المحرر الوجيز سورة السجدة

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة السجدة

تفسيرُ سورةِ السجدة كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 41 دقيقة قراءة

تفسير سورة السجدة كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

الٓمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍۢ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٣ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ  ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، ويَأْتِي تَفْسِيرُها.

وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: « "ما كانَ رَسُولُ اللهِ  يَنامُ حَتّى يَقْرَأ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ السَجْدَةَ، و ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ  ﴾ ».

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ "تَنْزِيلُ" ﴾ يَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ﴿ "لا رَيْبَ"، ﴾ ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وهُوَ: إمّا الحُرُوفُ المُشارُ إلَيْها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، وإمّا: "ذَلِكَ تَنْزِيلُ"، أو نَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ بِحَسَبِ القَوْلِ في الحُرُوفِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ: هو كَذا في نَفْسِهِ، ولا يُراعى ارْتِيابُ الكَفَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَنْزِيلُ"، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لا رَيْبَ"، ﴾ أيْ: لا شَكَّ فِيهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، وإنَّ وقَعَ شَكٌّ لِلْكَفَرَةِ فَذَلِكَ لا يُراعى.

والرَيْبُ: الشَكُّ، وكَذَلِكَ هو في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ رَيْبَ المَنُونِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْ يَقُولُونَ" ﴾ إضْرابٌ، وتَقْدِيرُهُ أنَّهُ قالَ: بَلْ أيَقُولُونَ، و"افْتَراهُ": اخْتَلَقَهُ، ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِتُنْذِرَ" يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ، فَيُوقِفُ حِينَئِذٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن رَبِّكَ"، ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما أتاهم مِن نَذِيرٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُباشِرْهم ولا رَأوهُ هم ولا آباؤُهُمُ العَرَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ  ﴾ فَيَعُمُّ مَن بُوشِرَ مِنَ النُذُرِ ومَن سَمِعَ بِهِ، فالعَرَبُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ فِيها النُذُرُ عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ بِإبْراهِيمَ وبَنِيِّهِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ودَعْوَتِهِمْ، وهم مِمَّنْ لَمَّ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُباشِرٌ لَهم سِوى مُحَمَّدٍ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُقاتِلٌ: المَعْنى: لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ يَقْضِي بِأنْ يَوْمًا مِن أيّامِ الجُمْعَةِ بَقِيَ لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ، وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ الصِحاحُ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ، وخُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ آخِرَ الأشْياءِ،» فَهَذا مُسْتَقِيمٌ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ الخَلْقَ ابْتَدَأ يَوْمَ السَبْتَ،» فَهَذا يُخالِفُ الآيَةَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ أرادَ في الآيَةِ جَمِيعَ الأشْياءِ غَيْرَ آدَمِ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ يَكُونُ يَوْمُ الجُمْعَةَ هو الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا بَيْنُ السَماءِ والأرْضِ؛ لِأنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمّا بَيْنَهُما.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ بِما فِيهِ كِفايَةٌ، و"ثُمَّ" في هَذا المَوْضِعِ لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا عَلى المُخْتارِ في مَعْنى "اسْتَوى".

ونَفْيُ الشَفاعَةِ مَحْمُولٌ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا نَفْيٌ عَنِ الكَفَرَةِ، وإمّا نَفْيُ الشُفَعاءِ مِن ذاتِهِمْ عَلى حَدِّ شَفاعَةِ الدُنْيا؛ لِأنَّ شَفاعَةَ الآخِرَةِ إنَّما هي بَعْدَ إذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍۢ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ﴿ "الأمْرُ" ﴾ اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ الأُمُورِ، والمَعْنى: يُنَفِّذُ اللهُ تَعالى قَضاءَهُ بِجَمِيعِ ما يَشاؤُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ خَبَرُ ذَلِكَ في يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُنْيا مِقْدارُهُ - وإنَّ لَوْ يَسِيرُ فِيهِ السَيْرَ المَعْرُوفَ مِنَ البَشَرِ - ألْفُ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، هَذا أحَدُ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، والضَحّاكِ.

وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ المَعْنى أنَّ الضَمِيرَ في ﴿ "مِقْدارُهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى التَدْبِيرِ، أيْ: كَأنَ مِقْدارَ التَدْبِيرِ المُنْقَضِي في يَوْمِ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ.

وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، فالمَعْنى أنَّ الأُمُورَ تُنَفَّذُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ المُدَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ إلَيْهِ آخِرًا؛ لِأنَّ عاقِبَةَ الأُمُورِ إلَيْهِ.

وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ في مُدَّةِ الدُنْيا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويَوْمُ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو عَلى الكُفّارِ قَدْرُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لِهَوْلِهِ وشُنْعَتِهِ حَسْبَما في سُورَةِ ﴿ "سَألَ سائِلٌ".

 ﴾ وسَنَذْكُرُ هُناكَ ما فِيهِ مِنَ التَأْوِيلِ والأقْوالِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وحَكى الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "قَوْلُهُ: ﴿ فِي يَوْمٍ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذا: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ  ﴾ ومُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ أنَّ تِلْكَ السِتَّةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن ألْفِ سَنَةٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُكْرَهَةٌ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، رادَّةٌ لَهُ الأحادِيثُ الَّتِي تُثْبِتُ أيّامَ خَلْقِ اللهِ تَعالى المَخْلُوقاتِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الضَمِيرَ في "مِقْدارُهُ" عائِدٌ عَلى "العُرُوجِ"، والعُرُوجُ: الصُعُودُ، والمَعارِجُ: الأدْراجُ الَّتِي يُصْعَدُ عَلَيْها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَمْسِ في أنَّها تَصْعَدُ وتَنْزِلُ في يَوْمٍ، وذَلِكَ قَدْرُ ألْفِ سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، وظاهِرُ عَوْدِ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ" عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿ ذاهِبٌ إلى رَبِّي  ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ مُهاجِرٌ إلى رَبِّي  ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ بَرِيءٌ مِنَ التَحَيُّزِ.

وقِيلَ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى "السَماءِ" لِأنَّها قَدْ تُذْكَرُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "تَعُدُّونَ" ﴾ بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍۢ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ ٨ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ٩ وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ ١٠ ۞ قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ١١

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ": ﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ.

والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى  ﴾ ، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"، ﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم.

و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ  ﴾ ، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ.

و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ" ﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ.

ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا.

كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا" ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.

والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ.

واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا".

بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ و ﴿ مَلَكُ المَوْتِ ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢ وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١٣ فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٤ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩ ١٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "لَوْ تَرى" تَعْجِيبٌ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ مِن حالِ الكَفَرَةِ وما حَلَّ بِهِمْ.

وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ حَذْفَهُ أهْوَلُ؛ إذْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِيهِ مَعَ أقْصى تَخَيُّلُهُ.

و"المُجْرِمُونَ" هُمُ الكافِرُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا مُوقِنُونَ ﴾ ، أيْ أنَّهم كانُوا في الدُنْيا غَيْرَ مُوقِنِينَ.

و"تَنْكِيسُ الرُؤُوسِ" هو مِنَ الهَوْلِ والذُلِّ واليَأْسِ والهَمِّ بِحُلُولِ العَذابِ وتَعَلُّقِ نُفُوسِهِمْ بِالرَجْعَةِ إلى الدُنْيا، وفي القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ: ما كُنّا نُخْبَرُ بِهِ في الدُنْيا فَكُنّا مُكَذِّبِينَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبُوا الرَجْعَةَ حِينَ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى الناسَ أجْمَعِينَ، أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ لُطْفًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَخْتَرِعُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ.

هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَضْطَرُّهم بِها إلى الإيمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ مَن أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَدْرِ قَدَرَ القَوْلِ ولا مَغْزاهُ ولِذَلِكَ حَكاهُ، والَّذِي يَقُودُ المُعْتَزِلَةَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى اللُطْفِ بِإنْسانٍ حَتّى يُؤْمِنَ ولا يَفْعَلَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا مِنَ الأمْرِ المُسْتَقِيمِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ يَطُولُ ولَهُ تَوالِيفُهُ، و"الجِنَّةِ" الشَياطِينُ.

وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا العَذابَ" بِمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"نَسِيتُمْ" مَعْناهُ: تَرَكْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلٌ، أو عِدَّةٌ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِتَكَسُّبِكُمُ الآثامَ.

ثُمَّ أثْنى عَزَّ وجَلَّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ووَصْفَهم بِالصِفَةِ الحَسَنَةِ، بِسُجُودِهِمْ عِنْدَ التَذْكِيرِ وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ، بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكُفْرُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ التَذْكِيرِ، وقَوْلِ الهُجْرِ، وإظْهارِ التَكَبُّرِ، وهَذِهِ السَجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَجْدَةِ في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السُجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُكُوعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكَأنَّ الرُكُوعَ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأيْضًا فَمِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٧ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًۭا كَمَن كَانَ فَاسِقًۭا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ ١٨ أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٩ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ﴾ ﴿ أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النارُ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ جَفا الرَجُلُ المَوْضِعَ: إذا تَرَكَهُ، وتَجافى الجَنْبُ عن مَضْجَعِهِ: إذا تَرَكَهُ، وجافى الرَجُلُ جَنْبَهُ عن مَضْجَعِهِ، وفي الحَدِيثِ: "يُجافِي بِعَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ" أيْ يُبْعِدُهُما عن بَدَنِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ أيْ تَبْتَعِدُ وتَزُولُ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ: نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ ويُرْوى: "يَبِيتُ يُجافِي"، قالَ الزَجّاجُ، والرُمّانِيُّ: التَجافِي: التَنَحِّي إلى جِهَةٍ فَوْقَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَذَلِكَ هو في الصَفْحِ عَنِ المُخْطِئِ في سَبٍّ ونَحْوَهُ.

وَ"الجُنُوبُ": جَمْعُ جَنْبٍ، و"المَضاجِعُ": مَوْضِعُ الِاضْطِجاعِ لِلنَّوْمِ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الصَلاةَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَ عَطاءُ، وأبُو سَلَمَةَ: أرادَ صَلاةَ العِشاءِ الآخِرَةَ.

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَنامُونَ مِن أوَّلِ الغُرُوبِ، ومِن أيِّ وقْتٍ شاءَ الإنْسانُ، فَجاءَ انْتِظارُ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ غَرِيبًا شاقًّا، وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أيْضًا: أرادَ انْتِظارَ العِشاءِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يُؤَخِّرُها إلى نَحْوِ ثُلْثِ اللَيْلِ، وفي ذَلِكَ أحادِيثٌ كَثِيرَةٌ.

وقالَ الضَحّاكُ: "تَجافِي الجَنْبِ هو أنْ يُصَلِّيَ الرَجُلُ العِشاءَ والصُبْحَ في جَماعَةٍ".

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُساعِدُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهَذا التَجافِي صَلاةَ النَوافِلِ بِاللَيْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ أكْثَرُ الناسِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَدْحُ، وفِيهِ أحادِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  يَذْكُرُ قِيامَ اللَيْلِ ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِالآيَةِ.

ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وَرَجَّحَ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ بِأنَّهم جَوُّزُوا بِإجْفاءٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العَمَلَ إجْفاءٌ أيْضًا هو قِيامُ اللَيْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "يَدْعُونَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، أيْ وقْتَ التَجافِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مُسْتَأْنِفَةً، أيْ: تَتَجافى جُنُوبُهم وهم أيْضًا في كُلِّ أحْوالِهِمْ يَدْعُونَ لَيْلَهم ونَهارَهُمْ، و"الخَوْفُ" مِن عَذابِ اللهِ، و"الطَمَعُ" في ثَوابِ اللهِ.

