تفسير سورة ص الآيات ٦-٩ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 38 ص > الآيات ٦-٩

وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌۭ يُرَادُ ٦ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَـٰقٌ ٧ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن ذِكْرِى ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ٨ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ ﴾ رُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ أشْرافَ قُرَيْشٍ وجَماعَتِهِمُ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبِي طالِبٍ عَمِّ النَبِيِّ  ، فَقالُوا: إنَّ مِنَ القَبِيحِ عَلَيْنا أنْ يَمُوتَ أبُو طالِبٍ ونُؤْذِي مُحَمَّدًا بَعْدَهُ فَتَقُولُ العَرَبُ: تَرَكُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ فَلَمّا ماتَ آذَوْهُ، ولَكِنْ لِنَذْهَبْ إلى أبِي طالِبٍ فَلْيُنْصِفْنا مِنهُ، ولِيَرْبِطَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ رَبْطًا، فَنَهَضُوا إلَيْهِ، فَقالُوا: يا أبا طالِبٍ، إنَّ مُحَمَّدًا يَسُبُّ ويُسَفِّهُ آراءَنا وآراءَ آبائِنا، ونَحْنُ لا نُقارُّهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنِ افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في حَياتِكَ، بِأنْ يُقِيمَ في مَنزِلِهِ يَعْبُدُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ، ويَدَعُ آلِهَتَنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لِأحَدٍ مِنّا بِشَيْءٍ مِن هَذا، فَبَعَثَ أبُو طالِبٍ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ دَعَوْكَ إلى النَصَفَةِ، وهي أنْ تَدَعَهم وتَعْبُدَ رَبَّكَ وحْدَكَ، فَقالَ: أوَ غَيْرَ ذَلِكَ يا عَمِّ؟

قالَ وما هُوَ؟

قالَ: يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الجِزْيَةَ بِها العَجَمُ، قالُوا: وما هي فَإنَّنا نُبادِرُ إلَيْها؟

قالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: ما يُرْضِيكَ مِنّا غَيْرُ هَذا؟

قالَ: واللهُ لَوْ أعْطَيْتُمُونِي الأرْضَ ذَهَبًا ومالًا،» وفي رِوايَةٍ: «لَوْ جَعَلْتُمُ الشَمْسَ في يَمِينِي، والقَمَرَ في شِمالِي ما أرْضانِي مِنكم غَيْرُها، فَقامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَقُولُ: "أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ"» ويُرَدِّدُونَ هَذا المَعْنى، وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ يَقُولُ: ﴿ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وجَلَبْتُ هَذا الخَبَرَ تامَّ المَعْنى، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونُقْصانٌ، والغَرَضُ مُتَقارِبٌ.

«وَلَمّا ذَهَبُوا قالَ رَسُولُ اللهِ  : يا عَمِّ، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ، فَقالَ: واللهِ لَوْلا أنْ تَكُونَ سُبَّةً في بَنِيَّ بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، وماتَ وهو يَقُولُ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ  ﴾ .» فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِمْ عن أبِي طالِبٍ، وانْطِلاقِهِمْ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عِبارَةٌ عن إذاعَتِهِمْ لِهَذِهِ الأقاوِيلِ، فَكَأنَّهُ كَما يَقُولُ الناسُ: انْطَلَقَ الناسُ بِالدُعاءِ لِلْأمِيرِ، ونَحْوَهُ، أيِ: اسْتَفاضَ كَلامُهم بِذَلِكَ، و"المَلَأُ": الأشْرافُ والرُؤُوسُ الَّذِينَ يَسُدُّونَ مَسَدَّ الجَمِيعِ في الآراءِ ونَحْوِهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنِ امْشُوا ﴾ ، "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ، فَهي بِتَقْدِيرِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم بِقَوْلِهِمُ: امْشُوا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: امْشُوا واصْبِرُوا عَلى كُلِّ أمْرِ آلِهَتِكم.

وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ قَوْلَهُمُ: ﴿ "امْشُوا" ﴾ هو دُعاءٌ بِكَسْبِ الماشِيَةِ، وفي هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الألِفُ مَقْطُوعَةً؛ لِأنَّهُ يُقالُ: "أمْشى الرَجُلُ" إذا صارَ صاحِبَ ماشِيَةٍ، وأيْضًا فَهَذا المَعْنى غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ في الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى: سِيرُوا عَلى طَرِيقَتِكم ودُومُوا عَلى سَيْرِكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى أمْرًا مِن نَقْلِ الأقْدامِ، قالُوهُ عِنْدَ انْطِلاقِهِمْ، وهو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا".

وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ يُرِيدُونَ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ  وعُلُوَّهُ بِالنُبُوَّةِ، أيْ: يُرادُ مِنّا الِانْقِيادُ لَهُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ يُرِيدُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ ﴾ ، فَقالَ مُجاهِدٌ: أرادُوا مِلَّتَهم ونِحْلَتَهُمُ الَّتِي العَرَبُ عَلَيْها، ويُقالُ لِكُلِّ ما تَتَّبِعُهُ أُمَّةٌ: مِلَّةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ: أرادَ مِلَّةَ النَصارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وذَلِكَ مُتَّجِهٌ لِأنَّها مِلَّةٌ شَهِيرٌ فِيها التَثْلِيثُ، وأنَّ الإلَهَ لَيْسَ بِواحِدٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ ما سَمِعْنا ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا أنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ هَذا، ولا أنَّهُ يُقالُ في المِلَّةِ الآخِرَةِ الَّتِي كُنّا نَسْمَعُ أنَّها تَكُونُ في آخِرِ الزَمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وذَلِكَ أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ الناسُ يَسْتَشْعِرُونَ خُرُوجَ نَبِيٍّ وحُدُوثَ مِلَّةٍ ودِينٍ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ مِن قَوْلِ الأحْبارِ أُولِي الصَوامِعِ، وما رُوِيَ عن شِقٍّ وسَطِيحٍ، وما كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَعْتَقِدُ مِن أنَّهُ يَكُونُ مِنهم.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما يُخْبِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ  عَنِ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ قالُوا: عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومُضَمَّنٌ ذَلِكَ الإنْكارُ، ﴿ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ ﴾ .

بِمَعْنى: نَحْنُ الأشْرافُ الأعْلامُ، فَلِمَ خُصَّ هَذا؟

وكَيْفَ يَصِحُّ هَذا؟

فَرَدَّ اللهُ تَعالى قَوْلَهم بِما تَقْتَضِيهِ "بَلْ"؛ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ تَخْصِيصُ اللهِ وإنْعامُهُ جارِيًا عَلى شَهَواتِهِمْ، ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ ، أيْ في رَيْبٍ أنَّ هَذا التَذْكِيرَ بِاللهِ حَقٌّ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ ، أيْ: لَوْ ذاقُوهُ لَتَحَقَّقُوا أنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ حَقٌّ، أيْ هم لِجَهالَتِهِمْ لا يُبَيِّنُ لَهُمُ النَظَرُ، وإنَّما يُبَيِّنُ لَهم مُباشَرَةُ العَذابِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْ أُنْزِلَ" بِمِيمٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.

ثُمَّ وقَّفَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، أعِنْدَهم رَحْمَةُ اللهِ وخَزائِنُها الَّتِي فِيها الهُدى والنُبُوءَةُ وكُلُّ فَضْلٍ، فَيَكُونُ لَهم تَحَكُّمٌ في الرِسالَةِ وغَيْرِها مِن نِعَمِ اللهِ؟

و"أمْ" هُنا، لَمْ تُعادِلْها ألِفٌ، فَهي المَقْطُوعَةُ الَّتِي مَعْناها إضْرابٌ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتِفْهامٌ، وقَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بـِ "بَلْ والألِفِ"، كَقَوْلِ العَرَبِ: "إنَّها لِإبِلٌ أمْ شاءٌ".

والخَزائِنُ لِلرَّحْمَةِ مُسْتَعارَةٌ، كَأنَّ المَعْنى: مَوْضِعُ جَمْعِها وحِفْظِها، مِن حَيْثُ كانَتْ ذَخائِرُ البَشَرِ تَحْتاجُ إلى ذَلِكَ خُوطِبَ في الرَحْمَةِ بِما يَنْحُو إلى ذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِي بِالخَزائِنِ المَفاتِيحَ.

واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله