الواحد ولذا قال: كانَتا رَتْقاً.
وقال الحُوفِيُّ: «قال: كانَتا- والسمواتُ جَمْعٌ-: لأَنَّهُ أرادَ الصنفين» انتهى.
وقوله: سَقْفاً مَحْفُوظاً الحِفْظُ هنا عامٌّ في الحِفْظِ من الشيطان، ومن الوهي والسُّقُوطِ، وغير ذلك من الآفاتِ، والفَلَكُ: الجسمُ الدّائر دورة اليوم والليلة/.
١٧ ب ويَسْبَحُونَ معناه: يَتَصَرَّفُونَ، وقالت فرقة: الفَلَكُ مَوْجٌ مكفوفٌ، قوله: يَسْبَحُونَ من السباحة وهي: العوم.
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)
وقوله عزَّ وجل: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ...
الآية، وتقديرُ الكلام:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ أيِ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( ألَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بِغَيْرِ واوٍ بَيْنَ الألِفِ واللّامِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ.
﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّماواتُ جَمْعٌ، والأرْضُ واحِدَةٌ، فَخَرَجَتْ صِفَةُ لَفْظِ الجَمْعِ عَلى لَفْظِ صِفَةِ الواحِدِ، والعَرَبُ تَفْعَلُ هَذا إذا أشْرَكُوا بَيْنَ جَمْعٍ وبَيْنَ واحِدٍ، والرَّتْقُ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ سَواءٌ، ومَعْنى الرَّتْقِ: الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ثُقْبٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: كانَتا ذَواتَيْ رَتْقٍ، فَجَعَلَهُما ذَواتِ فَتْقٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: رَتْقَيْنِ؛ لِأنَّ الرَّتْقَ مَصْدَرٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ كانَتْ رَتْقًا لا تُمْطِرُ، وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ هَذِهِ بِالمَطَرِ وهَذِهِ بِالنَّباتِ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مُلْتَصِقَتَيْنِ، فَفَتَقَهُما اللَّهُ تَعالى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَتَقَ مِنَ الأرْضِ سِتَّ أرَضِينَ فَصارَتْ سَبْعًا، ومِنَ السَّماءِ سِتَّ سَماواتٍ فَصارَتْ سَبْعًا، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا ) بِالنَّصْبِ.
وَفِي هَذا الماءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الماءُ المَعْرُوفُ، والمَعْنى: جَعَلْنا الماءَ سَبَبًا لِحَياةِ كُلِّ حَيٍّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ النُّطْفَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في ( النَّحْلِ: ١٥ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها ﴾ ؛ أيْ: في الرَّواسِي، ﴿ فِجاجًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي المَسالِكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: الفِجاجُ جَمْعُ فَجٍّ، وهو كُلُّ مُنْخَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، ومَعْنى ﴿ سُبُلا ﴾ : طُرُقًا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْنا مِنَ الجِبالِ طُرُقًا؛ كَيْ تَهْتَدُوا إلى مَقاصِدِكم في الأسْفارِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وقَوْلُهُ: ﴿ سُبُلا ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْفِجاجِ وبَيانُ أنَّ تِلْكَ الفِجاجَ نافِذَةٌ مَسْلُوكَةٌ، فَقَدْ يَكُونُ الفَجُّ غَيْرَ نافِذٍ.
﴿ وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا ﴾ ؛ أيْ: هي لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ.
وَفِي مَعْنى ﴿ مَحْفُوظًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الوُقُوعِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارُ مَكَّةَ، ﴿ عَنْ آياتِها ﴾ ؛ أيْ: شَمْسِها وقَمَرِها ونُجُومِها.
قالَ الفَرّاءُ: وقَرَأ مُجاهِدٌ: ( عَنْ آيَتِها ) فَوَحَّدَهُ، فَجَعَلَ السَّماءَ بِما فِيها آيَةً، وكُلٌّ صَوابٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ ﴾ يَعْنِي: الطَّوالِعَ، " في فَلَكٍ " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الفَلَكُ: مَدارُ النُّجُومِ الَّذِي يَضُمُّها، وسَمّاهُ فَلَكًا لِاسْتِدارَتِهِ.
ومِنهُ قِيلَ: فَلْكَةُ المِغْزَلِ، وقَدْ فَلَكَ ثَدْيُ المَرْأةِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وقِيلَ: إنَّ الفَلَكَ - كَهَيْئَةِ السّاقِيَةِ مِن ماءٍ - مُسْتَدِيرَةٌ دُونَ السَّماءِ وتَحْتَ الأرْضِ، فالأرْضُ وسَطُها، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والنُّجُومُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ، يَجْرُونَ في الفَلَكِ، ولَيْسَ الفَلَكُ يُدِيرُها.
ومَعْنى " يَسْبَحُونَ ": يَجْرُونَ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا كانَتِ السِّباحَةُ مِن أفْعالِ الآدَمِيِّينَ، ذُكِرَتْ بِالنُّونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ ؛ لِأنَّ السُّجُودَ مِن أفْعالِ الآدَمِيِّينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالِمِينَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: مَن يَقُلْ مِنهم كَذا أنْ لَوْ قالَهُ، ولَيْسَ مِنهم مَن قالَ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: "وَمَن يَقُلْ…" الآيَةَ...
إبْلِيسُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّهُ ادَّعى رُبُوبِيَّةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَجْزِيهِ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ: "نُجْزِيهِ" بِضَمِّ النُونِ والهاءِ، ووَجْهُها أنَّ المَعْنى: نَجْعَلُها تَكْتَفِي بِهِ، مِن قَوِلِكَ: أجْزَأنِي الشَيْءُ، ثُمْ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ ياءً.
وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" أيْ كَجَزائِنا هَذا القائِلَ جَزاؤُنا الظالِمِينَ.
ثُمْ وقَفَهم عَلى عِبْرَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ جَلَتْ قُدْرَتُهُ.
و"الرَتْقُ": المُلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ الَّذِي لا صَدْعَ فِيهِ ولا فَتْحَ، ومِنهُ: "امْرَأةٌ رَتْقاءُ".
واخْتَلَفَ المُفَسْرِوُنَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بِالأرْضِ فَفَتَقَهُما اللهُ بِالهَواءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ السَماءُ مُلْتَصِقَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ والأرْضُ كَذِلِكَ فَفَتَقَهُما اللهُ سَبْعًا سَبْعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَـ "الرُؤْيَةُ" المَوْقِفُ عَلَيْها رُؤْيَةُ القَلْبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ قَبْلَ المَطَرِ رَتْقٌ، والأرْضُ قَبْلَ النَباتِ رَتْقٌ، فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالمَطَرِ والنَباتِ، كَما قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ والسَماءِ ذاتِ الرَجْعِ ﴾ ﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَدْعِ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يَجْمَعُ العِبْرَةَ وتَعْدِيدَ النِعْمَةِ والحُجَّةَ بِمَحْسُوسٍ بَيِّنٍ، ويُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ، أيْ: مِنَ الماءِ الَّذِي أوجَدَهُ الفَتْقُ، فَيَظْهَرُ مَعْنى الآيَةِ ويَتَوَجَّهُ الِاعْتِبارُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَماءُ والأرْضُ رَتْقٌ بِالظُلْمَةِ فَفَتَقَهُما اللهُ تَعالى بِالضَوْءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرُؤْيَةُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ رُؤْيَةٌ العَيْنِ، والأرْضُ هُنا اسْمٌ لِلْجِنْسِ، فَهو جَمْعٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَتْقًا" بِسُكُونِ التاءِ، و"الرَتْقُ": مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالزَوْرِ والعَدْلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والشَعْبِي، وأبُو حَيْوَةَ: "كانَتا رَتَقًا" بِفَتْحِ التاءِ، وهو اسْمُ المَرْتُوقِ كالنَفْضِ والنَفَضِ والخَبْطِ والخَبَطِ، وقالَ: "كانَتا" مِن حَيْثُ هُما نَوْعانِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُيَيْم : ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا.
وَقَوْلُهُ: "كانَتا" في القَوَلَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوِلِكَ: "كانَ زَيْدٌ حَيًّا"، أيْ: ثُمْ لَمْ يَكُنْ، وفي القَوَلَيْنِ الآخَرَيْنِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "كانَ زَيْدًا عالِمًا"، أيْ: وهو كَذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "ألَمْ يَرَ" بِإسْقاطِ الواوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ بَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ والجِنَّ قَدْ خَرَجُوا مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ الوَجْهَ أنْ يُحْمَلَ عَلى أعَمِّ ما يُمْكِنُ، فالحَيَوانُ أجْمَعُ والنَباتُ - عَلى أنَّ الحَياةَ فِيهِ مُسْتَعارَةٌ - داخِلٌ في هَذا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالماءِ المَنِيُّ في جَمِيعِ الحَيَوانِ.
ثُمْ وقَفَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والارض كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما ﴾ قرأ الجمهور ﴿ أوَلم ﴾ بواو بعد الهمزة وهي واو العطف، فالجملة معطوفة عطف الاستدلال على الخلق الثاني بالخلق الأول وما فيه من العجائب.
وقرأ ابن كثير ﴿ ألم يَر ﴾ بدون واو عطف.
قال أبو شامة: ولم تثبت الواو في مصاحف أهل مكة.
قلت: معناه أنها لم تثبت في المصحف الذي أرسل به عثمان إلى مكة فالتزمَ قراء مكة رِواية عدم الواو إلى أن قرأ بها ابن كثير، وأهملت غير قراءته.
والاستفهام على كِلتا القراءتين إنكاري، توجه الإنكار على إهمالهم للنظر.
والرؤيةُ تحتمل أن تكون بصرية وأن تكون علمية.
والاستفهام صالح لأن يتوجه إلى كلتيهما لأن إهمال النظر في المشاهدات الدالة على علم ما ينقذ علمه من التورط في العقائد الضالة حقيق بالإنكار، وإنكار أعمال الفكر في دلالة الأشياء على لوازمها حتى لا يقع أحد في الضلال جديرٌ أيضاً بالإنكار أو بالتقرير المشوب بإنكار كما سنفصله.
والرَّتق: الاتصال والتلاصق بين أجزاء الشيء.
والفَتق: ضده، وهو الانفصال والتباعد بين الأجزاء.
والإخبار عن السماوات والأرض بأنهما رَتق إخبار بالمصدر للمبالغة في حصول الصفة.
ثم إن قوله تعالى كانتا } يحتمل أن تكونا معاً رتقاً واحداً بأن تكون السماوات والأرض جسماً ملتئماً متصلاً.
ويحتمل أن تكون كل سماء رتقاً على حدتها، والأرض رتقاً على حدتها وكذلك الاحتمال في قوله تعالى ﴿ ففتقناهما ﴾ .
وإنما لم يقل نحو: فصارتا فتقاً، لأن الرتق متمكن منهما أشدّ تمكن كما قلنا ليستدل به على عظيم القدرة في فتقهما، ولدلالة الفعل على حدثان الفتق إيماء إلى حدوث الموجودات كلها وأن ليس منها أزلي.
والرتق يحتمل أن يراد به معاننٍ تنشأ على محتملاتها معاننٍ في الفتق، فإن اعتبرنا الرؤية بصرية فالرتقُ المشاهد هو ما يشاهده الرائي من عدم تخلل شيء بين أجزاء السماوات وبين أجزاء الأرض، والفتقُ هو ما يشاهده الرائي من ضد ذلك حين يرى المطر نازلاً من السماء ويرى البرْق يلعج منها والصواعق تسقط منها فذلك فتقها، وحين يرى انشقاق الأرض بماء المطر وانبثاق النبات والشجر منها بعد جفافها، وكل ذلك مشاهد مرئي دال على تصرف الخالق، وفي هذا المعنى جمع بين العبرة والمنة، كما قال ابن عطية أي هو عبرة دلالةٍ على عظم القدرة وتقريب لكيفية إحياء الموتى كما قال تعالى: ﴿ فأحيينا به الأرض بعد موتها ﴾ في سورة فاطر (9).
وإن اعتبرنا الرؤية علمية احتمل أن يراد بالرتق مثل ما أريد به على اعتبار كون الرؤية بصرية، وكان الاستفهام أيضاً إنكارياً متوجهاً إلى إهمالهم التدبر في المشاهدات.
واحتمل أن يراد بالرتق معاننٍ غيرُ مشاهدةٍ ولكنها مما ينبغي طلب العلم به لما فيه من الدلائل على عظم القدرة وعلى الوحدانية، فيحتمل أن يراد بالرتق والفتق حقيقتاهما، أي الاتصال والانفصال.
ثم هذا الاحتمال يجوز أن يكون على معنى الجملة، أي كانت السماوات والأرض رتقاً واحداً، أي كانتا كُتلة واحدة ثم انفصلتْ السماوات عن الأرض كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ﴾ في سورة هود (7).
ويجوز على هذا الاحتمال أن يكون الرتق والفتق على التوزيع، أي كانت السماوات رتقاً في حد ذاتها وكانت الأرض رتقاً في حد ذاتها ثم فتق الله السماوات وفتق الله الأرض، وهذا كقوله تعالى: ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ في سورة فصّلت (912).
وعلى هذين الاحتمالين يكون الاستفهام تقريرياً عن إعراضهم عن استماع الآيات التي وصفت بدء الخلق ومشوباً بالإنكار على ذلك.
وعلى جميع التقادير فالمقصود من ذلك أيضاً الاستدلال على أن الذي خلق السماوات والأرض وأنشأهما بعد العدم قادر على أن يخلق الخلق بعد انعدامه قال تعالى: ﴿ أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ﴾ [الإسراء: 99].
ويحتمل أن يراد بالرتق العدم وبالفتق الإيجاد.
وإطلاق الرؤية على العلم على هذا الاحتمال ظاهر لأن الرتق والفتق بهذا المعنى محقق أمرهما عندهم قال تعالى: ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ [لقمان: 25].
ويحتمل أن يراد بالرتق الظلمة وبالفتق النور، فالموجودات وجدت في ظلمة ثم أفاض الله عليها النور بأن أوجد في بعض الأجسام نوراً أضاء الموجودات.
ويحتمل أن يراد بالرتق اتحاد الموجودات حين كانت مادة واحدة أو كانت أثيراً أو عَمَاء كما جاء في الحديث: " كان في عماء " فكانت جنساً عالياً متحداً ينبغي أن يطلق عليه اسم مخلوق، وهو حينئذ كلي انحصر في فرد.
ثم خلق الله من ذلك الجنس أبْعاضاً وجعل لكل بَعض مميزات ذاتيةً فصيّر كل متميز بحقيقة جنساً فصارتْ أجناساً.
ثم خلق في الأجناس مميزات بالعوارض لحقائقها فصارت أنواعاً.
وهذا الاحتمال أسعد بطريقة الحكماء وقد اصطلحوا على تسمية هذا التمييز بالرتق والفتق، وبعض من الصوفية وهو صاحب «مرآة العارفين» جعل الرتق عَلَماً على العنصر الأعظم يعني الجسمَ الكل، والجسم الكل هو الفلك الأعظم المعبر عنه بالعرش.
ذكر ذلك الحكيمُ الصوفي لطف الله الأرضرومي صاحب «مَعارج النور في أسماء الله الحسنى» المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر الذي دخل تونس عام 1185ه في مقدمات كتابه «معارج النور» وفي رسالة له سماها «رسالة الفتق والرتق».
والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعاً، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعم كل الناس وكل عبرة خاصة بأهل النظر والعلم فتكون من معجزات القرآن العلمية التي أشرنا إليها في مقدمات هذا التفسير.
﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَئ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله.
وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات.
وهي تكوين التناسل وتكوين جميع الحيوان فإنه لا يتكون إلا من الرطوبة ولا يعيش إلا ملابساً لها فإذا انعدمت منه الرطوبة فقد الحياة، ولذلك كان استمرار الحمى مفضياً إلى الهزال ثم إلى الموت.
و ﴿ جَعَل ﴾ هنا بمعنى خَلق، متعدية إلى مفعول واحد لأنها غير مراد منها التحول من حال إلى حال.
و من الماء } متعلق ب ﴿ جعلنا.
﴾ و(مِن) ابتدائية.
وفرع عليه ﴿ أفلا يؤمنون ﴾ إنكاراً عليهم عدم إيمانهم الإيمان الذي دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم وهو الإيمان بوحدانية الله <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ جَلَّ: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفَتَقَ اللَّهُ بَيْنَهُما بِالهَواءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السَّماواتِ كانَتْ مُرْتَتِقَةً مُطْبَقَةً فَفَتَقَها اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ وكانَتِ الأرْضُ كَذَلِكَ فَفَتَقَها سَبْعَ أرَضِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّ السَّماواتِ كانَتْ رَتْقًا لا تُمْطِرُ، والأرْضَ كانَتْ رَتْقًا لا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والرَّتْقُ سَدٌّ، والفَتْقُ شَقٌّ، وهُما ضِدّانِ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسّانٍ يَهُونُ عَلَيْهِمْ إذا يَغْضَبُو نَ سُخْطُ العِداةِ وإرْغامُها ∗∗∗ ورَتْقُ الفُتُوقِ وفَتْقُ الرُّتُو ∗∗∗ قِ ونَقْضُ الأُمُورِ وإبْرامُها ﴿ وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: حِفْظُ حَياةِ كُلِّ شَيْءٍ حَيٍّ بِالماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: وجَعَلْنا مِن ماءِ الصُّلْبِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ أفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَعْنِي أفَلا يُصَدِّقُونَ بِما يُشاهِدُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ والرَّواسِي الجِبالُ، وفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها رَسَتْ في الأرْضِ وثَبَتَتْ، قالَ الشّاعِرُ: رَسا أصْلُهُ تَحْتَ الثَّرى وسَما بِهِ ∗∗∗ إلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يَزالُ طَوِيلُ الثّانِي: لِأنَّ الأرْضَ بِها رَسَتْ وثَبَتَتْ.
وَفي الرَّواسِي مِنَ الجِبالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الثَّوابِتُ: قالَهُ قُطْرُبُ.
الثّانِي: أنَّها الثِّقالُ قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا تَزُولُ بِهِمْ.
الثّانِي: لِئَلّا تَضْطَرِبَ بِهِمْ.
المَيْدُ الِاضْطِرابُ.
﴿ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا ﴾ في الفِجاجِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأعْلامُ الَّتِي يُهْتَدى بِها.
الثّانِي: الفِجاجُ جَمْعُ فَجٍّ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ.
قالَ الكُمَيْتُ: تَضِيقُ بِنا النَّجاحُ وهُنَّ فَجٌّ ∗∗∗ ونَجْهَلُ ماءَها السَّلِمَ الدَّفِينا ﴿ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُبُلُ الِاعْتِبارِ لِيَهْتَدُوا بِالِاعْتِبارِ بِها إلى دِينِهِمْ.
الثّانِي: مَسالِكُ لِيَهْتَدُوا بِها إلى طُرُقِ بِلادِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَحْفُوظًا مِن أنْ تَسْقُطَ عَلى الأرْضِ.
الثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: بِمَعْنى مَرْفُوعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: مَحْفُوظًا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفَلَكَ السَّماءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّ القُطْبَ المُسْتَدِيرُ الدّائِرُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ فَلَكَةُ المِغْزَلِ لِاسْتِدارَتِها، قالَ الشّاعِرُ باتَتْ تُقاسِي الفَلَكَ الدَّوّارَ ∗∗∗ حَتّى الصَّباحِ تَعْمَلُ الأقْتارَ وَفِي اسْتِدارَةِ الفَلَكِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَدَوَرانِ الأُكْرَةِ.
الثّانِي: كَدَوَرانِ الرَّحى قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
واخْتُلِفَ في الفَلَكِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ السَّماءُ تَدُورُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْتِدارَةٌ في السَّماءِ تَدُورُ فِيها النُّجُومُ مَعَ ثُبُوتِ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها اسْتِدارَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تَدُورُ فِيها النُّجُومُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُجَرُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَدُورُونَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الفَلَكُ مُدِيرَها، وعَلى الثّانِي تَكُونُ هي الدّائِرَةُ في الفَلَكِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: قالت اليهود: إن الله عز وجل صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة.
فقال الله تكذيباً لهم ﴿ بل عباد مكرمون ﴾ أي الملائكة ليس كما قالوا، بل هم عباد أكرمهم الله بعبادته ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ يثني عليهم ﴿ ولا يشفعون ﴾ قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: لأهل التوحيد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: لمن رضي عنه.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: قول لا إله إلا الله.
واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا لمن ارتضى ﴾ قال: الذين ارتضاهم لشهادة أن لا إله إلا الله.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ فقال: «إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي مررت بجبريل، وهو بالملأ الأعلى ملقى كالحلس البالي من خشية الله» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يقل منهم ﴾ يعني من الملائكة ﴿ إني إله من دونه ﴾ قال: ولم يقل ذلك أحد من الملائكة إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه...
﴾ الآية.
قال: إنما كانت هذه خاصة لإبليس.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: فتقت السماء بالغيث، وفتقت الأرض بالنبات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ﴾ قال: لا يخرج منهما شيء ﴿ ففتقناهما ﴾ قال: فتقت السماء بالمطر وفتقت الأرض بالنبات.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية من طريق عبدالله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً أتاه فسأله عن ﴿ السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ﴾ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعالَ فأخبرني ما قال.
فذهب إلى ابن عباس فسأله قال: نعم، كانت السماء رتقاء لا تمطر وكانت الأرض رتقاء لا تنبت، فلما خلق الله الأرض فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات.
فرجع الرجل على ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر: الآن علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق ابن عباس هكذا كانت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ﴾ قال: ملتصقتين.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن الليل، كان قبل أم النهار؟
قال: الليل.
ثم قرأ ﴿ إن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: فتق من الأرض ست أرضين معها، فتلك سبع أرضين بعضهن تحت بعض، ومن السماء سبع سموات منها معها، فتلك سبع سموات بعضهن فوق بعض ولم تكن الأرض والسماء مماستين.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سموات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ قال: كانتا جمعاً ففصل الله بينهما بهذا الهواء.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانت السموات والأرضون ملتزقتين، فلما رفع الله السماء وابتزها من الأرض، فكان فتقها الذي ذكر الله.
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من الماء» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال: نطفة الرجل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال: خلق كل شيء من الماء، وهو حياة كل شيء.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: أولم يعلموا ﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا ﴾ قال أبو عبيدة، والزجاج: السموات لفظ الجمع يراد به الواحد، لذلك قال: ﴿ كَانَتَا ﴾ لأنه أراد السماء والأرض (١) وهذا معنى قول الأخفش: جعلهما صنفين كقول العرب: لقاحان سوداوان (٢) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ (٣) قوله تعالى: ﴿ رَتْقًا ﴾ الرتق معناه في اللغة: السد.
يقال: رتقت الشيء فارتتق، ومنه الرتقاء وهي المنضمة الفرج (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ الفتق: الفصل بين الشيئين الذين كانا ملتئمين أحدهما متصل بالآخر، فإذا فرق بينهما فقد فتقا.
ويقال: فتق الخياط يفتقها، ومنه يقال: أفتق قرن الشمس، إذا أصاب فتقا من السحاب فبدا منه (٥) قال أبو إسحاق: وقيل ﴿ رَتْقًا ﴾ لأن الرتق مصدر، المعنى: كانتا ذواتي رتق (٦) واختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أوجه: أحدها: ما رواه عطاء، عن ابن عباس قال: يريد أن السماء لم تكن تنزل مطرًا، والأرض لا تنبن نباتًا، ففتق الله -عَزَّ وَجَلَّ- السماء بالمطر والأرض بالنبات (٧) وهذا قول مجاهد في رواية أبان بن تغلب (٨) (٩) (١٠) (١١) الوجه الثاني: أن المعنى كانتا شيئًا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء.
وهذا قول الحسن، وقتادة (١٢) (١٣) (١٤) قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحاً توسطتها ففتحها بها (١٥) الوجه الثالث: أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات، وكذلك الأرضون.
وهذا قول أبي صالح (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وأكثر الناس على القول الأول، وهو أنهما كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما الله بما يخرج منهما.
قال أبو إسحاق: ويدل على هذا التفسير قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ (٢١) أي: وأحيينا بالماء الذي نزله من السماء ﴿ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ يعني أنه سبب لحياة كل شيء، ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع، ويكون التقدير: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي.
وهذا قول قد حكي (٢٢) والمفسرون على قول آخر.
قال قتادة: كل شيء حي خلق من الماء (٢٣) وقال أبو العالية -في هذه الآية-: يعني النطفة (٢٤) قال المفسرون (٢٥) ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ﴾ .
وعلى هذا لا يتعلق قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ بما قبله، وهو احتجاج آخر على المشركين.
وقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: أفلا يصدقون بعد هذا البيان.
(١) قول أبي عبيدة في كتابه "مجاز القرآن" 2/ 36.
وقول الزجاج في كتابه: "معاني القرآن" 2/ 390.
(٢) في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 634: (سودان).
(٣) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 633 - 634.
وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 69، "الدر المصون" 8/ 147.
(٤) انظر: (رتق) في "تهذيب اللغة" للأزهري (9/ 53 - 54)، "الصحاح" للجوهري 4/ 480، "لسان العرب" 10/ 114.
(٥) انظر: (فتق) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 62، "الصحاح" للجوهري 4/ 1539 - 1540، "لسان العرب" 10/ 296 - 297.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.
(٧) روى الحاكم في "مستدركه" 2/ 382 والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 43 من طريق طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله طلحة واه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في "الأسماء والصفات".
وأخرج أبو نعيم في "الحلية" 1/ 320 من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما أن رجلا أتاه فسأله عن قوله ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ﴾ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني ما قال، فذهب إلى ابن عباس فسأله قال: نعم، كانت السماء رتقاء لا تمطر ....
فذكره بنحوه ما هنا.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.
وفي "الدر المنثور" 5/ 625: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ما في قوله "كانتا رتقا" قال لا يخرج منهما شيء "ففتقناهما" قال: فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات.
فهذه روايات ثلاث عن ابن عباس ما، يعضد بعضها بعضًا.
(٨) هو أبان بن تغلب، أبو سعد -وقيل: أبو أمية- الربعي، الكوفي، الشيعي، المقرئ.
قال ابن عدي: وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة.
وقال الذهبي: وهو صدوق في نفسه، عالم كبير، وبدعته خفيفة، لا يتعرض للكبار.
وقال ابن حجر: ثقة تكلم فيه للتشيع.
توفي سنة 140 هـ، وقيل: 141 هـ.
"الكامل" لابن عدي 1/ 380، "تهذيب الكمال" للمزي 2/ 6 - 8، "سير أعلام النبلاء" للذهبي 308 - 309، "تقريب التهذيب" لابن حجر 2/ 30، "غاية النهاية" لابن الجزري 1/ 4.
ولم أجد هذه الرواية عن مجاهد من طريق أبان، لكن وجدتها من طريق خصيف، عن مجاهد رواه سفيان الثوري في "تفسيره" (ص 200) عن خصيف.
(٩) رواها الطبري في "تفسيره" 17/ 17.
وذكرها الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 201.
(١١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 286.
(١٢) رواه الطبري 17/ 18 عن الحسن وقتادة، وذكره عهما السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(١٣) ذكره عن الضحاك الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.
وروى سفيان الثوري في "تفسيره" ص 200 عن الضحاك قال: كن سبعًا ملتزقات ففتق بعضهن عن بعض.
ورواه الطبري 17/ 18 من طريق الضحاك، عن ابن عباس.
(١٤) روى سفيان في "تفسيره" ص 200 عن أبيه، عن عكرمة، سئل ابن عباس ما.
أيهما كان قبل الليل أو النهار؟
فقرأ "أو لم ير ....
" الآية ثم قال: وهل كانن بينهما إلا ظلمة.
وكذا رواه أبو الشيخ في "العظمة" 4/ 1368.
ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23 والطبري 17/ 19 من طريق عكرمة مختصرًا.
(١٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.
وهو من الإسرائيليات.
(١٦) رواه عنه الطبري 17/ 19، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1025، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأي الشيخ في العظمة.
(١٧) رواه الطبري 18/ 18، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1026، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": 5/ 626 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشخ في "العظمة".
(١٨) رواه الطبري 17/ 19.
وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.
(١٩) في (أ)، (ت): (واحد).
(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.
(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.
وقال الطبري 17/ 19 عن هذا القول أنه أولى الأقوال بالصواب، لدلالة قوله "وجعلنا من الماء كل شيء حي" على ذلك، وأنّه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدّمه من ذكر أسبابه.
وقال ابن عطية في "المحرر" 10/ 141: وهذا قول حسن، يجمع العبرة وتعديد النعمة واحبيبة بمحسوس بين، ويناسب قوله ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ، فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار.
(٢٢) انظر: "الطبري" 17/ 19 - 20.
(٢٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 20.
(٢٤) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 45، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".
(٢٥) انظر: "الطبري" 17/ 20، و"الثعلبي" 3/ 29 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ الرتق مصدر وصف به، ومعناه الملتصق بعضه ببعض الذي لا صدع فيه ولا فتح، والفتق: الفتح فقيل: كانت السموات ملصقة بالأرض ففتقها الله بالهواء، وقيل كانت السموات ملتصقة بعضها ببعض، والأرضون كذلك ففتقهما الله سبعاً سبعاً، والرؤية في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ﴾ على هذه رؤية قلب، وقيل: فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات، فالرؤية على هذه رؤية عين.
﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ أي خلقنا من الماء كل حيوان، ويعني بالماء المنيّ.
وقيل: الماء الذي يشرب لأنه سبب لحياة الحيوان، ويدخل في ذلك النبات باستعارة ﴿ رَوَاسِيَ ﴾ يعني الجبال ﴿ أَن تَمِيدَ ﴾ تقديره كراهية أن تميد ﴿ فِجَاجاً ﴾ يعني الطرق الكبار، وإعرابه عند الزمخشري حال من السبل، لأنه صفة تقدّمت على النكرة ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ يعني في طريقهم وتصرفاتهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إلا نوحي إليه ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ إني إله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان.
﴿ ألم ير ﴾ بغير واو: ابن كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
﴿ ولا تسمع ﴾ من الاسماع خطأ بالنبي الصم بالنصب: ابن عامر.
الآخرون على الغيبة من السماع.
﴿ الصم ﴾ بالرفع ﴿ مثقال حبة ﴾ بالرفع على "كان" التامة وكذلك في سورة لقمان: أبو جعفر ونافع.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ ينشرون ﴾ ه ﴿ لفسدتا ﴾ ج للابتداء ﴿ بسبحان ﴾ للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلاً للتنزيه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يسالون ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ برهانكم ﴾ ج لاتحاد المقول من غير عاطف ﴿ قبلي ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ فاعبدون ﴾ ه { } ط ﴿ مكرمون ﴾ ه ط لأن ما بعده صفة بعد صفة ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ولا يشفعون ﴾ ه لا للاستثناء ﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ففتقناهما ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ حي ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ محفوظاً ﴾ ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ط ﴿ الخالدون ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ هزوا ﴾ ط ﴿ آلهتكم ﴾ ج لاحتمال الواو الإستئناف والحال ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ من عجل ﴾ ط ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينصرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ يستهزئون ﴾ ه ط ﴿ من الرحمن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ من دوننا ﴾ ط فصلاً بين الاستفهام والإخبار ﴿ يصبحون ﴾ ه ﴿ العمر ﴾ ط ﴿ من أطرافها ﴾ ط ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ بالوحي ﴾ ط لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ﴿ ينذرون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أتينا بها ﴾ ط ﴿ حاسبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على المدح فيجوز أن لا يوصل.
﴿ مشفقون ﴾ ه ﴿ أنزلناه ﴾ ط ﴿ منكرون ﴾ .
التفسير: إنه بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات وما يتصل بها سؤالاً وجواباً فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة "أم" المنقطعة ﴿ أم اتخذوا آلهة من الأرض ﴾ نسبت إلى الأرض كما يقال "فلان من مكة" لأنها اصنام تعبد من الأرض، لأن الالهة على ضربين أرضية وسماوية.
أو أراد أنها من جنس الأرض لأنها تُنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي.
ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها اي أحياها.
ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات كأنهم بإدعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلاً عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور.
والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية.
ومعنى ﴿ هم ﴾ افادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده.
ولما قدم الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: ﴿ لو كان فيهما ﴾ أي في السموات والأرض وقد مر ذكرهما ﴿ آلهة إلا الله ﴾ اي غير الله.
قال النحويون: إلا ههنا بمعنى لتعذر حمل إلا على الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا كان المستثنى داخلاً في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن "إلا" في هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد.
وللمفسرين في تفسير الآية طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما ﴿ لفسدتا ﴾ وفيه دلالة على أمرين: الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحداً، والثاني أن لاي كون ذلك الواحد إلا إياه لقوله ﴿ غير الله ﴾ وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف.
وثانيهما طريق التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح لإلهية.
والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ممكن والممكن لا يجب أن يقع.
والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك.
الطريق الثاني العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال لأن كلاً منهما مستقل بالتأثير كامل في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو اراد كل واحد منهما أن يوجده هو فهذا أيضاً اختلاف.
ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد أصلاً فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي.
ومنهم من يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟
فإن قلت: يقدر.
كان كل منهما مقهوراً للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد منهما.
ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا؟
فإِن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز.
ولا يخفى ما في أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزاً ولهذا لا يمكن أن يقال: إنه عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئاً نفذت قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز.
ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف لأنفسها فضلاً عن غيرها.
ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير يلزم الفساد.
أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة الأوثان فمن أين يلزم الفساد.
واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر.
وأما في الأثر فلا ريب أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص تابعاً لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة واحداً كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد من واحد.
وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه أراد أن يدفع هذا النقص من الممكنات و "لو" هذه بمعنى "أن" والمراد أن هذا النقص والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلهاً غير الله وهذه النتيجة هي المراد بقوله ﴿ فسبحان الله رب العرش عما يصفون ﴾ من الأنداد والشركاء فتكون هذه الآية نظيره قوله ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً ﴾ وفيه قول زيد بن عمرو بن انفيل حين فارق قومه: أرباً واحداً أم الـــــــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمـــــور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير ثم أكد تفرده بالإِلهية بقوله ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ وفيه رد على الثنوية والمجوس الذين أثبتوا لله شريكاً فاعلاً للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله فقالوا: لو كان مدبر العالم واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال للسؤال عن أفعاله، فكل من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر.
أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض ولم بحكم المالكية أن يفعل في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟
وما يثبت للشيء لذاته يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات.
وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد.
وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح.
وإذا عرف المكلف إجمالاً أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن "لم" وإذا كان الملوك المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم تهيباً وإجلالاً لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب أولى بأن لا يسال عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن مشتمل على الغايات الصحيحة.
ثم زاد الإلهية تأكيداً بقوله ﴿ وهم يسألون ﴾ وفيه رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثاً.
وأيضاً التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضاً سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإِن عادت إلى الله كان محتاجاً مستكملاً، وإن عادت إلى العبد فالله قادر على إيصالها إليه من غير واسطة التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم مالا يطيقون وهو يناقص القاعدة الممهدة أنه لا يسال عما يفعل.
ثم كرر ﴿ أم اتخذوا من دونه آلهة ﴾ استفظاعاً لكفرهم وليرتب عليه قوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ على ذلك عقلاً أو نقلاً.
أما العقل فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذراً من الفساد، وأما النقل فقوله ﴿ هذا ذكر من معي ﴾ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي.
عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه اراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء.
وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله ﴿ وذكر من قبلي ﴾ صفة للقرآن ايضاً لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ بل أكثرهم ﴾ تنبيهاً على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد المنع.
ثم قرر آي التوحيد خصوصاً قوله ﴿ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ﴾ على أحد التفسيرين بقوله ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية.
ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله { } ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد الله ﴿ مكرمون ﴾ مقربون ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ أي بقولهم اي يتبعون قوله ولا يقولون شيئاً حتى يقوله ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم وافعالهم ﴿ يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم ﴾ وقد مر تفسيره في "طه" وفي آية الكرسي ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ كقوله في طه ﴿ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ﴾ وقد مر البحث فيه.
قال في الكشاف ﴿ وهم من خشيته مشفقون ﴾ أي متوقعون من أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية.
ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير.
"عن رسول الله أنه رأى جبرئيل ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله عز وجل." ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه ﴾ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ﴿ ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ وفي قوله ﴿ فذلك ﴾ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم ههنا الشرك، والمعتزلة عمموه والأول أظهر.
ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق والأنفس قائلاً ﴿ أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض ﴾ أي جماعة السموات وجماعة الأرض ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ الرتق بالسكون السد.
رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين.
عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، وقتادة أن المراد كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض.
ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت السموات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعاً وكذلك الأرضون.
وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقاً بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر.
ويشبه أن يراد بالسموات على هذا التفسير السحب نظيره قوله ﴿ والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع ﴾ ويؤيده قوله عقيبه ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم "ثوب أخلاق" "وبرمة أعشار" وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله بإظهار النور فيهما كقوله ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ وقال أبو مسلم الاصفهاني: الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق الإِيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ والفطر الشق.
وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد.
وههنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقاً حتى صح هذا الاستفهام للتقرير؟
كيف وقد قال الله ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ ؟
[الكهف: 51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم.
وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي .
وقال صاحب الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم .
قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ قال السكاكي صاحب المفتاح: اي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.
واعترض عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ليست أجساماً مائية؟
وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه.
وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ وجوز أن لا يكون الجعل بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعدياً إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه.
وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله ﴿ وجعلنا ﴾ داخلاً في حيز الاستفهام كأنه قيل: ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان.
ومن المفسرين من جعل الحي شاملاً للنبات أيضاً كقوله ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ قوله ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ قد مر تفسيره في أول "النحل" وباقي الآية كقوله في طه ﴿ وسلك لكم فيها سبلاً ﴾ والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة ﴿ سبلاً ﴾ قدمت عليه فصارت حالاً عنه أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله: ﴿ لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً ﴾ والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله .
ومنهم من زعم أن الضمير في قوله ﴿ وجعلنا ﴾ فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس, وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق قوم نوح فرقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً.
قال علماء الإسلام: ليس في قوله ﴿ وجعلنا السماء سقفاً ﴾ إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل بقعة.
وفي المحفوظ وجهان: أي ﴿ محفوظاً ﴾ بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ بالشهب عن الشياطين.
﴿ وهم عن آياتها معرضون ﴾ فلا يتدبرون في ترتيبها ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما دونها بإذن خالقها ومبدعها.
قوله ﴿ كل في فلك ﴾ من مقلوب الكل.
والفلك في اللغة كل شيء دائر وجمعه أفلاك.
وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم.
والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه.
ثم اختلفوا في حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ﴿ يسبحون ﴾ والسباحة لا تكون إلا في الماء.
ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في الجري.
وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق والاتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكناً، والكواكب متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك.
قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع إليهما؟
وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والقمار لذلك.
ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعاً لذكرهما.
الثاني أن كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، وأجاب بأنه اراد جنس الفلك كقولك "كسانا الأمير حلة"، أو اراد كل واحد.
قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ﴿ يسبحون ﴾ مجموعاً.
قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ناطقة.
وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم.
قلت: قد يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية المكتسبة.
وههنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب تلك المختلفات.
قال: وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفك الأعظم بحركته وبحركتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين.
قلت: أما حديث كون ما هو أبعد عن المركز اسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها.
وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الأظلال اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في كتبنا النجومية ايضاً.
وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ومنافعها الدنيوية نبه بقوله ﴿ وما جعلنا البشر من قبل الخلد ﴾ على أن هذه الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما خلقت للابتداء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة لهم في الآخرة وهي دار الخلود.
وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في دلائل الأنفس فقال: ﴿ وما جعلنا ﴾ الآية، عن مقاتل أن ناساً كانوا يقولون إن محمداً لا يموت فنزلت وقيل: لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين الله أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا.
والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله عنه الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا.
قوله ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره.
قوله ﴿ ونبلوكم ﴾ أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم.
وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في نظر أهل الظاهر.
و ﴿ فتنة ﴾ مصدر مؤكد ﴿ لنبلوكم ﴾ من غير لفظه.
وحين أثبت الموت الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ أن الجزاء على الأعمال ثابت مرئي ألبتة بعد المفارقة.
استدلت المجسمة بقوله ﴿ وإلينا ﴾ أنه جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا أنه قال هناك ﴿ ثم إلينا ﴾ ولم يذكر قوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ فكأن هذه الفاصلة قامت مقام التراخي في "ثم" قال السدي ومقاتل: "مر النبي بأبي جهل وأبي سفيان فقال ابو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف.
فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف!
فسمع النبي قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية" فأنزل الله ﴿ وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ﴾ اي ما يتخذونك ﴿ إلا هزوا ﴾ ثم فسر ذلك بقوله ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ والذكر أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله ﴿ وهم بذكر الرحمن هم كافرون ﴾ قدم الجار والمجرور وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم من كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها بخلاف ذلك ساءهم.
وأما ذكر الرحمن الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم أحق أن يتخذوا هزواً.
ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد.
وقيل ﴿ بذكر الرحمن ﴾ أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من قوله ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ فقدم لذلك أولاً مقدمة هي قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ من عجل ﴾ أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ وعن ابن عباس أنه آدم اراد أن يقوم حين بلغ الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس.
وعن ابن عباس أيضاً أنه النضر بن الحرث والأول أظهر.
وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: اي من العجل في الأمر وهو قوله ﴿ كن ﴾ وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ﴿ سأريكم آياتي ﴾ وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول.
وقيل: آثار القرون الخالية بالشام واليمن.
سؤال: ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله ﴿ فلا تستعجلون ﴾ ؟
وأجيب بأن فيه تنبيهاً على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة.
وقال جار الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها.
آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً في الحقيقة؟
أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم ﴿ لو يعلم ﴾ جواب "لو" محذوف و ﴿ حين ﴾ مفعول به ﴿ ليعلم ﴾ والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.
ويجوز أن يكون ﴿ يعلم ﴾ متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا يكون ﴿ حين ﴾ منصوباً بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين اشد مع أن الإحاطة التامة تفهم منهما.
ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلاقي الذنوب فقال ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم فتغلبهم.
قلت: فائدة "بل" في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم من الأولى، ويحتمل أن تكون "لو" لظاهر التمني والضمير للنار.
وقيل: للساعة.
وفي قوله ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول الإمهال.
ثم سلى رسوله بقوله ﴿ ولقد استهزئ ﴾ الآية.
وقد مرت في أول الأنعام.
ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار ذكر أنهم في الدنيا ايضاً مفترقون إلى حراسة الله وكلاءته فقال ﴿ قل من يكلؤكم بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ والنهار ﴾ إذا تقلبتم في وجوه المصالح ﴿ من الرحمن ﴾ أي من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما.
قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلاً ﴿ بل هم عن ذكر ربهم معرضون ﴾ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.
أما قوله ﴿ أم لهم آلهة تمنعهم ﴾ فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق بما في "أم" من معنى "بل".
وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى ﴿ من دوننا ﴾ أن تلك الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال ﴿ لا يستطيعون ﴾ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها وتنصرها.
وقوله ﴿ ولا هم منا يصبحون ﴾ قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته.
والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم "صبحك الله".
والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع!
ولما ابطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر يعينهم على أسباب التمتع سوى الله.
وفي قوله ﴿ حتى طال عليهم العمر ﴾ إشارة إلى أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله ﴿ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد.
والاستفهام في قوله ﴿ أفهم الغالبون ﴾ للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون.
ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر.
واللام في ﴿ الصم ﴾ للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع ﴿ الصم ﴾ في موضع اسم الإشارة إيذاناً بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا.
ثم ذكر أنهم لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ﴿ ولئن مستهم نفحة ﴾ وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة.
منه قولهم "نفحه بعطية" اي رضخة، "ونفحته الدابة" وهو رمح يسير دليل على أنهم في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله.
قوله ﴿ ونضع الموازين القسط ﴾ المراد من الوضع الإحضار والقسط اي العدل صفة الموازين وإن كان موحداً كقولهم للقوم "إنهم عدل" قاله الفراء.
وعن الزجاج أراد ذوات القسط.
واللام في ﴿ ليوم القيامة ﴾ بمعنى الوقت كما يقال "جئت لتاريخ كذا".
وقيل: أراد لأجل الحساب يوم القيامة.
وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول سورة الأعراف.
يروي أن داود سال ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم افاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟
فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.
وفي قوله ﴿ فلا تظلم نفس شيئاً ﴾ بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مراراً ﴿ وإن كان ﴾ أي الوزن والعمل ﴿ مثقال حبة من خردل أتينا بها ﴾ أنت ضمير المثقال باعتبار إضافته إلى الحبة.
قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟
وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة.
وقوله ﴿ من خردل ﴾ بيان لها لأن الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما قلنا يكون هو الخردل بعينه.
والحاصل أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه.
رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: حاسبوني فدققوا *** ثم منوا فأعتقوا قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان.
والآية تبطل قوله لأن الله تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.
قلت: للجبائي أن يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية مشروط عندكم بعدم العفو.
﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ كقوله ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية لنبيه وتثبيتاً وعظة لأمته وتذكيراً، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ههنا والموجز تقدمه الفصحاء غالباً، ولأن موسى أقوى حالاً ومعجزة، ولأن ذكر التوراة يناسب ما تقدم من قوله ﴿ قل إنما أنذركم بالوحي ﴾ وصف التوراة بأنها جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان في أول البقرة ﴿ وضياء ﴾ كقوله ﴿ فيها هدى ونور ﴾ ﴿ وذكراً للمتقين ﴾ اي شرفاً وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله ﴿ بالغيب ﴾ إما حال من الرب أي حال كونه غائباً عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وإما حال منهم أي حال كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم في الخلوات.
ثم عظم شأن القرآن بقوله ﴿ وهذا ذكر مبارك ﴾ أي كثير البركة ﴿ أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾ أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه تخصونه بالإنكار.
ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم.
التأويل: ﴿ أم اتخذوا آلهة ﴾ من ارض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية ﴿ آلهة إلا الله ﴾ كالعقل والهوى ﴿ لفسدتا ﴾ كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين اثبتت عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة ﴿ لا يسأل عما يفعل ﴾ لأن أفعاله صادرة عن الحكمة والقدرة ﴿ وهم يسألون ﴾ لأن أفعالهم منشؤها الظلومية والجهولية ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ لأنه ليس فيهم ما يخالف داعية العقل وهو الطبع الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في قوله ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ففي التكريم تكثير ليس في الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من خجالة قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما خلفهم ﴾ من الأمر بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض ﴿ أو لم ير الذين كفروا ﴾ يعني أنهم رأوها في عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة ألاف سنة ﴿ كانتا رتقاً ﴾ أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ﴿ ففتقناهما ﴾ بالمفارقة وقطع التعلق ﴿ وجعلنا من ﴾ ماء حياة العلم ﴿ كل شيء حي ﴾ بالحياة الأبدية ﴿ وجعلنا في الأرض ﴾ أرض القالب ﴿ رواسي ﴾ هي هموم العلائق البدنية ﴿ أن تميد بهم ﴾ فلولاها لمالت كل نفس إلى عمالها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس ﴿ فجاجاً سبلاً ﴾ هي طرق الإرشاد والتسليك ﴿ وجعلنا ﴾ سماء القلب ﴿ سقفاً محفوظاً ﴾ من وساوس شياطين الإنس والجن ﴿ وهو الذي خلق ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك الطريقة، وأهل الولاية في فلك اطوار الحقيقة ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ أما النفس الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعملية التي هي فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ربه ﴿ ونبلوكم ﴾ بالمكروهات التي تسمونها شراً بالمحبوبات التي تحسبونها خيراً ﴿ فتنة ﴾ فربما كان الأمر عكس ما تصورتم ﴿ وإلينا ترجعون ﴾ اختياراً وقهراً ﴿ وإذا رآك الذين كفروا ﴾ فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار ﴿ خلق الإنسان من عجل ﴾ بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ستة أيام وخمرت طينة آدم أربعين صباحاً مع أن فيها أنموذجاً من الكل واستعداداً لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي وأشار إلى هذه المعاني بقوله ﴿ سأريكم آياتي ﴾ اي في مظاهر الآفاق ومرايا أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور ﴿ فلا تستعجلون ﴾ فإن حد الاستكمال من المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا سليمان الوقت.
ويمكن أيضاً أن يقال: إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم ﴿ بالليل والنهار ﴾ من الخصوم والأعداء فمن لهم حتى يحفظونهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب ﴿ بل متعنا هؤلاء ﴾ الجهال ﴿ وآباءهم ﴾ الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجباً نورية لهم حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة.
ثم بين أن الحق يغلب على الباطل ألبتة فقال ﴿ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ﴾ البشرية ﴿ ونضع الموازين ﴾ ميزان الفضل قد نصب في الأزل ﴿ نحن قسمنا ﴾ ﴿ تلك الرسل فضلنا ﴾ وميزان العدل ينصب في الأبد ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ .
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أنِ اعْلَمُوا ورُوا: أن السماوات والأرض كانت كذا.
والثاني: لو تفكروا وتأملوا لعلموا أنهما كذا.
والثالث: على التنبيه: أن قد رأوا وعلموا أنهما كانتا كذا، كذلك هذا في كل ما ذكر من قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ...
﴾ كذا، و ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى...
﴾ كذا، فهو كله يخرج على هذه الوجوه.
ثم يكون قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ و ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ﴾ كل هذا كان في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ كأنه يقول: أولم يروا كذا ما جعلناهم من أنواع ما ذكر، ثم ذكر هذا لهم يكون لوجوه: أحدها: أن يذكر نعمه عليهم حيث أخبر أن السماء والأرض كانتا رتقا ففتق منهما أرزاقهم، وذكرهم أنه جعل بالماء حياتهم، وجعل لهم الأرض بحيث تقر بأهلها وتسكن بهم، وجعلها مهاداً لهم وفراشاً بالجبال حتى قدروا على المقام بها والقرار، ثم قال: إنه جعل فيها فجاجاً وسبلا، ليصلوا إلى حوائجهم وشهواتهم ومنافعهم التي جعلت لهم في البلاد النائية، وذكرهم نعمه أيضاً في حفظ السماء عن أن تسقط عليهم على ما أخبر أنه يمسكها هو بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ﴾ ، وذكرهم أيضاً نعمه فيما جعل لهم من الليل والنهار وفي الشمس والقمر من المنافع؛ يستأدى بذلك كله الشكر على ما أنعم عليهم.
أو أن يذكرهم بهذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على فتق السماء من الأرض، وجعل حياة كل شيء من الماء، وإمساك السماء وحفظها عن أن تسقط بلا عمد، وما ذكر من خلق الليل والنهار، وقطع الشمس والقمر بيوم واحد مسيرة خمسمائة عام - أن من قدر على كل ما ذكر لقادر على بعثهم وإحيائهم بعد الموت وبعد ما صاروا تراباً.
أو أن يذكرهم غناه بذاته وملكه: أن من كان هذا سبيله فأنى تقع له الحاجة إلى اتخاذ الولد أو الشريك أو الصاحبة ردّاً على ما قالوا: ﴿ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً ﴾ و ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ ونحوه، فبين فساد ذلك كله وبطلانه حيث قال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ .
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ﴾ ونحوه، يبين بهذا كله فساد ما ادعوا على الله أنه اتخذ كذا.
ثم اختلف في قوله: ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ : قال بعضهم: فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات: فتق السماء، وهي أشد الأشياء وأصلبها بألين شيء وهو الماء، وكذلك الأرض فتقها بألين شيء وهو النبات مع شدتها وصلابتها، وهو ما ذكرنا من لطفه وقدرته.
وقال بعضهم: ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ ملتزقتين، ففتقهما أي: جعل بينهما هواء مكانا لتخلق.
وقال بعضهم: كانت السماء واحدة والأرض كذلك، فجعل من السماء سبعاً ومن الأرض كذلك سبعاً، فكذلك فتقه إياهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ .
قال بعضهم: الماء نطفة الرجال منه يخلق الخلائق.
وقال بعضهم: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ الذي خلق في الأرض، أو أنزل من السماء حياة كل شيء، يعلم حياة خلائق الأرض بهذا الماء، ولكن لا يعلم حياة أهل السماء بماذا؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ .
هذا يدل أن الأرض لم يكن من طبعها في الأصل التسفل والتسرب في الماء على ما قاله بعض الناس؛ لأنه لو كان طبعها التسفل والتسرب لكان الجبال تزيد التسفل في الماء والتسرب، فإذا لم يكن دل أن طبعها كان الاضطراب والزوال والتحرك والميد فأصلها: ليس التسفل والتسرب ولكن على ما ذكرنا فأثبتها بالجبال، وإن كنا نشاهد بعض أجزائها أنها تسفل وتسرب، وهذا كما نقول: إن بعض العالم متعلق ببعض وأنه لا يخلو عن مكان، وكل العالم لا تعلق له به ولا الأمكنة آخذة لها، فعلى ذلك الأرض.
أو أن كان طبعها التسفل والتسرب جعلها بحيث تقر وتسكن بشيء طبعه التسفل أيضاً باللطف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً ﴾ .
قال بعضهم: الفجاج والسبل واحد، وهي الطرق التي جعلها في الجبال.
وقال بعضهم: الفجاج: السعة والفسحة، والسبل: الطرق.
وقال بعضهم: الفجاج: هي الطرق التي في الجبال، والسبل: هي التي في المفاوز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مَّحْفُوظاً ﴾ ، أي: محبوساً عن أن يسقط عليهم.
وقال بعضهم: محفوظاً من الشياطين، أي: صار محفوظاً منهم؛ حتى لا يستمعوا كلام الملائكة بعد ما كانوا يستمعون من قبل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .
قال بعضهم: الفلك: السماء.
وقال بعضهم: استدارة السماء.
وقيل: الفلك: المجرى والسرعة.
وقيل: الفلك: فلكة كفلكة المغزل وهو دورانه، وكذلك فلكة الطاحونة: هو ما يدور به الطاحونة، وهي الحديدة التي تدور بها الطاحونة، وقالوا: إن الفلك استدارة وكل شيء دار فهو فلك وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ، قال بعضهم: يجرون.
وقال بعضهم: يسبحون: يعلمون، وكذلك روي في حرف عبد الله: (كل في فلك يعلمون).
وظاهر الآية: أن يكون هنالك بحر ونهر فيه يجري الشمس والقمر وفيه يغربان ومنه يطلعان؛ لأنه قال: ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ، والسباحة هي المعروفة عند الناس، وهو ما يسبح المرء في بحر أو نهر، هذا ظاهر الآية، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ روي عن ابن عباس عن النبي أنه قال: "خلق الله بحرا دون سماء الدنيا مقدار ثلاث فراسخ، فهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله ، لا يقطر منه قطرة والبحور كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة السهم، ثم انطباقه في الهواء مستو كأنه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخنس في ذلك البحر" ؛ فذلك قوله: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ والخنس: هي التي تخنس بالنهار وتجري بالليل، والفلك: دوران العجلة، في لجة: غمرة ذلك البحر، وقال رسول الله : "والذي نفسي بيده لو بدت الشمس من ذلك البحر، لحرقت كل شيء في الأرض حتى الصخور، ولو بدا القمر من ذلك البحر لافتتن به أهل الأرض كلها يعبدونه من دون الله إلا من عصمه الله" وفي بعض الأخبار: (الفلك: ماء مكفوف يجري فيه الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار)، ويقال: الشمس والقمر والليل والنهار كله دون السماء يدور به الفلك، ومثل هذا قد قيل فيه، والله أعلم.
وظاهر الآية في الخبر ما ذكرنا: أن الشمس والقمر هما اللذان يجريان ويسبحان في ذلك الماء.
وعلى تأويل بعضهم أنهما على حالهما لا يجريان، لكن الفلك هو يجري فيظهران ويبدوان في وقت ويختفيان في وقت آخر، ولو كانا هما اللذان يجريان لكانا على حالة واحدة ويظهران في الأحوال كلها، لكنا لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله أنه كذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أَوَ لم يعلم الذين كفروا بالله أن السماوات والأرض كانتا مُلْتصِقتين، لا فراغ بينهما فينزل منه المطر، ففصلنا بينهما، وجعلنا من الماء النازل من السماء إلى الأرض كل شيء من حيوان أو نبات، أفلا يعتبرون بذلك، ويؤمنون بالله وحده؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.AaMZd"