تفسير الكشاف سورة السجدة

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة السجدة

تفسيرُ سورةِ السجدة كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 23 دقيقة قراءة

تفسير سورة السجدة كاملةً (جار الله الزمخشري)

الٓمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍۢ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٣

﴿ الم ﴾ على أنها اسم السورة مبتدأ خبره ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ وإن جعلتها تعديداً للحروف ارتفع ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ بأنه خبر مبتدأ محذوف: أو هو مبتدأ خبره ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ والوجه أن يرتفع بالابتداء، وخبره ﴿ مِن رَّبّ العالمين ﴾ و ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ : اعتراض لا محل له.

والضمير في ﴿ فِيهِ ﴾ راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي في كونه منزلاً من رب العالمين ويشهد لوجاهته قوله ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ لأنّ قولهم: هذا مفترى، إنكار لأن يكون من رب العالمين، وكذلك قوله: ﴿ بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ وما فيه من تقدير أنه من الله وهذا أسلوب صحيح محكم: أثبت أولاً أن تنزيله من رب العالمين، وأن ذلك ما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ لأن (أم) هي المنقطعة الكائنة بمعنى: بل والهمزة، إنكاراً لقولهم وتعجيباً منه لظهور أمره: في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات منه، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ونظيره أن يعلل العالم في المسألة بعلة صحيحة جامعة، قد احترز فيها أنواع الاحتراز.

كقول المتكلمين: النظر أوّل الأفعال الواجبة على الإطلاق التي لا يعرى عن وجوبها مكلف، ثم يعترض عليه فيها ببعض ما وقع احترازه منه، فيرده بتلخيص أنه احترز من ذلك، ثم يعود إلى تقرير كلامه وتمشيته.

فإن قلت: كيف نفى أن يرتاب في أنه من الله، وقد أثبت ما هو أطم من الريب، وهو قولهم: ﴿ افتراه ﴾ ؟

قلت: معنى ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أن لا مدخل للريب في أنه تنزيل الله: لأن نافي الريب ومميطه معه لا ينفك عنه وهو كونه معجزاً للبشر، ومثله أبعد شيء من الريب.

وأما قولهم: ﴿ افتراه ﴾ فإما قول متعنت مع علمه أنه من الله لظهور الإعجاز له، أو جاهل يقوله قبل التأمل والنظر لأنه سمع الناس يقولونه: ﴿ مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ ﴾ كقوله: ﴿ مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ ﴾ [يس: 6] وذلك أن أن قريشاً لم يبعث الله إليهم رسولاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: فإذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم حجة.

قلت: أما قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا بالرسل فلا، وأما قيامها بمعرفة الله وتوحيده وحكمته فنعم؛ لأن أدلة العقل الموصلة إلى ذلك معهم في كل زمان ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ فيه وجهان: أن يكون على الترجي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ﴾ [طه: 44] على الترجي من موسى وهرون عليهما السلام، وأن يستعار لفظ الترجي للإرادة.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ قلت: هو على معنيين، أحدهما: أنكم إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم ولياً، أي: ناصراً ينصركم ولا شفيعاً يشفع لكم.

والثاني: أن الله وليكم الذي يتولى مصالحكم، وشفيعكم أي ناصركم على سبيل المجاز، لأن الشفيع ينصر المشفوع له.

فهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 107] فإذا خذلكم لم يبق لكم وليّ ولا نصير.

<div class="verse-tafsir"

يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍۢ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥

﴿ الأمر ﴾ المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً ﴿ مِنَ السماء إِلَى الأرض ﴾ ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصاً كما يريده ويرتضيه إلا في مدة متطاولة؛ لقلة عمال الله والخلص من عباده وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص ودل عليه قوله على أثره ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض: لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة، كما قال: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47] ، ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ أي يصير إليه، ويثبت عنده، ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدّة: ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبر أيضاً ليوم آخر، وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة.

وقيل: ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض.

ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو ردّه مع جبريل، وذلك في وقت هو في الحقيقة ألف سنة؛ لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل؛ لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله؛ أي يصير إليه ليحكم فيه ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ وهو يوم القيامة.

وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ يعرج ﴾ على البناء للمفعول.

وقرئ: ﴿ يعدون ﴾ بالتاء والياء.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍۢ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ ٨ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ٩

﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء ﴾ حسنه، لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة؛ فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت من حسن وأحسن، كما قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4] وقيل: علم كيف يخلقه من قوله: قيمة المرء ما يحسن.

وحقيقته.

يحسن معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان.

وقريء ﴿ خلقه ﴾ على البدل، أي: أحسن، فقد خلق كل شيء.

وخلقه: على الوصف، أي: كل شيء خلقه فقد أحسنه.

سميت الذرية نسلاً؛ لأنها تنسل منه، أي: تنفصل منه وتخرج من صلبه ونحوه قولهم للولد: سليل ونجل، و ﴿ سواه ﴾ قوّمه، كقوله تعالى: ﴿ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4] ودل بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو، كقوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح.....

﴾ الآية [الإسراء: 85] ، كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبمعرفته.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ ١٠ ۞ قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ١١

﴿ وَقَالُواْ ﴾ قيل القائل أبي بن خلف، ولرضاهم بقوله أُسند إليهم جميعاً.

وقرئ: ﴿ ائنا ﴾ ، و ﴿ أنا ﴾ ، على الاستفهام وتركه ﴿ ضَلَلْنَا ﴾ صرنا تراباً، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن أو غبنا ﴿ فِى الأرض ﴾ بالدفن فيها.

من قوله: وَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وقرأ علي وابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ ضللنا ﴾ بكسر اللام.

يقال: ضل يضل وضل يضل.

وقرأ الحسن رضي الله عنه: صللنا، من صلّ اللحم وأصلّ: إذا أنتن.

وقيل: صرنا من جنس الصلة وهي الأرض.

فإن قلت: بم انتصب الظرف في ﴿ أَءذَا ضَلَلْنَا ﴾ ؟

قلت: بما يدل عليه (لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ) وهو نبعث.

أو يجدد خلقنا.

لقاء ربهم: هو الوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت وما وراءه، فلما ذكر كفرهم بالإنشاء.

أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في الكفر، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالإنشاء وحده: ألا ترى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى ربهم بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء، وهذا معنى لقاء الله على ما ذكرنا والتوفي: استيفاء النفس وهي الروح.

قال الله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس ﴾ [الزمر: 42] وقال: أخرجوا أنفسكم، وهو أن يقبض كلها لا يترك منها شيء.

من قولك: توفيت حقي من فلان، واستوفيته إذا أخذته وافياً كاملاً من غير نقصان.

والتفعل والاستفعال: يلتقيان في مواضع: منها: تقصيته واستقصيته، وتعجلته واستعجلته.

وعن مجاهد رضي الله عنه: حويت لملك الموت الأرض، وجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء.

وعن قتادة: يتوفاهم ومعه أعوان من الملائكة.

وقيل: ملك الموت: يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢ وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١٣ فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٤

﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ يجوز أن يكون خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان: أن يراد به التمني، كأنه قال: وليتك ترى، كقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة: (لو نظرت إليها) والتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان الترجي له في ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ لأنه تجرع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم، فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي والغم ليشمت بهم، وأن تكون لو الامتناعية قد حذف جوابها، وهو: لرأيت أمراً فظيعاً.

أو: لرأيت أسوأ حال ترى.

ويجوز: أن يخاطب به كل أحد، كما تقول: فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد به مخاطباً بعينه، فكأنك قلت: إن أكرم وإن أحسن إليه، ولو وإذ: كلاهما للمضي، وإنما جاز ذلك؛ لأن المترقب من الله بمنزلة الوجود المقطوع به في تحققه، ولا يقدر لنرى ما يتناوله، كأنه قيل: ولو تكون منكم الرؤية، وإذ ظرف له.

