الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة لقمان
تفسيرُ سورةِ لقمان كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 33 دقيقة قراءة﴿ الكتاب الحكيم ﴾ ذي الحكمة.
أو وصف بصفة الله تعالى على الإسناد المجازي.
ويجوز أن يكون الأصل: الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبانقلابه مرفوعاً بعد الجر استكن في الصفة المشبهة ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ بالنصب على الحال عن الآيات، والعامل فيها: ما في تلك من معنى الإشارة.
وبالرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لّلْمُحْسِنِينَ ﴾ للذين يعملون الحسنات وهي التي ذكرها: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة ونظيره قول أوس: الأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ ** كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا حكى عن الأصمعي: أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد.
أو للذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاث بفضل الاعتداد بها.
<div class="verse-tafsir"
اللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعني و ﴿ لَهْوَ الحديث ﴾ نحو السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرفات والمضاحيك وفضول الكلام، وما لا ينبغي من كان وكان، ونحو الغناء وتعلم الموسيقار، وما أشبه ذلك.
وقيل: نزلت في النضر بن الحرث، وكان يتجر إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن.
وقيل: كان يشتري المغنيات، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُّ بيعُ المغنياتِ ولا شراؤُهن ولا التجارةُ فيهنّ ولا أثمانهنّ» وعنه صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ رجلٍ يَرفعُ صوتَه بالغناءِ إلا بَعث اللَّهُ عليهِ شيطانَين: أحدُهما على هذا المنكبِ والآخرُ على هذا المنكبِ، فلا يزالان يضربانهِ بأَرجلِهِما حتى يكونَ هو الذي يسكتُ» ، وقيل: الغناءُ منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب.
فإن قلت: ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث؟
قلت: معناها التبيين، وهي الإضافة بمعنى من، وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه، كقولك: صفّة خز وباب ساج.
والمعنى: من يشتري اللهو من الحديث؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فبين بالحديث.
والمراد بالحديث.
الحديث المنكر، كما جاء في الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى (من) التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه.
وقوله: ﴿ يَشْتَرِى ﴾ إما من الشراء، على ما روى عن النضر: من شراء كتب الأعاجم أو من شراء القيان.
وإما من قوله: ﴿ اشتروا الكفر بالإيمان ﴾ [آل عمران: 177] أي استبدلوه منه واختاروه عليه.
وعن قتادة: اشتراؤه: استحبابه، يختار حديث الباطل على حديث الحق.
وقرئ: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ بضم الياء وفتحها.
و ﴿ سَبِيلِ الله ﴾ دين الإسلام أو القرآن.
فإن قلت: القراءة بالضم بينة، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو: أن يصدّ الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟
قلت: فيه معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدف عنه، ويزيد فيه ويمدّه، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصدّ الناس عنه.
والثاني: أن يوضع ليضل موضع ليضل، من قبل أن من أضل كان ضالاً لا محالة، فدل بالرديف على المردوف.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ قلت: لما جعله مشترياً لهو الحديث بالقرآن قال: يشتري بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ فَمَا رَبِحَت تجارتهم وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 16] أي: وما كانوا مهتدين للتجارة بصراء بها: وقرئ ﴿ وَيَتَّخِذَهَا ﴾ بالنصب والرفع عطفاً على يشتري.
أو ليضل، والضمير للسبيل؛ لأنها مؤنثة، كقوله تعالى: ﴿ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ [الأعراف: 86] .
﴿ ولى مُسْتَكْبِراً ﴾ زاما لا يعبأ بها ولا يرفع بها رأساً: تشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع ﴿ كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ﴾ أي ثقلاً ولا وقر فيهما، وقرئ: بسكون الذال.
فإن قلت: ما محل الجملتين المصدرتين بكأن؟
قلت: الأولى حال من مستكبراً والثانية من لم يسمعها: ويجوز أن تكونا استئنافين، والأصل في كأن المخففة: كأنه، والضمير: ضمير الشأن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ مصدران مؤكدان، الأوّل: مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره؛ لأن قوله: ﴿ لَهُمْ جنات النعيم ﴾ في معنى: وعدهم الله جنات النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد.
وأما ﴿ حَقّاً ﴾ فدال على معنى الثبات: أكد به معنى الوعد، ومؤكدهما جميعاً قوله: ﴿ لَهُمْ جنات النعيم ﴾ ﴿ وَهُوَ العزيز ﴾ الذي لا يغلبه شيء ولا يعجزه، يقدر على الشيء وضده، فيعطى النعيم من شاء والبؤس من شاء، وهو ﴿ الحكيم ﴾ لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة والعدل ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ الضمير فيه للسموات، وهو استشهاد برؤيتهم لها، غير معمودة على قوله: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ كما تقول لصاحبك: أنا بلا سيف ولا رمح تراني فإن قلت: ما محلها من الإعراب؟
قلت: لا محل لها لأنها مستأنفة.
أو هي في محل الجرّ صفة للعمد أي: بغير عمد مرئية، يعني: أنه عمدها بعمد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته.
والخلق بمعنى المخلوق.
و ﴿ الذين مِن دُونِهِ ﴾ آلهتهم، بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله وأنشأه.
فأروني ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة، ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورّط في ضلال ليس بعده ضلال.
<div class="verse-tafsir"
هو لقمان بن باعورا: ابن أخت أيوب أو ابن خالته.
وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود عليه السلام، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له؟
فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟
وقيل: كان قاضياً في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان راعياً أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته.
وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.
وقيل: خيّر بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة.
وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطاً، وعن مجاهد: كان عبداً أسود غليظ الشفتين متشقق القدمين.
وقيل: كان نجاراً.
وقيل: كان راعياً وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة.
وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.
وروي أن رجلاً وقف عليه في مجلسه فقال: ألست الذي ترعى معي في مكان كذا؟
قال: بلى.
قال ما بلغ بك ما أرى؟
قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني.
وروي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.
فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيماً.
وروي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين، فأخرج اللسان والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب، فسأله عن ذلك؟
فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر، ولقمان.
﴿ أن ﴾ هي المفسرة، لأنّ إيتاء الحكمة في معنى القول، وقد نبه الله سبحانه على أنّ الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي: هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له، حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر ﴿ غَنِىٌّ ﴾ غير محتاج إلى الشكر ﴿ حَمِيدٌ ﴾ حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد.
<div class="verse-tafsir"
قيل: كان اسم ابنه (أنعم) وقال الكلبي: (أشكم) وقيل: كان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لأنّ التسوية بين من لا نعمة إلا هي منه، ومن لا نعمة منه البتة ولا يتصوّر أن تكون منه- ظلم لا يكتنه عظمه.
<div class="verse-tafsir"
أي ﴿ حَمَلَتْهُ ﴾ تهن ﴿ وَهْناً على وَهْنٍ ﴾ كقولك رجع عوداً على بدء، بمعنى؛ يعود عوداً على بدء، وهو في موضع الحال.
والمعنى: أنها تضعف ضعفاً فوق ضعف، أي: يتزايد ضعفها ويتضاعف؛ لأنّ الحمل كلما ازداد وعظم، ازدادت ثقلاً وضعفاً.
وقرئ: ﴿ وهنا على وهن ﴾ .
بالتحريك عن أبي عمرو.
يقال: وهن يوهن.
ووهن يهن وقرئ: ﴿ وفصله ﴾ ﴿ أَنِ اشكر ﴾ تفسير لوصينا ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أراد بنفي العمل به نفيه، أي: لا تشرك بي ما ليس بشيء، يريد الأصنام، كقوله تعالى: ﴿ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْء ﴾ [العنكبوت: 42] .
﴿ مَّعْرُوفاً ﴾ صحابا، أو مصاحباً معروفاً حسناً بخلق جميل وحلم واحتمال وبر وصلة، وما يقتضيه الكرم والمروءة ﴿ واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ﴾ يريد: واتبع سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه- وإن كنت مأموراً بحسن مصاحبتهما في الدنيا- ثم إليّ مرجعك ومرجعهما، فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، علم بذلك حكم الدنيا وما يجب على الإنسان في صحبتهما ومعاشرتهما: من مراعاة حق الأبوة وتعظيمه، وما لهما من المواجب التي لا يسوغ الاخلال بها، ثم بين حكمهما وحالهما في الآخرة.
وروي: أنها نزلت في سعد ابن أبي وقاص وأمّه.
وفي القصة: أنها مكثت ثلاثاً لا تطعم ولا تشرب حتى شجروا فاهاً بعود.
وروي أنه قال: لو كانت لها سبعون نفساً فخرجت، لما ارتددت إلى الكفر.
فإن قلت: هذا الكلام كيف وقع في أثناء وصية لقمان؟
قلت: هو كلام اعترض به على سبيل الاستطراد، تأكيداً لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك.
فإن قلت: فقوله: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ وفصاله فِي عَامَيْنِ ﴾ كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟
قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأمّ وتعانيه من المشاق والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدّة المتطاولة، إيجاباً للتوصية بالوالدة خصوصاً.
وتذكيراً بحقها العظيم مفرداً، ومن ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟
«أمّك ثم أمّك ثم أمّك» ثم قال بعد ذلك «ثم أباك» وعن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره وهو يقول في حدائه بنفسه: أحْمِلُ أُمِّي وَهِيَ الْحَمَّالَهْ ** تُرْضِعُنِي الدُّرَّةَ وَالْعُلاَلَه وَلاَ يُجَازَى وَالِدٌ فَعَالَهْ فإن قلت: ما معنى توقيت الفصال بالعامين؟
قلت: المعنى في توقيته بهذه المدة أنها الغاية التي لا تتجاوز، والأمر فيما دون العامين موكول إلى اجتهاد الأم: إن علمت أنه يقوى على الفطام فلها أن تفطمه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ [البقرة: 233] وبه استشهد الشافعي رضي الله عنه على أن مدة الرضاع سنتان، لا تثبت حرمة الرضاع بعد انقضائهما، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد.
وأما عند أبي حنيفة رضي الله عنه.
فمدة الرضاع ثلاثون شهراً.
وعن أبي حنيفة: إن فطمته قبل العامين فاستغنى بالطعام ثم أرضعته، لم يكن رضاعاً.
وإن أكل أكلاً ضعيفاً لم يستغن به عن الرضاع ثم أرضعته، فهو رضاع محرم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ ﴿ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ﴾ بالنصب والرفع، فمن نصب كان الضمير للهنة من الإساءة أو الإحسان، أي: إن كانت مثلاً في الصغر والقماءة كحبة الخردل، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي ﴿ يَأْتِ بِهَا الله ﴾ يوم القيامة فيحاسب بها عاملها ﴿ إِنَّ الله لَطِيفٌ ﴾ يتوصل علمه إلى كل خفي ﴿ خَبِيرٌ ﴾ عالم بكنهه.
وعن قتادة: لطيف باستخراجها، خبير بمستقرّها.
ومن قرأ بالرفع: كان ضمير القصة، وإنما أنث المثقال لإضافته إلى الحبة، كما قال: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ وروي أنّ ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر- أي: في مغاصه- يعلمها الله؟
فقال: إنّ الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة: لأنّ الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.
وقيل: الصخرة هي التي تحت الأرض، وهي السجين يكتب فيها أعمال الكفار.
وقرئ: ﴿ فتكن ﴾ بكسر الكاف.
من وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واصبر على مَا أَصَابَكَ ﴾ يجوز أن يكون عاماً في كل ما يصيبه من المحن، وأن يكون خاصاً بما يصيبه فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من أذى من يبعثهم على الخير وينكر عليهم الشر ﴿ إِنَّ ذلك ﴾ مما عزمه الله من الأمور، أي: قطعه قطع إيجاب والزام.
ومنه الحديث: «لاصِيامَ لمنْ لم يعزمِ الصيامَ مِنَ الليلِ» أي لم يقطعه بالنية: ألا ترى إلى قوله عليه السلام: «لمنْ لم يبيتِ الصيامَ» ومنه: «إنّ اللَّهَ يحبُّ أَنْ يؤخذَ برخصهِ كما يحبُّ أَنْ يؤخذَ بعزائمِهِ» ، وقولهم: عزمة من عزمات ربنا.
ومنه: عزمات الملوك.
وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده: عزمت عليك إلا فعلت كذا، إذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بدّ من فعله ولا مندوحة في تركه.
وحقيقته: أنه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها ومفروضاتها.
ويجوز أن يكون مصدراً في معنى الفاعل، أصله: من عازمات الأمور، من قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الأمر ﴾ [محمد: 21] كقولك: جد الأمر، وصدق القتال.
وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأموراً بها في سائر الأمم، وأنّ الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في الأديان كلها.
<div class="verse-tafsir"
تصاعر، وتصعر: بالتشديد والتخفيف.
يقال: أصعر خدّه، وصعره، وصاعره: كقولك أعلاه وعلاه وعالاه: بمعنى.
والصعر والصيد: داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.
والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعاً، ولا تولهم شق وجهك وصفحته، كما يفعل المتكبرون.
أراد: ﴿ وَلاَ تَمْشِ ﴾ تمرح ﴿ مَرَحاً ﴾ أو أوقع المصدر موقع الحال بمعنى مرحا.
ويجوز أن يريد: ولا تمش لأجل المرح والأشر، أي لا يكن غرضك في المشي البطالة والأشر كما يمشي كثير من الناس لذلك، لا لكفاية مهم ديني أو دنيوي.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم بَطَراً وَرِئَاء الناس ﴾ [الأنفال: 47] .
والمختال: مقابل للماشي مرحاً.
وكذلك الفخور للمصعر خدّه كبراً ﴿ واقصد فِي مَشْيِكَ ﴾ واعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين: لا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثيب الشطار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سرعةُ المشي تذهبُ بهاءَ المؤمنِ» وأما قول عائشة في عمر رضي الله عنهما «كان إذا مشى أسرع» فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت.
وقرئ: ﴿ وأقصد ﴾ بقطع الهمزة، أي: سدّد في مشيك من أقصد الرامي إذا سدّد سهمه نحو الرمية ﴿ واغضض مِن صَوْتِكَ ﴾ وانقص منه واقصر؛ من قولك: فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع منه ﴿ أَنكَرَ الأصوات ﴾ أوحشها، من قولك: شيء نكر، إذا أنكرته النفوس واستوحشت منه ونفرت.
والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه.
ومن استفحاشهم لذكره مجرداً وتفاديهم من اسمه: أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به، فيقولون: الطويل الأذنين، كما يكنى عن الأشياء المستقذرة: وقد عدّ في مساوي الآداب: أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولى المروءة.
ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافاً وإن بلغت منه الرجلة، فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، ثم إخلاء الكلام من لفظ التشبيه وإخراجه مخرج الاستعار- وإن جعلوا حميراً وصوتهم نهاقاً- مبالغة شديدة في الذم والتهجين وإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه.
وتنبيه على أنه من كراهة الله بمكان.
فإن قلت: لم وحد صوت الحمير ولم يجمع؟
قلت: ليس المراد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، وإنما المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا فِي السماوات ﴾ الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك ﴿ وَمَا فِي الأرض ﴾ البحار والأنهار والمعادن والدواب وما لا يحصى ﴿ وَأَسْبَغَ ﴾ وقرئ بالسين والصاد، وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء والقاف، تقول في سلخ، صلخ، وفي سقر: صقر، وفي سالغ صالغ وقرئ: ﴿ نعمه ﴾ .
﴿ ونعمة ﴾ ، ﴿ ونعمته ﴾ .
فإن قلت: ما النعمة؟
قلت: كل نفع قصد به الإحسان، والله تعالى خلق العالم كله نعمة؛ لأنه إما حيوان، وإما غير حيوان.
فما ليس بحيوان نعمة على الحيوان، والحيوان نعمة من حيث أنّ إيجاده حياً نعمة عليه.
لأنه لولا إيجاده حياً لما صح منه الانتفاع، وكل ما أدى إلى الانتفاع وصححه فهو نعمة.
فإن قلت: لم كان خلق العالم مقصوداً به الإحسان؟
قلت: لأنه لا يخلقه إلا لغرض، وإلا كان عبثاً، والعبث لا يجوز عليه ولا يجوز أن يكون لغرض راجع إليه من نفع؛ لأنه غني غير محتاج إلى المنافع، فلم يبق إلا أن يكون لغرض يرجع إلى الحيوان وهو نفعه.
فإن قلت: فما معنى الظاهرة والباطنة؟
قلت: الظاهرة كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلاً، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها ولا يهتدي إلى العلم بها، وقد أكثروا في ذلك: فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء، والباطنة: الأمداد من الملائكة.
وعن الحسن رضي الله عنه: الظاهرة: الإسلام.
والباطنة الستر.
وعن الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة، وامتداد القامة.
وتسوية الأعضاء.
والباطنة: المعرفة.
وقيل: الظاهرة البصر، والسمع، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة.
والباطنة: القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك.
ويروى في دعاء موسى عليه السلام: إلهي، دلني على أخفى نعمتك على عبادك؛ فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس.
ويروى: أن أيسر ما يعذب به أهل النار: الأخذ بالأنفاس.
<div class="verse-tafsir"
معناه ﴿ أ ﴾ يتبعونهم ﴿ وَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ ﴾ أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب.
<div class="verse-tafsir"
قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ﴿ ومن يسلم ﴾ بالتشديد، يقال: أسلم أمرك وسلم أمرك إلى الله.
فإن قلت: ماله عدّي بإلى، وقد عدّي باللام في قوله: ﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 112] ؟
قلت: معناه مع اللام: أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالماً لله، أي خالصاً له.
ومعناه- مع إلى-: أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه.
والمراد: التوكل عليه والتفويض إليه ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ﴾ من باب التمثيل: مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه ﴿ وإلى الله عاقبة الأمور ﴾ أي هي صائرة إليه.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ يحزنك ﴾ ، و ﴿ يحزنك ﴾ من حزن، وأحزن.
والذي عليه الاستعمال المستفيض: أحزنه ويحزنه.
والمعنى: لا يهمنك كفر من كفر وكيده للإسلام، فإن الله عزّ وجلّ دافع كيده في نحره، ومنتقم منه، ومعاقبه على عمله ﴿ إِنَّ الله ﴾ يعلم ما في صدور عباده، فيفعل بهم على حسبه ﴿ نُمَتّعُهُمْ ﴾ زماناً ﴿ قَلِيلاً ﴾ بدنياهم ﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ شبه إلزامهم التعذيب وإرهاقهم إياه باضطرار المضطرُّ إلى الشيء الذي لا يقدر على الانفكاك منه.
والغلظ: مستعار من الأجرام الغليظة.
والمراد.
الشدّة والثقل على المعذّب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ ﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأنّ الذي خلق السموات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر.
وأن لا يعبد معه غيره، ثم قال: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنّ ذلك يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا ﴿ إِنَّ الله هُوَ الغنى ﴾ عن حمد الحامدين المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه.
قرئ: ﴿ والبحر ﴾ بالنصب عطفاً على اسم إنّ، وبالرفع عطفاً على محل إن ومعمولها على معنى: ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً، وثبت كون البحر ممدوداً بسبعة أبحر.
أو على الابتداء والواو للحال، على معنى.
ولو أنّ الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدوداً، وفي قراءة ابن مسعود: و ﴿ بحر يمدّه ﴾ على التنكير، ويجب أن يحمل هذا على الوجه الأوّل.
وقرئ: ﴿ تمدّه ﴾ و ﴿ يمدّه ﴾ بالتاء والياء.
فإن قلت: كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلام، والبحر مداد.
قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله: يمدّه، لأنه من قولك: مدّ الدواة وأمدّها، جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مداداً، فهي تصب فيه مداداً أبداً صباً لا ينقطع.
والمعنى: ولو أنّ أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر.
وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد، كقوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى ﴾ [الكهف: 109] .
فإن قلت: زعمت أنّ قوله: ﴿ والبحر يَمُدُّهُ ﴾ حال في أحد وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال.
قلت: هو كقوله: وَقَدِ اغْتَدَى وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا وجئت والجيش مصطف.
وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف.
ويجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض.
فإن قلت: لم قيل: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟
قلت: أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلاماً.
فإن قلت: الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل.
فهلا قيل: كلم الله؟
قلت: معناه أنّ كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف بكلمه؟
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت جواباً لليهود لما قالوا: (قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة) وقيل: إن المشركين قالوا: إنّ هذا- يعنون الوحي- كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد.
وهذه الآية عند بعضهم مدنية، وأنها نزلت بعد الهجرة، وقيل هي مكية، وإنما أمر اليهود وفد قريش أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تتلو فيما أنزل عليك: أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء ﴿ أَنَّ الله عَزِيزٌ ﴾ لا يعجزه شيء ﴿ حَكِيمٌ ﴾ لا يخرج من علمه وحكمته شيء، ومثله لا تنفد كلماته وحكمه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة ﴾ إلا كخلقها وبعثها، أي: سواء في قدرته القليل والكثير، والواحد والجمع، لا يتفاوت، وذلك أنه إنما كانت تتفاوت النفس الواحدة والنفوس الكثيرة العدد: أن لو شغله شأن عن شأن وفعل عن فعل، وقد تعالى عن ذلك ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ يسمع كل صوت ويبصر كل مبصر في حالة واحدة، لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض، فكذلك الخلق والبعث.
<div class="verse-tafsir"
كل واحد من الشمس والقمر يجري في فلكه، ويقطعه إلى وقت معلوم: الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر.
وعن الحسن: الأجل المسمى: يوم القيامة.
لأنه لا ينقطع جريهما إلا حينئذٍ.
دلّ أيضاً بالليل والنهار وتعاقبهما وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين في فلكيهما كل ذلك على تقدير وحساب.
وبإحاطته بجميع أعمال الخلق: على عظم قدرته وحكمته.
فإن قلت: يجري لأجل مسمى، ويجري إلى أجل مسمى: أهو من تعاقب الحرفين؟
قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن.
ولكن المعنيين: أعني الانتهاء والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأنّ قولك يجري إلى أجل مسمى: معناه يبلغه وينتهي إليه.
وقولك: يجري لأجل مسمى: تريد يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصاً بإدراك أجل مسمى.
ألا ترى أن جري الشمس مختص بآخر السنة.
وجري القمر مختص بآخر الشهر.
فكلا المعنيين غير ناب به موضعه ﴿ ذلك ﴾ الذي وصف من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون.
فكيف بالجماد الذي تدعونه من دون الله، إنما هو بسبب أنه هو الحق الثابت إلهيته.
وأنّ من دونه باطل الإلهية ﴿ وَأَنَّ الله هُوَ العلى ﴾ الشأن ﴿ الكبير ﴾ السلطان.
أو ذلك الذي أوحى إليك من هذه الآيات بسبب بيان أنّ الله هو الحق، وأنّ إلها غيره باطل، وأنّ الله هو العليّ الكبير عن أن يشرك به.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ الفلك ﴾ بضم اللام.
وكل فعل يجوز فيه فعل، كما يجوز في كل فعل فعل، على مذهب التعويض.
وبنعمات الله: بسكون العين.
وعين فعلات يجوز فيها الفتح والكسر والسكون ﴿ بِنِعْمَتِ الله ﴾ بإحسانه ورحمته ﴿ صَبَّارٍ ﴾ على بلائه ﴿ شَكُورٍ ﴾ لنعمائه، وهما صفتا المؤمن، فكأنه قال: إنّ في ذلك لآيات لكل مؤمن.
<div class="verse-tafsir"
يرتفع الموج ويتراكب، فيعود مثل الظلل، والظلة: كل ما أظلك من جبل أو سحاب أو غيرهما وقريء: كالظلال، جمع ظلة.
كقلة وقلال ﴿ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ﴾ متوسط في الكفر والظلم، خفض من غلوائه، وانزجر بعض الانزجار.
أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني أنّ ذلك الإخلاص الحادث عن الخوف، لا يبقى لأحد قط، والمقتصد قليل نادر.
وقيل: مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.
والخثر: أشد الغدر.
ومنه قولهم: إنك لا تمدّ لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر، قال: وَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْر ** مَلأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ يَجْزِى ﴾ لا يقضي عنه شيئاً.
ومنه قيل للمتقاضي: المتجازي.
وفي الحديث في جذعة بن نيار: «تجزِي عنكَ ولا تجزِي عنْ أحدٍ بعدَك» وقرئ: ﴿ لا يجزئ ﴾ لا يغني.
يقال: أجزأت عنك مجزأ فلان.
والمعنى: لا يجزى فيه، فحذف.
﴿ الغرور ﴾ الشيطان.
وقيل: الدنيا وقيل: تمنيكم في المعصية المغفرة.
وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: الغرّة بالله: أن يتمادى الرجل في المعصية ويتمنى على الله المغفرة.
وقيل: ذكرك لحسناتك ونسيانك لسيئاتك غرة.
وقرئ بضم الغين وهو مصدر غره غروراً، وجعل الغرور غارًّا، كما قيل: جدّ جدّه.
أو أريد زينة الدنيا لأنها غرور.
فإن قلت: قوله: ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه.
قلت: الأمر كذلك؛ لأنّ الجملة الإسمية أكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: ﴿ هُوَ ﴾ وقوله: ﴿ مَوْلُودٌ ﴾ والسبب في مجيئه على هذا السنن: أنّ الخطاب للمؤمنين وعليتهم: قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس فيهم: أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئاً؛ فلذلك جيء به على الطريق الآكد.
ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه، لم تقبل شفاعته، فضلاً أن يشفع لمن فوقه من أجداده؛ لأنّ الولد يقع على الولد وولد الولد؛ بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك.
<div class="verse-tafsir"
روي: أنّ رجلاً من محارب وهو الحارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني عن الساعةِ متَى قيامُها، وإنّي قد ألقيتُ حباتِي في الأرض وقدْ أبطأتُ عنَّا السماءُ، فمتَى تمطرُ؟
وأخبرنِّي عنِ امرأتِي فقدْ اشتملتْ ما في بطنِها، أذكرُ أمْ أنثى؟
وإنِّي علمْتُ ما علمْتُ أمس، فما أعملُ غداً؟
وهذا مولدِي قد عرفتُه، فأينَ أموتُ؟
فنزلَتْ وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «مفاتحُ الغيبِ خمسٌ» وتلا هذه الآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب، إياكم والكهانة فإن الكهانة تدعو إلى الشرك والشرك وأهله في النار.
وعن المنصور أنه أهمه معرفة مدّة عمره، فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر وأشار إليه بالأصابع الخمس، فاستفتى العلماء في ذلك، فتأوّلوها بخمس سنين، وبخمسة أشهر، وبغير ذلك، حتى قال أبو حنيفة رحمه الله: تأويلها أنّ مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه ﴿ عِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ أيان مرساها ﴿ وَيُنَزّلُ الغيث ﴾ في إبانه من غير تقديم ولا تأخير، وفي بلد لا يتجاوزه به ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام ﴾ أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ ﴾ برّة أو فاجرة ﴿ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً ﴾ من خير أو شر، وربما كانت عازمة على خير فعملت شراً.
وعازمة على شر فعملت خيراً ﴿ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ ﴾ أين تموت، وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت: لا أبرحها وأقبر فيها.
فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدّثتها به ظنونها.
وروي أنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه، فقال الرجل من هذا؟
قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني.
وسأل سليمان أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند، ففعل.
ثم قال ملك الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجباً منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.
وجعل العلم لله والدراية للعبد.
لما في الدراية من معنى الختل والحيلة.
والمعنى: أنها لا تعرف- وإن أعملت حيلها- ما يلصق بها ويختص ولا يتخطاها، ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما، كان من معرفة ما عداهما أبعد.
وقرئ: ﴿ بأية أرض ﴾ .
وشبه سيبويه تأنيث (أي) بتأنيث كل في قولهم: كلتهن.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قرأَ سورَة لقمان كانَ له لقمانُ رفيقاً يومَ القيامةِ وأُعطي من الحسناتِ عشراً عشراً بعدد منْ عمل بالمعروفِ ونهَى عن المنكر» .