الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة ص
تفسيرُ سورةِ ص كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 106 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ ص هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ ﴿ وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ ﴾ ﴿ أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ: "صادِ" بِكَسْرِ الدالِ، عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن: صادى يُصادِي إذا ضاهى وماثَلَ، أيْ صارَ كالصَدى الَّذِي يَحْكِي الصِياحَ، والمَعْنى: ماثِلِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وقارِنْهُ بِطاعَتِكَ، وهَكَذا فَسَّرَ الحَسَنُ، أيِ: انْظُرْ أيْنَ عَمَلُكَ مِنهُ؟
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ حَرْفُ المُعْجَمِ المَعْرُوفُ، ويَدْخُلُهُ ما يَدْخُلُ سائِرَ أوائِلِ السُوَرِ مِنَ الأقْوالِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ بِأنْ قالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْناهُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: صَدَقَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هو مِفْتاحُ أسْماءِ اللهِ "صَمَدٌ، صادِقُ الوَعْدِ، صانِعُ المَصْنُوعاتِ".
وقَرَأها الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقَ - بِخِلافٍ عنهُ - بِكَسْرِ الدالِ وتَنْوِينِها [صادٍ]، عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللهِ لَأفْعَلَنَّ، وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: بِدُونِ تَنْوِينٍ، وألْحَقَهُ بِقَوْلِ العَرَبِ: حاثِ باثِ، وخازِ بازِ، وقَرَأ فِرْقَةٌ مِنها عِيسى بْنُ عُمَرَ: [صادَ] بِفَتْحِ الدالِ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ في نُطْقِهِ بِكُلِّ الحُرُوفِ، يَقُولُ: قافَ، ونُونَ، ويَجْعَلُها كَأيْنَ ولَيْتَ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: "وَقِيلَ مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ القُلُوبَ، بِأنِ اسْتَمالَها لِلْإيمانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ ﴾ قَسَمٌ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: ذِي الشَرَفِ الباقِي المُخَلَّدِ، وقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: ذِي التَذْكِرَةِ لِلنّاسِ والهِدايَةِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ذِي الذِكْرِ لِلْأُمَمِ والقَصَصِ والغُيُوبِ.
وأمّا جَوابُ القَسَمِ فاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ في قَوْلِهِ: "ص" ؛ إذْ هو بِمَعْنى: صَدَقَ مُحَمَّدٌ، أو صَدَقَ اللهُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ والزَجّاجُ: الجَوابُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النارِ ﴾ ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ - ومِنهُمُ الأخْفَشُ -: الجَوابُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُسُلَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ بِعِيدانِ.
وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ: الجَوابُ مُقَدَّرٌ قَبْلَ "بَلْ"، وهَذا هو الصَحِيحُ، تَقْدِيرُهُ: "والقُرْآنِ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ"، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، فَتَأمَّلْهُ.
وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ وهَذا مُتَكَلَّفٌ جِدًّا.
و"العِزَّةُ" هُنا: المُعازَّةُ والمُغالَبَةُ.
و"الشِقاقُ" نَحْوُهُ، أيْ: هم في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ.
و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي خَبَرٌ فِيهِ مِثالٌ ووَعِيدٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أهْلَكْنا"، و"القَرْنُ": الأُمَّةُ مِنَ الناسِ يَجْمَعُها زَمَنٌ واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَنادَوْا" ﴾ مَعْناهُ: مُسْتَغِيثِينَ، والمَعْنى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ المُعايَنَةِ فَلَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ في وقْتِ نَفْعٍ، "وَلاتَ" بِمَعْنى: لَيْسَ، واسْمُها مُقَدَّرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: ولاتَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، وهي "لا" لَحِقَتْها تاءٌ، كَما لَحِقَتْ "رُبَّتَ وثُمَّتَ"، قالَ الزَجّاجُ: وهي كَتاءِ جَلَسَتْ وقامَتْ، تاءُ الحُرُوفِ كَتاءِ الأفْعالِ دَخَلَتْ عَلى ما لا يُعْرَبُ في الوَجْهَيْنِ، ولا تُسْتَعْمَلُ (لا) مَعَ التاءِ إلّا في الحِينِ والزَمانِ والوَقْتِ ونَحْوِهُ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ولاتَ ساعَةَ مَندَمِ وقالَ الآخَرُ: تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ ∗∗∗ وأضْحى الشَيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا وَأنْشَدَ بَعْضُهُمْ: طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَأجَبْنا أنْ لَيْسَ حِينَ بَقاءِ وأنْشَدَ الزَجّاجُ بِكَسْرِ التاءِ، وهَذا كَثِيرٌ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ فَتْحُ التاءِ مِن "لاتَ" والنُونِ مِن "حِينَ"، ورُوِيَ عن عِيسى كَسْرُ التاءِ مِن "لاتِ" ونَصْبُ النُونِ مِن "حِينَ"، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا كَسْرُ النُونِ مِنها.
واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ عَلى "لاتَ"، فَذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ الوَقْفَ بِالتاءِ، ووَقَفَ الكِسائِيُّ بِالهاءِ، ووَقَفَ قَوْمٌ - واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدٍ - عَلى لا وجَعَلُوا التاءَ مَوْصُولَةً بِحِينَ، فَقالُوا، "لا تَحِينَ"، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ، ويَحْتَجُّ لِهَذا بِقَوْلِ أبِي وجْزَةَ: العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ يَمْدَحُ آلَ الزُبَيْرِ.
وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "لاتَ حِينُ" بِرَفْعِ النُونِ مِن: حِينَ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ.
و"المَناصُ": المَفَرُّ، ناصَ يَنُوصُ، إذا فاتَ وفَرَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ، ضَبَطَ القَوْمُ.
والضَمِيرُ في ﴿ "وَعَجِبُوا" ﴾ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، واسْتَغْرَبُوا أنْ نُبِّئَ بِشْرٌ مِنهم فَأنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، وأنْ وحَّدَ الإلَهَ، وقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ واحِدٌ يَرْزُقُ الجَمِيعَ ويَنْظُرُ في كُلِّ أمْرِهِمْ؟
وَ"عُجابٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، كَما قالُوا: سَرِيعٌ وسِراعٌ، وهَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "عُجّابٌ" بِشَدِّ الجِيمِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الراجِزِ: جاؤُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ مِنَ العَجَبْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَنَبْ وقَدْ قالُوا: رَجُلٌ كِرامٌ، أيْ كِرِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ ﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ ﴾ رُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ أشْرافَ قُرَيْشٍ وجَماعَتِهِمُ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبِي طالِبٍ عَمِّ النَبِيِّ ، فَقالُوا: إنَّ مِنَ القَبِيحِ عَلَيْنا أنْ يَمُوتَ أبُو طالِبٍ ونُؤْذِي مُحَمَّدًا بَعْدَهُ فَتَقُولُ العَرَبُ: تَرَكُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ فَلَمّا ماتَ آذَوْهُ، ولَكِنْ لِنَذْهَبْ إلى أبِي طالِبٍ فَلْيُنْصِفْنا مِنهُ، ولِيَرْبِطَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ رَبْطًا، فَنَهَضُوا إلَيْهِ، فَقالُوا: يا أبا طالِبٍ، إنَّ مُحَمَّدًا يَسُبُّ ويُسَفِّهُ آراءَنا وآراءَ آبائِنا، ونَحْنُ لا نُقارُّهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنِ افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في حَياتِكَ، بِأنْ يُقِيمَ في مَنزِلِهِ يَعْبُدُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ، ويَدَعُ آلِهَتَنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لِأحَدٍ مِنّا بِشَيْءٍ مِن هَذا، فَبَعَثَ أبُو طالِبٍ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ دَعَوْكَ إلى النَصَفَةِ، وهي أنْ تَدَعَهم وتَعْبُدَ رَبَّكَ وحْدَكَ، فَقالَ: أوَ غَيْرَ ذَلِكَ يا عَمِّ؟
قالَ وما هُوَ؟
قالَ: يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الجِزْيَةَ بِها العَجَمُ، قالُوا: وما هي فَإنَّنا نُبادِرُ إلَيْها؟
قالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: ما يُرْضِيكَ مِنّا غَيْرُ هَذا؟
قالَ: واللهُ لَوْ أعْطَيْتُمُونِي الأرْضَ ذَهَبًا ومالًا،» وفي رِوايَةٍ: «لَوْ جَعَلْتُمُ الشَمْسَ في يَمِينِي، والقَمَرَ في شِمالِي ما أرْضانِي مِنكم غَيْرُها، فَقامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَقُولُ: "أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ"» ويُرَدِّدُونَ هَذا المَعْنى، وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ يَقُولُ: ﴿ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ﴾ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وجَلَبْتُ هَذا الخَبَرَ تامَّ المَعْنى، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونُقْصانٌ، والغَرَضُ مُتَقارِبٌ.
«وَلَمّا ذَهَبُوا قالَ رَسُولُ اللهِ : يا عَمِّ، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ، فَقالَ: واللهِ لَوْلا أنْ تَكُونَ سُبَّةً في بَنِيَّ بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، وماتَ وهو يَقُولُ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ: ﴿ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ .» فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِمْ عن أبِي طالِبٍ، وانْطِلاقِهِمْ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عِبارَةٌ عن إذاعَتِهِمْ لِهَذِهِ الأقاوِيلِ، فَكَأنَّهُ كَما يَقُولُ الناسُ: انْطَلَقَ الناسُ بِالدُعاءِ لِلْأمِيرِ، ونَحْوَهُ، أيِ: اسْتَفاضَ كَلامُهم بِذَلِكَ، و"المَلَأُ": الأشْرافُ والرُؤُوسُ الَّذِينَ يَسُدُّونَ مَسَدَّ الجَمِيعِ في الآراءِ ونَحْوِهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنِ امْشُوا ﴾ ، "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ، فَهي بِتَقْدِيرِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم بِقَوْلِهِمُ: امْشُوا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: امْشُوا واصْبِرُوا عَلى كُلِّ أمْرِ آلِهَتِكم.
وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ قَوْلَهُمُ: ﴿ "امْشُوا" ﴾ هو دُعاءٌ بِكَسْبِ الماشِيَةِ، وفي هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الألِفُ مَقْطُوعَةً؛ لِأنَّهُ يُقالُ: "أمْشى الرَجُلُ" إذا صارَ صاحِبَ ماشِيَةٍ، وأيْضًا فَهَذا المَعْنى غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ في الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى: سِيرُوا عَلى طَرِيقَتِكم ودُومُوا عَلى سَيْرِكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى أمْرًا مِن نَقْلِ الأقْدامِ، قالُوهُ عِنْدَ انْطِلاقِهِمْ، وهو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا".
وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ يُرِيدُونَ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ وعُلُوَّهُ بِالنُبُوَّةِ، أيْ: يُرادُ مِنّا الِانْقِيادُ لَهُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ يُرِيدُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ ﴾ ، فَقالَ مُجاهِدٌ: أرادُوا مِلَّتَهم ونِحْلَتَهُمُ الَّتِي العَرَبُ عَلَيْها، ويُقالُ لِكُلِّ ما تَتَّبِعُهُ أُمَّةٌ: مِلَّةٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ: أرادَ مِلَّةَ النَصارى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وذَلِكَ مُتَّجِهٌ لِأنَّها مِلَّةٌ شَهِيرٌ فِيها التَثْلِيثُ، وأنَّ الإلَهَ لَيْسَ بِواحِدٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ ما سَمِعْنا ﴾ أيْ: ما سَمِعْنا أنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ هَذا، ولا أنَّهُ يُقالُ في المِلَّةِ الآخِرَةِ الَّتِي كُنّا نَسْمَعُ أنَّها تَكُونُ في آخِرِ الزَمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وذَلِكَ أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ الناسُ يَسْتَشْعِرُونَ خُرُوجَ نَبِيٍّ وحُدُوثَ مِلَّةٍ ودِينٍ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ مِن قَوْلِ الأحْبارِ أُولِي الصَوامِعِ، وما رُوِيَ عن شِقٍّ وسَطِيحٍ، وما كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَعْتَقِدُ مِن أنَّهُ يَكُونُ مِنهم.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما يُخْبِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ عَنِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ قالُوا: عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومُضَمَّنٌ ذَلِكَ الإنْكارُ، ﴿ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ ﴾ .
بِمَعْنى: نَحْنُ الأشْرافُ الأعْلامُ، فَلِمَ خُصَّ هَذا؟
وكَيْفَ يَصِحُّ هَذا؟
فَرَدَّ اللهُ تَعالى قَوْلَهم بِما تَقْتَضِيهِ "بَلْ"؛ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ تَخْصِيصُ اللهِ وإنْعامُهُ جارِيًا عَلى شَهَواتِهِمْ، ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ ، أيْ في رَيْبٍ أنَّ هَذا التَذْكِيرَ بِاللهِ حَقٌّ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ ، أيْ: لَوْ ذاقُوهُ لَتَحَقَّقُوا أنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ حَقٌّ، أيْ هم لِجَهالَتِهِمْ لا يُبَيِّنُ لَهُمُ النَظَرُ، وإنَّما يُبَيِّنُ لَهم مُباشَرَةُ العَذابِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْ أُنْزِلَ" بِمِيمٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.
ثُمَّ وقَّفَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، أعِنْدَهم رَحْمَةُ اللهِ وخَزائِنُها الَّتِي فِيها الهُدى والنُبُوءَةُ وكُلُّ فَضْلٍ، فَيَكُونُ لَهم تَحَكُّمٌ في الرِسالَةِ وغَيْرِها مِن نِعَمِ اللهِ؟
و"أمْ" هُنا، لَمْ تُعادِلْها ألِفٌ، فَهي المَقْطُوعَةُ الَّتِي مَعْناها إضْرابٌ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتِفْهامٌ، وقَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بـِ "بَلْ والألِفِ"، كَقَوْلِ العَرَبِ: "إنَّها لِإبِلٌ أمْ شاءٌ".
والخَزائِنُ لِلرَّحْمَةِ مُسْتَعارَةٌ، كَأنَّ المَعْنى: مَوْضِعُ جَمْعِها وحِفْظِها، مِن حَيْثُ كانَتْ ذَخائِرُ البَشَرِ تَحْتاجُ إلى ذَلِكَ خُوطِبَ في الرَحْمَةِ بِما يَنْحُو إلى ذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِي بِالخَزائِنِ المَفاتِيحَ.
واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ لَهم مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ ﴾ ﴿ جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتادِ ﴾ ﴿ وَثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ ﴾ ﴿ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ﴾ "أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ المَقْدَّرَةِ في "أمْ" الأُولى، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمْ لَهم هَذا المُلْكُ فَتَكُونَ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ عَلى اخْتِيارِهِمْ ونَظَرِهِمْ، ﴿ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ ﴾ إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ: إلى السَماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و"الأسْبابُ" كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأشْياءِ، وهي هُنا بِمَعْنى الحِبالِ والسَلالِمِ.
وقالَ قَتادَةُ: أرادَ أبْوابَ السَماءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الإشارَةِ بِـ"هُنالِكَ" إلى ما هِيَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ إلى الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ إنْ رامُوا ذَلِكَ جُنْدٌ مَهْزُومٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا قَوِيٌّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى حِمايَةِ الأصْنامِ وعَضُدِها، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ في هَذِهِ السَبِيلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ غَيْبًا أعْلَمَ اللهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ أنَّ جُنْدَ المُشْرِكِينَ يُهْزَمُونَ، فَخَرَجَ في بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى مَن حَضَرَ عامَ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الأحْزابِ ﴾ ، أيْ: مِن جُمْلَةِ أحْزابِ الأُمَمِ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا في الباطِلِ وكَذَّبُوا الرُسُلَ فَأخَذَهُمُ اللهُ تَعالى.
وَ"ما"، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جُنْدٌ ما هُنالِكَ ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيها تَخْصِيصٌ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذِي الأوتادِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أوتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ يَقْتُلُ الناسَ بِالأوتادِ يَشُدُّهم في الأرْضِ بِها، وقالَ الضَحّاكُ: أرادَ المَبانِيَ العِظامَ الثابِتَةَ.
وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ، كَما يُقالُ لِلْجِبالِ أوتادٌ لِثُبُوتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ: "ذُو الأوتادِ" عِبارَةٌ عن كَثْرَةِ أخْبِيَتِهِ وعِظَمِ عَساكِرِهِ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُهُمْ: "أهْلُ العَمُودِ".
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَيْكَةِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الأيْكَةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ هُمُ الأحْزابُ، وضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لِقُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ حَقٌّ عَلى جَمِيعِهِمْ، أيْ فَكَذَلِكَ يَحِقُّ عَلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ كُلٌّ لَمّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّ فِيها: "إنْ كُلُّهم إلّا كَذَّبَ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ ﴾ ﴿ وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ ﴾ ﴿ والطَيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ ﴾ ﴿ "يَنْظُرُ" ﴾ بِمَعْنى: يَنْتَظِرُ، وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ، صَدَّقَهُ الوُجُودُ، فالصَيْحَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عِبارَةٌ عن جَمِيعِ ما نابَهم مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَلَبَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: صاحَ فِيهِمُ الدَهْرُ، وقالَ قَتادَةُ: تَوَعَّدَهم بِصَيْحَةِ القِيامَةِ والنَفْخِ في الصُورِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ مَرْفُوعًا إلى النَبِيِّ .
وقالَتْ طائِفَةٌ: تَوَعَّدَهم تَعالى بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِها في الدُنْيا، وعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ فَمَعْنى الكَلامِ أنَّهم بِمَدْرَجِ عُقُوبَةٍ، وتَحْتَ أمْرٍ خَطِيرٍ، ما يَنْتَظِرُونَ فِيهِ إلّا الهَلَكَةَ، ولَيْسَ مَعْناهُ التَوَعُّدُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَظِرُهُ مُحَمَّدٌ فِيهِ كالتَأْوِيلِ الأوَّلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَواقٍ" ﴾ بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فُواقٍ" بِضَمِّ الفاءِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: ما لَها مِنَ انْقِطاعٍ وعَوْدَةٍ، بَلْ هي مُتَّصِلَةٌ حَتّى مَهْلِكَهُمْ، ومِنهُ: "فَواقُ الحَلْبَةِ": المُهْلَةُ الَّتِي بَيْنَ الشَخْبَتَيْنِ، وجَعَلُوهُ مِثْلَ قَصاصِ الشِعْرِ وقُصاصِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ الحَدِيثُ عَنِ النَبِيِّ : « "مَن رابَطَ فَوْقَ ناقَةٍ حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلى النارِ".» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ومُؤَرِّجٌ، والفَرّاءُ: المَعْنى مُخْتَلِفٌ، الضَمُّ كَما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى فَواقٍ، والفَتْحُ بِمَعْنى الإفاقَةِ، أيْ: ما يَكُونُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الصَيْحَةِ إفاقَةٌ ولا اسْتِراحَةٌ، فَفَواقٌ مِثْلَ جَوابٌ، مِن أجابَ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ عنهم أنَّهم قالُوا: ﴿ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ ﴾ ، والقِطُّ: الحَظُّ والنَصِيبُ، والقِطُّ أيْضًا: الصَكُّ والكِتابُ مِنَ السُلْطانِ بِصِلَةٍ ونَحْوُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ولا المَلِكُ النُعْمانُ يَوْمَ لَقِيتَهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ وَهُوَ مِن، قَطَطْتُ، أيْ: قَطَعْتُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "القِطِّ" هُنا، ما أرادُوا بِهِ؟
فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادُوا بِهِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الخَيْرِ والنَعِيمِ في دُنْيانا، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ: أرادُوا: عَجِّلْ لَنا صُحُفَنا بِأيْمانِنا، وذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا في القُرْآنِ أنَّ الصُحُفَ تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ قالُوا ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أرادُوا ضِدَّ هَذا مِنَ العَذابِ ونَحْوِهُ، فَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ ﴾ .
وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: أرِنا مَنازِلَنا في الجَنَّةِ حَتّى نُتابِعَكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ، فَكَلامُهم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عُلِمَ مِن كُفْرِهِمْ واسْتَمَرَّ، ولَفْظُ الآيَةِ يُعْطِي إقْرارًا بِيَوْمِ الحِسابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ ، أيْ: مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِها الِاسْتِخْفافَ، ولا تَلْتَفِتْ إلَيْها، ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ ﴾ في الدِينِ والصَدْعِ بِهِ، فَتَأسَّ بِهِ وتَأيَّدْ كَما تَأيَّدَ، و"الأيْدِ": القُوَّةُ، وهي في داوُدَ مُتَضَمِّنَةٌ قُوَّةَ البَدَنِ وقُوَّتَهَ عَلى الطاعَةِ.
و"الأوّابُ": الرَجّاعُ إلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، وقالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، وفَسَّرَهُ السُدِّيُّ بِالمُسَبِّحِ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "الزُرْقَةُ يُمْنٌ"،» وكانَ داوُدُ أزْرَقَ، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَمّا وهَبَ لِداوُدَ مِنَ الكَرامَةِ في أنْ سَخَّرَ الجِبالَ مَعَهُ تُسَبِّحُ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ الجِبالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي الجِبالُ الَّتِي كانَ فِيها وعِنْدَها، وتَسْبِيحُ الجِبالِ هُنا حَقِيقَةٌ.
و"الإشْراقُ": وقْتُ ضِياءِ الشَمْسِ وارْتِفاعِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ"، أيِ: ادْخُلْ في الشُرُوقِ.
وُفي هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ كانَتْ صَلاةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَلاةُ الضُحى عِنْدَنا هي صَلاةُ الإشْراقِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "والطَيْرَ" ﴾ عَطْفٌ عَلى "الجِبالَ"، أيْ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ، و"مَحْشُورَةً" نَصْبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: مَجْمُوعَةٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [والطَيْرُ مَحْشُورَةٌ] بِالرَفْعِ فِيهِما، والضَمِيرُ في "لَهُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، فـَ "كُلٌّ" عَلى هَذا يُرادُ بِهِ:داوُدُ، والجِبالُ، والطَيْرُ.
وقالَتْ فِرَقٌ: هو عائِدٌ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"كُلٌّ": الجِبالُ والطَيْرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَدَدْنا مُلْكَهُ ﴾ عِبارَةٌ عامَّةٌ لِجَمِيعِ ما وهَبَهُ اللهُ تَعالى مِن قُوَّةٍ وخَيْرٍ ونِعْمَةٍ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ أشْياءَ دُونَ أشْياءَ، فَقالَ السُدِّيُّ ؛ بِالجُنُودِ، وقالَ آخَرُونَ: بِهَيْبَةٍ جَعَلَها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَشَدَدْنا" ﴾ بِتَخْفِيفِ الدالِّ الأُولى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: (شَدَّدْنا) بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ.
و ﴿ الحِكْمَةَ ﴾ : الفَهْمُ في الدِينِ وجَوْدَةُ النَظَرِ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِـ (الحِكْمَةِ) النُبُوَّةَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الحِكْمَةُ؛ العِلْمُ الَّذِي لا تَرُدُّهُ العُقُولُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ: هِيَ عَقائِدُ البُرْهانِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "فَصْلِ الخِطابِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هو فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ وإصابَتُهُ وفَهْمُهُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وَشُرَيْحٌ، والشَعْبِيُّ: هو إيجابُ اليَمِينِ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، والبَيِّنَةِ عَلى المُدَّعِي، وقالَ زِيادٌ، والشَعْبِيُّ أيْضًا: أرادَ قَوْلَ: "أمّا بَعْدُ"، فَإنَّهُ أوَّلُ مَن قالَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ والَّذِي يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى آتاهُ أنَّهُ كانَ إذا خاطَبَ في نازِلَةٍ فَصَّلَ المَعْنى وأوضَحَهُ، وبَيَّنَهُ، لا يَأْخُذُهُ في ذَلِكَ حَصَرٌ ولا ضَعْفٌ، وهَذِهِ صِفَةٌ قَلِيلٌ مَن يُدْرِكُها، فَكانَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَلامُ فَصْلًا، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في صِفَةِ القُرْآنَ: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ ، ويَزِيدُ مُحَمَّدٌ عَلى هَذِهِ الدَرَجَةِ بِالإيجازِ في العِبارَةِ، وجَمْعِ المَعانِي الكَثِيرَةِ في اللَفْظِ اليَسِيرِ، وهَذا هو الَّذِي تَخَصَّصَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِهِ في قَوْلِهِ: « "وَأُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ"،» فَإنَّها في الخِلالِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ، وذِكْرُ "جَوامِعِ الكَلِمِ" مَعْدُودٌ ومُسَلَّمٌ لَهُ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِراطِ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةً واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ ﴾ ﴿ قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ ، واسْتُفْتِحَتْ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبًا مِنَ القِصَّةِ وتَفْخِيمًا لَها؛ لِأنَّ المَعْنى: هَلْ أتاكَ هَذا الأمْرُ العَجِيبُ الَّذِي هو عِبْرَةٌ؟
فَكَأنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ إنَّما هو تَهْيِئَةُ نَفْسِ المُخاطَبِ وإعْدادُها لِلتَّلَقِّي.
و"الخَصْمُ" - جارٍ مَجْرى "عَدْلٌ وزَوْرٌ" - يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وخَصْمٍ يَعُدُّونَ الذُحُولَ كَأنَّهم ∗∗∗ قُرُومٌ غَيارى كُلَّ أزْهَرَ مُصْعَبِ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُتَسَوِّرِ لِلْمِحْرابِ اثْنَيْنِ فَقَطْ؛ لِأنَّ نَفْسَ الخُصُومَةِ إنَّما كانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَتَجِيءُ الضَمائِرُ فِي: ﴿ "تَسَوَّرُوا" ﴾ و"دَخَلُوا" و"قالُوا" عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ والعِبارَةِ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وتَحْتَمِلُ أنَّهُ جاءَ مَعَ كُلٍّ فِرْقَةٌ كالعاضِدَةِ أوِ المُؤْنِسَةِ، فَيَقَعُ عَلى جَمِيعِهِمْ "خَصْمٌ"، وتَجِيءُ الضَمائِرُ حَقِيقَةً.
و"تَسَوَّرُوا" مَعْناهُ: عَلَوْا سُورَهُ، وهو جَمْعُ "سُورَةٍ"، وهي القِطْعَةُ مِنَ البِناءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَسَنَّمْتُ الحائِطَ أوِ البَعِيرَ إذا عَلَوْتَ عَلى سَنامِهِ.
و"المِحْرابُ": المَوْضِعُ الأرْفَعُ مِنَ القَصْرِ أوِ المَسْجِدِ، وهو مَوْضِعُ التَعَبُّدِ، والعامِلُ في "إذْ" الأُولى "نَبَأُ"، وقِيلَ: "أتاكَ"، والعامِلُ في الثانِيَةِ ﴿ "تَسَوَّرُوا"، ﴾ وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مِنهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَزَعُهُ مِنَ الداخِلِينَ أنْفُسِهِمْ لِئَلّا يُؤْذُوهُ، وإنَّما فَزِعَ مِن حَيْثُ دَخَلُوا مِن غَيْرِ البابِ ودُونَ اسْتِئْذانٍ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ لَيْلًا، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَزَعُهُ مِن أنْ يَكُونَ أهْلُ مُلْكِهِ قَدِ اسْتَهانُوهُ حَتّى تَرَكَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِئْذانَ، فَيَكُونُ فَزَعُهُ عَلى فَسادِ السِيرَةِ لا مِنَ الداخِلِينَ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُمْ: "لا تَخَفْ" أنَّهم فَهِمُوا فَزَعَهُ.
وهُنا قَصَصٌ طَوَّلَ الناسُ فِيها، واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ فِيهِ، ولا بُدَّ أنْ نَذْكُرَ مِنهُ ما لا يَقُومُ تَفْسِيرُ الآيَةِ إلّا بِهِ، ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ التَأْوِيلِ أنَّهم إنَّما كانُوا مَلائِكَةً بَعَثَهُمُ اللهُ ضَرْبَ مَثَلٍ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، فاخْتَصَمُوا إلَيْهِ في نازِلَةٍ قَدْ وقَعَ هو في نَحْوِها، فَأفْتى بِفُتْيا هي واقِفَةٌ عَلَيْهِ في نازِلَتِهِ، ولَمّا شَعَرَ وفَهِمَ المُرادَ خَرَّ وأنابَ واسْتَغْفَرَ، وأمّا نازِلَتُهُ الَّتِي وقَعَ فِيها فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ جَلَسَ في مَلَإٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَأُعْجِبَ بِعَمَلِهِ، وظَهَرَ مِنهُ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُخافُ عَلى نَفْسِهِ الفِتْنَةَ، ويُقالُ: بَلْ وقَعَتْ لَهُ في نَحْوِ هَذا مُحاوَرَةٌ مَعَ المَلَكَيْنِ الحافِظَيْنِ عَلَيْهِ، فَقالَ: جَرَّبانِي يَوْمًا، فَإنِّي وإنْ غِبْتُما عَنِّي لا أُواقِعُ مَكْرُوهًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ داوُدُ قَدْ قَسَّمَ دَهْرَهُ: يَوْمًا يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ الناسِ، ويَوْمًا لِعِبادَتِهِ، ويَوْمًا لِشَأْنِ نَفْسِهِ، فَفُتِنَ يَوْمَ خُلُوِّهِ لِلْعِبادَةِ لَمّا تَمَنّى أنْ يُعْطى مِثْلَ فَضْلِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والتَزَمَ أنْ يُمْتَحَنَ كَما امْتُحِنُوا، وقِيلَ: في السَبَبِ غَيْرُ هَذا مِمّا هو تَطْوِيلٌ لا يَصِحُّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ داوُدَ أخَذَ يَوْمًا في عِبادَتِهِ، وانْفَرَدَ في مِحْرابِهِ يُصَلِّي ويُسْبِّحُ، إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ طائِرٌ مِن كُوَّةٍ فَوَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ طائِرًا حَسَنَ الهَيْئَةِ، حَمامَةً، فَمَدَّ داوُدُ يَدَهُ لِيَأْخُذَها، فَما زالَتْ تُطْمِعُهُ ويَتْبَعُها حَتّى صَعَدَتِ الكُوَّةَ الَّتِي دَخَلَ مِنها، فَصَعَدَ لِيَأْخُذَها فَتَنَحّى الطائِرُ لَهُ، فَتَطَلَّعَ داوُدُ فَإذا هو بِامْرَأةٍ تَغْتَسِلُ عُرْيانَةً، فَرَأى مَنظَرًا جَمِيلًا فَتَنَهُ، ثُمَّ إنَّها شَعَرَتْ بِهِ فَأسْبَلَتْ شَعْرَها عَلى بَدَنِها فَتَجَلَّلَتْ بِهِ فَزادَهُ وُلُوعًا بِها، ثُمَّ إنَّهُ انْصَرَفَ وسَألَ عنها فَأُخْبِرَ أنَّها امْرَأةُ رَجُلٍ مِن جُنْدِهِ يُقالُ لَهُ: "أُورِيا"، وإنَّهُ في بَعْثِ كَذا وكَذا، فَيُرْوى أنَّهُ كَتَبَ إلى أمِيرِ تِلْكَ الحَرْبِ أنْ قَدِّمْ فُلانًا يُقاتِلْ عِنْدَ التابُوتِ، وهو مَوْضِعٌ قَلَّما يَخْلُصُ مِنهُ أحَدٌ، فَقُدِّمَ فاسْتُشْهِدَ هُنالِكَ، ويُرْوى أنَّ داوُدَ كَتَبَ أنْ يُؤَمَّرَ ذَلِكَ الرَجُلُ عَلى جُمْلَةٍ مِنَ الرِجالِ، وتُرْمى بِهِ الغاراتُ والوُجُوهُ الصَعْبَةُ مِنَ الحَرْبِ حَتّى قُتِلَ في الثالِثَةِ مِن نَهَضاتِهِ، وكانَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، فَلَمّا جاءَهُ الكِتابُ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ في حَرْبِهِ، جَعَلَ كُلَّما سُمِّيَ رَجُلٌ يَسْتَرْجِعُ ويَتَفَجَّعُ، فَلَمّا جاءَ اسْمُ الرَجُلِ قالَ: كُتِبَ المَوْتُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، ثُمَّ إنَّهُ خَطَبَ المَرْأةَ وتَزَوَّجَها فَكانَتْ أُمَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ فِيما رُوِيَ عن قَتادَةَ، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى إلَيْهِ الخَصْمَ لِيُفْتِيَ بِأنَّ هَذا ظُلْمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذا كُلَّهُ هَمَّ بِهِ داوُدُ ولَمْ يَفْعَلْهُ، والمُعاتَبَةُ عَلى الهَمِّ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما الخَطَأُ في أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ كَما جَزِعَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الجُنْدِ، إذْ كانَ عِنْدَهُ أمْرُ المَرْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرُواةُ عَلى الأوَّلِ أكْثَرُ، وفي كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ صُوَرٌ لا تَلِيقُ، وقَدْ حَدَّثَ بِها قُصّاصٌ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَن حَدَّثَ بِما قالَ هَؤُلاءِ القُصّاصُ في أمْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ جَلَدْتُهُ حَدَّيْنِ لِما ارْتَكَبَ مِن حُرْمَةِ مَن رَفَعَ اللهُ مَحِلَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "خَصْمانِ" ﴾ تَقْدِيرُهُ: نَحْنُ خَصْمانِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: وقُولا إذا جاوَزْتُما أرْضَ عامِرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وجاوَزْتُما الحَيَّيْنِ نَهْدًا وخَثْعَما نَزِيعانِ مِن جَرْمِ بْنِ زَبّانَ إنَّهم ∗∗∗ ∗∗∗ أبَوْا أنْ يُمِيرُوا في الهَزاهِزِ مِحْجَما ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ في المَثَلِ: "مُحْسِنَةٌ فَهِيلِي"، والتَقْدِيرُ: أنْتِ مُحْسِنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "آيِبُونَ تائِبُونَ".» وَ"بَغى": اعْتَدى واسْتَطالَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَكِنَّ الفَتى حَمَلَ بْنَ بَدْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بَغى والبَغْيُ مَرْتَعُهُ وخِيمُ وقَوْلُهُ: ﴿ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ ﴾ إغْلاظٌ عَلى الحاكِمِ، واسْتِدْعاءٌ لِعَدْلِهِ، ولَيْسَ هَذا بِارْتِيابٍ مِنهُ، ومِنهُ «قَوْلُ الرَجُلِ لِلنَّبِيِّ ": فاحْكم بَيْنَنا بِكِتابِ اللهِ"،» وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُشْطِطْ" ﴾ بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الطاءِ الأُولى، مَعْناهُ: ولا تَتَعَدَّ في حُكْمِكَ، وقَرَأ أبُو رَجاءَ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الطاءِ الأُولى، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والجَحْدَرِيِّ، والمَعْنى: ولا تَبْعُدْ، يُقالُ: شَطَّ إذا بَعُدَ، وأشَطَّ إذا أبْعَدَ غَيْرَهُ، وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "تُشاطِطْ" بِضَمِّ التاءِ وبِألِفٍ بَعْدِ الشِينِ.
و"سَواءُ الصِراطِ" مَعْناهُ: وسَطُ الطَرِيقِ ولاحِبُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ هَذا أخِي ﴾ ، إعْرابُ "أخِي" عَطْفُ بَيانٍ، وذَلِكَ أنَّ ما جَرى مِن هَذِهِ الأشْياءِ صِفَةٌ كالخَلْقِ والخُلُقِ وسائِرِ الأوصافِ، فَإنَّهُ نَعْتٌ مَحْضٌ، والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في المَوْصُوفِ، وما كانَ مِنها مِمّا لَيْسَ لِيُوصَفَ بِهِ البَتَّةَ فَهو بَدَلٌ، والعامِلُ فِيهِ مُكَرَّرٌ، وتَقُولُ: "جاءَنِي أخُوكَ زَيْدٌ"، فالتَقْدِيرُ: جاءَنِي أخُوكَ، جاءَنِي زَيْدٌ، فاقْتُصِرَ عَلى حَذْفِ العامِلِ في البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ﴾ ، وما كانَ مِنها مِمّا لا يُوصَفُ بِهِ واحْتِيجَ إلى أنْ يُبَيَّنَ بِهِ ويَجْرِيَ مَجْرى الصِفَةِ فَهو عَطْفُ بَيانٍ، وهو بَيِّنٌ في قَوْلِ الشاعِرِ: يا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرا فَإنَّ الرِوايَةَ في الثانِي بِالتَنْوِينِ تَدُلُّ عَلى أنَّ النِداءَ لَيْسَ بِمُكَرَّرٍ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِبَدَلٍ، وصَحَّ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ.
وهَذِهِ الأُخُوَّةُ مُسْتَعارَةٌ؛ إذْ هُما مَلَكانِ، لَكِنْ مِن حَيْثُ تَصَوَّرا آدَمِيَّيْنِ تَكَلَّما بِالأُخُوَّةِ الَّتِي بَيْنَهُما في الدِينِ والإيمانِ، واللهُ أعْلَمُ.
و"النَعْجَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَبَّرَ بِها عَنِ المَرْأةِ، والنَعْجَةُ في كَلامِ العَرَبِ تَقَعُ عَلى أُنْثى بَقَرِ الوَحْشِ، وعَلى أُنْثى الضَأْنِ، وتُعَبِّرُ العَرَبُ بِها عَنِ المَرْأةِ، وكَذَلِكَ بِالشاةِ، قالَ الأعْشى: فَرَمَيْتُ غَفْلَةَ عَيْنِهِ عن شاتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ فَأصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِها وطِحالها أرادَ: عَنِ امْرَأتِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثى"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَلِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، وهُما حَسَنانِ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ: "نِعْجَةً" بِكَسْرِ النُونِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَسْعٌ وتَسْعُونَ" بِفَتْحِ التاءِ فِيهِما، وهي لُغَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أكْفِلْنِيها"، ﴾ أيْ: رُدَّها في كَفالَتِي، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: اجْعَلْها كِفْلِي، أيْ: نَصِيبِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَعَزَّنِي"، ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "مَن عَزَّ بَزَّ"، أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَخْفِيفِ الزايِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ، عَزَّنِي، فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا، كَما قالَ أبُو زُبَيْدٍ: أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ بِتَخْفِيفِ الزايِ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الضُحى، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "وَعازَّنِي"، أيْ: غالَبَنِي.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي الخِطابِ ﴾ ، أيْ: كانَ أوجَهَ مِنِّي وأقْوى، فَإذا خاطَبْتُهُ كانَ كَلامُهُ أقْوى مِن كَلامِي، وقُوَّتُهُ أعْظَمَ مِن قُوَّتِي، فَيُرْوى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الحُجَّةَ قالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ؟
فَأقَرَّ وألَدَّ، فَقالَ لَهُ داوُدُ: لَئِنْ لَمْ تَرْجِعْ إلى الحَقِّ لَأكْسِرَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ.
وقالَ لِلثّانِي: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ ، فَتَبَسَّما عِنْدَ ذَلِكَ، وذَهَبا ولَمْ يَرَهُما لِحِينِهِ، فَشَعَرَ حِينَئِذٍ لِلْأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهُما ذَهَبا نَحْوَ السَماءِ بِمَرْأى مِنهُ.
وقِيلَ: بَلْ بَيَّنا فِعْلَهُ في تِلْكَ المَرْأةِ وزَوْجِها، وقالا لَهُ: إنَّما نَحْنُ مِثالٌ لَكَ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ داوُدَ قالَ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ حُجَّةَ الآخَرِ، وهَذِهِ كانَتْ خَطِيئَتَهُ، ولَمْ تَنْزِلْ بِهِ هَذِهِ النازِلَةُ المَرْوِيَّةُ قَطُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ مِن جِهاتٍ؛ لِأنَّهُ خالَفَ مُتَظاهِرَ الرِواياتِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ مَعْناهُ أنْ ظَهَرَ صِدْقَكَ بِبَيِّنَةٍ أو بِاعْتِرافٍ، وهَذا مِن بَلاغَةِ الحاكِمِ الَّتِي تَرُدُّ المُعْوَجَّ إلى الحَقِّ، وتُفْهِمُهُ ما عِنْدَ القاضِي مِنَ الفِطْنَةِ.
وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَ في النازِلَةِ اعْتِرافٌ مِنَ المُدَّعى عَلَيْهِ حُذِفَ اخْتِصارًا، ومِن أجْلِهِ قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ .
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ ﴾ ، أضافَ الضَمِيرَ إلى المَفْعُولِ.
و"الخُلَطاءُ": الأشْراكُ والمُتَعاقِبُونَ في الأمْلاكِ والأُمُورِ، وهَذا القَوْلُ مِن داوُدَ وعْظٌ وبَسْطٌ لِقاعِدَةِ حَقٍّ؛ لِيُحَذِّرَ مِنَ الوُقُوعِ في خِلافِ الحَقِّ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَظَنَّ داوُدُ ﴾ مَعْناهُ: شَعَرَ وعَلِمَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ظَنَّ" هُنا بِمَعْنى: أيْقَنَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظَنُّ أبَدًا في كَلامِ العَرَبِ إنَّما حَقِيقَتُهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ مُعْتَقَدَيْنِ يَغْلِبُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وتُوقِعُهُ العَرَبُ عَلى العِلْمِ الَّذِي لَيْسَ عَلى الحَواسِّ، ولا لَهُ اليَقِينُ التامُّ البَتَّةَ، ولَكِنْ يَخْلِطُ الناسُ في هَذا ويَقُولُونَ: "ظَنَّ" بِمَعْنى: أيْقَنَ، ولَسْنا نَجِدُ في كَلامِ العَرَبِ شاهِدًا يَتَضَمَّنُ أنْ يُقالَ: رَأى زَيْدٌ كَذا وكَذا فَظَنَّهُ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ﴾ ، وإلى قَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: فَقُلْتُ لَهم ظَنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ ∗∗∗ ∗∗∗ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ وإلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ "وَظَنَّ داوُدُ"، ﴾ فَإنَّكَ تَجِدُ بَيْنَها وبَيْنَ اليَقِينِ دَرَجَةً، ولَوْ فَرَضْنا أهْلَ النارِ قَدْ دَخَلُوها وباشَرُوا، لَمْ يَقُلْ: "فَظَنُّوا"، ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، ولَوْ أخْبَرَ جِبْرِيلُ داوُدَ بِهَذِهِ الفِتْنَةِ لَمْ يُعَبِّرْ عنها بـِ"ظَنَّ، فَإنَّما تُعَبِّرُ العَرَبُ بِها عَنِ العِلْمِ الَّذِي يُقارِبُ اليَقِينَ ولَيْسَ بِهِ، لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الإحْساسِ؟
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَتَنّاهُ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ النُونِ، أيِ: ابْتَلَيْناهُ وامْتَحَنّاهُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو رَجاءَ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "فَتَّنّاهُ" بِشَدِّ التاءِ والنُونِ، عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ -: "فَتَناهُ" بِتَخْفِيفِ التاءِ والنُونِ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْخَصْمَيْنِ، أيِ امْتَحَنّاهُ عن أمْرِنا، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "افْتَتَناهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ ﴾ ، أيْ: ألْقى بِنَفْسِهِ نَحْوَ الأرْضِ مُتَطامِنًا مُتَواضِعًا، والرُكُوعُ والسُجُودُ: الِانْخِفاضُ والتَرامِي نَحْوَ الأرْضِ، وخَصَّصَتْها الشَرائِعُ عَلى هَيْئاتٍ مَعْلُومَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: يُقالُ: "خَرَّ ثُمَّ رَكَعَ" وإنْ كانَ لَمْ يَنْتَهِ إلى الأرْضِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: المَعْنى: خَرَّ مِن رُكُوعِهِ، أيْ: سَجَدَ بَعْدَ أنْ كانَ راكِعًا، «وَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: "رَأيْتُنِي أكْتُبُ سُورَةَ ص، فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ سَجَدَ القَلَمُ، ورَأيْتُنِي في مَنامٍ آخَرَ وشَجَرَةً تَقْرَأُ ص، فَلَمّا بَلَغَتْ هُنا سَجَدَتْ، وقالَتِ: اللهُمَّ اكْتُبْ لِي بِها أجْرا، وحُطَّ عَنِّي بِها وِزْرًا، وارْزُقْنِي بِها شُكْرًا، وتَقَبَّلْها مِنِّي كَما تَقَبَّلْتَ مِن عَبْدِكَ داوُدَ، فَقالَ النَبِيُّ : "وَسَجَدْتَ أنْتَ أنْتَ يا أبا سَعِيدٍ "؟
قُلْتُ: لا، قالَ: أنْتَ كُنْتَ أحَقَّ بِالسَجْدَةِ مِنَ الشَجَرَةِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللهِ الآياتِ حَتّى بَلَغَ: "وَأنابَ" فَسَجَدَ، وقالَ كَما قالَتِ الشَجَرَةُ".» و"أنابَ" مَعْناهُ: رَجَعَ وتابَ.
ويُرْوى عن مُجاهِدٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ بَقِيَ في رَكْعَتِهِ تِلْكَ لاصِقًا بِالأرْضِ يَبْكِي ويَدْعُو أرْبَعِينَ صَباحًا حَتّى نَبَتَ العُشْبُ مِن دَمْعِهِ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا تَثْبُتُ صِحَّتُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا غَفَرَ اللهُ لَهُ أمْرَ المَرْأةِ قالَ: يا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِدَمِ زَوْجِها إذا جاءَ يَطْلُبُنِي يَوْمَ القِيامَةِ؟
فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: إنِّي سَأسْتَوْهِبُهُ لَكَ يا داوُدُ، وأجْعَلُهُ أنْ يَهَبَهُ راضِيًا بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ سُرَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ واسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ، ورُوِيَ عن عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، ومُجاهِدٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ نَقَشَ خَطِيئَتَهُ في كَفِّهِ، فَكانَ يَراها دائِمًا ويَعْرِضُها عَلى الناسِ في كُلِّ حِينٍ مِن خُطَبِهِ وكَلامِهِ وإشاراتِهِ وتَصَرُّفِهِ تَواضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإقْرارًا، وكانَ يَسِيحُ في الأرْضِ ويَصِيحُ: "إلَهِي، إذا ذَكَرْتُ خَطِيئَتِي ضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِرَحَبِها، وإذا ذَكَرْتُ رَحْمَتَكَ ارْتَدَّ إلَيَّ رُوحِي، سُبْحانَكَ إلَهِي، أتَيْتُ أطِبّاءَ الدِينِ يُداوُوا عِلَّتِي فَكُلُّهم عَلَيْكَ دَلَّنِي"، وَكانَ يُدْخِلُ في صَدْرِ خُطْبَتِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلْخاطِئِينَ، وما رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَماءِ بَعْدَ خَطِيئَتِهِ حَياءً حَتّى قُبِضَ، صَلّى اللهُ تَعالى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وعَلى جَمِيعِ النَبِيِّينَ وسَلَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ ﴾ ﴿ يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عن سَبِيلِ اللهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النارِ ﴾ ﴿ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ ﴾ ﴿ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ ﴾ مَعْناهُ: سَتَرْنا، و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الذَنْبِ المُتَقَدِّمِ، و"الزُلْفى": القُرْبَةُ والمَكانَةُ الرَفِيعَةُ.
و"المَآبُ": المَرْجِعُ في الآخِرَةِ، مِن: آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ.
وبَعْدَ هَذا حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا لَهُ: ﴿ يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً ﴾ ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى احْتِياجِ الأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِلازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلْ لُزُومُهُ مِنَ الشَرْعِ والإجْماعِ، ولا يُقالُ: "خَلِيفَةُ اللهِ" إلّا لِرَسُولِهِ، وأمّا الخُلَفاءُ: فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم خَلِيفَةُ الَّذِي قَبْلَهُ، وما يَجِيءُ في الشِعْرِ مِن تَسْمِيَةِ أحَدِهِمْ خَلِيفَةَ اللهِ، فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ وغُلُوٌّ، كَما قالَ ابْنُ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: خَلِيفَةُ اللهِ في بَرِّيَّتِهِ ∗∗∗ جَفَّتْ بِذاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ ألّا تَرى أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهُ عنهم حَرَّرُوا هَذا المَعْنى، فَقالُوا لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، فَبِهَذا كانَ يُدْعى مُدَّتَهُ، فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ قالُوا: يا خَلِيفَةَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، فَطالَ الأمْرُ، ورَأوا أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ سَيَطُولُ أكْثَرَ فَدَعَوْهُ: أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وقَصُرَ هَذا الِاسْمُ عَلى الخُلَفاءِ.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِن أمْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، هو خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ وعِظَةٌ لِأُمَّتِهِ، ووَعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ بِهِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُضِلُّونَ" بِضَمِّ الياءِ.
و"نَسُوا" مَعْناهُ - في هَذِهِ الآيَةِ -: تَرَكُوا.
وأخْبَرَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَظُنُّونَ أنَّ خَلْقَ السَماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنَّما هو باطِلٌ لا مَعْنى لَهُ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ يَؤُولُ إلى ثَوابٍ ولا إلى عِقابٍ، وأخْبَرَ تَعالى عن كَذِبِ ظَنِّهِمْ، وتَوَعَّدَهم بِالنارِ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى الفَرْقِ - عِنْدَهُ - بَيْنَ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصالِحاتِ، وبَيْنَ المُفْسِدِينَ الكَفَرَةِ، وبَيْنَ المُتَّقِينَ والفُجّارِ.
وفي هَذا التَوْقِيفِ حَضٌّ عَلى الإيمانِ وتَرْغِيبٌ فِيهِ، ووَعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ.
ثُمَّ أحالَ في طَلَبِ الإيمانِ والتَقْوى عَلى كِتابِهِ العَزِيزِ بِقَوْلِهِ: ﴿ كِتابٌ أنْزَلْناهُ ﴾ ، المَعْنى: هَذا كِتابٌ لِمَن أرادَ التَمَسُّكَ بِالإيمانِ والقُرْبَةَ إلَيْنا، وفي هَذِهِ الآياتِ اقْتِضابٌ وإيجازٌ بَدِيعٌ، كَإعْجازِ القُرْآنِ العَزِيزِ.
ووَصَفَهُ بِالبَرَكَةِ لِأنَّ أجْمَعَها فِيهِ؛ لِأنَّهُ يُورِثُ الجَنَّةَ، ويُنْقِذُ مِنَ النارِ، ويَحْفَظُ المَرْءَ في حالِ الحَياةِ الدُنْيا، ويَكُونُ سَبَبَ رِفْعَةِ شَأْنِهِ في الحَياةِ الآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ لِيَدَّبَّرُوا ﴾ بِالياءِ بِشَدِّ الدال والباءِ، والضَمِيرُ لِلْعالَمِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "لِتَدَّبَّرُوا" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عنهُ بِتَخْفِيفِ الدالِ، أصْلُهُ: تَتَدَبَّرُوا، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُعْطِي أنَّ التَدَبُّرَ مِن أسْبابِ إنْزالِ القُرْآنِ، فالتَرْتِيلُ إذًا أفْضَلُ لِهَذا؛ إذِ التَدَبُّرُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَرْتِيلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصافِناتُ الجِيادُ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عن ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُوقِ والأعْناقِ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ الهِبَةُ والعَطِيَّةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَوَهَبَ اللهُ سُلَيْمانَ لِداوُدَ ولَدًا، وأثْنى تَعالى عَلَيْهِ بِأوصافٍ مِنَ المَدْحِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ و"أوّابٌ" مَعْناهُ: رَجّاعٌ، ولَفْظَةُ ﴿ "أوّابٌ" ﴾ هو العامِلُ في "إذْ"؛ لِأنَّ أمْرَ الخَيْلِ مُقْتَضٍ أوبَةً عَظِيمَةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الخَيْلِ المَعْرُوضَةِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشاءً، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها حَتّى فاتَهُ وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ، قالَ قَتادَةُ: صَلاةُ العَصْرِ، ونَحْوُهُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأسِفَ لِذَلِكَ، وقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ، قالَ الحَسَنُ: فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَيْفِ عَقْرًا لَها لَمّا كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ الصَلاةِ، فَأبْدَلَهُ اللهُ أسْرَعَ مِنها الرِيحَ، وقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ الثَعْلَبِيُّ -: كانَتْ بِالناسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَإنَّما عَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ بِها، كالهَدْيِ عِنْدَنا، ونَحْوُ هَذا ما فَعَلَهُ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ بِحائِطِهِ؛ إذْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الدُبْسِيُّ في الصَلاةِ فَشَغَلَهُ.
و"الصافِنُ": الفَرَسُ الَّذِي يَرْفَعُ إحْدى يَدَيْهِ ويَقِفُ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِهِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِرِجْلِهِ، وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَجّاجُ: ألِفَ الصُفُونَ فَلا يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَلاثِ كَسِيرًا وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصافِنُ: الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيها، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى طَرَفِ السُنْبُكِ فَهو المُخَيَّمُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "الصَوافِنُ الجِيادُ"، والجِيادُ: جَمْعُ جَوْدٍ، كَثَوْبِ وثِيابٍ، وسُمِّي بِهِ لِأنَّهُ يَجُودُ بِجَرْيِهِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الخَيْرُ" هُنا أرادَ بِهِ: الخَيْلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، وكَذَلِكَ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِزَيْدِ الخَيْلِ: "أنْتَ زَيْدُ الخَيْرِ"،» و"حُبَّ" مَفْعُولٌ بِهِ نُصِبَ لِذَلِكَ عِنْدَ فِرْقَةٍ، كَأنَّ ﴿ "أحْبَبْتُ" ﴾ بِمَعْنى: آثَرْتُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ بـِ "أحْبَبْتُ" مَحْذُوفٌ، و"حُبَّ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أحْبَبْتُ هَذِهِ الخَيْلَ حُبَّ الخَيْرِ، وتَكُونُ "الخَيْرِ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - غَيْرَ الخَيْلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حُبَّ الخَيْلِ" بِاللامِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أحْبَبْتُ" مَعْناهُ: سَقَطْتُ إلى الأرْضِ لِذَنْبِي، مَأْخُوذٌ مِن: أحَبَّ البَعِيرُ إذا أعْيا وسَقَطَ هُزالًا، و"حُبَّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.
والضَمِيرُ في ﴿ "تَوارَتْ" ﴾ لِلشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ، إلّا أنَّ المَعْنى يَقْتَضِيها مَذْكُورَةً ويَتَضَمَّنُها؛ ولِأنَّ العَشِيَّ يَقْتَضِي لَها ذِكْرًا إذْ هو مُقَدَّرٌ مُتَوَهَّمٌ بِها.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَيْلَ، أيْ: دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَهْراوِيُّ: إنَّ مَسْحَهُ بِالسُوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَيْفِ، بَلْ بِيَدِهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ، وقَدْ يُقالُ لِلْغَسْلِ مَسْحٌ، لِأنَّ المَسْحَ بِالأيْدِي يَقْتَرِنُ بِهِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ عِنْدِي إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى نَحْوٍ مَنِ التَفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ.
وذَلِكَ أنَّهُ رَأى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيها فَوْتُ صَلاةٍ، ولا تَضَمَّنُ أمْرَ الخَيْلِ أوبَةً ولا رُجُوعًا.
فالعامِلُ فِي: "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ عُرِضَ، وقالُوا: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ، أيْ: إنِّي في الصَلاةِ، فَأزالُوها عنهُ حَتّى أدْخَلُوها في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ: ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ ، أيِ الَّذِي عِنْدَ اللهِ في الآخِرَةِ، بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عن رُؤْيَةِ الخَيْلِ، حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْناقَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ هَذا المَسْحَ إنَّما كانَ وسْمًا في السُوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى.
وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ خَيْلًا مَوْرُوثَةً.
قالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَها حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها أكْثَرُ مِن مِائَةِ فَرَسٍ، فَمِن نَسْلِ تِلْكَ المِائَةِ كُلُّ ما يُوجَدُ اليَوْمَ مِنَ الخَيْلِ.
وهَذا بَعِيدٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ خَيْلًا أخْرَجَها الشَياطِينُ لَهُ مِنَ البَحْرِ، وكانَتْ ذَواتَ أجْنِحَةٍ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، و"طَفِقَ" مَعْناهُ: دامَ يَفْعَلُ، كَما تَقُولُ: جَعَلَ يَفْعَلُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "بِالسُوقِ" ﴾ بِواوٍ ساكِنَةٍ، وهو جَمْعُ ساقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنَّ وجْهَها في القِياسِ أنَّ الضَمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ، قُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذا نَظِيرُ إمالَتِهِمْ ألِفَ "مِقْلاتٍ" مِن حَيْثُ ولِيَتِ الكَسْرَةَ القافُ، قَدَّرُوا أنَّ القافَ هي المَكْسُورَةُ.
وَوَجْهُ هَمْزَةِ "السُوقِ" مِنَ السَماعِ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ: أحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيْكَ مُؤْسى وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُؤُوقِ" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عن ذِكْرِ رَبِّي ﴾ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّ "عن" هُنا لِلْمُجاوَزَةِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُطَّرِدٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِتْنَتِهِ لِسُلَيْمانَ، وامْتِحانِهِ إيّاهُ لِزَوالِ مُلْكِهِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَتْ لَهُ حَظِيَّةٌ مِن حَظاياهُ: إنْ أخِي لَهُ خُصُومَةٌ، فَأرْغَبُ أنْ تَقْضِيَ لَهُ بِكَذا وكَذا، لِشَيْءٍ غَيْرِ الحَقِّ، فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: أفْعَلُ، فَعاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ سَلَّطَ عَلى خاتَمَهُ جِنِّيًّا، وذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لا يَدْخُلُ الخَلاءَ بِخاتَمِ المُلْكِ، تَوْقِيرًا لِاسْمِ اللهِ تَعالى، فَكانَ يَضَعُهُ عِنْدَ امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا، فَألْقى اللهُ شَبَهَهُ عَلى جَنِّيٍ اسْمُهُ صَخْرٌ - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، فَجاءَ إلى المَرْأةِ فَدَفَعَتْ إلَيْهِ الخاتَمَ، فاسْتَوْلى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وبَقِيَ فِيهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وطَرَحَ خاتَمَ سُلَيْمانَ في البَحْرِ، وجَعَلَ يَعْبَثُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشَبَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ، حَتّى أنْكَرُوا أفْعالَهُ، ومَكَّنَهُ اللهُ تَعالى مِن جَمِيعِ المُلْكِ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مِن نِساءِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْشِفْهُنَّ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ خِلالَ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ فارًّا عَلى وجْهِهِ مُنْكَرًا، لا يَنْتَسِبُ لِقَوْمٍ إلّا ضَرَبُوهُ، وأدْرَكَهُ جُوعٌ وفاقَةٌ، فَمَرَّ يَوْمًا بِامْرَأةٍ تَغْسِلُ حُوتًا مَيِّتًا، فَسَألَها مِنهُ لِجُوعِهِ، وقِيلَ: بَلِ اشْتَراهُ فَأعْطَتْهُ حُوتَيْنِ، فَجَعَلَ يَفْتَحُ أجْوافَها، وإذا خاتَمُهُ في جَوْفِ أحَدِهِما، فَعادَ إلَيْهِ مُلْكُهُ، وسُخِّرَتْ لَهُ الجِنُّ والرِيحُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وفَّرَ صَخْرٌ الجِنِّيُّ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِ في حِجارَةٍ، وسَجَنَهُ في البَحْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذِهِ هي الفِتْنَةُ الَّتِي فُتِنَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ وامْتُحِنَ بِها.
واخْتَلَفَ الناسُ في الجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الجِنِّيُّ المَذْكُورُ، سَمّاهُ ﴿ "جَسَدًا" ﴾ لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَمَثَّلَ في جَسَدِ سُلَيْمانَ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأبْيَنُها مَعْنًى.
وقالَتْ فِرْقَةٌ.
بَلْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدُ ابْنٍ لَهُ مَيِّتٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ شِقُّ الوَلَدِ الَّذِي وُلِدَ لَهُ حِينَ أقْسَمَ لَيَطُوفَنَّ عَلى نِسائِهِ ولَمْ يَسْتَثْنِ في قِسْمِهِ، وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كانَ بِلا رُوحٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنابَ" ﴾ مَعْناهُ: ارْعَوى وانْثَنى وأجابَ إلى طاعَةِ رَبِّهِ، ومَعْنى هَذا: مِن تِلْكَ الحَوْبَةِ الَّتِي وقَعَتِ الفِتْنَةُ بِسَبَبِها.
ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، واسْتَوْهَبَهُ مُلْكًا، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: أرادَ أنْ يُفْرِدَهُ بَيْنَ البَشَرِ لِتَكُوُنَ خاصَّةً لَهُ وكَرامَةً، وهَذا هو الظاهِرُ مِن «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في خَبَرِ العِفْرِيتِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ في صَلاتِهِ، فَأخَذَهُ وأرادَ أنْ يُوثِقَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، قالَ: "ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: رَبِ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي فَأرْسَلْتُهُ"،» وقالَ قَتادَةُ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي مُدَّةَ حَياتِي، أيْ: لا أُسْلَبُهُ ويَصِيرُ إلى أحَدٍ كَما صارَ إلى الجِنِّيِّ.
ورُوِيَ في مَثالِبِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ أنَّهُ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "لَقَدْ كانَ حَسُودًا"، وهَذا مِن فِسْقِ الحَجّاجِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَقْطُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا بَرًّا جائِزًا؛ لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُبُوَّةِ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ "لا يَنْبَغِي"، ﴾ فَإنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ بِقَطْعٍ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ، ومُحَمَّدٌ لَوْ رَبَطَ الجِنِّيَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا لَما أُوتِيهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ، لَكِنْ لَمّا كانَ فِيهِ بَعْضُ الشَبَهِ تَرَكَهُ جَرْيًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى اخْتِيارِهِ أبَدًا أيْسَرَ الأمْرَيْنِ وأقْرَبَهُما إلى التَواضُعِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ ﴾ ﴿ والشَياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ ﴾ ﴿ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ ﴿ هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أو أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ: "الرِياحَ"، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ، وسَخَّرَ اللهُ تَعالى الرِيحَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ لَهُ كُرْسِيٌّ عَظِيمٌ، يُقالُ: يَحْمِلُ أرْبَعَةَ آلافِ فارِسٍ، ويُقالُ: أكْثَرَ، وفِيهِ الشَياطِينُ، وتُظِلُّهُ الطَيْرُ، وتَأْتِي عَلَيْهِ الرِيحُ الإعْصارُ فَتُقِلُّهُ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَحْصُلَ في الهَواءِ، ثُمَّ يَتَوَلّاهُ الرَخاءُ، وهي اللَيِّنَةُ القَوِيَّةُ المُتَشابِهَةُ لا تَأْتِي فِيها دَفْعٌ مُفْرِطَةٌ، فَتَحْمِلُهُ، غُدُوُّها شَهْرٌ، ورَواحُها شَهْرٌ و ﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ أيْ: أرادَ، قالَهُ وهْبٌ وغَيْرُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ: أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ∗∗∗ فَأخْطا الجَوابَ لَدى المِفْصَلِ ويُشْبِهُ أنَّ "أصابَ" مُعَدّى: صابَ يَصُوبُ، أيْ: حَيْثُ وجَّهَ جُنُودَهِ وجَعَلَهم يَصُوبُونَ صَوْبَ السَحابِ والمَطَرِ.
قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: قَصَدَ، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ لِلْمُتَكَلِّمِ: "أصَبْتَ": مَعْناهُ: قَصَدْتَ الحَقَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ "الشَياطِينَ"، والمَعْنى: كُلَّ مَن بَنى مَصانِعَهُ لِلْحُرُوبِ.
و"مُقَرَّنِينَ" مَعْناهُ: مُوثَقِينِ، قَدْ قُرِنَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، و"الأصْفادُ": القُيُودُ والأغْلالُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ ، فَقالَ قَتادَةُ: إشارَةٌ إلى ما فَعَلَهُ بِالجِنِّ، فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنهُمْ، وأطْلِقْهُ مِن وثاقِهِ وسَرِّحْهُ مِن خِدْمَتِهِ، أو أمْسِكْ أمْرَهُ كَما تُرِيدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أشارَ إلى ما وهَبَهُ مِنَ النِساءِ وأقْدَرَهُ عَلَيْهِ مِن جِماعِهِنَّ، وقالَ الحَسَنُ: أشارَ إلى جَمِيعِ ما أعْطاهُ مِنَ المُلْكِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَمُنَّ عَلى مَن يَشاءُ ويُمْسِكَ عَمَّنْ يَشاءُ، فَكَأنَّهُ وقَفَهُ عَلى قَدْرِ النِعْمَةِ ثُمَّ أباحَ لَهُ التَصَرُّفَ فِيهِ بِمَشِيئَتِهِ، وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ مِنهُ أنَّ مَشِيئَتَهُ إنَّما تَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ طاعَةِ اللهِ.
وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأجْمَعُها لِتَفْسِيرِ الآيَةِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ﴾ ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ أيُّوبُ هو نَبِيٌّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو المُبْتَلى في جَسَدِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ، وسَلِمَ مُعْتَقَدُهُ ودِينُهُ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ سَلَّطَ الشَيْطانَ عَلَيْهِ لِيَفْتِنَهُ عن دِينِهِ، فَأصابَهُ في مالِهِ، وقالَ لَهُ: إنْ أطَعْتَنِي رَجَعَ مالُكَ، فَلَمْ يُطِعْهُ، فَأصابَهُ في أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَهَلَكُوا عن آخِرِهِمْ، وقالَ لَهُ: لَوْ أطَعْتَنِي رَجَعُوا، فَلَمْ يُطِعْهُ، فَأصابَهُ في جَسَدِهِ، فَثَبَتَ أيُّوبُ عَلى أمْرِ اللهِ سَبْعَ سِنِينَ وسَبْعَةَ أشْهُرٍ.
قالَهُ قَتادَةُ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشَرَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ.» ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ الَّذِي امْتَحَنَهُ اللهُ تَعالى مِن أجْلِهِ هُوَ: أنَّهُ دَخَلَ عَلى بَعْضِ المُلُوكِ فَرَأى مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرْهُ.
ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ أنَّهُ ذَبَحَ شاةً وطَبَخَها وأُكِلَتْ عِنْدَهُ وجارُهُ جائِعٌ لَمْ يُعْطِهِ مِنها شَيْئًا، ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ لَمّا تَناهى بَلاؤُهُ وصَبْرُهُ، مَرَّ بِهِ رَجُلانِ مِمَّنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما مَعْرِفَةٌ فَقَرَّعاهُ وقالا لَهُ: لَقَدْ أذْنَبَتْ ذَنْبًا ما أذْنَبَ أحَدٌ مِثْلَهُ، وفَهِمَ مِنهُما شَماتًا بِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا ونادى رَبَّهُ.
وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَسَّنِيَ الشَيْطانُ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى مَسِّهِ حِينَ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ حَسْبَما ذَكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ مَسَّهُ إيّاهُ حِينَ حَمَلَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنْ يُواقِعَ الذَنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَتِ المِحْنَةُ: إمّا تَرْكُ التَغْيِيرِ عِنْدَ المَلِكِ، وإمّا تَرْكُ مُواساةِ الجارِ، وقِيلَ: أشارَ إلى مَسِّهِ إيّاهُ في تَعَرُّضِهِ لِأهْلِهِ، وطَلَبِهِ مِنهُ أنْ يُشْرِكَ بِاللهِ، فَكانَ أيُّوبُ قَدْ تَشَكّى هَذا الفِعْلَ، وكانَ أشَدَّ عَلَيْهِ مِن مَرَضِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ (أنِّي) ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وكَسَرَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بِنُصْبٍ" ﴾ بِضَمِّ النُونِ وسُكُونِ الصادِ، وقَرَأ هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، ويَعْقُوبَ، وَرُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ أبُو عُمارَةَ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ "بِنُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ - ورَوى أيْضًا هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ بِفَتْحِ النُونِ وسُكُونِ الصادِ.
وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مَعْناهُ: المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ "النَصَبُ" في مَشَقَّةِ الإعْياءِ.
وفَرَّقَ بَعْضُ الناسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَوابُ أنَّها لُغاتٌ مِن قَوْلِهِمْ: "أنْصَبَنِي الأمْرُ ونَصَبَنِي" إذا شَقَّ عَلَيَّ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: تَعَنّاكَ نَصْبٌ مِن أُمَيْمَةَ مُنْصِبٌ ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ قِيلَ في هَذا البَيْتِ: إنَّ "ناصِبًا" بِمَعْنى "مُنْصِبٍ"، وأنَّهُ عَلى النَسَبِ، أيْ ذا نَصْبٍ.
وهُنا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجابَ لَهُ وقالَ لَهُ: " ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ " ﴾ ، والرَكْضُ: الضَرْبُ بِالرِجْلِ، والمَعْنى: ارْكُضِ الأرْضَ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ في الجابِيَةِ مِن أرْضِ الشامِ، ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِرَكْضِ الأرْضِ فَرَكَضَ فِيها فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنُ ماءٍ صافِيَةٌ بارِدَةٌ، فَشَرِبَ مِنها، فَذَهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في داخِلِ جَسَدِهِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَذَهَبَ ما كانَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَكَضَ مَرَّتَيْنِ، ونَبَعَ لَهُ عَيْنانِ: شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ في الأُخْرى.
وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ: "وَعَذابٌ ارْكُضْ" بِضَمِّ نُونِ التَنْوِينِ، وقَرَأ عامَّةُ قُرّاءِ البَصْرَةِ بِكَسْرِها.
و"مُغْتَسَلٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ غُسْلٍ، وماءُ غُسْلٍ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مُعْتَبَرٌ، وهَذا الماءُ مُغْتَسَلٌ مِثْلُهُ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى وهَبَ لَهُ أهْلَهُ ومالَهُ في الدُنْيا، ورَدَّ مَن ماتَ مِنهُمْ، وما هَلَكَ مِن ماشِيَتِهِ، وحالِهِ ثُمَّ بارَكَ في جَمِيعِ ذَلِكَ، ووُلِدَ لَهُ الأولادُ حَتّى تَضاعَفَ الحالُ، ورُوِيَ أنَّ هَذا كُلَّهُ وعْدٌ في الآخِرَةِ، أيْ: يَفْعَلُ اللهُ لَهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
والأوَّلُ أكْثَرُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
و"رَحْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَذِكْرى" ﴾ مَعْناهُ: مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً يَعْتَبِرُ بِها أُولُو العُقُولِ، ويَتَأسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشَدائِدِ، ولا يَيْأسُونَ مِن رَحْمَةِ اللهِ عَلى حالٍ.
ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ زَوْجَتُهُ مُدَّةَ مَرَضِهِ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ فَيَلْقاها الشَيْطانُ في صُورَةِ طَبِيبٍ، ومَرَّةً في هَيْئَةِ ناصِحٍ، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقُولُ لَها: لَوْ سَجَدَ هَذا المَرِيضُ لِلصَّنَمِ الفُلانِيِّ لَبَرِئَ، لَوْ ذَبَحَ عَناقًا لِلصَّنَمِ الفُلانِيِّ لَبَرِئَ، ويَعْرِضُ عَلَيْها وُجُوهًا مِنَ الكُفْرِ، فَكانَتْ هي رُبَّما عَرَضَتْ ذَلِكَ عَلى أيُّوبَ، فَيَقُولُ لَها: ألَقِيتِ عَدُوَّ اللهِ في طَرِيقِكِ؟
فَلَمّا أغْضَبَتْهُ بِهَذا ونَحْوِهِ، حَلَفَ لَها لَئِنْ بَرِئَ مِن مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِئَةَ سَوْطٍ، فَلَمّا بَرِئَ أمَرَهُ اللهُ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فِيهِ مِئَةُ قَضِيبٍ.
و"الضِغْثُ": القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ ونَحْوِها مِنَ الشَجَرِ الرَطْبِ، قالَهُ الضَحّاكُ وأهْلُ اللُغَةِ، فَيَضْرِبَ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً فَتَبَرَّ يَمِينُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ"، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، قالَ الشاعِرُ: وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًا مُتَطَيِّبِ هَذا حُكْمٌ قَدْ ورَدَ في شَرْعِنا عَنِ النَبِيِّ مِثْلُهُ في حَدِّ رَجُلٍ زَمِنٍ بِالزِنى، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ مِئَةُ شِمْراخٍ أو نَحْوُها، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً، ذَكَرَ الحَدِيثَ أبُو داوُدَ، وقالَ بِهَذا بَعْضُ فُقَهاءِ الأُمَّةِ، ولَيْسَ يَرى ذَلِكَ مالِكٌ وأصْحابُهُ، وكَذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى تَرْكِ القَوْلِ بِهِ، وأنَّ الحُدُودَ والبِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِتَمامِ عَدَدِ الضَرَباتِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ ﴾ ﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدارِ ﴾ ﴿ وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ ﴾ ﴿ واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ ﴾ ﴿ هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ ﴾ ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ أتْرابٌ ﴾ ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "واذْكُرْ عَبْدَنا" عَلى الإفْرادِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وَأهْلِ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا ﴾ عَلى الجَمْعِ، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَدَخَلَ الثَلاثَةُ في الذِكْرِ وفي العُبُودِيَّةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "عَبْدَنا" فَقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: دَخَلُوا في الذِكْرِ، ولَمْ يَدْخُلُوا في العُبُودِيَّةِ إلّا مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وتَأوَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ إسْحاقُ، مِن حَيْثُ ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ أيُّوبَ أنْبِياءَ امْتَحَنَهم بِمِحَنٍ كَما امْتَحَنَ أيُّوبَ، ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ لِأنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يُمْتَحَنْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا ضَعِيفٌ كُلُّهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أُولِي الأيْدِي"، ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والثَقَفِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أُولِي الأيْدِ" بِحَذْفِ الياءِ، وأمّا أُولُو فَهو جَمْعُ "ذُو"، وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَـ"الأيْدِي" فِيها عِبارَةٌ عَنِ القُوَّةِ في طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ: أُولِي الأيْدِي والنِعَمِ الَّتِي أسْداها اللهُ إلَيْهِمْ: مِنَ النُبُوَّةِ والمَكانَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: أيْدِي الجَوارِحِ، والمُرادُ الأيْدِي المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، والأبْصارُ الثاقِبَةُ فِيهِ، لا كالَّتِي هي مُهْمَلَةٌ في جُلِّ الناسِ.
وأمّا مَن قَرَأ: "الأيْدِ" دُونَ ياءٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كالَّتِي بِالياءِ وحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، ومِن حَيْثُ كانَتِ الألِفُ واللامُ تُعاقِبُ التَنْوِينَ وجَبَ أنْ تُحْذَفَ مَعَها كَما تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الأيْدِ" مَعْناها: القُوَّةُ، والمُرادُ: طاعَةُ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والأبْصارِ" ﴾ عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ، أيْ: يُبْصِرُونَ الحَقائِقَ، ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللهِ تَعالى، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ الجَمِيعُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "بِخالِصَةِ ذِكْرى" عَلى الإضافَةِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ.
وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "بِخالِصَةٍ ذِكْرى" ﴾ مُنَوَّنًا، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِخالِصَتِهِمْ ذِكْرى"، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٍ" اسْمُ فاعِلٍ، كَأنَّهُ عَبَّرَ بِها عن مَزِيَّةٍ أو رُتْبَةٍ، فَأمّا مَن أضافَها؛ "فَذِكْرى" مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، وأمّا مَن نَوَّنَ؛ فَـ"ذِكْرى" بَدَلٌ مِن "خالِصَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "خالِصَةٍ" مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، وخائِنَةِ الأعْيُنِ، وغَيْرِها، فَـ"ذِكْرى" - عَلى هَذا - إمّا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ عَلى تَقْدِيرِ: إنّا أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدارِ، ويَكُونَ "خالِصَةٍ" مَصْدَرًا، مِن: أخْلَصَ، عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ "ذِكْرى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَصْدَرِ، عَلى تَقْدِيرِ: إنّا أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدارِ، وتَكُونُ "خالِصَةٍ" مِن: خَلَصَ.
و"الدارِ" في كُلِّ وجْهٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"ذِكْرى"، و"ذِكْرى" مَصْدَرٌ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالدارِ دارَ الآخِرَةِ، عَلى مَعْنى: أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَذْكِيرُ بِالدارِ الآخِرَةِ، ودَعا الناسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، أو عَلى مَعْنى: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهم لِلدّارِ الآخِرَةِ، وخَوْفُهم لَها، والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: إنّا وهَبْناهم أفْضَلَ ما في الدارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدارِ دارَ الدُنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَناءِ والتَعْظِيمِ مِنَ الناسِ، والحَمْدِ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المُجازى بِهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِسانَ صِدْقٍ ﴾ ، وفي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ .
و"المُصْطَفَيْنَ" أصْلُهُ: المُصْطَفَيِينَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ، وما قَبْلَها مَفْتُوحٌ فانْقَلَبَتْ ألِفًا، ثُمَّ اجْتَمَعَ سُكُونُ الألِفِ وسُكُونُ الياءِ الَّتِي هي عَلامَةُ الجَمْعِ فَحُذِفَتِ الألِفُ.
و"الأخْيارِ" جَمْعُ خَيْرٍ، وخَيْرٌ: مُخَفَّفٌ مِن خَيِّرٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ "واللَيْسَعَ"، كَأنَّهُ أدْخَلَ لامَ التَعْرِيفِ عَلى "لَيْسَعَ"، فَأجْراهُ مَجْرى ضَيْغَمَ ونَحْوِهِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - والكُوفِيِّينَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "واليَسَعَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الألِفُ واللامُ فِيهِ زائِدَتانِ غَيْرُ مُعَرِّفَتَيْنِ، كَما هي في قَوْلِ الشاعِرِ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ∗∗∗ ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عن بَناتِ الأوبَرِ و"بَناتُ الأوبَرِ": ضَرْبٌ مِنَ الكَمْأةِ.
واخْتُلِفَ في نُبُوَّةِ (ذِي الكِفْلِ)، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ أمْرِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُشِيرَ إلى مَدْحِ مَن ذَكَرَ وإبْقاءِ الشَرَفِ لَهُ، فَيَتَأيَّدُ بِهَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ آنِفًا: إنَّ "الدارِ" يُرادُ بِها الدارَ الدُنْيا، والثانِي أنْ يُشِيرَ بِـ"هَذا" إلى القُرْآنِ، أيْ: هو ذِكْرٌ لِلْعالَمِ.
و"المَآبُ": المَرْجِعُ حَيْثُ يَؤُوبُونَ، و"جَنّاتٍ" بَدَلٌ مِن "حُسْنَ"، و"مُفَتَّحَةً" نَعْتٌ لِلْجَنّاتِ، و"الأبْوابُ" مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والتَقْدِيرُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُمُ: الأبْوابُ مِنها، وإنَّما دَعا إلى هَذا الضَمِيرِ أنَّ الصِفَةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيها عائِدٌ عَلى المَوْصُوفِ.
و ﴿ قاصِراتُ الطَرْفِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى أزْواجِهِنَّ، و"أتْرابٌ" مَعْناهُ: أمْثالٌ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ أنْ تَكُونَ الأسْنانُ واحِدَةً، أيْ: مَسَّتْ أجْسادُهُمُ التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يُوعَدُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتَ، واخْتَلَفا في سُورَةِ "ق"، فَقَرَأها أبُو عَمْرٍو بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وقَرَأ الباقُونَ في السُورَتَيْنِ بِالتاءِ.
و"النَفادُ": الفَناءُ والِانْقِضاءُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ ﴾ ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ ﴾ ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النارِ ﴾ ﴿ قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ ﴿ قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النارِ ﴾ التَقْدِيرُ: الأمْرُ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: هَذا واقِعٌ، أو نَحْوُهُ، و"الطاغِي": المُفْرِطُ في الشَرِّ، مَأْخُوذٌ مِن: طَغى يَطْغى، والطُغْيانُ هُنا في الكُفْرِ، و"المَآبُ": المَرْجِعُ، و"جَهَنَّمَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ، و ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ مَعْناهُ: يُباشِرُونَ حَرَّها وحَرْقَها، و"المِهادُ": ما يَفْتَرِشُهُ الإنْسانُ ويَتَصَرَّفُ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ "هَذا" ابْتِداءً، والخَبَرُ "حَمِيمٌ"، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: الأمْرُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ "هَذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ "فَلْيَذُوقُوهُ"، ﴾ و"حَمِيمٌ"، عَلى هَذا خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَمِيمُ: دُمُوعُهم تَجْتَمِعُ في حِياضٍ فَيُسْقَوْنَها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَغَسّاقٌ" ﴾ بِتَخْفِيفِ السِينِ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى السائِلِ، يُرْوى عن قَتادَةَ أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ويُرْوى عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن عُيُونِهِمْ، ويُرْوى عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ ما يَسِيلُ مِن حُمَةِ عَقارِبِ النارِ، وهي - يُقالُ - مُجْتَمِعَةٌ في عَيْنٍ هُنالِكَ، وقالَ الضَحّاكُ: هو أشَدُّ الأشْياءِ بَرْدًا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: هو أنْتَنُ الأشْياءِ، ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَبِيِّ .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "وَغَسّاقٌ" بِتَشْدِيدِ السِينِ، بِمَعْنى: سَيّالٌ، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ.
والمَعْنى فِيهِ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ الِاخْتِلافِ، غَيْرَ أنَّها قِراءَةُ ضُعْفٍ: لِأنَّ "غَسّاقًا" إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً فَيَجِيءُ في الآيَةِ حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِفَةِ مَقامَهُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ هُنا، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا فالأسْماءُ عَلى هَذا الوَزْنِ قَلِيلَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كالقَيّادِ ونَحْوِهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَآخَرُ" بِالإفْرادِ، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، واخْتُلِفَ في تَقْدِيرِ خَبَرِهِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: تَقْدِيرُهُ: ولَهم عَذابٌ آخَرُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: خَبَرُهُ: "أزْواجٌ"، و ﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ أنْ يُخْبِرَ بِالجَمِيعِ الَّذِي هو "أزْواجٌ" عَنِ الواحِدِ مِن حَيْثُ ذَلِكَ الواحِدُ دَرَجاتٌ ورُتَبٌ مِنَ العَذابِ، وقَوِيٌّ وأقَلُّ مِنهُ، وأيْضًا فَمِن جِهَةٍ أُخْرى عَلى أنْ يُسَمّى كُلُّ جُزْءٍ مِن ذَلِكَ بِاسْمِ الكُلِّ، كَما قالُوا: "وَشابَتْ مَفارِقُهُ" فَجَعَلُوا كُلَّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرِقًا، وكَما قالُوا: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، ونَحْوَ هَذا، ألّا تَرى أنَّ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّ هَذا الآخَرَ هو الزَمْهَرِيرُ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ زَمْهَرِيرًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "وَأُخَرُ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والجَحْدَرِيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ "أزْواجٌ"، و"مِن شَكْلِهِ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ.
ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ هَذِهِ القِراءَةَ، وأبُو حاتِمٍ بِكَوْنِ الصِفَةِ جَمْعًا، ولَمْ يَنْصَرِفْ (أُخَرُ) لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الألِفِ واللامِ صِفَةً، وذَلِكَ أنَّ حَقَّ "أفْعَلَ" وجَمْعِهُ أنْ لا يُسْتَعْمَلَ إلّا بِالألِفِ واللامِ، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتْ "أُخَرُ" دُونَ الألِفِ واللامِ كانَ ذَلِكَ عَدْلًا لَها، وجازَ في "أُخَرُ" أنْ يُوصَفَ بِها النَكِرَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ ، بِخِلافِ جَمِيعِ ما عُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ كَسَحَرَ ونَحْوِهِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِهِ النَكِرَةُ لِأنَّ هَذا العَدْلَ في "أُخَرُ" اعْتُدَّ بِهِ في مَنعِ الصَرْفِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِهِ في الِامْتِناعِ مِن صِفَةِ النَكِرَةِ، كَما يَعْتَدُّونَ بِالشَيْءِ في حُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ، نَحْوُ اللامِ في قَوْلِهِمْ: "لا أبا لَكَ"، واللامُ المُتَّصِلَةُ بِالكافِ اعْتُدَّ بِها فاصِلَةً لِلْإضافَةِ، ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ "لا"، ولَمْ يُعْتَدَّ بِها في أنْ أُعْرِبَ "أبا" بِالحَرْفِ، وشَأْنُهُ - إذا انْفَصَلَ ولَمْ يَكُنْ مُضافًا - أنْ يُعْرَبَ بِالحَرَكاتِ، فَجاءَتِ "اللامُ" مُلْغاةَ الحُكْمِ مِن حَيْثُ أُعْرِبَ بِالحَرَكاتِ كَأنَّهُ مُضافٌ، وهي مُعْتَدٌّ بِها فاصِلَةً في أنْ جَوَّزَتْ دُخُولَ "لا".
وقَرَأ مُجاهِدٌ: "مِن شِكْلِهِ" بِكَسْرِ الشِينِ.
و"أزْواجٌ" مَعْناهُ: أنْواعٌ، والمَعْنى: لَهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وأغْذِيَةٌ أُخَرُ مِن ضَرْبِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهُ وأنْواعٌ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا فَوْجٌ ﴾ هو ما يُقالُ لِأهْلِ النارِ إذا سِيقَ عامَّةُ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ؛ لِأنَّ رُؤَساءَهم يَدْخُلُونَ النارَ أوَّلًا، والأظْهَرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ لَهُمْ: مَلائِكَةُ العَذابِ، وهو الَّذِي حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَيَقُولُ البَعْضُ الآخَرُ: ﴿ لا مَرْحَبًا بِهِمْ ﴾ ، أيْ: لا سَعَةَ مَكانٍ ولا خَيْرَ يَلْقَوْنَهُ.
و"الفَوْجُ": الفَرِيقُ مِنَ الناسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ ﴾ حِكايَةً لِقَوْلِ الأتْباعِ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَ الرُؤَساءِ.
﴿ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ﴾ مَعْناهُ: بِإغْوائِكم أسْلَفْتُمْ لَنا ما أوجَبَ هَذا، فَكَأنَّكم فَعَلْتُمْ بِنا هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا رَبَّنا ﴾ حِكايَةً لِقَوْلِ الأتْباعِ أيْضًا، دَعَوْا عَلى رُؤَسائِهِمْ بِأنْ يَكُونَ عَذابُهم مُضاعَفًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ ﴾ ﴿ أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عنهُمُ الأبْصارُ ﴾ ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النارِ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما العَزِيزُ الغَفّارُ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِأشْرافِ الكُفّارِ ورُؤَسائِهِمْ، أخْبَرَ اللهُ عنهم أنَّهم يَتَذَكَّرُونَ - إذا دَخَلُوا النارَ - لِقَوْمٍ مِن مُسْتَضْعَفِي المُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ، وهَذا مُطَّرِدٌ في كُلِّ أُمَّةٍ جاءَها رَسُولٌ، ورُوِيَ أنَّ القائِلِينَ مِن كُفّارِ عَصْرِ النَبِيِّ هُمْ: أبُو جَهْلٍ بْنُ هِشامٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأهْلُ القَلِيبِ، ومَن جَرى مَجْراهُمْ، وأنَّ الرِجالَ الَّذِينَ يُشِيرُونَ إلى ذِكْرِهِمْ هم عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وصُهَيْبٌ ومِثْلُهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
والمَعْنى: كُنّا في الدُنْيا نَعُدُّهم أشْرارًا لا خَلاقَ لَهم.
وأمالَ الراءَ مِنَ "الأشْرارِ": أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأشَمَّ نافِعٌ، وحَمْزَةُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "اتَّخَذْناهُمْ" بِألِفِ وصْلٍ، ومَعْناها عَلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ"رِجالٍ"، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفِ قَطْعٍ لِلِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها تَقْرِيرُ أنْفُسِهِمْ عَلى هَذا، عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَها والأسَفِ، أيْ: أتَّخَذْناهم سُخْرِيًّا ولَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، واسْتَبْعَدَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ وأصْحابِهِ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، والضَحّاكِ، ومَعْناها مِنَ السُخْرَةِ والِاسْتِخْدامِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ السِينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ومَعْناهُ المَشْهُورُ مِنَ السَخَرِ الَّذِي هو الهُزْءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ∗∗∗ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيها ولا سَخَرُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَكُونُ كَسْرُ السِينِ مِنَ التَسْخِيرِ.
و"أمْ" في قَوْلِهِمْ: ﴿ أمْ زاغَتْ ﴾ مُعادِلَةٌ لِـ"ما" في قَوْلِهِمْ: ﴿ ما لَنا لا نَرى ﴾ ، وذَلِكَ أنَّها قَدْ تُعادِلَ ما يُعادِلُ "مَن"، وأنْكَرَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ هَذا وقالَ: إنَّها لا تَعادِلُ إلّا الألِفَ فَقَطْ، والتَقْدِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمَفْقُودُونَ هم أمْ زاغَتْ؟
ومَعْنى هَذا الكَلامِ: ألَيْسُوا مَعَنا أمْ هم مَعَنا؟
ولَكِنَّ أبْصارَنا تَمِيلُ عنهم فَلا نَراهُمْ؟
و"الزَيْغُ": المَيْلُ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النارِ ﴾ ، و"تَخاصُمُ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "لَحَقٌّ".
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَخاصُمَ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَخاصُمٌ" بِالتَنْوِينِ ﴿ أهْلِ النارِ ﴾ بِرَفْعِ اللامِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِأنْ يَتَجَرَّدَ لِلْكُفّارِ مِن جَمِيعِ الأغْراضِ إلّا أنَّهُ مُنْذِرٌ لَهُمْ، وهَذا تَوَعَّدٌ بَلِيغٌ مُحَرِّكٌ لِلنُّفُوسِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ ﴾ ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ ﴿ إلا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ إلى التَوْحِيدِ والمَعادِ، فَهي إلى القُرْآنِ وجَمِيعِ ما تَضَمَّنَهُ وعْدُهُ أنَّ التَصْدِيقَ بِهِ نَجاةٌ والتَكْذِيبَ بِهِ هَلَكَةٌ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ شُرَيْحًا اخْتَصَمَ إلَيْهِ أعْرابِيٌّ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَأرادَ شُرَيْحٌ أنْ يُنَفِّذَ الحُكْمَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: أتَحْكُمُ عَلَيَّ بِالنَبَأِ؟
فَقالَ شُرَيْحٌ: نَعَمْ، إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ ، وقَرَأ الآيَةَ، وحَكَمَ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الجَوابُ مِن شُرَيْحٍ إنَّما هو بِحَسَبِ لَفْظِ الأعْرابِيِّ، ولَمْ يُحَرِّرْ مَعَهُ الكَلامَ، وإنَّما قَصَدَ إلى ما يَقْطَعُهُ بِهِ؛ لِأنَّ الأعْرابِيَّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشَهادَةِ والنَبَأِ، و"النَبَأُ" في كَلامِ العَرَبِ بِمَعْنى: الخَبَرِ.
ووَبَّخَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ.
﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ، وهَذا احْتِجاجٌ لِصِحَّةِ أمْرِ مُحَمَّدٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا أمْرٌ خَطِيرٌ، وأنْتُمْ تُعْرِضُونَ عنهُ مَعَ صِحَّتِهِ، ودَلِيلُ صِحَّتِهِ أنِّي أُخْبِرُكم فِيهِ بِغُيُوبٍ لَمْ تَأْتِ إلّا مِن عِنْدِ اللهِ، فَإنِّي لَمْ يَكُنْ لِي عِلْمٌ بِالمَلَأِ الأعْلى وقْتَ خُصُومَتِهِمْ لَوْلا أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَنِي بِذَلِكَ.
وأرادَ بِهِ المَلائِكَةَ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَخْتَصِمُونَ" ﴾ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ هو لِلْمَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي هو اخْتِصامُهم فِيهِ، فَقالَتْ: فِرْقَةٌ اخْتِصامُهم في أمْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ وذُرِّيَّتِهِ في جَعْلِهِمْ في الأرْضِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما يَأْتِي مِنَ الآياتِ، فَقَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِماءَ ﴾ هو الِاخْتِصامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ اخْتِصامُهم في الكَفّاراتِ وغَفْرِ الذُنُوبِ ونَحْوِهِ؛ فَإنَّ العَبْدَ إذا فَعَلَ حَسَنَةً اخْتَلَفَتِ المَلائِكَةُ في قَدْرِ ثَوابِهِ في ذَلِكَ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ بِما شاءَ، ووَرَدَ في هَذا حَدِيثٌ فَسَرَّهُ ابْنُ فُورَكَ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لَهُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ في نَوْمِهِ: فِيمَ يَخْتَصِمُونَ؟
فَقُلْتُ: لا أدْرِي، فَقالَ: في الكَفّاراتِ، وهِيَ: إسْباغُ الوُضُوءِ في السَبَراتِ، ونَقْلُ الخُطى إلى الجَماعاتِ، الحَدِيثَ بِطُولِهِ، قالَ: "فَوَضَعَ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتّى وجَدْتُ بَرْدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَفْسِيرُ هَذا الحَدِيثِ أنَّ اليَدَ هي نِعْمَةُ العِلْمِ، وقَوْلُهُ : بَرْدَها، أيِ: السُرُورَ بِها والثَلَجَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ في الأمْرِ السارِّ: يا بَرْدَهُ عَلى الكَبِدِ، ونَحْوِ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "الصَلاةُ بِاللَيْلِ هي الغَنِيمَةُ البارِدَةُ"،» أيِ: السَهْلَةُ الَّتِي يُسَرُّ بِها الإنْسانُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِـ ﴿ بِالمَلإ الأعْلى ﴾ المَلائِكَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مَعْناهُ: إذْ تَخْتَصِمُ العَرَبُ الكافِرَةُ في المَلَإ الأعْلى، فَيَقُولُ بَعْضُها: هي بَناتُ اللهِ، ويَقُولُ بَعْضُها: هي آلِهَةٌ تُعْبَدُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِـ " المَلَأ الأعْلى " قُرَيْشًا، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يَتَقَوّى مِن جِهَةٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "إلا أنَّما" ﴾ بِفَتْحِ الألِفِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إلّا الإنْذارَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "إلّا إنَّما" عَلى الحِكايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: "أنْتَ نَذِيرٌ مُبِينٌ"، فَحَكى هو المَعْنى، وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ أنا عالِمٌ؟
فَيُقالُ لَهُ: أنْتَ عالِمٌ، فَيَحْكِي المَعْنى.
و"إذْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ بَدَلٌ مِن "إذْ" الأُولى، عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى الخُصُومَةَ في شَأْنِ مَن يُسْتَخْلَفُ في الأرْضِ، وعَلى الأقْوالِ الأُخْرى يَكُونُ العامِلُ في "إذْ" الثانِيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، و"البَشَرُ المَخْلُوقُ" هو آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ.
و"سَوَّيْتُهُ" يُرِيدُ بِهِ شَخْصَهُ.
و"نَفَخْتُ فِيهِ" عِبارَةٌ عن إجْراءِ الرُوحِ فِيهِ، وهي عِبارَةٌ عَلى نَحْوِ ما يُفْهَمُ مِن إجْراءِ الأشْياءِ بِالنَفْخِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رُوحِي ﴾ هي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ ؛ لِأنَّ الأرْواحَ كُلَّها هي مِلْكٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأضافَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ساجِدِينَ" ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى السُجُودِ المُتَعارَفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: خاضِعِينَ، عَلى أصْلِ السُجُودِ في اللُغَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ بِأمْرِهِ سَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ اسْتَكْبَرَ عَنِ السُجُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: وكانَ مِن أوَّلِ أمْرِهِ مِنَ الكافِرِينَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: ووُجِدَ عِنْدَ هَذِهِ الغَفْلَةِ مِنَ الكافِرِينَ، وعَلى القَوْلَيْنِ فَقَدْ حَكَمَ اللهُ عَلى إبْلِيسَ بِالكُفْرِ، وأخْبَرَ أنَّهُ كانَ قَدْ عَقَدَ قَلْبَهُ في وقْتِ الِامْتِناعِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ ﴿ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِينِ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ القائِلُ لِإبْلِيسَ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما مَنَعَكَ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَرَأ عاصِمٌ والجَحْدَرِيُّ: "لَمّا خَلَقْتُ" بِفَتْحِ اللامِ مِن (لَمّا) وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بِيَدَيَّ" ﴾ بِالتَثْنِيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِيَدِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿ مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا ﴾ بِالجَمْعِ، وهَذِهِ كُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِذِكْرِ اليَدِ تَقْرِيبًا عَلى السامِعِينَ؛ إذِ المُعْتادُ عِنْدَ البَشَرِ أنَّ القُوَّةَ والبَطْشَ والِاقْتِدارَ إنَّما هو بِاليَدِ، وقَدْ كانَتْ جَهالَةُ العَرَبِ بِاللهِ تَعالى تَقْتَضِي أنْ تُنْكِرَ نُفُوسُها أنْ يَكُونَ خَلْقٌ بِغَيْرِ مُماسَّةٍ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعانِي المَعْقُولَةِ.
وذَهَبَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ والعَيْنَ والوَجْهَ صِفاتُ ذاتٍ زائِدَةٌ عَلى القُدْرَةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُتَقَرَّرِ صِفاتِهِ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عنهُ، ويُسَمِّيها الصِفاتِ الخَبَرِيَّةَ.
ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ أرْبَعَةَ أشْياءَ بِيَدِهِ، وهِيَ: العَرْشُ، والقَلَمُ، وجَنَّةُ عَدْنٍ، وآدَمُ، وسائِرَ المَخْلُوقاتِ بِقَوْلِهِ: كُنْ، وهَذا - إنْ صَحَّ - فَإنَّما ذُكِرَ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لِلْأرْبَعَةِ والتَنْبِيهِ مِنها، وإلّا فَإذا حُقِّقَ النَظَرُ فَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَهو بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ الإيجادُ بَعْدَ العَدَمِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "اسْتَكْبَرْتَ" بِصِلَةِ الألِفِ، عَلى الخَبَرِ عن إبْلِيسَ، وتَكُونُ "أمْ" بِنِيَّةِ الِانْقِطاعِ لا مُعادِلَةً لَها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أسْتَكْبَرْتَ" بِقَطْعِ الألِفِ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَـ"أمْ" - عَلى هَذا - مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ إلى أنَّ "أمْ" لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا أُدْخِلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ؛ أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟
وقالُوا: وإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ فَلَيْسَتْ أمْ مُعادِلَةً.
ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنَّ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ؟
وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ قِياسٌ أخْطَأ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ قاسَ أنَّ ما يُخْلَقُ مِنَ الأفْضَلِ فَهو أفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُخْلَقُ مِنَ المَفْضُولِ، ولَمْ يَدْرِ أنَّ الفَضائِلَ تَخْصِيصاتٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَسِمُ بِها مَن يَشاءُ، وفي قَوْلِهِ رَدٌّ عَلى حِكْمَةِ اللهِ تَعالى وتَجْوِيرٌ، وذَلِكَ بَيِّنٌ في قَوْلِهِ: ﴿ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ ﴾ ، ثُمَّ قالَ: ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ ، وعِنْدَ هَذِهِ المَقالَةِ اقْتَرَنَ كُفْرُ إبْلِيسَ بِهِ، إمّا عِنادًا - عَلى قَوْلِ مَن يُجِيزُهُ -، وإمّا بِأنْ سُلِبَ المَعْرِفَةَ، وظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ كَفَرَ عِنادًا؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ كافِرٌ، ونَحْنُ نَجِدُهُ خِلالَ القِصَّةِ يَقُولُ: "يا رَبِّ، وبِعِزَّتِكَ، وإلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ"، فَهَذا كُلُّهُ يَقْتَضِي المَعْرِفَةَ، وإنْ كانَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ مُزاحَمٌ، فَتَأمَّلْهُ.
ثُمَّ أمْرَ اللهَ تَعالى إبْلِيسَ بِالخُرُوجِ عَلى جِهَةِ الدُخُورِ لَهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِنَ السَماءِ.
وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "مِنها" يُرِيدُ تَعالى: مِنَ الخِلْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، ومِن صِفاتِ الكَرامَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَجَعَتْ لَهُ أضْدادُها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَإنَّما أمَرَهُ أمْرًا يَقْتَضِي بُعْدَهُ عَنِ السَماءِ، ولا خِلافَ أنَّهُ أُهْبِطُ إلى الأرْضِ.
وَ"الرَجِيمُ": المَرْجُومُ بِالقَوْلِ السَيِّءِ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ.
و"يَوْمُ الدِينِ": يَوْمُ القِيامَةِ.
و"الدِينِ": الجَزاءُ.
وإنَّما حَدَّ لَهُ اللَعْنَةَ بِيَوْمِ الدِينِ، ولَعْنَتُهُ إنَّما هي مُخَلَّدَةٌ، لِيَحْصُرَ لَهُ أمَدَ التَوْبَةِ؛ لِأنَّ امْتِناعَ تَوْبَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ بَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَتِ الآخِرَةُ دارَ عَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ سَألَ النَظِرَةَ وتَأْخِيرَ الأجَلِ إلى يَوْمِ بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى الإبْقاءَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَ الجُمْهُورُ: أسْعَفَهُ اللهُ في طِلْبَتِهِ وأخَّرَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو الآنَ حَيٌّ مُغْوٍ مُضِلٌّ - وهَذا هو الأصَحُّ مِنَ القَوْلَيْنِ -، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يُسْعَفْ بِطِلْبَتِهِ، وإنَّما أُسْعِفَ إلى الوَقْتِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَمُوتَ إبْلِيسُ فِيهِ.
وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: ماتَ إبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ القائِلُ هو إبْلِيسُ، أقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ عَدُوٌّ اللهِ أنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ عِزَّةٌ فَأقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ أنَّهُ يُغْوِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ أجْمَعَ، إلّا مَن أخْلَصَهُ اللهُ لِلْإيمانِ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اسْتِثْناءُ الأقَلِّ عَنِ الأكْثَرِ، عَلى بابِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ أقَلُّ مِنَ الكَفَرَةِ بِكَثِيرٍ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ بَعْثِ النارِ وغَيْرِهِ، وجَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُسْتَثْنى الكَثِيرُ مِنَ الجُمْلَةِ ويُتْرَكَ الأقَلُّ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ ﴾ وقالَ مَن ناقَضَهُمُ: العِبادُ هُنا يَعُمُّ البَشَرَ والمَلائِكَةَ، فَبَقِيَ الِاسْتِثْناءُ عَلى بابِهِ في أنَّ الأقَلَّ هو المُسْتَثْنى.
وفَتْحُ اللامِ وكَسْرُها في "المُخْلَصِينَ" تَقَدَّمَ.
والقائِلُ: ﴿ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ هو اللهُ تَعالى، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: فالحَقُّ أنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَصْبِ في الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الثانِي فَمَنصُوبٌ بِـ"أقُولُ"، وأمّا الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ الإغْراءَ، أوِ القَسَمَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَوَ الحَقِّ"، ثُمَّ حُذِفَ الحَرْفُ، كَما تَقُولُ: "اللهَ لَأفْعَلَنَّ"، تُرِيدُ: واللهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَأمْلَأنَّ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: قُلْتُ لِلْخَلِيلِ: ما مَعْنى "لَأفْعَلَنَّ" إذا جاءَتْ مُبْتَدَأً؟
فَقالَ: هي بِتَقْدِيرِ قَسَمٍ مَنوِيٍّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ بِرَفْعِ الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَبِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: "لَأمْلَأنَّ"؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ، وأمّا الثانِي فَيُرْفَعُ عَلى الِابْتِداءِ أيْضًا.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِالرَفْعِ في الأوَّلِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وأبانَ بْنِ تَغْلِبٍ، وإعْرابُ هَذِهِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فالحَقِّ والحَقِّ" بِخَفْضِ القافِ فِيهِما عَلى القَسَمِ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لَيْسَ بِسائِلِ أجْرٍ ولا مالٍ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ ما لَمْ يُجْعَلْ إلَيْهِ، ولا يَتَحَلّى بِغَيْرِ ما هو فِيهِ.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ ، وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «نادى مُنادِي النَبِيِّ : "اللهُمَّ اغْفِرْ لِلَّذِينِ لا يَدَّعُونَ ولا يَتَكَلَّفُونَ، ألا إنِّي بَرِيءٌ مِنَ التَكَلُّفِ، وصالِحُو أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِهِ القُرْآنَ، و ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: تَذْكِرَةٌ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ ، وهَذا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَتَعْلَمُنَّ صِدْقَ نَبَئِهِ بَعْدَ حِينٍ مِن تَوَعُّدِكم.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ إلى أيِّ وقْتٍ أشارَ؟
لِأنَّ "الحِينَ" في اللُغَةِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ مِنَ الوَقْتِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أشارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: في اللُغَةِ أشارَ إلى الآجالِ الَّتِي لَهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْرِفُ الحَقائِقَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ السُدِّيُّ: أشارَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ؛ لِأنَّهُ يَوْمٌ عَرَفَ الكُفّارُ فِيهِ صِدْقَ وعِيدِ القُرْآنِ لَهم.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (ص) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