و"يُنْفِقُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: النَوافِلُ والصَدَقاتُ غَيْرُ المَفْرُوضَةِ، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعْدَهم مِنَ النَعِيمِ بِما لَمْ تَعْلَمْهُ نَفْسٌ ولا بَشَرٌ ولا مَلَكٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "أُخْفِي" بِسُكُونِ الياءِ، كَأنَّهُ قالَ: "أُخْفِي أنا"، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، ورُوِيَ عنهُ: "ما أخْفَيْتُ لَهم مِن قُرّاتِ أعْيُ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: "ما نُخْفِي لَهُمْ" بِالنُونِ مَضْمُومَةً، ورَوى المُفَضَّلُ عَنِ الأعْمَشِ: "ما يُخْفى لَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ وفَتَحِ الفاءِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "ما أخْفى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: ما أخْفى اللهُ لَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَثَمَّ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أُخْفِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالضَمِيرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ يَجْرِي في العَوْدَةِ عَلى "الَّذِي"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أُخْفِيَ"، وعَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.

وَ"قُرَّةُ العَيْنِ": ما تُلِذُّهُ وتَشْتَهِيهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، كَما أنَّ "سُخْنَةَ العَيْنِ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَخانَةِ، وأصْلُ هَذا - فِيما يَزْعُمُونَ - أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ، ودَمْعُ الحُزْنِ سُخْنٌ.

وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ".

﴾ » وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي التَوْراةِ مَكْتُوبٌ: عَلى اللهِ لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قُرّاتِ" عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، أيْ: بِتَكَسُّبِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنُ أبِي مُعَيَّطٍ، وذَلِكَ أنَّهُما تَلاحَنا، فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اسْكُتْ فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وذَكَرَ الزَجّاجُ، والنَحاسُ، وغَيْرُهُما أنَّها نَزَلَتْ في عَلَيٍّ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مِعْيَطٍ، وعَلى هَذا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً، لِأنَّ عُقْبَةَ لَمْ يَكُنْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما قُتِلَ في طَرِيقِ مَكَّةَ مُنْصَرِفُ رَسُولِ اللهِ  مِن بَدْرٍ، ويَعْتَرِضُ القَوْلُ الآخَرُ بِإطْلاقِ اسْمِ الفِسْقِ عَلى الوَلِيدِ، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في صَدْرِ إسْلامِ الوَلِيدِ لِشَيْءٍ كانَ في نَفْسِهِ، أو لِما رُوِيَ مِن نَقْلِهِ عن بَنِي المُصْطَلَقِ ما لَمْ يَكُنْ حَتّى نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا  ﴾ ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تُطْلِقَ الشَرِيعَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ عَلى طَرَفٍ مِمّا يَبْغِي، وهو الَّذِي شَرِبَ الخَمْرَ في خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصَلّى الصُبْحَ بِالناسِ أرْبَعًا، ثُمَّ التَفَتَ وقالَ: أتُرِيدُونَ أنْ أزِيدَكُمْ؟

ونَحْوَ هَذا مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ.

ثُمَّ قَسَّمَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ والفاسِقِينَ الَّذِينَ فَسَّقَهم بِالكُفْرِ؛ لِأنَّ التَكْذِيبَ الَّذِي في آخِرِ الآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "جَنَّةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "نَزَلا" بِإسْكانِ الزايِ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّها، وسائِرُ باقِي الآيَةِ بَيَّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢١ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عنها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَنُذِيقَنَّهُمْ" بِكَفّارِ قُرَيْشٍ، أعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُصِبْهم بِعَذابٍ دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ لَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَتَّعِظُونَ، ولا خِلافَ أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ هو عَذابُ الآخِرَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْيِينِ العَذابِ الأدْنى، فَقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، ومُقاتِلُ: هُمُ السُنُونَ الَّتِي أجاعَهُمُ اللهُ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ: هو مَصائِبُ الدُنْيا مِنَ الأمْراضِ ونَحْوَها، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو القَتْلُ بِالسَيْفِ كَبَدْرٍ وغَيْرِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَكُونُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ "الراجِعُ" غَيْرَ "الَّذِي يَذُوقُ"، بَلِ الَّذِي يَبْقى بَعْدَهُ، وتَخْتَلِفُ رُتْبَتا ضَمِيرِ الذَوْقِ مَعَ ضَمِيرِ لَعَلَّ.