يستغيثون بقولهم ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ فلا يغاثون، يعني: أبصرنا صدق وعدك ووعيدك وسمعنا منك تصديق رسلك.

أو كنا عمياً وصماً فأبصرنا وسمعنا ﴿ فارجعنا ﴾ هي الرجعة إلى الدنيا ﴿ لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ على طريق الإلجاء والقسر، ولكننا بنينا الأمر على الاختيار دون الاضطرار، فاستحبوا العمى على الهدى، فحقت كلمة العذاب على أهل العمى دون البصراء ألا ترى إلى ما عقبه به من قوله: ﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ ﴾ فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم: من نسيان العاقبة، وقلة الفكر فيها، وترك الاستعداد لها.

والمراد بالنسيان: خلاف التذكر، يعني: أن الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة وسلط عليكم نسيانها، ثم قال: ﴿ إِنَّا نسيناكم ﴾ على المقابلة، أي: جازيناكم جزاء نسيانكم.

وقيل: هو بمعنى الترك، أي: تركتم الفكر في العاقبة، فتركناكم من الرحمة، وفي استئناف قوله إنا نسيناكم وبناء الفعل على إن واسمها تشديد في الانتقام منهم.

والمعنى فذوقوا هذا أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا العذاب المخلد في جهنم بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر الموبقة.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩ ١٥ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٧

﴿ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا ﴾ أي وعظوا: سجدوا تواضعاً لله وخشوعاً، وشكراً على ما رزقهم من الإسلام ﴿ وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ ونزهوا الله من نسبة القبائح إليه، وأثنوا عليه حامدين له ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ كما يفعل من يصر مستكبراً كأن لم يسمعها، ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا ﴾ [الإسراء: 107] .

﴿ تتجافى ﴾ ترتفع وتتنحى ﴿ عَنِ المضاجع ﴾ عن الفرش ومواضع النوم، داعين ربهم عابدين له؛ لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته، وهم المتهجدون.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها: «قيام العبد من الليل» وعن الحسن رضي الله عنه: أنه التهجد.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم.

ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؛ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء، فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعاً إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس» وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة.

فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها ﴿ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم ﴾ على البناء للمفعول.

ما أخفى لهم على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه، وما أخفى لهم.

وما نخفي لهم.

وما أخفيت لهم: الثلاثة للمتكلم، وهو الله سبحانه.

وما: بمعنى الذي، أو بمعنى أي.

وقرئ: ﴿ من قرّة أعين ﴾ ﴿ وقرات أعين ﴾ .

والمعنى: لا تعلم النفوس- كلهنّ ولا نفس واحدة منهنّ لا ملك مقرب ولا نبيّ مرسل- أيّ نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك وأخفاه من جميع خلائقه، لا يعلمه إلا هو مما تقربه عيونهم، ولا مزيد على هذه العدة ولا مطمح وراءها، ثم قال: ﴿ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فحسم أطماع المتمنين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقولُ اللَّهُ تعالَى: أعددتُ لعبادِي الصالحينَ ما لاَ عينُ رأتْ ولا أذنَ سمعَت ولا خطر على قلبِ بشرٍ، بَلْهَ ما أطلعتُهم عليهِ.

اقرؤُوا إن شئتمُ: فلا تعلمُ نفسُ ما أخفيَ لهمُ منْ قرةِ أعينٍ» وعن الحسن رضي الله عنه: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا، فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًۭا كَمَن كَانَ فَاسِقًۭا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ ١٨ أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٩ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢١

﴿ كَانَ مُؤْمِناً ﴾ و ﴿ كَانَ فَاسِقاً ﴾ محمولان على لفظ من و ﴿ لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ محمول على المعنى، بدليل قوله تعالى: ﴿ أَمَّا الذين ءَامَنُواْ ﴾ ﴿ وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ ﴾ ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ [محمد: 16] و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى عِندَ سِدْرَةِ المنتهى عِندَهَا جَنَّةُ المأوى ﴾ [النجم: 15] سميت بذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: تأوي إليها أرواح الشهداء.

وقيل: هي عن يمين العرش.

وقرئ: ﴿ جنة المأوى ﴾ ، على التوحيد ﴿ نُزُلاً ﴾ عطاء بأعمالهم.

والنزل: عطاء النازل، ثم صار عاماً ﴿ فَمَأْوَاهُمُ النار ﴾ أي ملجؤهم ومنزلهم.

ويجوز أن يراد: فجنة مأواهم النار، أي النار لهم، مكان جنة المأوى للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] ، [التوبة: 34] ، [الإنشقاق: 24] ، ﴿ العذاب الأدنى ﴾ عذاب الدنيا من القتل والأسر، وما محنوا به من السنة سبع سنين.

وعن مجاهد رضي الله عنه، عذاب القبر.

و ﴿ العذاب الأكبر ﴾ عذاب الآخرة، أي: نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي يتوبون عن الكفر، أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه.

كقوله تعالى: ﴿ فارجعنا نَعْمَلْ صالحا ﴾ [السجدة: 12] وسميت إرادة الرجوع رجوعاً، كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ [المائدة: 6] ويدل عليه قراءة من قرأ: ﴿ يرجعون ﴾ على البناء للمفعول.

فإن قلت: من أين صح تفسير الرجوع بالتوبة؟

و (لعل) من الله إرادة، وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يمتنع، وتوبتهم مما لا يكون، ألا ترى أنها لو كانت مما يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر؟

قلت: إرادة الله تتعلق بأفعاله وأفعال عباده، فإذا أراد شيئاً من أفعاله كان ولم يمتنع، للاقتدار وخلوص الداعي.

وأما أفعال عباده: فإما أن يريدها وهم مختارون لها، أو مضطرون إليها بقسره وإلجائه، فإن أرادها وقد قسرهم عليها فحكمها حكم أفعالها، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنهم لا يختارونها لم يقدح ذلك في اقتداره، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا يختارها، لأنّ اختياره لا يتعلق بقدرتك، وإذا لم يتعلق بقدرتك لم يكن فقده دالاً على عجزك.

وروي في نزولها: أنه شجر بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبيّ: أنا أشبّ منك شباباً، وأجلد منك جلداً، وأذرب منك لساناً، وأحدّ منك سناناً، وأشجع منك جناناً، وأملأ منك حشواً في الكتيبة.

فقال له علي رضي الله عنه: اسكت، فإنك فاسق، فنزلت عامة للمؤمنين والفاسقين، فتناولتهما وكل من كان في مثل حالهما.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنه قال للوليد: كيف تشتم علياً وقد سماه الله مؤمناً في عشر آيات؟

وسماك فاسقاً؟.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢

ثم في قوله: ﴿ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ للاستبعاد.

والمعنى: أنّ الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل، كما تقول لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها استبعاداً لتركه الانتهاز.

ومنه ثم في بيت الحماسة: لاَ يَكْشِفُ الغُمَّاءَ إلاَّ ابْنُ حُرَّةٍ ** يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدّتها.

فإن قلت: هلا قيل: إنا منه منتقمون؟

قلت: لما جعله أظلم كل ظالم ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دلّ على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًۭى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٢٣ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٢٥

﴿ الكتاب ﴾ للجنس والضمير في ﴿ لّقَائِهِ ﴾ له.

ومعناه: إنا آتينا موسى عليه السلام مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ولقيت نظيره كقوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءونَ الكتاب مِن قَبْلِك ﴾ [يونس: 94] ونحو قوله: ﴿ مّن لّقَائِهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ [النمل: 6] وقوله: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ [الإسراء: 13] .

وجعلنا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام ﴿ هُدًى ﴾ لقومه ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ ﴾ الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، لصبرهم وإيقانهم بالآيات.

وكذلك لنجعلنّ الكتاب المنزل إليك هدى ونوراً، ولنجعلنّ من أمّتك أئمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين وثبتوا عليه من اليقين.

وقيل: من لقائك موسى عليه السلام ليلة الإسراء أو يوم القيامة وقيل: من لقاء موسى عليه السلام الكتاب، أي: من تلقيه له بالرضا والقبول.

وقرئ: ﴿ لما صبروا ﴾ ﴿ ولما صبروا ﴾ أي لصبرهم.

وعن الحسن رضي الله عنه: صبروا عن الدنيا.

وقيل: إنما جعل الله التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة، ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل عليه السلام ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ يقضي، فيميز المحق في دينه من المبطل.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ٢٦

الواو في ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ ﴾ للعطف على معطوف عليه منوي من جنس المعطوف، والضمير في ﴿ لَهُمْ ﴾ لأهل مكة.

وقرئ بالنون والياء، والفاعل ما دلّ عليه ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ لأنّ كم لا تقع فاعلة، لا يقال: جاءني كم رجل، تقديره: أو لم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون.

أو هذا الكلام كما هو بمضمونه ومعناه، كقولك: يعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال.

ويجوز أن يكون فيه ضمير الله بدلالة القراءة بالنون.

و ﴿ القرون ﴾ عاد وثمود وقوم لوط ﴿ يَمْشُونَ فِي مساكنهم ﴾ يعني أهل مكة، يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم.

وقرئ: ﴿ يمشون ﴾ بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ٢٧

﴿ الجرز ﴾ الأرض التي جرز نباتها أي قطع: إمّا لعدم الماء، وإمّا لأنه رعي وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز.

ويدل عليه قوله: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنه: إنها أرض اليمن.

وعن مجاهد رضي الله عنه: هي أبين.

﴿ بِهِ ﴾ بالماء ﴿ تَأْكُلُ ﴾ من الزرع ﴿ أنعامهم ﴾ من عصفه ﴿ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ من حبه.

وقرئ: ﴿ يأكل ﴾ بالياء.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٨ قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَـٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٢٩ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠

الفتح: النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله: ﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا ﴾ [الأعراف: 89] وكان المسلمون يقولون إنّ الله سيفتح لنا على المشركين.

ويفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون قالوا: ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي في أيّ وقت يكون ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ في أنه كائن.

و ﴿ يَوْمَ الفتح ﴾ يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم، ويوم نصرهم عليهم، وقيل: هو يوم بدر.

وعن مجاهد والحسن رضي الله عنهما: يوم فتح مكة.

فإن قلت: قد سألوا عن وقت الفتح، فكيف ينطبق هذا الكلام جواباً على سؤالهم.

قلت: كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح، استعجالاً منهم عن وجه التكذيب والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزؤا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم، وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا.

فإن قلت: فمن فسره بيوم الفتح أو يوم بدر كيف يستقيم على تفسيره أن لا ينفعهم الإيمان، وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

قلت: المراد أنّ المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق ﴿ وانتظر ﴾ النصرة عليهم وهلاكهم ﴿ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ﴾ الغلبة عليكم وهلاككم، كقوله تعالى: ﴿ فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ ﴾ [التوبة: 52] وقرأ ابن السميفع رحمه الله: منتظرون، بفتح الظاء.

ومعناه: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعني أنهم هالكون لا محالة.

أو وانتظر ذلك؛ فإن الملائكة في السماء ينتظرونه.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأ ﴿ آلم تنزيل ﴾ ﴿ وتبارك الَّذِي بيدهِ الملك ﴾ ، أُعطي من الأجرِ كأنما أحيا ليلةَ القدرِ» ، وقالَ: «منْ قرأَ آلام تنزيل في بيته لمّ يدخلِ الشيطانَ بيته ثلاثةَ أيامٍ» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده