الآية ٢٥ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ٢٥ من سورة السجدة

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 49 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) أي : من الاعتقادات والأعمال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبين جميع خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل بإيجابه لأهل الحقّ الجنة، ولأهل الباطل النار.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة أي يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار ، فيجازي كلا بما يستحق .

وقيل : يقضي بين الأنبياء وبين قومهم ; حكاه النقاش .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وثَمَّ مسائل اختلف فيها بنو إسرائيل، منهم من أصاب فيها الحق، ومنهم من أخطأه خطأ، أو عمدًا، واللّه تعالى { يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وهذا القرآن يقص على بني إسرائيل، بعض الذي يختلفون فيه، فكل خلاف وقع بينهم، ووجد في القرآن تصديق لأحد القولين، فهو الحق، وما عداه مما خالفه، باطل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إن ربك هو يفصل"، يقضي، "بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» من أمر الدين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن ربك -أيها الرسول- يقضي بين المؤمنين والكافرين من بني إسرائيل وغيرهم يوم القيامة بالعدل فيما اختلفوا فيه من أمور الدين، ويجازي كل إنسان بعمله بإدخال أهلِ الجنةِ الجنةَ وأهلِ النارِ النارَ.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أشار - سبحانه - إلى أن بنى إسرائيل جميعاً لم يكونوا كذلك ، وإنما كان منهم الأخيار والأشرار ، وأنه - تعالى - سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه العادل ، فقال : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) .أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده الذى يتولى القضاء والحكم بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة ، فيما كانوا يختلفون فيه فى الدنيا من أمور متنوعة .

على رأسها ما يتعلق بالأمور الدينية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ هذا يصلح جواباً لسؤال: وهو أنه لما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ ﴾ كان لقائل أن يقول كيف كانوا يهدون وهم اختلفوا وصاروا فرقاً وسبيل الحق واحد، فقال فيهم هداة والله بين المبتدع من المتبع كما يبين المؤمن من الكافر يوم القيامة، وفيه وجه آخر، وهو أن الله تعالى بين أنه يفصل بين المختلفين من أمة واحدة كما يفصل بين المختلفين من الأمم فينبغي أن لا يأمن من آمن وإن لم يجتهد، فإن المبتدع معذب كالكافر، غاية ما في الباب، أن عذاب الكافر أشد وآلم وأمد وأدوم.

ثم قال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ القرون ﴾ قد ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب ﴾ تقرير لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإعادة لبيان ما سبق في قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ  ﴾ ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد، فقال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ يَمْشُونَ فِي مساكنهم ﴾ زيادة إبانة، أي مساكن المهلكين دالة على حالهم وأنتم تمشون فيها وتبصرونها، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ﴾ اعتبر فيه السمع، لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم، فقال أفلا يسمعون، يعني ليس لهم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب ﴾ للجنس والضمير في ﴿ لّقَائِهِ ﴾ له.

ومعناه: إنا آتينا موسى عليه السلام مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ولقيت نظيره كقوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءونَ الكتاب مِن قَبْلِك ﴾ [يونس: 94] ونحو قوله: ﴿ مّن لّقَائِهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ [النمل: 6] وقوله: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ [الإسراء: 13] .

وجعلنا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام ﴿ هُدًى ﴾ لقومه ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ ﴾ الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، لصبرهم وإيقانهم بالآيات.

وكذلك لنجعلنّ الكتاب المنزل إليك هدى ونوراً، ولنجعلنّ من أمّتك أئمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين وثبتوا عليه من اليقين.

وقيل: من لقائك موسى عليه السلام ليلة الإسراء أو يوم القيامة وقيل: من لقاء موسى عليه السلام الكتاب، أي: من تلقيه له بالرضا والقبول.

وقرئ: ﴿ لما صبروا ﴾ ﴿ ولما صبروا ﴾ أي لصبرهم.

وعن الحسن رضي الله عنه: صبروا عن الدنيا.

وقيل: إنما جعل الله التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة، ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل عليه السلام ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ يقضي، فيميز المحق في دينه من المبطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَقْضِي فَيُمَيِّزُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بِتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ.

﴿ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.

﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَنَوِيٍّ مِن جِنْسِ المَعْطُوفِ والفاعِلُ ضَمِيرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ.

﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ ﴾ أيْ كَثْرَةُ مَن أهْلَكْناهم مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ بِدَلِيلِ القِراءَةِ بِالنُّونِ.

﴿ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ، وقُرِئَ «يُمَشُّونَ» بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إنّ ربّك هو يفصل} يقضي {بينهم يوم القيامة} بين الأنبياء وأممهم أو بين المؤمنين والمشركين {فيما كانوا فيه يختلفون} فيظهر المحق من المبطل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ ﴾ أيْ يَقْضِي ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ قِيلَ: بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فَيُمَيِّزُ سُبْحانَهُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ﴿ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يعني: يقضي بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين.

ثم خوف كفار مكة فقال عز وجل: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ يعني: أو لم يبيِّن لهم الله تعالى.

وقرئ في الشاذ أولم نهد لَهُمْ بالنون.

وقرأ العامة بالياء.

كَمْ أَهْلَكْنا يعني: أو لم نبين لهم الهلاك مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يعني: قوم لوط وصالح وهود يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ يعني: يمرون في منازلهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: في إهلاكهم لآيات لعبرات أَفَلا يَسْمَعُونَ أي: أفلا يسمعون المواعظ فيعتبرون بها.

ثم قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ يعني: اليابسة الملساء التي ليس فيها نبات.

يقال: أرض جرز أي: أرض جدب لا نبات فيها.

يقال: جرزت الجراد إذا أكلت، وتركت الأرض جرزاً فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً يعني: نخرج بالماء النبات تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ أي: من الكلأ والعشب والتبن وَأَنْفُسُهُمْ من الحبوب والثمار أَفَلا يُبْصِرُونَ هذه العجائب فيوحّدوا ربهم.

قوله عز وجل: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ قال مقاتل: أي متى هذا القضاء وهو البعث؟

وقال قتادة: الْفَتْحُ القضاء.

وقال مجاهد: الْفَتْحُ يوم القيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تكذيباً منهم يعنون به النبيّ  .

ثم قال عز وجل: قُلْ يا محمد يَوْمَ الْفَتْحِ يعني: يوم القيامة لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ قال في رواية الكلبي: إن أصحاب النبي  كانوا يتذاكرون فيما بينهم وهم بمكة قبل فتح مكة لهم.

وكان ناس من بني خزيمة كانوا إذا سمعوا ذلك منهم، يستهزئون بهم ويقولون لهم: متى فتحكم هذا الذي كنتم تزعمون؟

ويقولون: فنزل يعني: بني خزيمة.

مَتى هذَا الْفَتْحُ يا أصحاب محمد إن كنتم صادقين.

قُلْ يا محمد يَوْمَ الْفَتْحِ أي: فتح مكة لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ من القتل وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ حتى يقتلوا.

وذلك أن النبيّ  لما فتح مكة، بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة، وقد كانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية.

يعني: الحقد.

فقالوا: قد أسلمنا.

فقال لهم: انزلوا.

فنزلوا فوضع فيهم السلاح فقتل منهم، وأسر.

فبلغ ذلك النبيّ  فقال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالَدُ بْنُ الوَلِيدِ» ؟

فبعث إليهم علي بن أبي طالب- رضي الله- عنه بالدية من غنائم خيبر، فذلك قوله تعالى: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ من القتل وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يعني: يؤجلون.

ثم قال عز وجل: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يا محمد وَانْتَظِرْ لهم فتح مكة ويقال: العذاب.

إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ بهلاكك.

وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبيّ  كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل، وتبارك الذي بيده الملك.

وروى أبَيّ بن كعب عن النبيّ  أنه قال: «من قرأ الم السَّجْدَة، وَتَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَى ليلة القدر» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: وفي رواية للبخاري: قال أبو هريرة: واقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ...

«١» الآية.

انتهى.

وقال ابن مسعودٍ: في التوراة مكتوبٌ «عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ» «٢» ، وباقي الآية بَيِّن والضمير في قوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ لكفار قريش، ولا خلافَ أن العذابَ الأكبرَ هو عذابُ الآخرةِ، واخْتُلِفَ في تَعْيين العذاب الأَدْنَى فقيل هو السنون التي أجاعَهم الله فيها وقيل هو مصائبُ الدنيا من الأمراض ونحوها، وقيل هو القَتْل بالسَّيْف كَبَدْرِ وغيرها.

وقوله سبحانه: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وروى معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ، فَقَدْ أَجْرَمَ: مَنْ عَقَدَ لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ عقّ والديه، ومن نصر ظالما» .

«٣»

وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ اخْتُلِفَ فِي الضمير الذي في لِقائِهِ على من يعود؟

فقال قتادة وغيره: يعود على موسى، والمعنى:

فلا تكن يا محمد، في شك من أنك تلقى موسى، أي: في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من السلف، وقالت فرقة: الضميرُ: عائد على الكتابِ، أي: فلا تكن في شك من لقاء موسى للكتاب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ مُوسى رَبَّهُ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: مِن لِقاءِ مُوسى لَيْلَةَ الإسْراءِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الأذى كَما لَقِيَ مُوسى، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: لا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن تَلَقِّي مُوسى كِتابَ اللَّهِ بِالرِّضى والقَبُولِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، فَتَكُونُ الهاءُ لِلْكِتابِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، فَأُضِيفُ المَصْدَرُ إلى ضَمِيرِ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ مَدْحٌ لَهُ عَلى امْتِثالِهِ ما أُمِرَ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى الأخْذِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْناهُ هُدًى ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الكِتابُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مُوسى، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَجَعَلْنا مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ أئِمَّةً ﴾ أيْ: قادَةً في الخَيْرِ ﴿ يَهْدُونَ بِأمْرِنا ﴾ أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ إلى طاعَةِ اللَّهِ ﴿ لَمّا صَبَرُوا ﴾ \[قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لَمّا صَبَرُوا " بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لِما " بِكَسْرِ اللّامِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " بِما " بِباءٍ مَكانَ اللّامِ؛ والمُرادُ: صَبْرُهُمْ\] عَلى دِينِهِمْ وأذى عَدُوِّهم ﴿ وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ﴾ أنَّها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ صالِحُونَ سِوى الأنْبِياءِ.

وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ أنَّكم إنْ أطَعْتُمْ جَعَلْتُ مِنكم أئِمَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: يَقْضِي ويَحْكُمُ؛ وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم.

والثّانِي: المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ.

ثُمَّ خَوَّفَ كَفّارَ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: " نَهْدِ " بِالنُّونِ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في (طَهَ: ١٢٨) .

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ والسَّيْلَ ﴿ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ﴾ وهي الَّتِي لا تُنْبِتُ- وقَدْ ذَكَرْناها في أوَّلِ (الكَهْفِ: ٨) - فَإذا جاءَ الماءُ أنْبَتَ فِيها ما يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ.

﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما فُتِحَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَوْمَ بَدْرٍ فُتِحَ لِلنَّبِيِّ  ، فَلَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم بَعْدَ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الحُكْمِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اليَوْمَ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِيهِ العَذابُ في الدُّنْيا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ وقَدِ اعْتُرِضَ عَلى هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: كَيْفَ لا يَنْفَعُ الكُفّارَ إيمانُهم يَوْمَ الفَتْحِ، وقَدْ أسْلَمَ جَماعَةٌ وقُبِلَ إسْلامُهم يَوْمَئِذٍ؟!

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: لا يَنْفَعُ مَن قُتِلَ مِنَ الكُفّارِ يَوْمَئِذٍ إيمانُهم بَعْدَ المَوْتِ؛ وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ السَّيْرِ «أنَّ خالِدًا دَخْلَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي دَخَلَ مِنها رَسُولُ اللَّهِ  فَلَقِيَهُ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو في آخَرِينَ فَقاتَلُوهُ، فَصاحَ خالِدٌ في أصْحابِهِ وقاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِن قُرَيْشٍ، وأرْبَعَةً مِن هُذَيْلٍ، وانْهَزَمُوا، فَلَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ  قالَ: " ألَمْ أنْهَ عَنِ القِتالِ " ؟

فَقِيلَ: إنَّ خالِدًا قُوتِلَ فَقاتَلَ.» والثّانِي: لا يَنْفَعُ الكُفّارَ ما أُعْطُوا مِنَ الأمانِ، لِأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: " «مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ» " .

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: آمَنتُ فُلانًا إيمانًا، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لا يَدْفَعُ هَذا الأمانُ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ.

وهَذا القَوْلُ الَّذِي قَدْ دافَعْنا عَنْهُ لَيْسَ بِالمُخْتارِ، وإنَّما بَيَّنّا وجْهَهُ لِأنَّهُ قَدْ قِيلَ.

وَقَدْ خَرَجَ بِما ذَكَرْنا في الفَتْحِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحُكْمُ والقَضاءُ، وهو الَّذِي نَخْتارُهُ.

والثّانِي: فَتْحُ البَلَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ ﴾ أيِ: انْتَظَرَ عَذابَهم ﴿ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ بِكَ حَوادِثَ الدَّهْرِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قَرَأ الناسُ: "فِي مِرْيَةٍ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "لِقائِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَ أبُو العالِيَةِ الرِياحِيُّ، وقَتادَةُ: يَعُوُدُ عَلى "مُوسى"، والمَعْنى: لا تَكُ في شَكٍّ مِن أنْ تَلْقى مُوسى، أيْ: في لَيْلَةِ الإسْراءِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ أبا إسْحاقٍ الزَجّاجَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، أيْ أنَّهُ لَقِيَ مُوسى حِينَ لَقِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا لِلْفاعِلِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابُ مُوسى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، بِمَعْنى: لَقِيَ الكِتابَ - بِالنَصْبِ - مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ مِنَ المِحْنَةِ والشَدَّةِ الَّتِي في إخْبارِهِ بِأنَّهُ آتى مُوسى الكِتابَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرُ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ المِحْنَةِ بِالناسِ، وكَأنَّ الآيَةَ تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ  .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقائِهِ في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ.

والمِرْيَةُ: الشَكُّ.

والضَمِيرُ في "جَعَلْناهُ" عائِدٌ عَلى "مُوسى"، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الكِتابِ".

و"أئِمَّةٌ": جَمْعُ إمامٍ، وهو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، وأصْلُهُ خَيْطُ البِناءِ، وجُمْهُورُ النَحْوِيِّينَ عَلى "أيِمَّةً" بِياءٍ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، إلّا ابْنَ أبِي إسْحاقٍ، فَإنَّهُ جَوَّزَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ وقَرَأ: "أئِمَّةً".

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "لَمّا صَبَرُوا" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ وشَدَّ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لِما صَبَرُوا" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، فالأُولى في مَعْنى الظَرْفِ، والثانِيَةُ كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ صَبْرِهِمْ، فـَ"ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وفي القِراءَتَيْنِ مَعْنى المُجازاةِ، أيْ: جَعَلَهم أئِمَّةً جَزاءً عَلى صَبْرِهِمْ عَلى الدُنْيا، وكَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِآياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وأوامِرِهِ وجَمِيعِ ما تُورِدُهُ الشَرِيعَةُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِما صَبَرُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ الآيَةُ حُكْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الخَلْقِ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَخْصِيصِ الضَمِيرِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لأن قوله تعالى ﴿ وجعلنا منهم أيمة يَهْدُون بأمْرنا ﴾ [السجدة: 24] يثير سؤالاً في نفس السامع من المؤمنين الذين سمعوا ما في القرآن من وصف اختلاف بني إسرائيل وانحرافهم عن دينهم وشاهَد كثير منهم بني إسرائيل في زمانه غير متحلّين بما يناسب ما قامت به أيمتهم من الهداية فيودّ أن يعلم سبب ذلك فكان في هذه الآية جواب ذلك تعليماً للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

والخطاب للنبيء والمراد أمتُه تحذيراً من ذلك وإيماءً إلى وجوب تجنب الاختلاف الذي لا يدعو إليه داع في مصلحة الأمة وفهم الدين.

والفصل: القضاء والحكم، وهو يقتضي أن اختلافهم أوقعهم في إبطال ما جاءهم من الهدى فهو اختلاف غير مستند إلى أدلة ولا جارٍ في مهيع أصل الشريعة؛ ولكنه متابعة للهوى وميل لأعراض الدنيا كما وصفه القرآن في آيات كثيرة في سورة البقرة وغيرها كقوله تعالى: ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ﴾ [آل عمران: 105].

وليس منه اختلاف أيمة الدين في تفاريع الأحكام وفي فهم الدين مما لا ينقض أصوله ولا يخالف نصوصه وإنما هو إعمال لأصوله ولأدلته في الأحوال المناسبة لها وحمل متعارضها بعضه على بعض فإن ذلك كله محمود غير مذموم؛ وقد اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فلم يعنّف أحداً، واختلفوا بعد وفاته فلم يعنّف بعضهم بعضاً.

ويشمل ما كانوا فيه يختلفون ما كان اختلافاً بين المهتدين والضالين منهم وما كان اتفاقاً من جميع أمتهم على الضلالة فإن ذلك خلاف بين المجمعين وبين ما نطقت به شريعتهم وسَنَّته أنبياؤهم، ومن أعظم ذلك الاختلاف كتمانهم الشهادة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجحدهم ما أخذ عليهم من الميثاق من أنبيائهم.

وضمير ﴿ هو ﴾ في قوله ﴿ هو يفصل ﴾ ضمير فصل لقصر الفصل عليه تعالى إيماء إلى أن ما يذكر في القرآن من بيان بعض ما اختلفوا فيه على أنبيائهم ليس مطموعاً منه أن يرتدعوا عن اختلافهم وإنما هو للتسجيل عليهم وقطع معذرتهم لأنهم لا يقبلون الحجة فلا يفصل بينهم إلا يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَلا تَكُنْ يا مُحَمَّدُ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى ولَقَدْ لَقِيتَهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ رَوى أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسى بْنَ عِمْرانَ رَجُلًا طُوالًا جَعْدًا كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ.

وَرَأيْتُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَجُلًا مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ سَبْطَ الرَّأُسِ)» .

قالَ أبُو العالِيَةِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ﴾ .

الثّانِي: فَلا تَكُنْ يا مُحَمَّدُ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى في القِيامَةِ وسَتَلْقاهُ فِيها.

الثّالِثُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى في الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والزَّجّاجُ.

الرّابِعُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ الأذى كَما لَقِيَهُ مُوسى، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى لِرَبِّهِ حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلْنا مُوسى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: جَعَلْنا الكِتابَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم رُؤَساءُ في الخَيْرِ تَبَعُ الأنْبِياءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهم أنْبِياءُ، وهو مَأْثُورٌ.

﴿ لَمّا صَبَرُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى الدُّنْيا، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: عَلى الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: عَلى الأذى بِمِصْرَ لَمّا كُلِّفُوا ما لا يُطِيقُونَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَكانُوا بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي بِالآياتِ التِّسْعِ ﴿ يُوقِنُونَ ﴾ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ الآيَةَ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَيْنَ الأنْبِياءِ وبَيْنَ قَوْمِهِمْ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: يَقْضِي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوأة، ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه قال: ﴿ فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ فكان قتادة يفسرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند صحيح عن ابن عباس «عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ من لقاء موسى ربه ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ قال: جعل موسى هدى لبني إسرائيل» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ قال: من لقاء موسى قيل: أو لقي موسى؟

قال: نعم.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ﴾ [ الزخرف: 45] .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ قال: من أن تلقى موسى.

وأخرج الحاكم عن مالك أنه تلا ﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ﴾ فقال: حدثني الزهري أن عطاء بن يزيد حدثه عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما رزق عبد خيراً له أوسع من الصبر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجعلنا منهم أئمة ﴾ قال: رؤساء في الخير سوى الأنبياء ﴿ يهدون بأمرنا لما صبروا ﴾ قال: على ترك الدنيا.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ ﴾ أي يقضي ويحكم.

﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين كذبوا النبي -  - من بني إسرائيل (١) ﴿ فِيمَا كَانُوا فِيهِ ﴾ من الدين.

﴿ يَخْتَلِفُونَ ﴾ وذلك أنهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر بعضهم.

ثم خوف كفار مكة فقال: (١) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 455 غير منسوب، ولم أقف عليه عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ الضمير لجميع الخلق، وقيل: لبني إسرائيل خاصة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.

وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.

الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.

الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.

وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.

ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.

فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.

سأل: إنه تصنيف اي شخص؟

ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.

ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.

ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد  ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.

وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله  .

ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.

ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.

أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.

ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.

وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟

فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".

وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.

وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.

وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة  ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.

وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.

وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.

ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه  ﴾ وقد مر في "طه".

وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.

ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.

ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.

والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.

ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.

والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.

ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.

ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.

ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.

ثم إنه  ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.

وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".

ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.

وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.

أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله  بقيام الليل وهو التهجد.

قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .

عن علي  : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي  يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.

و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.

عن النبي  "يقول الله  أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.

قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله  أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.

وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.

يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب  والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.

فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.

فأنزل الله  فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.

ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.

ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.

وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.

وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.

فإنه يحمل على الإعارة وإنه  قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة  ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.

وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها  ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.

وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.

وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.

ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.

وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.

ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.

قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله  وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.

قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.

وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.

وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.

وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة  ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.

وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.

قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.

والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.

وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.

ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.

ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي  فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.

والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.

واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن  ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.

والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.

واستدل به على أن الله  جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.

ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.

وفيه أن الله  سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.

ومثله إخبار النبي  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

وفيه إشارة إلى أنه  سيميز المحق في كل دين من المبطل.

ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.

وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.

وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.

ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.

قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.

وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.

قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.

ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.

فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟

فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.

ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

ثم أمر نبيه  بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  ﴾ .

التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.

اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.

الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .

خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال  "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.

﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.

ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.

﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد  فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.

ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.

وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.

ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ ﴾ أي: من أن تلقاه يوم القيامة.

وقال بعضهم: فلا تكن في مرية من لقاء موسى التوراة؛ فإن الله ألقى الكتاب عليه - أي التوراة - حقّاً، فلقيها عياناً.

وقال بعضهم: فلا تكن في مرية من لقائه ليلة أسري به، قد روي مثل هذا أن رسول الله  وقد أسري وأعرج إلى السماء، فقال له موسى كذا وكذا - أشياء ذكرت في أمر الصلوات وغيره - فلا ندري أيثبت ذلك أم لا، أو إن ثبت كيف كان ذلك: أنه أوحى له فقال ما ذكر، أو رأى ذلك في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أو كيف كان لأمر الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : قال بعضهم: جعلنا موسى هدىً لبني إسرائيل؛ يجعل الهاء كناية عن موسى.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ ﴾ - أي: الكتاب الذي آتى موسى - ﴿ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ وجهين: أحدهما: البيان، أي: جعلناه بياناً لهم يبين ما لهم وما عليهم وما لله عليهم.

والثاني: ﴿ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: دعاء لبني إسرائيل يدعون الخلق به إلى توحيد الله وألوهيته.

الهدى المضاف إلى الخلق يخرج على هذين الوجهين: على البيان، والدعاء.

والهدى المضاف إلى الله يخرج على وجوه: على البيان، وعلى الدعاء - الذي ذكرنا أيضاً - وعلى وجهين آخرين: أحدهما: التوفيق والمعونة.

والثاني: على خلق فعل الاهتداء منهم.

على هذه الوجوه الأربعة يخرج إضافة الهدى إلى الله وإلى الخلق على الوجهين اللذين ذكرناهما.

فإن قيل: كيف خص موسى أنه جعله هدى لمن ذكر، وذلك قد يكون في غيره، وهو ما جعل في خِلْقه كل أحد شهادة وحدانيته وألوهيته قبل ذلك إنما يدرك بالنظر والتفكر، وأما فيما ذكر يدرك بالبديهة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾ .

أي: قادة في الخير: يحتمل قوله: ﴿ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾ أي: يدعون الناس بما أمرهم، وهو التوحيد، أو ﴿ يَهْدُونَ ﴾ ، أي: يبينون لهم بالذي أمرنا: ما لهم وما عليهم.

وقوله: ﴿ لَمَّا صَبَرُواْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: بما صبروا على البلاء وتعذيب فرعون إياهم وأذاه إياهم، أي: آمنوا ودعوا غيرهم إلى ذلك على الخوف، كقوله: ﴿ فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ...

﴾ الآية [يونس: 83].

وقال بعضهم: ﴿ لَمَّا صَبَرُواْ ﴾ على الطاعات.

وقد قرئ: ﴿ لَمَّا صَبَرُواْ ﴾ : بالتشديد، ومعناه - والله أعلم - أي: بما يهدون؛ لما كان منهم الصبر على ذلك، أي: بالصبر الذي كان منهم هدوا أولئك.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ .

أنها من الله، وأنها آياته.

وقال بعضهم: ﴿ لَمَّا صَبَرُواْ ﴾ ، أي: لم يركنوا إلى الدنيا، ولا اشتغلوا بها، ولكن صبروا على أمره؛ إذ كلفوا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

إن أهل الأديان جميعاً، والمذاهب على اختلاف أديانهم ومذاهبهم اتفقوا أن الدين الذي جاء من الله واحد، وأن الدين الذي أمر الله أن يدينوا به واحد، لكن كلا منهم ادّعى أن الذي هو عليه دين الله، وأن الأمر به من الله وقع على ما يدين هو به، وغيره على باطل على غير دين الله الذي أمر بالديانة به، وكذلك قالوا: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً...

﴾ الآية [الأعراف: 28]، فأخبر أنه يفصل بينهم ويبيّن الدّين الذي أمر أن يدينوا به في الدنيا بيان الاحتجاج عليهم؛ وإلا قد أبان لهم وأظهر الدّين الذي أمرهم أن يدينوا به بالحجج والآيات، وعرفوا ذلك، لكنهم كابروا وعاندوا، وكتموا ذلك ولبسوا على الناس والأتباع؛ فيبين ما كتموا في الدنيا ولبسوا في الآخرة، فيظهر عنادهم ومكابرتهم؛ احتجاجاً عليهم، وإن كان الحق قد بان لهم وظهر في الدنيا، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن ربك -أيها الرسول- هو الذي يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا، فيبيّن المحق والمبطل، ويجازي كلا بما يستحقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.MrBeA"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
سبحان الله