وقالَ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أيْضًا: هي البَطْشَةُ، واللِزامُ والدُخانُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: عَنى بِذَلِكَ الحُدُودَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أنْ تَكُونَ في فَسَقَةِ المُؤْمِنِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: عَنى بِذَلِكَ عَذابَ القَبْرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والتَقْرِيرِ -: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وهي بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللهِ خَرُّوا سُجَّدًا، ثُمَّ تُوعَدُ تَبارَكَ وتَعالى المُجْرِمِينَ، وهُمُ المُتَجاسِرُونَ عَلى رُكُوبِ الكُفْرِ والمَعاصِي بِالقُوَّةِ، وظاهِرُ الإجْرامِ هُنا أنَّهُ الكُفْرُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن يَزِيدِ بْنِ رَفِيعٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿ إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴾ إنَّما هو في أهْلِ القَدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العَبْدِ مِن قَبْلِهِ، قالَ: ثُمَّ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ رَفِيعٍ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ  ﴾ ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ  ﴾ ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فِي هَذا المَنزَعِ مِنَ البُعْدِ ما لا خَفاءَ بِهِ.

ورَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ثَلاثٌ مَن فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ: مَن عَقَدَ لِواءٌ في غَيْرِ حَقٍّ، ومَن عَقَّ والِدَيْهِ، أوَ مَشى مَعَ ظالِمٍ يَنْصُرُهُ".» <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًۭى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٢٣ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٢٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قَرَأ الناسُ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "لِقائِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ، وقَتادَةُ: يَعُوُدُ عَلى "مُوسى"، والمَعْنى: لا تَكُ في شَكٍّ مِن أنْ تَلْقى مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقٍ الزَجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، أيْ أنَّهُ لَقِيَ مُوسى حِينَ لَقِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْفاعِلِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابَ - بِالنَصْبِ - مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ مِنَ المِحْنَةِ والشَدَّةِ الَّتِي في إخْبارِهِ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرُ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالناسِ، وكَأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقائِهِ في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.

والمِرْيَةُ: الشَكُّ.

والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "مُوسى"، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الكِتابِ".

و"أئِمَّةٌ": جَمْعُ إمامٍ، وهو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، وأصْلُهُ خَيْطُ البِناءِ، وجُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ عَلى "أيِمَّةً" بِياءٍ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، إلّا ابْنَ أبِي إسْحاقٍ، فَإنَّهُ جَوَّزَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ وقَرَأ: "أئِمَّةً".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "لَمّا صَبَرُوا" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ وشَدَّ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لِما صَبَرُوا" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، فالأُولى في مَعْنى الظَرْفِ، والثانِيَةُ كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ صَبْرِهِمْ، فـَ"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وفي القِراءَتَيْنِ مَعْنى المُجازاةِ، أيْ: جَعَلَهم أئِمَّةً جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وكَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِآياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وأوامِرِهِ وجَمِيعِ ما تُورِدُهُ الشَرِيعَةُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِما صَبَرُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ الآيَةُ حُكْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَلْقِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَخْصِيصِ الضَمِيرِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ٢٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ٢٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٨ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَـٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٢٩ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ فَأعْرِضْ عنهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ "يَهْدِ" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَهْدِي" بِالياءِ، فالفاعِلُ اللهُ تَعالى في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والرَسُولُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، والمَصْدَرُ في قَوْلِ فِرْقَةٍ، كَأنَّهُ قالَ: أو لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الهُدى.

وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ "كَمْ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّها في الخَبَرِ عَلى حُكْمِها في الِاسْتِفْهامِ في أنَّها لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبِلَها.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَهْدِ لَهُمْ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

فالفاعِلُ اللهُ تَعالى، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ: فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ بِـ"نَهْدِ"، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِـ"أهْلَكْنا" عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "يُمَشُّونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "يُمْشُونَ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وشِينٍ مَضْمُومَةٍ مُخَفَّفَةٍ، والضَمِيرُ في "يَمْشُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطِبِينَ بِالبَيِّنَةِ المُحْتَجِّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُهْلِكِينَ، فَـ"يَمْشُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أُهْلِكُوا وهم ماشُونَ في مَساكِنِهِمْ.

والضَمِيرُ في ﴿ "يَسْمَعُونَ" ﴾ لِلْمَنهِيِّينَ.

ومَعْنى الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِالأُمَمِ السالِفَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَأهْلَكُوا.

ثُمَّ أقامَ عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في مَعْنى الإيمانِ بِالقُدْرَةِ وبِالبَعْثِ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى إحْياءِ الأرْضِ المَواتِ بِالماءِ، و"السَوْقُ" هو بِالسَحابِ، و"الجُرُزُ": الأرْضُ العاطِشَةُ الَّتِي قَدْ أكَلَتْ نَباتَها مِنَ العَطَشِ والقَيْظِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأكُولِ: جُرُوزٌ، قالَ الشاعِرُ: خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى وَمَن عَبَّرَ عنها بِأنَّها الأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ فَإنَّها عِبارَةٌ غَيْرُ مُخْلِصَةٍ.

وعَمَّ تَعالى كُلَّ أرْضٍ هي بِهَذِهِ الصِفَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ فِيها والعِبْرَةَ بَيِّنَةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ أيْضًا: الأرْضُ الجُرُزُ أرْضُ (أبْيَنُ) مِنَ اليَمَنِ، وهي أرْضٌ تَشْرَبُ بِسُيُولٍ لا بِمَطَرٍ.

وجُمْهُورُ الناسِ عَلى ضَمِّ الراءِ، قالَ الزَجّاجُ: وتَقْرَأُ: "الجُرُزُ" بِسُكُونِ الراءِ.

ثُمَّ خَصَّ تَعالى الزَرْعَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ولِأنَّهُ عُظْمُ ما يَقْصِدُ مِنَ النَباتِ، وإلّا فَعَرَفَ أكْلَ الأنْعامِ إنَّما هو مِن غَيْرِ الزَرْعِ، لَكِنَّهُ أوقَعَ الزَرْعَ مَوْقِعَ النَباتِ، ثُمَّ فَصَلَ ذَلِكَ بِأكْلِ الأنْعامِ وبَنِي آدَمَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بْنُ عَيّاشٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يَأْكُلُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَصِرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُبْصِرُونَ" بِالياءِ.

ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ أنَّهم يَسْتَفْتِحُونَ ويَسْتَعْجِلُونَ فَصْلَ القَضاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَسُولِ  عَلى مَعْنى الهَزْءِ والتَكْذِيبِ.

و"الفَتْحُ": الحُكْمُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهَذا أقْوى الأقْوالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، يَرُدُّهُ الإخْبارُ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ الفَتْحُ إلّا إمّا حُكْمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإمّا "فَصْلٌ" في الدُنْيا كَبَدْرٍ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ ﴾ إشارَةٌ إلى الفَتْحِ الأوَّلِ حَسَبَ مُحْتَمَلاتِهِ.

فالألِفُ واللامُ في "الفَتْحِ" الثانِي لِلْعَهْدِ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "يَنْفَعُ"، و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ: يُؤَخِّرُونَ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وانْتِظارِ الفَرَجِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ أيِ العَذابَ، بِمَعْنى أنَّ هَذا حُكْمَهم وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "مُنْتَظَرُونَ" أيْ: لِلْعَذابِ النازِلِ بِهِمْ، واللهُ أعْلَمُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ السَجْدَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله