الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 32 السجدة > الآيات ٢٣-٢٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قَرَأ الناسُ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "لِقائِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟
فَقالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ، وقَتادَةُ: يَعُوُدُ عَلى "مُوسى"، والمَعْنى: لا تَكُ في شَكٍّ مِن أنْ تَلْقى مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقٍ الزَجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، أيْ أنَّهُ لَقِيَ مُوسى حِينَ لَقِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْفاعِلِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابَ - بِالنَصْبِ - مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ مِنَ المِحْنَةِ والشَدَّةِ الَّتِي في إخْبارِهِ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرُ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالناسِ، وكَأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقائِهِ في الآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.
والمِرْيَةُ: الشَكُّ.
والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "مُوسى"، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الكِتابِ".
و"أئِمَّةٌ": جَمْعُ إمامٍ، وهو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، وأصْلُهُ خَيْطُ البِناءِ، وجُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ عَلى "أيِمَّةً" بِياءٍ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، إلّا ابْنَ أبِي إسْحاقٍ، فَإنَّهُ جَوَّزَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ وقَرَأ: "أئِمَّةً".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "لَمّا صَبَرُوا" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ وشَدَّ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لِما صَبَرُوا" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، فالأُولى في مَعْنى الظَرْفِ، والثانِيَةُ كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ صَبْرِهِمْ، فـَ"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وفي القِراءَتَيْنِ مَعْنى المُجازاةِ، أيْ: جَعَلَهم أئِمَّةً جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وكَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِآياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وأوامِرِهِ وجَمِيعِ ما تُورِدُهُ الشَرِيعَةُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِما صَبَرُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ الآيَةُ حُكْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَلْقِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَخْصِيصِ الضَمِيرِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
<div class="verse-tafsir"